Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يكلمهم لله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم رجل حلف يمينا على مال مسلم فاقتطعه ورجل حلف يمينا بعد صلاة العصر لقد أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب ورجل منع فضل الماء فإن الله عز وجل يقول اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ماء لم تعمله يداك ويستحب أن يتلاعنا من قيام لما روى بن عباس رضي الله عنه في حديث هلال بن أمية فأرسل إليهما فجاءا فقام هلال فشهد ثم قامت فشهدت ولان فعله من قيام أبلغ في الردع واختلف قوله في التغليظ بالمكان فقال في أحد القولين إنه يجب لانه تغليظ ورد به الشرع فأشبه التغليظ بتكرار اللفظ وقال في الآخر يستحب كالتغليظ في الجماعة والزمان والتغليظ بالمكان أن يلاعن بينهما في أشرف موضع من البلد الذي فيه اللعان فإن كان بمكة لاعن بين الركن والمقام لان اليمين فيه أغلظ والدليل عليه ما روي أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه رأى قوما يحلفون بين الركن والمقام فقال أعلى دم قالوا لا قال أفعلى عظيم من المال فقالوا لا فقال لقد خعشيت أن يبهأ الناس بهذا المقام وإن كان في المدينة لاعن في المسجد لانه أشرف البقاع بها وهل يكون على المنبر أو عند المنبر اختلفت الرواية فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فروى أبو هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف عند منبري على يمين آثمة ولو على سواك من رطب وجبت له النار وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار فقال أبو إسحاق إن كان الخلق كثيرا لاعن على المنبر ليسمع الناس وإن كان الخلق قليلا لاعن عند المنبر مما يلي قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو علي بن أبي هريرة لا يلاعن على المنبر لان ذلك علو وشرف والملاعن ليس في موضع العلو والشرف وحمل قوله على منبري أي عند منبري لان حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض وإن كان ببيت المقدس لاعن عند الصخرة لانها أشرف البقاع به وإن كان في غيرها من البلاد لاعن في الجامع وإن كانت المرأة حائضا لاعنت على باب المسجد لانه أقرب إلى الموضع الشريف وإن كان يهوديا لاعن في الكنيسة وإن كان نصرانيا لاعن في لبيعة وإن كان مجوسيا لاعن في بيت النار لان هذه المواضع عندهم كالمساجد عندنا فصل وإذا أراد اللعان فالمستحب للحاكم أن يعظهما لما روى بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال هلال والله لقد صدقت عليها فقالت كذب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعنوا بينهما وإن كانت المرأة غير برزة بعث إليها الحاكم من يستوفي عليها اللعان ويستحب أن يبعث معه أربعة فصل ويبدأ بالزوج ويأمره أن يشهد لان الله تعالى بدأ به وبدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في لعان هلال بن أمية ولان لعانه بينة لإثبات الحق ولعان المرأة بينة الإنكار فقدمت بينة الإثبات فإن بدأ بلعان المرأة لم يعتد به لان لعانها إسقاط الحد والحد لا يجب إلا بلعان الزوج فلم يصح لعانها قبله
والمستحب إذا بلغ الزوج إلى كلمة اللعنة والمرأة إلى كلمة الغضب أن يعظهما لما روى بن عباس رضي الله عنهما قال لما كان في الخامسة قيل يا هلال اتق لله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال والله لا يعذبني لله عليها كما لم يجلدني عليها فشهد الخامسة فلما كانت الخامسة قيل لها اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة ثم قالت والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ويستحب أن يأمر من يضع يده على فيه في الخامسة لما روعى بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن يضع يده على فيه عند الخامسة يقول إنها موجبة فصل وإن لاعن وهي غائبة لحيض أو موت قال أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة ويرفع في نسبها حتى تتميز وإن كانت حاضرة ففيه وجهان أحدهما يجمع بين الإشارة والإسم لان مبنى اللعان على التأكيد ولهذا تكرر فيه لفظ الشهادة وإن حصل المقصود بمرة والثاني أنه تكفيه الإشارة لانها تتميز بالإشارة كما تتميز في النكاح والطلاق فصل وإن كان القذف بالزنا كرره في الألفاظ الخمسة فإن قذفها بزناءين ذكرهما في الألفاظ الخمسة لانه قد يكون صادقا في أحدهما دون الآخر فإن سمى الزاني بها ذكره في اللعان في كل مرة لانه ألحق به المعرة في إفساد الفراش فكرره في اللعان كالمرأة فإن قذفها بالزنا وانتفى من الولد قال في كل مرة وأن هذا الولد من زنا وليس مني فإن قال هذا الولد ليس مني ولم يقل من زنا لم ينتف لانه يحتمل أن يريد أنه ليس مني في الخلق أو الخلق فإن قال هذا الولد من زنا ولم يقل وليس مني ففيه وجهان أحدهما وهو قول القاضي أبي حامد المروزي أنه ينتفي منه لان ولد الزنا لا يلحق به والثاني وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني أنه لا ينتفي لانه قد يعتقد أن الوطء في النكاح بلا ولي زنا على قول أبي بكر الصيرفي فوجب أن يذكر أنه ليس مني لينتفي الاحتمال فصل وإذا لاعن الزوج سقط عنه ما وجب بقذفه من الحد أو التعزيز والدليل عليه ما روى عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن هلال بن أمية قذف مرأته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم البينة أو حد في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله في أمري ما يبرىء ظهري من الحد فنزلت والذين يرمون أزواجهم فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا فقال هلال قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل وإن قذفها برجل فسماه في اللعان سقط عنه حده لانه سماه في اللعان فسقط حده كالمرأة فإن لم يسمه في اللعان ففيه قولان أحدهما يسقط حده لانه أحد الزانيين فسقط حده باللعان كالزوجة والثاني لا يسقط حده لانه لم يسمه في اللعان فلم يسقط حده كالزوجة إذا لم يسمها فعلى هذا إذا أراد إسقاط حده ستأنف اللعان وذكره وأعاد ذكر الزوجة فصل وإن نفى باللعان نسب ولد انتفى عنه لما روى بن عمر رضي الله عنه أن رجلا لاعن مرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى عن ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة فإن لم يذكره النسب في اللعان أعاد اللعان لانه لم ينتف باللعان الأول فصل ويجب على المرأة حد الزنا لانه بينة حقق بها الزنا عليها فلزمها الحد كالشهادة ولا يجب على الرجل الذي رماها به حد الزنا لانه لا يصح درء الحد باللعان فلم يجب عليه الحد باللعان فصل وإن كان اللعان في نكاح صحيح وقعت الفرقة
لحديث بن عمر رضي الله عنهما وحرمت عليه على التأبيد لما روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا فإن كان اللعان في نكاح فاسد أو كان اللعان بعد البينونة في زنا أضافه إلى حال الزوجية فهل تحرم المرأة على التأبيد فيه وجهان أحدهما تحرم وهو الصحيح لان ما أوجب تحريما موبدا إذا كان في نكاح أوجبه وإن لم يكن في نكاح كالرضاع والثاني لا يحرم لان التحريم تابع للفرقة ولم يقع اللعان فرقة فلم يثبت به تحريم فصل وللمرأة أن تدرأ حد الزنا عنها باللعان لقوله عز وجل ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ولا تذكر المرأة للنسب في اللعان لانه لا مدخل لها في إثبات النسب ولا في نفيه فصل وإذا لاعن الزوج ثم أكذب نفسه وجب عليه حد القذف إن كانت المرأة محصنة أو التعزير إن لم تكن محصنة ولحقه النسب لان ذلك حق عليه فعاد بتكذيبه ولا يعود الفراش ولا يرتفع التحريم لانه حق له فلا يعود بتكذيبه نفسه وإن لاعنت المرأة ثم أكذبت نفسها وجب عليها حد الزنا لانه لا يتعلق بلعانها أكثر من سقوط حق الزنا وهو حق عليها فعاد بإكذابها فصل وإن مات الزوج قبل اللعان وقعت الفرقة بالموت وورثته الزوجة لان الزوجية بقيت إلى الموت فإن كان هناك ولد ورثه لانه مات قبل نفيه وما وجب عليه من الحد أو التعزير بقذفها سقط بموته لانه ختص ببدنه وقد مات وإن ماتت الزوجة قبل لعان الزوج وقعت الفرقة بالموت وورثها الزوج لان الزوجية بقيت إلى الموت وإن كان هناك ولد فله أن يلاعن لنفيه لان الحاجة داعية إلى نفيه فإن طالبه ورثتها بحد القذف لاعن لإسقاطه ولا يسقط من الحد لو لم يلاعن شيء لحقه من الإرث كما يسقط مالها عليه من القصاص لان القصاص ثبت مشتركا بين الورثة فإذا سقط ما يخصه بالإرث سقط الباقي وحد القذف يثبت جميعه لكل واحد من الورثة ولهذا لو عفا بعضهم عن حقه كان للباقين أن يستوفوا الجميع فإن مات الولد قبل أن ينفيه باللعان جاز له نفيه باللعان لانه يلحقه نسبه بعد الموت فجاز له نفيه وإذا نفاه لم يرثه لانا بينا باللعان أنه لم يكن بنه فصل إذا قذف امرأته وامتنع من اللعان فضرب بعض الحد ثم قال أنا ألاعن سمع اللعان وسقط ما بقي من الحد وكذلك إذا نكلت المرأة عن اللعان فضربت بعض الحد ثم قالت أنا ألاعن سمع اللعان وسقط بقية الحد لان ما أسقط جميع الحد أسقط بعضه كالبينة فصل إذا قذفها ثم تلاعنا ثم قذفها نظرت فإن كان بالزنا الذي تلاعنا عليه لم يجب عليه حد لان اللعان في حقه كالبينة ولو أقام البينة على القذف ثم أعاد القذف لم يجب الحد فكذلك إذا لاعن وإن قذفها بزنا آخر ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجب الحد لان اللعان في حقه كالبينة ثم بالبينة يبطل إحصانها فكذلك في اللعان والثاني يجب عليه الحد لان اللعان لا يسقط إلا ما يجب بالقذف في الزوجية لحاجته إلى قذف الزوجة وقد زالت الزوجية باللعان فزالت الحاجة إلى القذف فلزمه الحد وإن تلاعنا ثم قذفها أجنبي حد لان اللعان حجة يختص بها الزوج فلا يسقط به الحد عن الأجنبي فإن قذفها ولاعنها ونكلت عن اللعان فحدت فقد اختلف أصحابنا فيها فقال أبو العباس لا يرتفع إحصانها إلا في حق الزوج فإن قذفها أجنبي وجب عليه الحد لان اللعان حجة ختص بها الزوج فلا يبطل به الإحصان إلا في حقه وقال أبو إسحق يرتفع إحصانها في حق الزوج والأجنبي فلا يجب على واحد منهما الحد بقذفها لانها محدودة في الزنا فلم يحد قاذفها كما لو حدت بالإقرار أو البينة كتاب الأيمان باب من تصح يمينه وما تصح به اليمين
تصح اليمين من كل مكلف مختار قاصد إلى اليمين لقوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وأما غير المكلف كالصبي والمجنون والنائم فلا تصح يمينه لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولانه قول يتعلق به وجوب حق فلا يصح من غير مكلف كالبيع وفيمن زال عقله بالسكر طريقان على ما ذكرناه في الطلاق وأما السكرة فلا تصح يمينه لما روى واثلة بن الأسقع وأبو أمامة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس على مقهور يمين ولانه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح كما لو أكره على كلمة الكفر وأما من لا يقصد اليمين وهو الذي يسبق لسانه إلى اليمين أو أراد اليمين على شيء فسبق لسانه إلى غيره فلا تصح يمينه لقوله عز وجل لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم وروي عن بن عمر وبن عباس وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا هو قول الرجل لا والله وبلى والله ولان ما سبق إليه اللسان من غير قصد لا يواخذ به كما لو سبق لسانه إلى كلمة الكفر فصل ويصح اليمين على الماضي والمستقبل فإن حلف على ماض وهو صادق فلا شيء عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل اليمين على المدعى عليه ولا يجوز أن يجعل اليمين عليه إلا وهو صادق فدل على أنه يجوز أن يحلف على ما هو صادق فيه وروى محمد بن كعب القرظي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو على المنبر وفي يده عصا يأيها الناس لا يمنعكم اليمين عن أخذ حقوقكم فوالذي نفسي بيده إن في يدي عصا وإن كان كاذبا وهو أن يحلف على أمر أنه كان ولم يكن أو على أمر أنه لم يكن وكان أثم بذلك وهي اليمين الغموس والدليل عليه ما روي عن الشعبي رضي الله عنه عن عبد الله بن عمر قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الكبائر قال الشرك بالله قال ثم ماذا قال عقوق الوالدين قال ثم ماذا قال اليمين الغموس قيل للشعبي ما اليمين الغموس قال الذي يقتطع بها مال مرىء مسلم وهو فيها كاذب وروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله الله عز وجل وهو عليه غضبان وإن كان على مستقبل نظرت فإن كان على أمر مباح ففيه وجهان أحدهما الأولى ألا يحنث لقوله عز وجل ? < ولا عليه وسلم من حلف على يمين وهو فاجر ليقتطع بها مال مرىء مسلم لقي تنقضوا الأيمان بعد توكيدها > ? والثاني أن الأولى أن يحنث لقوله عز وجل لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم فإن حلف على فعل مكروه أو ترك مستحب فالأولى أن يحنث لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير فصل وتكره اليمين بغير الله عز وجل فإن حلف بغيره كالنبي والكعبة والآباء والأجداد لم تنعقد يمينه لما روى بن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله تعالى وروي عن عمر رضي الله عنه قال سمعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلف بأبي فقال إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فقال عمر رضي الله عنه والله ما حلفت بها ذاكرا ولا آثرا وإن قال إن فعلت كذا وكذا فأنا يهودي أو نصراني أو أنا بريء من الله أو من الإسلام لم ينعقد يمينه لما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف أنه بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فقد قال وإن كان صادقا فلم يرجع إلى الإسلام سالما
ولانه يمين بمحدث فلم ينعقد كاليمين بالمخلوقات فصل وتجوز اليمين بأسماء الله وصفاته فإن حلف من أسمائه بالله انعقدت يمينه لما روى بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ) ثم قال إن شاء الله وإن حلف بالرحمن أو بالإله أو بخالق الخلق أو ببارىء النسمة أو بالحي القيوم أو بالحي الذي لا يموت أو برب السموات والأرضين أو بمالك يوم الدين أو برب العالمين وما أشبه ذلك من الأسماء التي لا يشاركه فيها أحد نعقدت يمينه لانه لا يسمى بها غيره ولا يوصف بها سواه فصار كما لو قال والله فإن حلف بالرحيم والرب والقادر والقاهر والملك والجبار والخالق والمتكبر ولم ينو به غير الله عز وجل انعقدت به يمينه لانه لا تطلق هذه الأسماء إلا عليه وإن نوى به غيره لم ينعقد لانه قد تستعمعل في غيره مع التقييد لانه يقال فلان رحيم القلب ورب الدار وقادر على المشي وقاهر للعدو وخالق للكذب ومالك للبلد وجبار متكبر فجاز أن تصرف إليه بالنية فإن قال والحي والموجود والعالم والمومن والكريم لم تنعقد يمينه إلا أن ينوي به الله تعالى لان هذه الأسماء مشتركة بين الله تعالى وبين الخلق مستعملة في الجميع استعمالا واحدا فلم تنصرف إلى الله تعالى من غير نية كالكنايات في الطلاق وإن حلف بصفة من صفاته نظرت فإن حلف بعظمة الله أو بعزته أو بكبريائه أو بجلاله أو ببقائه أو بكلامه انعقدت يمينه لان هذه الصفات للذات لم يزل معوصوفا بها ولا يجوز وصفه بضدها فصار كاليمين بأسمائه وإن قال وعلم الله ولم ينو به المعلوم أو بقدرة الله ولم ينو به المقدور انعقدت يمينه لان العلم والقدرة من صفات الذات لم يزل موصوفا بهما ولا يجوز وصفه بضدهما فصارا كالصفات الستة فإن نوى بالعلم المعلوم أو بالقدرة المقدور لم ينعقد يمينه لانه قد يستعمل العلم في المعلوم والقدرة في المقدور ألا ترى أنك تقول غفر لنا علمك فينا وتريد المعلوم وتقول انظروا إلى قدرة الله وتريد به المقدور فانصرف إليه بالنية فإن قال وحق الله وأراد به العبادات لم ينعقد يمينه لانه يمين بمحدث وإن لم ينو العبادات انعقدت يمينه لان الحق يستعمل فيما يستحق من العبادات ويستعمل فيما يستحقه الباري من الصفات وذلك من صفات الذات وقد انضم إليه العرف في الحلف به فانعقدت به اليمين من غير نية فصل وإن قال علي عهد الله وميثاقه وكفالته وأمانته فإن أراد به ما أخذ علينا من العهد في العبادات فليس بيمين لانه يمين بمحدث وإن أراد بالعهد استحقاقه ما تعبدنا به فهو يمين لانه صفة قديمة وإن لم يكن له نية ففيه وجهان أحدهما أنه يمين لان العادة الحلف بها والتغليظ بألفاظها كالعادة بالحلف بالله والتغليظ بصفاته كالطالب الغالب والمدرك المهلك والثاني ليس بيمين لانه يحتمل العبادات ويحتمل ما ذكرناه من ستحقاقه ولم يقترن بذلك عرف عام وإنما يحلف به بعض الناس وأكثرهم لا يعرفونه فلم يجعل يمينا فصل وإن قال بالله لأفعلن كذا بالباء المعجمة من تحت فإن أراد بالله أني أستعين بالله أو أثق بالله في الفعل الذي أشار إليه لم يكن يمينا لان ما نواه ليس بيمين واللفظ يحتمله فلم يجعل يمينا وإن لم يكن له نية كان يمينا لان الباء من حروف القسم فحمل إطلاق اللفظ عليه وإن قال تالله لافعلن كذا بالتاء المعجمة من فوق فالمنصوص في الأيمان والإيلاء أنه يمين وروى المزني في القسامة أنه ليس بيمين وختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال المذهب ما نص عليه في الأيمان والإيلاء لان التاء من حروف القسم والدليل عليه قوله عز وجل وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين وقوله تعالى تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين فصار كما لو قال والله وبالله
وما رواه المزني صحف فيه والذي قال المزني في القسامة بالباء المعجمة من تحت وتعليله يدل عليه فإنه قال لانه دعاء وتالله ليس بدعاء ومن أصحابنا من قال إن كان في الأيمان والإيلاء فهو يمين لانه يلزمه ( به ) حق وإن كان في القسامة لم يكن يمينا لانه يستحق به المال فلم يجعل يمينا وإن قال آلله لأفعلن كذا فإن أراد به اليمين فهو يمين لانه قد تحذف حروف القسم ولهذا روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل أبا جهل فقال آلله إنك قتلته قال آلله إني قتلته وإن لم يكن له نية لم يكن يمينا لأنه لم يأت بلفظ القسم وإن قال لاها الله ونوى به اليمين فهو يمين لما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في سلب قتيل قتله أبو قتادة لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن دين الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق وإن لم ينو اليمين لم يكن يمينا لانه غير متعارف في اليمين فلم يجعل يمينا من غير نية وإن قال وأيم الله ونوى اليمين فهو يمين لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسامة بن زيد وايم الله يقترن به عرف ولا نية فصل وإن قال لعمر الله ونوى به اليمين فهو يمين لانه قد قيل معناه بقاء الله وقيل حق الله وقيل علم الله والجميع من الصفات التي تنعقد بها اليمين فإن لم يكن له نية ففيه وجهان أحدهما أنه يمين لان الشرع ورد به في اليمين وهو قول الله عز وجل لعمرك إنهم لفي سكرتهم إنه لخليق بالإمارة فإن لم يكن له فيه نية لم يكن يمينا لانه لم يعمهون والثاني أنه ليس بيمين وهو ظاهر النص لانه غير متعارف في اليمين فصل وإن قال أقسمت بالله أو أقسم بالله لأفعلن كذا ولم ينو شيئا فهو يمين لانه ثبت له عرف الشرع وعرف العادة فالشرع قوله عز وجل وأقسموا بالله جهد أيمانهم وعرف العادة أن الناس يحلفون بها كثيرا وإن قال أردت بقولي أقسمت بالله الخبر عن يمين متقدمة وبقولي أقسم بالله الخبر عن يمين مستأنفة قبل قوله فيما بينه وبين الله تعالى لان ما يدعيه يحتمله اللفظ فأما في الحكم فالمنصوص في الأيمان أنه يقبل وقال في الإيلاء إذا قال لزوجته أقسمت بالله لا وطئتك وقال أردت به في زمان متقدم إنه لا يقبل فمن أصحابنا من قال لا يقبل قولا واحدا وما يدعيه خلاف ما يقتضيه اللفظ في عرف الشرع وعرف العادة وقوله في الأيمان إنه يقبل إرادته فيما بينه وبين الله عز وجل ومنهم من قال لا يقبل في الإيلاء ويقبل في غيره من الأيمان لان الإيلاء يتعلق به حق المرأة فلم يقبل منه خلاف الظاهر والحق في سائر الأيمان لله عز وجل فقبل قوله ومنهم من نقل جوابه في كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وجعلهما على قولين أحدهما يقبل لان ما يدعيه يحتمله اللفظ والثاني لا يقبل لان ما يدعيه خلاف ما يقتضيه اللفظ في عرف الشرع وعرف العادة فإن قال شهدت بالله أو أشهد بالله لأفعلن كذا فإن نوى به اليمين فهو يمين لانه قد يراد بالشهادة اليمين وإن نوى بالشهادة بالله الأيمان به فليس بيمين لانه قد يراد به ذلك وإن لم يكن له نية ففيه وجهان أحدهما أنه يمين لانه ورد به القرآن والمراد به اليمين وهو قوله عز وجل فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والثاني أنه ليس بيمين لانه ليس في اليمين بها عرف من جهة العادة وأما في الشرع فقد ورد والمراد به اليمين وورد والمراد به الشهادة فلم يجعل يمينا من غير نية
وإن قال أعزم بالله لأفعلن كذا فإن أراد به اليمين فهو يمين لانه يحتمل أن يقول أعزم ثم يبتدىء اليمين بقوله بالله لأفعلن كذا وإن أراد إني أعزم بالله أي بمعونته وقدرته لم يكن يمينا وإن لم ينو شيئا لم يكن يمينا لانه يحتمل اليمين ويحتمل العزم على الفعل بمعونة الله فلم يجعل يمينا من غير نية ولا عرف وإن قال أقسم أو أشهد أو أعزم ولم يذكر سم الله تعالى لم يكن يمينا نوى به اليمين أو لم ينو لان اليمين لا ينعقد إلا بسم معظم أو صفة معظمة ليتحقق له المحلوف عليه وذلك لم يوجد فصل وإن قال أسألك بالله أو أقسم عليك بالله لتفعلن كذا فإن أراد به الشفاعة بالله عز وجل في الفعل لم يكن يمينا وإن أراد أن يحلف عليه ليفعلن ذلك صار حالفا لانه يحتمل اليمين وهو أن يبتدىء بقوله بالله لتفعلن كذا وإن أراد أن يعقد للمسئول بذلك يمينا لم ينعقد لواحد منهما لان السائل صرف اليمين عن نفسه والمسوول لم يحلف فصل إذا قال والله لأفعلن كذا إن شاء زيد أن أفعله فقال زيد قد شئت أن يفعله انعقدت يمينه لانه علق عقد اليمين على مشيئته وقد وجدت ثم يقف البر ولحنث على فعل الشيء وتركه وإن قال زيد لست أشاء أن يفعله لم تنعقد اليمين لانه لم يوجد شرط عقدها وإن فقدت مشيئته بالجنون أو الغيبة أو الموت لم ينعقد اليمين لانه لم يتحقق شرط الانعقاد ولا ينعقد ( اليمين ) به والله أعلم باب جامع الأيمان إذا حلف لا يسكن دارا وهو فيها فخرج في الحال بنية التحويل وترك رحله فيها لم يحنث لان اليمين على سكناه وقد ترك السكنى فلم يحنث بترك الرحل كما لو حلف لا يسكن في بلد فخرج وترك رحله فيه وإن تردد إلى الدار لنقل الرحل لم يحنث لان ذلك ليس لسكنى وإن حلف لا يسكنها وهو فيها أو لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه أو لا يركب هذه الدابة وهو راكبها فاستدام حنث لان الاسم يطلق على حال الاستدامة ولهذا تقول سكنت الدار شهرا ولبست الثوب شهرا وركبت الدابة شهرا وإن حلف لا يتزوج وهو متزوج أو لا يتطهر وهو متطهر أو لا يتطيب وهو متطيب فستدام لم يحنث لانه لا يطلق الاسم عليه في حال الاستدامة ولهذا تقول تزوجت من شهر وتطهرت من شهر وتطيبت من شهر ولا تقول تزوجت شهرا وتطهرت شهرا وتطيبت شهرا وإن حلف لا يدخل الدار وهو فيها فاستدام ففيه قولان قال في الأم يحنث لان ستدامة الدخول كالابتداء في التحريم في ملك الغير فكذلك في لحنث في اليمين كاللبس والركوب وقال في حرملة لا يحنث وهو الصحيح لان الدخول لا يستعمل في الاستدامة ولهذا تقول دخلت الدار من شهر ولا تقول دخلتها شهرا فلم يحنث بالاستدامة كما لو حلف لا يتطهر أو لا يتزوج فاستدام فإن حلف لا يسافر وهو في السفر فأخذ في العود لم يحنث لانه أخذ في ترك السفر وإن ستدام السفر حنث لانه مسافر فصل وإن حلف لا يساكن فلانا وهما في مسكن واحد ففارق أحدهما الآخر في الحال وبقي الآخر لم يحنث لانه زالت المساكنة وإن سكن كل واحد منهما في بيت من خان أو دار كبيرة ونفرد كل واحد منهما بباب وغلق لم يحنث لانه ما ساكنه فإن حلف لا يدخل دارا فأدخل إحدى الرجلين أو أدخل رأسه إليها لم يحنث وإن حلف لا يخرج من دار فأخرج إحدى الرجلين أو أخرج رأسه منها لم يحنث لان النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا وكان يدخل رأسه إلى عائشة لترجله ولان كمال الدخول والخروج لا يحصل بذلك فصل وإن حلف لا يدخل دارا فحصل في سطحها وهو غير محجر لم يحنث
وقال أبو ثور يحنث لان السطح من الدار وهذا خطأ لانه حاجز بين داخل الدار وخارجها فلم يصر بحصوله فيه داخلا فيها كما لو حصل على حائط الدار وإن كان محجرا ففيه وجهان أحدهما يحنث لانه يحيط به سور الدار والثاني لا يحنث وهو ظاهر النص لانه لم يحصل في داخل الدار وإن كان في الدار نهر فطرح نفسه في الماء حتى حمله إلى ( داخل ) الدار حنث لانه دخل الدار وإن كان في الدار شجرة منتشرة الأغصان فتعلق بغصن منها ونزل فيها حتى أحاط به حائط الدار حنث وإن نزل فيه حتى حاذى السطح فإن كان غير محجر لم يحنث وإن كان محجرا فعلى الوجهين فصل وإن حلف لا يدخل دار زيد هذه فباعها ثم دخلها حنث لان اليمين على عين مضافة إلى مالك فلم يسقط الحنث فيه بزوال الملك كما لو حلف لا يكلم زوجة فلان هذه فطلقها ثم كلمها وإن حلف لا يدخل دار زيد فدخل دارا لزيد وعمرو لم يحنث لان اليمين معقودة على دار جميعها لزيد وإن حلف لا يدخل دار زيد فدخل دارا يسكنها زيد بإعارة أو إجارة أو غصب فإن أراد مسكنه حنث لانه يحتمل ما نوى وإن لم يكن له نية لم يحنث وقال أبو ثور يحنث لان الدار تضاف إلى الساكن والدليل عليه قوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن فأضاف بيوت أزواجهن إليهن بالسكنى وهذا خطأ لان حقيقية الإضافة تقتضي ملك العين ولهذا لو قال هذه الدار لزيد جعل ذلك إقرارا له بملكها فصل وإن حلف لا يدخل هذه الدار فانهدمت وصارت ساحة أو جعلت حانوتا أو بستانا فدخلها لم يحنث لانه زال عنها سم الدار وإن أعيدت بغير تلك الآلة لم يحنث بدخولها لانها غير تلك الدار وإن أعيدت بتلك الآلة ففيه وجهان أحدهما لا يحنث وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لانها غير تلك الدار والثاني أنه يحنث لانها عادت كما كانت فصل وإن حلف لا يدخل هذه الدار من هذا الباب فقلع الباب ونصبه في مكان آخر وبقي الممر الذي كان عليه الباب فدخلها من الممر حنث وإن دخلها من الموضع الذي نصب فيه الباب لم يحنث ومن أصحابنا من قال إن دخل من الممر الذي كان فيه الباب لم يحنث لانه لم يدخل من ذلك الباب لان الباب نقل وهذا خطأ لان الباب هو الممر الذي يدخل ويخرج منه دون المصراع المنصوب والممر الأول باق فتعلق به الحنث وإن حلف لا يدخل هذه الدار من بابها أو لا يدخل من باب هذه الدار فسد الباب وجعل الباب في مكان آخر فدخلها منه ففيه وجهان أحدهما أنه لا يحنث وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وهو المنصوص في الأم لان اليمين نعقدت على باب موجود مضاف إلى الدار وذلك هو الباب الأول فلا يحنث بالثاني كما لو حلف لا يدخل دار زيد فباع زيد داره ثم دخلها والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه يحنث وهو الأظهر لان اليمين معقودة على بابها وبابها الآن هو الثاني فتعلق الحنث به كما لو حلف لا يدخل دار زيد فباع زيد داره وشترى ( دارا ) أخرى فإن الحنث يتعلق بالدار الثانية دون الأولى فصل وإن حلف لا يدخل بيتا فدخل مسجدا أو بيتا في الحمام لم يحنث لان المسجد وبيت الحمام لا يدخلان في إطلاق سم البيت ولان البيت سم لما جعل للإيواء والسكنى والمسجد وبيت الحمام لم يجعل لذلك فإن دخل بيتا من شعر أو أدم نظرت فإن كان الحالف ممن يسكن بيوت الشعر والأدم حنث وإن كان ممن لا يسكنها ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي العباس بن سريج أنه لا يحنث لان اليمين تحمل على العرف ولهذا لو حلف لا يأكل الرءوس حمل على ما يتعارف أكله منفردا وبيت الشعر والأدم غير متعارف للقروي فلم يحنث به
والثاني وهو قول أبي إسحاق وغيره أنه يحنث لانه بيت جعل للإيواء والسكنى فأشبه بيوت المدر وقولهم إنه غير متعارف في حق أهل القرى يبطل بالبيت من المدر فإنه غير متعارف في حق أهل البادية ثم يحنث به وخبز الأرز غير متعارف في حق غير الطبري ثم يحنث بأكله إذا حلف لا يأكل الخبز فصل وإن حلف لا يأكل هذه الحنطة فجعلها دقيقا أو لا يأكل هذا الدقيق فجعله عجينا أو لا يأكل هذا العجين فجعله خبزا لم يحنث بأكله وقال أبو العباس يحنث لان اليمين تعلقت بعينه فتعلق الحنث بها وإن زال الاسم كما لو حلف لا يأكل هذا الحمل فذبحه وأكله والمذهب الأول لانه علق اليمين على العين والاسم ثم لا يحنث بغير العين فكذلك لا يحنث بغير الاسم ويخالف الحمل لانه لا يمكن أكله حيا والحنطة يمكن أكلها حبا ولان الحمل ممنوع من أكله في حال الحياة من غير يمين فلم يدخل في اليمين والحنطة غير ممنوع من أكلها فتعلق بها اليمين وإن حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله وهو تمر أو لا يأكل هذا الحمل فأكله وهو كبش أو لا يكلم هذا الصبي فكلمه وهو شيخ ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يحنث كما لا يحنث في الحنطة إذا صارت دقيقا فأكله والثاني أنه يحنث لان الانتقال حدث فيه من غير صنعة وفي الحنطة الانتقال حدث فيها بصنعة وهذا لا يصح لانه يبطل به إذا حلف لا يأكل هذا البيض فصار فرخا أو لا يأكل هذا الحب فصار زرعا فإنه لا يحنث وإن كان الانتقال حدث فيه من غير صنعة وإن حلف لا يشرب هذا العصير فصار خمرا أو لا يشرب هذا الخمر فصار خلا فشربه لم يحنث كما قلنا في الحنطة إذا صارت دقيقا وإن حلف لا يلبس هذا الغزل فنسج منه ثوبا حنث بلبسه لان الغزل لا يلبس إلا منسوجا فصار كما لو حلف لا يأكل هذا الحيوان فذبحه وأكله فصل وإن حلف لا يشرب هذا السويق فاستفه أو لا يأكل هذا الخبز فدقه وشربه أو بتلعه من غير مضغ لم يحنث لان الأفعال أجناس مختلفة كالأعيان ثم لو حلف على جنس من الأعيان لم يحنث بجنس آخر فكذلك إذا حلف على جنس من الأفعال لم يحنث بجنس آخر وإن حلف لا يذوق هذا الطعام فذاقه ولفظه ففيه وجهان أحدهما لا يحنث لانه لا يوجد حقيقة الذوق ما لم يزدرده ولهذا لا يبطل به الصوم والثاني أنه يحنث لان الذوق معرفة الطعم وذلك يحصل من غير زدراد وإن حلف لا يذوقه فأكله أو شربه حنث لانه قد ذاق وزاد عليه وإن حلف لا يأكل ولا يشرب ولا يذوق فأوجد في حلقه حتى وصل إلى جوفه لم يحنث لأنه لم يأكل ولم يشرب ولم يذق وإن قال والله لأطعمت هذا الطعام فأوجر في حلقه حنث لان معناه لأجعلته لي طعاما وقد جعله طعاما له فصل وإن حلف لا يأكل اللحم حنث بأكل لحم كل ما يوكل لحمه من النعم والوحش والطير لان سم اللحم يطلق على الجميع ولا يحنث بأكل السمك لانه لا يطلق عليه سم اللحم وهل يحنث بأكل لحم ما لا يوكل لحمه فيه وجهان أحدهما يحنث لانه يطلق عليه سم اللحم وإن لم يحل كما أطلق على اللحم المغصوب وإن لم يحل والثاني لا يحنث لان القصد باليمين أن يمنع نفسه مما يستبيحه ولحم ما لا يوكل لحمه ممنوع من أكله من غير يمين فلم يدخل في اليمين وإن حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم لم يحنث وإن حلف لا يأكل الشحم فأكل اللحم لم يحنث لانهما جنسان مختلفان في الاسم والصفة وإن حلف على اللحم فأكل سمين الظهر والجنب وما يعلو اللحم ويتخلله من البياض حنث لانه لحم سمين وإن حلف على الشحم فأكل ذلك لم يحنث لانه ليس بشحم
وإن حلف على اللحم أو الشحم فأكل الكبد أو الطحال أو الرئة أو الكرش أو المخ لم يحنث لانه مخالف للحم والشحم في الاسم والصفة وإن حلف على اللحم فأكل لحم الخد أو لحم الرأس أو اللسان ففيه وجهان أحدهما يحنث لأنه لحم والثاني لا يحنث لان اللحم لا يطلق إلا على لحم البدن وختلف أصحابنا في الألية فمنهم من قال هو شحم يحنث به في اليمين على الشحم ولا يحنث به في اليمين على اللحم لانه يشبه الشحم في بياضه ويذوب كما يذوب الشحم ومنهم من قال هو لحم فيحنث به في اليمين على اللحم ولا يحنث به في اليمين على الشحم لانه نابت في اللحم ويشبهه في الصلابة ومنهم من قال ليس بلحم ولا شحم ولا يحنث به في اليمين على واحد منهما لانه مخالف للجميع في الاسم والصفة فصار كالكبد والطحال وإن حلف على اللحم فأكل شحم العين لم يحنث لانه مخالف للحم في الاسم والصفة وإن حلف على الشحم فأكله ففيه وجهان أحدهما يحنث به بدخوله في سم الشحم والثاني لا يحنث به لانه لا يدخل في إطلاق سمه كما لا يدخل لحم السمك في ( إطلاق ) اليمين على اللحم ولا التمر الهندي في اليمين على التمر فصل وإن حلف لا يأكل الرؤوس ولم يكن له نية حنث برؤوس الإبل والبقر والغنم لانها تباع مفردة وتوكل مفردة عن الأبدان ولا يحنث برؤوس الطير فإنها لا تباع مفردة ولا توكل مفردة فإن كان في بلد يباع فيه رؤوس الصيد ورؤوس السمك مفردة حنث بأكلها لانها تباع مفردة فهي كرءوس الإبل والبقر والغنم وهل يحنث بأكلها في سائر البلاد فيه وجهان أحدهما لا يحنث لانه لا يطلق عليها سم الرءوس إلا في البلد الذي يباع فيه ويعتاد أكله والثاني يحنث بها لان ما ثبت له العرف في مكان وقع الحنث به في كل مكان كخبز الأرز فصل وإن حلف لا يأكل البيض حنث بأكل ( كل ) بيض يزايل بائضه في الحياة كبيض الدجاجة والحمامة والنعامة لانه يوكل منفردا ويباع منفردا فيدخل في مطلق اليمين ولا يحنث بما لا يزايل بائضه كبيض السمك والجراد لانه لا يباع منفردا ولا يوكل منفردا فلم يدخل في مطلق اليمين فصل وإن حلف لا يأكل اللبن حنث بأكل لبن الأنعام ولبن الصيد لان سم اللبن يطلق على الجميع وإن كان فيه ما يقل أكله لتقذره كما يحنث في اليمين على اللحم بأكل لحم الجميع وإن كان فيه ما يقل أكله لتقذره ويحنث بالحليب والرائب وما جمد منه لان الجميع لبن ولا يحنث بأكل الجبن واللور والكبإ والزبد والسمن والمصل والأقط وقال أبو علي بن أبي هريرة إذا حلف على اللبن حنث بكل ما يتخذ منه لانه من اللبن والمذهب الأول لانه لا يطلق عليه سم اللبن فلم يحنث به وإن كان منه كما لو حلف لا يأكل الرطب فأكل التمر أو لا يأكل السمسم فأكل الشيرج فإنه لا يحنث وإن كان التمر من الرطب والشيرج من السمسم فصل وإن حلف لا يأكل السمن فأكله مع الخبز أو أكله ( مع ) العصيدة وهو ظاهر فيها حنث وإن حلف لا يأكل اللبن فأكله في طبيخ وهو ظاهر فيه ( حنث ) أو حلف لا يأكل الخل فأكله في طبيخ وهو ظاهر فيه حنث وقال أبو سعيد الإصطخري إذا أكله مع غيره لم يحنث لانه لم يفرده بالأكل فلم يحنث كما لو حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وعمرو والمذهب الأول لانه فعل المحلوف عليه وأضاف إليه غيره فحنث كما لو حلف لا يدخل على زيد فدخل على جماعة وهو فيهم فصل وإن حلف لا يأكل أدما فأكل اللحم حنث لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيد الإدام اللحم ولانه يوتدم به في العادة فحنث به كالخل والمريء
فإن أكل التمر ففيه وجهان أحدهما لا يحنث لانه لا يوتدم به في العادة وإنما يوكل قوتا أو حلاوة والثاني أنه يحنث به لان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سائلا خبزا وتمرا وقال هذا أدم هذا فصل وإن حلف لا يأكل الفاكهة فأكل الرطب أو العنب أو الرمان أو الأترنج أو التوت أو النبق حنث لانها ثمار أشجار فحنث بها كالتفاح والسفرجل وإن أكل البطيخ أو الموز حنث لانه يتفكه به كما يتفكه بثمار الأشجار وإن أكل الخيار أو القثاء لم يحنث لانهما من الخضراوات فصل وإن حلف لا يأكل بسرا ولا رطبا فأكل منصفا حنث في اليمين لانه أكل البسر والرطب وإن حلف لا يأكل بسرة ولا رطبة فأكل منصفا لم يحنث لانه لم يأكل بسرة ولا رطبة فصل وإن حلف لا يأكل قوتا فأكل التمر أو الزبيب أو اللحم وهو ممن يقتات ذلك حنث وهل يحنث به غيره على ما ذكرناه من الوجهين في بيوت الشعر ورءوس الصيد فصل وإن حلف لا يأكل طعاما حنث بأكل كل ما يطعم من قوت وأدم وفاكهة وحلاوة لان اسم الطعام يقع على الجميع والدليل عليه قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وهل يحنث بأكل الدواء فيه وجهان أحدهما لا يحنث لانه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام والثاني يحنث لانه يطعم في حال الاختيار ولهذا يحرم فيه الربا فصل وإن حلف لا يشرب الماء فشرب ماء البحر احتمل عندي وجهين أحدهما يحنث لانه يدخل في سم الماء المطلق ولهذا تجوز به الطهارة والثاني لا يحنث لانه لا يشرب وإن حلف لا يشرب ماء فراتا فشرب ماء دجلة أو غيره من المياه العذبة حنث لان الفرات هو الماء العذب والدليل عليه قوله تعالى وأسقيناكم ماء فراتا وأراد به العذب وإن حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من ماء دجلة لم يحنث لان الفرات إذا عرف بالألف واللام فهو النهر الذي بين العراق والشأم فصل وإن حلف لا يشم الريحان فشم الضيمران وهو الريحان الفارسي حنث وإن شم ما سواه كالورد والبنفسج والياسمين والزعفران لم يحنث لانه لا يطلق سم الريحان إلا على الضيمران وما سواه لا يسمى إلا بأسمائها وإن حلف لا يشم المشموم حنث بالجميع لان الجميع مشموم وإن شم الكافور أو المسك أو العود أو الصندل لم يحنث وإن جف الورد والبنفسج فشمهما ففيه وجهان أحدهما لا يحنث كما لا يحنث إذا حلف لا يأكل الرطب فأكل التمر والثاني يحنث لبقاء اسم الورد والبنفسج فصل وإن حلف لا يلبس شيئا فلبس درعا أو جوشنا أو خفا أو نعلا ففيه وجهان أحدهما يحنث لأنه ليس شيئا والثاني لا يحنث لان إطلاق اللبس لا ينصرف إلى غير الثياب فصل وإن كان معه رداء فقال والله لا لبست هذا الثوب وهو رداء فارتدى به أو تعمم به أو تزر به حنث لانه لبسه وهو رداء فإن جعله قميصا أو سراويل ولبسه لم يحنث لانه لم يلبسه وهو رداء فإن قال والله لا لبست هذا الثوب ولم يقل وهو رداء فارتدى به أو تعمم به أو تزر به أو جعله قميصا أو سراويل ولبسه حنث ومن أصحابنا من قال لا يحنث لانه حلف على لبسه وهو على صفة فلم يحنث بلبسه على غير تلك الصفة والصحيح هو الأول لانه حلف على لبسه ثوبا فحمل على العموم كما لو قال والله لا لبست ثوبا فصل وإن حلف لا يلبس حليا فلبس خاتما من ذهب أو فضة أو مخنقة من لولؤ أو غيره من الجواهر حنث لان الجميع حلي والدليل عليه قوله عز وجل يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وإن لبس شيئا من الخرز أو السبج فإن كان ممن عادته التحلي به كأهل السواد حنث لانهم يسمونه حليا
وهل يحنث به غيرهم على ما ذكرناه من الوجهين في بيوت الشعر ورءوس الصيد وإن تقلد سيفا محلى لم يحنث لان السيف ليس بحلي وإن لبس منطقة محلاة ففيه وجهان أحدهما يحنث لانه من حلي الرجال والثاني لا يحنث لانه ليس من الآلات المحلاة فلم يحنث به كالسيف وإن حلف لا يلبس خاتما فلبسها في غير الخنصر أو حلف لا يلبس قميصا فرتدى به أو لا يلبس قلنسوة فلبسها في رجله لم يحنث لان اليمين يقتضي لبسا متعارفا وهذا غير متعارف فصل وإن من عليه رجل فحلف لا يشرب له ماء من عطش فأكل له خبزا أو لبس له ثوبا أو شرب له ماء من غير عطش لم يحنث لان الحنث لا يقع إلا على ما عقد عليه اليمين والذي عقد عليه اليمين شرب الماء من عطش فلو حنثناه على ما سواه لحنثناه على ما نوى لا على ما حلف عليه وإن حلف لا يلبس له ثوبا فوهب له ثوبا فلبسه لم يحنث لانه لم يلبس ثوبه فصل وإن حلف لا يضرب مرأته فضربها ضربا غير مولم حنث لانه يقع عليه سم الضرب وإن عضها أو خنقها أو نتف شعرها لم يحنث لان ذلك ليس بضرب وإن لكمها أو لطخها أو رفسها ففيه وجهان أحدهما يحنث لانه ضربها والثاني لا يحنث لان الضرب المتعارف ما كان يولم وإن حلف ليضرب عبده مائة سوط فشد مائة سوط فضربه بها ضربة واحدة فإن تيقن أنه أصابه المائة بر في يمينه لانه ضربه مائة سوط وإن تيقن أنه لم يصبه بالمائة لم يبر لانه ضربه دون المائة وإن شك هل أصابه بالجميع أو لم يصبه بالجميع فالمنصوص أنه يبر وقال المزني لا يبر كما قال الشافعي رحمه الله فيمن حلف ليفعلن كذا في وقت إلا أن يشاء فلان فمات فلان حنث وإذا لم نجعله بارا للشك في المشيئة وجب ألا نجعله بارا للشك في الإصابة والمذهب الأول لان أيوب عليه السلام حلف ليضربن مرأته عددا فقال عز وجل وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ويخالف ما قاله الشافعي رحمه الله في المشيئة لانه ليس الظاهر وجود المشيئة فإذا لم تكن مشيئة حنث بالمخالفة والظاهر إصابته بالجميع فبر وإن حلف ليضربنه مائة مرة فضربه بالمائة المشدودة لم يبر لانه لم يضربه إلا مرة ( واحدة ) فإن حلف ليضربنه مائة ضربة فضربه بالمائة المشدودة دفعة واحدة فأصابه الجميع ففيه وجهان أحدهما لا يبر لانه ما ضربه إلا ضربة ولهذا لو رمى بسبع حصيات دفعة واحدة إلى الجمرة لم يحتسب له سبعا والثاني أنه يبر لانه حصل بكل سوط ضربة ولهذا لو ( ضرب به في حد ) الزنا حسب بكل سوط جلدة فصل وإن حلف لا يهب له فأعمره أو أرقبه أو تصدق عليه حنث لان الهبة تمليك العين بغير عوض وإن كان لكل نوع منها سم وإن وقف عليه وقلنا إن الملك ينتقل إليه حنث لانه ملكه العين من غير عوض وإن باعه وحاباه لم يحنث لانه ملكه بعوض وإن وصى له لم يحنث لان التمليك بعد الموت والميت لا يحنث فصل وإن حلف لا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث لان الكلام لا يطلق في العرف إلا على كلام الآدميين وإن حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه حنث لان السلام من كلام الآدميين ولهذا تبطل به الصلاة فإن كلمه وهو نائم أو ميت أو في موضع لا يسمع كلامه لم يحنث لانه لا يقال في العرف كلمه وإن كلمه في موضع يسمع إلا أنه لم يسمع لاشتغاله بغيره حنث لانه كلمه ولهذا يقال كلمه فلم يسمع وإن كلمه وهو أصم فلم يسمع للصمم ففيه وجهان أحدهما يحنث لانه كلمه وإن لم يسمع فحنث كما لو كلمه فلم يسمع لاشتغاله بغيره والثاني لا يحنث وهو الصحيح لانه كلمه وهو لا يسمع فأشبه إذا كلمه وهو غائب وإن كاتبه أو راسله ففيه قولان قال في القديم يحنث
وقال في الجديد لا يحنث وأضاف إليه أصحابنا إذا أشار إليه فجعلوا الجميع على قولين أحدهما يحنث والدليل عليه قوله عز وجل وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا فستثنى الوحي وهو الرسالة من الكلام فدل على أنها منه وقوله عز وجل قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا فاستثنى الرمز وهو الإشارة من الكلام فدل على أنها منه ولانه وضع لإفهام الآدميين فأشبه الكلام والقول الثاني أنه لا يحنث لقوله عز وجل فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ثم قال يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا فلو كانت الإشارة كلاما لم تفعله وقد نذرت ألا تكلم ولان حقيقة الكلام ما كان باللسان ولهذا يصح نفيه عما سواه بأن تقول ما كلمته وإنما كاتبته أو راسلته أو أشرت إليه ويحرم على المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام لقوله عليه السلام لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام والسابق أسبقهما إلى الجنة وإن كاتبه أو راسله ففيه وجهان أحدهما لا يخرج من مأثم الهجران لان الهجران ترك الكلام فلا يزول إلا بالكلام والثاني وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يخرج من مأثم الهجران لان القصد بالكلام إزالة ما بينهما من الوحشة وذلك يزول بالمكاتبة والمراسلة فصل وإن حلف لا يسلم على فلان فسلم على قوم هو فيهم ونوى السلام على جميعهم حنث لانه سلم عليه وإن استثناه بقلبه لم يحنث لان اللفظ وإن كان عاما إلا أنه يحتمل التخصيص فجاز تخصيصه بالنية وإن أطلق السلام من غير نية ففيه قولان أحدهما أنه يحنث لانه سلم عليهم فدخل كل واحد منهم فيه والثاني أنه لا يحنث لان اليمين يحمل على المتعارف ولا يقال في العرف لمن سلم على الجماعة وفيهم فلان أنه كلم فلانا ( وسلم على فلان ) وإن حلف لا يدخل على فلان في بيت فدخل على جماعة في بيت هو فيهم ولم يستثنه بقلبه حنث بدخوله عليهم وإن استثنى بقلبه عليهم ففيه وجهان أحدهما أنه لا يحنث كما لو حلف لا يسلم عليه فسلم عليهم واستثناه بقلبه والثاني أنه يحنث لان الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالاستثناء والسلام قول فجاز تخصيصه بالإستثناء ولهذا لو قال سلام عليكم ( إلا على ) فلان صح وإن قال دخلت عليكم إلا على فلان لم يصح فصل وإن حلف لا يصوم أو لا يصلي فدخل فيهما حنث لانه بالدخول فيهما يسمى صائما ومصليا وإن حلف لا يبيع أو لا يتزوج أو لا يهب لم يحنث إلا بالإيجاب والقبول ومن أصحابنا من قال يحنث في الهبة بالإيجاب من غير قبول لانه يقال وهب له ولم يقبل والصحيح هو الأول لان الهبة عقد تمليك فلم يحنث فيه من غير إيجاب وقبول كالبيع والنكاح ولا يحنث إلا بالصحيح فأما إذا باع بيعا فاسدا أو نكح نكاحا فاسدا أو وهب هبة فاسدة لم يحنث لان هذه العقود لا تطلق في العرف والشرع إلا على الصحيح فصل وإن قال والله لا تسريت ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يحنث بوطء الجارية لانه قد قيل إن التسري مشتق من السراة وهو الظهر فيصير كأنه حلف لا يتخذها ظهرا والجارية لا يتخذها ظهرا إلا بالوطء وقد قيل إنه مشتق من السر وهو الوطء فصار كما لو حلف لا يطوها والثاني أنه لا يحنث إلا بالتحصين عن العيون والوطء لانه مشتق من السر فكأنه حلف لا يتخذها أسرى الجواري وهذا لا يحصل إلا بالتحصين والوطء والثالث أنه لا يحنث إلا بالتحصين والوطء والإنزال لان التسري في العرف اتخاذ الجارية لابتغاء الولد ولا يحصل ذلك إلا بما ذكرناه فصل وإن حلف أنه لا مال له وله دين حال حنث
لان الدين الحال مال بدليل أنه تجب فيه الزكاة ويملك أخذه إذا شاء فهو كالعين في يد المودع وإن كان له دين موجل ففيه وجهان أحدهما لا يحنث لانه لا يستحق قبضه في الحال والثاني أنه يحنث لانه يملك الحوالة به والإبراء عنه وإن كان له مال مغصوب حنث لانه على ملكه وتصرفه وإن كان له مال ضال ففيه وجهان أحدهما يحنث لان الأصل بقاوه والثاني لا يحنث لانه لا يعلم بقاءه فلا يحنث بالشك فصل وإن حلف أنه لا يملك عبدا وله مكاتب فالمنصوص أنه لا يحنث وقال في الأم ولو ذهب ذاهب إلى أنه عبد ما بقي عليه درهم فإنما يعني أنه عبد في حال دون حال لانه لو كان عبدا له لكان مسلطا على بيعه وأخذ كسبه فمن أصحابنا من جعل ذلك قولا آخر وقال أبو علي الطبري رحمه الله إنه لا يحنث قولا واحدا وإنما ألزم الشافعي رحمه الله نفسه شيئا وانفصل عنه فلا يجعل ذلك قولا له فصل وإن حلف لا يرفع منكرا إلى فلان القاضي أو إلى هذا القاضي ولم ينو أنه لا يرفعه إليه وهو قاض فرفعه إليه بعد العزل ففيه وجهان أحدهما أنه لا يحنث لانه شرط أن يكون قاضيا فلم يحنث بعد العزل كما لو حلف لا يأكل هذه الحنطة فأكلها بعد ما صارت دقيقا والثاني ( أنه يحنث ) لانه علق اليمين على عينه فكان ذكر القضاء تعريفا لا شرطا كما لو حلف لا يدخل دار زيد هذه فدخلها بعدما باعها زيد وإن حلف لا يرفع منكرا إلى قاض حنث بالرفع إلى كل قاض لعموم اللفظ وإن حلف لا يرفع منكرا إلى القاضي لم يحنث إلا بالرفع إلى قاضي البلد لان التعريف بالألف واللام يرجع إليه فإن كان في البلد قاض عند اليمين فعزل وولي غيره فرفع إليه حنث فصل وإن حلف لا يكلم فلانا حينا أو دهرا أو حقبا أو زمانا بر بأدنى زمان لانه سم للوقت ويقع على القليل والكثير وإن حلف لا يكلمه مدة قريبة أو مدة بعيدة بر بأدنى مدة لانه ما من مدة إلا وهي قريبة بالإضافة إلى ما هو أبعد منها بعيدة بالإضافة إلى ما هو أقرب منها فصل وإن حلف لا يستخدم فلانا فخدمه وهو ساكت لم يحنث لانه حلف على فعله وهو طلب الخدمة ولم يوجد ذلك منه وإن حلف لا يتزوج أو لا يطلق فأمر غيره حتى تزوج له أو طلق عنه لم يحنث لانه حلف على فعله نفسه ولم يفعل وإن حلف لا يبيع أو لا يضرب فأمر غيره ففعل فإن كان ممن يتولى ذلك بنفسه لم يحنث لما ذكرناه وإن كان ممن لا يتولى ذلك بنفسه كالسلطان فالمنصوص أنه لا يحنث وقال الربيع فيه قول آخر أنه يحنث ووجهه أن العرف في حقه أن يفعل ذلك عنه بأمره واليمين يحمعل على العرف ولهذا لو حلف لا يأكل الرءوس حملت على رءوس الأنعام والصحيح هو الأول لان اليمين على فعله والحقيقة لا تنتقل بعادة الحالف ولهذا لو حلف السلطان أنه لا يأكل الخبز أو لا يلبس الثوب فأكل خبز الذرة ولبس عباءة حنث وإن لم يكن ذلك من عادته وإن حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه ففيه طريقان أحدهما أنه على القولين كالبيع والضرب في حق من يتولاه بنفسه والثاني أنه يحنث قولا واحدا لان العرف في الحلق في حق كل أحد أن يفعله غيره بأمره ثم يضاف الفعل إلى المحلوق فصل وإن حلف لا يدخل دارين فدخل إحداهما أو لا يأكل رغيفين فأكل أحدهما أو لا يأكل رغيفا فأكله إلا لقمة أو لا يأكل رمانة فأكلها إلا حبة أو لا يشرب ماء ( حب ) فشربه إلا جرعة لم يحنث لانه لم يفعل المحلوف عليه
وإن حلف لا يشرب ماء هذا النهر أو ماء هذه البئر ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي العباس أنه يحنث بشرب بعضه لانه يستحيل شرب جميعه فانعقدت اليمين على ما لا يستحيل وهو شرب البعض والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه لا يحنث بشرب بعضه لانه حلف على شرب جميعه فلم يحنث بشرب بعضه كما لو حلف على شرب ماء في الجب فصل وإن حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وعمرو لم يحنث لانه ليس فيه شيء يمكن أن يشار إليه إن شتراه زيد دون عمرو فلم يحنث وإن شترى كل واحد منهما طعاما ثم خلطاه فأكل منه ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا يحنث لانه ليس فيه شيء يمكن أن يقال هذا الطعام شتراه زيد دون عمرو فلم يحنث كما لو شترياه في صفقة واحدة والثاني أنه إن أكل النصف فما دونه لم يحنث وإن أكل أكثر من النصف حنث لان النصف فما دونه يمكن أن يكون مما اشتراه عمرو فلم يحنث بالشك وفيما زاد يتحقق أنه أكل مما اشتراه زيد والثالث وهو قول أبي إسحاق أنه إن أكل الحبة والعشرين حبة لم يحنث لجواز أن يكون مما شتراه عمرو وإن أكل الكف والكفين حنث لانه يستحيل فيما يختلط أن يتميز في الكف والكفين ما اشتراه زيد عما اشتراه عمرو فصل وإن حلف لا يدخل دار زيد فحمله غيره باختياره فدخل به حنث لان الدخول ينسب إليه كما ينسب إذا دخلها راكبا ( على البهيمة ) أو دخلها برجله فإن دخلها ناسيا لليمين أو جاهلا بالدار أو أكره حتى دخلها ففيه قولان أحدهما يحنث لانه فعل ما حلف عليه فحنث والثاني لا يحنث وهو الصحيح لما روى بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولان حال النسيان والجهل والإكراه لا يدخل في اليمين كما لا يدخل في الأمر والنهي في خطاب الله عز وجل وخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا لم يدخل في اليمين لم يحنث به وإن حمله غيره مكرها حتى دخل به ففيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان كما لو أكره حتى دخلها بنفسه لانه لما كان في حال الاختيار دخوله بنفسه ودخوله محمولا واحدا وجب أن يكون في حال الإكراه دخوله بنفسه ودخوله محمولا واحدا ومنهم من قال لا يحنث قولا واحدا لان الفعل إنما ينسب إليه إما بفعله حقيقة أو بفعل غيره بأمره مجازا وههنا لم يوجد واحد منهما فلم يحنث فصل وإن حلف ليأكلن هذا الرغيف غدا فأكله من الغد بر في يمينه لانه فعل ما حلف على فعله وإن ترك أكله في الغد حتى انقضى حنث لانه فوت المحلوف عليه باختياره وإن أكل نصفه في الغد حنث لانه قدر على أكل الجميع ولم يفعل وإن أكله في يومه حنث لانه فوت المحلوف عليه بختياره فحنث كما لو ترك أكله حتى نقضى الغد وإن تلف الرغيف في يومه أو في الغد قبل أن يتمكن من أكله ففيه قولان كالمكره وإن تلف من الغد بعدما تمكن من أكله ففيه طريقان من أصحابنا من قال يحنث قولا واحدا لانه فوته باختياره ومنهم من قال فيه قولان لان جميع الغد وقت للأكل فلم يكن تفويته بفعله فإن حلف ليقضينه حقه عند رأس الشهر مع رأس الشهر فقضاه قبل روية الهلال حنث لانه فوت القضاء بختياره وإن رأى الهلال ومضى زمان أمكنه فيه القضاء فلم يقضه حنث لانه فوت القضاء باختياره وإن أخذ عند روية الهلال في كيله وتأخر الفراغ منه لكثرته لم يحنث لانه لم يترك القضاء وإن أخر عن أول ليلة الشك ثم بان أنه كان من الشهر ففيه قولان كالناسي والجاهل وإن قال والله لأقضين حقه إلى ( شهر ) رمضان فلم يقضه حتى دخل الشهر حنث لانه ترك ما حلف على فعله من غير ضرر
وإن قال والله لأقضين حقه إلى أول الشهر فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال حكمها حكم ما لو قال والله لأقضين حقه إلى رمضان لان لفظ إلى للحد والغاية وإن أخر القضاء حتى دخل الشهر حنث وقال أبو إسحق حكمها حكم ما لو قال والله لأقضين حقه عند رأس الشهر وهو ظاهر النص وإن قضاه قبل روية الهلال حنث وإن رأى الهلال ومضى وقت يمكن فيه القضاء ثم قضاه حنث لان إلى قد تكون للغاية كقوله عز وجل ثم أتموا الصيام إلى الليل وقد تكون بمعنى مع كقوله تعالى من أنصاري إلى الله والمراد به مع الله وكقوله عز وجل وأيديكم إلى المرافق والمراد به مع المرافق فلما احتمل أن تكون للغاية واحتمل أن تكون للمقارنة لم يجز أن نحنثه بالشك ويخالف قوله والله لأقضين حقه إلى رمضان لانه لا يحتمل أن تكون للمقارنة لانه لا يمكن أن يقارن القضاء ( في ) جميع شهر ( رمضان ) فجعلناه للغاية فصل وإن كان له على رجل حق فقال له والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي ففر منه الغريم لم يحنث الحالف وقال أبو علي بن أبي هريرة ففيه قولان كالقولين في المكره وهذا خطأ لانه حلف على فعل نفسه ولم يوجد ذلك منه ولو قال والله لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك ففارقه الغريم مختارا واكرا لليمين حنث الحالف ( وإن ) فارقه مكرها أو ناسيا ففيه طريقان من أصحابنا من قال هي على القولين في المكره والناسي ومنهم من قال يحنث الحالف قولا واحدا لان الاختيار والقصد يعتبر في فعل الحالف لا في فعل غيره والصحيح هو الأول وأنه يعتبر في فعل من حلف على فعله وإن كانت اليمين على فعل الحالف عتبر الاختيار والقصد في فعله وإن كانت على فعل غيره عتبر الاختيار والقصد في فعله وإن فارقه الحالف لم يحنث لان اليمين على فعل الغريم ولم يوجد منه فعل وإن حلف لا يفارقه غريمه حتى يستوفي حقه منه ثم أفلس وفارقه لما يعلم من وجوب إنظار المعسر حنث لانه فعل المحلوف عليه مختارا ذاكرا لليمين فحنث وإن وجب الفعل بالشرع كما لو حلف لا رددت عليك المغصوب فرده ( حنث ) وإن وجب الرد بالشرع فإن ألزمه الحاكم مفارقته فعلى قولين فصل وإن حلف لا يفارقه حتى يستوفي حقه منه فأحاله على غيره أو أبرأه من الدين أو دفع إليه عوضا عن حقه حنث في اليمين لانه لم يستوف حقه وإن كان حقه دنانير فدفع إليه شيئا على أنه دنانير فخرج نحاسا فعلى القولين في الجاهل وإن قال من عليه الحق والله لا فارقتك حتى أدفع إليك مالك وكان الحق عينا فوهبها منه فقبله حنث لانه فوت الدفع بقبوله وإن كان دينا فأبرأه منه وقلنا إنه لا يحتاج الإبراء إلى القبول على الصحيح من المذهب فعلى الطريقيين فيمن حلف لا يدخل الدار فحمل إليها مكرها باب كفارة اليمين إذا حلف بالله تعالى وحنث وجبت عليه الكفارة لما روى عبد الرحمن بن سمرة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك وإن حلف على فعل مرتين بأن قال والله لا دخلت الدار والله لا دخلت الدار نظرت فإن نوى بالثاني التأكيد لم يلزمه إلا كفارة واحدة وإن نوى الاستئناف ففيه قولان أحدهما يلزمه كفارتان لانهما يمينان بالله عز وجل فتعلق بالحنث فيهما كفارتان كما لو كانت على فعلين والثاني تجب كفارة واحدة وهو الصحيح لان الثانية لا تفيد إلا ما أفادت الأولى فلم يجب أكثر من كفارة كما لو قصد بها التأكيد
وإن لم يكن له نية فإن قلنا إنه إذا نوى الاستئناف لزمته كفارة واحدة فههنا أولى وإن قلنا هناك تجب كفارتان ففي هذا قولان بناء على القولين فيمن كرر لفظ الطلاق ولم ينو فصل والكفارة إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة وهو مخير بين الثلاثة والدليل عليه قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة لمائدة 89 فإن لم يقدر على الثلاثة لزمه صيام ثلاثة أيام لقوله عز وجل فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فإن كان يكفر بالمال فالمستحب ألا يكفر قبل الحنث ليخرج من الخلاف فإن أبا حنيفة لا يجيز تقديم الكفارة على الحنث وإن أراد أن يكفر بالمال قبل الحنث نظرت فإن كان الحنث بغير معصية جاز تقديم الكفارة لانه حق مال يتعلق بسببين يختصانه فإذا وجد أحدهما جاز تقديمه على الآخر كالزكاة قبل الحول وإن كان الحنث بمعصية ففيه وجهان أحدهما يجوز لما ذكرناه والثاني لا يجوز لانه يتوصل به إلى معصية واختلف أصحابنا في كفارة الظهار قبل العود وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الموت فمنهم من قال فيه وجهان كما قلنا في اليمين على معصية ومنهم من قال يجوز لانه ليس فيه توصل إلى معصية وإن كان يكفر بالصوم لم يجز قبل الحنث لانها عبادة تتعلق بالبدن لا حاجة به إلى تقديمها فلم يجز تقديمها على الوجوب كصوم رمضان فصل وإن أراد أن يكفر بالعتق لم يجز إلا بما يجوز في الظهار وقد بيناه وإن أراد أن يكفر بالإطعام أطعم كل مسكين مدا كما يطعم في الظهار وقد بيناه فصل وإن أراد أن يكفر بالكسوة كسا كل مسكين ما يقع عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو رداء أو مقنعة أو خمار لان الشرع ورد به مطلقا ولم يقدر فحمل على ما يسمى كسوة في العرف وهل يجزىء فيه القلنسوة فيها وجهان أحدهما لا يجزئه لانه لا يطلق عليه اسم الكسوة والثاني أنه يجزئه وهو قول أبي إسحاق المروزي لما روي أن رجلا سأل عمران ابن الحصين عن قوله تعالى أو كسوتهم قال لو أن وفدا قدموا على أميركم هذا فكساهم قلنسوة قلنسوة قلتم قد كسوا ولا يجزىء الخف والنعل والمنطقة والتكة لانه لا يقع عليه اسم الكسوة ويجزىء الكساء والطيلسان لانه من الكسوات ويجوز ما اتخذ من القطن والكتان والشعر والصوف والخز وأما الحرير فإنه إن أعطاه للمرأة أجزأه وهل يجوز أن يعطي رجلا فيه وجهان أحدهما لا يجزىء لانه يحرم عليه لبسه والثاني يجزئه وهو الصحيح لانه يجوز أن يعطى الرجال كسوعة النساء والنساء كسوة الرجال ويجوز فيه الخام والمقصور والبياض والمصبوغ فأما الملبوس فإنه إن ذهبت قوته لم يجزه وإن لم تذهب قوته أجزأه كما تجزئه الرقبة إذا لم تبطل منفعتها ولا تجزئه إذا بطلت منفعتها فصل وإن أراد أن يكفر بالصيام ففيه قولان أحدهما لا يجوز إلا متتابعا لانه كفارة جعل الصوم فيها بدلا عن العتق فشرط في صومها التتابع ككفارة الظهار والقتل والثاني أنه يجوز متتابعا ومتفرقا لانه صوم نزل به القرآن مطلقا فجاز متفرقا ومتتابعا كالصوم في فدية الأذى فصل وإن كان الحالف عبدا فكفارته الصوم وإن كان الصوم يضر به لشدة الحر وطول النهار نظرت فإن حلف بإذن المولى وحنث بإذنه جاز له أن يصوم من غير إذنه لانه لزمه بإذنه وإن حلف بغير إذنه وحنث بغير إذنه لم يجز ( له ) أن يصوم إلا بإذنه لانه لزمه بغير إذنه وإن حلف بغير إذنه وحنث بإذنه جاز أن يصوم بغير إذنه لانه لزمه بإذنه وإن حلف بإذنه وحنث بغير إذنه ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز أن يصوم بغير إذنه لانه وجد أحد السببين بإذنه فصار كما لو حلف بغير إذنه وحنث بإذنه
والثاني لا يجوز أن يصوم بغير إذنه وهو الصحيح لانه إذا لم يجز أن يصوم ولم يمنعه من الحنث باليمين فلأن لا يجوز وقد منعه من الحنث باليمين أولى فإن كان الصوم لا يضر به كالصوم في الشتاء ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز أن يصوم بغير إذنه لانه لا ضرر عليه والثاني أنه كالصوم الذي يضر به على ما ذكرناه لانه ينقص من نشاطه في خدمته فإن صام في المواضع التي منعناه من الصوم فيها أجزأه لانه من أهل الصيام وإنما منع منه لحق المولى فإذا فعل بغير إذنه صح كصلاة الجمعة فإن كان نصفه حرا ونصفه عبدا وله مال لم يكفر بالعتق لانه ليس من أهل الولاء ويلزمه أن يكفر بالطعام أو الكسوة ومن أصحابنا من قال فرضه الصوم وهو قول المزني لانه ناقص بالرق وهو كالعبد والمذهب الأول لانه يملك المال بنصفه الحر ملكا تاما فأشبه الحر كتاب العدد إذا طلق الرجل مرأته قبل الدخول والخلوة لم تجب العدة لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ولان العدة تجب لبراءة الرحم وقد تيقنا براءة رحمها وإن طلقها بعد الدخول وجبت العدة لانه لما أسقط العدة في الآية قبل الدخول دل على وجوبها بعد الدخول ولان بعد الدخول يشتغل الرحم بالماء فوجبت العدة لبراءة الرحم وإن طلقها بعد الخلوة وقبل الدخول ففيه قولان أحدهما لا تجب العدة لما ذكرناه من الآية والمعنى والثاني تجب لان التمكين من ستيفاء المنفعة جعل كالاستيفاء ولهذا تستقر به الأجرة في الإجازة كما تستقر بالاستيفاء فجعل كالاستيفاء في إيجاب العدة فصل وإن وجبت العدة على المطلقة لم تخل إما أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة نظرت فإن كانت حاملا من الزوج عتدت بالحمل لقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ولان براءة الرحم لا تحصل في الحامل إلا بوضع الحمل فإن كان الحمل ولدا واحدا لم تنقض العدة حتى ينفصل جميعه وإن كان ولدين أو أكثر لم تنقض حتى ينفصل الجميع لان الحمل هو الجميع ولان براءة الرحم لا تحصل إلا بوضع الجميع وإن وضعت ما بان فيه خلق آدمي نقضت به العدة وإن وضعت مضغة لم يظهر فيه خلق آدمي وشهد أربع نسوة من أهل المعرفة أنه خلق آدمي ففيه طريقان من أصحابنا من قال تنقضي به العدة قولا واحدا ومنهم من قال فيه قولان وقد بيناه في عتق أم الولد وأقل مدة الحمل ستة أشهر لما روي أنه أتي عثمان رضي الله عنه بمرأة ولدت لستة أشهر فشاور القوم في رحمها فقال بن عباس رضي الله عنه أنزل الله عز وجل وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وأنزل ( الله ) وفصاله في عامين فالفصال في عامين والحمل في ستة أشهر وذكر القتيبي في ( كتاب ) المعارف أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر وأكثره أربع سنين لما روى الوليد بن مسلم قال قلت لمالك بن أنس حدثت جميلة بنت سعد عن عائشة رضي الله عنها لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل قال مالك سبحان الله من يقول هذا هذه جارتنا مرأة محمد بن عجلان تحمل أربع سنين قبل أن تلد وأقل ما تنقضي به عدة الحامل أن تضع بعد ثمانين يوما من بعد إمكان الوطء لان النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أحدكم ليخلق في بطن أمه نطفة أربعين يوما ثم يكون علقة أربعين يوما ثم يكون مضغة أربعين يوما ولا تنقضي العدة بما دون المضغة فوجب أن يكون بعد الثمانين لقوله عز وجل والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فصل فإن كانت المعتدة غير حامل فإن كانت ممن تحيض عتدت بثلاثة أقراء والأقراء هي الأطهار والدليل عليه قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن والمراد به في وقت عدتهن كما قال ونضع الموازين القسط ليوم القيامة والمراد به في يوم القيامة والطلاق المأمور به في الطهر فدل على أنه وقت العدة
وإن كان الطلاق في وقت الحيض كان أول الأقراء الطهر الذي بعده فإن كان في حال الطهر نظرت فإن بقيت في الطهر بعد الطلاق لحظة ثم حاضت احتسبت تلك اللحظة قرءا لان الطلاق إنما جعل في الطهر ولم يجعل في الحيض حتى لا يودي إلى الإضرار بها في تطويل العدة فلو لم تحسب بقية الطهر قرءا كان الطلاق في الطهر أخرجها من الطلاق في الحيض لأنه أطول للعدة فإن لم يبق بعد الطلاق جزء من الطهر بأن وافق آخر لفظ الطلاق آخر الطهر أو قال لها أنت طالق في آخر جزء من طهرك كان أول الأقراء الطهر الذي بعد الحيض وخرج أبو العباس وجها آخر أنه يجعل الزمان الذي صادفه الطلاق من الطهر قرءا وهذا لا يصح لان العدة لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق فلم يجز الاعتداد بما قبله وأما آخر العدة فقد روى المزني والربيع أنها إذا رأت الدم بعد الطهر الثالث نقضت العدة بروية الدم وروى البويطي وحرملة أنها لا تنقضي حتى يمضي من الحيض يوم وليلة فمن أصحابنا من قال هما قولان أحدهما تنقضي العدة بروية الدم لان الظاهر أن ذلك حيض والثاني لا تنقضي حتى يمضي يوم وليلة لجواز أن يكون دم فساد فلا يحكم بنقضاء العدة ومنهم من قال هي على ختلاف حالين فالذي رواه المزني والربيع فيمن رأت الدم لعادتها فيعلم بالعادة أن ذلك حيض والذي رواه البويطي وحرملة فيمن رأت الدم لغير عادة لانه لا يعلم أنه حيض قبل يوم وليلة وهل يكون ما رأته من الحيض من العدة فيه وجهان أحدهما أنه من العدة لانه لا بد من عتباره فعلى هذا إذا راجعها فيه صحت الرجعة وإن تزوجت فيه لم يصح النكاح والثاني ليس من العدة لانا لو جعلناه من العدة لزادت العدة على ثلاثة أقراء فعلى هذا إذا راجعها لم تصح الرجعة فإن تزوجت فيه صح النكاح فصل وأقل ما يمكن أن تعتد فيه الحرة بالأقراء اثنان وثلاثون يوما وساعة وذلك بأن يطلقها في الطهر ويبقى من الطهر بعد الطلاق ساعة فتكون تلك الساعة قرءا ثم تحيض يوما ثم تطهر خمسة عشر يوما وهو القرء الثاني ثم تحيض يوما ثم تطهر خمسة عشر يوما وهو القرء الثالث فإذا طعنت في الحيضة الثالثة نقضت عدتها فصل وإن كانت من ذوات الأقراء فارتفع حيضها فإن كان لعارض معروف كالمرض والرضاع تربصت إلى أن يعود الدم فتعتد بالأقراء لان رتفاع الدم بسبب يزول فانتظر زواله فإن رتفع بغير سبب معروف ففيه قولان قال في القديم تمكث إلى أن تعلم براءة رحمها ثم تعتد عدة الآيسة لان العدة تراد لبراءة الرحم وقال في الجديد تمكث إلى أن تيأس من الحيض ثم تعتد عدة الآيسة لان الاعتداد بالشهور جعل بعد الإياس فلم يجز قبله فإن قلنا بالقول القديم ففي القدر الذي تمكث فيه قولان أحدهما تسعة أشهر لانه غالب عادة الحمل ويعلم به براءة الرحم في الظاهر والثاني تمكث أربع سنين لانه لو جاز الاقتصار على براءة الرحم في الظاهر لجاز الاقتصار على حيضة واحدة لانه يعلم بها براءة الرحم في الظاهر فوجب أن يعتبر أكثر مدة الحمل ليعلم براءة الرحم بيقين فإذا علمت براءة الرحم بتسعة أشهر أو بأربع سنين عتدت بعد ذلك بثلاثة أشهر لما روي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في المرأة إذا طلقت فرتفعت حيضتها أن عدتها تسعة أشهر لحملها وثلاثة أشهر لعدتها ولان تربصها فيما تقدم ليس بعدة وإنما عتبر ليعلم أنها ليست من ذوات الأقراء فإذا علمت عتدت بعدة الآيسات فإن حاضت قبل العلم ببراءة رحمها أو قبل انقضاء العدة بالشهور لزمها الاعتداد بالأقراء لانا تبينا أنها من ذوات الأقراء فإن عتدت وتزوجت ثم حاضت لم يوثر ذلك في العدة لانها نقضت العدة وتعلق بها حق الزوج فلم يبطل
فإن حاضت بعد العدة وقبل النكاح ففيه وجهان أحدهما لا يلزمها الاعتداد بالأقراء لأنا حكمنا بنقضاء العدة فلم يبطل بما حدث بعده والثاني يلزمها لانها صارت من ذوات الأقراء قبل تعلق حق الزوج بها فلزمها الاعتداد بالأقراء فإن قلنا بقوله الجديد أنها تقعد إلى الإياس ففي الإياس قولان أحدهما يعتبر إياس أقاربها لانها أقرب إليهن والثاني يعتبر إياس نساء العالم وهو أن تبلغ ثنتين وستين سنة لانه لا يتحقق الإياس فيما دونها فإذا تربصت قدر الإياس عتدت بعد ذلك بالأشهر لان ما قبلها لم يكن عدة وإنما عتبر ليعلم أنها ليست من ذوات الأقراء فصل وإن كانت ممن لا تحيض ولا يحيض مثلها كالصغيرة والكبيرة الآيسة اعتدت بثلاثة أشهر لقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن فإن كان الطلاق في أول الهلال عتدت بثلاثة أشهر بالأهلة لان الأشهر في الشرع بالأهلة والدليل عليه قوله عز وجل يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وإن كان الطلاق في أثناء الشهر عتدت بقية الشهر ثم عتدت بشهرين بالأهلة ثم تنظر عدد ما عتدت من الشهر الأول وتضيف إليه من الشهر الرابع ما يتم به ثلاثون يوما وقال أبو محمد ( بن ) عبد الرحمن بن بنت الشافعي رحمه الله إذا طلقت المرأة في أثناء الشهر عتدت بثلاثة أشهر بالعدد كاملة لانها إذا فاتها الهلال في الشهر الأول فاتها في كل شهر فعتبر العدد في الجميع وهذا خطأ لانه لم يتعذر عتبار الهلال إلا في الشهر الأول فلم يسقط عتباره فيما سواه فصل وإن كانت ممن لا تحيض ولكنها في سن تحيض فيه النساء اعتدت بالشهور لقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ولان الاعتبار بحال المعتدة لا بعادة النساء والدليل عليه أنها لو بلغت سنا لا تحيض فيه النساء وهي تحيض كانت عدتها بالأقراء عتبارا بحالها فكذلك إذا لم تحض في سن تحيض فيه النساء وجب أن تعتد بالأشهر عتبارا بحالها وإن ولدت ولم تر حيضا قبله ولا نفاسا بعده ففي عدتها وجهان أحدهما وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله أنها تعتد بالشهور للآية والثاني أنها لا تعتد بالشهور بل تكون كمن تباعد حيضها من ذوات الأقراء لانه لا يجوز أن تكون من ذوات الأحمال ( ولا تكون ) من ذوات الأقراء فصل وإذا شرعت الصغيرة في العدة بالشهور ثم حاضت لزمها الانتقال إلى الأقراء لان الشهور بدل عن الأقراء فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها وهل يحسب ما مضى من الأشهر قرءا فيه وجهان أحدهما يحتسب به وهو قول أبي العباس لانه طهر بعده حيض فاعتدت به قرءا كما لو تقدمه حيض والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه لا يحتسب به كما إذا اعتدت بقرأين ثم أيست لزمها الاستئناف ثلاثة أشهر ولم يحتسب ما مضى من زمان الأقراء شهرا وإن نقضت عدتها بالشهور ثم حاضت لم يلزمها الاستئناف للعدة بالأقراء لان هذا معنى حدث بعد نقضاء العدة وإن شرعت في العدة بالأقراء ثم ظهر بها حمل من الزوج سقط حكم الأقراء إذا قلنا إن الحامل تحيض لان الأقراء دليل على براءة الرحم من جهة الظاهر والحمل دليل على براءة الرحم من جهة القطع والظاهر إذا عارضه قطع سقطت دلالته كالقياس إذا عارضه نص وإن اعتدت بالأقراء ثم ظهر حمل من الزوج لزمها الاعتداد بالحمل ويخالف إذا عتدت بالشهور ثم حاضت لان ما رأت من الحيض لم يكن موجودا في حال العدة وإنما حدث بعدها والحمل من الزوج كان موجودا في حال العدة بالأقراء فسقط معه حكم الأقراء فصل وإن كانت المطلقة أمة