Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam)

Section V01/P127–V01/P130

ندعي أن الله تعالى مريد لأفعاله وبرهانه أن الفعل الصادر منه مختص بضروب من الجواز لا يتميز بعضها من البعض إلا بمرجح ، ولا تكفي ذاته للترجيح ، لأن نسبة الذات إلى الضدين واحدة فما الذي خصص أحد الضدين بالوقوع في حال دون حال ؟ وكذلك القدرة لا تكفي فيه ، إذ نسبة القدرة إلى الضدين واحدة ، وكذلك العلم لا يكفي خلافا للكعبي حيث اكتفى بالعلم عن الإرادة لأن العلم يتبع المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه ولا يؤثر فيه ولا يغيره . فإن كان الشيء ممكنا في نفسه مساويا للممكن الآخر الذي في مقابلته فالعلم يتعلق به على ما هو عليه ولا يجعل أحد الممكنين مرجحا على الآخر ، بل نعقل الممكنين ويعقل تساويهما ، والله سبحانه وتعالى يعلم أن وجود العالم في الوقت الذي وجد فيه كان ممكنا ، وأن وجوده بعد ذلك وقبل ذلك كان مساويا له في الإمكان لأن هذه الامكانات متساوية ، فحق العلم أن يتعلق بها كما هو عليه فإن اقتضت صفة الإرادة وقوعه في وقت معين تعلق العلم بتعيين وجوده في ذلك الوقت لعلة تعلق الارادة به فتكون الإرادة للتعيين علة ويكون العلم متعلقا به تابعا له غير مؤثر فيه ، ولو جاز أن يكتفى بالعلم عن الارادة لاكتفي به عن القدرة ، بل كان ذلك يكفي في وجود أفعالنا حتى لا نحتاج إلى الإرادة ، إذ يترجح أحد الجانبين بتعلق علم الله تعالى به وكل ذلك محال . فإن قيل : وهذا ينقلب عليكم في نفس الارادة ، فإن القدرة كما لا تناسب أحد الضدين فالارادة القديمة أيضا لا تتعين لأحد الضدين ، فاختصاصها بأحد الضدين ينبغي أن يكون بمخصص ويتسلسل ذلك إلى غير نهاية ، إذ يقال الذات لا تكفي للحدوث ، إذ لو حدث من الذات لكان مع الذات غير متأخر فلا بد من القدرة والقدرة لا تكفي إذ لو كان للقدرة لما اختص بهذا الوقت وما قبله وما بعده في النسبة إلى جواز تعلق القدرة بها على وتيرة ، فما الذي خصص هذا الوقت فيحتاج إلى الارادة ؟ فيقال : والارادة لا تكفي ، فإن الإرادة القديمة عامة التعلق كالقدرة ، فنسبتها إلى الأوقات واحدة ونسبتها إلى الضدين واحدة ، فإن وقع الحركة مثلا بدلا عن السكون لأن الارادة تعلقت بالحركة لا بالسكون . فيقال : وهل كان يمكن أن يتعلق بالسكون ؟ فإن قيل : لا ، فهو محال ؛ وإن قيل : نعم ، فهما متساويان ؛ أعني الحركة والسكون في مناسبة الإرادة القديمة فما الذي أوجب تخصيص الإرادة القديمة بالحركة دون السكون فيحتاج إلى مخصص ثم يلزم السؤال في مخصص المخصص ويتسلسل إلى غير نهاية . . قلنا : هذا سؤال غير معقول حير عقول الفرق ولم يوفق للحق إلا أهل السنة فالناس فيه أربع فرق : قائل يقول إن العالم وجد لذات الله سبحانه وتعالى وإنه ليس للذات صفة زائدة البتة ، ولما كان الذات قديمة كان العالم قديما وكانت نسبة العالم إليه كنسبة المعلول إلى العلة ، ونسبة النور إلى الشمس ، والظل إلى الشخص ؛ وهؤلاء هم الفلاسفة . وقائل يقول إن العالم حادث ولكن حدث في الوقت الذي حدث فيه لا قبله ولا بعده لإرادة حادثة حدثت له لا في محل فاقتضت حدوث العالم ، وهؤلاء هم المعتزلة . وقائل يقول حدث بإرادة حادثة حدثت في ذاته ، وهؤلاء هم القائلون بكونه محلا للحوادث . وقائل يقول حدث العالم في الوقت الذي تعلقت الارادة القديمة بحدوثه في ذلك الوقت ، من غير حدوث إرادة ومن غير تغير صفة القديم ، فانظر إلى الفرق وانسب مقام كل واحد إلى الآخر ، فإنه لا ينفك فريق عن إشكال لا يمكن حله إلا إشكال أهل السنة فإنه سريع الانحلال .

Section V01/P130–V01/P133

أما الفلاسفة فقد قالوا بقدم العالم ، وهو محال ، لأن الفعل يستحيل أن يكون قديما ؛ إذ معنى كونه فعلا أنه لم يكن ثم كان ، فإن كان موجودا مع الله أبدا فكيف يكون فعلا ؟ بل يلزم من ذلك دورات لا نهاية لها على ما سبق ، وهو محال من وجوه ، ثم إنهم مع اقتحام هذا الإشكال لم يتخلصوا من أصل السؤال وهو أن الإرادة لم تعلقت بالحدوث في وقت مخصوص لا قبله ولا بعده ، مع تساوي نسب الأوقات إلى الإرادة ، فإنهم إن تخلصوا عن خصوص الوقت لم يتخلصوا عن خصوص الصفات ، إذ العالم مخصوص بمقدار مخصوص ووضع مخصوص ، وكانت نقايضها ممكنة في العقل ، والذات القديمة لا تناسب بعض الممكنات دون بعض ، ومن أعظم ما يلزمهم فيه ، ولا عذر لهم عنه أمران أوردناهما في كتاب تهافت الفلاسفة ولا محيص لهم عنهما البتة : أحدهما ، أن حركات الأفلاك بعضها مشرقية أي من المشرق إلى المغرب ، وبعضها مغربية أي من مغرب الشمس إلى المشرق ، وكان عكس ذلك في الإمكان مساويا له ، إذ الجهات في الحركات متساوية ، فكيف لزم من الذات القديمة أو من دورات الأفلاك وهي قديمة عندهم أن تتعين جهة عن جهة تقابلها وتساويها من كل وجه ؟ وهذا لا جواب عنه . الثاني ، أن الفلك الأقصى الذي هو الفلك التاسع عندهم المحرك لجميع السماوات بطريق القهر في اليوم والليلة مرة واحدة يتحرك على قطبين شمالي وجنوبي ، والقطب عبارة عن النقطتين المتقابلتين على الكرة الثابتتين عند حركة الكرة على نفسها ، والمنطقة عبارة عن دائرة عظيمة على وسط الكرة بعدها من النقطتين واحد . فنقول : جرم الفلك الأقصى متشابه ، وما من نقطة إلا ويتصور أن تكون قطبا . فما الذي أوجب تعيين نقطتين من بين سائر النقط التي لا نهاية لها عندهم ، فلا بد من وصف زائد على الذات من شأنه تخصيص الشيء عن مثله وليس ذلك إلا الإرادة . وقد استوفينا تحقيق الالتزامين في كتاب التهافت . وأما المعتزلة فقد اقتحموا أمرين شنيعين باطلين : أحدهما ، كون الباري تعالى مريدا بإرادة حادثة لا في محل ، وإذا لم تكن الإرادة قائمة به فقول القائل إنه مريدها هجر من الكلام ، كقوله إنه مريد بإرادة قائمة بغيره . والثاني ، أن الإرادة لم حدثت في هذا الوقت على الخصوص ، فإن كانت بإرادة أخرى فالسؤال في الإرادة الأخرى لازم ، ويتسلسل إلى غير نهاية ، وإن كان ليس بإرادة فليحدث العالم في هذا الوقت على الخصوص لا بارادة ، فإن افتقار الحادث إلى الارادة لجوازه لا لكونه جسما أو اسما أو إرادة أو علما . والحادثات في هذا متساوية ، ثم لم يتخلصوا من الإشكال إذ يقال لهم لم حدثت الإرادة في هذا الوقت على الخصوص ولم حدثت إرادة الحركة دون إرادة السكون ، فإن عندهم يحدث لكل حادث إرادة حادثة متعلقة بذلك الحادث فلم لم تحدث إرادة تتعلق بضده ؟ وأما الذين ذهبوا إلى حدوث الإرادة في ذاته تعالى لا متعلقة بذلك الحادث فقد دفعوا أحد الإشكالين وهو كونه مريدا بإرادة في غير ذاته ولكن زادوا إشكالا آخر وهو كونه محلا للحوادث ، وذلك يوجب حدوثه . ثم قد بقيت عليهم بقية الإشكال ولم يتخلصوا من السؤال . وأما أهل الحق فإنهم قالوا إن الحادثات تحدث بإرادة قديمة تعلقت بها فميزتها عن أضدادها المماثلة لها ، وقول القائل إنه لم تعلقت بها وأضدادها مثلها في الامكان ، هذا سؤال خطأ فإن الإرادة ليست إلا عبارة عن صفة شأنها تمييز الشيء على مثله .

Section V01/P133–V01/P136

فقول القائل لم ميزت الإرادة الشيء عن مثله ، كقول القائل لم أوجب العلم انكشاف المعلوم ، فيقال : لا معنى للعلم إلا ما أوجب انكشاف المعلوم ، فقول القائل لم أوجب الانكشاف كقوله لم كان العلم علما ، ولم كان الممكن ممكنا ، والواجب واجبا ، وهذا محال ؛ لأن العلم علم لذاته وكذا الممكن والواجب وسائر الذوات ، فكذلك الإرادة وحقيقتها تمييز الشيء عن مثله . فقول القائل لم ميزت الشيء عن مثله كقوله لم كانت الإرادة إرادة والقدرة قدرة ، وهو محال ، وكل فريق مضطر إلى اثبات صفة شأنها تمييز الشيء عن مثله وليس ذلك إلا الإرادة ، فكان أقوم الفرق قيلا وأهداهم سبيلا من أثبت هذه الصفة ولم يجعلها حادثة ، بل قال هي قديمة متعلقة بالأحداث في وقت مخصوص ، فكان الحدوث في ذلك الوقت لذلك ، وهذا ما لا يستغني عنه فريق من الفرق وبه ينقطع التسلسل في لزوم هذا السؤال . والآن فكما تمهد القول في أصل الإرادة فاعلم انها متعلقة بجميع الحادثات عندنا من حيث أنه ظهر أن كل حادث فمخترع بقدرته ، وكل مخترع بالقدرة محتاج إلى ارادة تصرف القدرة إلى المقدور وتخصصها به ، فكل مقدور مراد ، وكل حادث مقدور ، فكل حادث مراد والشر والكفر والمعصية حوادث ، فهي إذا لا محالة مرادة . فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فهذا مذهب السلف الصالحين ومعتقد أهل السنة أجمعين وقد قامت عليه البراهين . وأما المعتزلة فإنهم يقولون إن المعاصي كلها والشرور حادثة بغير إرادته ، بل هو كاره لها . ومعلوم أن أكثر ما يجري في العالم المعاصي فإذا ما يكرهه أكثر مما يريده فهو إلى العجز والقصور أقرب بزعمهم ، تعالى رب العالمين عن قول الظالمين . فإن قيل : فكيف يأمر بما لا يريد ؟ وكيف يريد شيئا وينهى عنه ؟ وكيف يريد الفجور والمعاصي والظلم والقبيح ومريد القبيح سفيه ؟ قلنا : إذا كشفنا عن حقيقة الأمر وبينا أنه مباين للإرادة وكشفنا عن القبيح والحسن وبينا أن ذلك يرجع إلى موافقة الأعراض ومخالفتها ، وهو سبحانه منزه عن الأعراض فاندفعت هذه الإشكالات وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى . الصفة الخامسة والسادسة في السمع والبصر ندعي ان صانع العالم سميع بصير ، ويدل عليه الشرع والعقل . أما الشرع فيدل عليه آيات من القرآن كثيرة كقوله ' وهو السميع البصير ' وكقول إبراهيم عليه السلام لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يعني عنك شيئا ونعلم أن الدليل غير منقلب عليه في معبوده وأنه كان يعبد سميعا بصيرا ولا يشاركه في الإلزام . فإن قيل : إنما أريد به العلم . قلنا : إنما تصرف ألفاظ الشارع عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى الأفهام إذا كان يستحيل تقديرها على الموضوع ، ولا استحالة في كونه سميعا بصيرا ، بل يجب أن يكون كذلك ، فلا معنى للتحكم بإنكار ما فهمه أهل الإجماع من القرآن .

Section V01/P136–V01/P138

فإن قيل : وجه استالته إنه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلا للحوادث ، وهو محال ، وإن كانا قديمين فكيف يسمع صوتا معدوما وكيف يرى العالم في الأزل والعالم معدوم والمعدوم لا يرى ؟ قلنا : هذا السوال يصدر عن معتزلي أو فلسفي . أما المعتزلي فدفعه هين ، فإنه سلم أنه يعلم الحادثات ، فنقول : يعلم الله الآن إن العالم كان موجودا قبل هذا فكيف علم في الأزل أنه يكون موجودا وهو بعد لم يكن موجودا ؟ فإن جز إثبات صفة تكون عند وجود العالم علما بأنه كائن ، وفعله بأنه سيكون وبعده بأنه كان وقبله بأنه سيكون ، وهو لا يتغير عبر عنه بالعلم بالعالم والعلمية ، جاز ذلك في السمع والسمعية والبصر والبصرية . وإن صدر من فلسفي فهو منكر لكونه عالما بالحادثات المعينة الداخلة في الماضي والحال والمستقبل ، فسبيلنا أن ننقل الكلام إلى العلم ونثبت عليه جواز علم قديم متعلق بالحادثات كما سنذكره ، ثم إذا ثبت ذلك في العلم قسنا عليه السمع والبصر . وأما المسلك العقلي ، فهو أن نقول : معلوم أن الخالق أكمل من المخلوق ، ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر ، والسميع أكمل ممن لا يسمع ، فيستحيل أن يثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق . وهذان أصلان يوجبان الإقرار بصحة دعوانا ففي أيهما النزاع ؟ فإن قيل : النزاع في قولكم واجب أن يكون الخالق أكمل من المخلوق . قلنا : هذا مما يجب الاعتراف به شرعا وعقلا ، والأمة والعقلاء مجمعون عليه ، فلا يصدر هذا السؤال من معتقد . ومن اتسع عقله لقبول قادر يقدر على اختراع ما هو أعلى وأشرف منه فقد انخلع عن غريزة البشرية ونطق لسانه بما ينبو عن قبوله قلبه إن كان يفهم ما يقوله ، ولهذا لا نرى عاقلا يعتقد هذا الإعتقاد . فإن قيل : النزاع في الأصل الثاني ، وقو قولكم إن البصير أكمل وإن السمع والبصر كمال . قلنا : هذا أيضا مدرك ببديهة العقل ، فإن العلم كمال والسمع والبصر كمال ثان للعلم ، فإنا بينا أنه استكمال للعلم والتخيل ، ومن علم شيئا ولم يره ثم رآه استفاد مزيد كشف وكمال فكيف يقال إن ذلك حاصل للمخلوق وليس بحاصل للخالق أو يقال إن ذلك ليس بكمال ، فإن لم يكن كمالا فهو نقص أو لا هو نقص ولا هو كمال ، وجميع هذه الأقسام محال ، فظهر ان الحق ما ذكرناه . فإن قيل : هذا يلزمكم في الإدراك الحاصل بالشم والذوق واللمس لأن فقدها نقصان ووجودها كمال في الإدراك ، فليس كمال علم من علم الرائحة ككمال علم من أدرك بالشم ، وكذلك بالذوق فأين العلم بالطعوم من إدراكها بالذوق .

Section V01/P138–V01/P141

والجواب إن المحققين من أهل الحق صرحوا بإثبات أنواع الإدراكات مع السمع والبصر والعلم الذي هو كمال في الإدراك دون الأسباب التي هي مقترنة بها في العادة من المماسة والملاقاة ، فإن ذلك محال على الله تعالى . كما جوزوا ادراك البصر من غير مقابلة بينه وبين المبصر ، وفي طرد هذا القياس دفع هذا السؤال ولا مانع منه ولكن لما لم يرد الشرع إلا بلفظ العلم والسمع والبصر فلم يمكن لنا إطلاق غيره . وأما ما هو نقصان في الإدراك فلا يجوز في حقه تعالى البتة ، فإن قيل يجر هذا إلى إثبات التلذذ والتألم ، فالخدر الذي لا يتألم بالضرب ناقص ، والعنين الذي لا يتلذذ بالجماع ناقص ، وكذا فساد الشهوة نقصان ، فينبغي أن نثبت في حقه شهوة ، قلنا هذه الأمور تدل على الحدوث وهي في أنفسها إذا بحث عنها نقصانات ، وهي محوجة إلى أمور توجب الحدوث ، فالألم نقصان ، ثم هو محوج إلى سبب هو ضرب ، والضرب مماسة تجري بين الأجسام ، واللذة ترجع إلى زوال الألم إذا حققت أو ترجع إلى درك ما هو محتاج إليه ومشتاق إليه ، والشوق والحاجة نقصان ، فالموقوف على النقصان ناقص ، ومعنى الشهوة طلب الشيء الملائم ولا طلب إلا عند فقد المطلوب ولا لذة إلا عند نيل ما ليس بموجود ، وكل ما هو ممكن وجوده لله فهو موجود فليس يفوته شيء حتى يكون بطلبه مشتهيا وبنيله ملتذا ، فلم تتصور هذه الأمور في حقه تعالى وإذا قيل إن فقد التألم والإحساس بالضرب نقصان في حق الخدر ، وإن إدراكه كمال وإن سقوط الشهوة من معدته نقصان ، وثبوتها كمال أريد به أنه كمال بالإضافة إلى ضده الذي هو مهلك في حقه ، فصار كمالا بالإضافة إلى الهلاك لأن النقصان خير من الهلاك فهو إذا ليس كمالا في ذاته بخلاف العلم وهذه الادراكات . الصفة السابعة الكلام ندعي أن صانع العالم متكلم كما أجمع عليه المسلمون ، واعلم أن من أراد إثبات الكلام بأن العقل يقضي بجواز كون الخلق مرددين تحت الأمر والنهي وكل صفة جائزة في المخلوقات تستند إلى صفة واجبة في الخالق ، فهو في شطط ، إذ يقال له : إن أردت جواز كونهم مأمورين من جهة الخلق الذين يتصور منهم الكلام ، فمسلم ، وإن أردت جوازه على العموم من الخلق والخالق فقد أخذت محل النزاع مسلما في نفس الدليل وهو غير مسلم ، ومن أراد إثبات الكلام بالإجماع أو بقول الرسول فقد سام نفسه خطة خسف لأن الإجماع يستند إلى قول الرسول عليه السلام ومن أنكر كون الباري متكلما فبالضرورة ينكر تصور الرسول ، إذ معنى الرسول المبلغ لرسالة المرسل ، فإن لم يكن للكلام متصور في حق من ادعى أنه مرسل كيف يتصور الرسول ؟ ومن قال أنا رسول الأرض أو رسول الجبل إليكم فلا يصغى إليه لاعتقادنا استحالة الكلام والرسالة من الجبل والأرض ، ولله المثل الأعلى ، ولكن من يعتقد استحالة الكلام في حق الله تعالى استحال منه أن يصدق الرسول إذ المكذب بالكلام لا بد أن يكذب بتبليغ الكلام ، والرسالة عبارة عن تبليغ الكلام ، والرسول عبارة عن المبلغ ، فلعل الأقوم منهج ثالث وهو الذي سلكناه في اثبات السمع والبصر في أن الكلام للحي أما أن يقال هو كمال أو يقال هو نقص ، أو يقال لا هو نقص ولا هو كمال ، وباطل أن يقال هو نقص أو هو لا نقص ولا كمال فثبت بالضرورة أنه كمال ، وكل كمال وجد للمخلوق فهو واجب الوجود للخالق بطريق الأولى كما سبق .

Section V01/P141–V01/P144

فإن قيل : الكلام الذي جعلتموه منشأ نظركم هو كلام الخلق ، وذلك إما أن يراد به الأصوات والحروف أو يراد به القدرة على ايجاد الأصوات والحروف في نفس القادر أو يراد به معنى ثالث سواهما ، فإن أريد به الأصوات والحروف فهي حوادث ومن الحوادث ما هي كمالات في حقنا ولكن لا يتصور قيامها في ذات الله سبحانه وتعالى ، وإن قام بغيره لم يكن هو متكلما به بل كان المتكلم به المحل الذي قام به ؛ وإن أريد به القدرة على خلق الأصوات فهو كمال ولكن المتكلم ليس متكلما باعتبار قدرته على خلق الأصوات فقط بل باعتبار خلقه للكلام في نفسه ، والله تعالى قادر على خلق الأصوات فله كمال القدرة ولكن لا يكون متكلما به إلا إذا خلق الصوت في نفسه ، وهو محال إذ يصير به محلا للحوادث فاستحال أن يكون متكلما ؛ وإن أريد بالكلام أمر ثالث فليس بمفهوم وإثبات ما لا يفهم محال . قلنا : هذا التقسيم صحيح والسؤال في جميع أقسامه معترف به إلا في إنكار القسم الثالث ، فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات بذاته وباستحالة كونه متكلما بهذا الاعتبار . ولكنا نقول الإنسان يسمى متكلما باعتبارين أحدهما بالصوت والحرف والآخر بكلام النفس الذي ليس بصوت وحرف ، وذلك كمال وهو في حق الله تعالى غير محال ، ولا هو دال على الحدوث . ونحن لا نثبت في حق الله تعالى إلا كلام النفس ، وكلام النفس لا سبيل إلى إنكاره في حق الإنسان زائدا على القدرة والصوت حتى يقول الانسان زورت البارحة في نفسي كلاما ويقال في نفس فلان كلام وهو يريد أن ينطق به ويقول الشاعر : لا يعجبنك من أثير خطه . . . حتى يكون مع الكلام أصيلا إن الكلام لفي الفؤاد وإنما . . . جعل اللسان على الفؤاد دليلا وما ينطق به الشعراء يدل على أنه من الجليات التي يشترك كافة الخلق في دركها فكيف ينكر . فإن قيل : كلام النفس بهذا التأويل معترف به ولكنه ليس خارجا عن العلوم الإدراكات وليس جنسا برأسه البتة ، ولكن ما يسميه الناس كلام النفس وحديث النفس هو العلم بنظم الألفاظ والعبارات وتأليف المعاني المعلومة على وجه مخصوص فليس في القلب إلا معاني معلومة وهي العلوم وألفاظ مسموعة هي معلومة بالسماع ، وهو أيضا علم معلوم اللفظ . وينضاف إليه تأليف المعاني والألفاظ على ترتيب . وذلك فعل يسمى فكرا وتسميه القدرة التي عنها يصدر الفعل قوة مفكرة . فإن أثبتم في النفس شيئا سوى نفس الفكر الذي هو ترتيب الألفاظ والمعاني وتأليفها ، وسوى القوة المفكرة التي هي قدرة عليا وسوى العلم بالمعاني مفترقها ومجموعها ، وسوى العلم بالألفاظ المرتبة من الحروف مفترقها ومجموعها فقد أثبتم أمرا منكرا لا نعرفه . وإيضاحه أن الكلام إما أمر أو نهي أو خبر أو استخبار . أما الخبر فلفظ يدل على علم في نفس المخبر ، فمن علم الشيء وعلم اللفظ الموضوع للدلالة على ذلك الشيء كالضرب مثلا فإنه معنى معلوم يدرك بالحس ، ولفظ الضرب الذي هو مؤلف من الضاد والراء والباء الذي وضعته العرب للدلالة على المعنى المحسوس وهي معرفة أخرى ، فكان له قدرة على اكتساب هذه الأصوات بلسانه ، وكانت له إرادة للدلالة وإرادة لاكتساب اللفظ ثم منه قوله ضرب ولم يفتقر إلى أمر زائد على هذه الأمور . فكل أمر قدرتموه سوى هذا فنحن نقدر نفيه ، ويتم مع ذلك قولك ضرب ويكون خبرا وكلاما ، وأما الاستخبار فهو دلالة على أن في النفس طلب معرفة ، وأما الأمر فهو دلالة على أن في النفس طلب فعل المأمور وعلى هذا يقاس النهي وسائر الأقسام من الكلام ولا يعقل أمر آخر خارج عن هذا وهذه الجملة ، فبعضها محال عليه كالأصوات وبعضها موجود لله كالارادة والعلم والقدرة ، وأما ما عدا هذا فغير مفهوم .

Section V01/P144–V01/P146

والجواب أن الكلام الذي نريده معنى زائد على هذه الجملة ولنذكره في قسم واحد من أقسام الكلام وهو الأمر حتى لا يطول الكلام . فنقول : قول السيد لغلامه قم ، لفظ يدل على معنى ، والمعنى المدلول عليه في نفسه هو كلام ، وليس ذلك شيئا مما ذكرتموه ، ولا حاجة إلى الإطناب في التقسيمات وإنما بتوهم رده ما أراد إلى الأمر أو إلى إرادة الدلالة ومحال أن يقال إنه إرادة الدلالة ، لأن الدلالة تستدعي مدلولا والمدلول غير الدليل وغير إرادة الدلالة ، ومحال أن يقال إنه إرادة الآمر . . لأنه قد يأمر وهو لا يريد الامتثال بل يكرهه ، كالذي يعتذر عند السلطان الهام بقتله توبيخا له على ضرب غلامه ، بأنه إنما ضربه لعصيانه ، وآيته أنه يأمره بين يدي الملك فيعصيه ، فإذا أراد الاحتجاج به وقال للغلام بين يدي الملك قم فإني عازم عليك بأمر جزم لا عذر لك فيه ولا يريد أن تقوم فهو في هذا الوقت آمر بالقيام قطعا ، وهو غير مريد للقيام قطعا ، فالطلب الذي قام بنفسه الذي دل لفظ الأمر عليه هو الكلام وهو غير إرادة القيام وهذا واضح عند المصنف . فإن قيل هذا الشخص ليس بآمر على الحقيقة ولكنه موهم أنه أمر ، قلنا : هذا باطل من وجهين : أحدهما ، أنه لو لم يكن آمرا لما تمهد عذره عند الملك ولقيل له أنت في هذا الوقت لا يتصور منك الأمر لأن الأمر هو طلب الامتثال ويستحيل أن تريد الآن الامتثال وهو سبب هلاكك ، فكيف تطمع في أن تحتج بمعصيتك لأمرك وأنت عاجز عن أمره إذ أنت عاجز عن إرادة ما فيه هلاكك وفي امتثاله هلاكك ؟ ولا شك في أنه قادر على الاحتجاج وأن حجته قائمة وممهدة لعذره ، وحجته بمعصية الأمر ، فلو تصور الأمر مع تحقق كراهة الامتثال لما تصور احتجاج السيد بذلك البتة ، وهذا قاطع في نفسه لمن تأمله . والثاني ، هو أن هذا الرجل لو حكى الواقعة للمفتيين وحلف بالطلاق الثلاث إني أمرت العبد بالقيام بين يدي الملك بعد جريان عقاب الملك فعصى ، لأفتى كل مسلم بأن طلاقه غير واقع وليس للمفتي أن يقول أنا أعلم أن يستحيل أن تريد في مثل هذا الوقت امتثال الغلام وهو سبب هلاكك ، والأمر هو إرادة الامتثال فإذا ما أمرت هذا لو قاله المفتي فهو باطل بالاتفاق ، فقد انكشف الغطاء ولاح وجود معنى هو مدلول اللفظ زائدا على ما عداه من المعاني ، ونحن نسمي ذلك كلاما وهو جنس مخالف للعلوم والإرادات والاعتقادات ، وذلك لا يستحيل ثبوته لله تعالى بل يجب ثبوته فإنه نوع كلام فإذا هو المعني بالكلام القديم . وأما الحروف فهي حادثة وهي دلالات على الكلام والدليل غير المدلول ولا يتصف بصفة المدلول ، وإن كانت دلالته ذاتية كالعالم فإنه حادث ويدل على صانع قديم فمن أين يبعد أن تدل حروف حادثة على صفة قديمة مع أن هذه دلالة بالاصطلاح ؟ ولما كان كل كلام النفس دقيقا زل عى ذهن أكثر الضعفاء فلم يثبتوا إلا حروفا وأصواتا ويتوجه لهم على هذا المذهب أسئلة واستبعادات نشير إلى بعضها ليستدل بها على طريق الدفع في غيرها .

Section V01/P146–V01/P149

الاستبعاد الأول : قول القائل كيف سمع موسى كلام الله تعالى ؛ أسمع صوتا وحرفا ؟ فإن قلتم ذلك فإذا لم يسمع كلام الله فإن كلام الله ليس بحرف ، وإن لم يسمع حرفا ولا صوتا فكيف يسمع ما ليس بحرف ولا صوت ؟ قلنا : سمع كلام الله تعالى وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس بحرف ولا صوت ، فقولكم كيف سمع كلام الله تعالى كلام من لا يفهم المطلوب من سؤال كيف ، وإنه ماذا يطلب به وبماذا يمكن جوابه فلتفهم ذلك حتى تعرف استحالة السؤال . فنقول : السمع نوع إدراك ، فقول القائل كيف سمع كقول القائل كيف أدركت بحاسة الذوق حلاوة السكر ، وهذا السؤال لا سبيل إلى شفائه إلا بوجهين أحدهما أن نسلم سكرا إلى هذا السائل حتى يذوقه ويدرك طعمه وحلاوته ، فنقول أدركت أنا كما أدركته أنت الآن وهذا هو الجواب الشافي والتعريف التام . والثاني أن يتعذر ذلك إما لفقد السكر أو لعدم الذوق في السائل للسكر ، فنقول : أدركت طعمه كما أدركت أنت حلاوة العسل فيكون هذا جوابا صوابا من وجه وخطأ من وجه . أما وجه كونه صوابا فإنه تعريف بشيء يشبه المسؤول عنه من وجه ، وإن كان لا يشبهه من كل الوجوه وهو أصل الحلاوة ، فإن طعم العسل يخالف طعم السكر وإن قاربه من بعض الوجوه وهو أصل الحلاوة ، وهذا غاية الممكن . فإن لم يكن السائل قد ذاق حلاوة شيء أصلا تعذر جوابه وتفهيم ما سأل عنه وكان كالعنين يسأل عن لذه الجماع وقط ما أدركه فيمتنع تفهيمه ، إلا أن نشبهه له الحالة التي يدركها المجامع بلذة الأكل فيكون خطأ من وجه إذ لذة الجماع والحالة التي يدركها المجامع لا تساوي الحالة التي يدركها الآكل إلا من حيث أن عموم اللذة قد شملها فإن لم يكن قد التذ بشيء قط تعذر أصل الجواب . وكذلك من قال كيف سمع كلام الله تعالى فلا يمكن شفاؤه في السؤال إلا بأن نسمعه كلام الله تعالى القديم وهو متعذر ، فإن ذلك من خصائص الكليم عليه السلام ، فنحن لا نقدر على إسماعه أو تشبيه ذلك بشيء من مسموعاته وليس في مسموعاته ما يشبه كلام الله تعالى ، فإن كل مسموعاته التي ألفها أصوات والأصوات لا تشبه ما ليس بأصوات فيتعذر تفهيمه ، بل الأصم لو سأل وقال كيف تسمعون أنتم الأصوات وهو ما سمع قط صوتا لم نقدر على جوابه ، فإنا إن قلنا كما تدرك أنت المبصرات فهو إدراك في الاذن كإدراك البصر في العين كان هذا خطأ ، فإن إدراك الأصوات لا يشبه إبصار الألوان ، فدل أن هذا السؤال محال بل لو قال القائل كيف يرى رب الأرباب في الآخرة ، كان جوابه محالا لا محالة لأنه يسأل عن كيفية ما لا كيفية له ، إذ معنى قول القائل كيف هو أي مثل أي شيء هو مما عرفناه ، فإن كان ما يسأل عنه غير مماثل لشيء مما عرفه ، كان الجواب محالا ولم يدل ذلك على عدم ذات الله تعالى ، فكذلك تعذر هذا لا يدل على عدم كلام الله تعالى بل ينبغي أن يعتقد أن كلامه سبحانه صفة قديمة ليس كمثلها شي ، كما أن ذاته ذات قديمة ليس كمثلها شيء ، وكما ترى ذاته رؤية تخالف رؤية الأجسام والأعراض ولا تشبهها فيسمع كلامه سماعا يخالف الحروف والأصوات ولا يشبهها . الاستبعاد الثاني : أن يقال كلام الله سبحانه حال في المصاحف أم لا ، فإن كان حالا فكيف حمل القديم في الحادث ؟ فإن قلتم لا ، فهو خلاف الإجماع ، إذ احترام المصحف مجمع عليه حتى حرم على المحدث مسه وليس ذلك إلا لأن فيه كلام الله تعالى .

Section V01/P149–V01/P151

فنقول : كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب مقروء بالألسنة ، وأما الكاغد والحبر والكتابة والحروف والأصوات كلها حادثة لأنها أجسام وأعراض في أجسام فكل ذلك حادث . وإن قلنا إنه مكتوب في المصحف ، أعني صفة تعالى القديم ، لم يلزم أن تكون ذات القديم في المصحف ، كما أنا إذا قلنا النار مكتوبة في الكتاب لم يلزم منه أن تكون ذات النار حالة فيه ، إذ لو حلت فيه لاحترق المصحف ، ومن تكلم بالنار فلو كانت ذات النار بلسانه لاحترق لسانه ، فالنار جسم حار وعليه دلالة هي الأصوات المقطعة تقطيعا يحصل منه النون والألف والراء ، فالحار المحرق ذات المدلول عليه لا نفس الدلالة ، فكذلك الكلام القديم القائم بذات الله تعالى هو المدلول لا ذات الدليل والحروف أدلة وللأدلة حرمة إذ جعل الشرع لها حرمة فلذلك وجب احترام المصحف لأن فيه دلالة على صفة الله تعالى . الاستبعاد الثالث : إن القرآن كلام الله تعالى أم لا ؟ فإن قلتم لا فقد خرقتم الإجماع ، وإن قلتم نعم فما هو سوى الحروف والأصوات ، ومعلوم أن قراءة القارئ هي الحروف والأصوات . فنقول : ها هنا ثلاثة ألفاظ : قراءة ، ومقروء ، وقرآن . أما المقروء فهو كلام الله تعالى ، أعني صفته القديمة القائمة بذاته ، وأما القراءة : فهي في اللسان عبارة عن فعل القارئ الذي كان ابتدأه بعد أن كان تاركا له ، ولا معنى للحادث إلا أنه ابتدأ بعد أن لم يكن ، فإن كان الخصم لا يفهم هذا من الحادث فلنترك لفظ الحادث والمخلوق ، ولكن نقول : القراءة فعل ابتدأه القارئ بعد أن لم يكن يفعله وهو محسوس . وأما القرآن ، فقد يطلق ويراد به المقروء فإن أريد به ذلك فهو قديم غير مخلوق وهو الذي أراده السلف رضوان الله عليهم بقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ، أي المقروء بالألسنة ، وإن أريد به القراءة التي هي فعل القارئ ففعل القارئ لا يسبق وجود القارئ وما لا يسبق وجود الحادث فهو حادث . وعلى الجملة : من يقول ما أحدثته باختياري من الصوت وتقطيعه وكنت ساكتا عنه قبله فهو قديم ، فلا ينبغي أن يخاطب ويكلف بل ينبغي أن يعلم المسكين أنه ليس يدري ما يقوله ، ولا هو يفهم معنى الحرف ، ولا هو يعلم معنى الحادث ، ولو علمهما لعلم أنه في نفسه إذا كان مخلوقا كان ما يصدر عنه مخلوقا ، وعلم أن القديم لا ينتقل إلى ذات حادثة . فلنترك التطويل في الجليات فإن قول القائل بسم الله إن لم تكن السين فيه بعد الباء لم يكن قرآنا بل كان خطأ ، وإذا كان بعد غيره ومتأخرا عنه فكيف يكون قديما ونحن نريد بالقديم ما لا يتأخر عن غيره أصلا .

Section V01/P151–V01/P154

الاستبعاد الرابع : قولهم : أجمعت الأمة على أن القرآن معجزة للرسول عليه السلام وأنه كلام الله تعالى ، فإنه سور وآيات ولها مقاطع ومفاتح ؟ وكيف يكون للقديم مقاطع ومفاتح ؟ وكيف ينقسم بالسور والآيات ؟ وكيف يكون القديم معجزة للرسول عليه السلام والمعجزة هي فعل خارق للعادة ؟ وكل فعل فهو مخلوق فكيف يكون كلام الله تعالى قديما ؟ قلنا : أتنكرون أن لفظ القرآن مشترك بين القراءة والمقروء أم لا ؟ فإن اعترفتم به فكل ما أورده المسلمون من وصف القرآن بما هو قديم ، كقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ، أرادوا به المقروء وكل ما وصفوه به مما لا يحتمله القديم ، ككونه سورا وآيات ولها مقاطع ومفاتح ، أرادوا به العبارات الدالة على الصفة القديمة التي هي قراءة ، وإذا صار الاسم مشتركا امتنع التناقض ، فالاجماع منعقد على أن لا قديم إلا الله تعالى ، والله تعالى يقول حتى عاد كالعرجون القديم . ولكن نقول : اسم القديم مشترك بين معنيين ، فإذا ثبت من وجه لم يستحل نفيه من وجه آخر ، فكذا يسمى القرآن وهو جواب عن كل ما يوردونه من الإطلاقات المتناقضة فإن أنكروا كونه مشتركا ، فنقول : أما إطلاقه لإرادة المقروء دل عليه كلام السلف رضي الله عنهم إن القرآن كلام الله سبحانه غير مخلوق ، مع علمهم بأنهم وأصواتهم وقراءاتهم وأفعالهم مخلوقة وأما إطلاقه لإرادة القراءة فقد قال الشاعر : ضحوا بأشمط عنوان السجود به . . . يقطع الليل تسبيحا وقرآنا يعني القراءة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن والترنم يكون بالقراءة . وقال كافة السلف : القرآن كلام الله غير مخلوق . وقالوا : القرآن معجزة ، وهي فعل الله تعالى إذ علموا أن القديم لا يكون معجزا فبان أنه اسم مشترك . ومن لم يفهم اشتراك اللفظ ظن تناقضا في هذه الاطلاقات . الاستبعاد الخامس : أن يقال : معلوم أنه لا مسموع الآن إلا الأصوات ، وكلام الله مسموع الآن بالإجماع وبدليل قوله تعالى ' وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ' فنقول : إن كان الصوت المسموع للمشرك عند الإجارة هو كلام الله تعالى القديم القائم بذاته فأي فضل لموسى عليه السلام في اختصاصه بكونه كليما لله على المشركين وهم يسمعون ؟ ولا يتصور عن هذا جواب إلا أن نقول : مسموع موسى عليه السلام صفة قديمة قائمة بالله تعالى ، ومسموع المشرك أصوات دالة على تلك الصفة . وتبين به على القطع الاشتراك إما في اسم الكلام وهو تسمية الدلالات باسم المدلولات ، فإن الكلام هو كلام النفس تحقيقا ، ولكن الألفاظ لدلالتها عليه أيضا تسمى كلاما كما تسمى علما ؛ إذ يقال سمعت علم فلان وإنما نسمع كلامه الدال على علمه . وأما في اسم المسموع فإن المفهوم المعلوم بسماع غيره قد يسمى مسموعا ، كما يقال : سمعت كلام الأمير على لسان رسوله ومعلوم أن كلام الأمير لا يقوم بلسان رسوله بل المسموع كلام الرسول الدال على كلام الأمير . فهذا ما أردنا أن نذكره في إيضاح مذهب أهل السنة في كلام النفس المعدود من الغوامض ، وبقية أحكام الكلام نذكرها عند التعرض لأحكام الصفات . القسم الثاني علاقة الصفات بالذات في أحكام الصفات عامة ما يشترك فيها أو يفترق وهي أربعة أحكام الحكم الأول : الصفات ليست الذات

Section V01/P154–V01/P156

إن الصفات السبعة التي دللنا عليها ليست هي الذات بل هي زائدة على الذات ، فصانع العالم تعالى عندنا عالم بعلم وحي بحياة وقادر بقدرة ، هكذا في جميع الصفات ، وذهبت المعتزلة والفلاسفة إلى إنكار ذلك . وقالوا : القديم ذات واحدة قديمة ولا يجوز إثبات ذوات قديمة متعددة ، وإنما الدليل يدل على كونه عالما قادرا حيا لا على العلم والقدرة والحياة . ولنعين العلم من الصفات حتى لا نحتاج إلى تكرير جميع الصفات ، وزعموا أن العلمية حال للذات وليست بصفة ، لكن المعتزلة ناقضوا في صفتين إذ قالوا إنه مريد بإرادة زائدة على الذات ومتكلم بكلام هو زائد على الذات ، إلا أن الإرادة يخلقها في غير محل والكلام يخلقه في جسم جماد ويكون هو المتكلم به . والفلاسفة طردوا قياسهم في الإرادة . وأما الكلام فإنهم قالوا إنه متكلم بمعنى أنه يخلق في ذات النبي عليه السلام سماع أصوات منظومة ، إما في النوم وإما في اليقظة ، ولا يكون لتلك الأصوات وجود من خارج البتة ، بل في سمع النبي ، كما يرى النائم أشخاصا لا وجود لها ، ولكن تحدث صورها في دماغه ، وكذلك يسمع أصواتا لا وجود لها حتى أن الحاضر عند النائم لا يسمع ، والنائم قد يسمع ، ويهوله الصوت الهائل ويزعجه وينتبه خائفا مذعورا . وزعموا أن النبي إذا كان عالي الرتبة في النبوة ينتهي صفاء نفسه إلى أن يرى في اليقظة صورا عجيبة ويسمع منها أصواتا منظومة فيحفظها ، ومن حواليه لا يرون ولا يسمعون . وهذا المعني عندهم برؤيه الملائكة وسماع القرآن منهم ، ومن ليس في الدرجة العالية في النبوة فلا يرى ذلك إلا في المنام . فهذا تفصيل مذاهب الضلال ، والغرض إثبات الصفات والبرهان القاطع هو أن من ساعد على أنه تعالى عالم فقد ساعد على أن له علما ، فإن المفهوم من قولنا عالم ومن له علم واحد ، فإن العاقل يعقل ذاتا ويعقلها على حالة وصفة بعد ذلك ، فيكون قد عقل صفة وموصوفا والصفة علم مثلا . وله عبارتان : إحداهما طويلة وهي أن نقول هذه الذات قد قام بها علم والأخرى وجيزة أوجزت بالتصريف والاشتقاق . وهي أن الذات عالمة كما نشاهد الانسان شخصا ونشاهد نعلا ونشاهد دخول رجله في النعل ، فله عبارة طويلة وهو أن نقول هذا الشخص رجله داخلة في نعله أو نقول هو منتعل ولا معنى لكونه منتعلا إلا أنه ذو نعل وما يظن من أن قيام العلم بالذات يوجب للذات حالة تسمى عالمية ، هوس محض ، بل العلم هي الحالة ، فلا معنى لكونه عالما إلا كون الذات على صفة وحال تلك الصفة الحال وهي العلم فقط ، ولكن من يأخذ المعاني من الألفاظ فلا بد أن يغلط . فإذا تكررت الألفاظ بالاشتقاقات فاشتقاق صفة العالم من لفظ العلم أورث هذا الغلط ، فلا ينبغي أن يغتر به . وبهذا يبطل جميع ما قيل وطول من العلة والمعلول وبطلان ذلك جلي بأول العقل لمن لم يتكرر على سمعه ترديد تلك الألفاظ ، ومن علق ذلك بفهمه فلا يمكن نزعه منه إلا بكلام طويل لا يحتمله هذا المختصر . والحاصل هو أنا نقول للفلاسفة والمعتزلة : هل المفهوم من قولنا عالم عين المفهوم من قولنا موجودا وفيه إشارة إلى وجود وزيادة . فإن قالوا لا ، فإذا كل من قال هو موجود عالم ، كأنه قال هو موجود وهذا ظاهر الاستحالة ، وإذا كان في مفهومه زيادة فتلك الزيادة هل هي مختصة بذات الموجود أم لا ؟

Section V01/P156–V01/P157

فإن قالوا لا فهو محال إذ يخرج به عن أن يكون وصفا له وإن كان مختصا بذاته فنحن لا نعني بالعلم إلا ذلك وهي الزيادة المختصة بالذات الموجودة الزائدة على الوجود التي يحسن أن يشتق للموجود بسببه منه اسم العالم ، فقد ساعدتم على المعنى وعاد النزاع إلى اللفظ ، وإن أردت إيراده على الفلاسفة قلت : مفهوم قولنا قادر مفهوم قولنا عالم أم غيره ؟ فإن كان هو ذلك بعينه فكأنا قلنا قادر قادر ، فإنه تكرار محض ، وإن كان غيره فإذا هو المراد فقد أثبتم مفهومين أحدهما يعبر عنه بالقدرة والآخر بالعلم ورجع الإنكار إلى اللفظ .

Section V01/P157–V01/P160

فإن قيل : قولكم أمر مفهومه عين المفهوم من قولكم آمر وناه ومخبر أو غيره ، فإن كان عينه فهو تكرار محض ، وإن كان غيره فليكن له كلام هو أمر وآخر هو نهي وآخر هو خبر . وليكن خطاب كل شيء مفارقا لخطاب غيره . وكذلك مفهوم قولكم إنه عالم بالأعراض أهو عين مفهوم قولكم إنه عالم بالجواهر أو غيره ؟ فإن كان عينه فليكن الإنسان العالم بالجوهر عالما بالعرض بعين ذلك العلم ، حتى يتعلق علم واحد بمتعلقات مختلفة لا نهاية لها ، وإن كان غيره فليكن لله علوم مختلفة لا نهاية لها وكذلك الكلام والقدرة والإرادة وكل صفة لا نهاية لمتعلقاتها ينبغي أن لا يكون لأعداد تلك الصفة نهاية ، وهذا محال ، فإن جاز أن تكون صفة واحدة تكون هي الأمر وهي النهي وهي الخبر وتنوب عن هذه المختلفات جاز أن تكون صفة واحدة تنوب عن العلم والقدرة والحياة وسائر الصفات . ثم إذا جاز ذلك جاز أن تكون الذات بنفسها كافية ويكون فيها معنى القدرة والعلم وسائر الصفات من غير زيادة وعند ذلك يلزم مذهب المعتزلة والفلاسفة . والجواب أن نقول : هذا السؤال يحرك قطبا عظيما من اشكالات الصفات ولا يليق حلها بالمختصرات . ولكن إذا سبق القلم إلى إيراده فلنرمز إلى مبدأ الطريق في حله ، وقد كع عنه أكثر المحصلين وعدلوا إلى التمسك بالكتاب والإجماع ، وقالوا هذه الصفات قد ورد الشرع بها ، إذ دل الشرع على العلم وفهم منه الواحد لا محالة والزائد على الواحد لم يرد فلا يعتقده . وهذا لا يكاد يشفي فإنه قد ورد بالأمر والنهي والخبر والتوراة والإنجيل والقرآن فما المانع من أن يقال : الأمر غير النهي والقرآن غير التوراة وقد ورد بأنه تعالى يعلم السر والعلانية والظاهر والباطن والرطب واليابس وهلم جرا إلى ما يشتمل القرآن عليه . . فلعل الجواب ما نشير إلى مطلع تحقيقه وهو أن كل فريق من العقلاء مضطر إلى أن يعترف بأن الدليل قد دل على أمر زائد على وجود ذات الصانع سبحانه ، وهو الذي يعبر عنه بأنه عالم وقادر وغيره . والاحتمالات فيه ثلاثة : طرفان وواسطة ، والاقتصاد أقرب إلى السداد . أما الطرفان فأحدهما في التفريط وهو الاقتصار على ذات واحدة تؤدي جميع هذه المعاني وتنوب عنها كما قالت الفلاسفة . والثاني طرف الإفراط وهو إثبات صفة لا نهاية لآحادها من العلوم والكلام والقدرة ، وذلك بحسب عدد متعلقات هذه الصفات ؛ وهذا إسراف لا صائر إليه إلا بعض المعتزلة وبعض الكرامية . والرأي الثالث هو القصد والوسط . وهو أن يقال : المختلفات لاختلافها درجات في التقارب والتباعد ؛ فرب شيين مختلفين بذاتيهما كاختلاف الحركة والسكون واختلاف القدرة والعلم الجوهر والعرض ، ورب شيئين يدخلان تحت حد وحقيقة واحدة ولا يختلفان لذاتيهما وإنما يكون الاختلاف فيهما من جهة تغاير التعلق ؛ فليس الاختلاف بين القدرة والعلم كالاختلاف بين العلم بسواد والعلم بسواد آخر أو بياض آخر ، ولذلك إذ حددت العلم تجد دخل فيه العلم بالمعلومات كلها ، فنقول : الاقتصاد في الإعتقاد أن يقال : كل اختلاف يرجع إلى تباين الذوات بأنفسها فلا يمكن أن يكفي الواحد منها ، وينوب عن المختلفات . فوجب أن يكون العلم غير القدرة وكذلك الحياة وكذا الصفات السبعة ، وأن تكون الصفات غير الذات من حيث أن المباينة بين الذات الموصوفة وبين الصفة أشد من المباينة بين الصفتين . وأما العلم بالشيء فلا يخالف العلم بغيره إلا من جهة تعلقه بالمتعلق ، فلا يبعد أن تتميز الصفة القديمة بهذه الخاصية وهو أن لا يوجب تباين المتعلقات فيها تباينا وتعددا . فإن قيل فليس في هذا قع دابر الإشكال ، لأنك إذ اعترفت باختلاف ما بسبب اختلاف المتعلق ، فالإشكال قائم ، فما لك وللنظر في سبب الاختلاف بعد وجود الاختلاف . .

Section V01/P160–V01/P163

فأقول : غاية الناصر لمذهب معين أن يظهر على القطع ترجيح اعتقاده على اعتقاد غيره ، وقد حصل هذا على القطع ، إذ لا طريق إلا واحد من هذه الثلاث ، أو اختراع رابع لا يعقل . وهذا الواحد إذا قوبل بطرفيه المتقابلين له علم على القطع رجحانه ، وإذ لم يكن بد من اعتقاد ولا معتقد إلا هذه الثلاث ، وهذا أقرب الثلاث ، فيجب اعتقاده وإن بقي ما يحبك في الصدر من اشكال يلزم على هذا . واللازم على غيره أعظم منه وتعليل الإشكال ممكن إما قطعه بالكلية والمنظور فيه هي الصفات القديمة المتعالية عن افهام الخلق فهو أمر ممتنع إلا بتطويل لا يحتمله الكتاب ، هذا هو الكلام العام . وأما المعتزلة فإنا نخصهم بالاستفراق بين القدرة والإرادة . ونقول لو جاز أن يكون قادرا بغير قدرة جاز أن يكون مريدا بغير إرادة ولا فرقان بينهما . فإن قيل : هو قادر لنفسه فلذلك كان قادرا على جميع المقدورات ولو كان مريدا لنفسه لكان مريدا لجملة المرادات ، وهو محال ، لأن المتضادات يمكن إرادتها على البدل لا على الجمع ، وأما القدرة فيجوز أن تتعلق بالضدين . والجواب أن نقول : قولوا إنه مريد لنفسه ثم يختص ببعض الحادثات المرادات كما قلتم قادر لنفسه ولا تتعلق قدرته إلا ببعض الحادثات ، فإن جملة أفعال الحيوانات والمتولدات خارجة عن قدرته وإرادته جميعا عندكم ، فإذا جاز ذلك في القدرة جاز في الإرادة أيضا . وأما الفلاسفة فإنهم ناقضوا في الكلام وهو باطل من وجهين . أحدهما قولهم إن الله تعالى متكلم مع انهم لا يثبتون كلام النفس ولا يثبتون الأصوات في الوجود ، وإنما يثبتون سماع الصوت بالحلق في اذن النبي من غير صوت من خارج . ولو جاز أن يكون ذلك بما يحدث في دماغ غيره موصوفا بأنه متكلم لجاز أن يكون موصوفا بأنه مصوت ومتحرك لوجود الصوت والحركة في غيره ، وذلك محال ، والثاني أن ما ذكروه رد للشرع كله ؛ فإن ما يدركه النائم خيال لا حقيقة له ، فإذا رددت معرفة النبي لكلام الله تعالى إلى التخيل الذي يشبه اضغاث أحلام فلا يثق به النبي ولا يكون ذلك علما . وبالجملة هؤلاء لا يعتقدون الدين والاسلام وإنما يتجملون بإطلاق عبارات احتراز من السيف والكلام معهم في أصل الفعل ، وحدث العالم والقدرة فلا تشتغل معهم بهذه التفصيلات . فإن قيل أفتقولون إن صفات الله تعالى غير الله تعالى ؟ قلنا : هذا خطأ فإنا إذا قلنا الله تعالى ، فقد دللنا به على الذات مع الصفات لا على الذات بمجردها ، إذ اسم الله تعالى لا يصدق على ذات قد أخلوها عن صفات الالهية ، كما لا يقال الفقه غير الفقيه ويد زيد غير زيد ويد النجار غير النجار ، لأن بعض الداخل في الاسم لا يكون عين الداخل في الاسم ، فيد زيد ليس هو زيد ولا هو غير زيد بل كلا اللفظين محال ، وهكذا كل بعض فليس غير الكل ولا هو بعينه الكل ، فلو قيل الفقه غير الانسان فهو تجوز ولا يجوز أن يقال غير الفقيه ، فإن الانسان لا يدل على صفة الفقه ، فلا جرم يجوز أن يقال الصفة غير الذات التي تقوم بها الصفة ، كما يقال العرض القائم بالجوهر هو غير الجوهر على معنى ان مفهوم اسمه غير مفهوم اسم الآخر ، وهذا حصر جائز بشرطين : أحدهما ، أن لا يمنع الشرع من اطلاقه ، وهذا مختص بالله تعالى ، والثاني ، أن لا يفهم من الغير ما يجوز وجوده دون الذي هو غيره بالإضافات إليه ، فإنه إن فهم ذلك لم يمكن أن يقال سواد زيد غير زيد ، لأنه لا يوجد دون زيد ، قد انكشف بهذا ما هو حظ المعنى وما هو حظ اللفظ فلا معنى للتطويل في الجليات . الحكم الثاني : الصفات قائمة بالذات

Section V01/P163–V01/P166

ندعي أن هذه الصفات كلها قائمة بذاته لا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته ، سواء كان في محل أو لم يكن في محل . وأما المعتزلة فإنهم حكموا بأن الإرادة لا تقوم بذاته تعالى ، فإنها حادثة وليس هو محلا للحوادث ، ولا يقوم بمحل آخر لأنه يؤدي إلى أن يكون ذلك المحل هو المريد به ، فهي توجد لا في محل ، وزعموا أن الكلام لا يقوم بذاته لأنه حادث ولكن يقوم بجسم هو جماد حتى لا يكون هو المتكلم به ، بل المتكلم به هو الله سبحانه ، أما البرهان على أن الصفات ينبغي أن تقوم بالذات فهو عند من فهم ما قدمناه مستغنى عنه ، فإن الدليل لما دل على وجود الصانع سبحانه دل بعده على أن الصانع تعالى بصفة كذا ولا نعني بأنه تعالى على صفة كذا ، إلا أنه تعالى على تلك الصفة ، ولا فرق بين كونه على تلك الصفة وبين قيام الصفة بذاته . وقد بينا أن مفهوم قولنا عالم واحد وبذاته تعالى علم واحد ، كمفهوم قولنا مريد ، وقامت بذاته تعالى إرادة واحدة ، ومفهوم قولنا لم تقم بذاته إرادة وليس بمريد واحد . فتسميته الذات مريدة بإرادة لم تقم به كتسميته متحركا بحركة لم تقم به . وإذا لم تقم الارادة بة فسواء كانت موجودة أو معدومة فقول القائل إنه مريد لفظ خطأ ، لا معنى له ، وهكذا المتكلم ، فإنه متكلم باعتبار كونه محلا للكلام ، إذ لا فرق بين قولنا هو متكلم وبين قولنا قام الكلام به ، ولا فرق بين قولنا ليس بمتكلم وقولنا لم يقم بذاته كلام ، كما في كونه مصوتا ومتحركا . فإن صدق على الله تعالى قولنا لم يقم بذاته كلام صدق قولنا ليس بمتكلم لأنهما عبارتان عن معنى واحد . والعجب من قولهم إن الإرادة توجد لا في محل ، فإن جاز وجود صفة من الصفات لا في محل فليجز وجود العلم والقدرة والسواد والحركة ، بل الكلام فلم قالوا يخلق الأصوات في محل فلتخلق في غير محل . وإن لم يعقل الصوت إلا في محل لأنه عرض وصفة فكذا الارادة . ولو عكس هذا لقيل إنه خلق كلاما لا في محل وخلق إرادة في محل لكان العكس كالطرد . ولكن لما كان أول المخلوقات يحتاج إلى الإرادة ، والمحل مخلوق ، لم يمكنهم تقدير محل الارادة موجودا قبل الإرادة ؛ فإنه لا محل قبل الإرادة إلا ذات الله تعالى ولم يجعلوه محلا للحوادث . ومن جعله محلا للحوادث أقرب حال منهم فإن استحالة وجود إرادة في غير محل ، واستحالة كونه مريدا بإرادة لا تقوم به ، واستحالة حدوث إرادة حادثة به بلا إرادة تدرك ببديهة العقل أو نظره الجلي فهذه ثلاثة استحالات جلية . واما استحالة كونه محلا للحوادث فلا يدرك إلا بنظر دقيق كما سنذكر . الحكم الثالث الصفات القديمة إن الصفات كلها قديمة ، فإنها إن كانت حادثة كان القديم سبحانه محلا للحوادث ، وهو محال . أو كان يتصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة ، كما سبق ، ولم يذهب أحد إلى حدوث الحياة والقدرة وإنما اعتقدوا ذلك في العلم بالحوادث وفي الإرادة وفي الكلام ونحن نستدل على استحالة كونه محلا للحوادث من ثلاثة أوجه : الدليل الأول : إن كل حادث فهو جائز الوجود ، والقديم الأزلي واجب الوجود ، ولو تطرق الجواز إلى صفاته لكان ذلك مناقضا لوجوب وجوده فإن الجواز والوجوب يتناقضان . فكل ما هو واجب الذات فمن المحال أن يكون جائز الصفات وهذا واضح بنفسه .

Section V01/P166–V01/P167

الدليل الثاني : وهو الأقوى ، أنه لو قدر حلول حادث بذاته لكان لا يخلو إما أن يرتقي الوهم إلى حادث يستحيل قبله حادث ، أو لا يرتقي إليه ، بل كان حادث ، فيجوز أن يكون قبله حادث ، فإن لم يرتق الوهم إليه لزم جواز اتصافه بالحوادث أبدا ، ولزم منه حوادث لا أول لها . وقد قام الدليل على استحالته . وهذا القسم ما ذهب إليه أحد من العقلاء وإن ارتقى الوهم إلى حادث استحال قبله حدوث حادث فتلك الاستحالة لقبول الحادث في ذاته ، لا تخلو إما أن تكون لذاته أو لزائد عليه . وباطل أن يكون لزائد عليه ، فإن كل زائد يفرض ممكن تقدير عدمه ، فيلزم منه تواصل الحوادث أبدا وهو محال ، فلم يبق إلا أن استحالته من حيث أن واجب الوجود يكون على صفة يستحيل معها قبول الحوادث لذاته . فإذا كان ذلك مستحيلا في ذاته أزلا . فإن ذلك يبقى فيما لا يزال لأنه لذاته لا يقبل اللون باتفاق العقلاء . ولم يجز أن تتغير تلك الاستحالة إلى الجواز فكذلك سائر الحوادث . فإن قيل : هذا يبطل يحدث العالم ، فإنه كان ممكنا قبل حدوثه ولم يكن الوهم يرتقي إلى وقت يستحيل حدوثه قبله ومع ذلك يستحيل حدوثه أزلا ولم يستحل على الجملة حدوثه . قلنا هذا الإلزام فاسد ؛ فإنا لم نحل إثبات ذات تنبو عن قبول حادث لكونها واجبة الوجود ، ثم تتقلب إلى جواز قبول الحوادث . والعالم ليس له ذات قبل الحدوث موصوفة بأنها قابلة للحدوث أو غير قابلة حتى ينقلب إلى قبول جواز الحدوث ، فيلزم ذلك على مساق دليلنا ، نعم ، يلزم ذلك المعتزلة حيث قالوا للعالم ذات في العدم قديمة ، قابلة للحدوث ، يطرأ عليها الحدوث بعد أن لم يكن ، فأما على أصلنا فغير لازم ، وإنما الذي نقوله في العالم أنه فعل وقدم الفعل محال ، لأن القديم لا يكون فعلا .

Section V01/P167–V01/P170

الدليل الثالث : هو أنا نقول : إذا قدرنا قيام حادث بذاته فهو قبل ذلك إما أن يتصف بضد ذلك الحادث أو بالانفكاك عن ذلك الحادث . وذلك الضد أو ذلك الانفكاك إن كان قديما استحال بطلانه وزواله لأن القديم لا يعدم وإن كان حادثا كان قبله حادث لا محالة ، وكذا قبل ذلك الحادث حادث يؤدي إلى حوادث لا أول لها وهو محال ، ويتضح ذلك بأن تفرض في صفة معينة كالكلام مثلا ، فإن الكرامية قالوا إنه في الأزل متكلم ، على معنى أنه قادر على خلق الكلام في ذاته . ومهما أحدث شيئا في غير ذاته أحدث في ذاته قوله كن ولا بد أن يكون قبل إحداث هذا القول ساكتا ، ويكون سكوته قديما . وإذا قال جهم أنه يحدث في ذاته علما فلا بد أن يكون قبله غافلا وتكون غفلته قديمة . فنقول : السكوت القديم والغفلة القديمة يستحيل بطلانهما لما سبق من الدليل على استحالة عدم القديم . فإن قيل السكوت ليس بشيء إنما يرجع إلى عدم الكلام ، والغفلة ترجع إلى عدم العلم والجهل وأضداده ، فإذا وجد الكلام لم يبطل شيء إذ لم يكن شيء إلا الذات القديمة ، وهي باقية ، ولكن انضاف إليها موجود آخر وهو الكلام والعلم . فأما أن يقال : انعدم شيء فلان ويتنزل ذلك منزلة وجود العالم ، فإنه يبطل العدم القديم ولكن العدم ليس بشيء حتى يوصف بالقدم ويقدر بطلانه . والواجب من وجهين أحدهما أن قول القائل السكوت هو عدم الكلام وليس بصفة والغفلة عدم العلم وليست بصفة ، كقوله البياض هو عدم السواد وسائر الألوان وليس بلون . والسكون هو عدم الحركة وليس بعرض ، وذلك محال . والدليل الذي دل على استحالته بعينه يدل على استحالة هذا ، والخصوم في هذه المسألة معترفون بأن السكون وصف زائد على عدم الحركة ، فإن كل من يدعي أن السكون هو عدم الحركة لا يقدر على اثبات حدوث العالم . فظهور الحركة بعد السكون إذا دل على حدوث المتحرك ، فكذلك ظهور الكلام بعد السكوت يدل على حدوث المتكلم ، من غير فرق . إذ المسلك الذي به يعرف كون السكون معنى هو مضاد للحركة بعينه يعرف به كون السكوت معنى يضاد الكلام ، وكون الغفلة معنى يضاد العلم ، وهو أنا إذا أدركنا تفرقة بين حالتي الذات الساكنة والمتحركة فإن الذات مدركة على الحالتين . والتفرقة مدركة بين الحالتين ولا نرجع التفرقة إلى زوال أمر وحدوث أمر فإن الشيء لا يفارق نفسه ، فدل ذلك على أن كل قابل للشيء فلا يخلو عنه ، أو عن ضده وهذا مطرد في الكلام ، وفي العلم . ولا يلزم على هذا الفرق بين وجود العلم وعدمه ، فإن ذلك لا يوجب ذاتين . فإنه لم تدرك في الحالتين ذات واحدة يطرأ عليها الوجود بل لا ذات للعالم قبل الحدوث ، والقديم ذات قبل حدوث الكلام ، علم على وجه مخالف للوجه الذي علم عليه بعد حدوث الكلام ، يعبر عن ذلك الوجه بالسكوت وعن هذا بالكلام ، فهما وجهان مختلفان أدركت عليهما ذات مستمرة الوجود في الحالتين وللذات هيئة وصفة وحالة بكونه ساكتا ، كما أن له هيئة بكونه متكلما ، وكما له هيئة بكونه ساكتا ومتحركا وأبيض وأسود وهذه الموازنة مطابقة لا مخرج منها . الوجه الثاني في الانفصال هو أن يسلم أيضا أن السكوت ليس بمعنى ، وإنما يرجع ذلك إلى ذات منفكة عن الكلام ، فالانفكاك عن الكلام حال للمنفك لا محالة ينعدم بطريان الكلام ، فحال الانفكاك تسمى عدما أو وجودا أو صفة أو هيئة ، فقد انتفى الكلام والمنتفي قديم .

Section V01/P170–V01/P171

وقد ذكرنا أن القديم لا ينتفي سواء كان ذاتا أو حالا أو صفة ، وليست الاستحالة لكونه ذاتا فقط بل لكونه قديما ، ولا يلزم عدم العالم ، فإنه انتفى مع القديم لأن عدم العالم ليس بذات ولا حصل منه حال لذات حتى يقدر تغيرها وتبدلها على الذات والفرق بينهما ظاهر . فإن قيل الأعراض كثيرة والخصم لا يدعي كون الباري محل حدوث شيء منها كالألوان والآلام واللذات وغيرها ، وإنما الكلام في الصفات السبعة التي ذكرتموها ولا نزاع من جملتها في الحياة والقدرة ، وإنما النزاع في ثلاثة : في القدرة والإرادة والعلم ، وفي معنى العلم السمع والبصر عند من يثبتهما . وهذه الصفات الثلاثة لا بد أن تكون حادثة ، ثم يستحيل أن تقوم بغيره ، لأنه لا يكون متصفا بها فيجب أن تقوم بذاته فيلزم منه كونه محلا للحوادث .

Section V01/P171–V01/P173

أما العلم بالحوادث فقد ذهب جهم إلى أنها علوم حادثة وذلك لأن الله تعالى الآن عالم بأن العالم كان قد وجد قبل هذا ، وهو في الأزل إن كان عالما بأنه كان قد وجد كان هذا جهلا لا علما ، وإذا لم يكن عالما بأنه قد وجد كان جهلا لا علما ، وإذا لم يكن عالما وهو الآن عالم فقد ظهر حدوث العلم بأن العالم كان قد وجد قبل هذا . وهكذا القول في كل حادث . وأما الإرادة فلا بد من حدوثها فإنها لو كانت قديمة لكان المراد معها . فإن القدرة والارادة مهما تمتا وارتفعت العوائق منها وجب حصول المراد ، فكيف يتأخر المراد عن الإرادة والقدرة من غير عائق ؟ فلهذا قالت المعتزلة بحدوث إرادة في غير محل وقالت الكرامية بحدوثها في ذاته وربما عبروا عنه بأنه يخلق ايجادا في ذاته عند وجود كل موجود وهذا راجع إلى الارادة . وأما الكلام فكيف يكون قديما وفيه إخبار عما مضى ، فكيف قال في الأزل ' إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ' ولم يكن قد خلق نوحا بعد ، وكيف قال في الأزل لموسى ' فاخلع نعليك ' ولم يخلق بعد موسى ، فكيف أمر ونهى من غير مأمور ولا منهي . وإذا كان ذلك محالا ثم علم بالضرورة أنه آمر وناه ، واستحال ذلك في القدم ، علم قطعا أنه صار آمرا ناهيا بعد أن لم يكن ، فلا معنى لكونه محلا للحوادث إلا هذا . والجواب أنا نقول : مهما حللنا الشبهة في هذه الصفات الثلاثة انتهض منه دليل مستقل على إبطال كونه محلا للحوادث ، إذ لم يذهب إليه ذاهب إلا بسبب هذه الشبهة ، وإذا انكشف كان القول بها باطلا كالقول بأنه محل للألوان وغيرها مما لا يدل دليل على الاتصاف بها . فنقول : الباري تعالى في الأزل علم بوجود العالم في وقت وجوده وهذا العلم صفة واحدة مقتضاها في الأزل العلم بأن العالم يكون من بعد ، وعند الوجود العلم بأنه كائن وبعده العلم بأنه كان ، وهذه الأحوال تتعاقب على العالم ويكون مكشوفا لله تعالى تلك الصفة وهي لم تتغير . وإنما المتغير أحوال العالم ، وإيضاحه بمثال وهو أنا إذا فرضنا للواحد منا علما بقدوم زيد عند طلوع الشمس وحصل له هذا العلم قبل طلوع الشمس ولم ينعدم بل بقي ولم يخلق له علم آخر عند طلوع الشمس فما حال هذا الشخص عند الطلوع ، . أيكون عالما بقدوم زيد أو غير عالم ؟ ومحال أن يكون غير عالم لأنه قدر بقاء العلم بالقدوم عند الطلوع ، وقد علم الآن الطلوع فيلزمه بالضرورة أن يكون عالما بالقدوم ، فلو دام عند انقضاء الطلوع فلا بد أن يكون عالما بأن كان قد قدم والعلم الواحد أفاد الاحاطة بأنه سيكون وإنه كائن وأنه قد كان فهكذا ينبغي أن يفهم علم الله القديم الموجب بالاحاطة بالحوادث ، وعلى هذا ينبغي أن يقال السمع والبصر ، فإن كل واحد منهما صفة يتصف بها المرئي والمسموع عند الوجود من غير حدوث تلك الصفة ولا حدوث أمر فيها ، وإنما الحادث المسموع والمرئي . والدليل القاطع على هذا هو أن الاختلاف بين الأحوال شيء واحد في انقسامه إلى الذي كان ويكون وهو كائن لا يزيد على الاختلاف بين الذوات المختلفة . ومعلوم أن العلم لا يتعدد بتعدد الذوات فكيف يتعدد بتعدد أحوال ذات واحدة .

Section V01/P173–V01/P176

وإذا كان علم واحد يفيد الإحاطة بذوات مختلفة متباينة فمن أين يستحيل أن يكون علم واحد يفيد إحاطة بأحوال ذات واحدة بالاضافة إلى الماضي والمستقبل ، ولا شك أن جهما ينفي النهاية عن معلومات الله تعالى ثم لا يثبت علوما لا نهاية لها فيلزمه أن يعترف بعلم واحد يتعلق بمعلومات مختلفة فكيف يستبعد ذلك في أحوال معلوم واحد يحققه أنه لو حدث له علم بكل حادث لكان ذلك العلم لا يخلو إما أن يكون معلوما أو غير معلوم ، فإن لم يكن معلوما فهو محال ، لأنه حادث ، وإن جاز حادث لا يعلمه مع أنه في ذاته أولى بأن يكون متضحا له فبان يجوز ألا يعلم الحوادث المباينة لذاته أولى ، وإن كان معلوما فإما أن يفتقر إلى علم آخر وكذلك العلم يفتقر إلى علوم أخر لا نهاية لها ، وذلك محال . وإما أن يعلم الحادث والعلم بالحادث نفس ذلك العلم فتكون ذات العلم واحدة ولها معلومان : أحدهما ذات ، والآخر ذات الحادث ، فيلزم منه لا محالة تجويز علم واحد يتعلق بمعلومين مختلفين فكيف لا يجوز علم واحد يتعلق بأحوال معلوم واحد مع اتحاد العلم وتنزهه عن التغير ، وهذا لا مخرج منه ؛ فأما الإرادة فقد ذكرنا أن حدوثها بغير إرادة أخرى محال ، وحدوثها بإرادة بتسلسل إلى غير نهاية ، وإن تعلق الإرادة القديمة بالأحداث غير محال . ويستحيل أن تتعلق الإرادة بالقديم فلم يكن العالم قديما لأن الإرادة تعلقت باحداثه لا بوجوده في القدم . وقد سبق إيضاح ذلك . وكذلك الكرامي إذا قال يحدث في ذاته إيجادا في حال حدوث العالم بذلك يحصل حدوث العالم في ذلك الوقت ، فيحتاج إلى مخصص آخر فيلزمهم في الإيجاد ما لزم المعتزلة في الإرادة الحادثة ، ومن قال منهم إن ذلك الإيجاد هو قوله كن ، وهو صوت ، فهو محال من ثلاثة أوجه ، أحدها : استحالة قيام الصوت بذاته ، والآخر : أن قوله كن حادث أيضا ، فإن حدث من غير أن يقول له كن فليحدث العالم من غير أن يقال له كن ، فإن افتقر قوله كن في أن يكون ، إلى قول آخر ، افتقر القول الآخر إلى ثالث ، والثالث إلى رابع ، ويتسلسل إلى غير نهاية . ثم لا ينبغي أن يناظر من انتهى عقله إلى أن يقول يحدث في ذاته بعدد كل حادث في كل وقت ، قوله كن فيجتمع آلاف آلاف أصوات في كل لحظة . ومعلوم أن النون والكاف لا يمكن النطق بهما في وقت واحد بل ينبغي أن تكون النون بعد الكاف لأن الجمع بين الحرفين محال وإن جمع ولم يرتب لم يكن قولا مفهوما ولا كلاما ، وكما يستحيل الجمع بين حرفين مختلفين فكذلك بين حرفين متماثلين ، ولا يعقل في أوان ألف ألف كاف كما لا يعقل الكاف والنون فهؤلاء حقهم أن يسترزقوا الله عقلا وهو أهم لهم من الاشتغال بالنظر . والثالث : أن قوله كن خطاب مع العالم في حالة العدم أو في حالة الوجود ، فإن كان في حالة العدم فالمعدوم لا يفهم الخطاب ، فكيف يمتثل بأن يتكون بقوله كن ؟ وإن كان في حالة الوجود فالكائن كيف يقال له كن ؟ فانظر ماذا يفعل الله تعالى بمن ضل عن سبيله فقد انتهى ركاكة عقله إلى أن لا يفهم المعني بقوله تعالى ' إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ' وأنه كناية عن نفاذ القدرة وكمالها حتى انجر بهم إلى هذه المخازي ، نعوذ بالله من الخزي والفضيحة يوم الفزع الأكبر يوم تكشف الضمائر وتبلى السرائر فيكشف إذ ذاك ستر الله عن خبائث الجهال ، ويقال للجاهل الذي اعتقد في الله تعالى وفي صفاته غير الرأي السديد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد .

Questions