Gazâlî — Kavâidü'l-Akâid
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وقول الله عز وجل أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا وقوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ويدل عليه من جهة العقل إن المعاصي والجرائم إن كان الله يكرهها ولا يريدها وإنما هي جارية على وفق إرادة العدو إبليس لعنه الله مع أنه عدو الله سبحانه والجاري على وفق إرادة العدو وأكثر من الجاري على وفق إرادته تعالى فليت شعري كيف يستجيز المسلم أن يرد مالك الجبار ذي الجلال والإكرام إلى رتبة لوردت إليها رياسة زعيم ضيعة لاستنكف منها إذ لو كان ما يستمر لعدو الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من زعامته وتبرأ عن ولايته والمعصية هي الغالبة على الخلق وكل ذلك جار عند المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى وهذا غاية الضعف والعجز تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علوا كبيرا ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة لله صح إنها مرادة له فإن قيل فكيف ينهي عما يريد ويأمر بما لا يريد قلنا الأمر غير الإرادة ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السلطان فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل ويخالفه بين يديه فقال له اسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان فهو يأمره بما لا يريد إمتثاله ولو لم يكن آمرا لما كان عذره عند السلطان ممهدا ولو كان مريدا لإمتثاله لكان مريدا لهلاك نفسه وهو محال الأصل الرابع أن الله تعالى متفضل بالخلق والإختراع ومتطول بتكليف العباد ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه وقالت المعتزلة وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد وهو محال إذ هو الموجب والآمر والناهي وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب والمراد بالواجب أحد أمرين أما الفعل الذي في تركه ضرر أما آجل كما يقال يجب على العبد أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار أو ضرر عاجل كما يقال يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت وأما أن يراد به الذي يؤدي عدمه إلى محال كما يقال وجود المعلوم واجب إذ عدمه يؤدي إلى محال وهو أن يصير العلم جهلا فإن أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر وإن أراد به المعنى الثاني فهو مسلم إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود المعلوم وإن أراد به معنى ثالثا فهو غير مفهوم وقوله يجب لمصلحة عباده كلام فاسد فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة فأما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يهدنهم لخطر العقاب وهو العرض والحساب فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب الأصل الخامس أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه خلافا للمعتزلة ولو يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ولأن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أبا جهل لا يصدقه ثم أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه فكيف في أنه لا يصدقه وهل هذا إلا محال وجوده الأصل السادس إن لله عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن غير ثواب لاحق خلافا للمعتزلة لأنه متصرف في ملكه ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو محال على الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما ويدل على ذلك وجوده فإن ذبح البهائم إيلام لها وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة فإن قيل إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ويجب ذلك على الله سبحانه
فنقول من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت وكل بقة عركت حتى يثيبها على آلامها فقد خرج عن الشرع والعقل إذ يقال وصف الثواب والحشر بكونه واجبا عليه ان كان المراد به إنه يتضرر بتركه فهو محال وان أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذا خرج عن المعاني المذكورة للواجب الأصل السابع انه تعالى يفعل بعباده ما يشاء فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لما ذكرناه من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بل لا يعقل في حقه الوجوب فإنه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله أن الأصلح واجب عليه في مسألة نعرضها عليه وهو أن يفرض مناظرة في الآخرة بين صبي وبين بالغ ماتا مسلمين فإن الله سبحانه يزيد في درجات البالغ ويفضله عن الصبي لأنه تعب بالإيمان والطاعات بعد البلوغ ويجب عليه ذلك عند المعتزلي فلو قال الصبي يا رب لم رفعت منزلته علي فيقول لأنه بلغ واجتهد في الطاعات ويقول الصبي أنت أمتني في الصبا فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى أبلغ فأجتهد فقد عدلت عن العدل في التفضيل عليه بطول العمر له دوني فلم فضلته فيقول الله تعالى لأني علمت أنك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان لأصلح لك الموت في الصبا هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل وعند هذا ينادي الكفار من دركات لظي ويقولون يا رب أما علمت أننا إذا بلغنا أشركنا فهلا أمتنا في الصبا فإنا رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم فبماذا يجاب عن ذلك وهل يجب عند هذا إلا القطع بأن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توازن بميزان الإعتزال فإن قيل مهما قدر على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ذلك قبيحا لا يليق بالحكمة قلنا القبيح ما لا يوافق الغرض حتى إنه قد يكون الشيء قبيحا عند شخص حسنا عند غيره إذا وافق غرض أحدهما دون الآخر حتى يستقبح قتل الشخص أولياؤه ويستحسنه أعداؤه فإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال إذ لا غرض له فلا يتصور منه قبيح كما لا يتصور منه ظلم إذ لا يتصور منه التصرف في ملك الغير وإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم إن ذلك عليه محال وهل هذا إلا مجرد تشتهي يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار ثم الحكيم معنا العالم بحقائق الأشياء القادر على فعلها على وفق إرادته وهذا من أين يوجب رعاية الأصلح وأما الحكيم منا يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء وفي الآخرة ثوابا أو يدفع به عن نفسه آفة وكل ذلك على الله سبحانه وتعالى محال الأصل الثامن أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه لا بالعقل خلافا للمعتزلة لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو أما أن يوجبها لغير فائدة وهو محال فإن العقل لا يوجب العبث وإما أن يوجبها لفائدة وغرض وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود وذلك محال في حقه تعالى فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد بل الكفر والإيمان والطاعة والعصيان في حقه تعالى سيان وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد وهو أيضا محال لأنه لا غرض له في الحال بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه وليس في المال إلا الثواب والعقاب ومن أين يعلم أن الله تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا به لأحدهما إختصاص وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع ولقد ذل من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يغرق بين الشكر والكفران لما له من الإرتياح والإهتزاز والتلذذ بأحدهما دون الآخر
فإن قيل لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر ما لم ينظر المكلف فيه فإذا قال المكلف للنبي إن العقل ليس بوجب على النظر والشرع لا يثبت عندي إلا بالنظر ولست أقدم على النظر أدى ذلك إلى إفحام الرسول صلى الله عليه وسلم قلنا هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع إن وراءك سبعا ضاريا فإن لم تبرح عن المكان قتلك وإن إلتفت وراءك ونظرت عرفت صدقي فيقول الواقف لا يثبت صدقك ما لم ألتفت ورائي ولا ألتفت ورائي ولا أنظر ما لم يثبت صدقك فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتهدفه للهلاك ولا ضرر فيه على الهادي المرشد فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن وراءكم الموت ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا منها حذركم وتعرفوا لي صدقي بالإلتفات إلى معجزتي وإلا هلكتم فمن إلتفت عرف واحترز ونجا ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ولا ضرر علي إن هلك الناس كلهم أجمعون وإنما علي البلاغ المبين فالشرع يعرف وجود السباع الضاري بعد الموت والعقل يفيد فهم الكلام والإحاطة بإمكان ما يقوله في المستقبل والطبع يستحث على الحذر من الضرر ومعنى كون الشيء واجبا في تركه ضررا ومعنى كون الشرع موجبا إنه معرف للضرر المتوقع فإن العقل لا يهدي إلى التهدف للضرر بعد الموت عند إتباع الشهوات فهذا معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقدير الواجب ولولا خوف العقاب على ترك ما أمر به مميكن الوجوب ثابتا إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة الأصل التاسع أنه ليس يستحيل بعثه الأنبياء عليهم السلام خلافا للبراهمة حيث قالوا لا فائدة في بعثتهم إذ في العقل مندوحة عنهم لأن العقل لا يهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة كما لا يهدي إلى الأدوية المفيدة للصحة حاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء ولكن يعرف صدق الطبيب بالتجربة ويعرف صدق النبي بالمعجزة الأصل العاشر أن الله سبحانه قد أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للنبيين وناسخا لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين وأيده بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة كانشقاق القمر وتسبيح الحصى وإنطاق العجماء وما تفجر من بين أصابعه من الماء ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها مع كافة العرب القرآن العظيم فإنهم مع تميزهم بالفصاحة والبلاغة تهدفوا لسلبه ونهبه وقتله وإخراجه كما أخبر الله عزوجل عنهم ولم يقدروا على معارضته بمثل القرآن إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرآن ونظمه هذا مع ما فيه من أخبار الأولين مع كونه أميا غير ممارس للكتب والأنباء عن الغيب في أمور تحقق صدقه فيها في الإستقبال كقوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين وكقوله تعالى الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسل إن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلا لله تعالى فمهما كان مقرونا بتحدي النبي صلى الله عليه وسلم ينزل منزلة قوله صدقت وذلك مثل القائم بين أيدي الملك المدعي على رعيته إنه رسول الملك إليهم فإنه مهما قال للملك إن كنت صادقا فقم على سريرك ثلاثا واقعد على خلاف عادتك ففعل الملك ذلك حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله صدقت الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول الأصل الأول الحشر والنش وقد ورد بهما الشرع وهو حق والتصديق بهما واجب لأنه في العقل ممكن ومعناه الإعادة بعد الإفناء وذلك مقدور لله تعالى كإبتداء الإنشاء قال الله تعالى قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة فاستدل بالإبتداء على الإعادة وقال عز وجل ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة والإعادة إبتداء ثان فهو ممكن كالإبتداء الأول الأصل الثاني سؤال منكر ونكير
وقد وردت به الأخبار فيجب التصديق به لأنه ممكن إذ ليس يستدعي إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب وذلك ممكن في نفسه ولا يدفع ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال له فإن النائم ساكن بظاهره ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبيه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع كلام جبريل عليه السلام ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء فإذا لم يخلق لهم السمع والرؤية لم يدركوه الأصل الثالث عذاب القبر وقد ورد الشرع به قال الله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح الإستعاذة من عذاب القبر وهو ممكن فيجب التصديق به تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وحواصل الطيور فإن المدرك لألم العذاب من الحيوان أجزاء مخصوصة بقدر الله تعالى على إعادة الإدراك إليها الأصل الرابع الميزان وهو حق قال الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وقال تعالى فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه ووجهه أن الله تعالى يحدث في صحائف الأعمال وزنا بحسب درجات الأعمال عند الله تعالى فتصير مقادير أعمال العباد معلومة للعباد حتى يظهر لهم العدل في العقاب أو الفضل في العفو وتضعيف الثواب الأصل الخامس الصراط وهو جسر ممدود على متن جهنم أرق من الشعرة وأحد من السيف قال الله تعالى فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون وهذا ممكن فيجب التصديق به فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط الأصل السادس أن الجنة والنار مخلوقتان قال الله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين فقوله تعالى أعدت دليل وعلى أنها مخلوقة فيجب إجراؤه على الظاهر إذ لا إستحالة فيه وولا يقال لا فائدة في خلقهما قبل يوم الجزاء لأن الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون الأصل السابع إن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم ولم يكن نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إمام أصلا إذ لو كان لكان أولى بالظهور من نصبه أحاد الولاة والأمراء على الجنود في البلاد ولم يخف ذلك فكيف خفى هذا وإن ظهر فكيف إندرس حتى لم ينتقل إلينا فلم يكن أبو بكر إماما إلا بالإختيار والبيعة وأما تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرق الإجماع وذلك مما لا يستجريء على إختراعه إلا الروابض وإعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنيا على الإجتهاد لا منازعة من معاوية في الأمامة إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم وإختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى إضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى التأخير أصوب وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإعزاء بالأئمة ويعرض الدماء للسفك وقد قال أفاضل العلماء كل مجتهد مصيب وقال قائلون المصيب واحد ولم يذهب إلى تخطئة على ذو تحصيل أصلا الأصل الثامن إن فضل الصحابة رضي الله عنهم على حسب ترتيبهم في الخلافة إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله عز وجل وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار كثيرة وإنما يدرك دقائق الفضل والترتيب فيه المشاهدون للوحي والتنزيل بقرائن الأحوال ودقائق التفصيل فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عن الحق صارف الأصل التاسع إن شرائط الإمامة بعد الإسلام والتكليف خمسة
الذكورة والورع والعلم والكفاية ونسبة قريش لقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش وإذا إجتمع عدد من الموصوفين بهذه الصفات فالإمام من إنعقدت له البيعة من أكثر الخلق والمخالف للأكثر باغ يجب رده إلى الإنقياد إلى الحق الأصل العاشر إنه لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بإنعقاد إمامته لانا بين أن نحرك فتنة الإستبدال فما يلقى المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة فلا يهدم أصل المصلحة شغفا بمزاياها كالذي يبني قصرا ويهدم مصرا وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام وبفساد الأقضية وذلك محال ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلاد لمسيس حاجتهم فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة فهذه الأركان الأربعة الحاوية للأصول الأربعين هي قواعد العقائد فمن إعتقدها كان مواقفا لأهل السنة ومباينا لرهط البدعة فالله تعالى يسددنا بتوفيقه ويهدينا إلى الحق وتحقيقه بمنة وسعة جوده وفضله صلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وكل عبد مصطفى الفصل الرابع من قواعد العقائد في الإيمان والإسلام وما بينهما من الإتصال والإنفصال وما يتطرق إليه من الزيادة والنقصان ووجه إستثناء السلف وفيه ثلاثة مسائل مسألة إختلفوا في أن الإسلام هو الإيمان أو غيره وإن كان غيره فهل هو منفصل عنه يوجد دونه أو مرتبط به يلازمه فقيل إنهما شيء واحد وقيل إنهما شيآن لا يتواصلان وقيل إنهما شيآن ولكن يرتبط أحدهما بالآخر وقد أورد أبو طالب المكي في هذا كلاما شديد الإضطراب كثير التطويل فلنهجم الآن على التصريح بالحق من غير تعريج على نقل ما لا تحصيل له فنقول في هذا ثلاثة مباحث بحث عن موجب اللفظين في اللغة مسألة إختلفوا في أن الإسلام هو الإيمان أو غيره وإن كان غيره فهل هو منفصل عنه يوجد دونه أو مرتبط به يلازمه فقيل إنهما شيء واحد وقيل إنهما شيآن لا يتواصلان وقيل إنهما شيآن ولكن يرتبط أحدهما بالآخر وقد أورد أبو طالب المكي في هذا كلاما شديد الإضطراب كثير التطويل فلنهجم الآن على التصريح بالحق من غير تعريج على نقل ما لا تحصيل له فنقول في هذا ثلاثة مباحث بحث عن موجب اللفظين في اللغة وبحث عن حكمها في الدنيا والآخرة والبحث الأول لغوي والثاني تفسيري والثالث فقهي شرعي البحث الأول في موجب اللغة والحق فيه أن الإيمان عبارة عن التصديق قال الله تعالى وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق والإسلام عبارة عن التسليم والإستسلام بالإذعان والإنقياد وترك التمرد والإباء لعناد وللتصديق محل خاص وهو القلب واللسان ترجمانه وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح فإن كل تصديق بالقلب فهو تسليم وترك الإباء والجحود وكذلك الإعتراف باللسان وكذلك الطاعة والإنقياد بالجوارح فموجب اللغة أن الإسلام أعم والإيمان أخص فكان الإيمان عبارة عن أشرف أجزاء الإسلام فإذن كل تصديق تسليم وليس كل تسليم تصديقا البحث الثاني عن إطلاق الشرع والحق فيه أن الشرع قد ورد بإستعمالهما على سبيل الترادف والتوارد وورد على سبيل الإختلاف وورد على سبيل التداخل أما الترادف ففي قوله تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ولم يكن بالإتفاق إلا بيت واحد وقال تعالى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وقال صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة عن الإيمان فأجاب بهذه الخمس وأما الإختلاف فقوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ومعناه استسلمنا في الظاهر فأراد الإيمان هاهنا التصديق فقط وبالإسلام الإستسلام ظاهرا باللسان والجوارح وفي حديث جبرائيل عليه السلام لما سأله عن الإيمان فقال أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالبعث بعد الموت وبالحساب وبالقدر خيره وشره فقال فما الإسلام فأجاب بذكر الخصال الخمس فعبر بالإسلام عن تسليم الظاهر بالقول والعمل
وفي الحديث عن سعد أنه صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا عطاء ولم يعط الآخر فقال له سعد يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه وهو مؤمن فقال صلى الله عليه وسلم أو مسلم فأعاد عليه فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما التداخل فما ورى أيضا أنه سئل فقيل أي الأعمال أفضل فقال صلى الله عليه وسلم الإسلام فقال أي الإسلام أفضل فقال صلى الله عليه وسلم الإيمان وهذا دليل على الإختلاف وعلى التداخل وهو أوفق الإستعمالات في اللغة لأن الإيمان عمل من الأعمال وهو أفضلها والإسلام هو تسليم أما بالقلب وأما باللسان وإما بالجوارح وأفضلها الذي بالقلب وهو التصديق الذي يسمى إيمانا والإستعمال لهما على سبيل الإختلاف وعلى سبيل التداخل وعلى سبيل الترادف كله غير خارج عن طريق التجوز في اللغة أما الإختلاف فهو أن يجعل الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب فقط وهو موافق للغة والإسلام عبارة عن التسليم ظاهرا وهو أيضا موافق للغة فإن التسليم ببعض محال التسليم ينطلق عليه إسم التسليم فليس من شرط حصول الإسم عموم المعنى لكل محمل يمكن أن يوجد المعنى فيه فإن من لمس غيره بدنه يسمى لامسا وإن لم يستعرق جميع بدنه فإطلاق إسم الإسلام على التسليم الطاهر عند عدم تسليم الباطن مطابق للسان وعلى هذا الوجه جرى قوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد أو مسلم لأنه فضل أحدهما على الآخر ويريد بالإختلاف تفاضل المسميين وأما التدخل فموافق أيضا للغة في خصوص الإيمان وهو أن يجعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والقول والعمل جميعا والإيمان عبارة عن بعض ما دخل في الإسلام وهو التصديق بالقلب وهو الذي عنيناه بالتداخل وهو موافق للغة في خصوص الإيمان وعموم الإسلام للكل وعلى هذا خرج قوله الإيمان في جواب قول السائل أي الإسلام أفضل لأنه جعل الإيمان خصوصا من الإسلام فأدخله فيه وأما استعماله فيه على سبيل الترادف بأن يجعل الإسلام عبارة على التسليم بالقلب والظاهر جميعا فإن كل ذلك تسليم وكذا الإيمان ويكون التصرف في الإيمان على الخصوص بتعميمه وإدخال الظاهر في معناه وهو جائز لأن تسليم الظاهر بالقول والعمل ثمرة تصديق الباطن ونتيجته وقد يطلق اسم الشجر ويراد به الشجر مع ثمره على سبيل التسامح فيصير بهذا القدر من التعميم مرادفا لإسم الإسلام ومطابقا له فلا يزيد عليه ولا ينقص وعليه خرج قوله فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين البحث الثالث عن الحكم الشرعي وللإسلام والإيمان حكمان أخروي ودنيوي أما الأخروي فهو الإخراج من النار ومنع التخليد إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان وقد اختلفوا في هذا الحكم على ماذا يترتب وعبروا عنه بأن الإيمان ماذا هو فمن قائل إنه مجرد العقد ومن قائل يقول إنه عقد بالقلب وشهادة اللسان ومن قائل يزيد ثالثا وهو العمل بالأركان ونحن نكشف الغطاء عنه ونقول من جمع بين هذه الثلاثة فلا خلاف في أن مستقرة الجنة وهذه درجة والدرجة الثانية أن يوجد إثنان وبعض الثالث وهو القول والعقد وبعض الأعمال ولكن إرتكب صاحبه كبيرة أو بعض الكبائر فعند هذا قالت للمعتزلة خرج بهذا عن الإيمان ولم يدخل في الفكر بل اسمه فاسق وهو على منزلة بين المنزلتين وهو مخلد في النار وهذا باطل كما سنذكره الدرجة الثالثة أن يوجد التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون الأعمال بالجوارح وقد اختلفوا في حكمه فقال أبو طالب المكي العمل بالجوارح من الإيمان ولا يتم دونه وادعى الإجماع فيه واستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه كقوله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات إذ هذا يدل على أن العمل وراء الإيمان لا من نفس الإيمان وإلا فيكون العمل في حكم المعاد والعجب أنه ادعى الإجماع في هذا وهو مع ذلك ينقل قوله صلى الله عليه وسلم
لا يكفر إلا بعد جحوده لما أقربه وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر والقائل بهذا قائل بنفس مذهب المعتزلة إذ يقال له من صدق بقلبه وشهد بلسانه ومات في الحال فهل هو في الجنة فلا بد أن يقول نعم وفيه حكم بوجود الإيمان دون العمل فنزيد ونقول لو بقي حيا حتى دخل عليه وقت صلاة واحدة فتركها ثم مات أو زنى ثم مات فهل يخلد في النار فإن قال نعم فهو مراد المعتزلة وإن قال لا فهو تصريح بأن العمل ليس ركنا من نفس الإيمان ولا شرطا في وجوده ولا في استحقاق الجنة به وإن قال أردت أن يعيش مدة طويلة ولا يصلي ولا يقدم على شيء من الأعمال الشرعية فنقول فما ضبط تلك المدة وما عدد تلك الطاعات التي بتركها يبطل الإيمان وما عدد الكبائر التي بارتكابها يبطل الإيمان وهذا لا يمكن التحكم بتقديره ولم يصر إليه صائر أصلا الدرجة الرابعة أن يوجد التصديق بالقلب قبل أن ينطق باللسان أو يشتغل بالأعمال ومات فهو نقول مات مؤمنا بينه وبين الله تعالى وهذا مما اختلف فيه ومن شرط القول لتمام الإيمان يقول هذا مات قبل الإيمان وهو فاسد إذ قال صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان وهذا قلبه طافح الإيمان فكيف يخلد في النار ولم يشترط في حديث جبريل عليه السلام للإيمان إلا بالتصديق بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما سبق الدرجة الخامسة أن يصدق بالقلب ويساعده من العمر مهلة النطق بكلمتي الشهادة وعلم وجوبها ولكنه لم ينطق بها فيحتمل أن يجعل إمتناعه عن النطق كامتناعه عن الصلاة ونقول هو مؤمن غير مخلد في النار والإيمان هو التصديق المحض واللسان ترجمان الإيمان فلا بد أن يكون الإيمان موجودا بتمامه قبل اللسان حتى يترجمه اللسان وهذا هو الأظهر إذ لا مستند إلا إتباع موجب الألفاظ ووضع اللسان إن الإيمان هو عبارة عن التصديق بالقلب وقد قال صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة ولا ينعدم الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق الواجب كما لا ينعدم بالسكوت عن الفعل الواجب وقال قائلون القول ركن إذ ليس كلمتا الشهادة إخبارا عن القلب بل هو إنشاء عقد آخر وإبتداء شهادة وإلتزام والأول أظهر وقد غلا في هذا طائفة المرجئة فقالوا هذا لا يدخل النار أصلا وقالوا إن المؤمن وإن عصى فلا يدخل النار وسنبطل ذلك عليهم الدرجة السادسة أن يقول بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله ولكن لم يصدق بقلبه فلا نشك في أن هذا في حكم الآخرة من الكفار وإنه مخلد في النار ولا نشك في أنه في حكم الدنيا الذي يتعلق بالأئمة والولاة من المسلمين لأن قلبه لا يطلع عليه وعلينا أن نظن به أنه ما قاله بلسانه إلا وهو منطو عليه في قلبه وإنما نشك في أمر ثالث وهو الحكم الدنيوي فيما بينه وبين الله تعالى وذلك بأن يموت له في الحال مسلم ثم يصدق بعد ذلك بقلبه ثم يستفتي ويقول كنت غير مصدق بالقلب حالة الموت والميراث الآن في يدي فهل يحل لي بيني وبين الله تعالى أو نكح مسلمة ثم صدق بقلبه هل تلزمه إعادة النكاح هذا محل نظر فيحتمل أن يقال أحكام الدنيا منوطة بالقول الظاهر ظاهرا وباطنا ويحتمل أن يقال تناط بالظاهر في حق غيره لأن باطنه غير ظاهر لغيره وباطنه ظاهر له في نفسه بينه وبين الله تعالى والأظهر والعلم عند الله تعالى إنه لا يحل له ذلك الميراث ويلزمه إعادة النكاح ولذلك كان حذيفة رضي الله عنه لا يحضر جنازة من يموت من المنافقين وعمر رضي الله عنه كان يراعي ذلك منه فلا يحضر إذا لم يحضر حذيفة رضي الله عنه والصلاة فعل ظاهر في الدنيا وإن كان من العبادات والتوقي عن الحرام أيضا من جملة ما يجب لله كالصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم
طلب الحلال فريضة بعد الفريضة وليس هذا مناقضا لقولنا إن الإرث حكم الإسلام وهو الإستسلام بل الإستسلام التام هو ما يشمل الظاهر والباطن وهذه مباحث فقهية ظنية تبنى على ظواهر الألفاظ والعمومات والأقيسة فلا ينبغي أن يظن القاصر في العلوم أن المطلوب فيه القطع من حيث جرت العادة بإيراده في فن الكلام الذي يطلب فيه القطع فما أفلح من نطر إلى العادات والمراسم في العلوم فإن قلت فما شبهة المعتزلة والمرجئة وما حجة بطلان قولهم فأقول شبهتهم عمومات القرآن أما المرجئة فقالوا لا يدخل المؤمن النار وإن أتى بكل المعاصي لقوله عز وجل فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ولقوله عز وجل والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ولقوله تعالى كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها إلى قوله فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء فقوله كلما ألقي فيها فوج عام فينبغي أن يكون من ألقي في النار مكذبا ولقوله تعالى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وهذا حصر وإثبات ونفي ولقوله تعالى من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون فالإيمان رأس الحسنات ولقوله تعالى والله يحب المحسنين وقال تعالى إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ولا حجة لهم في ذلك فإنه حيث ذكر الإيمان في هذه الآيات أريد به الإيمان مع العمل إذ بينا أن الإيمان قد يطلق ويراد به الإسلام وهو الموافقة بالقلب والقول والعمل ودليل هذا التأويل أخبار كثيرة في معاقبة العاصين ومقادير العقاب وقوله صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فكيف يخرج إذا لم يدخل ومن القرآن قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والإستثناء بالمشيئة يدل على الإنقسام وقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها وتخصيصه بالكفر تحكم وقوله تعالى ألا إن الظالمين في عذاب مقيم وقال تعالى ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار فهذه العمومات في معارضة عموماتهم ولا بد من تسليط التخصيص والتأويل على الجانبين لأن الأخبار مصرحة بأن العصاة يعذبون بل قوله تعالى وإن منكم إلا واردها كالصريح في أن ذلك لا بد منه للكل إذ لا يخلو مؤمن عن ذنب يرتكبه وقوله تعالى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى أراد به من جماعة مخصوصين أو أراد بالأشقى شخصا معينا أيضا وقوله تعالى كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها أي فوج من الكفار وتخصيص العمومات قريب ومن هذه الآية وقع للأشعري وطائفة من المتكلمين إنكار صيغ العموم وإن هذه الألفاظ يتوقف فيها إلى ظهور قرينة تدل على معناها وأما المعتزلة فشبهتهم قوله تعالى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى وقوله تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم قال ثم ننجي الذين اتقوا وقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم وكل آية ذكر الله عز وجل العمل الصالح فيها مقرونا بالإيمان وقوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وهذه العمومات أيضا مخصوصة بدليل قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فينبغي أن تبقى له مشيئة في مغفرة ما سوى الشرك وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وقوله تعالى إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا وقوله تعالى إن الله لا يضيع أجر المحسنين فكيف يضيع أجر أصل الإيمان وجميع الطاعات بمعصية واحدة وقوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا أي لإيمانه وقد ورد على مثل هذا السبب فإن قلت فقد مال الإختيار إلى أن الإيمان حاصل دون العمل وقد إشتهر عن السلف قولهم الإيمان عقد وقول وعمل فما معناه
قلنا لا يبعد أن يعد العمل من الإيمان لأنه مكمل له ومتمم كما يقال الرأس واليدان من الإنسان ومعلوم أنه يخرج عن كونه إنسانا بعدم الرأس ولا يخرج عنه بكونه مقطوع اليد وكذلك يقال للتسبيحات والتكبيرات من الصلاة وإن كانت لا تبطل بفقدها فالتصديق بالقلب من الإيمان كالرأس من وجود الإنسان إذ ينعدم بعدمه وبقية الطاعات كالأطراف بعضها أعلى من بعض وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن والصحابة رضي الله عنهم ما اعتقدوا مذهب المعتزلة في الخروج عن الإيمان بالزنا ولكن معناه غير مؤمن حقا إيمانا تاما كاملا كما يقال للعاجز المقطوع الأطراف هذا ليس بإنسان أي ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسانية مسألة فإن قلت فقد إتفق السلف على أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فإذا كان التصديق هو الإيمان فلا يتصور فيه زيادة ولا نقصان فأقول السلف هم الشهود العدول وما لأحد عن قولهم عدول فما ذكروه حق وإنما الشأن في فهمه وفيه دليل على أن العمل ليس من أجزاء الإيمان وأركان وجوده بل هو مزيد عليه يزيد به والزائد موجود والناقص موجود والشيء لا يزيد بذاته فلا يجوز أن يقال الإنسان يزيد برأسه بل يقال يزيد بلحيته وسمته ولا يجوز أن يقال الصلاة تزيد بالركوع والسجود بل تزيد بالآداب والسنن فهذا تصريح بإن الإيمان له وجود ثم بعد الوجود يختلف حاله بالزيادة والنقصان فإن قلت فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص وهو خصلة واحدة فأقول إذا تركنا المداهنة ولم نكترت بتشغيب من تشغب وكشفنا الغطاء إرتفع الإشكال فنقول الإيمان إسم مشترك يطلق من ثلاثة أوجه الأول أنه يطلق للتصديق بالقلب على سبيل الإعتقاد والتقليد من غير كشف وإنشراح صدر وهو إيمان العوام بل إيمان الخلق كلهم إلا الخواص وهذا الإعتقاد عقدة على القلب تارة تشتد وتقوى وتارة تضعف وتسترخي كالعقدة على الخيط مثلا ولا تستبعد هذا واعتبره باليهودي وصلابته في عقيدته التي لا يمكن نزوعه عنها بتخويف وتحذير ولا بتخييل ووعظ ولا بتحقيق وبرهان وكذلك النصراني والمبتدعة وفيهم من يمكن تشكيكه بأدنى كلام ويمكن إستنزاله عن إعتقاده بأدنى إستمالة أو تخويف مع أنه غير شاك في عقده كالأول ولكنهما متفاوتان في شدة التصميم وهذا موجود في الإعتقاد الحق أيضا والعمل يؤثر في نماء هذا التصميم وزيادته كما يؤثر سقي الماء في ثمار الأشجار ولذلك قال تعالى فزادتهم إيمانا وقال تعالى ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم وقال صلى الله عليه وسلم فيما يروى في بعض الأخبار الإيمان يزيد وينقص وذلك بتأثير الطاعات في القلب وهذا لا يدركه إلا من راقب أحوال نفسه في أوقات المواظبة على العبادة والتجرد لها بحضور القلب مع أوقات الفتور وإدراك التفاوت في السكون إلى عقائد الإيمان في هذه الأحوال حتى يزيد عقده إستعصاء على من يريد حله بالتشكيك بل من يعتقد في اليتيم معنى الرحمة إذا عمل بموجب إعتقاده فمسح رأسه وتلطف به أدرك من باطنه تأكيد الرحمة وتضاعفها بسبب العمل وكذلك معتقد التواضع إذا عمل بموجبه عملا مقبلا أو ساجدا لغيره أحس من قلبه بالتواضع عند إقدامه على الخدمة وهكذا جميع صفات القلب تصدر منها أعمال الجوارح ثم يعود دائر الأعمال عليها فيؤكدها ويزيدها وسيأتي هذا في ربع المنجيات والمهلكات عند بيان وجه تعلق الباطن بالظاهر والأعمال بالعقائد والقلوب فإن ذلك من جنس تعلق الملك بالملكوت وأعني بالملك عالم الشهادة المدرك بالحواس وبالملكوت عالم الغيب المدرك بنور البصيرة والقلب من عالم الملكوت والأعضاء وأعمالها من عالم الملك ولطف الإرتباط ودقته بين العالمين إنتهى إلى حد ظن بعض الناس إتحاد أحدهما بالآخر وظن آخرون أنه لا عالم إلا عالم الشهادة وهو هذه الأجسام المحسوسة ومن أدرك الأمرين وأدرك تعددهما ثم إرتباطهما عبر عنه فقال رق الزجاج وراقت الخمر وتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر
ولنرجع إلى المقصود فإن هذا العالم خارج عن علم المعاملة ولكن بين العالمين أيضا إتصال وإرتباط فلذلك ترى علوم المكاشفة تتسلق كل ساعة على علوم المعاملة إلى أن تنكشف عنها بالتكليف فهذا وجه زيادة الإيمان بالطاعة بموجب هذا الإطلاق ولهذا قال علي كرم الله وجهه إن الإيمان ليبدو لمعة يضاء فإذا عمل العبد الصالحات نمت فزادت حتى يبيض القلب كله وإن النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا إنتهك الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب كله فيطبع عليه فلذلك هو الختم وتلا قوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم الإطلاق الثاني أن يراد به التصديق والعمل جميعا كما قال صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون بابا وكما قال صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وإذا دخل العمل في مقتضى الإيمان لم تخف زيادته ونقصانه وهل يؤثر ذلك في زيادة الإيمان الذي هو مجرد التصديق هذا فيه نظر وقد أشرنا إلى أنه يؤثر فيه الإطلاق الثالث أن يراد به التصديق اليقيني على سبيل الكشف وإنشراح الصدر والمشاهدة بنور البصيرة وهذا أبعد الأقسام عن قبول الزيادة ولكني أقول الأمر اليقيني الذي لا شك فيه تختلف طمأنينة النفس إليه فليس طمأنينة النفس إلى أن الإثنين أكثر من الواحد كطمأنينتها إلى أن العالم مصنوع حادث وأن كان لا شك في واحد منهما فإن اليقينيات تختلف في درجات الإيضاح ودرجات طمأنينة النفس إليها وقد عرضنا لهذه في فضل اليقين من كتاب العلم في باب علماء الآخرة فلا حاجة إلى الإعادة وقد ظهر في جميع الإطلاقات أن ما قالوه من زيادة الإيمان ونقصانه حق وكيف لا وفي الأخبار أن يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وفي بعض المواضع في خبر آخر مثقال دينار فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت مسألة فإن قلت ما وجه قول السلف أنا مؤمن إن شاء الله والإستثناء شك والشك في الإيمان كفر وقد كانوا يمتنعون عن جزم الجواب بالإيمان ويحترزون عنه فقال سفيان الثوري رحمه الله من قال أنا مؤمن عند الله فهو من الكاذبين ومن قال أنا مؤمن حقا فهو بدعة فكيف يكون كاذبا وهو يعلم أنه مؤمن في نفسه ومن كان مؤمنا في نفسه كان مؤمنا عند الله كما أن من كان طويلا وسخيا في نفسه وعلم ذلك كان كذلك عند الله وكذا من مسرورا أو حزينا أو سميعا أو بصيرا ولو قيل للإنسان هل أنت حيوان لم يحسن أن يقول أنا حيوان إن شاء الله ولما قال سفيان ذلك قيل له فماذا نقول قال قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وآي فرق بين أن يقول آمنا بالله وما أنزل إلينا وبين أن يقول أنا مؤمن وقيل للحسن أمؤمن أنت فقال إن شاء الله فقيل له لم تستثني يا أبا سعيد في الإيمان فقال أخاف أن أقول نعم فيقول الله سبحانه كذبت يا حسن فتحق علي الكلمة وكان يقول ما يؤمنني أن يكون الله سبحانه قد أطلع على في بعض ما يكره فمقتني وقال إذهب لا قبلت لك عملا فأنا أعمل في غير معمل وقال إبراهيم بن أدهم إذا قيل لك أمؤمن أنت فقل لا إله إلا الله وقال مرة قل أنا لا أشك في الإيمان وسؤالك إياي بدعة وقيل لعلقمة أمؤمن أنت قال أرجو إن شاء الله وقال الثوري نحن مؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وما ندري ما نحن عند الله تعالى فما معنى هذه الإستثناءات فالجواب أن هذا الإستثناء صحيح وله أربعة أوجه وجهان مستندان إلى الشك لا في أصل الإيمان ولكن في خاتمته أو كماله ووجهان لا يستندان إلى الشك الوجه الأول الذي لا يستند إلى معارضة الشك الإحتراز من الجزم خيفة ما فيه من تزكية النفس قال الله تعالى فلا تزكوا أنفسكم وقال ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم وقال تعالى انظر كيف يفترون على الله الكذب وقيل لحكيم ما الصدق القبيح فقال ثناء المرء على نفسه
والإيمان من أعلى صفات المجد والجزم به تزكية مطلقة وصيغة الإستثناء كأنها نقل من عرف التزكية كما يقال للإنسان أنت طبيب أو فقيه أو مفسر فيقول نعم إن شاء الله تفي معرض التشكيك ولكن لإخراج نفسه عن تزكية نفسه فالصيغة صيغة الترديد والتضعيف لنفس الخبر ومعناه التضعيف للازم من لوازم الخبر وهو التزكية وبهذا التأويل لو سئل عن وصف ذم لم يحسن الإستثناء الوجه الثاني التأديب بذكر الله تعالى في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى مشئية الله سبحانه فقد أدب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ثم لم يقتصر على ذلك فيما لا يشك فيه بل قال تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين وكان الله سبحانه عالما بأنهم يدخلون لا محالة وإنه شاءه ولكن المقصود تعليمه ذلك فتأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما كان يخبر عنه معلوما كان أو مشكوكا حتى قال صلى الله عليه وسلم لما دخل المقابر السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون ) واللحوق بهم غير مشكوك فيه ولكن مقتضى الأدب ذكر الله تعالى وربط الأمور به وهذه الصيغة دالة عليه حتى صار يعرف الإستعمال عبارة عن إظهار الرغبة والتمني فإذا قيل لك إن فلانا يموت سريعا فنقول إن شاء الله فيفهم منه رغبتك لا تشكك وإذا قيل لك فلان سيزول مرضه ويصح فتقول إن شاء الله بمعنى الرغبة فقد صارت الكلمة معدولة عن معنى التشكيك إلى معنى الرغبة وكذلك العدول إلى معنى التأدب لذكر الله تعالى كيف كان الأمر الوجه الثالث مستنده الشك ومعناه أنا مؤمن حقا إن شاء الله إذ قال الله تعالى لقوم مخصوصين بأعيانهم أولئك هم المؤمنون حقا فانقسموا إلى قسمين ويرجع هذا إلى الشك في كمال الإيمان لا في أصله وكل إنسان شاك في كمال إيمانه وذلك ليس بكفر والشك في كمال الإيمان حق من وجهين أحدهما من حيث أن النفاق يزيل كمال الإيمان وهو خفي لا تتحقق البراءة منه والثاني أنه يكمل بأعمال الطاعات ولا يدري وجودها على الكمال أما العمل فقد قال الله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون فيكون الشك في هذا الصدق وكذلك قال الله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين فشرط عشرين وصفا كالوفاء بالعهد والصبر على الشدائد ثم قال تعالى أولئك الذين صدقوا وقد قال تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات وقال تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل وقد قال تعالى هم درجات عند الله وقال صلى الله عليه وسلم الإيمان عريان ولباسه التقوى الحديث وقال صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق فهذا ما يدل على إرتباط كمال الإيمان بالأعمال وأما إرتباطه بالبراءة عن النفاق والشرك الخفي فقوله صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإذا خاصم فجر وفي بعض الروايات وإذا عاهد غدر وفي حديث أبي سعيد الخدري القلوب أربعة قلب أجرد وفيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء العذب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المادتين غلب عليه حكم له بها وفي لفظ آخر غلبت عليه ذهبت به وقال عليه السلام أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها وفي حديث الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا وقال حذيفة رضي الله عنه وكان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا إلى أن يموت وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات
وقال بعض العلماء أقرب الناس من النفاق من يرى أنه بريء من النفاق وقال حذيفة المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه وهذا النفاق يضاد صدق الإيمان وكماله وهو خفي وأبعد الناس منه من يتخوفه وأقربهم منه من يرى أنه بريء فقد قيل للحسن البصري يقولون إن النفاق اليوم فقال يا أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في وقال هو أو غيره لو نبت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض بأقدامنا وسمع ابن عمر رضي الله عنه رجلا يتعرض للحجاج فقال أرأيت لو كان حاضرا يسمع أكنت تتكلم فيه فقال لا فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم من كان ذا لسانين في الدنيا جعله الله ذا لسانين في الآخرة وقال أيضا صلى الله عليه وسلم شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه وقيل للحسن أن قوما يقولون إنا لا نخاف النفاق فقال والله لأن أكون أعلم إني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبا وقال الحسن إن من النفاق إختلاف اللسان والقلب والسر والعلانية والمدخل والمخرج وقال رجل لحذيفة رضي الله عنه إني أخاف أن أكون منافقا فقال لو كنت منافقا ما خفت النفاق إن المنافق قد أمن من النفاق وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين ومائة وفي رواية خمسين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخافون النفاق وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلا وأكثروا الثناء عليه فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم الرجل ووجهه يقطر ماء من أثر الوضوء وقد علق نعله بيده وبين عينيه أثر السجود فقالوا يا رسول الله هو هذا الرجل الذي وصفناه فقال صلى الله عليه وسلم أرى على وجهه سفعة من الشيطان فجاء الرجل حتى سلم وجلس مع القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك فقال اللهم نعم وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه اللهم إني أستغفرك لما علمت ولما لم أعلم فقيل له أتخاف يا رسول الله فقال وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وقد قال سبحانه وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون قيل في التفسير عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات فكانت في كفة السيئات وقال سري السقطي لو أن إنسانا دخل بستانا فيه من جميع الأشجار عليها من جميع الطيور فخاطبه كل طير منها بلغة فقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كان أسير في يديها فهذه الأخبار والآثار تعرفك خطر الأمر بسبب دقائق النفاق والشرك الخفي وأنه لا يؤمن منه حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل حذيفة عن نفسه وأنه هل ذكر في المنافقين وقال أبو سليمان الداراني سمعت من بعض الأمراء شيئا فأردت أن أنكره فخفت أن يؤمر بقتلي ولم أخف من الموت ولكن خشيت أن يعرض لقلبي التزين للخلق عند خروج روحي فكففت وهذا من النفاق الذي يضاد حقيقة الإيمان وصدقه وكماله وصفاءه لا أصله فالنفاق نفاقان أحدهما يخرج من الدين ويلحق بالكافرين ويسلك في زمرة المخلدين في النار والثاني يفضي بصاحبه إلى النار مدة أو ينقص من درجات عليين ويحط من رتبه الصديقين وذلك مشكوك فيه ولذلك حسن الإستثناء فيه وأصل هذا النفاق تفاوت بين السر والعلانية وإلا من من مكر الله والعجب وأمور أخر لا يخلو عنها إلا الصديقون الوجه الرابع
وهو أيضا مستند إلى الشك وذلك من خوف الخاتمة فإنه لا يدري أيسلم له الإيمان عند الموت أم لا فإن ختم له بالكفر حبط عمله السابق لأنه موقوف على سلامة الآخر ولو سئل الصائم ضحوة النهار عن صحة صومه فقال أنا صائم قطعا فلو أفطر في أثناء نهاره بعد ذلك لتبين كذبه إذ كانت الصحة موقوفه على التمام إلى غروب الشمس من آخر النهار وكما أن النهار ميقات تمام الصوم فالعمر ميقات تمام صحة الإيمان ووصفه بالصحة قبل آخره بناء على الإستصحاب وهو مشكوك فيه والعاقبة مخوفة ولأجلها كان بكاء أكثر الخائفين لأجل أيها ثمرة القضية السابقة والمشيئة الأزلية التي لا تظهر المقضى به ولا مطلع عليه لأحد من البشر فخوف الخاتمة كخوف السابقة وربما يظهر في الحال ما سبقت الكلمة بنقيضه فمن الذي يدري أنه من الذين سبقت لهم من الله الحسنى وقيل في معنى قوله تعالى وجاءت سكرة الموت بالحق أي بالسابقة يعني أطهرتها وقال بعض السلف إنما يوزن من الأعمال خواتيمها وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يحلف بالله ما من أحد يأمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه وقيل من الذنوب ذنوب عقوبتها سوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك وقيل هي عقوبات دعوى الولاية والكرامة بالإفتراء وقال بعض العارفين لو عرضت على الشهادة عند باب الدار والموت على التوحيد عند باب الحجرة لاخترعت الموت على التوحيد عند باب الحجرة لأني لا أدري ما يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الدار وقال بعضهم لو عرفت واحدا بالتوحيد خمسين سنة ثم حال بيني وبينه سارية ومات لم أحكم أنه مات على التوحيد وفي الحديث من قال أنا مؤمن فهو كافر ومن قال أنا عالم فهو جاهل وقيل في قوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا صدقا لمن مات على الإيمان وعدلا لمن مات على الشرك وقد قال تعالى ولله عاقبة الأمور فهما كان الشك بهذه المثابة كان الإستثناء واجبا لأن الإيمان عبارة عما يفيد الجنة كما أن الصوم عبارة عما يبريء الذمة وما فسد قبل الغروب لا يبريء الذمة فيخرج عن كونه صوما فكذلك الإيمان بل لا يبعد أن يسأل عن الصوم الماضي الذي لا يشك فيه بعد الفراغ منه فيقال أصمت بالأمس فيقول نعم إن شاء الله تعالى إذ الصوم الحقيقي هو المقبول والمقبول غائب عنه لا يطلع عليه إلا الله تعالى فمن هذا حسن الإستثناء في جميع أعمال البر ويكون ذلك شكا في القبول إذ يمنع من القبول بعد جريان ظاهر شروط الصحة أسباب خفية لا يطلع عليها إلا رب الأرباب جل جلاله فيحسن الشك فيه فهذه وجوه حسن الإستثناء في الجواب عن الإيمان وهي آخر ما تختم به كتاب قواعد العقائد تم الكتاب بحمد الله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى
End of available text.