Qur'an&Sunnah

Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)

Section V01/P094–V01/P096

فيقال له إذ جعل اسمه عن غيره أكان ما حقق له غيره ذلك الإسم أو سمى به فإن قال لا له أن يسميه ما شاء من الأغيار والعلة والمعلول إذ بغيره استحق لأنه كذلك يقول كان ولا علة ولا معلول فإذا هو قول كان بحق المجاز لا بالحقيقة بالضرورة فأوجب هذا الإسم له غيره من غير أن كان منه ما استوجب فإن قال كان منه الإبداع قيل كان منه الإبداع بعد أن لم يكن حتى حقق له الإسم بأن كان به من أي وجه حتى أوجب له الإسم فيلزم جعله بإبداع إلى ما لا نهاية له وذلك محال ولا يقول به فيجب أن يكون الإبداع بذاته فيكون لم يزل مبدعا وفي ذلك كله وجوب الإسم الذاتي له بالضرورة ولا قوة إلا بالله قال الشيخ أبو منصور رحمه الله ثم الأصل عندنا أن الإسم المطلق لا يحتمل تحقق التشبيه لما وجد كل متضاد في الشاهد تحت الإسم نحو الحياة والموت والنور والظلمة والشر والخير والكفر والإيمان لكل إسم على حدة فلو كان بالإسم المطلق تشابه لكان لا تضاد يعلم ولا إختلاف بالإسماء ثبت أنها جعلت لما يراد من الإختلاف والإتفاق الذي لا يعلم حقيقة ذلك لو لم يكن له اسم ولو كان بموافقة الإسم عند نفى المعنى الذي له المعلول من المسمى تشابه في الشاهد لكان لو لم يسم للعالم العلو والسفلي والمبدع الأول والثاني ولكان بين من زعموا أن له إسما وبين غيره موافقة في نفى الإسم مع جميع الأشياء على أنه يجد في القول بواحد الخلق نفى التشبيه وإن كان من حيث اسم الآحاد اجتماع وبعد فإن الإبداع عنده علة ولا يوصف بالشيء لما كان به الأشياء والأعراض كلها لا توصف بعالم ولا قادر ولا نحو ذلك فلو كان في إثبات الإسم تشابه لكان في نفى ذلك كذلك من الوجه الذي ذكرت ولا قوة إلا بالله بسم الله الرحمن الرحيم اختلاف الناس في جواب سؤال السائل لم خلق الله الخلق الحمد لله الذي لا غاية لما يستحق من الشكر والمحامد على ما لدينا من جزيل المنن وعظيم العوائد وإياه نسأل التوفيق لأهدى سبل المراشد قال أبو منصور رحمه الله اختلف الناس في جواب سؤال السائل لم خلق الله الخلق قال قوم السؤال فاسد لا يسأل عن ذلك إذ الله سبحانه حكيم لم يزل عليم غنى فعله لا يحتمل الخروج عن الحكمة إذ يخرج الفعل عنها لجهل بها أو لما يخاف فوت نفع لو حفظ طريق الحكمة فإذا كان الله سبحانه عليما لا يجهل غنيا لا يمسه حاجة ينتفع بدفعها بطل أن يخرج فعله عن جهة الحكمة وسؤال لم ليست فيه الحكمة ولذلك نفى الله عز وجل توهم اللعب عن فعله فقال وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين إلى قوله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون والحق الويل بمن يظن به الحاجة أو في فعله السفه ولا قوة إلا بالله وقال قوم من المعتزلة رأى الأصلح كذلك ففعل ولا يسأل عن فعله الأصلح

Section V01/P096–V01/P098

قال الشيخ رحمه الله وهذا كلام لا يخلو من أن يراد بالأصلح الحكمة فهو الأول وإن أراد به معنى سواه فإن القول في معرفة الأصلح كهو في أنه لم فعل سواء مع ما يسأل عن شرط الأصلح له في الفعل من أين يجب على أن أحق الناس بالإستحياء من هذا اللفظ هم إذ ليس من شيء يجعل شرطا للأصلح إلا وأمكن أن يكون ذلك بعينه شرطا للفساد ويكون به أعظم الفساد ولا يجوز أن يكون شيء حكمة يصير سفها لأن تأويل الأصلح أن يكون أصلح لغيره وقد يكون به الفساد عندهم وتأويل الحكمة الإصابة وهو وضع كل شيء موضعه وذلك معنى العدل ولا يخرج فعله عن ذلك وقال إن الله خالق بذاته إذ هو اسم المدح والعظمة ومحال أن يكون الله سبحانه يستحقه بغيره لما فيه إيجاب النفع له ومن ذلك وصف فعله فهو محتاج وإذ قد ثبت أنه خالق بذاته لم يجز أن لا يكون خالقا البته والسؤال عن اللم محال كالسؤال عن لم قدر ولم علم ولا قوة إلا بالله وقال قوم إذ هو جواد كريم لزم الوصف بإفاضته الجود فلا بد من خلق يكون بخلقه واهبا مفيضا جوده عليه وهو قادر وقدرة لا تحقق الفعل البته ضائعة فلذلك خلق وبالله التوفيق وقال قوم السؤال محال لما يوجب تقدم علة لما يخلق والعلة إما أن يكون خلقا فالسؤال عنها هو السؤال عن جملة أو لا يكون فيكون غير إله في الأزل بل خلق بأن فعل الخلق بذاته على ما مر بيانه والله الموفق وقال قوم السؤال لا يعدو معان إما أن نقول لم خلق هذا العالم دون أن يخلق غيره فيكون هذا السؤال فيه كهو في هذا وكذلك في قوله لم لا خلق الخلق ليكون قبل الوقت الذي كان على أن الخلق ليس هو غير الوقت بل هو إخبار عن كونه يصير كونه وقتا ولا قوة إلا بالله أو يسأل عن حقيقة هذا العالم فيكون سؤاله منه فكأنه قال لم أسأل ولم عقلت أن أسأل ولم لا كنت غير عاقل وذلك فاسد لأنه في منع نفسه عن السؤال وبالله التوفيق وقال قوم خلق العالم لعلل يكون منها وفيها وما بعدها وذلك هو المعقول من جميع الحكماء أنه لمقاصد يعقب الصنيع وكذا كل فاعل لا يعلم عواقب فعله أنه لماذا يفعله فهو غير حكيم ثم اختلف في المعنى الذي له خلق من يقول خلق جل العالم للممتحن فيه إذ ظهور الحكمة فيهم وكذلك فيهم يظهر العلو والسلطان والجلال والرفعة وبهم تظهر الحكمة والسفه فهم المقصودون من الخلق وغيرهم من الخلائق خلقوا لهم لمنافع لهم وللإمتحان بها وللدلالة وسخروا لهم والممتحنون خلقوا للعبادة أو لأنفسهم ليسعوا لعواقب يحمدون عليها ويذمون إليهم يقع ذلك وضرورة جل خالقهم عن الوجهين إذ هم الذين خلقوا محتاجين ركب فيهم ما عرفوا به حوائجهم وما يقومون في قضائها ولا قوة إلا بالله وقال قوم لم يخلق الكل لعلة لأنه ليس وراء الكل شيء يكون ذلك علة وخلق البعض لعلة وذلك كما لم يخلق الكل في مكان لأن المكان في الكل وخلق بعضا لبعض وعلى هذا الأمر التوالد ثم الجزاء والمحنة وبالله التوفيق وقال الحسين في جواب هذا السؤال إنه خلق لأسباب يكثر منها دلالة وحجة ثم عبرة وعظمة ثم نعمة ورحمة ثم غذاء وقوام ومتصرفا في الحوائج ومنه ما خلق نعمة لأحد بلية على آخر قال ولو خلق ابتداء الخلق للمصالح والمنافع لا غير لم يكن يجوز تقديم شيء ولا تأخيره ولا خلق شيء قبل خلق الممتحن ولا قلب أمرا من حال إلى حال ولا زيادة ولا نقصان وإذ خلق الله من الخلائق ما لا يحيط بهم الأوهام واستترت عن نصرة الأنام ثبت أن الأمر ليس على ذلك لكنه في وضع الأشياء موضعها وصرف الأمور من النفع إلى الضرر والضرر إلى النفع ولا قوة إلا بالله

Section V01/P098–V01/P100

قال الفقيه رحمه الله وجملة هذا الفصل أنه على قولهم إذ لم يكن له غير الذي فعل لم يكن شيء من فعله مفضلا إذ هو أبقى بكل فعله صفة الجور ولا كان لما يفعله مختارا له إذ لو كان منه غير ذلك كان مفسدا وكان عن جعل الإصلاح في غيره عاجزا وذلك هو النهاية من صفة الذم والله الموفق ولو كان لا يجوز له غير الذي فعل لكان بفعله منتفعا ويصير هو إليه محتاجا ليحمد به ويثنى عليه إذ من لا يستحق حمدا ولا مدحا إلا بغيره فهو إليه محتاج في أن يحق له الثناء وبه منتفع إذ من قولهم إن فعله غيره ولم يكن له تركه ولاغير الذي فعله إذ غيره يحط رتبته ويسفهه فثبت بما فعل النفع وهو غيره عندهم وهذه صفة الحاجة في عرف العقول ولا قوة إلا بالله ثم القول بالأمر والنهى والترغيب والترهيب مع ما يقدم منه الكافي من ذلك الذي ذكره الحسين أن الله خلق خلقا مذللا بالتأديب عارفا بالنفع والضر مستدلا بالذي شهد من الحجة على الذي غاب لم يجز أن لا يفرض المعرفة ولا يحضر عليه الجهل فيكون فيه إباحة الكذب وكل ذميم مع ما كان لمن خلقه نعم عليه في الخلقة وشكر النعمة لازم في العقل فاستاده ثم الوعد والوعيد في الترغيب بتعظيمه والترحيب عن الإستخفاف به ثم إذ كرمه بفنون كل الكرم فعلى ذلك ثوابه لا أمد له وإذ كان الكفر غاية في العصيان فكذلك عقوبته وأيضا أن الإيمان تصديق بما لا نهاية له ولا نفاذ والكفر تكذيب بما لا نهاية له ولا نفاذ فعلى ذلك جزاؤهما ولهذا يجوز العفو عما دون الكفر لأنه ليس بجحد لما لا نهاية له ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله ودليل الأمر عندنا والنهى معرفة الآمر والناهي إذ خص الله البشر من بين البهائم في تعرف ذلك لم يحتمل إهمالهم عن ذلك كما لا يحتمل شيء مما فيه النفع إهماله عنه وبما في العقل حسن كل حسن وقبح كل قبيح ثم في الفعل يقبح فعل القبيح ويحسن فعل الحسن فلزم الأمر والنهى لما كان ما به الأمر والنهى ولأن الله خلق خلقا يدل على وحدانيته وحكمته فلم يجز إخلاء الخلق عن معرفة ذلك فيصير خلقه عبثا ولما في رفع الكلفة زوال الخلقة إذ حصلت للفناء وكل بان شيئا للنقض لا غير فهو عابث غير حكيم ثم الوعد والوعيد للترغيب والترهيب إذ لولا ذلك يذهب نفع الإئتمار وضرر العصيان ولم يكن لمن خلق في فعلهم نفع فإذا لم يكن للمؤتمر نفع ولا للعاصي ضرر يبطل معنى الأمر والنهى إذ ليس لنفع الآمر والناهي فلذلك لزم الوعد والوعيد في الحكمة مع ما في الأمر والنهى مجاهدة النفس وحملها على ما يكرهه الطبع والذي يكرهه تنفر عنه النفس فلا يجد الممتحن على قهره وصرفه إلى ما يريده ويؤمر به سبيلا إلا إحضار الوعد والوعيد حتى إذا رأى ذلك سهل عليه ترك الملاذ وهان عليه تحمل المؤن العظام وبعد فإن البشر خلق خلقا قبح عليه فعل الذي لا يقصده به نفع العواقب أو لاتتقي به ضرر العواقب فلا بد أن يجعل لأعماله ذلك وذلك حق الوعد والوعيد ولولا ذلك لكان يستوى عواقب العدو والولي وعلى ما تفاوتا هما بحيث الإختيار والإيثار يجب تفاوت عواقبهما وبالله التوفيق وقد أمكن أن نجعل الثواب كله فضلا إذ قد سبق من الله من النعم ما استحق الشكر عليه بعامة ما احتمل الوسع فيكون الثواب فضلا من الله ثم كذلك المضاعفة في ذلك كقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها فذكر في السيئة ما توجبه الحكمة من الجزاء وضاعف في الثواب على ما تحتمله الأفضال إذ ذلك أصله ولا قوة إلا بالله

Section V01/P100–V01/P103

فهذا فيما احتمله عقولنا مما يلزم الأمر والنهى ومع ما كان فيما جاء بهما الرسل عن الله دليل كاف يلزم القول بعظم الحكمة لهما لو قصرت عقولنا عن الوقوف على ذلك مع ما في العقل إذا ترك استعماله كسائر الجوارح لم يحتمل تعطيلها عن المنافع التي هي سببها فمثله العقل مع ما كان الذي ذكرت في سائر الجوارح هو حق الفعل أيضا وإشارته ولا قوة إلا بالله مسألة في التوحيد من عرف نفسه عرف ربه فإن قال قائل أجمع أن من عرف نفسه عرف ربه لكنهم اختلفوا في وجه المعرفة فقالت الثنوية لما عرف إشتمال نفسه على الخير والشر عرف أن لكل جهة منه ربا واليهود صيرته واحد جزء وقالت المشبهة هو جسم إذ في الشاهد تكون معرفة النفس للجسم وقال جهم إذ عرف أنه كان بعد أن لم يكن وهو شيء جسم عالم سميع بصير علم أن كل ما كان له ذلك الإسم فهو حدث وربه الذي أنشأه لا يحتمل أن يكون حدثا وعندنا أن من عرف نفسه عرف ربه لما يعرفها بالجهل مما احتملته هي من السمع والبصر وغيرهما من الأعراض وكذلك بإصلاح ما فسد منها وبقدر ما تأخذ هي من الزمان والمكان وبأنواع حاجات ترد عليها لا يعرف مأتاها ولا حقيقة ما به زوالها فهذا شأنه مع ما يشهد زوالها بما شهد من نفسه فعلمه بما مضى من أحوالها من أول ما كانت إلى الحال التي هو فيها مع العلم فيما يختلف عليها من الأحوال إلى وقت قيامها منه أبعد وعن تصور ذلك في وهمه أعسر وعن إحتمال إحاطة عقله به أعجز علم بضرورة أنه لم يدبر أمر نفسه على ماهي عليها بل لو كان الأمر إليه لدبرها على ما يعلم جميع ذلك إذ لو كانت ثمة قدرة على شيء من ذلك لم يكن ليدفع إلى الجهل الذي ثبت ثم إلى العجز فيما أخبرت من دفع الحاجات عن نفسه وإصلاح ما فسد منها فيعلم عند ذلك إذ هو أملك الخلائق تدبيرا فيما يحس وأعلاهم إدراكا لحقائق ما يلقى وأسرعهم وقوفا على ما يعلم ويذكر من الأمور فيعلم خروجه من تدبير نفسه في التكوين والإفناء والإبقاء ثم من إبداء جميع المحسوسين إذ هم تحت تدبيره كالمتحيرين في حوائجه ويعلم بأن مثله على ما عليه من الإحتمال والوقوف على الأمور والإدراك للأسباب لا يكون إلا بمن هو خارج من جميع المعاني التي عليها نفسه وفيها تقلبها فيعلم أنه بقادر لا يعجز وعالم لا يجهل وجبار لا ينازع في تدبيره فيعرف أنه جل وعلا لا يشبهه شيء من ذلك ولا معنى إذ من الوجه الذي يشبهه يوجب ما أوجب فيه من حدث أو قدم أو تدبير غير فيه وكذلك جميع الأشياء إذ بينها موافقة في الحاجات وأنواع العجز والصنف ثم في الحدثية من كل الوجوه فيجب بهذا أن يعرف أنه خلاف له بكل الجهات والجهات له لا لمدبره فيكون في ذلك تعريف الرب بما هو أهله ولا قوة إلا بالله وعلى هذا يبطل قول جهم إنه لم يكن عالما قادرا ثم صار كذلك وقول من يقول لم يكن فاعلا متكلما ثم صار كذلك إذ مكنوا فيه تغير الجهات والأحوال التي هي سبب معرفة العبد نفسه خلقا وحدثا ولا قوة إلا بالله وبما ذكرت من إمكان قبول الأحوال اختيارا وإحتماله الصفات العليه من نحو العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر ما يوضح كونه بالصانع العليم لا بالطبائع التي هي عاجزة عن الإختيار وجاهلة بالأحوال وكذلك جميع الأغذية ولا قوة إلا بالله وكذلك بإحتماله الخير والشر ومختلف الأحوال دليل صرف تدبيره إلى من لا يوصف بالإحتمال و لا بمختلف الأحوال ليكون كل شيء على ما عليه تقديره له ولا قوة إلا بالله وقال قوم من عرف نفسه الخفية عرف ربه ونفسه الخفية هي الكيان المجعول لصلاح الأمور وإحتمال المعالي وملك تدبير الخلائق ودرك الخفيات من الأمور بالفكر والنظر في الأسباب

Section V01/P103–V01/P105

زما قالوه حسن وقد يقع بما ذكرت في معرفة الصانع كفاية عن درك الخفي بما وصل خفى من أحواله ووصل إلى العلم بما استتر وظهر بالأسباب وبه يعرف ما خفى منه سمى نفسا أو لا وظهر ولا قوة إلا بالله مسألة معنى القول بان الله شيء ثم الشيء إثبات لا غير وإثبات عن الهستية إذ لا شيء نفى فيعلم بأن الله سبحانه شيء لا نفى عن نفسه أنه شيء إذ ينفى عامة أحوال نفسه ويعلمها من غير أن ينفى شيئيتها فصار يعرف ربه لا من الوجه الذي يعرف أنه شيء لذلك لم تمنع معرفته بشيئية نفسه المعرفة بربه أنه شيء إذ لا شيئية دلته على الرب ولا قوة إلا بالله وأما الجسم فهو اسم لكل محدود والشيء إثبات لا غير وفي وجود العالم على ما عليه دليل الإثبات لذلك قيل بالشيء وفيه إذ هو متناه لا من حيث الشيئية بل من حيث الحد دليل نفى الحد عن الله جل ثناؤه إلا أن يراد بالحد الوحدانية والربوبية فهو كذلك وحرف الحد ساقط لأنه يغلب في الدلالة على نهاية الشيء من طريق العرض ونحو ذلك مما يتعالى عن ذلك وذلك معنى الجسم في الشاهد وفيه أيضا إيجاب الجهات المحتمل كل جهة أن يكون أطول منها وأعرض وأقصر فلذلك بطل القول بذلك ولا قوة إلا بالله ثم الهوية في الشاهد كناية عن الوجود وتأويله نفى العدم عنه والله تعالى لم يزل ولا يزال بلا تغير ولا زوال ولا انتقال من حال إلى حال ولا تحرك ولا قرار إذ هو وصف اختلاف الأحوال ومن تختلف الأحوال عليه فهو غير مفارق لها ومن لا يفارق الأحوال وهن أحداث فيجب بها الوصف بالإحداث وفي ذلك سقوط الوحدانية ثم القدم ثم جرى لتدبير الغير عليه إذ حال من الأحوال لو كانت لذاته لم يجز تغيرها ما دامت ذاته فثبت بذلك الغير لتغير الأحوال عليه وبنقله من حال إلى حال وذلك دليل تعاليه عن الوصف بالمكان إذ قد ثبت أن كان ولا مكان وليس في الإضافة إلى أنه على العرش استوى تثبيت مكان كما لم يكن في قوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم وقوله ونحن أقرب إليه منكم ذلك على أن القول بالمكان ليس من نوع التعظيم والتبجيل بل الأمكنة إنما شرفت به وتفاوتت أقدارها بتفضيله مكانا على مكان يجعله مخصوصا لأخيار خلقه أو لما جعل لعبادته وتعظيمه فيه فأما أن يكون أحد تعلو رتبته بالمكان من ملوك الأرض أو الأخيار فليس به فكيف بالملك الجبار الذي ما ارتفع قدر مكان ولا جل خطره إلا به وإذا كان كذلك بطل أن يكون في الإضافة تعظيمه ثم يكون فيما بعد ذلك للحاجة وهو يتعالى عنها فلذلك لم يجب بقوله الرحمن على العرش استوى معنى الكون في المكان إذ ذلك الحرف يعبر به عن العلو والجلال ومحال مثله له بخلقه فثبت أن ذلك من الوجه الذي يستحقه بذاته من العلو والرفعة وما هو بذاته عليه فهو كان كذلك ولا خلق لم يجز الوصف له بالخلق ولا قوة إلا بالله مع ما يكون ذلك الإعتقاد عن علم تقدم بحال من يضاف إليه ذلك في الشاهد قبل الإضافة من الإحتمال ثم الله سبحانه كان ولا مكان وعلى ذلك اعتقاد الأنام لم يجز أن يتغير الفهم عن الإضافة عما كان من قبل وإليه ينصرف الفهم عن الإضافة إلى خلقه على أن تخصيص إضافات الأشياء إلى الله في الشاهد يخرج مخرج التعظيم لها بما جعل فيها من الأمور المرضية والأحوال المحمودة فما بال العرش من بين ذلك ولا قوة إلا بالله

Section V01/P105–V01/P107

وعلى ذلك يفسد قول من يصفه بكل مكان إذ لا فرق بين مكان واحد مخصوص يضاف إليه وبين الجملة بل الفرد في بيان تعظيمه أولى إذ في ذلك تخصيص ذلك الشيء بالذكر وفي الذكر تشريف وتكريم فيرجع إلى ذكر علو ذلك الشيء وفي الإرسال وجمع الكل إلى تخصيصه وحقيقته صفة الله كما يقال رب كل شيء وإله كل شيء على تعظيم الرب وتبجيله وإذا قيل رب محمد وإله إبراهيم فإنما يقصد قصد تشريفهما وتعظيمهما فقياس ذلك أن تكون الإضافة إلى العرش توجب تعظيم العرش وتكريمه وإلى كل الأمكنة توجب وصف الله بها وذلك قبيح إذ لم يكن يوصف به في الأزل ولا يوصف شيء بالقرب إلى الله من طريق المسافة والمساحة ولا هو بالقرب إلى شيء من ذلك الوجه إذ ذلك جهة الحدود والتقدير بالأمكنة وقد كان ولا مكان فهو على ما كان يتعالى عن الزمان والمكان إذ إليهما ترجع حدود الأشياء ونهايتها ولا قوة إلا بالله مسألة في أسماء الله وقول الرجل قد يكنى به عن اسمه كقول فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وقول الله لموسى وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي فجواب الأول أن يقال وقد يكون ما هو ما صفته فجوابه سميع بصير وما هو أي مما يعرف له مائية في الخلق فهو يتعالى عن المثال وما هو يحتمل ما فعله فجوابه خلق الخلق ووضع كل شيء موضعه وذلك حكمته وقد يحتمل ما هو أي ممن هو فهو يتعالى عن أن يكون من شيء بل هو مكون الأشياء ولا قوة إلا بالله والسؤال عن الكيفية يحتمل وجهين أحدهما طلب المثال له أن يكون مثلا لشيء من الأشياء والله واحد يجل عن الأشباه ويحتمل كيف صفته فجوابه مثل الأول أن ليس لصفته كيف إذ هو طلب المثال وهو يتعالى عن الشبه بالذات والصفة إلا أن يريد به أيوصف هو قيل بلى بما وصف به نفسه من الرحمة والعلم والقدرة وقول القائل أين هو سؤال عن مكان وقد بينا أنه يتعالى عن ذلك ولا يوصف الله سبحانه بالإتصال بالأشياء ولا الإنفصال ولا بالحلول فيها ولا بالخروج منها من جهة المسافة على ما هو لأن الله تعالى كان ولا غيره فمحال انتقاله مما كان عليه لما مر بيانه وعلى التفسير بالخروج من صفات الخلق وشبهه يجوز ولا قوة إلا بالله ويوصف بالقرب من طريق العون والنصر ومن جهة التشريف والتخصيص ومن جهته الرحمة والإحسان ومن جهة التوفيق والإرشاد وهذا النوع لأن وصف هذا كله وصف ذاتي جائز أن يقال لم يزل رحيما بأوليائه محبا لهم لوقت كونهم له أولياء مبغضا لأعدائه على ذلك وأما الوجوه هي حقيقة تلك الصفات يحققها غيره لا أنه بذاته يوصف فإنه فاسد لأنه لا يخلو من أن يكون له مدح وتمجيد وتعظيم فيكون له ذلك بغيره فيصير بخلقه الخلق ممدوحا منتفعا وهو الغنى بنفسه يتعالى أن يكون له بأحد مدح أو نفع فلذلك لا يوصف بذلك جل جلاله ثم القول بفعله أنه لا يجوز أن يكون مفعوله لما لا يعرف ذلك في الشاهد ولما يوصف به ولا يوصف بغيره ولما بينا أن الوصف بغيره يوجب الحاجة إليه ويوصف به في الأزل لما بينا من إحالة التغير والزوال ولما لو جاز الوصف بما هو حال في غيره لجاز الوصف بكل شيء من خلقه وذلك ممتنع وقد بينا هذا فيما تقدم ولا قوة إلا بالله الحكمة في خلق الجواهر الضارة قال الفقيه أبو منصور رحمه الله الحكمة في خلق الحيات والجواهر الضارة وإن كانت العقول تقصر عن بلوغ كنه حكمة الربوبية على ما سبق القول في لزوم الحكمة لكل شيء من الوجه الذي خلقه الله وإن لم يعرف مائيتها يكون من وجوه المحنة بالضار والنافع الحاضرين ليعلم بهما لذة الثواب على الطاعة وألم العقاب على المعصية إذ الخلق جبلوا على قصد العواقب في الأفعال فجعل لها مثالا من العيان لتتصور الموعود في الأوهام فيسهل به السبيل والله الموفق

Section V01/P107–V01/P109

والثاني أن المحنة هي تحمل المؤنة التي تسهل وتصعب على البدن بالنظر والفكر والناس في تكلف النظر والفكر يختلفون لأنه ليست لهما منفعة حاضرة وبهما الشغل عن اللذات والشهوات وتحمل مثله على البدن عسير وفي التقصير فيهما اختلاف وتفرق وذلك يعقب المعاداة والمجادلة وفي الموافقة مولاة ومسالمة فجعل الله تعالى لهم فيما خلق لهم شبيه الأعداء بما فيها من المضار ومثال الأولياء بما فيها من المنافع ليكون بشرهم زاجرا لهم على اعتياد كيفية معاملات الأعداء والأولياء حتى إذا بلغوا بمثلهم في جوهرهم عرفوا كيفيته من الحذر والتأهب والمعونة والنصر وعلى ذلك يؤمر الصبيان عند احتمال وسعهم العبادات والأخلاق المحمودة للإعتياد ليسهل سبيل ذلك عليهم وقت التكليف فمثله في خلق ما ذكر والله أعلم وأيضا أن الخلق على اختلاف جوهرهم في المضار والمنافع جعلهم الله في الدلالة على مدبر لهم حكيم عليم وعلى وحدانيته كجوهر واحد في الإتفاق من جهة الدلالة والشهادة ولا قوة إلا بالله فيكون في ذلك بيان عجيب حكمته أن جمع بين الضار والنافع والخير والشر على تناقضهما في الدلالة على وحدانيته والشهادة بربوبيته واحدا وأيضا إنه خلق ذلك ليذل به الجبابرة والملوك فيعلو بذلك ضعفهم ولئلا يغتروا بكثرة الحواشي والجنود فيتعدوا حدود الله بما يرون من سلطان في قدرته تسليط من يشاء على من يشاء ولا قوة إلا بالله وليعلم من تأمل خلقه على جوهر الضرر والنفع على غناه وتعاليه عن أن تمسه الحاجات لأن من ذلك وصفه فإنما يخرج فعله على وجوه تنفع ولا تضر وليعلم قدرته على ما يشاء مع ما لا يشاهد من الجواهر الضارة إلا وفيه منافع تعجز الخلائق عن الإحاطة بكنهها من ذلك النار مع ما فيها من الإحراق ففيها من إصلاح الأغذية والماء يجوز أن يكون به حياة كل ذي روح وهلاكه وكذلك كل جوهر مر أو سم إلا فيه دواء للداء المعضل ليعلم الناظر أن القول بالشر بالجوهر والخير خطأ باطل بل كل جوهر منه ضر ونفع فيكون في ذلك أعظم آيات التوحيد مع ما فيه وجهان أحدهما القدرة التامة على ملك ما يضر وينفع ليرجو ويخاف ومن لا يكون كذلك لا يتم الأمر به لأنه لا يرهب منه ولا يرغب فيما عنده وقد يغلبه من له الأمران أيضا والثاني ليتم العبر وليصح الأمر والنهى فيكون للنظر والفكر مجال في الأمرين ولأنهما عظة بهما وعبرة ولا قوة إلا بالله إختلاف الفرق في العالم نبتدأ الحمد لله العلي الحميد ونتوجه إليه بالشكر له والتمجيد على ما أيدنا به من التسديد ونرغب إليه في العون على ما قصدنا له والتأييد فإنه على كل شيء شهيد ونسأله أن يصلى على محمد أفضل ما صلى على أحد من خيار خلقه وأن يعطيه سؤله وأن يلحقنا به بجوده فإنه غنى كريم

Section V01/P109–V01/P111

قال الفقيه أبو منصور رحمه الله أما بعد فإني تأملت وجه اختلاف البشر في العالم بعد ظهور آيات حدثه وأدلة جرى تدبير غيره عليه إذ ما من شيء من جوهر العالم وأركانه إلا وهو بجوهره يشهد بأنه مدبر مفطور وأنه مضطر إلى عليم بأحواله غنى بملك حوائجه حكيم يضع كل شيء موضعه لئلا يتناقض فيتبدد وأنه لا يحتمل بجوهره أن يرجع إلى عدد من المدبرين بما لديه تمكن الإختلاف الذي عنده يريد كل أن يظهر سلطانه ويغلب ملكه ويقهر كل من نازعه وفي ذلك التفاني والفساد اللهم إلا أن يكون لواحد منهم فضل قوة أو نصر يخضع له الجميع فيصير كل خاضعا له ذليلا بمعنى كل جوهر من جواهر العالم في خروجه على مشيئة غيره وجريه عليه سلطانه وهو المعنى الذي هو دليل مدبر العالم عليم حكيم ليقوم به هو ويتم ويخرج من العدم إلى الوجود إذ الأعجوبة في ابتداء كونه إلى من يعلم كيفية إنشاء الأشياء ليست بدون الأعجوبة في دوامه وقيامه على ما هو عليه بل كانت أظهر والحاجة في ذلك إلى غيره أعظم إذ هو عن تدبير نفسه أعجز وأسباب آجاله له به أعظم مع ما في كل براهين كونه بعد أن لم يكن أيبن إذ كل ذي عقل وبصر لعله يذكر ابتداءه أو تقلبه من أحوال تقدمت من الصغر واللطافة مما إذا لم يجعل لتلك الجملة ابتداء يبطل كونه ثم احتمال كل الوهن والضعف إلى أن يتلاشى ويبطل مما يضطره إلى العلم بكونه بعد أن لم يكن وإن كان ذا أمر من يملك التدبير ويعلم بالأحوال فالموات هو التي تحت تدبير الأحياء ينتفعون به من حيث لا يشعر بذلك أحق بذلك ثم دل كون الأموات على ما للأحياء بها الإستمتاع على أن الذي دبرها هو الذي دبر الأحياء إذ جعلها مستمتعا لهم بها صلاحهم فرأيت الشبهة اعترضت البشر من بعد ما بينا مما يجب أن يكون به دفع الشبهة لمن تصح من أوجه ثلاثة أحدها التقليد بمن ألفت نفسه به ومالت إليه فترك التفكر في الأدلة وأقبل على أماني النفس ثقة بهم أو رغبة في صحبتهم والوصول بهم إلى شهوات النفس أو أتهاما لآرائهم أن تهيء بهم إلى رشد أو إنعامهم وغيره من أسباب الشقاء حتى يبلغ بهم العياذ بشره النفس وسوء عاداتها والثاني نظر إلى الوجود مما يقع تحت الحواس فوجده يتقلب من حال إلى حال بالمواد والأغذية وتولد بعض عن تعض وظنوا أن كون الأشياء لا عن شيء والفروع لا عن أصل محال وجوده لأنهم لم يعاينوا ذلك والشاهد عندهم هو دليل الغائب ثم تفرقوا فمنهم من يقول على هذا أمر العالم في الأزل لكنهم اختلفوا فمنهم من يجعله كذلك على ما بينا من غير أن يكون له صنع وعلى هذا يخرج مذهب أصحاب الطبائع إن التفاوت والإختلاف على اختلاف الطبائع وتفاصيلها وسماها قوم هيولي والتفاوت في الذي ذكرت على مثال الأصباغ إنها تخرج على ألوان مختلفة بتفاوت المزاج واعتداله وعلى ذلك جعلوا جوهر البشر من اعتدال الطبائع والدواب من اضطرابه وعلى هذا كل شيء ومنهم من يرى أصله الأربع من الطبائع ولكن لكل جوهر أصلا والطبائع دخيلة فيها ومنهم من يجعله كذلك بالطبائع ويقول هو واحد ويجعله علة لكون العالم فيوجب قدمه بوجوده ويذهب في إثبات الصانع إلى اتساق الأشياء واتقانها إذ ذلك لا يكون إلا بمدبر عليم إذ الطبع لا يرجع إلى قدرة وبه صلاح الأشياء فقالوا بالصانع ثم إذ هو كان في الأزل فأوجبوا كون العالم في الأزل على نحو اقتران الأشياء بعللها على أنه إذ كان العالم مواهبه ونعمه وأنه قادر بذاته فثبت وجوده وكرمه بذاته فيلزم كون الذي كرمه يوجبه وقدرته توجده ولا قوة إلا بالله ومنهم من يقول هذا العالم كان عن أصل حدثت الصنعة فيه لكنهم اختلفوا فمنهم من يجعل أصلة طينة أحدث الباري منها هذا العالم

Section V01/P111–V01/P113

وقوم يجعلونه النجوم والشمس بما كن يجرين دائبات وبجريهن نشوء العالم ويجعلون للجرى ابتداء بإحالة كون شيء بشيء إلى ما لا أول له ومنهم من يجعلها تعترض فيها الأعراض فمن ذلك تولد العالم يسمونه من قبل هيولي ويصفونه على ما يصف أهل التوحيد الصانع ثم أبطلوا ذلك بإحتمال قبول الأعراض وتغيره من حال إلى حال ومنهم من يقول أصله اثنان نور وظلمة من النور كل خير ونفع ومن الظلمة كل شر وضار لكن منهم من يقول كانا متباينين فامتزجا على ما مر بيانه وعلى قول أصحاب الهيولي والطينة يجب أن يكونا واحدا فتفرقا إذ هو الأصل فصارا أصلا للشر والخير فبالتفريق عمل كل عمله على أن عامة هؤلاء يجعلون كون العالم بالطبيعة لا بالفعل والثالث الإعتبار بالمعاني فقالوا إنا نجد العالم اشتمل على نفع وضر وعلى خير وشر ثم في العرف أن فاعل الخير محمود ومن ينفع غيره رحيم حكيم وأن فاعل الشر مذموم ومن يضر غيره قاس سفيه لم يجز أن يجئ من الله الذي هو حكيم رحيم فعل الشر أو الضرر بأحد ومثله في الشاهد ولا له السفه والقساوة وهذا مما ينتفع به أو يدفع الضرر عن نفسه فكيف لمن لا ينتفع بشيء ولا يضره شيء على قولهم إن الحكيم في الشاهد من يجر بفعله النفع به والضرر فأما من يضر غيره بلا نفع له فليس هو بحكيم فقالوا هذا باختلاف الأصل الذي منه العالم ليرجع كل موجود فيه إلى أصله من خير أو شر أو كان واحدا فيه الجوهران فتفرقا فكان من كل ما يكون من مثله أو بما اعترضت فيه الأعراض اختلف فرجع إلى هذا قول الدهرية المنكرة للصانع والمثبتة جميعا لعدد فسمت الثنوية لقولهم الخير بجوهره نور والشر ظلمة والمجوس سموا الخير الله والشر الشيطان قال الفقيه أبو منصور رحمه الله ولو أنعم هؤلاء الفرق النظر فيما تقدم من ذكر الأدلة لعلموا قصور عقولهم عن الوقوف على الحكمة البشرية فضلا عن أن يحيطوا بحكمة الربوبية مع ما فيما إليه صاروا في الإختيار منع لهم عن دعوى معرفة حقيقة الحكمة والسفه إذ من مذهبهم أن لا يرون بجوهر الشر إلا الشر وبجوهر الخير إلا الخير ثم لا يدري فيما سموه سفها أو حكمة إنه فعل الشر أو فعل الخير وكل الإنسان عندهم مشوب من الأمرين يرى بكل واحد خلاف ما يرى بالآخر فلعله رأى الحكمة سفها والسفه حكمة ثم لا يوثق بقوله لأنه خير فهو من جوهر الظلمة كذب كله ومن جوهر النور صدق كله فلا يدري بأي جوهرين ينطق ولا قوة إلا بالله ثم إذ لم يكن لواحد منهما قدرة على الضرر ولا للأخر قدرة على النفع فانقطع موضع الرجاء والخوف جميعا فيذهب منفعة معرفة الحكمة والسفه ثم إذ كان كل واحد من الجوهرين يعمل بالطبع فوقوع العلم بالحكمة إذا محال والسفه بالطبع والحكمة هي وضع كل شيء موضعه والسفه وضع كل شيء في غير موضعه ومحال وصف ذي طبع به إذ هو اختيار والنور عندهم لا يعلم ما السفه فيحذره ولا الظلمة تعلم ما الحكمة والجهل بمائية الشيء وبالوضع له شر فصار جوهر النور عندهم هو الذي اجتمع فيه العلم والجهل ثم القدرة والعجز بما لا يقدر على صرف السفه عن نفسه ولا يمنع الظلمة عن الضرر به فصار جوهر الخير عندهم مشوبا بالشر وجوهر الظلمة لا خير فيه فلزم على قولهم غلبة الشر على الخير والذي هو خير لم يعرف الشر والسفه فكيف يعرف هذا الذي يولد عن جوهر الخير بعد غلبة الشر عليه الخير والشر على أن كل ذي طبع مقهور إذ لا يملك صرف ما يوجبه الطبع وإيجاب الخلاف وفي ذلك إيجاب قاهر يجعل ذا شرا بالطبع وهذا خيرا ولو رد ذا إلى اثنين كان فيهما ما في هذين نحو التسخين والتبريد أنه يكون بمن جعله كذلك وفي ذلك إيجاب القول بالواحد

Section V01/P113–V01/P115

ومن يقول بأن كل واحد منهما خالق قادر فإنه لا يخلو كل واحد منهما من أن يعلم الوجه الذي يمنع الآخر عن عمله أو لايقدر عليه أو لا فإن لم يعلم ولم يقدر اجتمع في النور الجهل والعجز وفي ذلك بطلان السبب الذي له قالوا بإثنين وإن علم وقدر ثم لم يعمل في المنع لحقه وصف الشر ثم لا يخلو النور من أن يعادي الظلمة أو لا ويحب تشاغله أو لا فإن كان لا يعادي ويحب فذلك شر لأن ترك عداوة العدو والمحبة له شر وإن كان يعاديه ويبغضه فالعداوة والبغض شر في المعروف من الشاهد فإن قال ذلك في الشاهد لثبوت الآفات فمثله في جميع ما أنكر من الحكمة في خلق النوعين ولا قوة إلا بالله على أنه لا بد من الإقرار بعلم بعد الجهل في الشاهد وبالإحسان بعد الإساءة وبالندم بعد ذنب وبالإقرار بالإساءة بعد العقل وكذلك باعتقاد شيء حقا بعد أن اعتقده باطلا للوجود في الشاهد فأما أن نجعل الأمرين من النور فيكون منه الجهل والإساءة والذنب والسفه وكل شيء فبطل قوله بالإثنين لهذا الوجه أو نجعل الإساءة والسفه والجهل من الظلمة والإقرار والإحسان والندامة من النور فيكون ذلك كذبا وتحزبا وإهتماما وكل ذلك عنده من فعل الظلمة فقد أثبته للنور ثم الإقرار بما لم يكن كذب وسفه وإما أن يكونا من الظلمة فيكون منها خير وشر وأيضا أن النور لا يخلو من أن يهتم للشر يحل بأوليائه ويحزن عليه أو لا فإن اهتم وحزن بطل قوله هو كله لذة وسرور وإن لم يحزن بطل قوله في فعل الشر والضرر إنه القسوة والشدة لا الرحمة وذلك في القول بإثنين بم يقال له التحرك بعد السكون أو لا ويريد شيئا ثم ينفر عنه ويحب أمرا ثم يبغضه ويكلم في هذا بمثل الذي ذكرت في الفصل الأول والله الموفق فإن زعمت الثنوية في جميع ما عارضنا من اختلاف الأحوال وتضادها أن ذلك كذلك في الشاهد لشوائب الآفات من الظلمة في جوهر النور فيرى الشيء بغير صورته وبها يقع التواتر للعلم بالأشياء قيل فما يبعد أن يكون قولك كذا ليس بحكمة ولا رحمة بل هو سفه وقسوة إنما كان منك لما شابك من آفات الظلمة فمنعك أن ترى كل شيء بجوهره وصورته ولا قوة إلا بالله ثم الله سبحانه إذ هو القادر عليه بذاته لا يعجزه شيء الغنى بنفسه لا يحوجه شيء العليم بذاته لا يجوز أن يجهل شيئا الحكيم بذاته لا يجوز الخطأ منه في الفعل بطل أن يكون في خلقه تفاوت تتناقض لديه الشهادة يتضاد فيه التدبير ولزم القول بكل ما لا تبلغه عقولنا بدرك الحكمة بعد أن ثبت أنه منشئه ومحدثه أن نعلم أن فيه حكمة بليغة لم يبلغها على ما لا يعلم أن كل حاسة من حواسنا جعلت لدرك ما تقع هي عليه وإن كانت تقصر ربما عن الإحاطة وتجيء حاسة أخرى فتحيط به فمثله العقل إذ هو مخلوق محدود لا يجاوز الحد الذي جعل له مع ما كان موجودا فيه قبح كل شيء يظهر حسنه وفساد شيء يظهر صلاحه فثبت أنه ربما يعتريه ما يمنع عن كنه ما يقع عليه من الحكمة والسفه وبعد فإن تقدير جهة الحكمة ممن هو محتاج فقير يحبب إليه حاجته ويزين في عينيه فقره ويحسن أشياء قبيحه بالعادة والإلف وكذلك أضدادها فإن من هذا وصفه من الإحاطة بحكمة الربوبية ولتلك الآفات أيضا عجز عن إنشاء فعل لا عن شيء إذ هو يتقلب بالجوارح ويستعمل الآلات فأنى يكون لمن ذلك محله في فعله بعد علمه أنه يعمل بقوة أحدثت وعلم أفيد هو التحكم بالعجز والجهل على من هو بذاته قادر عالم بالعجز عن مثله والجهل ولا قوة إلا بالله

Section V01/P115–V01/P118

ثم عليهم في الفصل الأول أن يقال أيا من النور والظلمة إذا آذته بالإنتهاء عنه وينهاه عن ذلك فإن قال لا أقر بسفهه إذ مثله فعل السفيه في الشاهد وإن قال نعم كلفه ما لا يحتمل جوهره عنده فهو سفيه أيضا ولا قوة إلا بالله وأما أصحاب الطبائع فإن الطابع مقهور لا يقدر على الإمتناع عما طبع عليه بل يقدر غير كل ذي طبع أن يمنع إياه عن توليده فثبت أن عمله لغيره ما يعمل إذ قد يمنع بغيره عن العمل ولو كان بنفسه يعمل ذلك ما احتمل ما دامت نفسه مع ما إذ كان لا يمتنع من عمل ثبت أنه مقهور تحت قاهر عليم ثم كل ذي طبع لا يعلم في شيء بطبعه إلا أن يكون الآخر مجعولا بحيث يقبل ذلك نحو الشيء الذي يتأذى لا يؤذيه الفعل الذي في غيره مؤذ وكذلك المؤلم والملذ وكذلك الأصباغ وليس عمل الطبع أن يجعل شيئا يقبل طبعه ويتأثر به فثبت به كون غير الطبائع مع ما لو خلى بين ذي الطبع وعمله لكان لا يؤلف ولا يصور فدل وجودها على غير ذلك أن لها منشئا وبعد فإنه لو خلى بين الأصباغ وانصباغ الأشياء بها ليخرج فاسدا مسمما وإنما يصلح ذلك لحكيم عليم يضع كل شيء موضعه فمثله أمر الطبائع وهو في شأن الطبائع أحق إذ هي تتنافر وفيها التباعد أو يقدح في الأشياء بلا حد وفيه الفساد فدل الإتساق وقيام الأعيان بها على عليم قاهر جمع بينها وقهرها معا مع ما كان لكل مجتمع الطبائع حامل يحملها ليس هو لهن فثبت بالضرورة وجودهن وقد مضى من هذا النوع ما فيه مقنع وقد نجد الحرارة ترتفع بطبعها والبرودة تنحدر وقد يجتمعان في جسم فثبت أن ذلك لمدبر قاهر عليم ومن يقول بقدم الأعيان فوجدناها غير خالية عن الحوادث لمنع القول بذلك لوجوه أحدها في القدم خلاء وفي ذلك تكذيب شهادة العيان والثاني وجود كثير من الأعيان وابتداؤها لمدد تعد وهي من آخر الجملة تحتمل ما يحتمل الكل لذلك لزم القول ولم يجز أن يقال كان كامنا فظهر أو متفرقا فاجتمع لما فيه إثبات غير حكم العيان وإذا احتمل ذلك وإن ارتفع عن الإحاطة به احتمل كون العالم من لا شيء وإن ارتفع وجوده عن توهم البشر بدليل والكمون لا يحتمل لإحالة كون شيء واحد مكانا لعشرة مثله ولا قوة إلا بالله ولما لا يخلو العيان وصفته من صور ثم لا يخلو من مصور كسائر ما يحس أو صفته وهي لا تقوم بنفسها ولكن بمقيم فلا يحتمل العدم ولا قوة إلا بالله مع ما كان كل شيء يعلم من نفسه عجزه وجهله بأحواله وما فيه صلاحه فيكون ذلك دليل الكلية وغير ذلك من الأدلة التي تقدم ذكرها ثم وصف الصانع بالقدرة في الأزل والجود لازم وكذلك عندنا بالصنع ليكون كل على ما كان ويكون أبد الآبدين على ارتفاع القدم عن كل كائن به لأنه نوع الفناء وإحالة معنى التكوين عنه إذ هو الكون نفسه وعلى ما كان ما لا تخلو الأعيان من الحوادث التي طريقها القدرة والكرم ثم رجعت إلى الحوادث على ما يحتمل ذلك فمثله الأعيان ولا قوة إلا الله ولو كان الكل قديما لكان وصف القدرة والفعل يزول عنه في الحادث بل كان تكوينه أن يكون كل شيء على ما علم أن يكون ويريد بتكوين لم يزل به موصوفا إذ هو يتعالى عن الحوادث فيه بما يصير بمعنى العالم الذي دل إحاطة الأحداث به على حدثه فمثله الصانع والله الموفق مسألة في طرق التوحيد قال الفقيه أبو منصور رحمه الله ثم القول بالتوحيد من طرق هو أن قول أهل الدهر على اختلافهم اتفق على واحد بادئ أو قدم طينة أو هيولي وهو واحد حتى اعترضت فيه الأعراض وتغيرت عن الحال الأولى وقال الثنوية إن الحكيم الرحيم العليم واحد وإن معنى الآخر ليس هو بمعنى الربوبية بل هو ضد معناه إذ هو سفه كله وشر

Section V01/P118–V01/P120

وأهل الأديان يثبتون القدم للواحد حتى قال قوم بتجسمه من بعد وقوم إن له ابنا فهم على اختلافهم أجمعوا على الواحد ونحو ذلك أنه ليس بذي شبيه إذ محال ذلك إذ لم يكن غيره فهو على ذلك إذ الوجه الذي فيه شبه وجود ما في غيره من الحدث وذلك بعيد وهذا معنى الواحد إنه إذ هو واحد في علوه وجلاله وواحد الذات محال من أن يكون له في ذاته مثال إذ ذلك يسقط التوحيد وقد بيناه وواحد الصفات يتعالى عن أن يشركه أحد في حقائق ما وصف به العلم والقدرة والتكوين بل كل وصف من ذلك لغيره به بعد أن لم يكن ومحال مماثلة الحديث القديم ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله أعطى جميع البشر ممن له نظر التوحيد في الجملة ثم نقض كل فريق منهم ما أعطى في الجملة بالتفسير إلا فريق من أهل الإسلام لزموا ما أعطاهم الجميع وذلك نحو من يقول من الدهرية بالباري وقدم الباري فجعل معه جميع الأعيان في الأزل وفي ذلك إبطال التوحيد ومن يقول بالطينة والهيولي فيجعلهما واحدا ثم أتلفه وجعل ما لا يحصى منه على الإنتقال والفناء ومن يقول من الثنوية بالواحد العليم فهو يذهب إلى أنه واحد الجنس إذ يجعل جميع الخيرات أجزاء له وذلك قول المنانية ونحوهم من الزنادقة والمجوس فأبطلوا معنى الواحد بالقول بالجسم إذ هو اسم ما يكثر منه واليهود حققوا له شبه الخلق فيكثر به العدد حتى بلغ قولهم إلى حد إمكان الولد والنصارى يقولون بالواحد في الكيان والثلاثة في القنومات منفى عن كل قنوم الجزء والحد ويقولون كان غير مجسم ثم تجسم ومعلوم أن الجسم هو صورة تتجزأ وتتبعض وأصحاب الطبائع لم يوجبوا الطبائع لأنفسها تعمل حتى يكون من يجمع بينها ويفرق وذلك أزلي عندهم ومن منتحلي التوحيد المعتزلة يقولون بالأشياء في القدم واسم القدم يأخذ الأزل فمثله الأشياء فيبطل على قولهم التوحيد على ما بينا من قول الدهرية في قدم العالم مع ما كان الله عندهم غير خالق ولا رحمن ولا رحيم ثم صار كذلك يحدث الأشياء على ما قالت الثنوية من التباين بالذات ثم الإمتزاج وعلى ما قال أصحاب الهيولي والطينة إنه كان واحدا على جهة ثم صار على تلك الحال بما حدث من الحوادث لكن قول أولئك ألزم بحق العقل من قول المعتزلة إذ هم ألزموا التغير بحوادث في الأصل وهؤلاء بحوادث في غيره ولا أحد يتغير في الشاهد عما عليه بما لا يحل به ولا قوة إلا بالله وعلى هذا القول الحسين والبرغوث وغيرهما في هذا الثاني وهؤلاء أيضا ألزموا التغير بالمكان حيث قالوا كان ولا مكان ثم هو موصوف بكل مكان فألزموا الوصف بالمحدث فيبطل معنى التوحيد والمشبهة يقولون له مثال في الخلق في الجسمية والحد والنهاية والحركات والسكون يحققون له ما به عرف حدث العالم ويجعلونه مثالا له جل الله عن ذلك فحصل قول فريق بالتوحيد أنه واحدي الذات إليه حاجات الآحاد متعال عن معنى الآحاد عما يوجب صفة الأعداد ويتمكن فيه صفة التغير والزوال أو الحدود والنهاية موصوف بالقدم والتكوين والقدرة جل وعز عن التغير والزوال والحمد لله على كل حال

Section V01/P120–V01/P122

ثم رجع اختلاف الدهرية إلى ثلاثة إلى تباين ثم الإجتماع وذلك قول الزنادقة والثنوية ومن يقول بالنور والظلمة وإلى اجتماع ثم التباين وذلك قول من يقول بالطينة والهيولي مع الجهل بهما على القول بالقدم ويشبه أن يكون هذا قول أصحاب الطبائع على أنه لم يظهر ذلك من قولهم ثم بقدم التفرق أو الإجتماع ويرون ما عليه العالم عليهما وعلى ذلك قول من يقول بقدم الأعيان مع حوادث لا أول لها وقول المفرق بين الحالين ظاهر التناقض لأنه أوجب أحد الوجهين لنفسه من التباين أو الإجتماع إذ ذلك وصفه بالقدم ثم ذهب عنه ذلك من غير ذهاب نفسه فبطل ما كان عليه مع السبب الذي به كان وذلك وجود علة إيجاد الشيء في حال ارتفاعه وذلك فاسد في العقل مع ما لو جاز ذا لجاز أن يصير القديم حديثا والحديث قديما وفي ذلك بطلان قولهم في القدم مع ما لو جاز وجود ما ثبت بنفسه زائلا وما زال بنفسه ثابتا لجاز وجود ما وجد بنفسه عديما وعدم ما عدم بنفسه موجودا وفي ذلك وجهان أحدهما كون العالم بعد أن لم يكن ووجوده بعد العدم وفي ذلك فساد مذهبهم ووجوب القول بحدث العالم بلا أصل له ولا قوة إلا بالله والثاني لو جاز أن يصير المجتمع بذاته متفرقا والمتفرق بذاته مجتمعا من غير حدث به لجاز كون المجتمع متفرقا وقت كونه مجتمعا إذ ذاته قائم وذلك مما لا صبر للعقل عليه مع ما يزول به معرفة الأغيار البتة إذ لا علم عليه أدل من الذي ذكرت وفي ذلك جواز جعل الشر خيرا والظلمة نورا والحي ميتا والمتحرك ساكنا والبارد حارا ونحو ذلك من الأضداد وفي جواز ذلك بطلان القول بقدم التباين والإجتماع إذ كانا معا وفي ذلك فساد القول بالدهر ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله والأصل في ذلك أنهما عند التباين لا يعدو إما أن كانا كذلك بالطبع أو بالإختيار أو بأخر يجعلهما كذلك وكذلك المجتمع منه ثم التباين والإمتزاج لا يعدوان ما ذكرنا فإن كانا كذلك بالطبع لوجب أن يزداد من ذلك فيما كان أصله التباين أو الإجتماع أن يزداد منه ألا يرى أن كل متحرك بالطبع يزداد بحركة وكذا يستحق وكذلك كل جوهر بطبعه يعلو وموضعه فوق ومن بطبعه يسفل فمحال لهما الإجتماع أبدا وكذا هذا العبرة بين من يتحرك من جهة اليمين مع الذي يتحرك إلى اليسار وفي ذلك بطلان ما قالوا وإن كان ذلك بالإختيار فالقول بأن كانا على غير ما عليهما فاسد لأنه لا دليل على تثبت خلاف لما عليه الشاهد أن يكون الذي اختياره التباين يقع معه اجتماع أو الذي اختياره الإجتماع يقع معه تباين فبطل الإختيار مع فساد قولهم من بقاء كل بجوهر الآخر واحتباسه وتحقيق ذلك أن احتباس الخير في الشر شر ولما لو كان لهما الإختيار لكان لا يخلو كل واحد منهما من القدرة على منع الآخر عن فعله واختيار ذلك والعلم بكيفية ذلك فإن لم يكن بطل معنى الإختيار وتحقق فيهما جميعا العجز والجهل وإن كان ذلك كذلك بطل الإختلاف عما كانا عليهما لما به يصل كل إلى ما يؤذيه ويضره وبعد فإن في تحقيق ذلك تجهيل كل واحد منهما الآخر وتعجيزه وفي ذلك إفساد القول ولا قوة إلا بالله وإن كان ذلك بآخر ثبت حدث التفرق والتباين وهما لا يخلوان منه فلزم حدثهما وفي ذلك لزوم القول بالتوحيد بما أريد به نفيه ولا قوة إلا بالله ومن جهل الأمرين جميعا فقد أقر أن لا قول تكلم عليه وأنه ممن لا يحتمل عقله البلاغ إلى العلم به وإنما طريقه التقليد فأشكل عليه لاختلاف ما أدى إليه فإنما تكلم من عنده أن الذي أداه إليه حق يظهر عند ذلك الحق ثم إذ محال إجتماع الأمرين من حيث بينا من التناقض فثبت أن الحق لو كان فيما يقول أهل الدهر فهو في أحد ذينك القولين وقد بينا فسادهما جميعا وبالله المعونة

Section V01/P122–V01/P124

قال محمد بن شبيب في ذلك بما كان معناه عندنا إنه إذ لا يخلو القائم على ما عليه من التضاد والتناقض من أن يكون كذلك أبدا فيبطل كونه من حيث لا يتوهم كون شيء من الجملة إلا أن يكون شيء هو فيها فيكون مع ذلك كل كائن منها المانع لكونه فيبطل كمن يقول لا يدخل أحد هذه الدار حتى يدخلها غيره إنها لا تحتمل دخول أحد فيها على وفاء الشرط أو إن كان عن تباين قد تقدم فيبطل الوجود للتضاد إذ حقه التنافر بما تضادا بالطبع ولو احتمل الخروج عن طبعهما الذي فيه التضاد والتضاد يوجب ما ذكرت بالإختيار لجاز اختيار الفناء له في نفسه وإن كان هو بطبعه باق وإذا بطل الوجهان ثبت أنه كان بعد أن لم يكن بمن أحدثه كذلك على ما فيه الإختلاف والإتفاق ولا قوة إلا بالله ثم لا يجوز أن يحدث بلا محدث لما لا يكون العدم به والوجود إلا واحدا ولما لا يعرف صورة إلا من مصور ولما تغير الأوقات من شتاء وصيف ونحو ذلك ثبت أنه كان كذلك فعورض بما لو كان فيما كان بنفسه يمنعه عن ذلك كونه في وقت دون وقت لم لا كان كذلك فيما كان بغيره فزعم أنه إذا كان بغيره تدبير كونه له لمصلحة في الدين أو الدنيا وفيما كان لا بغيره ليس كذلك لذلك اختلف الأمران وهذا الذي يزعم يوجب أنه لا يجوز أن يجعل أول الخلق غير الممتحن حتى يكون له في الذي ذكرنا وإذا جاز غيره بلا مصلحة لذلك الوقت دون غيره لا معنى لما قال وقد بينا نحن القول بالخلق وإحالة السؤال عن لم خلق وليس لنا أن نزعم أنه لا يفعل إلا الأصلح فيلزمه حق الفعل حتى يلحقه وصف ذم إن أخر أو قدم بل الله تعالى إذ هو حكيم لا يخرج فعله عن الحكمة وأما اعتبار الأصلح لغيره إنما تقدير الحق عليه لا تقدير الفعل بذاته ومحال كون الحق لغيره عليه ولا غير بل السؤال عن جملة الخلق فالقول في أنه يخلق لنفع لهم أو صلاح لهم لا معنى له إذ ليس عليهم فيما لا يخلقهم ضرر ولا فساد فيكون الخلق لما ذكر والله أعلم ثم في الجملة لا يخلو خلق من أن يكون للمتحن به نفع وعبره من طريق الإستدلال به والإعتبار سوى المنافع الأخر مما من الله عليهم بها وبالله التوفيق وأصل صلاح العبد في الدين إنما هو بفعله وكذلك فساده ولله تعالى بالأسباب التي بها ينال فعل الصلاح عليه أعظم المنن وأجزل النعم ومن فسد فهو لأغراض عن الله وإيثاره شهوته على طاعته خلى الله بينه وبين ما اختاره لنفسه إذا آثر هواه على أمره وشهوته على طاعته والفعل الذي بين له أنه فعل العداوة على ما هو الولاية ولا قوة إلا بالله فعورض بأول خلق خلقه لنفسه وليس ثمة مصلحة فزعم أنه ليس ثمة وقت ليقال فيه لم لا خلق قبله وإنما ذلك متى يكون هو أول وهو أصلح في التدبير وأولى بالحكمة وما هو كذلك فيخرج السؤال على أنه لم لا خلق دونه في الحكمة وحسن التدبير قال الشيخ رحمه الله فما ذكرت من الوقت فهو ما يذكر على أن السؤال في مثله ساقط لأنه لا يشار إلى وقت وإلا لو كان الخلق قبل ذلك إلى ما لا يحتمل اللسان من عدد الأوقات ممكن وفي ذلك بطلان السؤال إلا عن قدمه وذلك تناقض لإحالة وقوع التكوين على الكائن في القدم ولا قوة إلا بالله

Section V01/P124–V01/P126

وما ذكر من الحكمة فذلك حق وما ذكر من الأصلح لا أدري ما أراد به وما قال من دونه أو مثله فالقول به لا معنى له ولله تعالى أن يفعل الفعل الذي لا يخرج عن الحكمة إذ الخروج عنه يحقق السفه وذلك يسقط الربوبية ثم في الحكمة طريقان أحدهما العدل والثاني الفضل وليس لما يقدر الله من الأفضال نهاية فيتكلم في الشيء بأفضل ما يبلغه قوته من الفعل مع ما ليس عليه الأفضال يختص به من شاء وغير جائز خروج فعله من الحكمة لما ذكرت وكذلك معنى العدل إنه وضع كل شيء موضعه لكن له درجات يوصف فعل بعضها إحسانا وأفضالا وفعل بعضها عدلا وحكمة إذ هما اسمان عامان لكل ما للفاعل فعله والأول خاص من حيث كان له تركه فيفعله منعما محسنا ولا قوة إلا بالله وسؤال القدرة على خلق شيء قبل هذا الخلق يخرج على ما بيناه في الوقت والله على كل شيء قدير ثم عورض بما لم لا كان لم يزل يحدث الأشياء فأجاب بالذي تقدم ذكره من فساد كون شيء قبل شيء إلى ما لا نهاية له قال الشيخ رحمه الله وجواب هذا عندنا أن يقال لو أردت بقولك لم يزل يحدث الأشياء ليكون هي لم يزل فذلك محال لما فيه إثبات قدمها وفي قدمها فساد إحداثها وإن أردت به الإحداث ليكون كل شيء من ذلك لوقت كونه فذلك حق إذ هو بذاته خالق لا بغيره ثم نذكر ما عارض محمد بن شبيب من أسئلة الملحدين فعارض عن الواحد الذي يعبده ما هو وقد بينا ما يجاب له وهو زعم أن ذا يحتمل مثل ذا وقد بينا أن لا شبيه له ولا يحتمل ما يشار إليه ولم نكن نعرفه بالحواس فنشير إليه وما هو بمعنى يوجد بالأدلة وشهادة العالم وما هو ما اسمه الله الرحمن الرحيم وجواب ذلك عندنا هو الله الواحد الذي ليس كمثله شيء وبهذا الحرف نقطع سبيل العود إلى السؤال لأنه يعود إلى ما يتصور في الوهم وفي هذا نفيه إلا من حيث الوجود بالأدلة ولا قوة إلا بالله ثم أجاب عن قوله أين هو إنه في الأشياء مدبر لها لا على الحلول كما يقال فلان في عمله وقال لا على إحاطة الأشياء به قال الشيخ رحمه الله وقد أخطأ في الجواب بل حقه أن يقال تسأل عن المكان وقد كان ولا مكان وهو يتعالى عن الوصف بالأمكنة بل هو على ما كان بلا تغير ولا زوال والقول بالكون في العمل إخبار في المتعارف عن العمل الشاغل له الحابس فيه عن غيره والله يتعالى عن هذا الوصف ثم أجاب من سأله إنكم إذا نفيتم عن الله شبه خلقه وعن خلقه شبهه فقد شبهتم فقال ذلك نفى وليس في النفى تشبيه ألا ترى أن من قال مثله في السواد والبياض من أنه لا يشبه أحدهما الآخر إنه لا يوجب التشابه وإنما يكون ذلك في الإثبات وما ذكره حسن ولو كان بذلك تشابه لكان بقوله هذا يشبه ذا إيجاب الخلاف وفي ذلك قلب الحقائق وإبطال المجاز كله وجملته أن النفى يرفع المنفى عن الوهم والعقل وإذا ارتفع ذلك لم يقدراه والتشابه هو الواقع تحت قدر من جوهر أو صفة أو حد فلذلك بطل معناه وبمثله يجاب لمن يزعم أنكم إذا لم تصفوا الله بمكان فقد حددتم وأن الحد هو نفاية المكان ومحال نفى تحديد في الوصف به وكذلك الأمكنة بل القائل بكل مكان أو بمكان دون مكان هو الذي حده إذ أثبته على ما أثبت المكان المضاف إليه ما يقدره العقل والوهم وعند ذلك التحديد والتشبيه ولا قوة إلا بالله

Section V01/P126–V01/P128

ثم أجاب لسؤال كيف خلق الله الخلق إنه لو أراد به المعالجة في الفعل فهو غير جائز بل ابتدعه وأحدث عينه بلا علاج ولو أراد أي شيء خلق يشار إلى الجواهر من نحو السماء وغيرها إذ خلق الشيء زعم هو ذلك الشيء ولو أراد به لم خلق فلمنافع الخلق في دينهم وما هو أصلح لهم فيما كلفهم وقال الفقيه رحمه الله جواب هذا السؤال دفعه أن ليس لفعله كيف إذ كل ذي كيف هو ذو أمثال ثم القول في كون خلق الشيء أنه هو أو غيره اختلاف فمنهم من يقول هو هو وبه يقول والسؤال على مذهبه فاسد لأنه لا غير لخلقه فيمثل هو به ومنهم من يقول خلق الشيء فهو صفته التي وصف بها في الأزل فالسؤال عن كيفيته هو السؤال عن كيفية ذاته وعلمه وقدرته وذلك فاسد ثم أجاب من سأل أمن شيء خلق الأشياء أو من لا شيء فقال لا من شيء معناه أن اخترع الأشياء أي ابتدعها من غير أصل وهذا فيما أخبر من حدث الأجسام لكن مذهب المعتزلة أن شيئية الأشياء لم يكن بالله بل كان به وجودها فيكون على قولهم خلق الأشياء لا من شيء محال بل لم يخلق الأشياء لكنه أوجد أعيانها عن العدم وهن في العدم أشياء وذلك من مضاهات الدهرية والحمدلله الذي عصمنا عن ذلك وجوابه لسؤال الله غريب إنه خلق لمنافع الخلق وسئل إنه لم خلق قال لمنافع الخلق ولم خلق لمنافع الخلق وأي حاجة كانت للخلق ولا خلق ليخلق الخلق لمنافعهم فلو جاز أن يقال خلق خلقا بلا حاجة لمنافعهم كيف لا خلق إذا لمنافع نفسه وإن لم يكن له حاجة وهذا بقوله أولى لأنه كان غير خالق ولا رحمن ولا رحيم وهذه أسماء التعظيم والمدح وكأنه انتفع بالخلق عندهم إذ لم يكن كذلك بذاته فصار كذلك بخلقه جل الله عن صفات الحاجات والمنافع ولا قوة إلا بالله قال الفقيه رحمه الله وقوله خلق هو ذلك الشيء فإذا الشيء بذات الله أو بذات نفسه إذ لم يكن من الله إلا ذاته ولا إلى الخلق منه سوى الخلق بذاته فكيف صار هو خالقا ولم يكن منه غير الخلق دون أن كان الخلق بلا غيره ولم لا كان الخلق في أن يكون خالقا أحق منه إذ لم يكن منه إليه سوى أن كان هو وقدم الشيء لا يوجب كون آخر به إذا لم يكن منه إليه ما به يكون في الشاهد كيف أوجب ذلك في الغائب وقوله لكيف خلق لم يخلق بالمعالجة وما ذكر كلام لا معنى له لأنه لم يسأل عما لم يكن بل سئل عن كيفية فعله فقوله لم يعالج لا معنى له وإذا كان عنده أن خلق الشيء هو ذلك الشيء فليذكر إذا في جوابه ذلك الشيء دون أن يقسم السؤال ثم يزيل عنه المفهوم من الكيف ولا قوة إلا بالله وأجاب لمن عارضه بأنه إذا لم يزل عليما سميعا بصيرا لم لا قلت إنه لم يزل خالقا فزعم أن في ذلك إيجاب الخلق في الأزل ويعنى بلم يزل سميعا نفى الصمم ونحو ذلك في العالم والبصير وزعم أنه يقول لم يزل الخالق ولا يقول خالقا لما ذكر قال الفقيه رحمه الله فإن لم يكن في قوله لم يزل سميعا بصيرا عليما إلا أنه ليس بجاهل ولا أعمى ولا أصم فكان التصريح بهذا أولى إذ هو أبعد من الشبهة إذ قد يجوز أن يقال للشيء ليس بجاهل ولا عاجز ولا أصم ولا يجب به الوصف بقادر عالم سميع بصير فإذا لم يكن في ذا سوى نفى الذي ذكر فحرف النفى أقرب من حرف يفهم ما لا منفعة في فهمه بل فيه كل ضرر ولو لم يرد بذلك سوى نفى الأضداد فليقل هو صحيح سليم معافى على نفى الأضداد دون تحقيق الذي ذكر فإذا لم يجز ذا بان أن الذي زعم من بيان حاصل الذي ذكر وهم

Section V01/P128–V01/P130

وبعد فإن خروج الأفعال المتتابعة على حسن النظام والإحكام هي أدلة العلم بها والقدرة عليها لا أنها أدلة من ليس بجاهل ولا عاجز إذ غير واحد بما وصفه لا يكون منه فعل البته ولا اتساق نحو الأعراض كلها ولا قوة إلا بالله على أنها أسماء عن صفات تسقط لسقوط الصفات فإذا لم تحقق الصفات صيرت الأسماء أسماء ألقاب وإذا صارت كذا فالقول بأنه لم يزل كذا كلام لا معنى له لإحالة اللقب في الأزل ولا قوة إلا بالله ثم إذ لم يجب في القول بسميع عليم كون كل معلوم مقدور عليه مسموع في الأزل فمثله في القول بالخالق لكن خالق الأشياء ليكون على ما هي عليه كما هو عالم بها كذلك وقادر ونحو ذلك وإذا كان القول بعالم سميع بصير وبالعالم السميع البصير واحدا فكذلك بخالق والخالق واحد بل الخالق في إيجاب قدم الخلق أحق لو كان التقدير من الملفوظ من خالق ألا يرى أنه على وزن خالق يقال مالك يوم الدين وخالق كل شيء يدخل في ذلك كل حادث وقائم ليس في قوله الخاق ذلك ولا هو يقول عليه في العرف ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه أو شهادة السمع ثم الشاهد يدل عليه من وجه الشهادة له بالصفة لا من وجه الشهادة بالذات إذ الوجود بعد أن لم يكن هو دليل الإيجاد والإحداث الذي به يعلم الموجود المحدث واختلاف أحوال الشاهد وإجتماع المتضاد في الواحد هو دليل قدرته ونفاذ التدبير الذي بالمدبر القوى يكون واتساق التدبير وعدم التفاوت في الواقع تحت العقل على كثرته دليل علم العقل الذي به يعلم العالم ولا شيء في المحسوس يدل على ذات إذا نفى عنه الصفة لم يجز القول بإثبات ذات غير تحقيق الصفات إذ ذلك غير طريق شهادة العيان وكذلك شهادة من ثبت صدقهم بالأدلة جاء بالعليم السميع البصير على ذكر العلم والقدرة ونحو ذلك مع العلم أن هذه الأسماء من أسماء الصفات ثم إذ لم يجز الوصف بالمكان وبالخروج أو الدخول أو الإتصال أو الإنفصال أو البينونة أو نحو ذلك على نفى أضداد تلك الأحوال من غير إثبات تحقيق الملفوظ وكذلك شأن الإجتماع والإفتراق والتحرك والسكون لم يجز الذي قالوا وبالله التوفيق قال أبو منصور رحمه الله إذ ثبت حدث العالم ومحال كونه بعد أن لم يكن على ما عليه من قيام الأوائل بالأواخر واتفاق ذلك علم أنه كان عن علم به ثم محال كون حس به يعلم ولا محسوس أو قياس ولا عبرة ثبت أنه عالم لذاته وفيما العالم لذات العالم سواء في غيبة المعلوم وحضرته ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله والأصل في ذلك ما ذكرت أنه عرف لا بالحس وفيما عرف به دليل علمه به إذ جعله على وجه دله عليه ثم لم يحتمل أن يكون علمه به غيره لما لم يكن غير حتى أنشأه ثم ذلك المنشأ كان دليلا عليه ثبت أنه كان قبل كونه عالما به ولا غير له غيره به علم ثبت أنه عالم بذاته لا بغيره والله الموفق ثم سأل نفسه عن أشياء لا معنى للسؤال عنها إلا عن التعنت وحق جواب التعنت التأديب بما يمنعه لا الإستدلال بالأدلة على نحو ما بينا من شأن سوفسطائي فسأل عن الله أنه أليس على كل شيء قدير فأجاب بنعم فقال يقدر على إدخال الدنيا في بيضة فأجاب بالتناقض لما في ذلك جعل البيضة أوسع منها وقد جعلها أضيق منها إذ هي جزء منها وكذلك هذا التأويل في الأصغر والأكبر

Section V01/P130–V01/P132

قال الفقيه رحمه الله وجوابه عندنا أنه أراد بما قال على إبقاء البيضة بعضا للدنيا فهو محال لما فيها انقلاب بعض كلا وكل بعضا بلا تغير عن حاله وذلك تناقض وإن أراد بالبيضة وغير البيضة من الدنيا يجعل فيها فهو على وجهين أحدهما أن يكونا بحالهما فقد أحال لما ذكر محمد بن شبيب وإن أراد به بذلك تصغير ما قال أو توسيع البيض حتى يسع فيه ما وصف فهو على ذلك قادر وبالله التوفيق وصاحب الكتاب ينتحل نحلة الإعتزال ومذهبهم أن الله لا يقدر على خلق فعل بعوض فما فوقه من الجواهر وفعل ذلك كله واقع تحت القدرة أو في ذلك لغيره قدرة فأبوا تحقيق ما ادعوا من أنه قادر على كل شيء في أكثر الأشياء التي هي في حد الإمكان في العقول فمعارضة أمثالهم بالخارج عن حد الإمكان في العقول لا معنى له ولا قوة إلا بالله ثم سأل نفسه يقدر أن يخلق مثله قال ذا محال لما فيه إيجاب مخلوق والمخلوق محدث وهو قديم فيبطل أن يكون مثله لما به يسأل عن القدرة وهو مثل الأول في الأحالة وأيضا قال في ذلك إثبات مصنوع وهو لا يخلو من أن يكون جسما فيه آثار صنعه أو عرضا لا يقوم بنفسه ونفسه يدل على حدثه وهو ليس كواحد منهما قال وأيضا أن كل محدث يحتمل الفناء وهو يتعالى عن احتمال حدوث الفناء لما يصير ما لا يجوز عليه الفناء وما لا يجوز في غيره وقت على قلب ذلك قال الشيخ رحمه الله ومن تأمل ما ذكر عرف حيد السائل في السؤال عن سنن القول فيما له احتمال التمكن في العقول لأنه سأل يقدر أن يخلق مثله ومن يكون مثله لا يكون جسما ولا عرضا ولا محدثا ولا محتملا للفناء لأنه إن كان على شيء من ذلك فلا يكون مثله وبه سأل فكيف يبقى ذلك الذي ذكر وما ذكر هو أبعاض ما في كون ذلك نفيه ولا قوة إلا بالله وقد قلنا على المعتزلة ما هو أوضح من ذلك مع ما يلزمهم من وجه آخر وهم أنهم يصفون الله بالقدرة على الكذب والسفه والظلم مما لو كان شيء من ذلك ليبطل ربوبيته ثم لم يجز فعله ذلك لذلك فليقل يقدر على خلق مثله ولكن لا يفعل لأنه ليست الأعجوبة في جعل الحدث قديما وما يحتمل الفناء غير فان وما يقع عليه أثر الصنع غير واقع ذلك إلا بالأعجوبة في جعل القديم حديثا والباقي فانيا والحكيم سفيها فإن استقامت القدرة على هذا على إحالة الفعل فمثله الأول على مذهبهم ولا قوة إلا بالله ثم الإحالة على مذهبنا سهل وهو أن الله جل جلاله محال دخوله تحت القدرة فالقول بإدخال غير تحت القدرة ليصير بها مثله دفع المثلية عنه لإحاله دخوله تحت القدرة والآخر بها يلحقه به ولا قوة إلا بالله وإن شئت قلت السؤال متناقض لأنه قال يقدر أن يخلق مثله ومثله لا يكون مخلوقا فكأنه قال يقدر على ما ليس له مثل من الخلق قبلي وأيضا أن في الإحتمال غير ما هو عليه سقوط هويته فيكون ذلك الغير هو الهو الذي به يكون هوية الأشياء ولا قوة إلا بالله والأصل أن الله سبحانه إنما ثبتت له الإلهية بما حقق تعاليه عن المثل والشيئية فمحال احتمال مثله لما به سقوط ألوهيته على أن الكلام متناقض من الوجه الذي يقول لأنه يخبر أن يجعل فصيره مجعولا ومحال كون مجعول جاعل على إزالة الجعل الذي به كان لما به زواله ولا قوة إلا بالله ثم على قولهم كان غير خالق فصار خالقا فقد أدخله من هذا الوجه تحت القدرة التي بها صار خالقا فكيف ينكر جواز من لم يكن كذلك فيصير كذلك بأنه خلقه كذلك كما صار هو كذلك بأن خلق غيرا والله المستعان

Section V01/P132–V01/P134

ثم سئل عن الله أكان قادرا على خلق الأشياء قبل خلقها زعم أنه نعم دليله أن العاجز ممنوع فدل وجود المحدث على قدرته وإذا كان هو قادرا بذاته لا بما يعرض من القدرة فهو موصوف بالقدرة على الدنيا وأمثالها مما لا يحصى قال الفقيه رحمه الله فيقال له إذ هو قادر بنفسه لا بقدرة يعرض كيف زعمتم أنه يقدر على خلق جميع حركات العباد وسكونهم إلى أن يقدرهم عليها فإذا أقدرهم عليها زالت قدرته عليها إلا أن يأخذ القوة عنهم فهذا وصف القدرة بالذات أو بالعوارض ومن ذلك وصفه فالقول له بقوة لم يظهر منه الفعل محال وما يحتمل زوال قدرته فالقول بالقدرة بذاته على مذهبهم محال وإنما أردت بما ذكرت من أقاويل المعتزلة وإن لم يكن لي إلى ذكرها حاجة ليعلم المتأمل أن لا سبيل إلى إثبات التوحيد ودفع معارضات الملحدة على مذهبهم وأن الحق من القول في التوحيد قول غيرهم ولا قوة إلا بالله ثم زعم أن كل قادر سبقت قدرته فعله فهو وصف من قدر بغير وفعله بغيره فهو يتحول من حال إلى حال وتقبل ذاته الإستحالة والزوال فأما الله سبحانه فبنفسه يقدر على الأشياء ويفعلها فما يذكره في ذلك فاسد ولا قوة إلا بالله وقد بينا فيما تقدم بأبلغ من هذا وبالله التوفيق وفي هذا آية جعل ذاته عالمة وقد بينا وهمه ثم سئل عن خلقه الأشياء إذ لم يكن له فيه نفع ولا كان عابئا به فزعم أنه خلق العرض على ثواب الأبد وذلك حكمة فيكون فعله لنفع يكون لخلقه لا لعلة تقدمت الخلق وهو كاتحاد البنيان وأنواع الأشياء يحدث من العباد قال أبو منصور رحمه الله وقد بينا نحن ما يقتضى هذا الحرف من الجواب على أن السؤال عن العلة محال لإحالة أنه يكن لأحد عليه سلطان أو يخرج فعله عن الحكمة فنسأل عنه وبعد فإن السؤال عن تعرف حكمة الربوبية وحق ربوبيته علينا معرفته ومعرفة حقه وأمره والقيام بما علينا من طاعته وتعظيمه والإعداد لحق الجواب في كل ما يقوله ويعلمه وذلك يشغلنا عن طلب الإعتلال له في فعله أو الإحتجاج بالجواب عنه فيما تعدى السائل طوره وأعرض عما عليه من أعذاره لفعله الذي هو مسئول عنه مجزى به ولا قوة إلا بالله وقوله خلق الخلق لنفع الخلق ونفعه ما ذكر فإنه حيد عن الجواب لأنه سئل عن خلق الأشياء ومن ذكر فهم صنف من الجملة فلذلك أوجب ذلك حيده وعلى ذلك شأن القدرية فيما يسألون عن خلق الأفعال فيرجعون في الجواب إلى فعل الكفر والمعاصي وذلك فاسد لأن طريق هذا سمعي والأول الذي وصف عقلي قال الشيخ رحمه الله والأصل عندنا أن الله تعالى لم يخلق خلقا إلا وأثر نعمه عليه ظاهر وأدلة جوده فيه بين وأنه حكمته بما فيه من دلالة وحدانية موجده وبرهان سلطانه ونفاذ مشيئة فيه محقق وعلامة قدرته وعلمه بحقائق الأشياء غير خفي في ذلك والسؤال على أنك لم أنعمت أو لماذا أظهرت جودك ولم كانت الحكمة ولم أنت حجة وحدانيتك إلى آخر ما ذكر محال فاسد لا يقبله عقل ولا يحتمله وسع لقبحه لذلك بطل هذا النوع من السؤال وبالله التوفيق ثم جائز أن يقال إذ هو بذاته جواد وبذاته قادر وبذاته عالم فجاد بخلقه على خلقه إذ هو خلقه إذ هو قادر على أن يجود ويظهر مواهبه وأصل هذا السؤال عندنا فاسد لأنه يجعل الفعل هو الذات وهو به موصوف في الأزل والسؤال عن ذلك كالسؤال على أنه لم كان ربا عالما ولا قوة إلا بالله مسألة دفاع عن العلم والنظر

Section V01/P134–V01/P136

قال قوم ترك النظر أسلم لما لا يأمن الناظر بالظفر بالحق ثم فيه فتح باب الحجة على نفسه مما لو امتنع عنه ليأمن العطب من حيث لولا هو لم يتخلله السبيل الذي يظنه أو الباطل ليلزمه حجة الله إذ بالفكر والبحث إرادة ما يضطر إلى العلم بأن الحق في ما انكشف له مع اشتباه خاطر الرحمن في الأمر والتحذير من خاطر الشيطان وفي ترك النظر والبحث أمن ذلك إذ لم ينكشف له ما يلزمه التمييز ولا يخطر بذهنه ما يبعثه على الطلب ولا قوة إلا بالله ومن ألزم النظر والبحث فيقول في تركه عطبه لا محالة لأن لزوم النظر ليس عقيب نظر تقدمه بل عقيب الذي به يقع النظر والبحث وهو العقل الذي به يعرف المحاسن والمساوئ وبه يعلم فضله على سائر الحيوان وبه يعرف ملك تدبير أمر الأنام مع ما يأتي عليه ذهنه وفطنته تبدده وفناه بما نال من لذة الحياة وركبت فيه شهوة البقاء وعظيم ألم أسباب الفناء لو اعترضه فلا بد من البحث في درك ما يلائمه ويبقى ألذ الأشياء وأشهاها عنده مما يأبى عقله المخاطرة بروحه في الإمتحان بالأشياء دون تكلف ما يطلعه على الضار منها فيتقيه والنافع من ذلك فيجتلبه إما بالبحث عن تعرف من يثق بخبره وبأمر خيانته فيما يدله عليه فيصدر في كل ذلك عن رأيه أو أن يجهد في الإمتحان بنفسه بالقليل الذي يريه عاقبته مما يؤمن عن مثله الهلاك لقلته فيكون في الأمرين جميعا لزوم البحث مع ما يدفعه جهله بما جبل عليه من الشهوات وما يبعثه عليه نفسه من الملاذ عما يصيبه من المكروه وما يحل به من الألم إلى النظر في حال نفسه إنه بما صار كذلك أو هل كان كذلك في الأبد أو من أي وجه صار كذلك لا يسلم عن بعض الخواطر التي تمنعه عن ترك النظر في أحوال نفسه ليعرف به مباديه وليعلم أنه لذلك بنفسه أو بمن له في نفسه تدبير مع ما لا بد من أن يعرف ما به صلاحه وفساده وما عليه من النعم وعنه من الدفاع وفي كل ذلك اضطرار إلى النظر ولزوم الحجة وبالله التوفيق مع ما يعلم بيقين أن هذا الذي سول له ترك النظر هو خاطر الشيطان إذ ذلك عمله ليصده عن ثمرة عقله ويفزعه لأمانته التي لديها ينال الفرصة ويظفر بالبغية دليل ذلك أن استعمال العقل بالفكر بالأشياء ليعرف ما استتر منها من المبادئ والنهايات ثم فيما يدله على حدثها ومحدثها يشغله عن شهوات النفس ليعلم أن ذلك هو صنيع الشيطان على أنه إذ لم يجز إهمال شيء من الجوارح عن المنافع التي جعلت فيها ولا كفها عن أعمالها بته بل يجب كفها عن الوجوه الضارة واستعمالها بالوجوه النافعة فالعقل والنظر الذي بهما تعرف المنافع والمضار أحق أن لا يهملا مع ما كان الناظر عند ورود الخاطر لا يعدو خصالا ثلاثة إما أن يفضى به نظره إلى العلم بحدثه وأن له محدثا يجزيه بالإحسان ويعاقبه بالإساءة فيجتنب ما يسخطه ويقبل على ما يرضيه فيسعد وينال شرف الدارين أو يفضى به إلى نفى ما ذكرنا فيتمتع بصنوف اللذات أما العقاب فينتظره في الآخرة أو يفضى به إلى العلم باستغلاق باب العلم بحقيقة ما دعى إليه فيستريح قلبه ويزول عنه الوجل الذي يعتريه إذا فزعته الخواطر فيعلم إذا انصف أنه على ربح في نظره من كل وجه ولا قوة إلا بالله فإن قيل إذ جاز أن يأمر الله العبد في عقله بما لا يفهم لم لا جاز أن يخاطبه بما لا يفهمه قيل لا فرق بينهما ولا يجوز الإطلاق عليه بالذي ذكرت وما من شيء يأمر الله به إما يبعث العقل عليه أو بخطاب السمع إلا وقد جعل الله لفهم ذلك سبيلا ومن قصر فهمه عن احتماله فهو خارج عن الأمر لكن جهات الأصول مختلفة تعلم هي بالنظر والفكر أن ذلك من أي نوع ولا قوة إلا بالله

Questions