Eş'arî — Makâlâtü'l-İslâmiyyîn (Eş'arî)
وقد زعم الجبائى ان الانسان لو كان اخرس عيا يكتب كلاما كان الكلام موجودا مع كتابته وكان يكون متكلما بكلام مكتوب وهو اخرس وابى غيره ان يكون المتكلم متكلما الا بكلام مسموع واختلف الذين زعموا ان الصوت هو المسموع دون الكلام الذى دل عليه الصوت فقال بعضهم كلام المخلوقين اعتمادهم على الصوت لاظهاره وتقطيعه والاعتماد عندهم حركة وقال بعضهم هو ارادة لتقطيع الصوت وليست الارادة عندهم حركة واختلف الناس في كلام الانسان هل هو حروف أم لا فقال قائلون ليس بحروف كنحو من حكينا قولهم آنفا وغيرهم ايضا يقول ذلك وحكى عبد الله بن كلاب انه كان يقول معنى قائم بالنفس يعبر عنه بالحروف وحكى عنه أنه حروف وحكى عن بعض الاوائل ان النظق هو ان يخرج الانسان ما في ضميه إلى اشخاص نوعه وقال كثير من المعتزلة ان كلام الانسان حروف وكذلك كلام الله فاما النظامية فيقولون كلام الله سبحانه صوت مقطع وهو حروف وكلام الانسان ليس بحروف واختلف الذين قالوا ان كلام الانسان حروف كم اقل الكلام من حرف فقال قائلون اقل الكلام حرفان كقولك لا وقال قائلون الحرف الواحد يكون كلاما وهذا مذهب الجبائى واعتل بقول اهل اللغة الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى واختلف الناس فيه من وجه آخر فقال بعضهم قد يجوز ان يقع الكلام ضرورة للمتكلم ويجوز ان يقع اختيارا وهذا قول ابى الهذيل وذلك انه كان يزعم ان كلام اهل الآخرة وصدقهم خلق الله باضطراب وكذلك يقول عبد الله بن كلاب ان الكلام يكون اضطرارا ويكون اكتسابا وابى هذا قوم وزعموا ان الكلام لا يقع الا فعلا للمتكلم وقال كثير من هؤلاء انه وان كان لا يقع ضرورة للمتكلم فقد يقع ضرورة للجسم الذى احله فيه المتكلم لان الضرورة عندهم ما حل في جسم والفعل من غيره واختلف الناس في تاويل قول الله عز وجل يوم تشهد عليهم ألسنتهم وفى كلام الذراع فقالوا في ذلك اقاويل قال قائلون كلام الذراع خلق لله اضطر الذراع اليه وكذلك شهادة الالسنة والايدى والارجل وقال قائلون في كلام الذراع ان الله سبحانه خلقها خلقا احتملت القدرة والحياة وخلق فيها القدرة ففعلت الكلام باختيار وكذلك يقول قائلون نحو هذا في قول الله عز وجل يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم ان الله سبحانه يجعلها حية قادرة فتفعل الشهادة على المشهود عليه وقال قائلون قول النبى صلى الله عليه وسلم هذا الذراع تخبرنى انها مسمومة انما معناه انها تدلنى من غير ان تكون متكلمة في الحقيقة كما يقول القائل هذه الدار تخبر عن اهلها وعمن كان فيها وعن سلطانهم وتمليكهم في الأرض اى تدل على ذلك وقال قائلون قول الله عز وجل يوم تشهد عليهم السنتهم اى انهم يشهدون على انفسهم بالسنتهم وايديهم وارجلهم كما يقول القائل ضربته رجلى ومعنى ذلك اى ضربته برجلي واختلفوا هل يتكلم الانسان بكلام غير مسموع أم لا يتكلم الا بكلام مسموع وهل يجوز ان يتكلم الانسان بكلام في غيره أم لا فقال قائلون يستحيل ان يتكلم الانسان بكلام غير مسموع وانه محال ان يتكلم بكلام مكتوب أو محفوظ وانه لا يتكلم الا بكلام مسموع ومحال ان يتكلم بكلام في غيره وقال قائلون قد يتكلم الانسان بكلام مسموع وبكلام مكتوب غير مسموع وقال قائلون الكلام يستحيل ان يكون مسموعا وان يتكلم الانسان الا بكلام قائم به واختلفوا في الناسخ والمنسوخ في ابواب فباب منها اختلافهم في الناسخ والمنسوخ كيف يكون فقال فيه المختلفون اربعة اقاويل فقال بعضهم ان المنسوخ هو ما رفعت تلاوة تنزيله وترك العمل بحكم تاويله فلا يترك لتنزيله ذكر يتلى في القرآن ولا لتأويله انه يعمل به في الاحكام
وقال آخرون النسخ لا يقع في قرآن قد نزل وتلى وحكم بتأويله النبى صلى الله عليه وسلم ولكن النسخ ما انزل الله به على هذه الامة في حكمه من التفسير الذى ازاح الله به عنهم ما قد كان يجوز ان يمنحهم به من المحن العظام التى كان صنعها بمن كان قبلها من الامم وقال آخرون انما الناسخ والمنسوخ هو ان الله سبحانه نسخ من القرآن من اللوح المحفوظ الذى هو أم الكتاب ما انزله على محمد صلى الله عليه وسلم لان الاصل أم الكتاب والنسخ لا يكون الا من اصل وقال آخرون قد يقع النسخ في قرآن انزله الله عز وجل وتلى وعمل به بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم ثم نسخه الله بعد ذلك وليس يلحق في ذلك بداء ولا خطأ فان شاء الله سبحانه جعل نسخة اياه بتبديل الحكم في تاويله وبترك تنزيله قرآنا متلوا وان شاء جعل نسخه بان يرفع تلاوة تنزيله فينسى ولا يتلى ولا يذكر واختلفوا في القرآن هل ينسخ الا بقرآن وفى السنة هل ينسخها القرآن فقال المختلفون في ذلك ثلاثة اقاويل قال بعضهم لا ينسخ القرآن الا بقرآن مثله ولا يجوز ان ينسخ شىء من القرآن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال آخرون السنة تنسخ القرآن وتقضى عليه والقرآن لا ينسخ السنة ولا يقضى عليها وقال آخرون القرآن ينسخ السنة والسنة لا تنسخ القرآن وقال آخرون القرآن والسنة حكمان من حكم الله عز وجل العلم والعمل بهما على الخلق واجب فجائز ان ينسخ الله القرآن بالسنة وان ينسخ السنة بالقرآن لانهما جميعا حكمان لله سبحانه ينسخ من حكمه بحكمة ما شاء واختلفوا في الآيتين لكل واحدة منهما حكم مخالف لحكم الاخرى مما قد يجوز ان يجتمع حكمهما على اختلافه على انسان في وقتين ويتنافيان في وقت واحد كقول الله عز وجل كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين فحكم الله سبحانه قبل المواريث ان يوصى الرجل عند موته بماله لوالديه واقربائه ثم حكم للوالدين بالميراث في فرضه المواريث ثم قال من بعد وصية يوصي بها أو دين فقال قوم نسخت آية المواريث للوالدين آية الوصية لهما وهم الذين قالوا لا ينسخ القرآن الا قرآن وقال مخالفوهم ليست آية المواريث للوالدين بناسخة لآية الوصية لهما وانما نسخت آية الوصية لهما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى قوله لا وصية لوارث ولولا سنته بذلك كانت الوصية للوالدين على حالها جائزة لان الله سبحانه انما حكم بالمورايث لاهلها من الوالدين وغيرهما من بعد وصية يوصى بها الرجل أو دين ولولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم انه لا وصية لوارث كان للرجل اذا احتضر ان يوصى بماله لوالديه لان الله ذكر ميراثهما من بعد وصية يوصى بها أو دين فان لم يوص لهما كان لهما الميراث بآية الموارثة وقال اهل هذه المقالة انما الناسخ والمنسوخ ما ينفى حكم الناسخ حكم المنسوخ ان يحكم به على عين واحدة في حال واحدة أو في حالين لتتنافى ذلك في المعنى كقوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقال واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر فجعل عدة اللواتى حضن الاقراء واللائى لم يحضن لصغر أو كبر الشهور ثم نسخ من هؤلاء المطلقات التى لم يدخل بهن فقال إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فخرجن اللواتى لم يدخل بهن من حكم الايتين جميعا واختلفوا في باب آخر وهو اختلافهم في اسماء الله ومديحه واخباره هل يجوز في ذلك النسخ أم لا فاجاز ذلك طوائف من اهل الاثر فزعموا ان ما تأخر تنزيله ناسخ لما تقدم نزوله وان المدنى ناسخ للمكى خيرا كان أو مدحا من مديح الله عز وجل وانكره اكثر الناس وقالوا لا يجوز النسخ في اخبار الله عز وجل ومديحه واسمائه والثناء عليه
وقد شذ شاذون من الروافض عن جملة المسلمين فزعموا ان نسخ القرآن إلى الايمة وان الله جعل لهم نسخ القرآن وتبديله واوجب على الناس القبول منهم وهؤلاء الذين ذكرنا قولهم طبقتان منهم من يزعم ان ذلك ليس على معنى ان الله يبدوا له البدوات وقالت الفرقة الاخرى منهم ان الله لا يعلم ما يكون حتى يكون فينسخ عند علمه بما يحدث من خلقه وفيهم مما لم يكن يعلمه ما يشاء من حكمه قبل ذلك فتحول حكمه في الناسخ والمنسوخ على قدر علمه بما يحدث في عباده فكلما علم شيئا كان لا يعلمه قبل ذلك بدا له فيه حكم لم يكن له ولا علمه قبل ذلك تعالى الله عما قالوه علوا كبيرا تم الكتاب بحمد الله
End of available text.