Qur'an&Sunnah

Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)

Section V01/P302–V01/P304

قال الشيخ رحمه الله وقد بينا ما يدل على وهمه على أنه من كان ممن سبق إلى قوله إن الله لو شاء أن يخلق فعلا ليس بفعل للخلق لا يقدر عليه حتى يجيء الكتاب بالإمتداح به والإقتدار عليه وإنما قدر ذلك من الفعل في غيره مما ظهر من فعل آخر ومما لا يبلغه حد البشر فمن كان يظن ان الله يعجز عن هذا النوع من الخلق ولا على حقيقة فعل الخلق بل لو أريد ذا لكان موضعه فيما ظن المعتزلة أنهم خلقوا خلقا ليس في العقول أرفع منه ولا أعلى في الحسن والفضل فرمت هذا المعتزلة على ألسن الضعفه فبين الله قدرته على مثل ذلك وإلا لا وجه لإنكار مثله ممن يقر له بخلق السماوات والأرض وما بينهما ولكن بين بذلك فساد قول المعتزلة إن الله قد شاء فلم يكن إذ هو لا يقدر على خلق أفعال العباد فقال وهو على كل شيء قدير جوابا لذلك وقال تعالى فلو شاء لهداكم أجمعين جوابا للأول وقوله ولو يشاء الله لانتصر منهم على أنه لو شاء تكذيب منذريه بل لا يشاء لانتصر منهم بما شاء ولكن شاء التأخير والثالث لانتصر منهم يهم ولكن شاء أن يبلو صحابة نبيه بالهزيمة ليبين الذين صدقوا كقوله تعالى ولقد فتنا الذين من قبلهم وقوله ومن الناس من يعبد الله على حرف وقال أبو حنيفة رحمه الله بيننا وبين القدرية الكلام في حرفين أن نسألهم هل علم الله ما يكون أبدا على ما يكون فإن قالوا لا كفروا لأنهم جهلوا ربهم وإن قالوا نعم قيل شاء أن ينفذ علمه كما علم أو لا فإن قالوا لا قالوا بأن الله شاء أن يكون جاهلا ومن شاء ذلك فليس بحكيم وإن قالوا نعم أقروا بأنه شاء أن يكون كل شيء كما علم أن يكون فهذا الذي تقرر عندي من المحكى عن أبي حنيفة رحمه الله لا أنى ذكرته بلفظه ولا قوة إلا بالله فإن قال قائل إذ قبح الأمر بالمعاصي لم لا قبح إرادة كونها قيل لأوجه أحدها التناقض في الأمر وليس ذلك في الإرادة لأن الفعل ربما يصير للأمر فمحال الأمر بالمعصية لأنه يصير بالأمر طاعة فيبطل معنى المعصية بها الأمر وليست الإرادة كذلك ألا يرى أن كل فاعل مريدا لفعله ومحال أن يقال أمر نفسه بفعله ثبت أنهما مختلفان ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله يوصف بالإرادة في فعله ومحال أن يكون عليه أمر فيه فثبت أن أحد الوجهين ليس هو دليل الآخر مع ما كان الله تعالى مريد هلاك الأنبياء والأخبار وبقاء الأعداء والأشرار والسعة لهؤلاء في الدنيا ولم يأمر بذلك بل أمرنا بالدعاء بهلاك هؤلاء وبقاء أولئك والله الموفق وأيضا إن فائدة الأمر رفعة الأمر وعلوه حيث استبعد الآخر وأظهر فيه حقه وعظم مننه التي بها استحق أن يكون سيدا له ومعبودا وحق الإرادة الإختيار ونفى الغلبة أن لا يقهر ولا يمنع عن سلطانه ولا يحال بينه وبين ملكه وفي دفع الإرادة هذا لذلك بطل أن لا يريد وكذلك في المنع عن الأمر والنهى لذلك لزم القول بالأمر والنهى على الأمرين ليظهر سلطانه وربوبيته ولزم الإرادة في الكل ليحق ملكه وعجز الخلق عن أن يريدوا في ملكه وسلطانه والله الموفق وأيضا إن الله أمر إبراهيم بالذبح وفداء الكبش فلا يجوز أن يكون أراد فعل حقيقة الذبح ثم يمنع عنه بالبدل لأنه آية البداء وعلامة الجهل فكان الأمر لا بالذي به حقيقة الإرادة ولا قوة إلا بالله وجملته ما بينا من انقسام معاني الإرادة والإتفاق على تحقيق المعنى الذي يذهب إليه وليس وراء ذلك إلا بمانع في اللفظ أو صرف عن جهته إلى جهة هي من تلك الجهة قبيح عند الخصم ولا قوة إلا بالله

Section V01/P304–V01/P306

ثم الأصل الذي يقع عليه الفعل في الشاهد أن يكون على إرادة أو غلبة أو سهو فكل من خرج في شيء عن الوصف بالغلبة فيه والسهو لزم الوصف بالإرادة التي هي للأفعال وأما التي هي لا لأنها في الحقيقة أقسام قد بينا ذلك فيما تقدم والله الموفق على أن القول في الشاهد فيما في الحقيقة إرادة فهي التي تكون وبها الفعل لا محالة عندنا يكون معها وعند المعتزلة قبل الفعل بلا فصل وما عدا ذلك مما قد يكون الفعل إذا وجد ولا يكون فهو التمنى المعروف والله يجل عن هذا الوصف ثبت أن إرادته على الوجه الأول وأنه يتحقق الفعل على الوجه الذي أراد به ولا قوة إلا بالله مسألة في القضاء والقدر الأصل عندنا أن هذه المسألة ومسألة الإرادة كلها في خلق الأفعال إن ثبت ذلك ثبت هذه إذ خلق الأفعال يثبت القضاء بكونها والقدر لها على ما عليها من حسن وقبح ويوجب أن يكون مريدا لها أن تكون خلقا له وقد بينا في هذا ما نرجو به الكفاية لمن أكرم بالهداية لكن الناس أفردوا التكلم في مسألة منها فاتبعناهم في الفعل لما احتمل أن يكونوا أرادوا أن الحق قد يظهر بنوره لمن تأمل بأي لفظ من الألفاظ يعبر به عنه ليعلم أن الحق لا صار حقا للسان ولا لنوع من البيان لكن صار حقا بما له من الأدلة والبراهين ولا قوة إلا بالله ثم القضاء في حقيقته الحكم بالشيء والقطع على ما يليق به وأحق أن يقطع عليه فرجع مرة إلى خلق الأشياء لأنه تحقيق كونها على ما هي عليه وعلى الأولى بكل شيء أن يكون على ما خلق إذ الذي خلق الخلق هو الحكيم العليم والحكمة هي إصابة الحقيقة لكل شيء ووضعه موضعه قال الله تعالى فقضاهن سبع سماوات وعلى ذلك يجوز وصف أفعال الخلق أن قضى بهن أي خلقهن وحكم كقوله فاقض ما أنت قاض بمعنى احكم ومن ثمة سمى العالم قاضيا بما يرد كل حق إلى محقه ويبين الذي هو حق ذلك وكذا قوله إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وكذلك يجوز أن يقال حكم الله أن فلانا يفعل كذا في وقت كذا فيكون منه كذا في وقت كذا وحق هذا أن يكون حكم بما علم أنه يكون وحكم أيضا بالذي يستحق الفاعل بفعله من ذم أو مدح ثواب أو عقاب وقضى أي أعلم وأخبر كقوله وقضينا إلى بني إسرائيل وعلى هذا الوجه أيضا يجوز ثناؤه ولا تمانع في جواز ذلك وقضى قد يكون أمر كقوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وقوله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا وهذا لايجوز أن يضاف إلى الله إلا في الخيرات وقد يكون في معنى فرغ كقوله فلما قضى موسى الأجل لكن هذا النوع لا يجوز أن يضاف إلى الله لإضافة الشغل له بشيء أو فراغ له منه إلا على مجاز اللغة في تحقيق انقضاء ما خلق ولا قوة إلا بالله وقد ذكر غير هذا في القضاء مما ليس بنا إلى ذكره حاجة فيما نحن فيه

Section V01/P306–V01/P308

وأما القدر فهو على وجهين أحدهما الحد الذي عليه يخرج الشيء وهو جعل كل شيء على ما هو عليه من خير أو شر من حسن أو قبح من حكمة أو سفه وهو تأويل الحكمة أن يجعل كل شيء على ما هو عليه ويصيب في كل شيء الأولى به وعلى مثل هذا قوله إنا كل شيء خلقناه بقدر والثاني بيان ما عليه يقع كل شيء من زمان ومكان وحق وباطل وما له من الثواب والعقاب وعلى مثل أحد هذين المروى عن رسول الله عند سؤال جبريل عليه السلام إياه عن الإيمان أن قرن ما ذكرنا بالقدر خيره وشره من الله فالأول نحو خلق الشيء على ما هو عليه قائم ذلك في أفعال الخلق من خروجها على ما لا يبلغه أوهامهم من الحسن والقبح ولا يقدرها عقولهم فثبت أنها خرجت على ذلك بالله سبحانه والثاني أيضا لا يحتمل منهم تقدير أفعالهم من الزمان والمكان ولا يبلغه علمهم فمن ذلك الوجه أيضا لا يحتمل أن يكون بهم وهي غير خارجة عن الله وقال الله تعالى وقدرنا فيها السير وقال إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ولا قوة إلا بالله والكعبي زعم أن الله لا يقضى الكفر ثم فسر وجوه القضاء وجعلها في بعض ما فسر فإنكاره في الجملة على احتمال ذلك في أحد الوجوه خطأ ثم احتج بأن الكفر متفاوت وباطل وقضاء الله حق وصواب لمن لا يعلم أن القضاء بالباطل إنه باطل وبالمتفاوت إنه متفاوت عدل وحق وكذا قضاء الحكام فأفعال الجود والظلم إنها جود غير باطل ولا متفاوت حتى كاد يعرفها الصبيان فمن جهل ذلك ثم ادعى حدود الكلام فحق الكلام عليه أن يعرف ما الكلام ولا قوة إلا بالله واحتج بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال تعالى خبره من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ ربا سواي قال الفقيه رحمه الله هذا مثل الأول وإن الرضا بقضائه أن تعلم بأن الكفر مضمحل قبيح وأنه شر وفساد وأنه يوجب مقت صاحبه وتعذيبه إلا أن يتوب فمن لم يرض بهذا فهو كافر فيكون على ما جاء به الخبر على أن الكفر والقبح هو فعل العبد ومحال أن يكون هو قضاؤه فثبت أن قضاء الله هو ما ذكرت مما عليه حقيقة الفعل ولا قوة إلا بالله على أن حقيقة الخير في الأمراض والمصائب ألا يرى أن التخليد في النار من قضائه عند المعتزلة وكذلك الخذلان والإضلال ونحو ذلك فليرضى الكعبي لنفسه ذلك وإلا طلب ربا سواه والمعتزلة يقولون ليس لله القضاء بالأمراض والمصائب في الدين لا ذنب لهم إلا بالعوض فإذا هم لا يرضون بها حتى يعطوا عليها العوض وذلك معنى ما روى فليتخذ ربا سواي وقال علينا الرضا بقضاء الله قال الشيخ رحمه الله وقد بينا كيف يرضى به وما عليه في ذلك أيضا ولا قوة إلا بالله قال وفي قوله إنا كل شيء خلقناه بقدر والقدر مما ينبغي والكفر مما لا ينبغي وإنما القول بقدر منه فمن الوجه الذي ذكرناه ومن ذلك الوجه مما ينبغي وبعد فإنه ينبغي أن يكون قدره قبيحا سمجا ثم قال سألك هل قضى الله الكفر وقدره يجب أن يستخبره عن المراد قال أبو منصور رحمه الله فيقال إذ وجب ذا فجميع ما أجبت قبل الإستخبار عنه إغفال ولا قوة إلا بالله والأصل في القضاء والقدر والتخليق والإرادة أن لا عذر لأحد بذلك لأوجه ثلاثة أحدهما أن الله تعالى قضى وخلق وما ذكر لما علم إن ذلك يختار ويؤثر وبما أراد وخلق وقضى يصلون إليه ويبلغون ما أثروه فلم يكن لهم الإحتجاج بما هو آثر الأشياء عندهم وأخيرها على ما لم يكن لهم ذلك بالعلم والكتاب والإخبار إذ كانت بالتي يكون منهم مختارين مؤثرين وبالله نستعين

Section V01/P308–V01/P310

والثاني إن جميع ما كان لم يحملهم على ما هم فعلوه لم يدفعهم إليه ولا إضطرهم بل هم على ما هم عليه لو لم يكن شيء من ذلك ويتوهم كونهم بلا ما ذكرت وقد مكنوا أيضا من مضادات ما عملوا فما ذلك إذ لم يضطرهم ولم يحول عنهم حقيقة بما علم كل منهم إنه مختار مؤثر فاعل ممكن من الترك لا كخلق سائر الجواهر والأعراض والأوقات والأمكنة التي فيها تقع الأفعال وإن لم يحتمل كون شيء من ذلك عذرا لهم أو حجة لم يكن ما نحن فيه حجة أو عذرا والله الموفق والثالث إنه لم يخطر شيء من ذلك ببالهم ولا كانوا عند أنفسهم وقت الفعل إنهم يفعلون لشيء من ذلك فالإحتجاج لما ليس لذلك الفعل عند المحتج باطل وكذلك العذر بما لم يكن عند نفسه بالذي يفعل لكان ذلك باطل مضمحل ولو كان لهم بذلك احتجاج لكان لهم بالإخبار وبالعلم والتقوية ونحو ذلك احتجاج على أن لهم لو كان هذا اعتذار لكان لهم بما جهلوا الأمر والنهى والوعد والوعيد بما جهلوا موقع مأثمهم بالمحل الذي وقعت ولكان لهم بما لا يضر الله ولا يوهن سلطانه ولا ينقص ملكه عذر ولو كان لهم بذلك عذر لكان بما خلقهم على العلم بما يكون منهم عذر ولو كان لهم في ذلك احتجاج لكان بما هو واضح لهم من ذلك كله وهو الذي يكون مثله وقت الفعل متصورا في الوهم من نحو الكرم والجود والغنى عن تعذيبهم وبما هو عفو غفور وبما ليس له في طاعتهم نفع ولا عليه في معصيتهم ضرر فإذا لم يكن الإحتجاج بشيء من ذلك لم يكن في الأول فإن قيل كيف لا دل ذا على أن ليس من الله ما تذكرون قلنا لما مضت الأدلة في تحقيق جميع ما بينا من الله عز وجل ولا قوة إلا بالله والأصل في هذا أن كلا يعلم أنه فاعل ممكن مما يفعله مؤثر له غيره مما لو منع عنه لعظم ذلك واشتد وأنه اختار على ضده فلا سبيل إلى دفع حقيقة ذلك إذ يعلم كل ذلك من نفسه ولما صار ذلك لأهله كالعيان والحس الذي لا يتخيل إليه على الغلط ثم يجد كل واحد فعله خارجا على غير الذي يقدره عقله من الحسن والقبح وعلى غير الذي يبلغه علمه من التقدير بالمكان والزمان وعلى ما لا تقصده نفسه من التعب والألم ولا تستعمله قدرته في مثله على ما ليس عنده في قدرته نقصان فثبت أن أفعالهم من هذه الوجوه التي كادت تصير حسية عيانية ليست لهم فمن رام تحقيقها عنهم من هذه الوجوه أو نفيها عنهم من الوجوه المتقدمة فهو يكابر عقله ويعاند حسه ولا قوة إلا بالله ثم نتفق والمعتزلة أن الله تعالى لا يضاف إليه شيء من الخلق أو أفعاله إلا من الوجه الذي لا يوهم القبح في الأسماء وما يوهم ذلك فحقه أن ينفى عنه ذلك ويخرج على هذا مسائل إحداها في وجه إضافة ما أضيف إلى الله من الخيرات إنها من الله قالت المعتزلة يضاف إليه من أمر ودعا إليها وقوى عليها وقلنا نحن هذا ما الإضافة وإن كان حسنا فلا هذا يراد بالإضافة إليه عند ذكر الأفعال ولكن المراد الشكر والحمد له إذا ذكرت الأفعال وقد يجوز الأول وهذا أولى لأنه من حيث الأمر والدعاء والتقوية اشترك فيه المؤمن والكافر ومن جهة الشكر والحمد يختلف ومما يبين ذلك جواز القول المطلق إن الإيمان نعم الله ومننه وإن المؤمن قد أنعم الله عليه ومن وأنه لولا فضل الله ما ذكى ولمسه عذاب عظيم ومن هذا الوجه لا يضاف إلى الله في الكافر وإذا لم يذكر الأفعال فعلى الأمر والله الموفق ولهذا طعن الله من قال بالكتاب المبدل إنه من عند الله وبإضافتهم ونحوها إنهم ادعوا الأمر بذلك فبرأ الله نفسه عن ذلك وأخبر أن ذلك من عمل الشيطان وأنهم قالوا ذلك حسدا من عند أنفسهم ولا قوة إلا بالله

Section V01/P310–V01/P312

ولا يجوز أيضا الفعل من حيث الأمر لأنه ليس فيه إلا إلزام وفي ذلك مؤن عظيمة لا يضاف إليه بذلك بل من حهة الحمد والشكر كما قال بل الله يمن عليكم وقال فلولا فضل الله عليكم ورحمته وقال الكعبي لا يضاف إلى الله إلا الحسن الجميل ثم زعم في إضافة الطاعات إليه أنه من وجه الأمر وأي حسن في ذلك وقد بينا ما يدخل على ذلك وزعم أنه لا تضاف إليه الشرور لأنه نهى عنها ولا تضاف إليه قال الفقيه رحمه الله وكذلك عندنا لا يضاف إليه لما بينا أن وجه الإضافة للشكر ولا وجه في ذلك ثم قال قول المسلمين الخير والشر من الله إنما أرادوا مخالفة قول الزنادقة وأما فعل العباد لم يخطر ببالهم بل قال الله من عمل الشيطان قال الفقيه رحمه الله مما ذكر من قول المسلمين فهو كذب بل يقولون قدر الخير والشر من الله وقدر الشر ليس هو الشر ولا كان القول في شأن الزنادقة لكان إذا قبيح إضافة الشر إلى الحكيم العليم بل من فعله الشر فهو شرير ومن فعله الإفساد فهو مفسد وقوله لم يخطر ببالهم كذب بل لا يخطر خصوص الذي ذكر ولا قوة إلا بالله ثم قال فإن قيل لا أقول الكفر من الله من جهة الأمر ولكن نقول من جهة الخلق قال الأمر دون الفعل قال الشيخ رحمه الله فنقول لا نقول الكفر من الله من طريق ولا شر بإطلاق القول من الله وكذلك من الله وكذلك لا أحد يقول إبليس من الله أو الشيطان من الله أو كل قذر ونتن من الله أو كل فساد من الله ثبت أن هذا اللفظ فاسد فيما كانت الخلق أيضا ولا قوة إلا بالله والأصل في ذلك أن القول منه يخرج مخرج دعوى الأمر أو إضافة الأنعام وليس في ذلك واحد منهما البتة فلا يجوز الإضافة إليه وهو كما قلنا إن الله في التحقيق وإن كان رب كل شيء وإله كل شيء وخالق كل شيء وكل شيء له لا يقال ذلك في الأرواث والخبائث والشيطان ونحو ذلك من الأشياء التي لا تذكر أنفسها إلا على الإستحقاق بها فإضافتها الواحد يخرج على ذلك وإن كانت في أنها مخلوقة كفرها مما يضاف إلى الله فمثله الذي نحن فيه ولا قوة إلا بالله وعلى هذا يكره القول في الكفر والمعاصي إنها بقضاء الله وقدره وإرادته لوجهين أحدهما ما ذكر من القبح أو هي لا تذكر إلا على الإستقباح والإستهانة والذي ذلك وصفه لا يضاف إلى الله تعالى على ما أخبرت وإن كان في التحقيق من قول ووجه آخر إنه يتكلم به على الإعتذار والإحتجاج ذلك المفهوم منه وقد بينا أن لا عذر لهم في ذلك ولا قوة إلا بالله وكذلك عند الناس لا يقال يا خالق الخبائث والأنجاس ونحو ذلك وإن كان هو في الحقية لكل شيء خالقا فمثله الذي ذكرنا وأصل ذلك إنه يضاف إلى الله تعالى كل ما كانت الإضافة إليه تخرج مخرج التعظيم أو مخرج الشكر أو مخرج ذكر نعمه أو أمره وما خرج على غير ذلك لا يضاف إليه وإن كان في الحقيقة خلقه ولا قوة إلا بالله وجملة ذلك إن الله يوصف بفعله وهو خارج على معنى العدل أو الفضل في الحقيقة وربما يضاف إليه ما ليس في الحقيقة فعله أو صفته فإن كان يقتضى معنى محمودا يجوز ذلك لما نيل ذلك بإنعامه وأفضاله وإن لم يكن لم يضف لما ليس ذلك في الحقيقة فعله فيوصف به وهو من حيث فعله حكيم عدل وذلك الشيء فيما عند الخلق بغير هذا الوصف والله تعالى يجل ويتعالى عن غير هذين الوصفين إذ في أفعاله صفة عدل وحكمة أو فضل وإحسان ولا قوة إلا بالله

Section V01/P312–V01/P314

قال الفقيه رحمه الله قالت القدرية فيما أضيف إلى الله الإضلال والإزاغة وصرف القلوب فيما قال صرف الله قلوبهم ونحو ذلك إن ذلك كان بالمحنة والتخلية ونحو ذلك وفي الخيرات بالأمر والتقوية ونحو ذلك ولو كان بالذي قالوا يضاف إليه الإخراج من النور إلى الظلمات كما أضيف إله الإخراج من الظلمات إلى النور عندهم بالأمر والتقوية إذ صارت علة الإضافة في الخير إليه الأمر والتقوية وذكر الهداية وكل ذكر يقابل ما ذكر إذ الأمر والتقوية هما المحنة وفيهما التخلية فإذا استقام ذا ولم يستقم الآخر بان إن في ذا معنى ليس في الآخر مع ما زعمت القدرية إن الشرور لا تضاف إليه لأنه نهى عنها فقد نهى عن الضلال والغواية والزيغ فلم أضيفت إليه والله الموفق وقالوا في الإضلال بالتسمية وذلك فاسد لما وجد من غيره ولم يضف إليه ولما ليس في التسمية فضل حكمة يذكر في موضع الوصف بالغنى والسلطان كقوله تعالى من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وذلك في موضع القوة والسلطان وبالله نستعين والأصل في هذا كله عندنا أن الله إذ هو موصوف بفعله ومعنى فعله خلقه كل شيء على ما هو أولى به متفضلا في فعله أو عادلا لا يخلو وصف فعله عن هذين وحقيقته عن الأول فصار بأي وجه أضيف إليه من طريق فعله محقق له معنى خلقه ولو ذكر ذا في الإضلال وما ذكر في الطبع وغيره لم يحتمل شيء من تمويهات المعتزلة فكذلك إذ ذلك معنى فعله والله الموفق مسألة في ذم القدرية قال الشيخ رحمه الله أجمع أهل الكلام على ذم اسم القدرية وتبرأ كل منهم عنه وقد روى في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمكن السبيل إلى معرفة من له حقيقة هذا الإسم وهو قوله القدرية مجوس هذه الأمة ومعلوم أنه أراد به ذم أهلها بمعنى شاركوا فيه المجوس فيما خالف به المجوس أهل الأديان من القول لا بد من تأمل ذلك ليظهر حقيقة أهل هذا الإسم ولا قوة إلا بالله وكان الأصل الذي ذم به المجوس مما خالفوا به أهل الأديان من أوجه أحدها أنهم قالوا كان الله واحدا لا شريك له ثم حدثت منه فكرة ردية إما لما أصابته عينه أو لما ظن أن يكون له عدوا ينازعه فإذا إبليس حدث من تلك الفكرة الردية فخلق هو شر العالم والله خيره من غير أن كان لله قدرة على خلق شيء من الشر والفساد ونحو ذلك أو لإبليس قدرة على خلق شيء من الخير والصلاح فقام العالم بهما وبهذا كله خالفوا به أهل الأديان ومعلوم أن هذا كله أوصاف ذم ونعوت شبن ثم للمعتزلة عن كل صفة من هذه الصفات نصيب فلذلك لقبوا باسم القدرية ولا قوة إلا بالله ووجه ذلك أن المعتزلة زعمت أن الله تعالى كان ولا شيء غيره ثم حدثت الإرادة من غير أن كان من الله بحدوثها إرادة أو اختيار منه إليها معنى سوى أن كانت فكان بها جميع العالم إذ من قولهم إن العالم فعل الله وإنه كان باختيار وإن الإختيار إرادة كقوله فعال لما يريد فسمت المعتزلة تلك الحادثة إرادة والمجوس فكرة وهي واحدة بينهما اختلاف في الإسم لا الحقيقة ثم جعلت المجوس بها يصف العالم والمعتزلة كل العالم فيكونان في الحاصل تحت قول ذميم والمعتزلة زائدة ثم المعتزلة تجعل العالم بالله وبالأجسام من غير أن كان ذلك من الله من الإجتماع والتفرق والحركة والسكون وجميع المتولدات مما عن الخلق مفصولا أو بائنا وكذلك جميع العالم عند المجوس من الخير والشر بل المجوس ينسبون كثيرا من الجواهر إلى إبليس لا تقدر المعتزلة على نسبة شيء من ذلك إلى الله في الحقيقة والمجوس يثبتون لإبليس القدرة على خلق الشر بالله وينفونها عن الله وكذلك قول المعتزلة في قدرة أفعال الخلق ولا قوة إلا بالله

Section V01/P314–V01/P316

والمجوس لا تجعل لإبليس على شيء مما لله من العالم قدرة ولا لله على شيء مما للخلق لإبليس وكذلك أمر المعتزلة لكنهم جعلوا لجميع الأحياء ذلك والمجوس لإبليس خاصة والمجوس / لا تجعل لله إرادة ولا سلطانا فيما ليس فيه أمر وكذلك المعتزلة والمعنى الذي دعا المجوس إلى القول بإثنين ما استقبحوا من إضافة خلق الشر وفساد الأشياء إلى الله وكذلك المعتزلة ولو عرفوا حق معرفة الربوبية أنه في وضع كل شيء موضعه وأنه المتعالى عن أن يكون فعله لنفع له أو لخير يكتسب لنفسه لعلموا أن الوصف بخلق الكل على ما عليه وصف القدرة والجلال والقول به قول بتمام الملك والكبريا ولا قوة إلا بالله وعبارة أخرى مما تبين أن المعتزلة أحق من يتعالى بالإسم من أهله ما أنطق الله به ألسن الخلق بالنسبة إليهم صغارهم وكبارهم من علم ما تحت الإسم أو جهله مثبت أن ذلك صار لهم لقبا لا من حيث صنع للبشر فيه ولكن بفضل الله ليعلم به أهل الذمة في الدين فيحذر مخالطتهم ولهم في ذلك علمان ظاهران أحدهما في لون كل منهم على حسن خلقته وقبحها أن يظهر في وجه كل منهم الصفرة الباردة التي تستقبحا الأبصار إذا قوبل ذلك بوجوه المجوس لوجدوا سواء والثاني تخلفهم عن جماعات المجوس وإنكار عامتهم دار الإسلام من أن تكون دارهم ولا قوة إلا بالله ولتحقيق هذا الإسم لهم أيضا وجهان إن كل ذي دين ومذهب نسب إلى المعنى الذي ادعاه لنفسه بحق الإسلام واليهودية والنصرانية ونحو هذا وكذلك المعتزلة يرون قدر أفعالهم لأنفسهم وغيرهم يرون ذلك منه فمحال أن يشتهر به من رآه لغيره ويزال عمن يدعى حقيقته لنفسه وبمثله جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرط الإيمان بالقدر خيره وشره من الله والوجه الآخر هو الأمر المعروف الذي لم ير معتزليا سلم عما يزيل عنه اسم الإيمان والتحلي بحلية الإسلام من ارتكاب الكبائر بالشهوات مما يبين استخفافهم بدين الله وإختيارهم الخروج منه بأدنى شهوة أعطوها لأنفسهم فهم أحق من ينسب إلى غير دين الله إذ هذا شأنهم في دينهم الذي هو عندهم دين الله ولا قوة إلا بالله ثم ذكر الكعبي أن من عادة العرب تلقيب من يلهج بشيء فيكثر ذكره في غير موضعه حتى يجاوز الحد فيه ونسبة ذلك إليه وهم يفعلون ذلك حتى قالوا في كل فاحشة وأمر ذميم هذا قدر الله قال الشيخ رحمه الله أخطأ في هذا القدر من الدعوى من أوجه أحدها ما حكى عن العرب والثاني ما حكى عنهم هم لا يقولون ذلك وإن كان يقوله فلا يقوله من بهم يعرف أسماء النحل إنما يذكره العوام فأما الخواص فهم لا يذكرون ذلك بل يكرهون ذلك خشية أن يذكر على الإعتذار فيما لا عذر لهم والعرب لو عملت الذي قال إنما عملت فيمن ظهر على التلقيب لا للتحقيق ونحن فيما حقه التحقيق لما عن رسول الله جاء ذلك قدم أهله ولا قوة إلا بالله وأيضا إن الذم جاء من عند رسول الله ولم يكن في ذلك الوقت من يعرف بهذا الفعل ولا كانت النحلة التي أبدعت العرب لها الإسم فلا يحتمل الإسم الذي قال لهذا ولا قوة إلا بالله ثم سأل عنا سؤالا دل على حيرته فقال نسبتم إليه بقولكم لا قدر فأجاب بأن لا ينسب الشيء إلى النافي قال الشيخ رحمه الله وما قاله صدق وإنما ينسب إلى المدعى والمثبت لنفسه وهو حيث يقول تخرج الأفعال على قدره الذي قدر لها ثم قال لو قيل أثبتم ذلك بقولكم نحن نقدر أعمالنا قال لا يجب لوجهين أحدهما أن الإسم منه مقدر والثاين أنه لا تمانع له في القول إنه يقدر صلاته وثوبه وداره وأمر سفره فيجيب أن يكونوا كلهم قدرية

Section V01/P316–V01/P318

قال أبو منصور رحمه الله فأما الحرف الأول مقدر وقدر واحد وبعد فإن الفعل في النصراني واليهودي التنصر والتهود والإسم على ما يرى فمثله في القدر والثاني قد يسمى الله تعالى بذلك ثم لا يقال قدرى فثبت أن ذلك يرجع إلى أمر خاص وإلى معنى فيما إليه فإن كان إلى أمر خاص فهو في الدين ومن نسبه إلى نفسه فهو أحق به وإن كان المرجع فيه إلى المعنى فهو لا فهم على ذلك القول يرون حقيقة الخروج على قدر الله لا على قدر العبد والمعتزلة تزعم أنه على قدرهم يخرج والله الموفق وما قال من العرب فيجب أن يكون المعتزلة لهم اسم الجبرية لكثرة ما يجرى على لسانهم اسم الجبر ولا قوة إلا بالله مع ما نسب إلى المجوس وهم لا بكثرة القول سموا به ولكن بحقيقة المذهب ولا قوة إلا بالله ثم سئل عن وجه تسمية الحشوية لهم قدرية فزعم أن ذا من خطئهم نحو خطئهم في أكثر أمور الدين مع ما انضموا إلى بني مروان وذلك كان مذهبهم ليفرحوا بإضافتهم الأفعال الذميمة إلى قضاء الله وقدره فساعدوهم على ذلك وبرؤوهم عن الذم مما اقترفوا في الحمل على الله ورأوا ذلك شائعا لهم لفعل معاوية مع ما رأته قتله على حيث جاء به وقولهم الذي تولى كبيرة على وعظم قول المعتزلة فيهم حيث أخرجوهم عن شرائط الإمامة حتى قبلوا منهم هذا الإسم وأطنب في هذا الذي أكثره كذب قال الفقيه أما نسبة السؤال إلى الحشوية فإنما هو تمويههم ليروا أن الذي سماهم بهذا هم وإنما هذه التسمية متوارثة في الأمة بأسرها في خبر عن النبي عليه السلام صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي القدرية والمرجئة وفسرت القدرية بنفيهم القدر على الله والأصل في هذا أن المرجئة هي التي أرجت حقيقة أفعال الخلق إلى الله والقدرية هي التي نفت عن الله تدبيرها وجعلت كل التدبير فيها للخلق حتى معنى العالم وبم على تدبير الخلق هم أفنوا وأبقوا وبه قام تدبير الله من البعث وأهل الجنة والنار ليس لله في ذلك إلا الإختبار وكذا لا يحقق له في العالم أفعال سوى كونه بعد أن لم يكن والعدل هو المذهب المتوسط بينهما وذلك معنى قول الله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الأمور أوساطها ونسب إلى الحشوية الخطأ ولا أحد سلم عنه والذي قاله إنما قال قوم منهم وأما المعتزلة فهم شاركوا الملحدة في إنشاء العالم وإخراجه من العدم إلى الوجود وما ذكر من السبب وروى عن بني مروان وحكى عن الذين برأوا المذنبين وحملوا ذلك على ما ذكر في إيجاب القدر للعباد كذب كله فنعوذ بالله من الحيرة في الدين الحاملة على قذف المسلمين ثم احتجت القدرية في تقديم القدرة الفعل بآي من كتاب الله تعالى منها قوله فخذها بقوة وقال أهل التأويل فاعمل بها بجد واجتهاد فكأنهم رأوا القوة هاهنا الأسباب لكن الظاهر من ذلك قولنا خذها بقوة أي وقت الأخذ لأنها إذا لم تكن في وقت الأخذ يكون الأخذ بلا قوة فثبت به الذي يذهب كمن يقول لآخر خذه بيديك وانظر إليه ببصرك فهو على الإلتقاء وعلى ذلك قوله لموسى فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها واحتجوا أيضا بقول الجني وإني عليه لقوي أمين وقول المرأة إن خير من استأجرت القوي الأمين قال الشيخ رحمه الله والحرفان مما ليس لهم التعلق به لما كانت قوة موسى التي علمت بها إنما علمت وقت النزح وهي لا تبقى إلى ذلك الوقت وكذلك قوة الجنى على ما امتحن نفسه فيما سبق والله الموفق والثاني على إرادة وقت الإستعمال بالعادة الجارية بالحدوث في كل وقت لما شاء ولا قوة إلا بالله وقد احتجوا بما في القرآن من ذكر الإستطاعة وقد بينا ذلك الوجه ولا قوة إلا بالله

Section V01/P318–V01/P320

ثم الجبرية المعروفة عندنا هم الذين يلقبوا بالجبر وأحالوا القدرة على ما في الفعل جعل الله كاذبا وأرجعوا جميع الأفعال إلى الله ولم يثبتوا للعباد في التحقيق فعلا قيل يقول لهم الله لم فعلتم ذا ولم لا فعلتم ذا ونقول إفعلوا ذا ولا تفعلوا ذا في التحقيق بل إن أمر أو نهى فإنما يأمر في التحقيق نفسه وينهى نفسه ثم هو يرتكب المنهى في التحقيق ويأمر ويطيع هو في الحقيقة ثم يعاقب غيره فيعذبه ويثيبه ويسميه مع هذا حكيما رحيما جل من صفته الرحمة والحكمة وعلى ذلك يجب أن لا يجدوا الألم في الحقيقة واللذة وتكون حقيقتها راجعة إلى الله جل الله عن ذلك وتعالى ثم يبطل معنى الرسل والكتب لما هي في التحصيل تصير إلى الله بالأمر والنهى والوعد والوعيد لا منه إلى غيره ثم يبطل حكمة خلق الخلق ويحصل على العبث إن كان العلم يبلغ معرفته ومن يكون خروج فعله على كفران وجحود المنن والكذب في الإخبار والسفه في الأفعال فهو حقيق أن يكون شيطانا رجيما فهو كذلك لا ريب فيه وهو شبيه بقولهم كان الله غير عالم ولا قادر ثم صار كذلك فلعل تدبيره الأفعال التي كانت فيما نسب إلى الخلق في ذلك الوقت جل الله وتعالى عن ذلك ثم نسب القدرية وهم الذين يلقبوا بالإعتزال الخبر إلينا على تبرينا عن ذلك عقدا وقولا لكن كذبهم في هذا نحو كذبهم علينا في اسم القدرية ثم نذكر أحقنا بذلك في مقابلة المذهبين ليعلموا جرأة المعتزلة وعظيم سفههم كما بينا في القدرية وادعوا علينا اسم الجبر بإنكارنا كون قدرة الفعل قبل وقته ثم هم حققوا الفعل في وقت لا قدرة فيه وتحقيق الفعل في وقت الوصف بلا قدرة أقرب إلى معنى الجبر من تحقيقها مع الفعل لمن عقل الجبر والإختيار ومما يوضح ذلك أن الفعل غير متوهم في حال العجز ومتوهم وجوده في حال ارتفاع العجز فكان توهمه مع الإرتفاع أرفع وأبلغ من توهمه مع الوجود إذ هو سبب المنع فكذلك القدرة التي هي سبب الفعل في الحقيقة ويؤيد ذلك فساد الدرك بالبصر مع ذهابه بما تقدم من البصر وكذا السمع وعمل كل الحواس فلذلك كان فساد فعل الإختيار مع العجز وفقد القدرة أوضح منه مع الوجود ولا قوة إلا بالله ووجه آخر أن قول المعتزلة إن الإرادة هي إختيار الفعل وإنما تكون متقدمة على الفعل وليست بموجودة وأنه وجد في وقت الوجود بلا إرادة منه ولا إختيار وحق اختيار الأول عنه زائل إذ يجوز ورود الإضطرار في الوقت الثاني ومحال وروده في الوقت الذي فيه الإختيار والإختيار قائم ثبت أن فعله في التحصيل ليس بإختيار وأنه اضطرار وعلامة الجبر هذا وبهذا الفعل يوجبون العداوة والولاية والخلود في الجنة والنار الواقع وقت وقوعه بلا اختيار ولا قدرة ولا أمر أيضا ولا نهى فمن تأمل ذلك وجده عند التحقيق قول الجبرية في التصريح لكن هو لا جبرية كاذبة وأولئك جبرية صادقة ثم من قولهم إن من أراد الفعل لأقرب الأوقات إليه يقع ذلك الفعل وإن كرهه وأراد صرفه ويقع له به العداوة والولاية وإن صار بحيث لا يمكنه الصرف قبل وقوعه أو معه ثم يكون ذلك الوقت ليس بوقت محال لفوت ذلك الفعل إذ قد يجوز عندهم فوته بالمنع والقهر ثبت بما ذكرت وقوعه بالجبر في التحقيق وأيضا على قولهم في كثرة جرى اسم القدرية في غير موضعه على ألسنتهم يسمون به فهو كذلك عندهم مع قولهم بنسبتكم الجبر إلى غيرهم وبالله المعونة والعصمة

Section V01/P320–V01/P322

ثم سمت المعتزلة الحسينية مجبرة بما قالت الحسينية للعبد قدرة ما هو فيه من الفعل وليست له قدرة ضده وقت الفعل وقبل ذلك الوقت الإختلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في الإسم خاصة لأن الحسينية تقول هو على ما هو فيه فعند الله لطف لم يعطه والمعتزلة يقولون لم يبق عند الله شيء فيه صلاحه إلا وقد اعطى فقد اتفقا على قدر ما أعطاه ولا قوة له وقت الفعل عند المعتزلة وعند الحسينية له قدرة ما هو فيه وله اختيار ما هو فيه فكان الذي معه من القدرة والإختيار أكثر من الذي عند المعتزلة فكيف سمتهم المعتزلة مجبرة لولا قلة الحيا ولا قوة إلا بالله والأصل عند الحسين إنه عند الفعل مضيع أحد القدرتين ولا عذر له في التضييع وعند المعتزلة لا قدرة لا بالتضييع ولا غيره فأي الوصفين أشبه بالجبر لو كان ثمة إنصاف ثم الذي يحقق أن المعتزلة هي المجبرة قولهم للعبد الفعل شاء العبد أو أبى ومن زالت عنه المشيئة في فعل فهو ساه أو جاهل أو عاجز لا يخلو عن ذلك مع ما قد جعلوا للعبد أن يريد في سلطان الله ما لا يريده ويشاء في ملكه ما لا يشاؤه وهو يشاء خلافه ويريد غيره وذلك علامة القسر والجبر فعابت الجبرية في جبر العبد بما رأوا لله الملك والجلال ثم قالت بجبر رب العالمين سفها بغير علم ولاقوة إلا بالله ثم نذكر طرفا مما عابت المعتزلة حسينا في النطق ووافقته في التحصيل قال حسين الكافر وقت كفره ليست له قدرة الإيمان وقدرة الإيمان عنده التوفيق والعصمة ووافقته المعتزلة على أنه ليس بمعصوم ولا موفق بل هو مخذول متروك على رأيه وذلك معنى قدرة الكفر عند الحسين فاتفقا على المعنى الذي اختلفا في إسمه فحق المسألة بينهم في جعل التوفيق والعصمة قوة الإيمان والترك والخذلان قوة الكفر لا إفراد التكلم في القدرة والأغضاء عن حقيقة ما يجب القول به وبالله التوفيق وقال حسين معنى الإرادة في الله سبحانه أنه لم يغلب ولم يقهر وقد أعطت المعتزلة هذا المعنى في جميع أفعال الخلق إنه لم يغلب ولم يقهر فتبطل المسألة في الإرادة إنما بقيت في تأويل الإرادة لا غير مع ما كان من قول الحسين إن أفعال العباد مخلوقة فأارد خالقها كونها على ما خلقها ومذهب المعتزلة إنها ليست بمخلوقة لله فتكون المسألة في خلق الأفعال لا في الإرادة وقال الكعبي الإرادة معناها أنه مختار غير مغلوب فمثله في كل شيء يلزمه ثم المعتزلة ليست تثبيت لله إلى العالم سوى أن كان ولم يكن عالم ثم كان عالما فصار بذلك المعنى خالقا له مريدا على الوجه الذي ذكر فقال حسين في أفعال العباد إنه إذ كان ولا هذه الأفعال ثم كانت هذه وكانت بإرادته التي تأويلها ما وصفه وبأن خلقها بأن كان ولم تكن هي ولا قوة إلا بالله على أن حسينا يجعله في الأول مريدا لكون الخلق على ما كان وكذلك لكون كل مخلوق على ما كان بإرادته والمعتزلة تنفى معنى الإرادة لا تجعل غير أن كان ولم يكن الخلق ثم كان فحق ذلك فيه أوجب ولا قوة إلا بالله وقالت المعتزلة الوعيد يأخذ من أخرجه فعله عن الإيمان وكذلك قال حسين وجميع أهل الإرجاء إن كان من استحق بفعله زوال اسم الإيمان فهو كله في النار أبدا ولا قوة إلا بالله والإختلاف بين هؤلاء فيما به يخرج من الإيمان لا في حق الوعيد فالإحتجاج بآي الوعيد في المسألة خطأ مسألة في مقترفي الذنوب وهي يخرجون بذنوبهم من الإيمان

Section V01/P322–V01/P324

قال أبو منصور رحمه الله تكلم الناس في محل الذنوب وتسمية مقترفيها فجمع بينها قوم في الإخراج من الإيمان بقوله ومن يعص الله ورسوله وقوله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة والذنوب كلها في تحقيق اسم العصيان واحد فعلى ذلك في تحقيق اسم الضلال وإيجاب الخلود في النار وقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه يخرج على وجهين أحدهما أن يكفر بالتوبة لقوله ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم وغير ذلك من الآيات والثاني أن تكون الصغائر منها التي تقع على السهو والغفلة فهي المغفورة بما قال تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم وقال وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به وما جاء من الخبر بالعفو عنه ثم حقق قوم منهم له اسم الكفر بوجهين أحدهما بقوله لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وقال وهل نجازي إلا الكفور وقال من يعمل سوءا يجز به وقال ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وقال ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فأثبت الجزاء فيما صغر منه وأخبر أنه لا يجازى إلا الكفور ولا يصليها إلا من ذكر مع ما قال الله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله وكل عاص فهو يؤذي رسول الله ولا قوة إلا بالله والثاني أن عقد إيمان كل مؤمن أن لا يعصى الله فيما أمره ونهاه فمن عصاه لم يف به مع ما كان إعتقاده كان موقوفا على ما يظهر بالإبتلاء بقوله أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وقال وليعلمن المنافقين في موضع آخر فثبت بذلك استحقاق اسم الكفر بما ظهر كذبه فيما أظهر من الإعتقاد والنظر يوجب ذلك بما هو بالذي مخالفا فيه من الله مجيب الشيطان إلى ما دعاه ومطيع له فيما أمره ومن ذلك وصفه فقد عبده ومن عبد الشيطان فهو كافر ولا قوة إلا بالله ومنهم من يسميه مشركا لا كافرا إنما صار إلى ما صار بالفعل لا بالقوة وقد قال الله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا فجعل في العمل شركا وكذا تسمية أهل الشرك بما أشركوا في العبادة غير الله وذلك معنى قوله وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وقال إن الله لا يغفر أن يشرك به وقد بينا إنما يغفر من الذنوب هي التي كانت على الخطأ أو الإكراه كما جاء به الكتاب ولا قوة إلا بالله

Section V01/P324–V01/P327

ومنهم من قسم الذنوب قسمين فجعل منها صغائر تغفر بإجتناب الكبائر وبالعفو بالجزاء ونحو ذلك على اختلاف أقاويلهم وهو قولنا في أى ألا يجوز إخراج صاحبها من الإيمان وفاسد مع الإيمان الخلود في النار لما يوجب الخلف في الوعد بقوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وما جاءت به الآيات فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن والوعد في ذلك ثم الذي يمنع اسم الكفر في الحقيقة والشرك أوجه أحدها أمر الله نبيه أن يستغفر له وللمؤمنين والمؤمنات ثم لا يحتمل الأمر به على إثبات كفر أو شرك بقوله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وبما أمره أن يستغفر للمؤمنين ومحال يأمره بالإستغفار باسم الإيمان وهو عنهم زائل لأنه يوجب الكذب ثم قد حذره الله عن الإستغفار لأهل الشرك بما ذكرت ولأهل النفاق بقوله سيقول لك المخلفون من الأعراب وقوله سواء عليهم أستغفرت لهم ونهيه إياه عن الصلاة فثبت أن أولئك الذين أمرهم بالإستغفار هم أهل الإيمان في الحقيقة ثم لا يحتمل أن يؤمر بالإستغفار ولا ذنوب لهم أو كانت مغفورة لهم لأن الاستغفار هو طلب المغفرة وطلبها لمن قد غفر له كتمان نعمة الغفران وذلك كفران النعمة بل حق ذلك الشكر والحمد وما لا ذنب له ثمة فيخرج طلب المغفرة مخرج كفران العصمة والسؤال أن لا يجوز إذ تعذيب مثله في حكمه جود ثم لا يحتمل أن يكون رسول الله والملائكة يستغفرون لمن أمروا به ثم لا يجابون فيثبت بهذا أن لا يزول اسم الإيمان لكل ذنب وأن من الذنوب ما ليس بمغفور يغفر بالتوبة عنه إذ ليس في استغفار غير المذنب توبة وفي ذلك نقض على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان لكل ذنب وأن من الذنوب ما ليس بمغفور يغفر بالتوبة عنه إذ ليس في استغفار غير المذنب توبة وفي ذلك نقض على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان بكل ذنب ليس بمغفور لصاحبه حتى يستغفر ونقض على الخوارج بما ذكرنا والله أعلم وأيضا إن الله تعالى قال في الذنوب التي لا يغفرها سواء عليهم أستغفرت لهم وعلى ذلك قال وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون وقال يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا فألزمهم التوبة مع إثبات الإيمان وأخبر أنه بالتوبة يغفر لهم وفي ذلك وجهان أحدهما على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان في كل ذنب لا يغفر عندهم إلا بالتوبة وفي ذلك إثباته وعلى الخوارج بتسميتهم كفرة وأهل الشرك ومحال مع ذلك اسم الإيمان والأمر بغيره والله الموفق ولو كان في شيء تسمية بالكفر فهو مجاز اللغة من حيث ذلك صنيعهم ونحو ذلك على ما يقال للمرء أصم وأعمى بما لا يقف على حقيقة ما بذلك يوصل إليه وذلك نحو قوله من كفر بالله من بعد إيمانه فأثبت اسم الكفر فيما كان منه على الإكراه لفظا لا تحقيقا لما اطمأن قلبه بالإيمان فثبت أن قد يجوز تسميته لنوازل مجازا فمثله الأعمال ولا قوة إلا بالله وأيضا إن الله تعالى قال فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ثم معلوم أنه لا يرى الخير وجزاه مع الشرك ولا جزاه شر في حال الكفر يرى ذلك بعد الإيمان لقوله تعالى ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه وقوله إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقال فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات دل ما ذكرت من تحقيق حال فيها جزاء الأمرين وذلك لا يكون على قول المعتزلة في وقت الكبائر ولا في وقت الصغائر وكذا في قول الخوارج ولا قوة إلا بالله ثم الله تعالى قال إن الله لا يغفر أن يشرك به ومعلوم أن الشرك قد يغفر بالتوبة فبطل به قول من يجعله لما قسم الكتاب وبطل قول من يبطل المغفرة في الكبائر بلا توبة لأن الله جل ثناؤه جعل لنفسه مشيئة المغفرة وذلك فيما كان في الحكمة لكن دفعه سفه جل الله عن ذلك وتعالى فلزم الذي ذكرت القولين جميعا

Section V01/P327–V01/P329

ثم الذي ينقض قول الخوارج الذين يكفرون بالصغائر ما بلى بها الأنبياء والأولياء وما يكفر يسقط النبوة والولاية ومن ذلك وصف إيمانه بالأنبياء فهو كافر بهم فبلغ من تعظيمهم الذنوب إلى أن كفروا به وهو أعظم الذنوب وهذا حق من تعدى حدود الله في الحكم وغلا في دين الله أن يكون عطبه من أرجى ما يكون عنده من أسباب النجاة ولا قوة إلا بالله وعلى قول المعتزلة في ذلك وصف الله الأنبياء بالدعاء له تضرعا وخفية وطمعا وخوفا وببكائهم على ما كان منهم من الزلات وتضرعهم إليه حتى أجيبوا في دعائهم وأعطوا سؤلهم ولو لم تكن ذنوبهم بحيث احتمال التعذيب عليها في الحكمة أو كان عليهم من ذلك خوف التعذيب لكان في ذلك تعدى الحد والوصف بالجود والتعدي منه وذلك أعظم من الزلات فهذا ينفى قول المعتزلة في إثبات المغفرة في الصغائر وإخراج فعل التعذيب عن الحكمة وقول الخوارج بإزالة اسم الإيمان عنه ولا قوة إلا بالله ثم القول في جعل الصغائر كفرا أو شركا أو التخليد في النار جزاء لها قول مهجور بما يسقط معنى تسميته عفوا غفورا رحيما إذ لا يسعه مأثم ولا زلة بلا توبة ويوجب به المعاداة بعد أن عرفه عفوا غفورا كريما وعادى لأجله من أزال عنه هذا الإسم إلى كل ما يوصف كل قاس وكل لئيم وبه يستحق الذي قال إذ هذا أعظم الذنوب حيث صفات الرب ثم بما بلى به الأنبياء فيكفر بهم في تلك الأحوال ومن كفر بنبي في وقت فهو كافر لا ريب فيه ثم بهذا وصف الرب بالجود لما فيه إبطال الحسنات بزلة والعدل هو الذي يجزى بالإحسان والإساءة فيما أظهر عز وجل من كرمه ثم التجهيل بما لم يعرف من يصلح للرسالة ويقوم بأداء الأمانة ثم بما لا أحد عنه فيكون في الذي ذكر تكليف ما لا يطاق ثم ينقطع منه الخوف والرجاء ويحصل الأمر على الأمن والإياس وقد شهد عليها بالضلال والكفر ولا قوة إلا بالله ثم نذكر ما قيل في الكبائر فإنها إذ صارت بحيث إحتمال العفو فما دونها أولى وبما للقول به فيها على الإختلاف أثر بين في الأمة فصرف الكلام إليه أحق وبالله التوفيق مسألة اختلاف المسلمين في مرتكبي الكبائر ثم اختلفت الأمة في مرتكبي الكبائر من المسلمين دفعته إليها الغلبة من شهوة أو غفلة أو شدة الغضب والحمية أو رجاء العفو والتوبة من غير استحلال منه ولا استخفاف منه بمن أمر ونهى فمنهم من جعله كافرا ومنهم من جعله مشركا ومنهم من جعله غير مؤمن ولا كافر ومنهم من يجعله منافقا ومنهم من جعله مؤمنا على ما كان عاصيا بما فعل فاسقا به من غير أن يطلق له اسم الفسق والفجور إلا مع من يعلم ما به سمى ذلك ويرى أن يكون لله تعذيبه بقدر ذنبه والعفو عنه بما علم منه من الصدق له في العبودة وغيره من الحسنات ومنهم من وقف في الوعيد إنه أريد به المستحيل أو غيره ورآه واجبا فتفريق من ذكرت بين الصغائر والكبائر فيما يثبت في الصغائر من إمكان العفو أو إبقاء اسم الإيمان أوجب صرف الوعيد إلى الكبائر وما يثبت من ذكر جزاء الكفر والشرك ونحوه يوجب تحقيق اسم الشرك وقول قوم والكفر على قول وأيد ذلك قوله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون مع ما كان صاحب الكبيرة حاكما بغير الذي أنزل الله وتاركا الحكم به وقد قال الله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وبعد فإنه قد سمى بالأسماء التي سمى الله بها الكفرة من الفسق والفجور والظلم لزمه أيضا اسم الكفر مع ما قسم الله البشر الذين جرى عليهم القلم فيما عليه أمرهم في الدنيا والآخرة فقال هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن وقال فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وقال فمن يرد الله أن يهديه وقال يضل من يشاء وقال أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون

Section V01/P329–V01/P331

ثم بين كفر المسمى فاسقا وقال في أمر الآخرة يوم تبيض وجوه وقال فأما من أوتي كتابه بيمينه فجعلهم جميعا متسمين فلا ثالث في التحقيق مع ما بين أن النار أعدت للكافرين فإذا ثبت الوعيد لصاحب الكبيرة جعله كافرا وبعد فإن الله تعالى وصف أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقد لزم ألا يأس على قول هو لا لزمه اسم الكفر على أن الأسماء لا منافع لها ولا مضار بها على أهلها إنما المضار والمنافع في حقائق ما لها الأسماء فإذا لزم الخلود في النار بطلت فائدة الإسم إن كان مؤمنا أو كافرا لا يمنع عنه اسم الكفر إذ عوقب بعقوبته ولا قوة إلا بالله وألزموا الوعيد بما في الرفع لحوق الكذب والله يجل عن ذلك وكل الذي ذكرت يلزم المعتزلة في منعهم تسمية الكفر على أن قولين من أقاويل منتحلى الإسلام حصلا في حق الأسماء على عبث وإبطال ما جبل عليه البشر من جلالة قدر الإيمان في قلوبهم وعظم الله دين الإسلام في العقول فصير أحد فريقي الإسلام أسم الإيمان لكل خير يقطع فزع تبدل دين الإسلام وأزال جلالة قدره حيث أشركوا في إسمه كل شيء مما يحتمل أن يكون له اسم الخير فاشترك في هذا الحشوية والمعتزلة وانفردت المعتزلة بمنع اسم الكفر عن أصحاب الكبائر على تحقيق جميع ما في الكفر من العقوبة في ذلك فلم يحصل لهم بما تحرجوا عن التسمية بما كان فزعهم عن إسمه إلا لعظيم الوعيد في ذلك وإلا التسمية إذ ألم لنفع يرجى أو لضرر يتقى فكانت من المسلمين بها إباحة إن ساءت أو حسنت إذا لم تكن يجب بحسنها حسن أو قبح ولا قوة إلا بالله فدخل تسمية الشرك والكفر فيما مر بيانه ومن حقق له اسم النفاق فلمخالفة ما أعطى بلسانه من الإيمان وتعاهد حدوده وحفظ حدود الله ما ظهر بأفعالهم وبذلك قال الله تعالى وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين وقال الم أحسب الناس أن يتركوا أخبر ببيان ما أعطته الألسن من الصدق والكذب بالمحنة وكذا روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه فهو منافق من إذا حدث كذب وإذا وعد خلف وإذا اوتمن خان فقد ظهر له ذلك كله من مرتكبي الكبيرة ولا قوة إلا بالله واحتجت المعتزلة في الإسم بما سمى صاحب الكبيرة بأسماء خبيثة والإيمان من الأسماء الطيبة لا يسمى به مع ما جاء من الوعد باسم الإيمان والوعد لا يحتمل الخصوص ثم صاحب الكبيرة قد جاء فيه الوعيد فبطل أن يكون مؤمنا ولم يسم به كافرا بما لم يرد به التسمية فسمى به الذي أجمع أنه له اسم وهو الفسق والفجور والظلم ثم لهم في الوعيد أمران عموم أخباره والثاني قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه بين ما لا يغفر مع ما كان الوعيد بالتخليد أعظم في المنع وأبلغ في الزجر فهو أحق على أن الوعيد إذا وجب لزم دخول النار ولم يذكر فيهم الخروج ولا قوة إلا بالله قال الفقيه أبو منصور رحمه الله نقول وبالله نستعين أجمع هو لا على اختلافهم أن الوعيد مما لم يشرك فيه المؤمنين بل هو في كل ذنب أخرج صاحبه عن الإيمان وأسقط عنه اسمه والمرجئة توافقهم أن كل ذنب يخرج صاحبه عن الإيمان فالوعيد له لازم ثم إن المرجئة تخاف على المؤمنين فيما ارتكبوا من المأثم مع قيام الإيمان بالعقوبة وأولئك لا يخافون عليهم وكان احتجاجهم بعموم الآثار فثبت بالذي ذكرت من قول الجملة أن المرجئة وهي التي أرجأت الذنوب أشد استعمالا لها على العموم من الذين ادعوا عمومها إذ هم عند التحصيل جعلوا الوعيد في أحد فريقي البشر وهم الذين ليسوا بمؤمنين ولا قوة إلا بالله

Section V01/P331–V01/P333

ثم قد ثبت بأدلة القرآن وما عليه أهل الإيمان والذي جرى به من اللسان أن الإيمان هو التصديق به نؤمن وبذلك جرت أحكام القرآن في الحلال والحرام وما به قيام العبارات والإشتراك في الجماعات والإجتماع في مجالس الذكر والخيرات على غير تناكر منهم وفيهم القبول بحق المؤمنين وكذا جميع ما جرى به الخطاب لم يوجد معتزلي ولا خارجي ولا حشوى مع ما فيهم أنواع المعاصى والسيئات التي بان لهم أنها كبائر أو لم يبين لهم حقيقتها بخبر في أمر الخطاب أن يكون غير أحد له لما فيه فثبت أن الإيمان لم يزل عنه وأن الإسم قائم له فيبطل بهذه الجملة التي من دفعها يعلم أنه مكابر معاند ما قالت الخوارج والمعتزلة ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله سبحانه أبقى له اسم الإيمان مع تحقيق ما عليه الوعيد في حكمه بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فأوجب في المقت عنده مع اسم الإيمان بحرف العتاب الذي لا يحتمل النطق قبل مقارفة الذنب بقوله لم تقولون والمقت لا يوجب الذنب الذي في الحكمة لزوم المغفرة له وقال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا أثبت لهم اسم الإيمان مع إلزام اسم البغي لأحدهما في القتال وألزم من حضر موته المبغى عليه حتى يرجع الآخر إلى أمر الله ولو كان ذلك خروج من الإيمان لكان الحق في مثل ذلك غير الذي ذكر وقال يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ومعلوم أنه لا يجب إلا بقتل العمد فأثبت لهم في ابتداء الآية اسم الإيمان وأبقى بينهما الأخوة وأخبر أن ذلك تخفيف من ربكم ورحمة وتبعد هذه الأوصاف فيمن أخرجهم الفعل من الإيمان وقال والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ثم قال وإن استنصروكم في الدين أثبت لهم اسم الإيمان وجمع بينهم في الدين على تخلفهم عن الهجرة مع عظم ما فيه من الوعيد بقوله الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم وقال يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وقال أيضا لا تخونوا الله والرسول فأثبت لهم اسم الإيمان مع قبح صنيعهم ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله تعالى قال يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا وقال وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون أخبر أن عليهم ذنوبا تغفر بالتوبة ويكفر بها على إبقاء اسم الإيمان وفي قول هؤلاء لا يجوز ذلك فثبت أن القول هو قول من لم يزل عنهم اسم الإيمان ولا قوة إلا بالله ونوع آخر أن الله تعالى أوجب كثيرا من العبادات باسم الإيمان وجعل علم الحل والحرمة في كثير من ذلك اسم الإيمان وزواله ثم شارك من أحدث أفعال الفسق مع الإيمان فيها غيره ثبت أن اسم الإيمان غير زائل عنهم مع ما قد تقدم بيان ما له اسم الإيمان ما يكفى ذا العقل عن الإطناب ثم إجماع النقلة في إثبات الشفاعة وتوارث الأمة في الصلاة على جميع من مات من أهل القبلة والإستغفار لهم والترحم عليهم هو الدليل لمن أبت نفسه تكذيب الأخبار الصحاح ومخالفة أئمة الهدى ولا قوة إلا بالله ثم قول المعتزلة في تحقيق الإياس من روح الله مع نفيهم اسم الكفر وقد قال الله تعالى إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قول متناقض إذ الله جمع بين الكفر والإياس فمن أثبت أحدهما لزم الآخر فإذ ثبت عندنا وعندهم أنه ليس بكافر إذ الكفر في العرف تكذيب وصاحب الكبيرة بالتصديق في حالة يرجو عفوه ويخالف عذابه ويعلم أن من أيأسه من رحمة ربه ضال جاهل بالله ثبت أنه ليس بمكذب وفي الحقيقة الكفر اسم للستر وصاحبه لا يستر شيئا من نعم ربه ولا ينكر حقه فيبطل أن يكون كافرا فمثله الإيمان في العرف والسمع تصديق ومعلوم أنه لم يكذب الله في شيء ثبت أنه مؤمن والله الموفق

Section V01/P333–V01/P336

ثم الحق أن يقال جميع الخوارج والمعتزلة عند ارتكابهم الكبائر كفرة على قولهم مستوجبون للخلود في النار وغيرهم من أصناف منتحلى الإسلام لأوجه أحدها أنهم أجمعوا على من رحمه الله وذلك وصف الكفر بما ذكر من الآية وبقوله والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي فلزم الفريقين اسم الكفر والخلود في النار وأما المؤمنون بآيات الله وصفوه عفوا غفورا رحيما محققين لذلك فهم لهم الرجاء ولا يجوز لهم الشهادة بواحد من الأمرين فتولى كل قول كما قال الله تعالى نوله ما تولى ونصله جهنم ولا قوة إلا بالله والثاني أنهم جميعا ضيقوا رحمة الله فجعلوها بحيث لا تتسع لذنب إذ الذنوب التي ليست بكبائر لا يجوز معها التعذيب فليس لرحمة الله فيما ليس له التعذيب ولا لعفوه فيما استغنى عنه بالحكمة وجعلوا الغضب والسخط هو الذي يسع كل ذنب في الحكمة يجوز له التعذيب فلا عفو إذا على قولهم ولا رحمة فحق هذا القول الحرمان وأما من يصفه بسعة الرحمة وعظيم العفو فحق له المغفرة والعفو لأن كل كريم يوصف بهذا فهو أميل له من الوصف له بما وصفته الخوارج والمعتزلة ولا قوة إلا بالله والثالث قال الله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولا يجوز أن يكون الذي به الإنتهاء غير محدود ولا معروف الوصول إلى جميع الطاعات والقيام بجميع الأمور بتأخر الحياة على قول الخوارج فتصير بحيث لا انتهاء عنه وكذلك على قول المعتزلة فثبت أن الإنتهاء هو الذي يملكه كله في كل وقت وهوالبرء عن كل أنواع الكفر والمعاصي والإيمان بالله تعالى وبجميع ما يؤمن المرء به ولا قوة إلا بالله وهذا على قول المعتزلة إذ جعلوا بين الكفر والإيمان منزلة والله تعالى وعد ما ذكر بالإنتهاء عن الكفر يلزم أن يكون صاحب الكبيرة مغفورا له وخاصة الكافر إذا كان مع الإنتهاء من الكفر مرتكب الكبائر فيجب بالذي ادعى من العموم في التخليد دفع العذاب والمغفرة والله الموفق ثم نقول للمعتزلة قولكم لا يسمى صاحب الكبيرة باسم الإيمان ولا باسم الكفر ولايسمونه بما لا يستحق واحدا من الإسمين أو له أحدهما ولا تعلمونه أنتم فإن قالوا بالأول فيقال لهم أو قد أتى هو بكل الإيمان أو بعضه أو لم يأت بشيء لذلك بطل اسمه فإن قال بالأول أعظم القول ومنع عنه اسم فعله وقد أتى به وجهل بربه حيث لم يحقق ما له اسمه ولو جاز ذا لجاز أن لا يكون أحد جاء بالصدق عند الله في الحقيقة صادقا وكذلك قائم وقاعد وذو حال لا يجوز عند الله كذلك أو الله يعلمه كذلك وعلى ذلك مضادات التي ذكرنا وهذا آية جهلهم بالله وإن قال بالثاني فقد شهد الله للذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض بأن قالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كفارا حقا لزمهم التسمية بذلك وهو رأي الخوارج وإن قالوا بالثالث فهو أبعد إذ الله تعالى سمى المؤمن ببعض كافرا فمن ليس معه شيء أحق بذلك وأيد هذا الأصل وجهان أحدهما ما ذكرت من قسم الله البشر قسمين في أمر الدنيا والآخرة فقسمة المعتزلة على ثلاثة أقسام تعدى لحد الله وحق مثله أن يقال له الله أذن لكم أم على الله تفترون أو يقال أأنتم أعلم أم الله كما قيل لليهود والثاني أن الله تعالى نفى الإيمان في محكم تنزيله عن قوم على تحقيق الكفر إذ قال وما أولئك بالمؤمنين ولم يخطر ببال عاقل أنهم لعلهم ليسوا بكفار بل إذا أزيل الإيمان عمن يكون له فعل الإيمان فإنما يزال بالكفر ولا قوة إلا بالله وإن قالوا لا يعلم له أحد الإسمين وله ذلك عند الله كفوا مؤونة الجدل لأن ما لا يعلمونه أكثر مما يحصى لو لزم محاجتهم فيها ليذهب العمر باطلا ولا قوة إلا بالله

Section V01/P336–V01/P338

ثم الأمة على اختلافهم اتفقت على أن لصاحب الكبيرة إسما من الأديان من شرك أو كفر أو إسلام فمن أبطلها توقيا أن ينطق بالشك أبطل ما أجمع على القول به وشهدوا على مجي الكتاب به والسنة بما لديه يرتفع الريب عمن تلقى السمع وهو شهيد أو له قلب ولا قوة إلا بالله ثم القول بالفاسق والفاجر مطلقا مما يتوزع فيه ومن سماه كافرا أو مشركا أطلقه ومن سماه مؤمنا أبى ذلك وكذلك جحدوا اسم أعداء الله وأبدعت المعتزلة هذين الإسمين على منع ذينك الإسمين خلافا لما عليه الأمر ولا قوة إلا بالله ثم قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به تأويل الخوارج فيه من الخطأ فاسد لأنه ليس بذنب فيغفر وفي هذا ذكر المغفرة ولا يحتمل إضمار التوبة لما يغفر بمثله الشرك والآية في التمييز بين الذنبين وكذلك لا يحتمل قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه لما فيه التكفير وما لا ذنب لا يكفر والخطأ لا يحقق الذنب والتكفير يكون لشيء يجز به ولا يحتمل ما قالت المعتزلة لأن قولهم يمنع تحقيق الشبه إذ هي تقع من مجتنب الكبائر مغفورة وفي هذا اثباتها ثم التكفير وهم يجعلونها مغفورة لا مكفرة إذ المغفورة هي التي تستر عليها وفي بقائها إلى مدة دفعها والمكفره هي التي يأتي من صاحبها فعل حسن يكفر به نحو قوله فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وقوله هل أدلكم على تجارة وقوله إن تبدوا الصدقات إلى ذكر التكفير وكذلك قوله توبوا إلى الله توبة نصوحا وأصله قوله إن الحسنات يذهبن السيئات وبعد فإن الآية لا تحتمل قول المعتزلة لما هم يجعلون المصر على الذنب صاحب الكبيرة ومن لا يصر عليه فهو تائب عنه نادم عليه وفي ذلك إنه يغفر بالتوبة وكل الذنوب تغفر بها والإثنان جريا بالتفريق من قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به وقوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه فهو والله أعلم أن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة عنه وغيره يجوز أن يغفر بالتفضل أو يكفر بغيره من الحسنات ليصح القول مع تحقيق الفائدة لتمييز القرآن ولا قوة إلا بالله ثم للآية وجوه تمنع المعتزلة والخوارج أحدها أنه قال إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وليس في ذلك بيان حكم من لا يجتنب والثاني أن الكبائر نوعان أحدهما كبائر في الإعتقاد من أنواع الكفر والتكذيب التي بها اختلفت الكفرة وأخرى كبائر الأفعال التي صاحبها مجتنب عنها بالإعتقاد في أن يراها على ما جعلها الله عليه من عظم الفعل والذنب وهذا اجتناب وقد يواقعها بالفعل فهو الإرتكاب وليس في الآية وجها الإجتناب فجائز أن تكون أن يجتنب كبائر الإعتقاد وهي أنواع الشرك يكفر عنهما دونها لمن يشاء بم شاء من غير ذلك من الحسنات أو بالتفضل كما بينا في إحدى الآيتين بالتكفير وفي الأخرى بالمغفرة ولا قوة لا بالله والثالث أنه لم يبين في الكبائر قدر العقوبات ومعلوم أن الله نفى أن يجزى في السيئات إلا مثلها ومثل الشرك والمعاندة إنما هو التخليد ولا ريب أن ليس بمعاند ولا مشرك له في العبادة ذنبه دون من يفعل ذلك بل صحة الإعتقاد في ذلك حمله على الخوف مما حذره ورجاء ما أطمعه في الإعتقاد وهو الذي سبق كل شيء لكفره هو ومحاه عنه لم يجز أن يكون قدر ذنبه قدر الأول فلم يجز أن يخلد في ذلك فيدخل فيه أمران أحدهما الكذب في الوعد حيث قال ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ومعلوم أن الكافر المعاند لو جمع عليه جميع ما يعاقب به على شرط النجاة والراحة يحتمل ويختاره فثبت أن مثل سيئته هو الخلود في العذاب فإذا عذب بمثله من كان ذنبه دونه كان جازيا أكثر من مثله وهو ما يعاقب بما يرتكب وفي الحكمة عقوبته وهذا مما يمنع الحكمة والله الموفق

Section V01/P338–V01/P340

والثاني إنه معلوم أن الذي يقابل الجحود والمعاندة من الخير أعظم وأجل من الذي يقابل ما كان في قبوله أن يفعل من الترك على نحو ما كان الجحود والمعاندة من الآخر فجاء بالذي هو في الخير أعظم الخير وفي الشر لم يبلغ نهايته فإذا خلده في النار أبطل ثواب أفضل الخيرات بإرتكاب ما دونه من الشر ورد ذلك وصف الجود لا العدل والعدل أن يزيد في ثواب ما جاء به على عقاب ما أتى به والله جل ثناؤه قد أخبر أنه يجزى الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها وفي هذا لم يبلغ المثل في الحسنة ولا قصر على المثل في السيئة جل الله عن ذلك وتعالى واستدلال من استدل بترك الفعل على الكذب في الأول محال فاسد لأن في عقل كل واحد لزوم اتقاء الكذب كما في القبول إبقاؤه ثم لم يصر وجوده دليلا على كذب عقله لما في عقله منعه وإن تعدى ذلك فمثله في قبول وقت تعديه ولو كان في ذلك تبين لكان كل شيء بالأول أو حل يجب فساده وحرمته ولو كان كذلك لكان لا يجب على المرتد خلاف على الكافر الأصلي بل بتصريح الكفر لا يظهر كذبه في الأول فكيف فيما فعل ولو كان بذا ذا فيظهر أيضا بإيمان الكافر من بعد أو بتعاطيه ما لا يقبحه على كذبه في العرف وأصله وجهان أحدهمال لو كان يظهر به الكذب في الأول لأزيل اللزوم وإذا زال ليبطل أن يصير وجوده سببا لإظهار ذلك وفيه بطلان ما قالوا ولا قوة إلا بالله والثاني إن كلا يعلم من نفسه في وقت إعتقاده أنه غير كاذب في ذلك ثم يعلم من تعدى في دينه ولو كان به ظهور لكان لا علم يقع في الحقيقة ولا قوة إلا بالله بل مدعى هذا يلزمه ذلك إذ في اعتقاده أن لا يكذب وكل مؤمن يعلم أنه بهذا القول كاذب وكذلك الله سبحانه إذ هو يعلم حقيقة كل شيء بما هو عليه لا بغيره يعلم صدقه في الأول وإن تعدى من بعده فيصير صاحب هذا القول عند الله وعند من شهد عليه بالكذب كاذبا فيستوجب به من كل أحد القضاء عليه بالكفر في قوله الذي يريد به تثبيت كفر غيره ولا قوة إلا بالله وقوله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ولو كان في ذلك ما ذكر لم يكن ليثبت لهم إيمان أبدا فثبت به فساد قولهم فهذا في الكفر فكيف فيما دونه ولا قوة إلا بالله وعلى ذلك اختلاف الأحوال في الخلق لا يوجب فساد مضاداتها في غير تلك الأحوال وبالله التوفيق وهذا أيضا يلزم المعتزلة في الكبائر ثم العجب من هؤلاء يثبتون لأصحاب الكبائر اسم أهل الصلاة والقبلة وسبب إثبات هذا الإسم لهم الإيمان بمحال زواله على بقاء ذلك وما به ثبت قد زال والله أعلم

Section V01/P340–V01/P342

وقد روى في الآية القراءة على أن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه وإن كان المعروف ذلك فإنه قد يجوز إرادة الآحاد بحرف الجمع فلا ننكر أن تكون الآية على ذلك يبين ذلك قوله تعالى ومن يكفر بالإيمان وقوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا وقوله ومن يرتدد منكم عن دينه وعلى ذلك تأويل قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ثم قال ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء كما قال في هذا ويكفر عنكم سيئاتكم فيكون الإتيان بحكم واحد ومعلوم أن لا درك للمعتزلة والخوارج في أحدهما فكذلك في الأخرى ثم الأصل أن قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم على قول الخوارج كأنه قال إن تجتنبوا الكفر والشرك وعلى قول المعتزلة إن تجتنبوا الخروج من الإيمان نكفر عنكم ما ذكر فلا كبيرة إذن على قولهم إلا الخروج من الإيمان فصارت الآية على قولهم راجعة إلى خاص وهو ما يخرج عن الدين والإيمان فأبطل ذلك قولهم في دعوى العموم فيها وألزم القول بالخصوص فمن قضى شيء دون شيء بلا بيان فهو متحكم وفي ذلك لزوم قول الحسين من الوقف في جميع ما فيه الوعيد وبطلان قول من ذكر والله أعلم ثم الأصل أن الله وعد على كثير من الخيرات وعدا من غير ذكر اجتناب الكبائر معه وأوعد على كثير من السيئات وعيدا في مخرج العموم كما وعد على الخيرات فمن وجه الآيتين جميعا إلى العموم ألزم التناقض في جميع الأمرين في واحد وذلك آية السفه ثم اضطربت في ذلك الأقاويل فزعمت المعتزلة والخوارج أن آيات الوعيد أحق بالعموم لها هي أبلغ في الزجر والموعظة وزعمت المرجئة أن آيات الوعد أحق في العموم لأنه أحق بالذي عرف من صفات الله من الرحمة والعفو والغفران فتقع عن الكبائر والصغائر مع ما يشهد لذلك قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به مع احتمال الوعيد للمستحلين والوعد لو وجب التخصيص ليجب غيره والوعيد لنفسه فهو أولى به بالخصوص مع ما شرط الدوام ليقع الوعيد وذلك آية الخصوص وليس ذلك في الوعد فيلزم به الصرف إلى المستحلين أو إلى أن ذلك جزاؤه لولا الذي معه من الحسنات فيجب لديها المقابلة أو أن ذلك جزاؤه ولله التفضل بالعفو عن ذلك بما علم من رجائه برحمته وعلمه بعظيم عفوه فلا يحرمه ذلك بما ظهر من فضله وإحسانه الذي بعثه على الرجاء ولا قوة إلا بالله أو يشفع فيهم الأخيار من عباده ويجيبهم في الإستغفار لهم إذ بعيد الإستغفار له ولا قوة إلا بالله ثم الأصل في ذلك أن الله تعالى ألزمه اسم الإيمان قبل إرتكابه مما ارتكب وأزال عنه اسم الكفر بقوله قولوا آمنا بالله وقوله آمن الرسول فبين بما يكون المرء مؤمنا وحرم على من يقول لمثله لست مؤمنا بقوله ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا وبين رسول الله حين سأله جبريل عن الإيمان فبين ذلك وحقق له اسم المؤمن بإتيان ذلك وكذلك أمرت أن أقاتل الناس إلى آخر ما ذكر فهذا الآن مؤمن بالكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة وما شهدت له أهل اللغة ثم اختلف في صاحب الكبيرة لا يزال الذي ذلك وصفه بتعنت المعتزلة وتمرد الخوارج بل يدعى لهم بما آثروا لأنفسهم وأيسوا من رحمة الله ولم يروا الله في حكمته جواز العفو عنهم ولا قوة إلا بالله ثم المعاني التي هي للفسق والعصيان والظلم ليست بمضادة للإيمان إذ الفسق اسم الخروج عن الأمر وجائز ذلك على أقسام ثلاثة يخرج مما هو أمر إرشاد وفرض وإعتقاد وكذلك الظلم إذ هو اسم لوضع الشيء غير موضعه والعصيان إسم للخلاف فمن رتب الكل في الجزاء أو في حقيقة المعنى وأراد أن يزيد اسم الإيمان بكل ذلك فنفسه يظلم ولدفع ما فرق الله ورسوله والأئمة يتعرض ولا قوة إلا بالله

Section V01/P342–V01/P344

وقد تقدم بيان ما له اسم الإيمان ثم نذكر بعض الذي ذكره الكعبي لمذهبه من القول الذي اختاره وارتضاه ثم الحجاج له بما يعلم من تأمله مبلغه في دين الله ولا قوة إلا بالله فزعم أن قول أهل الحق إن كل طاعة من الإيمان واسم الإيمان يستحق بما يوجب تركه اسم الفسق قال وليس قولنا مؤمن بمشتق من الفعل فقط لما لا يسمى به كل من يصدق أحدا وأطاعه وخضع له اسما مطلقا ولا هو أيضا اسمه فقط إذ لو كان اسمه لجاز التسمية به لمن ليس هو كذلك كما تسمى الحسناء قبيحة وإذا لم يكن كذلك ثبت أنه اسم مشتق من فعل ومدح في الدين وإسمه للتفرقة قال الشيخ رحمه الله نقول وبالله نستعين قوله أهل الحق كذا حق إن لم يرد بقوله كل طاعة من الإيمان غير أنه من الإيمان وهو كما يقول كل نعمة من الله أي به نيلت وكانت وكذلك الإيمان وقوله اسم الإيمان يستحق بكذا فقد نقضه حيث زعم أن مع صاحب الكبيرة فعل لكن لا يطلق له الإسم ووصف في هذا ما ذكر وذلك عنده في التحقيق اسم المؤمن لا اسم الإيمان إذ يحققه بدونه ولا يسميه به فبهذا مبلغ علمه بقوله وقوله ليس باسم مشتق من فعله عجيب إذ حقق لفعله ذلك الاسم ثم منع التسمية به وذلك يوجب جواز كل أحد بغير اسم فعله في الحقيقة ومنع التسمية به وفي وذلك لزوم اسم كل فاعل غير فاعل وكل من ليس بفاعل فاعلا وكذا ذا في الحركة ونحو ذلك وما قال من قوله صدق كذا لا يسمى بذلك واتبع ذلك قوله أجمع أهل الملة تخطئة من فعل ذلك كذب من وجهين أحدهما أنه قال لا يطلق له الاسم بل هو مطلق له لكن لا يعرف ما براد بذلك الإيمان فلهذا يجب تثبيته لا لأن ذلك ليس باسم له وكذلك لا يقال أطاع فلان مطلقا بما أطاع أحد من حيث لا يعرف المراد لا لأنه لم يستحق بفعله الإطلاق ولكنه طاعة من لا يعرف الأمر به وكذلك الإيمان فإذا صار إلى المعرفة لزم القول وكذلك لا يقال فلان مصدق أو مكذب بما كان منه ذلك في أحد حتى يتبين ثم كل من كفر بالله يقال مكذب لما عرف حقيقته فمثله المؤمن والله الموفق وكذلك حكايته عن أهل الملة والعجب منه لا يزال يروى في هذا الكتاب عن الأمة في أشياء لعل وجوده عن واحد منه يعسر فضلا عن الأمة ويجعل ذلك دريعة لباطله كأنه آمن أن يتأمله من له لب أو أحد ممن ينازعه في المذهب ولا قوة إلا بالله وقوله ليس باسم له فيقال له لو لم يكن الإسم لتحقيق الفعل لم يكن ليمنع جعله اسمه لكنه في جعله تلبيس أنه سمى به بحق الإسم أو بحق حقيقة الفعل وكذلك جميع ما عليه أمر الأسماء المشتقة عن الأفعال إن لم تجعل إسمه لمن ليس له حقيقة إلا على المجاز والهزؤ به ولا قوة إلا بالله ثم قال لا نقول في الفاسق عند التحقيق إنه ليس بمؤمن بل لا نسميه به فيقال له هو في التحقيق مؤمن أو ليس بمؤمن أو لا مؤمن ولا كافر فإن قال بالأول فهو رجل دعته نفسه إلى تكذيبها فيما هي ليست بكاذبة فأطاعها فحق مثله الإغضاء عنه لأنه دون كل مقلد فإن قال بالوجهين الآخرين فقد أكذب نفسه فيما حكى عنها والله الموفق

Questions