Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)
قال الشيخ رحمه الله وقد بينا ما يدل على وهمه على أنه من كان ممن سبق إلى قوله إن الله لو شاء أن يخلق فعلا ليس بفعل للخلق لا يقدر عليه حتى يجيء الكتاب بالإمتداح به والإقتدار عليه وإنما قدر ذلك من الفعل في غيره مما ظهر من فعل آخر ومما لا يبلغه حد البشر فمن كان يظن ان الله يعجز عن هذا النوع من الخلق ولا على حقيقة فعل الخلق بل لو أريد ذا لكان موضعه فيما ظن المعتزلة أنهم خلقوا خلقا ليس في العقول أرفع منه ولا أعلى في الحسن والفضل فرمت هذا المعتزلة على ألسن الضعفه فبين الله قدرته على مثل ذلك وإلا لا وجه لإنكار مثله ممن يقر له بخلق السماوات والأرض وما بينهما ولكن بين بذلك فساد قول المعتزلة إن الله قد شاء فلم يكن إذ هو لا يقدر على خلق أفعال العباد فقال وهو على كل شيء قدير جوابا لذلك وقال تعالى فلو شاء لهداكم أجمعين جوابا للأول وقوله ولو يشاء الله لانتصر منهم على أنه لو شاء تكذيب منذريه بل لا يشاء لانتصر منهم بما شاء ولكن شاء التأخير والثالث لانتصر منهم يهم ولكن شاء أن يبلو صحابة نبيه بالهزيمة ليبين الذين صدقوا كقوله تعالى ولقد فتنا الذين من قبلهم وقوله ومن الناس من يعبد الله على حرف وقال أبو حنيفة رحمه الله بيننا وبين القدرية الكلام في حرفين أن نسألهم هل علم الله ما يكون أبدا على ما يكون فإن قالوا لا كفروا لأنهم جهلوا ربهم وإن قالوا نعم قيل شاء أن ينفذ علمه كما علم أو لا فإن قالوا لا قالوا بأن الله شاء أن يكون جاهلا ومن شاء ذلك فليس بحكيم وإن قالوا نعم أقروا بأنه شاء أن يكون كل شيء كما علم أن يكون فهذا الذي تقرر عندي من المحكى عن أبي حنيفة رحمه الله لا أنى ذكرته بلفظه ولا قوة إلا بالله فإن قال قائل إذ قبح الأمر بالمعاصي لم لا قبح إرادة كونها قيل لأوجه أحدها التناقض في الأمر وليس ذلك في الإرادة لأن الفعل ربما يصير للأمر فمحال الأمر بالمعصية لأنه يصير بالأمر طاعة فيبطل معنى المعصية بها الأمر وليست الإرادة كذلك ألا يرى أن كل فاعل مريدا لفعله ومحال أن يقال أمر نفسه بفعله ثبت أنهما مختلفان ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله يوصف بالإرادة في فعله ومحال أن يكون عليه أمر فيه فثبت أن أحد الوجهين ليس هو دليل الآخر مع ما كان الله تعالى مريد هلاك الأنبياء والأخبار وبقاء الأعداء والأشرار والسعة لهؤلاء في الدنيا ولم يأمر بذلك بل أمرنا بالدعاء بهلاك هؤلاء وبقاء أولئك والله الموفق وأيضا إن فائدة الأمر رفعة الأمر وعلوه حيث استبعد الآخر وأظهر فيه حقه وعظم مننه التي بها استحق أن يكون سيدا له ومعبودا وحق الإرادة الإختيار ونفى الغلبة أن لا يقهر ولا يمنع عن سلطانه ولا يحال بينه وبين ملكه وفي دفع الإرادة هذا لذلك بطل أن لا يريد وكذلك في المنع عن الأمر والنهى لذلك لزم القول بالأمر والنهى على الأمرين ليظهر سلطانه وربوبيته ولزم الإرادة في الكل ليحق ملكه وعجز الخلق عن أن يريدوا في ملكه وسلطانه والله الموفق وأيضا إن الله أمر إبراهيم بالذبح وفداء الكبش فلا يجوز أن يكون أراد فعل حقيقة الذبح ثم يمنع عنه بالبدل لأنه آية البداء وعلامة الجهل فكان الأمر لا بالذي به حقيقة الإرادة ولا قوة إلا بالله وجملته ما بينا من انقسام معاني الإرادة والإتفاق على تحقيق المعنى الذي يذهب إليه وليس وراء ذلك إلا بمانع في اللفظ أو صرف عن جهته إلى جهة هي من تلك الجهة قبيح عند الخصم ولا قوة إلا بالله
ثم الأصل الذي يقع عليه الفعل في الشاهد أن يكون على إرادة أو غلبة أو سهو فكل من خرج في شيء عن الوصف بالغلبة فيه والسهو لزم الوصف بالإرادة التي هي للأفعال وأما التي هي لا لأنها في الحقيقة أقسام قد بينا ذلك فيما تقدم والله الموفق على أن القول في الشاهد فيما في الحقيقة إرادة فهي التي تكون وبها الفعل لا محالة عندنا يكون معها وعند المعتزلة قبل الفعل بلا فصل وما عدا ذلك مما قد يكون الفعل إذا وجد ولا يكون فهو التمنى المعروف والله يجل عن هذا الوصف ثبت أن إرادته على الوجه الأول وأنه يتحقق الفعل على الوجه الذي أراد به ولا قوة إلا بالله مسألة في القضاء والقدر الأصل عندنا أن هذه المسألة ومسألة الإرادة كلها في خلق الأفعال إن ثبت ذلك ثبت هذه إذ خلق الأفعال يثبت القضاء بكونها والقدر لها على ما عليها من حسن وقبح ويوجب أن يكون مريدا لها أن تكون خلقا له وقد بينا في هذا ما نرجو به الكفاية لمن أكرم بالهداية لكن الناس أفردوا التكلم في مسألة منها فاتبعناهم في الفعل لما احتمل أن يكونوا أرادوا أن الحق قد يظهر بنوره لمن تأمل بأي لفظ من الألفاظ يعبر به عنه ليعلم أن الحق لا صار حقا للسان ولا لنوع من البيان لكن صار حقا بما له من الأدلة والبراهين ولا قوة إلا بالله ثم القضاء في حقيقته الحكم بالشيء والقطع على ما يليق به وأحق أن يقطع عليه فرجع مرة إلى خلق الأشياء لأنه تحقيق كونها على ما هي عليه وعلى الأولى بكل شيء أن يكون على ما خلق إذ الذي خلق الخلق هو الحكيم العليم والحكمة هي إصابة الحقيقة لكل شيء ووضعه موضعه قال الله تعالى فقضاهن سبع سماوات وعلى ذلك يجوز وصف أفعال الخلق أن قضى بهن أي خلقهن وحكم كقوله فاقض ما أنت قاض بمعنى احكم ومن ثمة سمى العالم قاضيا بما يرد كل حق إلى محقه ويبين الذي هو حق ذلك وكذا قوله إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وكذلك يجوز أن يقال حكم الله أن فلانا يفعل كذا في وقت كذا فيكون منه كذا في وقت كذا وحق هذا أن يكون حكم بما علم أنه يكون وحكم أيضا بالذي يستحق الفاعل بفعله من ذم أو مدح ثواب أو عقاب وقضى أي أعلم وأخبر كقوله وقضينا إلى بني إسرائيل وعلى هذا الوجه أيضا يجوز ثناؤه ولا تمانع في جواز ذلك وقضى قد يكون أمر كقوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وقوله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا وهذا لايجوز أن يضاف إلى الله إلا في الخيرات وقد يكون في معنى فرغ كقوله فلما قضى موسى الأجل لكن هذا النوع لا يجوز أن يضاف إلى الله لإضافة الشغل له بشيء أو فراغ له منه إلا على مجاز اللغة في تحقيق انقضاء ما خلق ولا قوة إلا بالله وقد ذكر غير هذا في القضاء مما ليس بنا إلى ذكره حاجة فيما نحن فيه
وأما القدر فهو على وجهين أحدهما الحد الذي عليه يخرج الشيء وهو جعل كل شيء على ما هو عليه من خير أو شر من حسن أو قبح من حكمة أو سفه وهو تأويل الحكمة أن يجعل كل شيء على ما هو عليه ويصيب في كل شيء الأولى به وعلى مثل هذا قوله إنا كل شيء خلقناه بقدر والثاني بيان ما عليه يقع كل شيء من زمان ومكان وحق وباطل وما له من الثواب والعقاب وعلى مثل أحد هذين المروى عن رسول الله عند سؤال جبريل عليه السلام إياه عن الإيمان أن قرن ما ذكرنا بالقدر خيره وشره من الله فالأول نحو خلق الشيء على ما هو عليه قائم ذلك في أفعال الخلق من خروجها على ما لا يبلغه أوهامهم من الحسن والقبح ولا يقدرها عقولهم فثبت أنها خرجت على ذلك بالله سبحانه والثاني أيضا لا يحتمل منهم تقدير أفعالهم من الزمان والمكان ولا يبلغه علمهم فمن ذلك الوجه أيضا لا يحتمل أن يكون بهم وهي غير خارجة عن الله وقال الله تعالى وقدرنا فيها السير وقال إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ولا قوة إلا بالله والكعبي زعم أن الله لا يقضى الكفر ثم فسر وجوه القضاء وجعلها في بعض ما فسر فإنكاره في الجملة على احتمال ذلك في أحد الوجوه خطأ ثم احتج بأن الكفر متفاوت وباطل وقضاء الله حق وصواب لمن لا يعلم أن القضاء بالباطل إنه باطل وبالمتفاوت إنه متفاوت عدل وحق وكذا قضاء الحكام فأفعال الجود والظلم إنها جود غير باطل ولا متفاوت حتى كاد يعرفها الصبيان فمن جهل ذلك ثم ادعى حدود الكلام فحق الكلام عليه أن يعرف ما الكلام ولا قوة إلا بالله واحتج بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال تعالى خبره من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ ربا سواي قال الفقيه رحمه الله هذا مثل الأول وإن الرضا بقضائه أن تعلم بأن الكفر مضمحل قبيح وأنه شر وفساد وأنه يوجب مقت صاحبه وتعذيبه إلا أن يتوب فمن لم يرض بهذا فهو كافر فيكون على ما جاء به الخبر على أن الكفر والقبح هو فعل العبد ومحال أن يكون هو قضاؤه فثبت أن قضاء الله هو ما ذكرت مما عليه حقيقة الفعل ولا قوة إلا بالله على أن حقيقة الخير في الأمراض والمصائب ألا يرى أن التخليد في النار من قضائه عند المعتزلة وكذلك الخذلان والإضلال ونحو ذلك فليرضى الكعبي لنفسه ذلك وإلا طلب ربا سواه والمعتزلة يقولون ليس لله القضاء بالأمراض والمصائب في الدين لا ذنب لهم إلا بالعوض فإذا هم لا يرضون بها حتى يعطوا عليها العوض وذلك معنى ما روى فليتخذ ربا سواي وقال علينا الرضا بقضاء الله قال الشيخ رحمه الله وقد بينا كيف يرضى به وما عليه في ذلك أيضا ولا قوة إلا بالله قال وفي قوله إنا كل شيء خلقناه بقدر والقدر مما ينبغي والكفر مما لا ينبغي وإنما القول بقدر منه فمن الوجه الذي ذكرناه ومن ذلك الوجه مما ينبغي وبعد فإنه ينبغي أن يكون قدره قبيحا سمجا ثم قال سألك هل قضى الله الكفر وقدره يجب أن يستخبره عن المراد قال أبو منصور رحمه الله فيقال إذ وجب ذا فجميع ما أجبت قبل الإستخبار عنه إغفال ولا قوة إلا بالله والأصل في القضاء والقدر والتخليق والإرادة أن لا عذر لأحد بذلك لأوجه ثلاثة أحدهما أن الله تعالى قضى وخلق وما ذكر لما علم إن ذلك يختار ويؤثر وبما أراد وخلق وقضى يصلون إليه ويبلغون ما أثروه فلم يكن لهم الإحتجاج بما هو آثر الأشياء عندهم وأخيرها على ما لم يكن لهم ذلك بالعلم والكتاب والإخبار إذ كانت بالتي يكون منهم مختارين مؤثرين وبالله نستعين
والثاني إن جميع ما كان لم يحملهم على ما هم فعلوه لم يدفعهم إليه ولا إضطرهم بل هم على ما هم عليه لو لم يكن شيء من ذلك ويتوهم كونهم بلا ما ذكرت وقد مكنوا أيضا من مضادات ما عملوا فما ذلك إذ لم يضطرهم ولم يحول عنهم حقيقة بما علم كل منهم إنه مختار مؤثر فاعل ممكن من الترك لا كخلق سائر الجواهر والأعراض والأوقات والأمكنة التي فيها تقع الأفعال وإن لم يحتمل كون شيء من ذلك عذرا لهم أو حجة لم يكن ما نحن فيه حجة أو عذرا والله الموفق والثالث إنه لم يخطر شيء من ذلك ببالهم ولا كانوا عند أنفسهم وقت الفعل إنهم يفعلون لشيء من ذلك فالإحتجاج لما ليس لذلك الفعل عند المحتج باطل وكذلك العذر بما لم يكن عند نفسه بالذي يفعل لكان ذلك باطل مضمحل ولو كان لهم بذلك احتجاج لكان لهم بالإخبار وبالعلم والتقوية ونحو ذلك احتجاج على أن لهم لو كان هذا اعتذار لكان لهم بما جهلوا الأمر والنهى والوعد والوعيد بما جهلوا موقع مأثمهم بالمحل الذي وقعت ولكان لهم بما لا يضر الله ولا يوهن سلطانه ولا ينقص ملكه عذر ولو كان لهم بذلك عذر لكان بما خلقهم على العلم بما يكون منهم عذر ولو كان لهم في ذلك احتجاج لكان بما هو واضح لهم من ذلك كله وهو الذي يكون مثله وقت الفعل متصورا في الوهم من نحو الكرم والجود والغنى عن تعذيبهم وبما هو عفو غفور وبما ليس له في طاعتهم نفع ولا عليه في معصيتهم ضرر فإذا لم يكن الإحتجاج بشيء من ذلك لم يكن في الأول فإن قيل كيف لا دل ذا على أن ليس من الله ما تذكرون قلنا لما مضت الأدلة في تحقيق جميع ما بينا من الله عز وجل ولا قوة إلا بالله والأصل في هذا أن كلا يعلم أنه فاعل ممكن مما يفعله مؤثر له غيره مما لو منع عنه لعظم ذلك واشتد وأنه اختار على ضده فلا سبيل إلى دفع حقيقة ذلك إذ يعلم كل ذلك من نفسه ولما صار ذلك لأهله كالعيان والحس الذي لا يتخيل إليه على الغلط ثم يجد كل واحد فعله خارجا على غير الذي يقدره عقله من الحسن والقبح وعلى غير الذي يبلغه علمه من التقدير بالمكان والزمان وعلى ما لا تقصده نفسه من التعب والألم ولا تستعمله قدرته في مثله على ما ليس عنده في قدرته نقصان فثبت أن أفعالهم من هذه الوجوه التي كادت تصير حسية عيانية ليست لهم فمن رام تحقيقها عنهم من هذه الوجوه أو نفيها عنهم من الوجوه المتقدمة فهو يكابر عقله ويعاند حسه ولا قوة إلا بالله ثم نتفق والمعتزلة أن الله تعالى لا يضاف إليه شيء من الخلق أو أفعاله إلا من الوجه الذي لا يوهم القبح في الأسماء وما يوهم ذلك فحقه أن ينفى عنه ذلك ويخرج على هذا مسائل إحداها في وجه إضافة ما أضيف إلى الله من الخيرات إنها من الله قالت المعتزلة يضاف إليه من أمر ودعا إليها وقوى عليها وقلنا نحن هذا ما الإضافة وإن كان حسنا فلا هذا يراد بالإضافة إليه عند ذكر الأفعال ولكن المراد الشكر والحمد له إذا ذكرت الأفعال وقد يجوز الأول وهذا أولى لأنه من حيث الأمر والدعاء والتقوية اشترك فيه المؤمن والكافر ومن جهة الشكر والحمد يختلف ومما يبين ذلك جواز القول المطلق إن الإيمان نعم الله ومننه وإن المؤمن قد أنعم الله عليه ومن وأنه لولا فضل الله ما ذكى ولمسه عذاب عظيم ومن هذا الوجه لا يضاف إلى الله في الكافر وإذا لم يذكر الأفعال فعلى الأمر والله الموفق ولهذا طعن الله من قال بالكتاب المبدل إنه من عند الله وبإضافتهم ونحوها إنهم ادعوا الأمر بذلك فبرأ الله نفسه عن ذلك وأخبر أن ذلك من عمل الشيطان وأنهم قالوا ذلك حسدا من عند أنفسهم ولا قوة إلا بالله
ولا يجوز أيضا الفعل من حيث الأمر لأنه ليس فيه إلا إلزام وفي ذلك مؤن عظيمة لا يضاف إليه بذلك بل من حهة الحمد والشكر كما قال بل الله يمن عليكم وقال فلولا فضل الله عليكم ورحمته وقال الكعبي لا يضاف إلى الله إلا الحسن الجميل ثم زعم في إضافة الطاعات إليه أنه من وجه الأمر وأي حسن في ذلك وقد بينا ما يدخل على ذلك وزعم أنه لا تضاف إليه الشرور لأنه نهى عنها ولا تضاف إليه قال الفقيه رحمه الله وكذلك عندنا لا يضاف إليه لما بينا أن وجه الإضافة للشكر ولا وجه في ذلك ثم قال قول المسلمين الخير والشر من الله إنما أرادوا مخالفة قول الزنادقة وأما فعل العباد لم يخطر ببالهم بل قال الله من عمل الشيطان قال الفقيه رحمه الله مما ذكر من قول المسلمين فهو كذب بل يقولون قدر الخير والشر من الله وقدر الشر ليس هو الشر ولا كان القول في شأن الزنادقة لكان إذا قبيح إضافة الشر إلى الحكيم العليم بل من فعله الشر فهو شرير ومن فعله الإفساد فهو مفسد وقوله لم يخطر ببالهم كذب بل لا يخطر خصوص الذي ذكر ولا قوة إلا بالله ثم قال فإن قيل لا أقول الكفر من الله من جهة الأمر ولكن نقول من جهة الخلق قال الأمر دون الفعل قال الشيخ رحمه الله فنقول لا نقول الكفر من الله من طريق ولا شر بإطلاق القول من الله وكذلك من الله وكذلك لا أحد يقول إبليس من الله أو الشيطان من الله أو كل قذر ونتن من الله أو كل فساد من الله ثبت أن هذا اللفظ فاسد فيما كانت الخلق أيضا ولا قوة إلا بالله والأصل في ذلك أن القول منه يخرج مخرج دعوى الأمر أو إضافة الأنعام وليس في ذلك واحد منهما البتة فلا يجوز الإضافة إليه وهو كما قلنا إن الله في التحقيق وإن كان رب كل شيء وإله كل شيء وخالق كل شيء وكل شيء له لا يقال ذلك في الأرواث والخبائث والشيطان ونحو ذلك من الأشياء التي لا تذكر أنفسها إلا على الإستحقاق بها فإضافتها الواحد يخرج على ذلك وإن كانت في أنها مخلوقة كفرها مما يضاف إلى الله فمثله الذي نحن فيه ولا قوة إلا بالله وعلى هذا يكره القول في الكفر والمعاصي إنها بقضاء الله وقدره وإرادته لوجهين أحدهما ما ذكر من القبح أو هي لا تذكر إلا على الإستقباح والإستهانة والذي ذلك وصفه لا يضاف إلى الله تعالى على ما أخبرت وإن كان في التحقيق من قول ووجه آخر إنه يتكلم به على الإعتذار والإحتجاج ذلك المفهوم منه وقد بينا أن لا عذر لهم في ذلك ولا قوة إلا بالله وكذلك عند الناس لا يقال يا خالق الخبائث والأنجاس ونحو ذلك وإن كان هو في الحقية لكل شيء خالقا فمثله الذي ذكرنا وأصل ذلك إنه يضاف إلى الله تعالى كل ما كانت الإضافة إليه تخرج مخرج التعظيم أو مخرج الشكر أو مخرج ذكر نعمه أو أمره وما خرج على غير ذلك لا يضاف إليه وإن كان في الحقيقة خلقه ولا قوة إلا بالله وجملة ذلك إن الله يوصف بفعله وهو خارج على معنى العدل أو الفضل في الحقيقة وربما يضاف إليه ما ليس في الحقيقة فعله أو صفته فإن كان يقتضى معنى محمودا يجوز ذلك لما نيل ذلك بإنعامه وأفضاله وإن لم يكن لم يضف لما ليس ذلك في الحقيقة فعله فيوصف به وهو من حيث فعله حكيم عدل وذلك الشيء فيما عند الخلق بغير هذا الوصف والله تعالى يجل ويتعالى عن غير هذين الوصفين إذ في أفعاله صفة عدل وحكمة أو فضل وإحسان ولا قوة إلا بالله
قال الفقيه رحمه الله قالت القدرية فيما أضيف إلى الله الإضلال والإزاغة وصرف القلوب فيما قال صرف الله قلوبهم ونحو ذلك إن ذلك كان بالمحنة والتخلية ونحو ذلك وفي الخيرات بالأمر والتقوية ونحو ذلك ولو كان بالذي قالوا يضاف إليه الإخراج من النور إلى الظلمات كما أضيف إله الإخراج من الظلمات إلى النور عندهم بالأمر والتقوية إذ صارت علة الإضافة في الخير إليه الأمر والتقوية وذكر الهداية وكل ذكر يقابل ما ذكر إذ الأمر والتقوية هما المحنة وفيهما التخلية فإذا استقام ذا ولم يستقم الآخر بان إن في ذا معنى ليس في الآخر مع ما زعمت القدرية إن الشرور لا تضاف إليه لأنه نهى عنها فقد نهى عن الضلال والغواية والزيغ فلم أضيفت إليه والله الموفق وقالوا في الإضلال بالتسمية وذلك فاسد لما وجد من غيره ولم يضف إليه ولما ليس في التسمية فضل حكمة يذكر في موضع الوصف بالغنى والسلطان كقوله تعالى من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وذلك في موضع القوة والسلطان وبالله نستعين والأصل في هذا كله عندنا أن الله إذ هو موصوف بفعله ومعنى فعله خلقه كل شيء على ما هو أولى به متفضلا في فعله أو عادلا لا يخلو وصف فعله عن هذين وحقيقته عن الأول فصار بأي وجه أضيف إليه من طريق فعله محقق له معنى خلقه ولو ذكر ذا في الإضلال وما ذكر في الطبع وغيره لم يحتمل شيء من تمويهات المعتزلة فكذلك إذ ذلك معنى فعله والله الموفق مسألة في ذم القدرية قال الشيخ رحمه الله أجمع أهل الكلام على ذم اسم القدرية وتبرأ كل منهم عنه وقد روى في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمكن السبيل إلى معرفة من له حقيقة هذا الإسم وهو قوله القدرية مجوس هذه الأمة ومعلوم أنه أراد به ذم أهلها بمعنى شاركوا فيه المجوس فيما خالف به المجوس أهل الأديان من القول لا بد من تأمل ذلك ليظهر حقيقة أهل هذا الإسم ولا قوة إلا بالله وكان الأصل الذي ذم به المجوس مما خالفوا به أهل الأديان من أوجه أحدها أنهم قالوا كان الله واحدا لا شريك له ثم حدثت منه فكرة ردية إما لما أصابته عينه أو لما ظن أن يكون له عدوا ينازعه فإذا إبليس حدث من تلك الفكرة الردية فخلق هو شر العالم والله خيره من غير أن كان لله قدرة على خلق شيء من الشر والفساد ونحو ذلك أو لإبليس قدرة على خلق شيء من الخير والصلاح فقام العالم بهما وبهذا كله خالفوا به أهل الأديان ومعلوم أن هذا كله أوصاف ذم ونعوت شبن ثم للمعتزلة عن كل صفة من هذه الصفات نصيب فلذلك لقبوا باسم القدرية ولا قوة إلا بالله ووجه ذلك أن المعتزلة زعمت أن الله تعالى كان ولا شيء غيره ثم حدثت الإرادة من غير أن كان من الله بحدوثها إرادة أو اختيار منه إليها معنى سوى أن كانت فكان بها جميع العالم إذ من قولهم إن العالم فعل الله وإنه كان باختيار وإن الإختيار إرادة كقوله فعال لما يريد فسمت المعتزلة تلك الحادثة إرادة والمجوس فكرة وهي واحدة بينهما اختلاف في الإسم لا الحقيقة ثم جعلت المجوس بها يصف العالم والمعتزلة كل العالم فيكونان في الحاصل تحت قول ذميم والمعتزلة زائدة ثم المعتزلة تجعل العالم بالله وبالأجسام من غير أن كان ذلك من الله من الإجتماع والتفرق والحركة والسكون وجميع المتولدات مما عن الخلق مفصولا أو بائنا وكذلك جميع العالم عند المجوس من الخير والشر بل المجوس ينسبون كثيرا من الجواهر إلى إبليس لا تقدر المعتزلة على نسبة شيء من ذلك إلى الله في الحقيقة والمجوس يثبتون لإبليس القدرة على خلق الشر بالله وينفونها عن الله وكذلك قول المعتزلة في قدرة أفعال الخلق ولا قوة إلا بالله
والمجوس لا تجعل لإبليس على شيء مما لله من العالم قدرة ولا لله على شيء مما للخلق لإبليس وكذلك أمر المعتزلة لكنهم جعلوا لجميع الأحياء ذلك والمجوس لإبليس خاصة والمجوس / لا تجعل لله إرادة ولا سلطانا فيما ليس فيه أمر وكذلك المعتزلة والمعنى الذي دعا المجوس إلى القول بإثنين ما استقبحوا من إضافة خلق الشر وفساد الأشياء إلى الله وكذلك المعتزلة ولو عرفوا حق معرفة الربوبية أنه في وضع كل شيء موضعه وأنه المتعالى عن أن يكون فعله لنفع له أو لخير يكتسب لنفسه لعلموا أن الوصف بخلق الكل على ما عليه وصف القدرة والجلال والقول به قول بتمام الملك والكبريا ولا قوة إلا بالله وعبارة أخرى مما تبين أن المعتزلة أحق من يتعالى بالإسم من أهله ما أنطق الله به ألسن الخلق بالنسبة إليهم صغارهم وكبارهم من علم ما تحت الإسم أو جهله مثبت أن ذلك صار لهم لقبا لا من حيث صنع للبشر فيه ولكن بفضل الله ليعلم به أهل الذمة في الدين فيحذر مخالطتهم ولهم في ذلك علمان ظاهران أحدهما في لون كل منهم على حسن خلقته وقبحها أن يظهر في وجه كل منهم الصفرة الباردة التي تستقبحا الأبصار إذا قوبل ذلك بوجوه المجوس لوجدوا سواء والثاني تخلفهم عن جماعات المجوس وإنكار عامتهم دار الإسلام من أن تكون دارهم ولا قوة إلا بالله ولتحقيق هذا الإسم لهم أيضا وجهان إن كل ذي دين ومذهب نسب إلى المعنى الذي ادعاه لنفسه بحق الإسلام واليهودية والنصرانية ونحو هذا وكذلك المعتزلة يرون قدر أفعالهم لأنفسهم وغيرهم يرون ذلك منه فمحال أن يشتهر به من رآه لغيره ويزال عمن يدعى حقيقته لنفسه وبمثله جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرط الإيمان بالقدر خيره وشره من الله والوجه الآخر هو الأمر المعروف الذي لم ير معتزليا سلم عما يزيل عنه اسم الإيمان والتحلي بحلية الإسلام من ارتكاب الكبائر بالشهوات مما يبين استخفافهم بدين الله وإختيارهم الخروج منه بأدنى شهوة أعطوها لأنفسهم فهم أحق من ينسب إلى غير دين الله إذ هذا شأنهم في دينهم الذي هو عندهم دين الله ولا قوة إلا بالله ثم ذكر الكعبي أن من عادة العرب تلقيب من يلهج بشيء فيكثر ذكره في غير موضعه حتى يجاوز الحد فيه ونسبة ذلك إليه وهم يفعلون ذلك حتى قالوا في كل فاحشة وأمر ذميم هذا قدر الله قال الشيخ رحمه الله أخطأ في هذا القدر من الدعوى من أوجه أحدها ما حكى عن العرب والثاني ما حكى عنهم هم لا يقولون ذلك وإن كان يقوله فلا يقوله من بهم يعرف أسماء النحل إنما يذكره العوام فأما الخواص فهم لا يذكرون ذلك بل يكرهون ذلك خشية أن يذكر على الإعتذار فيما لا عذر لهم والعرب لو عملت الذي قال إنما عملت فيمن ظهر على التلقيب لا للتحقيق ونحن فيما حقه التحقيق لما عن رسول الله جاء ذلك قدم أهله ولا قوة إلا بالله وأيضا إن الذم جاء من عند رسول الله ولم يكن في ذلك الوقت من يعرف بهذا الفعل ولا كانت النحلة التي أبدعت العرب لها الإسم فلا يحتمل الإسم الذي قال لهذا ولا قوة إلا بالله ثم سأل عنا سؤالا دل على حيرته فقال نسبتم إليه بقولكم لا قدر فأجاب بأن لا ينسب الشيء إلى النافي قال الشيخ رحمه الله وما قاله صدق وإنما ينسب إلى المدعى والمثبت لنفسه وهو حيث يقول تخرج الأفعال على قدره الذي قدر لها ثم قال لو قيل أثبتم ذلك بقولكم نحن نقدر أعمالنا قال لا يجب لوجهين أحدهما أن الإسم منه مقدر والثاين أنه لا تمانع له في القول إنه يقدر صلاته وثوبه وداره وأمر سفره فيجيب أن يكونوا كلهم قدرية
قال أبو منصور رحمه الله فأما الحرف الأول مقدر وقدر واحد وبعد فإن الفعل في النصراني واليهودي التنصر والتهود والإسم على ما يرى فمثله في القدر والثاني قد يسمى الله تعالى بذلك ثم لا يقال قدرى فثبت أن ذلك يرجع إلى أمر خاص وإلى معنى فيما إليه فإن كان إلى أمر خاص فهو في الدين ومن نسبه إلى نفسه فهو أحق به وإن كان المرجع فيه إلى المعنى فهو لا فهم على ذلك القول يرون حقيقة الخروج على قدر الله لا على قدر العبد والمعتزلة تزعم أنه على قدرهم يخرج والله الموفق وما قال من العرب فيجب أن يكون المعتزلة لهم اسم الجبرية لكثرة ما يجرى على لسانهم اسم الجبر ولا قوة إلا بالله مع ما نسب إلى المجوس وهم لا بكثرة القول سموا به ولكن بحقيقة المذهب ولا قوة إلا بالله ثم سئل عن وجه تسمية الحشوية لهم قدرية فزعم أن ذا من خطئهم نحو خطئهم في أكثر أمور الدين مع ما انضموا إلى بني مروان وذلك كان مذهبهم ليفرحوا بإضافتهم الأفعال الذميمة إلى قضاء الله وقدره فساعدوهم على ذلك وبرؤوهم عن الذم مما اقترفوا في الحمل على الله ورأوا ذلك شائعا لهم لفعل معاوية مع ما رأته قتله على حيث جاء به وقولهم الذي تولى كبيرة على وعظم قول المعتزلة فيهم حيث أخرجوهم عن شرائط الإمامة حتى قبلوا منهم هذا الإسم وأطنب في هذا الذي أكثره كذب قال الفقيه أما نسبة السؤال إلى الحشوية فإنما هو تمويههم ليروا أن الذي سماهم بهذا هم وإنما هذه التسمية متوارثة في الأمة بأسرها في خبر عن النبي عليه السلام صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي القدرية والمرجئة وفسرت القدرية بنفيهم القدر على الله والأصل في هذا أن المرجئة هي التي أرجت حقيقة أفعال الخلق إلى الله والقدرية هي التي نفت عن الله تدبيرها وجعلت كل التدبير فيها للخلق حتى معنى العالم وبم على تدبير الخلق هم أفنوا وأبقوا وبه قام تدبير الله من البعث وأهل الجنة والنار ليس لله في ذلك إلا الإختبار وكذا لا يحقق له في العالم أفعال سوى كونه بعد أن لم يكن والعدل هو المذهب المتوسط بينهما وذلك معنى قول الله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الأمور أوساطها ونسب إلى الحشوية الخطأ ولا أحد سلم عنه والذي قاله إنما قال قوم منهم وأما المعتزلة فهم شاركوا الملحدة في إنشاء العالم وإخراجه من العدم إلى الوجود وما ذكر من السبب وروى عن بني مروان وحكى عن الذين برأوا المذنبين وحملوا ذلك على ما ذكر في إيجاب القدر للعباد كذب كله فنعوذ بالله من الحيرة في الدين الحاملة على قذف المسلمين ثم احتجت القدرية في تقديم القدرة الفعل بآي من كتاب الله تعالى منها قوله فخذها بقوة وقال أهل التأويل فاعمل بها بجد واجتهاد فكأنهم رأوا القوة هاهنا الأسباب لكن الظاهر من ذلك قولنا خذها بقوة أي وقت الأخذ لأنها إذا لم تكن في وقت الأخذ يكون الأخذ بلا قوة فثبت به الذي يذهب كمن يقول لآخر خذه بيديك وانظر إليه ببصرك فهو على الإلتقاء وعلى ذلك قوله لموسى فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها واحتجوا أيضا بقول الجني وإني عليه لقوي أمين وقول المرأة إن خير من استأجرت القوي الأمين قال الشيخ رحمه الله والحرفان مما ليس لهم التعلق به لما كانت قوة موسى التي علمت بها إنما علمت وقت النزح وهي لا تبقى إلى ذلك الوقت وكذلك قوة الجنى على ما امتحن نفسه فيما سبق والله الموفق والثاني على إرادة وقت الإستعمال بالعادة الجارية بالحدوث في كل وقت لما شاء ولا قوة إلا بالله وقد احتجوا بما في القرآن من ذكر الإستطاعة وقد بينا ذلك الوجه ولا قوة إلا بالله
ثم الجبرية المعروفة عندنا هم الذين يلقبوا بالجبر وأحالوا القدرة على ما في الفعل جعل الله كاذبا وأرجعوا جميع الأفعال إلى الله ولم يثبتوا للعباد في التحقيق فعلا قيل يقول لهم الله لم فعلتم ذا ولم لا فعلتم ذا ونقول إفعلوا ذا ولا تفعلوا ذا في التحقيق بل إن أمر أو نهى فإنما يأمر في التحقيق نفسه وينهى نفسه ثم هو يرتكب المنهى في التحقيق ويأمر ويطيع هو في الحقيقة ثم يعاقب غيره فيعذبه ويثيبه ويسميه مع هذا حكيما رحيما جل من صفته الرحمة والحكمة وعلى ذلك يجب أن لا يجدوا الألم في الحقيقة واللذة وتكون حقيقتها راجعة إلى الله جل الله عن ذلك وتعالى ثم يبطل معنى الرسل والكتب لما هي في التحصيل تصير إلى الله بالأمر والنهى والوعد والوعيد لا منه إلى غيره ثم يبطل حكمة خلق الخلق ويحصل على العبث إن كان العلم يبلغ معرفته ومن يكون خروج فعله على كفران وجحود المنن والكذب في الإخبار والسفه في الأفعال فهو حقيق أن يكون شيطانا رجيما فهو كذلك لا ريب فيه وهو شبيه بقولهم كان الله غير عالم ولا قادر ثم صار كذلك فلعل تدبيره الأفعال التي كانت فيما نسب إلى الخلق في ذلك الوقت جل الله وتعالى عن ذلك ثم نسب القدرية وهم الذين يلقبوا بالإعتزال الخبر إلينا على تبرينا عن ذلك عقدا وقولا لكن كذبهم في هذا نحو كذبهم علينا في اسم القدرية ثم نذكر أحقنا بذلك في مقابلة المذهبين ليعلموا جرأة المعتزلة وعظيم سفههم كما بينا في القدرية وادعوا علينا اسم الجبر بإنكارنا كون قدرة الفعل قبل وقته ثم هم حققوا الفعل في وقت لا قدرة فيه وتحقيق الفعل في وقت الوصف بلا قدرة أقرب إلى معنى الجبر من تحقيقها مع الفعل لمن عقل الجبر والإختيار ومما يوضح ذلك أن الفعل غير متوهم في حال العجز ومتوهم وجوده في حال ارتفاع العجز فكان توهمه مع الإرتفاع أرفع وأبلغ من توهمه مع الوجود إذ هو سبب المنع فكذلك القدرة التي هي سبب الفعل في الحقيقة ويؤيد ذلك فساد الدرك بالبصر مع ذهابه بما تقدم من البصر وكذا السمع وعمل كل الحواس فلذلك كان فساد فعل الإختيار مع العجز وفقد القدرة أوضح منه مع الوجود ولا قوة إلا بالله ووجه آخر أن قول المعتزلة إن الإرادة هي إختيار الفعل وإنما تكون متقدمة على الفعل وليست بموجودة وأنه وجد في وقت الوجود بلا إرادة منه ولا إختيار وحق اختيار الأول عنه زائل إذ يجوز ورود الإضطرار في الوقت الثاني ومحال وروده في الوقت الذي فيه الإختيار والإختيار قائم ثبت أن فعله في التحصيل ليس بإختيار وأنه اضطرار وعلامة الجبر هذا وبهذا الفعل يوجبون العداوة والولاية والخلود في الجنة والنار الواقع وقت وقوعه بلا اختيار ولا قدرة ولا أمر أيضا ولا نهى فمن تأمل ذلك وجده عند التحقيق قول الجبرية في التصريح لكن هو لا جبرية كاذبة وأولئك جبرية صادقة ثم من قولهم إن من أراد الفعل لأقرب الأوقات إليه يقع ذلك الفعل وإن كرهه وأراد صرفه ويقع له به العداوة والولاية وإن صار بحيث لا يمكنه الصرف قبل وقوعه أو معه ثم يكون ذلك الوقت ليس بوقت محال لفوت ذلك الفعل إذ قد يجوز عندهم فوته بالمنع والقهر ثبت بما ذكرت وقوعه بالجبر في التحقيق وأيضا على قولهم في كثرة جرى اسم القدرية في غير موضعه على ألسنتهم يسمون به فهو كذلك عندهم مع قولهم بنسبتكم الجبر إلى غيرهم وبالله المعونة والعصمة
ثم سمت المعتزلة الحسينية مجبرة بما قالت الحسينية للعبد قدرة ما هو فيه من الفعل وليست له قدرة ضده وقت الفعل وقبل ذلك الوقت الإختلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في الإسم خاصة لأن الحسينية تقول هو على ما هو فيه فعند الله لطف لم يعطه والمعتزلة يقولون لم يبق عند الله شيء فيه صلاحه إلا وقد اعطى فقد اتفقا على قدر ما أعطاه ولا قوة له وقت الفعل عند المعتزلة وعند الحسينية له قدرة ما هو فيه وله اختيار ما هو فيه فكان الذي معه من القدرة والإختيار أكثر من الذي عند المعتزلة فكيف سمتهم المعتزلة مجبرة لولا قلة الحيا ولا قوة إلا بالله والأصل عند الحسين إنه عند الفعل مضيع أحد القدرتين ولا عذر له في التضييع وعند المعتزلة لا قدرة لا بالتضييع ولا غيره فأي الوصفين أشبه بالجبر لو كان ثمة إنصاف ثم الذي يحقق أن المعتزلة هي المجبرة قولهم للعبد الفعل شاء العبد أو أبى ومن زالت عنه المشيئة في فعل فهو ساه أو جاهل أو عاجز لا يخلو عن ذلك مع ما قد جعلوا للعبد أن يريد في سلطان الله ما لا يريده ويشاء في ملكه ما لا يشاؤه وهو يشاء خلافه ويريد غيره وذلك علامة القسر والجبر فعابت الجبرية في جبر العبد بما رأوا لله الملك والجلال ثم قالت بجبر رب العالمين سفها بغير علم ولاقوة إلا بالله ثم نذكر طرفا مما عابت المعتزلة حسينا في النطق ووافقته في التحصيل قال حسين الكافر وقت كفره ليست له قدرة الإيمان وقدرة الإيمان عنده التوفيق والعصمة ووافقته المعتزلة على أنه ليس بمعصوم ولا موفق بل هو مخذول متروك على رأيه وذلك معنى قدرة الكفر عند الحسين فاتفقا على المعنى الذي اختلفا في إسمه فحق المسألة بينهم في جعل التوفيق والعصمة قوة الإيمان والترك والخذلان قوة الكفر لا إفراد التكلم في القدرة والأغضاء عن حقيقة ما يجب القول به وبالله التوفيق وقال حسين معنى الإرادة في الله سبحانه أنه لم يغلب ولم يقهر وقد أعطت المعتزلة هذا المعنى في جميع أفعال الخلق إنه لم يغلب ولم يقهر فتبطل المسألة في الإرادة إنما بقيت في تأويل الإرادة لا غير مع ما كان من قول الحسين إن أفعال العباد مخلوقة فأارد خالقها كونها على ما خلقها ومذهب المعتزلة إنها ليست بمخلوقة لله فتكون المسألة في خلق الأفعال لا في الإرادة وقال الكعبي الإرادة معناها أنه مختار غير مغلوب فمثله في كل شيء يلزمه ثم المعتزلة ليست تثبيت لله إلى العالم سوى أن كان ولم يكن عالم ثم كان عالما فصار بذلك المعنى خالقا له مريدا على الوجه الذي ذكر فقال حسين في أفعال العباد إنه إذ كان ولا هذه الأفعال ثم كانت هذه وكانت بإرادته التي تأويلها ما وصفه وبأن خلقها بأن كان ولم تكن هي ولا قوة إلا بالله على أن حسينا يجعله في الأول مريدا لكون الخلق على ما كان وكذلك لكون كل مخلوق على ما كان بإرادته والمعتزلة تنفى معنى الإرادة لا تجعل غير أن كان ولم يكن الخلق ثم كان فحق ذلك فيه أوجب ولا قوة إلا بالله وقالت المعتزلة الوعيد يأخذ من أخرجه فعله عن الإيمان وكذلك قال حسين وجميع أهل الإرجاء إن كان من استحق بفعله زوال اسم الإيمان فهو كله في النار أبدا ولا قوة إلا بالله والإختلاف بين هؤلاء فيما به يخرج من الإيمان لا في حق الوعيد فالإحتجاج بآي الوعيد في المسألة خطأ مسألة في مقترفي الذنوب وهي يخرجون بذنوبهم من الإيمان
قال أبو منصور رحمه الله تكلم الناس في محل الذنوب وتسمية مقترفيها فجمع بينها قوم في الإخراج من الإيمان بقوله ومن يعص الله ورسوله وقوله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة والذنوب كلها في تحقيق اسم العصيان واحد فعلى ذلك في تحقيق اسم الضلال وإيجاب الخلود في النار وقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه يخرج على وجهين أحدهما أن يكفر بالتوبة لقوله ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم وغير ذلك من الآيات والثاني أن تكون الصغائر منها التي تقع على السهو والغفلة فهي المغفورة بما قال تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم وقال وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به وما جاء من الخبر بالعفو عنه ثم حقق قوم منهم له اسم الكفر بوجهين أحدهما بقوله لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وقال وهل نجازي إلا الكفور وقال من يعمل سوءا يجز به وقال ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وقال ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فأثبت الجزاء فيما صغر منه وأخبر أنه لا يجازى إلا الكفور ولا يصليها إلا من ذكر مع ما قال الله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله وكل عاص فهو يؤذي رسول الله ولا قوة إلا بالله والثاني أن عقد إيمان كل مؤمن أن لا يعصى الله فيما أمره ونهاه فمن عصاه لم يف به مع ما كان إعتقاده كان موقوفا على ما يظهر بالإبتلاء بقوله أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وقال وليعلمن المنافقين في موضع آخر فثبت بذلك استحقاق اسم الكفر بما ظهر كذبه فيما أظهر من الإعتقاد والنظر يوجب ذلك بما هو بالذي مخالفا فيه من الله مجيب الشيطان إلى ما دعاه ومطيع له فيما أمره ومن ذلك وصفه فقد عبده ومن عبد الشيطان فهو كافر ولا قوة إلا بالله ومنهم من يسميه مشركا لا كافرا إنما صار إلى ما صار بالفعل لا بالقوة وقد قال الله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا فجعل في العمل شركا وكذا تسمية أهل الشرك بما أشركوا في العبادة غير الله وذلك معنى قوله وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وقال إن الله لا يغفر أن يشرك به وقد بينا إنما يغفر من الذنوب هي التي كانت على الخطأ أو الإكراه كما جاء به الكتاب ولا قوة إلا بالله
ومنهم من قسم الذنوب قسمين فجعل منها صغائر تغفر بإجتناب الكبائر وبالعفو بالجزاء ونحو ذلك على اختلاف أقاويلهم وهو قولنا في أى ألا يجوز إخراج صاحبها من الإيمان وفاسد مع الإيمان الخلود في النار لما يوجب الخلف في الوعد بقوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وما جاءت به الآيات فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن والوعد في ذلك ثم الذي يمنع اسم الكفر في الحقيقة والشرك أوجه أحدها أمر الله نبيه أن يستغفر له وللمؤمنين والمؤمنات ثم لا يحتمل الأمر به على إثبات كفر أو شرك بقوله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وبما أمره أن يستغفر للمؤمنين ومحال يأمره بالإستغفار باسم الإيمان وهو عنهم زائل لأنه يوجب الكذب ثم قد حذره الله عن الإستغفار لأهل الشرك بما ذكرت ولأهل النفاق بقوله سيقول لك المخلفون من الأعراب وقوله سواء عليهم أستغفرت لهم ونهيه إياه عن الصلاة فثبت أن أولئك الذين أمرهم بالإستغفار هم أهل الإيمان في الحقيقة ثم لا يحتمل أن يؤمر بالإستغفار ولا ذنوب لهم أو كانت مغفورة لهم لأن الاستغفار هو طلب المغفرة وطلبها لمن قد غفر له كتمان نعمة الغفران وذلك كفران النعمة بل حق ذلك الشكر والحمد وما لا ذنب له ثمة فيخرج طلب المغفرة مخرج كفران العصمة والسؤال أن لا يجوز إذ تعذيب مثله في حكمه جود ثم لا يحتمل أن يكون رسول الله والملائكة يستغفرون لمن أمروا به ثم لا يجابون فيثبت بهذا أن لا يزول اسم الإيمان لكل ذنب وأن من الذنوب ما ليس بمغفور يغفر بالتوبة عنه إذ ليس في استغفار غير المذنب توبة وفي ذلك نقض على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان لكل ذنب وأن من الذنوب ما ليس بمغفور يغفر بالتوبة عنه إذ ليس في استغفار غير المذنب توبة وفي ذلك نقض على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان بكل ذنب ليس بمغفور لصاحبه حتى يستغفر ونقض على الخوارج بما ذكرنا والله أعلم وأيضا إن الله تعالى قال في الذنوب التي لا يغفرها سواء عليهم أستغفرت لهم وعلى ذلك قال وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون وقال يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا فألزمهم التوبة مع إثبات الإيمان وأخبر أنه بالتوبة يغفر لهم وفي ذلك وجهان أحدهما على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان في كل ذنب لا يغفر عندهم إلا بالتوبة وفي ذلك إثباته وعلى الخوارج بتسميتهم كفرة وأهل الشرك ومحال مع ذلك اسم الإيمان والأمر بغيره والله الموفق ولو كان في شيء تسمية بالكفر فهو مجاز اللغة من حيث ذلك صنيعهم ونحو ذلك على ما يقال للمرء أصم وأعمى بما لا يقف على حقيقة ما بذلك يوصل إليه وذلك نحو قوله من كفر بالله من بعد إيمانه فأثبت اسم الكفر فيما كان منه على الإكراه لفظا لا تحقيقا لما اطمأن قلبه بالإيمان فثبت أن قد يجوز تسميته لنوازل مجازا فمثله الأعمال ولا قوة إلا بالله وأيضا إن الله تعالى قال فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ثم معلوم أنه لا يرى الخير وجزاه مع الشرك ولا جزاه شر في حال الكفر يرى ذلك بعد الإيمان لقوله تعالى ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه وقوله إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقال فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات دل ما ذكرت من تحقيق حال فيها جزاء الأمرين وذلك لا يكون على قول المعتزلة في وقت الكبائر ولا في وقت الصغائر وكذا في قول الخوارج ولا قوة إلا بالله ثم الله تعالى قال إن الله لا يغفر أن يشرك به ومعلوم أن الشرك قد يغفر بالتوبة فبطل به قول من يجعله لما قسم الكتاب وبطل قول من يبطل المغفرة في الكبائر بلا توبة لأن الله جل ثناؤه جعل لنفسه مشيئة المغفرة وذلك فيما كان في الحكمة لكن دفعه سفه جل الله عن ذلك وتعالى فلزم الذي ذكرت القولين جميعا
ثم الذي ينقض قول الخوارج الذين يكفرون بالصغائر ما بلى بها الأنبياء والأولياء وما يكفر يسقط النبوة والولاية ومن ذلك وصف إيمانه بالأنبياء فهو كافر بهم فبلغ من تعظيمهم الذنوب إلى أن كفروا به وهو أعظم الذنوب وهذا حق من تعدى حدود الله في الحكم وغلا في دين الله أن يكون عطبه من أرجى ما يكون عنده من أسباب النجاة ولا قوة إلا بالله وعلى قول المعتزلة في ذلك وصف الله الأنبياء بالدعاء له تضرعا وخفية وطمعا وخوفا وببكائهم على ما كان منهم من الزلات وتضرعهم إليه حتى أجيبوا في دعائهم وأعطوا سؤلهم ولو لم تكن ذنوبهم بحيث احتمال التعذيب عليها في الحكمة أو كان عليهم من ذلك خوف التعذيب لكان في ذلك تعدى الحد والوصف بالجود والتعدي منه وذلك أعظم من الزلات فهذا ينفى قول المعتزلة في إثبات المغفرة في الصغائر وإخراج فعل التعذيب عن الحكمة وقول الخوارج بإزالة اسم الإيمان عنه ولا قوة إلا بالله ثم القول في جعل الصغائر كفرا أو شركا أو التخليد في النار جزاء لها قول مهجور بما يسقط معنى تسميته عفوا غفورا رحيما إذ لا يسعه مأثم ولا زلة بلا توبة ويوجب به المعاداة بعد أن عرفه عفوا غفورا كريما وعادى لأجله من أزال عنه هذا الإسم إلى كل ما يوصف كل قاس وكل لئيم وبه يستحق الذي قال إذ هذا أعظم الذنوب حيث صفات الرب ثم بما بلى به الأنبياء فيكفر بهم في تلك الأحوال ومن كفر بنبي في وقت فهو كافر لا ريب فيه ثم بهذا وصف الرب بالجود لما فيه إبطال الحسنات بزلة والعدل هو الذي يجزى بالإحسان والإساءة فيما أظهر عز وجل من كرمه ثم التجهيل بما لم يعرف من يصلح للرسالة ويقوم بأداء الأمانة ثم بما لا أحد عنه فيكون في الذي ذكر تكليف ما لا يطاق ثم ينقطع منه الخوف والرجاء ويحصل الأمر على الأمن والإياس وقد شهد عليها بالضلال والكفر ولا قوة إلا بالله ثم نذكر ما قيل في الكبائر فإنها إذ صارت بحيث إحتمال العفو فما دونها أولى وبما للقول به فيها على الإختلاف أثر بين في الأمة فصرف الكلام إليه أحق وبالله التوفيق مسألة اختلاف المسلمين في مرتكبي الكبائر ثم اختلفت الأمة في مرتكبي الكبائر من المسلمين دفعته إليها الغلبة من شهوة أو غفلة أو شدة الغضب والحمية أو رجاء العفو والتوبة من غير استحلال منه ولا استخفاف منه بمن أمر ونهى فمنهم من جعله كافرا ومنهم من جعله مشركا ومنهم من جعله غير مؤمن ولا كافر ومنهم من يجعله منافقا ومنهم من جعله مؤمنا على ما كان عاصيا بما فعل فاسقا به من غير أن يطلق له اسم الفسق والفجور إلا مع من يعلم ما به سمى ذلك ويرى أن يكون لله تعذيبه بقدر ذنبه والعفو عنه بما علم منه من الصدق له في العبودة وغيره من الحسنات ومنهم من وقف في الوعيد إنه أريد به المستحيل أو غيره ورآه واجبا فتفريق من ذكرت بين الصغائر والكبائر فيما يثبت في الصغائر من إمكان العفو أو إبقاء اسم الإيمان أوجب صرف الوعيد إلى الكبائر وما يثبت من ذكر جزاء الكفر والشرك ونحوه يوجب تحقيق اسم الشرك وقول قوم والكفر على قول وأيد ذلك قوله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون مع ما كان صاحب الكبيرة حاكما بغير الذي أنزل الله وتاركا الحكم به وقد قال الله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وبعد فإنه قد سمى بالأسماء التي سمى الله بها الكفرة من الفسق والفجور والظلم لزمه أيضا اسم الكفر مع ما قسم الله البشر الذين جرى عليهم القلم فيما عليه أمرهم في الدنيا والآخرة فقال هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن وقال فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وقال فمن يرد الله أن يهديه وقال يضل من يشاء وقال أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون
ثم بين كفر المسمى فاسقا وقال في أمر الآخرة يوم تبيض وجوه وقال فأما من أوتي كتابه بيمينه فجعلهم جميعا متسمين فلا ثالث في التحقيق مع ما بين أن النار أعدت للكافرين فإذا ثبت الوعيد لصاحب الكبيرة جعله كافرا وبعد فإن الله تعالى وصف أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقد لزم ألا يأس على قول هو لا لزمه اسم الكفر على أن الأسماء لا منافع لها ولا مضار بها على أهلها إنما المضار والمنافع في حقائق ما لها الأسماء فإذا لزم الخلود في النار بطلت فائدة الإسم إن كان مؤمنا أو كافرا لا يمنع عنه اسم الكفر إذ عوقب بعقوبته ولا قوة إلا بالله وألزموا الوعيد بما في الرفع لحوق الكذب والله يجل عن ذلك وكل الذي ذكرت يلزم المعتزلة في منعهم تسمية الكفر على أن قولين من أقاويل منتحلى الإسلام حصلا في حق الأسماء على عبث وإبطال ما جبل عليه البشر من جلالة قدر الإيمان في قلوبهم وعظم الله دين الإسلام في العقول فصير أحد فريقي الإسلام أسم الإيمان لكل خير يقطع فزع تبدل دين الإسلام وأزال جلالة قدره حيث أشركوا في إسمه كل شيء مما يحتمل أن يكون له اسم الخير فاشترك في هذا الحشوية والمعتزلة وانفردت المعتزلة بمنع اسم الكفر عن أصحاب الكبائر على تحقيق جميع ما في الكفر من العقوبة في ذلك فلم يحصل لهم بما تحرجوا عن التسمية بما كان فزعهم عن إسمه إلا لعظيم الوعيد في ذلك وإلا التسمية إذ ألم لنفع يرجى أو لضرر يتقى فكانت من المسلمين بها إباحة إن ساءت أو حسنت إذا لم تكن يجب بحسنها حسن أو قبح ولا قوة إلا بالله فدخل تسمية الشرك والكفر فيما مر بيانه ومن حقق له اسم النفاق فلمخالفة ما أعطى بلسانه من الإيمان وتعاهد حدوده وحفظ حدود الله ما ظهر بأفعالهم وبذلك قال الله تعالى وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين وقال الم أحسب الناس أن يتركوا أخبر ببيان ما أعطته الألسن من الصدق والكذب بالمحنة وكذا روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه فهو منافق من إذا حدث كذب وإذا وعد خلف وإذا اوتمن خان فقد ظهر له ذلك كله من مرتكبي الكبيرة ولا قوة إلا بالله واحتجت المعتزلة في الإسم بما سمى صاحب الكبيرة بأسماء خبيثة والإيمان من الأسماء الطيبة لا يسمى به مع ما جاء من الوعد باسم الإيمان والوعد لا يحتمل الخصوص ثم صاحب الكبيرة قد جاء فيه الوعيد فبطل أن يكون مؤمنا ولم يسم به كافرا بما لم يرد به التسمية فسمى به الذي أجمع أنه له اسم وهو الفسق والفجور والظلم ثم لهم في الوعيد أمران عموم أخباره والثاني قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه بين ما لا يغفر مع ما كان الوعيد بالتخليد أعظم في المنع وأبلغ في الزجر فهو أحق على أن الوعيد إذا وجب لزم دخول النار ولم يذكر فيهم الخروج ولا قوة إلا بالله قال الفقيه أبو منصور رحمه الله نقول وبالله نستعين أجمع هو لا على اختلافهم أن الوعيد مما لم يشرك فيه المؤمنين بل هو في كل ذنب أخرج صاحبه عن الإيمان وأسقط عنه اسمه والمرجئة توافقهم أن كل ذنب يخرج صاحبه عن الإيمان فالوعيد له لازم ثم إن المرجئة تخاف على المؤمنين فيما ارتكبوا من المأثم مع قيام الإيمان بالعقوبة وأولئك لا يخافون عليهم وكان احتجاجهم بعموم الآثار فثبت بالذي ذكرت من قول الجملة أن المرجئة وهي التي أرجأت الذنوب أشد استعمالا لها على العموم من الذين ادعوا عمومها إذ هم عند التحصيل جعلوا الوعيد في أحد فريقي البشر وهم الذين ليسوا بمؤمنين ولا قوة إلا بالله
ثم قد ثبت بأدلة القرآن وما عليه أهل الإيمان والذي جرى به من اللسان أن الإيمان هو التصديق به نؤمن وبذلك جرت أحكام القرآن في الحلال والحرام وما به قيام العبارات والإشتراك في الجماعات والإجتماع في مجالس الذكر والخيرات على غير تناكر منهم وفيهم القبول بحق المؤمنين وكذا جميع ما جرى به الخطاب لم يوجد معتزلي ولا خارجي ولا حشوى مع ما فيهم أنواع المعاصى والسيئات التي بان لهم أنها كبائر أو لم يبين لهم حقيقتها بخبر في أمر الخطاب أن يكون غير أحد له لما فيه فثبت أن الإيمان لم يزل عنه وأن الإسم قائم له فيبطل بهذه الجملة التي من دفعها يعلم أنه مكابر معاند ما قالت الخوارج والمعتزلة ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله سبحانه أبقى له اسم الإيمان مع تحقيق ما عليه الوعيد في حكمه بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فأوجب في المقت عنده مع اسم الإيمان بحرف العتاب الذي لا يحتمل النطق قبل مقارفة الذنب بقوله لم تقولون والمقت لا يوجب الذنب الذي في الحكمة لزوم المغفرة له وقال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا أثبت لهم اسم الإيمان مع إلزام اسم البغي لأحدهما في القتال وألزم من حضر موته المبغى عليه حتى يرجع الآخر إلى أمر الله ولو كان ذلك خروج من الإيمان لكان الحق في مثل ذلك غير الذي ذكر وقال يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ومعلوم أنه لا يجب إلا بقتل العمد فأثبت لهم في ابتداء الآية اسم الإيمان وأبقى بينهما الأخوة وأخبر أن ذلك تخفيف من ربكم ورحمة وتبعد هذه الأوصاف فيمن أخرجهم الفعل من الإيمان وقال والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ثم قال وإن استنصروكم في الدين أثبت لهم اسم الإيمان وجمع بينهم في الدين على تخلفهم عن الهجرة مع عظم ما فيه من الوعيد بقوله الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم وقال يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وقال أيضا لا تخونوا الله والرسول فأثبت لهم اسم الإيمان مع قبح صنيعهم ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله تعالى قال يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا وقال وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون أخبر أن عليهم ذنوبا تغفر بالتوبة ويكفر بها على إبقاء اسم الإيمان وفي قول هؤلاء لا يجوز ذلك فثبت أن القول هو قول من لم يزل عنهم اسم الإيمان ولا قوة إلا بالله ونوع آخر أن الله تعالى أوجب كثيرا من العبادات باسم الإيمان وجعل علم الحل والحرمة في كثير من ذلك اسم الإيمان وزواله ثم شارك من أحدث أفعال الفسق مع الإيمان فيها غيره ثبت أن اسم الإيمان غير زائل عنهم مع ما قد تقدم بيان ما له اسم الإيمان ما يكفى ذا العقل عن الإطناب ثم إجماع النقلة في إثبات الشفاعة وتوارث الأمة في الصلاة على جميع من مات من أهل القبلة والإستغفار لهم والترحم عليهم هو الدليل لمن أبت نفسه تكذيب الأخبار الصحاح ومخالفة أئمة الهدى ولا قوة إلا بالله ثم قول المعتزلة في تحقيق الإياس من روح الله مع نفيهم اسم الكفر وقد قال الله تعالى إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قول متناقض إذ الله جمع بين الكفر والإياس فمن أثبت أحدهما لزم الآخر فإذ ثبت عندنا وعندهم أنه ليس بكافر إذ الكفر في العرف تكذيب وصاحب الكبيرة بالتصديق في حالة يرجو عفوه ويخالف عذابه ويعلم أن من أيأسه من رحمة ربه ضال جاهل بالله ثبت أنه ليس بمكذب وفي الحقيقة الكفر اسم للستر وصاحبه لا يستر شيئا من نعم ربه ولا ينكر حقه فيبطل أن يكون كافرا فمثله الإيمان في العرف والسمع تصديق ومعلوم أنه لم يكذب الله في شيء ثبت أنه مؤمن والله الموفق
ثم الحق أن يقال جميع الخوارج والمعتزلة عند ارتكابهم الكبائر كفرة على قولهم مستوجبون للخلود في النار وغيرهم من أصناف منتحلى الإسلام لأوجه أحدها أنهم أجمعوا على من رحمه الله وذلك وصف الكفر بما ذكر من الآية وبقوله والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي فلزم الفريقين اسم الكفر والخلود في النار وأما المؤمنون بآيات الله وصفوه عفوا غفورا رحيما محققين لذلك فهم لهم الرجاء ولا يجوز لهم الشهادة بواحد من الأمرين فتولى كل قول كما قال الله تعالى نوله ما تولى ونصله جهنم ولا قوة إلا بالله والثاني أنهم جميعا ضيقوا رحمة الله فجعلوها بحيث لا تتسع لذنب إذ الذنوب التي ليست بكبائر لا يجوز معها التعذيب فليس لرحمة الله فيما ليس له التعذيب ولا لعفوه فيما استغنى عنه بالحكمة وجعلوا الغضب والسخط هو الذي يسع كل ذنب في الحكمة يجوز له التعذيب فلا عفو إذا على قولهم ولا رحمة فحق هذا القول الحرمان وأما من يصفه بسعة الرحمة وعظيم العفو فحق له المغفرة والعفو لأن كل كريم يوصف بهذا فهو أميل له من الوصف له بما وصفته الخوارج والمعتزلة ولا قوة إلا بالله والثالث قال الله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولا يجوز أن يكون الذي به الإنتهاء غير محدود ولا معروف الوصول إلى جميع الطاعات والقيام بجميع الأمور بتأخر الحياة على قول الخوارج فتصير بحيث لا انتهاء عنه وكذلك على قول المعتزلة فثبت أن الإنتهاء هو الذي يملكه كله في كل وقت وهوالبرء عن كل أنواع الكفر والمعاصي والإيمان بالله تعالى وبجميع ما يؤمن المرء به ولا قوة إلا بالله وهذا على قول المعتزلة إذ جعلوا بين الكفر والإيمان منزلة والله تعالى وعد ما ذكر بالإنتهاء عن الكفر يلزم أن يكون صاحب الكبيرة مغفورا له وخاصة الكافر إذا كان مع الإنتهاء من الكفر مرتكب الكبائر فيجب بالذي ادعى من العموم في التخليد دفع العذاب والمغفرة والله الموفق ثم نقول للمعتزلة قولكم لا يسمى صاحب الكبيرة باسم الإيمان ولا باسم الكفر ولايسمونه بما لا يستحق واحدا من الإسمين أو له أحدهما ولا تعلمونه أنتم فإن قالوا بالأول فيقال لهم أو قد أتى هو بكل الإيمان أو بعضه أو لم يأت بشيء لذلك بطل اسمه فإن قال بالأول أعظم القول ومنع عنه اسم فعله وقد أتى به وجهل بربه حيث لم يحقق ما له اسمه ولو جاز ذا لجاز أن لا يكون أحد جاء بالصدق عند الله في الحقيقة صادقا وكذلك قائم وقاعد وذو حال لا يجوز عند الله كذلك أو الله يعلمه كذلك وعلى ذلك مضادات التي ذكرنا وهذا آية جهلهم بالله وإن قال بالثاني فقد شهد الله للذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض بأن قالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كفارا حقا لزمهم التسمية بذلك وهو رأي الخوارج وإن قالوا بالثالث فهو أبعد إذ الله تعالى سمى المؤمن ببعض كافرا فمن ليس معه شيء أحق بذلك وأيد هذا الأصل وجهان أحدهما ما ذكرت من قسم الله البشر قسمين في أمر الدنيا والآخرة فقسمة المعتزلة على ثلاثة أقسام تعدى لحد الله وحق مثله أن يقال له الله أذن لكم أم على الله تفترون أو يقال أأنتم أعلم أم الله كما قيل لليهود والثاني أن الله تعالى نفى الإيمان في محكم تنزيله عن قوم على تحقيق الكفر إذ قال وما أولئك بالمؤمنين ولم يخطر ببال عاقل أنهم لعلهم ليسوا بكفار بل إذا أزيل الإيمان عمن يكون له فعل الإيمان فإنما يزال بالكفر ولا قوة إلا بالله وإن قالوا لا يعلم له أحد الإسمين وله ذلك عند الله كفوا مؤونة الجدل لأن ما لا يعلمونه أكثر مما يحصى لو لزم محاجتهم فيها ليذهب العمر باطلا ولا قوة إلا بالله
ثم الأمة على اختلافهم اتفقت على أن لصاحب الكبيرة إسما من الأديان من شرك أو كفر أو إسلام فمن أبطلها توقيا أن ينطق بالشك أبطل ما أجمع على القول به وشهدوا على مجي الكتاب به والسنة بما لديه يرتفع الريب عمن تلقى السمع وهو شهيد أو له قلب ولا قوة إلا بالله ثم القول بالفاسق والفاجر مطلقا مما يتوزع فيه ومن سماه كافرا أو مشركا أطلقه ومن سماه مؤمنا أبى ذلك وكذلك جحدوا اسم أعداء الله وأبدعت المعتزلة هذين الإسمين على منع ذينك الإسمين خلافا لما عليه الأمر ولا قوة إلا بالله ثم قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به تأويل الخوارج فيه من الخطأ فاسد لأنه ليس بذنب فيغفر وفي هذا ذكر المغفرة ولا يحتمل إضمار التوبة لما يغفر بمثله الشرك والآية في التمييز بين الذنبين وكذلك لا يحتمل قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه لما فيه التكفير وما لا ذنب لا يكفر والخطأ لا يحقق الذنب والتكفير يكون لشيء يجز به ولا يحتمل ما قالت المعتزلة لأن قولهم يمنع تحقيق الشبه إذ هي تقع من مجتنب الكبائر مغفورة وفي هذا اثباتها ثم التكفير وهم يجعلونها مغفورة لا مكفرة إذ المغفورة هي التي تستر عليها وفي بقائها إلى مدة دفعها والمكفره هي التي يأتي من صاحبها فعل حسن يكفر به نحو قوله فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وقوله هل أدلكم على تجارة وقوله إن تبدوا الصدقات إلى ذكر التكفير وكذلك قوله توبوا إلى الله توبة نصوحا وأصله قوله إن الحسنات يذهبن السيئات وبعد فإن الآية لا تحتمل قول المعتزلة لما هم يجعلون المصر على الذنب صاحب الكبيرة ومن لا يصر عليه فهو تائب عنه نادم عليه وفي ذلك إنه يغفر بالتوبة وكل الذنوب تغفر بها والإثنان جريا بالتفريق من قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به وقوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه فهو والله أعلم أن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة عنه وغيره يجوز أن يغفر بالتفضل أو يكفر بغيره من الحسنات ليصح القول مع تحقيق الفائدة لتمييز القرآن ولا قوة إلا بالله ثم للآية وجوه تمنع المعتزلة والخوارج أحدها أنه قال إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وليس في ذلك بيان حكم من لا يجتنب والثاني أن الكبائر نوعان أحدهما كبائر في الإعتقاد من أنواع الكفر والتكذيب التي بها اختلفت الكفرة وأخرى كبائر الأفعال التي صاحبها مجتنب عنها بالإعتقاد في أن يراها على ما جعلها الله عليه من عظم الفعل والذنب وهذا اجتناب وقد يواقعها بالفعل فهو الإرتكاب وليس في الآية وجها الإجتناب فجائز أن تكون أن يجتنب كبائر الإعتقاد وهي أنواع الشرك يكفر عنهما دونها لمن يشاء بم شاء من غير ذلك من الحسنات أو بالتفضل كما بينا في إحدى الآيتين بالتكفير وفي الأخرى بالمغفرة ولا قوة لا بالله والثالث أنه لم يبين في الكبائر قدر العقوبات ومعلوم أن الله نفى أن يجزى في السيئات إلا مثلها ومثل الشرك والمعاندة إنما هو التخليد ولا ريب أن ليس بمعاند ولا مشرك له في العبادة ذنبه دون من يفعل ذلك بل صحة الإعتقاد في ذلك حمله على الخوف مما حذره ورجاء ما أطمعه في الإعتقاد وهو الذي سبق كل شيء لكفره هو ومحاه عنه لم يجز أن يكون قدر ذنبه قدر الأول فلم يجز أن يخلد في ذلك فيدخل فيه أمران أحدهما الكذب في الوعد حيث قال ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ومعلوم أن الكافر المعاند لو جمع عليه جميع ما يعاقب به على شرط النجاة والراحة يحتمل ويختاره فثبت أن مثل سيئته هو الخلود في العذاب فإذا عذب بمثله من كان ذنبه دونه كان جازيا أكثر من مثله وهو ما يعاقب بما يرتكب وفي الحكمة عقوبته وهذا مما يمنع الحكمة والله الموفق
والثاني إنه معلوم أن الذي يقابل الجحود والمعاندة من الخير أعظم وأجل من الذي يقابل ما كان في قبوله أن يفعل من الترك على نحو ما كان الجحود والمعاندة من الآخر فجاء بالذي هو في الخير أعظم الخير وفي الشر لم يبلغ نهايته فإذا خلده في النار أبطل ثواب أفضل الخيرات بإرتكاب ما دونه من الشر ورد ذلك وصف الجود لا العدل والعدل أن يزيد في ثواب ما جاء به على عقاب ما أتى به والله جل ثناؤه قد أخبر أنه يجزى الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها وفي هذا لم يبلغ المثل في الحسنة ولا قصر على المثل في السيئة جل الله عن ذلك وتعالى واستدلال من استدل بترك الفعل على الكذب في الأول محال فاسد لأن في عقل كل واحد لزوم اتقاء الكذب كما في القبول إبقاؤه ثم لم يصر وجوده دليلا على كذب عقله لما في عقله منعه وإن تعدى ذلك فمثله في قبول وقت تعديه ولو كان في ذلك تبين لكان كل شيء بالأول أو حل يجب فساده وحرمته ولو كان كذلك لكان لا يجب على المرتد خلاف على الكافر الأصلي بل بتصريح الكفر لا يظهر كذبه في الأول فكيف فيما فعل ولو كان بذا ذا فيظهر أيضا بإيمان الكافر من بعد أو بتعاطيه ما لا يقبحه على كذبه في العرف وأصله وجهان أحدهمال لو كان يظهر به الكذب في الأول لأزيل اللزوم وإذا زال ليبطل أن يصير وجوده سببا لإظهار ذلك وفيه بطلان ما قالوا ولا قوة إلا بالله والثاني إن كلا يعلم من نفسه في وقت إعتقاده أنه غير كاذب في ذلك ثم يعلم من تعدى في دينه ولو كان به ظهور لكان لا علم يقع في الحقيقة ولا قوة إلا بالله بل مدعى هذا يلزمه ذلك إذ في اعتقاده أن لا يكذب وكل مؤمن يعلم أنه بهذا القول كاذب وكذلك الله سبحانه إذ هو يعلم حقيقة كل شيء بما هو عليه لا بغيره يعلم صدقه في الأول وإن تعدى من بعده فيصير صاحب هذا القول عند الله وعند من شهد عليه بالكذب كاذبا فيستوجب به من كل أحد القضاء عليه بالكفر في قوله الذي يريد به تثبيت كفر غيره ولا قوة إلا بالله وقوله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ولو كان في ذلك ما ذكر لم يكن ليثبت لهم إيمان أبدا فثبت به فساد قولهم فهذا في الكفر فكيف فيما دونه ولا قوة إلا بالله وعلى ذلك اختلاف الأحوال في الخلق لا يوجب فساد مضاداتها في غير تلك الأحوال وبالله التوفيق وهذا أيضا يلزم المعتزلة في الكبائر ثم العجب من هؤلاء يثبتون لأصحاب الكبائر اسم أهل الصلاة والقبلة وسبب إثبات هذا الإسم لهم الإيمان بمحال زواله على بقاء ذلك وما به ثبت قد زال والله أعلم
وقد روى في الآية القراءة على أن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه وإن كان المعروف ذلك فإنه قد يجوز إرادة الآحاد بحرف الجمع فلا ننكر أن تكون الآية على ذلك يبين ذلك قوله تعالى ومن يكفر بالإيمان وقوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا وقوله ومن يرتدد منكم عن دينه وعلى ذلك تأويل قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ثم قال ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء كما قال في هذا ويكفر عنكم سيئاتكم فيكون الإتيان بحكم واحد ومعلوم أن لا درك للمعتزلة والخوارج في أحدهما فكذلك في الأخرى ثم الأصل أن قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم على قول الخوارج كأنه قال إن تجتنبوا الكفر والشرك وعلى قول المعتزلة إن تجتنبوا الخروج من الإيمان نكفر عنكم ما ذكر فلا كبيرة إذن على قولهم إلا الخروج من الإيمان فصارت الآية على قولهم راجعة إلى خاص وهو ما يخرج عن الدين والإيمان فأبطل ذلك قولهم في دعوى العموم فيها وألزم القول بالخصوص فمن قضى شيء دون شيء بلا بيان فهو متحكم وفي ذلك لزوم قول الحسين من الوقف في جميع ما فيه الوعيد وبطلان قول من ذكر والله أعلم ثم الأصل أن الله وعد على كثير من الخيرات وعدا من غير ذكر اجتناب الكبائر معه وأوعد على كثير من السيئات وعيدا في مخرج العموم كما وعد على الخيرات فمن وجه الآيتين جميعا إلى العموم ألزم التناقض في جميع الأمرين في واحد وذلك آية السفه ثم اضطربت في ذلك الأقاويل فزعمت المعتزلة والخوارج أن آيات الوعيد أحق بالعموم لها هي أبلغ في الزجر والموعظة وزعمت المرجئة أن آيات الوعد أحق في العموم لأنه أحق بالذي عرف من صفات الله من الرحمة والعفو والغفران فتقع عن الكبائر والصغائر مع ما يشهد لذلك قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به مع احتمال الوعيد للمستحلين والوعد لو وجب التخصيص ليجب غيره والوعيد لنفسه فهو أولى به بالخصوص مع ما شرط الدوام ليقع الوعيد وذلك آية الخصوص وليس ذلك في الوعد فيلزم به الصرف إلى المستحلين أو إلى أن ذلك جزاؤه لولا الذي معه من الحسنات فيجب لديها المقابلة أو أن ذلك جزاؤه ولله التفضل بالعفو عن ذلك بما علم من رجائه برحمته وعلمه بعظيم عفوه فلا يحرمه ذلك بما ظهر من فضله وإحسانه الذي بعثه على الرجاء ولا قوة إلا بالله أو يشفع فيهم الأخيار من عباده ويجيبهم في الإستغفار لهم إذ بعيد الإستغفار له ولا قوة إلا بالله ثم الأصل في ذلك أن الله تعالى ألزمه اسم الإيمان قبل إرتكابه مما ارتكب وأزال عنه اسم الكفر بقوله قولوا آمنا بالله وقوله آمن الرسول فبين بما يكون المرء مؤمنا وحرم على من يقول لمثله لست مؤمنا بقوله ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا وبين رسول الله حين سأله جبريل عن الإيمان فبين ذلك وحقق له اسم المؤمن بإتيان ذلك وكذلك أمرت أن أقاتل الناس إلى آخر ما ذكر فهذا الآن مؤمن بالكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة وما شهدت له أهل اللغة ثم اختلف في صاحب الكبيرة لا يزال الذي ذلك وصفه بتعنت المعتزلة وتمرد الخوارج بل يدعى لهم بما آثروا لأنفسهم وأيسوا من رحمة الله ولم يروا الله في حكمته جواز العفو عنهم ولا قوة إلا بالله ثم المعاني التي هي للفسق والعصيان والظلم ليست بمضادة للإيمان إذ الفسق اسم الخروج عن الأمر وجائز ذلك على أقسام ثلاثة يخرج مما هو أمر إرشاد وفرض وإعتقاد وكذلك الظلم إذ هو اسم لوضع الشيء غير موضعه والعصيان إسم للخلاف فمن رتب الكل في الجزاء أو في حقيقة المعنى وأراد أن يزيد اسم الإيمان بكل ذلك فنفسه يظلم ولدفع ما فرق الله ورسوله والأئمة يتعرض ولا قوة إلا بالله
وقد تقدم بيان ما له اسم الإيمان ثم نذكر بعض الذي ذكره الكعبي لمذهبه من القول الذي اختاره وارتضاه ثم الحجاج له بما يعلم من تأمله مبلغه في دين الله ولا قوة إلا بالله فزعم أن قول أهل الحق إن كل طاعة من الإيمان واسم الإيمان يستحق بما يوجب تركه اسم الفسق قال وليس قولنا مؤمن بمشتق من الفعل فقط لما لا يسمى به كل من يصدق أحدا وأطاعه وخضع له اسما مطلقا ولا هو أيضا اسمه فقط إذ لو كان اسمه لجاز التسمية به لمن ليس هو كذلك كما تسمى الحسناء قبيحة وإذا لم يكن كذلك ثبت أنه اسم مشتق من فعل ومدح في الدين وإسمه للتفرقة قال الشيخ رحمه الله نقول وبالله نستعين قوله أهل الحق كذا حق إن لم يرد بقوله كل طاعة من الإيمان غير أنه من الإيمان وهو كما يقول كل نعمة من الله أي به نيلت وكانت وكذلك الإيمان وقوله اسم الإيمان يستحق بكذا فقد نقضه حيث زعم أن مع صاحب الكبيرة فعل لكن لا يطلق له الإسم ووصف في هذا ما ذكر وذلك عنده في التحقيق اسم المؤمن لا اسم الإيمان إذ يحققه بدونه ولا يسميه به فبهذا مبلغ علمه بقوله وقوله ليس باسم مشتق من فعله عجيب إذ حقق لفعله ذلك الاسم ثم منع التسمية به وذلك يوجب جواز كل أحد بغير اسم فعله في الحقيقة ومنع التسمية به وفي وذلك لزوم اسم كل فاعل غير فاعل وكل من ليس بفاعل فاعلا وكذا ذا في الحركة ونحو ذلك وما قال من قوله صدق كذا لا يسمى بذلك واتبع ذلك قوله أجمع أهل الملة تخطئة من فعل ذلك كذب من وجهين أحدهما أنه قال لا يطلق له الاسم بل هو مطلق له لكن لا يعرف ما براد بذلك الإيمان فلهذا يجب تثبيته لا لأن ذلك ليس باسم له وكذلك لا يقال أطاع فلان مطلقا بما أطاع أحد من حيث لا يعرف المراد لا لأنه لم يستحق بفعله الإطلاق ولكنه طاعة من لا يعرف الأمر به وكذلك الإيمان فإذا صار إلى المعرفة لزم القول وكذلك لا يقال فلان مصدق أو مكذب بما كان منه ذلك في أحد حتى يتبين ثم كل من كفر بالله يقال مكذب لما عرف حقيقته فمثله المؤمن والله الموفق وكذلك حكايته عن أهل الملة والعجب منه لا يزال يروى في هذا الكتاب عن الأمة في أشياء لعل وجوده عن واحد منه يعسر فضلا عن الأمة ويجعل ذلك دريعة لباطله كأنه آمن أن يتأمله من له لب أو أحد ممن ينازعه في المذهب ولا قوة إلا بالله وقوله ليس باسم له فيقال له لو لم يكن الإسم لتحقيق الفعل لم يكن ليمنع جعله اسمه لكنه في جعله تلبيس أنه سمى به بحق الإسم أو بحق حقيقة الفعل وكذلك جميع ما عليه أمر الأسماء المشتقة عن الأفعال إن لم تجعل إسمه لمن ليس له حقيقة إلا على المجاز والهزؤ به ولا قوة إلا بالله ثم قال لا نقول في الفاسق عند التحقيق إنه ليس بمؤمن بل لا نسميه به فيقال له هو في التحقيق مؤمن أو ليس بمؤمن أو لا مؤمن ولا كافر فإن قال بالأول فهو رجل دعته نفسه إلى تكذيبها فيما هي ليست بكاذبة فأطاعها فحق مثله الإغضاء عنه لأنه دون كل مقلد فإن قال بالوجهين الآخرين فقد أكذب نفسه فيما حكى عنها والله الموفق