Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
نظرت فإن كانوا مع المسلمين أو فى موضع إذا قصدهم أهل الحرب كان طريقهم على المسلمين لم يصح العقد لانه عقد على تمكين الكفار من المسلمين فلم يصح وإن كانوا منفردين عن المسلمين فى موضع ليس لاهل الحرب طريق على المسلمين صح العقد لانه ليس فيه تمكين الكفار من المسلمين وهل يكره هذا الشرط قال الشافعى رضى الله عنه فى موضع يكره وقال فى موضع لا يكره وليست المسألة على قولين وإنما هى على اختلاف حالين فالموضع الذى قال يكره إذا طلب الإمام الشرط لان فيه إظهار ضعف المسلمين والموضع الذى قال لا يكره إذا طلب أهل الذمة الشرط لانه ليس فيه إظهار ضعف المسلمين وإن أغار أهل الحرب على أهل الذمة وأخذوا أموالهم ثم ظفر الإمام بهم واسترجع ما أخذوه من أهل الذمة وجب ( على الإمام ) رده عليهم وإن أتلفوا أموالهم أو قتلوا منهم لم يضمنوا لانهم لم يلتزموا أحكام المسلمين وإن أغار من بيننا وبينهم هدنة على أهل الذمة وأخذوا أموالهم وظفر بهم الإمام واسترجع ما أخذوه وجب رده على أهل الذمة وإن أتلفوا أموالهم وقتلوا منهم وجب عليهم الضمان لانهم التزموا بالهدنة حقوق الآدميين وإن نقضوا العهد وامتنعوا فى ناحية ثم أغاروا على أهل الذمة وأتلفوا عليهم أموالهم وقتلوا منهم ففيه قولان أحدهما أنه يجب عليهم الضمان والثانى لا يجب كالقولين فيما يتلف أهل الردة إذا امتنعوا وأتلفوا على المسلمين أموالهم أو قتلوا منهم فصل وإن تحاكم مشركان إلى حاكم المسلمين نظرت فإن كانا معاهدين فهو بالخيار بين أن يحكم بينهما وبين ألا يحكم لقوله عز وجل فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ولا يختلف أهل العلم أن هذه الآية نزلت فيمن وادعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة قبل فرض الجزية وإن حكم بينهما لم ( يلزمهما ) حكمه وإن دعا الحاكم أحدهما ليحكم بينهما لم يلزمه الحضور وإن كانا ذميين نظرت فإن كانا على دين واحد ففيه قولان أحدهما أنه بالخيار بين أن يحكم بينهما وبين ألا يحكم لانهما كافران فلا يلزمه الحكم بينهما كالمعاهدين وإن حكم بينهما لم يلزمهما حكمه وإن دعا أحدهما ليحكم بينهما لم يلزمه الحضور والقول الثانى أنه يلزمه الحكم بينهما وهو اختيار المزنى لقوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولانه يلزمه دفع ما قصد كل واحد منهما بغير حق فلزمه الحكم بينهما كالمسلمين وإن حكم بينهما لزمهما حكمه وإن دعا أحدهما ليحكم بينهما لزمه الحضور وإن كانا على دينين كاليهودى والنصرانى ففيه طريقان أحدهما أنه على القولين كالقسم قبله لانهما كافران فصارا كما لو كانا على دين واحد والثانى ( وهو ) قول أبى على بن ايبى هريرة أنه يجب الحكم بينهما قولا واحدا لانهما إذا كانا على دين واحد فلم يحكم بينهما تحاكما إلى رئيسهما فيحكم بينهما وإذا كانا على دينين لم يعرض كل واحد منهما برئيس الآخر فيضيع الحق واختلف أصحابنا فى موضع القولين فمنهم من قال القولان فى حقوق الآدميين وفى حقوق الله تعالى ومنهم من قال القولان فى حقوق الآدميين وأما حقوق الله تعالى فإنه يجب الحكم بينهما قولا واحدا لان الحقوق الآدميين من يطالب بها ويتوصل إلى استيفائها فلا تضيع بترك الحكم بينهما وليس لحقوق الله تعالى من يطالب بها فإذا لم يحكم بينهما ضاعت ومنهم من قال القولان فى حقوق الله تعالى فأما فى حقوق الآدميين فإنه يجب الحكم بينهما قولا واحدا لانه إذا لم يحكم بينهما فى حقوق الآدميين ضاع حقه واستضر ولا يوجد ذلك فى حقوق الله تعالى فإن تحاكم إليه ذمى ومعاهد ففيه قولان كالذميين
وإن تحاكم إليه مسلم وذمى أو مسلم ومعاهد لزمه الحكم بينهما قولا واحدا لانه يلزمه دفع كل واحد منهما عن ظلم الآخر فلزمه الحكم بينهما ولا يحكم ( بينهما ) إلا بحكم الإسلام لقوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولقوله تعالى وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط وإن تحاكم إليه رجل وامرأة فى نكاح فإن كانا على نكاح لو أسلمنا عليه لم يجز إقرارهما عليه كنكاح ذوات المحارم حكم بإبطاله وإن كانا على نكاح لو أسلما عليه وجاز إقرارهما عليه حكم بصحته لان أنكحة الكفار محكوم بصحتها والدليل عليه قوله تعالى وقالت امرأة فرعون فأضاف إلى فرعون زوجته وقوله تعالى وامرأته حمالة الحطب فأضاف إلى أبي لهب زوجته ولانه أسلم خلق كثير على أنكحة فى الكفر فأقروا على أنكحتهم فإن طلقها أو آلى منها أو ظاهر منها حكم فى الجميع بحكم الإسلام فصل وإن تزوجها على مهر فاسد وسلم إليها بحكم حاكمهم ثم ترافعا إلينا ففيه قولان أحدهما يقرون عليه لانه مهر مقبوض فأقرا عليه كما لو أقبضها من غير حكم والثانى أنه يجب لها مهر المثل لانها قبضت عن إكراه بغير حق فصار كما لو لم تقبض فصل ومن أتى من أهل الذمة محرما يوجب عقوبة نظرت فإن كان ذلك محرما فى دينه كالقتل والزنا والسرقة والقذف وجب عليه ما يجب على المسلم والدليل عليه ما روى أنس رضى الله عنه أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين وروى ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فأمر بهما فرجما ولانه محرم فى دينه وقد التزم حكم الإسلام بعقد الذمة فوجب عليه ما يجب على المسلم وإن كان يعتقد إباحته كشرب الخمر لم يجب عليه الحد لانه لا يعتقد تحريمه فلم يجب عليه عقوبة كالكفر فإن تظاهر به عزر لانه إظهار منكر فى دار الإسلام فعزر عليه فصل إذا امتنع الذمى من التزام الجزية أو امتنع من التزام أحكام المسلمين انتقض عهده لان عقد الذمة لا ينعقد إلا بهما فلم يبق دونهما وإن قاتل المسلمين انتقض عهده سواء شرط عليه تركه فى العقد أو لم يشرط لان مقتضى عقد الذمة الأمان من الجانبين والقتال ينافى الأمان فانتقض به العهد وإن فعل ما سوى ذلك نظرت فإن كان مما فيه إضرار بالمسلمين فقد ذكر الشافعى رحمه الله تعالى ستة أشياء وهو أن يزنى بمسلمة أو يصيبها باسم النكاح أو يفتن مسلما عن دينه أو يقطع عليه الطريق أو يؤوي عينا لهم أو يدل على عوراتهم وأضاف إليه أصحابنا أن يقتل مسلما فإن لم يشرط الكف عن ذلك فى العقد لم ينتقض عهده لبقاء ما يقتضى العقد من التزام أداء الجزية والتزام أحكام المسلمين والكف عن قتالهم وإن شرط عليهم الكف عن ذلك فى العقد ففيه وجهان أحدهما أنه لا ينتقض به العقد لانه لا ينتقض به العهد من غير شرط فلا ينتقض به مع الشرط كإظهار الخمر والختزير وترك الغيار والثانى أنه ينتقض به العهد لما روى أن نصرانيا استكره امرأة مسلمة على الزنا فرفع إلى أبى عبيدة ابن الجراح فقال ما على هذا صالحناكم وضرب عنقه ولان عقوبة هذه الأفعال تستوفى عليه من غير شرط فوجب أن يكون لشرطها تأثير ولا تأثير إلا ما ذكرناه من نقض العهد فإن ذكر الله عز وجل أو كتابه أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دينه بما لا ينبغى فقد اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق فى حكمه حكم الثلاثة الأولى وهى الامتناع من التزام الجزية والتزام أحكام المسلمين والإجتماع على قتالهم وقال عامة أصحابنا حكمه حكم ما فيه ضرر بالمسلمين وهى الأشياء السبعة إن لم يشترط فى العقد الكف عنه لم ينقض العهد وإن شرط الكف عنه فعلى الوجهين لان فى ذلك إضرار بالمسلمين لما يدخل عليهم من العار فألحق بما ذكرناه مما فيه إضرار بالمسلمين
ومن أصحابنا من قال من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب قتله لما روى أن رجلا قال لعبد الله بن عمر سمعت راهبا يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو سمعته لقتلته إنا لم نعطه الأمان على هذا وإن أظهر من منكر دينهم ما لا ضرر فيه على المسلمين كالخمر والخنزير وضرب الناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل وترك الغيار لم ينتقض العهد شرط أو لم يشرط واختلف أصحابنا فى تعليله فمنهم من قال لا ينتقض العهد لانه إظهار ما لا ضرر فيه على المسلمين ومنهم من قال ينتقض لانه إظهار ما يتدينون به وإذا فعل ما ينتقض به العهد ففيه قولان أحدهما أنه يرد إلى مأمنه لانه حصل فى دار الإسلام بأمان فلم يجز قتله قبل الرد إلى مأمنه كما لو دخل دار الإسلام بأمان صبى والثانى وهو الصحيح أنه لا يجب رده إلى مأمنه لان أبا عبيدة بن الجراح قتل النصرانى الذى استكره المسلمة على الزنا ولم يرده إلى مأمنه ولانه مشرك لا أمان له فلم يجب رده إلى مأمنه كالأسير ويخالف من دخل بأمان الصبى لان ذلك غير مفرط لانه اعتقد صحة عقد الأمان فرد إلى مأمنه وهذا مفرط لانه نقض العهد فلم يرد إلى مأمنه فعلى هذا يختار الإمام ما يراه من القتل والاسترقاق والمن والفداء كما قلنا فى الأسير فصل ولا يمكن مشرك من الإقامة فى الحجاز قال الشافعى رحمه الله هى مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها قال الأصمعى سمى حجازا لانه حاجز بين تهامة ونجد والدليل عليه ما روى ابن عباس رضى الله عنه قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأراد الحجاز والدليل عليه ما روى أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه قال آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل مجران من جزيرة العرب وروى ابن عمر رضى الله عنه أجلى اليهود والنصارى من الحجاز ولم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلى من كان باليمن من أهل الذمة وإن كانت من جزيرة العرب فإن جزيرة العرب فى قول الأصمعى من أقصى عدن إلى ريف العراق فى الطول ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطرار الشام فى العرض وفى قول أبى عبيدة ما بين حفر أبى موسى الأشعرى إلى أقصى اليمن فى الطول وما بين النهرين إلى السماوة وفي العرض قال يعقوب حفر أبى موسى على منازل من البصرة من طريق مكة على خمسة أو ستة منازل وأما نجران فليست من الحجاز ولكن صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يأكلوا الربا فأكلوه ونقضوا العهد فأمر بإجلائهم فأجلاهم عمر ويجوز تمكينهم من دخول الحجاز لغير الإقامة لان عمر رضى الله عنه أذن لمن دخل منهم تاجرا فى مقام ثلاثة أيام ولا يمكنون من الدخول بغير إذن الإمام لان دخولهم إنما أجيز لحاجة المسلمين فوقف على رأى الإمام فإن استأذن فى الدخول فإن كان للمسلمين فيه منفعة بدخوله لحمل ميرة أو أداء رسالة أو عقد ذمة أو عقد هدنة أذن فيه لان فيه مصلحة للمسلمين
فإن كان فى تجارة لا يحتاج إليها المسلمون لم يؤذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارتهم شيئا لان عمر رضى الله عنه أمر أن تؤخذ من أنباط الشام من حمل القطنية من الحبوب العشر ومن حمل الزيت والقمح نصف العشر ليكون أكثر للحمل وتقدير ذلك إلى رأى الإمام لان أخذه باجتهاده فكان تقديره إلى رأيه فإن دخل للتجارة فله أن يقيم ثلاثة أيام ولا يقيم أكثر منها لحديث عمر رضى الله عنه ولانه لا يصير مقيما بالثلاثة ويصير مقيما بما زاد وإن أقام فى موضع ثلاثة أيام ثم انتقل إلى موضع آخر وأقام ثلاثة أيام ثم كذلك ينتقل من موضع إلى موضع ويقيم فى كل موضع ثلاثة أيام جاز لانه لم يصر مقيما فى موضع ولا يمنع من ركوب بحر الحجاز لانه ليس بموضع للإقامة ويمنع من المقام فى سواحله والجزائر المكونة فيه لانه من بلاد الحجاز وإن دخل لتجارة فمرض فيه ولم يمكنه الخروج أقام حتى يبرأ لانه موضع ضرورة وإن مات فيه وأمكن نقله من غير تغير لم يدفن فيه لان الدفن إقامة على التأبيد وإن خيف عليه التغير فى النقل عنه لبعد المسافة دفن فيه لانه موضع ضرورة فصل ولا يمكن مشرك من دخول الحرم لقوله عز وجل إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا والمسجد الحرام عبارة عن الحرم والدليل عليه قوله عز وجل سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وأراد به مكة لانه أسرى به من منزل خديجة وروى عطاء أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل مشرك المسجد الحرام فإن جاء رسولا خرج إليه من يسمع رسالته وإن جاء لحمل ميرة خرج إليه من يشترى منه وإن جاء ليسلم خرج إليه من يسمع كلامه وإن دخل ومرض فيه لم يترك فيه وإن مات لم يدفن فيه وإن دفن فيه نبش وأخرج منه للآية ولانه إذا لم يجز دخوله فى حياته فلان لا يجوز دفن جيفته فيه أولى وإن تقطع ترك لان النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمر بنقل من مات فيه منهم ودفن قبل الفتح وإن دخل بغير إذن فإن كان عالما بتحريمه عزر وإن كان جاهلا أعلم فإن عاد عزر وإن أذن له فى الدخول بمال لم يجز فإن فعل استحق عليه المسمى لانه حصل له المعوض ولا يستحق عوض المثل وإن كان فاسدا لانه لا أجرة لمثله والحرم من طريق المدينة على ثلاثة أميال ومن طريق العراق على تسعة أميال ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال ومن طريق الطائف على عرفة على سبعة أميال ومن طريق جدة على عشرة أميال فصل وأما دخول ما سوى المسجد الحرام من المساجد فإنه يمنع منه من غير إذن لما روى عياض الأشعرى أن أبا موسى وفد إلى عمر ومعه نصرانى فأعجب عمر خطه فقال قل لكاتبك هذا يقرأ لنا كتابا فقال إنه لا يدخل المسجد فقال لم أجنب هو قال لا هو نصرانى قال فانتهره عمر فإن دخل من غير إذن عزر لما روت أم غراب قالت رأيت عليا كرم الله وجهه على المنبر وبصر بمجوسى فنزل فضربه وأخرجه من باب كندة فإن استأذن فى الدخول فإن كان لنوم أو أكل لم يؤذن له لانه يرى ابتذاله تدينا فلا يحميه من أقذاره وإن كان لسماع قرآن أو علم فإن كان ممن يرجى إسلامه أذن له لقوله عز وجل وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ولانه ربما كان ذلك سببا لاسلامه وقد روى أن عمر رضى الله عنه سمع أخته تقرأ طه فأسلم وإن كان جنبا ففيه وجهان أحدهما أنه يمنع من المقام فيه لانه إذا منع المسلم إذا كان جنبا فلان يمنع المشرك أولى والثانى أنه لا يمنع لان المسلم يعتقد تعظيمه فمنع والمشرك لا يعتقد تعظيمه فلم يمنع
وإن وفد قوم من الكفار ولم يكن للإمام موضع ينزلهم فيه جاز أن ينزلهم فى المسجد لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم أنزل سبى بنى قريظة والنضير فى مسجد المدينة وربط ثمامة بن أثال فى المسجد فصل ولا يمكن حربى من دخول دار الإسلام من غير حاجة لانه لا يؤمن كيده ولعله يدخل للتجسيس أو شراء سلاح فإن استأذن فى الدخول لاداء رسالة أو عقد ذمة أو هدنة أو حمل ميرة وللمسلمين إليها حاجة جاز الإذن له من غير عوض لان فى ذلك مصلحة للمسلمين وإذا انقضت حاجته لم يمكن من المقام فإن دخل من غير ذمة ولا أمان فللإمام أن يختار ما يراه من القتل والاسترقاق والمن والفداء والدليل عليه ما روى ابن عباس فى فتح مكة ومجىء أبى سفيان مع العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر دخل وقال يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه من غير عقد ولا عهد فدعنى أضرب عنقه فقال العباس يا رسول الله إنى قد أجرته ولانه حربى لا أمان له فكان حكمه ما ذكرناه كالأسير وإن دخل وادعى أنه دخل لرسالة قبل قوله لانه يتعذر إقامة البينة على الرسالة وإن ادعى أنه دخل بأمان مسلم ففيه وجهان أحدهما أنه لا يقبل قوله لانه لا يتعذر إقامة البينة على الأمان والثانى أنه يقبل قوله وهو ظاهر المذهب لان الظاهر أنه لا يدخل من غير أمان وإن أراد الدخول لتجارة ولا حاجة للمسلمين إليها لم يؤذن له إلا بمال يؤخذ من تجارته لان عمر رضى الله عنه أخذ العشر من أهل الحرب ويستحب ألا ينقص عن ذلك اقتداء بعمر رضى الله عنه فإن نقص باجتهاده جاز لان أخذه باجتهاده فكان تقديره إليه ولا يؤخذ ما يشترط على الذمى فى دخول الحجاز فى السنة إلا مرة كما لا تؤخذ الجزية منه فى السنة إلا مرة وما يؤخذ من الحربى فى دخول دار الإسلام فيه وجهان أحدهما أنه يؤخذ منه فى كل سنة مرة كأهل الذمة فى الحجاز والثانى أنه يؤخذ منه فى كل مرة يدخل لان الذمى تحت يد الإمام ولا يفوت ما شرط عليه بالتأخير والحربى يرجع إلى دار الحرب فإذا لم يؤخذ منه فات ما شرط عليه وإن شرط أن يؤخذ من تجارته أخذ منه باع أو لم يبع وإن شرط أن يؤخذ من ثمن تجارته فكسد المتاع ولم يبع لم يؤخذ منه لانه لم يحصل الثمن وإن دخل الذمى الحجاز أو الحربى دار الإسلام ولم يشرط عليه فى دخوله مال لم يؤخذ منه شيء ومن أصحابنا من قال يؤخذ من تجارة الذمى نصف العشر ومن تجارة الحربى العشر لانه قد تقرر هذا فى الشرع بفعل عمر رضى الله عنه فحمل مطلق العقد عليه والمذهب الأول لانه أمان من غير شرط المال فلم يستحق به مال كالهدنة باب الهدنة لا تجوز عقد الهدنة لاقليم أو ضقع عظيم إلا للإمام أو لمن فوض إليه الإمام لانه لو جعل ذلك إلى كل واحد لم يؤمن أن يهادن الرجل أهل إقليم والمصلحة فى قتالهم فيعظم الضرر فلم يجز إلا للإمام أو للنائب عنه فإن كان الإمام مستظهر نظرت فإن لم يكن فى الهدنة مصلحة لم يجز عقدها لقوله عز وجل فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم وإن كان فيها مصلحة بأن يرجو إسلامهم أو بذل الجزية أو معاونتهم على قتال غيرهم جاز أن يهادن أربعة أشهر لقوله عز وجل براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يجوز أن يهادنهم سنة فما زاد لانها مدة يجب فيها الجزية فلا يجوز إقرارهم فيها من غير جزية
وهل يجوز فيما زاد على أربعة أشهر وما دون سنة فيه قولان أحدهما أنه لا يجوز لان الله تعالى أمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يعطوا الجزية لقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله وأمر بقتال عبدة الأوثان إلى أن يؤمنوا لقوله عز وجل فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ثم أذن فى الهدنة فى أربعة أشهر وبقى ما زاد على ظاهر الآيتين والقول الثانى أنه يجوز لانها مدة تقصر عن مدة الجزية فجاز فيها عقد الهدنة كأربعة أشهر وإن كان الإمام غير مستظهر بأن كان فى المسلمين ضعف وقلة وفى المشركين قوة وكثرة أو كان الإمام مستظهرا لكن العدو على بعد ويحتاج فى قصدهم إلى مؤنة مجحفة جاز عقد الهدنة إلى مدة تدعو إليها الحاجة وأكثرها عشر سنين لان رسول الله صلى الله عليه وسلم هادن قريشا فى الحديبية عشر سنين ولا يجوز فيما زاد على ذلك لان الأصل وجوب الجهاد إلا فيما وردت فيه الرخصة وهو عشر سنين وبقى ما زاد على الأصل وإن عقد على عشر سنين وانقضت والحاجة باقية استأنف العقد فيما تدعو الحاجة إليه وإن عقد على أكثر من عشر سنين بطل فيما زاد على العشر وفى العشر قولان بناء على تفريق الصفقة فى البيع وإن دعت الحاجة إلى خمس سنين لم تجز الزيادة عليها فإن عقد على ما زاد الخمس سنين بطل العقد فيما زاد وفي الخمس قولان فإن عقد الهدنة مطلقا من غير مدة لم يصح لان إطلاقه يقتضى التأبيد وذلك لا يجوز وإن هادن على أن له أن ينقض إذا شاء جاز لان النبى صلى الله عليه وسلم وادع يهود خيبر وقال أقركم ما أقركم الله وإن قال غير النبى صلى الله عليه وسلم هادنتكم إلى أن يشاء الله تعالى أو أقررتكم ما أقركم الله تعالى لم يجز لانه لا طريق له إلى معرفة ما عند الله تعالى ويخالف الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كان يعلم ما عند الله تعالى بالوحى وإن هادنهم ما شاء فلان وهو رجل مسلم أمين عالم له رأى جاز فإن شاء فلان أن ينقض نقض وإن قال هادنتكم ما شئتم لم يصح لانه جعل الكفار محكمين على المسلمين وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم الإسلام يعلو ولا يعلى ويجوز عقد الهدنة على مال يؤخذ منهم لان فى ذلك مصلحة للمسلمين ولا يجوز بمال يؤدى إليهم من غير ضرورة لان فى ذلك إلحاق صغار بالإسلام فلم يجز من غير ضرورة فإن دعت إلى ذلك ضرورة بأن أحاط الكفار بالمسلمين وخافوا الاصطلام أو أسروا رجلا من المسلمين وخيف تعذيبه جاز بدل المال لاستنقاذه منهم لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن الحارث بن عمر والغطفانى رئيس غطفان قال للنبى صلى الله عليه وسلم إن جعلت لى شطر ثمار المدينة وإلا ملاتها عليك خيلا ورجلا فقال النبى صلى الله عليه وسلم حتى أشاور السعديين يعنى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسعد ابن زرارة فقالوا إن كان هذا بأمر من السماء فتسليم لامر الله عز وجل وإن كان برأيك فرأينا تبع لرأيك وإن لم يكن بأمر من السماء ولا برأيك فوالله ما كنا نعطيهم فى الجاهلية تمرة إلا شراء أو قراء وكيف وقد أعزنا الله بك فلم يعطهم شيئا فلو لم يجز عند الضرورة لما رجع إلى الأنصار ليدفعوه إن رأوا ذلك ولان ما يخاف من الاصطلام وتعذيب الأسير أعظم فى الضرورة من بذل المال فجاز دفع أعظم الضررين بأخفهما وهل يجب بذل المال فيه وجهان بناء على ( القولين ) فى وجوب الدفع عن نفسه وقد بيناه فى الصول فإذا بذل لهم على ذلك مال لم يملكوه لانه مال مأخوذ بغير حق فلم يملكوه كالمأخوذ بالقهر فصل ولا يجوز عقد الهدنة على رد من جاء من المسلمات
لان النبى صلى الله عليه وسلم عقد الصلح بالحديبية فجاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط مسلمة فجاء أخواها فطلباها فأنزل الله عز وجل فلا ترجعوهن إلى الكفار فقال النبى صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى منع من الصلح فى النساء ولانه لا يؤمن أن تزوج بمشرك فيصيبها ولا يؤمن أن تفتن فى دينها لنقصان عقلها ولا يجوز عقدها على رد من لا عشيرة ( له من الرجال ) تمنع عنه لانه لا يأمن على نفسه فى إظهار دينه فيما بينهم ويجوز عقدها على رد من له عشيرة تمنع عنه لانه يأمن على نفسه فى إظهار دينه ولا يجوز عقدها مطلقا على رد من جاء من الرجال مسلما لانه يدخل فيه من يجوز رده ومن لا يجوز فصل وإن عقدت الهدنة على ما لا يجوز مما ذكرناه أو عقدت الذمة على ما لا يجوز من النقصان عن دينار فى الجزية أو المقام فى الحجاز أو الدخول إلى الحرم أو بناء كنيسة فى دار الإسلام أو ترك الغيار أو إظهار الخمر والخنزير فى دار الإسلام وجب نقضه لقوله صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ولما روى عن عمر رضى الله عنه أنه خطب الناس وقال ردوا الجهالات إلى السنة ولانه عقد على محرم فلم يجز الإقرار عليه كالبيع بشرط باطل أو عوض محرم فصل وإن عقدت الهدنة على ما يجوز إلى مدة وجب الوفاء بها إلى أن تنقضى المدة ما أقاموا على العهد لقوله عز وجل أوفوا بالعقود ولقوله تعالى وبشر الذين كفروا بعذاب أليم إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ولقوله عز وجل فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم وروى سليمان ابن عامر قال كان بين معاوية وبين الروم هدنة فسار معاوية فى أرضهم كأنه يريد أن يغير عليهم فقال له عمرو بن عبسة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحل عقدة ولا يشدها حتى يمضى أمدها أو ينبذ إليهم على سواء قال فانصرف معاوية ذلك العام ولان الهدنة عقدت لمصلحة المسلمين فإذا لم يف لهم عند قدرتنا عليهم لم يفوا لنا عند قدرتهم علينا فيؤدى ذلك إلى الإضرار بالمسلمين وإن مات الإمام الذى عقد الهدنة وولى غيره لزمه إمضاؤه لما روى أن نصارى نجران أتوا عليا كرم الله وجهه وقالوا إن الكتاب ( كان ) بيديك والشفاعة إليك وإن عمر أجلانا من أرضنا فردنا إليها فقال على إن عمر كان رشيدا فى أمره وإنى لا أغير أمرا فعله عمر رضى الله عنه فصل ويجب على الإمام منع من يقصدهم من المسلمين ومن معهم من أهل الذمة لان الهدنة عقدت على الكف عنهم ولا يجب عليه منع من قصدهم من أهل الحرب ولا منع بعضهم من بعض لان الهدنة لم تعقد على حفظهم وإنما عقدت على تركهم بخلاف أهل الذمة فإن ( أهل ) الذمة عقدت على حفظهم فوجب منع كل من يقصدهم ويجب على المسلمين ومن معهم من أهل الذمة ضمان أنفسهم وأموالهم والتعزير بقذفهم لان الهدنة تقتضى الكف عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم فوجب ضمان ما يجب فى ذلك فصل إذا جاءت منهم حرة بالغة عاقلة مسلمة مهاجرة إلى بلد فيه الإمام أو نائب عنه ولها زوج مقيم على الشرك وقد دخل بها وسلم إليها مهرا حلالا فجاء زوجها فى طلبها فهل يجب رد ما سلم إليها من المهر فيه قولان أحدهما يجب لقوله عز وجل فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولان البضع مقوم حيل بينه وبين مالكه فوجب رد بدله كما لو أخذ منهم مالا وتعذر رده
والقول الثانى وهو الصحيح وهو اختيار المزنى أنه لا يجب لان البضع ليس بمال والأمان لا يدخل فيه إلا المال ولهذا لو أمن مشركا لم تدخل امرأته فى الأمان ولانه لو ضمن البضع بالحيلولة لضمن بمهر المثل كما يضمن المال عند تعذر الرد بالمثل بقيمته ولا خلاف أنه لا يضمن البضع بمهر المثل فلم يضمن بالمسمى وأما الآية فإنها نزلت فى صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية قبل تحريم رد النساء وقد منع الله تعالى من ذلك بقوله تعالى فلا ترجعوهن إلى الكفار فسقط ضمان المهر فإن قلنا لا يجب رد المهر فلا تفريع وإن قلنا إنه يجب وعليه التفريع وجب ذلك فى خمس الخمس لانه مال يجب على سبيل المصلحة فوجب في خمس الخمس وإن لم يكن قد دفع إليها المهر لم يجب له المهر لقوله تعالى وآتوهم ما أنفقوا وهذا لم ينفق وإن دفع إليها مهرا حراما كالخمر والخنزير لم يجب له شيء لانه لا قيمة لما دفع إليها فصار كما لو لم يدفع إليها شيئا فإن دفع إليها بعض مهرها لم يجب له أكثر منه لان الوجوب يتعلق بالمدفوع فلم يجب إلا ما دفع وإن جاءت إلى بلد ليس فيها إمام ولا نائب عنه لم يجب رد المهر لانه يجب فى سهم المصالح وذلك إلى الإمام أو النائب عنه فلم يطالب به غيره فصل وإن جاءت مسلمة عاقلة ثم جنت وجب رد المهر لان الحيلولة حصلت بالإسلام وإن جاءت مجنونة ووصفت الإسلام ولم يعلم هل وصفته فى حال عقلها أو فى حال جنونها لم ترد إليه لجواز أن يكون ( قد ) وصفته فى حال عقلها فإذا ردت إليهم خدعوها وزهدوها فى الإسلام فلم يجز ردها احتياطا للإسلام وإن أفاقت ووصفت الكفر وقالت إنها لم تزل كافرة ردت إلى زوجها وإن وصفت الإسلام لم ترد فإذا جاء الزوج فى طلبها دفع إليه مهرها لانه حيل بينهما بالإسلام وإن طلب مهرها قبل الإفاقة لم يدفع إليه لان المهر يجب بالحيلولة وذلك لا يتحقق قبل الإفاقة لجواز أن تفيق وتصف الكفر فترد إليه فلم يجب مع الشك فصل فإن جاءت صبية ووصفت الإسلام لم ترد إليهم وإن لم يحكم بإسلامها لانا نرجو إسلامها فإذا ردت إليهم خدعوها وزهدوها فى الإسلام فإن بلغت ووصفت الكفر قرعت فإن أقامت على الكفر ردت إلى زوجها فإن وصفت الإسلام دفع إلى زوجها المهر لانه تحقق المنع بالإسلام فإن جاء يطلب مهرها قبل البلوغ ففيه وجهن أحدهما أنه يدفع إليه مهرها لانها منعت منه بوصف الإسلام فهى كالبالغة والثانى أنه لا يدفع لان الحيلولة لا تتحقق قبل البلوغ لجواز أن تبلغ وتصف الكفر فترد إليه فلم يجب المهر كما قلنا فى المجنونة فصل وإن جاءت مسلمة ثم ارتدت لم ترد إليهم لانه يجب قتلها وإن جاء زوجها يطلب مهرها فإن كان بعد القتل لم يجب دفع المهر لان الحيلولة حصلت بالقتل وإن كان قبل القتل ففيه وجهان أحدهما أنه يجب لان المنع وجب بحكم الإسلام والثانى لا يجب لان المنع وجب لاقامة الحد لا بالإسلام فصل وإن جاءت مسلمة ثم جاء زوجها ومات أحدهما فإن كان الموت بعد المطالبة بها وجب المهر لان الحيلولة حصلت بالإسلام وإن كان قبل المطالبة لم يجب لان الحيلولة حصلت بالموت فصل فإن أسلمت ثم طلقها الزوج فإن كان الطلاق بائنا فهو كالموت وقد بيناه وإن كان رجعيا لم يجب دفع المهر لانه تركها برضاه وإن راجعها ثم طالب بها وجب دفع المهر لانه حيل بينهما بالإسلام وإن جاءت مسلمة ثم أسلم الزوج فإن أسلم قبل انقضاء العدة وجب المهر لانه وجب قبل البينونة وإن طالب بعد انقضاء العدة لم يجب لان الحيلولة حصلت بالبينونة باختلاف الدين فصل وإن هاجرت منهم أمة وجاءت إلى بلد فيه الإمام
نظرت فإن فارقتهم وهى مشركة ثم أسلمت صارت حرة لانا بينا أن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض فملكت نفسها بالقهر فإن جاء مولاها فى طلبها لم ترد عليه لانها أجنبية منه لا حق له فى رقبتها ولانها مسلمة فلا يجوز ردها إلى مشرك وإن طلب قيمتها فقد ذكر الشيخ أبو حامد الإسفرايينى رحمه الله فيها قولين كالحرة إذا هاجرت وجاء الزوج يطلب مهرها والصحيح أنه لا تجب قيمتها قولا واحدا وهو قول شيخنا القاضى أبى الطيب الطبرى رحمه الله لان الحيلولة حصلت بالقهر قبل الإسلام وتخالف الحرة فإنها منعت بالإسلام والأمة منعت بالملك وقد زال الملك فيها قبل الإسلام وإن أسلمت وهى عندهم ثم هاجرت لم تصر حرة لانهم فى أمان منا وأموالهم محظورة علينا فلم يزل الملك فيها بالهجرة فإن جاء مولاها فى طلبها لم ترد إليه لانها مسلمة فلم يجز ردها إلى مشرك وإن طلب قيمتها وجب دفعها إليه كما لو غصب ( منه ) مال وتلف وإن كانت الأمة مزوجة من حر فجاء زوجها فى طلبها لم ترد إليه وإن طلب مهرها فعلى القولين فى الحرة وإن كانت مزوجة ( من عبد ) فعلى القولين أيضا إلا أنه لا يجب دفع المهر إلا أن يحضر الزوج فيطالب بها لان البضع له فلا يملك المولى المطالبة به ويحضر المولى ويطالب بالمهر لان المهر له فلا يملك الزوج المطالبة به فصل وإن هاجر منهم رجل مسلم فإن كان له عشيرة تمنع عنه جاز له العود إليهم والأفضل ألا يعود وقد بينا ذلك فى أول السير فإن عقد الهدنة على رده واختار العود لم يمنع لان النبى صلى الله عليه وسلم أذن لابى جندل وأبى بصير فى العود وإن اختار المقام فى دار الإسلام لم يمنع لانه لا يجوز إجبار المسلم على الانتقال إلى دار الشرك وإن جاء من يطلبه قلنا للمطالب إن قدرت على رده لم نمنعك منه وإن لم تقدر لم نعنك عليه ونقول للمطلوب فى السر إن رجعت إليهم ثم قدرت أن تهرب منهم وترجع إلى دار الإسلام كان أفضل لان النبى صلى الله عليه وسلم رد أبا بصير فهرب منهم وأتى النبى صلى الله عليه وسلم وقال قد وفيت لهم ونجانى الله منهم فصل ومن أتلف منهم على مسلم مالا وجب عليه ضمانه وإن قتله وجب عليه القصاص وإن قذفه وجب عليه الحد لان الهدنة تقتضى أمان المسلمين فى النفس والمال والعرض فلزمهم ما يجب فى ذلك ومن شرب منهم الخمر أو زنى لم يجب عليه الحد لانه حق لله تعالى ولم يلتزم بالهدنة حقوق الله تعالى فإن سرق مالا لمسلم ففيه قولان أحدهما أنه لا يجب عليه القطع لانه حد خالص لله تعالى فلم يجب عليه كحد الشرب والزنا والثانى أنه يجب عليه لانه حد يجب لصيانة حق الآدمى فوجب عليه كحد القذف فصل إذا نقض أهل الهدنة عهدهم بقتال أو مظاهرة عدو أو قتل مسلم أو أخذ مال انقضت الهدنة لقوله عز وجل فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم فدل على أنهم إذا لم يستقيموا لنا لم نستقم لهم لقوله عز وجل إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم فدل على أنهم إن ظاهروا علينا أحدا لم نتم إليهم عهدهم ولان الهدنة تقتضى الكف عنا فانتقضت بتركه ولا يفتقر نقضها إلى حكم الإمام بنقضها لان الحكم إنما يحتاج إليه فى أمر محتمل وما تظاهروا به لا يحتمل غير نقض العهد
وإن نقض بعضهم وسكت الباقون ولم ينكروا ما فعل الناقض انتقضت الهدنة فى حق الجميع والدليل عليه أن ناقة صالح عليه السلام عقرها القدار العيزار بن سالف وأمسك عنها القوم فأخذهم الله تعالى جميعهم به فقال الله عز وجل فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها ولان النبى صلى الله عليه وسلم وادع بنى قريظة وأعان بعضهم أبا سفيان بن حرب على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخندق وقيل إن الذى أعان منهم ثلاثة حيى بن أخطب وأخوه وآخر ( معهم ) فنقض النبى صلى الله عليه وسلم عهدهم وغزاهم وقتل رجالهم وسبى ذراريهم ولان النبي صلى الله عليه وسلم هادن قريشا بالحديبية وكان بنو بكر حلفاء قريش وخزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاربت بنو بكر خزاعة وأعان نفر من قريش بنى بكر على خزاعة وأمسك سائر قريش فجعل النبى صلى الله عليه وسلم ذلك نقضا لعهدهم وسار إليهم حتى فتح مكة ولانه لما كان عقد بعضهم الهدنة أمانا لمن عقد ولمن أمسك وجب أن يكون نقض بعضهم نقضا لمن نقض ولمن أمسك وإن نقض بعضهم العهد وأنكر الباقون أو اعتزلوهم أو راسلوا إلى الإمام بذلك انتقض عهد من نقض وصار حربا لنا بنقضه ولم ينتقض عهد من لم يرض لانه لم ينقض العهد ولا رضى بفعل من نقض فإن كان من لم ينقض مختلطا بمن نقض أمر من لم ينقض بتسليم من نقض إن قدروا أو بالتميز عنهم فإن لم يفعلوا أحد هذين مع القدرة عليه انتقضت هدنتهم لانهم صاروا مظاهرين لاهل الحرب وإن لم يقدروا على ذلك كان حكمهم حكم من أسره الكفار من المسلمين وقد بيناه فى أول السير وإن أسر الإمام قوما منهم وادعوا أنهم ممن لم ينقض العهد وأشكل عليه حالهم قبل قولهم لانه لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا من جهتهم فصل وإن ظهر منهم من يخاف معه الخيانة جاز للإمام أن ينبذ إليهم عهدهم لقوله عز وجل وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ولا تنتفض الهدنة إلا أن يحكم الإمام بنقضها لقوله عز وجل فانبذ إليهم على سواء ولان نقضها لخوف الخيانة وذلك يفتقر إلى نظر واجتهاد فافتقر إلى الحاكم وإن خاف من أهل الذمة خيانة لم ينبذ إليهم والفرق بينهم وبين عقد أهل الهدنة أن النظر فى عقد الذمة وجب لهم ولهذا إذا طلبوا عقد الذمة وجب العقد لهم فلم ينقض لخوف الخيانة والنظر فى عقد الهدنة لنا ولهذا لو طلبوا الهدنة كان النظر فيها إلى الإمام وإن رأى عقدها عقد وإن لم ير عقدها لم يعقد فكان النظر إليه فى نقضها عند الخوف ولان أهل الذمة فى قبضته فإذا ظهرت منهم خيانة أمكن استدراكها وأهل الهدنة خارجون عن قبضته فإذا ظهرت خيانتهم لم يمكن استدراكها فجاز نقضها بالخوف وإن لم يظهر منهم ما يخاف معه الخيانة لم يجز نقضها لان الله تعالى أمر بنبذ العهد عند الخوف فدل على أنه لا يجوز مع عدم الخوف ولان نقض الهدنة من غير سبب يبطل مقصود الهدنة ويمنع الكفار من الدخول فيها والسكون إليها وإذا نقض الهدنة عند خوف الخيانة ولم يكن عليهم حق ردهم إلى مأمنهم لانهم دخلوا على أمان فوجب ردهم إلى المأمن وإن كان عليهم حق استوفاه منهم ثم ردهم إلى مأمنهم فصل إذا دخل الحربى دار الإسلام بأمان فى تجارة أو رسالة ثبت له الأمان فى نفسه وماله ويكون حكمه فى ضمان النفس والمال وما يجب عليه من الضمان والحدود حكم المهادن لانه مثله فى الأمان فكان مثله فيما ذكرناه وإن عقد الأمان ثم عاد إلى دار الحرب فى تجارة أو رسالة فهو على الأمان فى النفس والمال كالذمى إذا خرج إلى دار الحرب فى تجارة أو رسالة
وإن رجع إلى دار الحرب بنية المقام وترك ماله فى دار الإسلام انتقض الأمان فى نفسه ولم ينتقض فى ماله فإن قتل أو مات انتقل المال إلى وارثه وهل يغنم أم لا فيه قولان قال فى سير الواقدى ونقله المزنى أنه يغنم ماله وينتقل إلى بيت المال فيئا وقال فى المكاتب يرد إلى ورثته فذهب أكثر أصحابنا إلى أنها على قولين أحدهما أنه يرد إلى ورثته وهو اختيار المزنى والدليل عليه أن المال لوارثه ومن ورث مالا ورثه بحقوقه وهذا الأمان من حقوق المال فوجب أن يورث والقول الثانى أنه يغنم وينتقل إلى بيت المال فيئا ووجهه أنه لما مات انتقل ماله إلى وارثه وهو كافر لا أمان له فى نفسه ولا فى ماله فكان غنيمة وقال أبو على بن خيران المسألة على اختلاف حالين فالذى قال يغنم إذا عقد الأمان مطلقا ولم يشرط لوارثه والذى قال لا يغنم إذا عقد الأمان لنفسه ولوارثه وليس للشافعى رحمه الله ما يدل على هذه الطريقة وأما إذا مات فى دار الإسلام فقد قال فى سير الواقدى أنه يرد إلى ورثته واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال هو أيضا على قولين ( كالمسألة التى ) قبلها والشافعى نص على أحد القولين ومنهم من قال يرد إلى وارثه قولا واحدا والفرق بين المسألتين أنه إذا مات فى دار الإسلام مات على أمانه فكان ماله على الأمان وإذا مات فى دار الحرب فقد مات بعد زوال اتمانه فبطل فى أحد القولين أمان ماله فإن استرق زال ملكه عن المال بالاسترقاق وهل يغنم فيه قولان أحدهما يغنم فيئا لبيت المال والقول الثانى أنه موقوف لانه لا يمكن نقله إلى الوارث لانه حى ولا إلى مسترقه لانه مال له أمان فإن عتق دفع المال إليه بملكه القديم وإن مات عبدا ففى ماله قولان حكاهما أبو على بن أبى هريرة أحدهما أنه يغنم فيئا ولا يكون موروثا لان العبد لا يورث والثانى أنه لوارثه لانه ملكه فى حريته فصل فإن اقترض حربى من حربى مالا ثم دخل إلينا بأمان أو أسلم فقد قال أبو العباس عليه رد البدل على المقرض لانه أخذه على سبيل المعاوضة فلزمه البدل كما لو تزوج حربية ثم أسلم قال ويحتمل أنه لا يلزمه البدل فإن الشافعى رحمه الله قال فى النكاح إذا تزوج حربى حربية ودخل بها وماتت ثم أسلم الزوج أو دخل إلينا بأمان فجاء وارثها يطلب ميراثه من صداقها أنه لا شيء له لانه مال فائت فى حال الكفر قال والأول أصح ويكون تأويل المسألة أن الحربى تزوجها على غير مهر فإن دخل مسلم دار الحرب بأمان فسرق منهم مالا أو اقترض منهم مالا وعاد إلى دار الإسلام ثم جاء صاحب المال إلى دار الإسلام بأمان وجب على المسلم رد ما سرق أو اقترض لان الأمان يوجب ضمان المال فى الجانبين فوجب رده باب خراج السواد سواد العراق ما بين عبادان إلى الموصل طولا ومن القادسية إلى حلوان عرضا قال الساجى هو اثنان وثلاثون ألف ألف جريب وقال أبو عبيد هو ستة وثلاثون ألف ألف جريب وفتحها عمر رضى الله عنه وقسمها بين الغانمين ثم سألهم أن يردوا ففعلوا والدليل عليه ما روى قيس بن أبى حازم البجلى قال كنا ربع الناس فى القادسية فأعطانا عمر رضى الله عنه ربع السواد وأخذناها ثلاث سنين ثم وفد جرير بن عبد الله البجلى إلى عمر رضى الله عنه بعد ذلك فقال أما والله لولا أنى قاسم مسئول لكنتم على ( ما قسم ) لكم وأرى أن تردوا على المسلمين ففعلوا ولا تدخل في ذلك البصرة وإن كانت داخلا فى حد السواد لانها كانت أرضا سبخة فأحياها عمرو بن أبي العاص الثقفي وعتبة بن غزوان بعد الفتح إلا مواضع من شرقى دخلتها تسميها أهل البصرة الفرات ومن غربى دخلتها نهر يعرف بنهر المرة
واختلف أصحابنا فيما فعل عمر رضى الله عنه فيما فتح من أرض السواد فقال أبو العباس وأبو إسحاق باعها من أهلها وما يؤخذ من الخراج ثمن والدليل عليه أن من لدن عمر إلى يومنا هذا تباع وتبتاع من غير إنكار وقال أبو سعيد الإصطخرى وقفها عمر رضى الله عنه على المسلمين فلا يجوز بيعها ( ولا شراؤها ) ولا هبتها ولا رهنها وإنما تنقل من يد إلى يد وما يؤخذ من الخراج فهو أجرة وعليه نص فى سير الواقدى والدليل عليه ما روى بكير بن عامر عن عامر قال اشترى عقبة بن فرقد أرضا من أرض الخراج فأتى عمر فأخبره فقال ممن اشتريتها قال من أهلها قال فهؤلاء أهلها المسلمون أبعتموه شيئا قالوا لا قال فاذهب فاطلب مالك فإذا قلنا إنه وقف فهل تدخل المنازل فى الوقف فيه وجهان أحدهما أن الجميع وقف والثانى أنه لا يدخل فى الوقف غير المزارع لانا لو قلنا إن المنازل دخلت فى الوقف أدى إلى خرابها وأما الثمار فهل يجوز لمن هى فى يده الانتفاع بها فيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز وعلى الإمام أن يأخذها ويبيعها ويصرف ثمنها فى مصالح المسلمين والدليل عليه ما روى الساجى فى كتابه عن أبى الوليد الطيالسى أنه قال أدركت الناس بالبصرة ويحمل إليهم الثمر من الفرات فيؤتى به ويطرح على حافة الشط ويلقى عليه الحشيش ولا يطير ولا يشترى منه إلا أعرابى أو من يشتريه فينبذه وما كان الناس يقدمون على شرائه والوجه الثانى أنه يجوز لمن فى يده الأرض الانتفاع بثمرتها لان الحاجة تدعو إليه فجاز كما تجوز المساقاة والمضاربة على جزء مجهول فصل ويؤخذ الخراج من كل جريب شعير درهمان ومن كل جريب حنطة أربعة دراهم ومن كل جريب شجر وقصب وهو الرطبة ستة دراهم واختلف أصحابنا فى خراج النخل والكرم فمنهم من قال يؤخذ من كل جريب نخل عشرة دراهم ومن كل جريب كرم ثمانية دراهم لما روى مجاهد عن الشعبى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعث عثمان بن حنيف فجعل على الشعير درهمين وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب الشجر والقصب ستة دراهم وعلى جريب الكرم ثمانية دراهم وعلى جريب النخل عشرة دراهم وعلى جريب الزيتون اثنا عشر ومنهم من قال يجب على جريب الكرم عشرة وعلى جريب النخل ثمانية لما روى أبو قتادة عن لاحق بن حميد يعنى أبا مجلز قال بعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه عثمان بن حنيف وفرض على جريب الكرم عشرة ( دراهم ) وعلى جريب النخل ثمانية وعلى جريب البر أربعة وعلى جريب الشعير درهمين وعلى جريب القضب ستة وكتب بذلك إلى عمر رضى الله عنه فأجازه ورضى به وروى عباد بن كثير عن قحرم قال جنى عمر رضى الله عنه العراق مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف وجباها عمر بن عبد العزير مائة ألف وأربعة وعشرين ألف ألف وجباها الحجاج ثمانية عشر ألف ألف وما يؤخذ من ذلك يصرف فى مصالح المسلمين الأهم فالأهم لانه للمسلمين فصرف فى مصالحهم والله أعلم كتاب الحدود باب حد الزنا الزنا حرام وهو من الكبائر العظام والدليل عليه قوله عز وجل ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا وقوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما وروى عبد الله قال سألت النبى صلى الله عليه وسلم أى الذنب أعظم عند الله عز وجل قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت إن ذلك لعظيم قال قلت ثم أى قال أن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك قال قلت ثم أى قال أن تزانى حليلة جارك فصل إذا وطىء رجل من أهل دار الإسلام امرأة محرمة عليه من غير عقد ولا شبهة عقد وغير ملك ولا شبهة ملك وهو عاقل بالغ مختار عالم بالتحريم
وجب عليه الحد فإن كان محصنا وجب عليه الرجم لما روى ابن عباس رضى الله عنه قال قال عمر لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائلهم ما نجد الرجم فى كتاب الله فيضلون ويتركون فريضة أنزلها الله ألا إن الرجم إذا أحصن الرجل وقامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف وقد قرأتها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما لبتة ( نكالا من الله والله عليم حكيم ) وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ولا يجلد المحصن مع الرجم لما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهنى رضى الله عنهما قلا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه رجل فقال إن ابنى كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فقال على ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها ولو وجب ( عليها ) الجلد مع الرجم لامر به فصل والمحصن الذى يرجم هو أن يكون بالغا عاقلا حرا وطىء فى نكاح صحيح فإن كان صبيا أو مجنونا لم يرجم لانهما ليسا من أهل الحد وإن كان مملوكا لم يرجم وقال أبو ثور إذا أحصن بالزوجية رجم لانه حد يتبعض فاستوى فيه الحر والعبد كالقطع فى السرقة وهخذا خطأ لقوله عز وجل فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب فأوجب مع الإحصان خمسين جلدة وروى أبو هريرة رضى عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولان الرجم أعلى من جلد مائة فإذا لم يجب على المملوك جلد مائة فلان لا يجب الرجم أولى ويخالف القطع فى السرقة فإنه ليس فى السرقة حد غير القطع فلو أسقطناه سقط الحد وفى ذلك فساد وليس كذلك الزنا فإن فيه حدا غير الرجم فإذا أسقطناه لم يسقط الحد وأما من لم يطأ فى النكاح الصحيح فليس بمحصن وإذا زنى لم يرجم لما روى مسروق عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزانى والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ولا خلاف أن المراد بالثيب الذى وطىء فى نكاح صحيح واختلف أصحابنا هل يكون من شرطه أن يكون الوطى بعد كماله بالبلوغ والعقل والحرية أم لا فمنهم من قال ليس من شرطه أن يكون الوطء بعد الكمال فلو وطىء وهو صغير أو مجنون أو مملوك ثم كمل فزنى رجم لانه وطء أبيح للزوج الأول فطثبت به الإحصان كما لو وطىء بعد الكمال ولان النكاح يجوز أن يكون قبل الكمال فكذلك الوطء ومنهم من قال من شرطه أن يكون الوطء بعد الكمال فإن وطىء فى حال الصغر أو الجنون أو الرق ثم كمل وزنى لم يرجم وهو ظاهر النص والدليل عليه ما روى عبادة بن الصامت رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب جلد مكائة والرجم فلو جاز أن يحصن الوطء فى حال النقصان لما علق الرجم بالزنا لان الإحصان كمال فشرط أن يكون وطؤه فى حال الكمال فعلى هذا إذا وطىء فى نكاح صحيح فإن كانا حرين بالغين عاقلين صارا محصنين وإن كانا مملوكين أو صغيرين أو مجنونين لم يصيرا محصنين وإن كان أحدهما حرا بالغا عاقلا والآخر مملوكا أو صغيرا أو مجنونا ففيه قولان أحدهما أن الكامل منهما محصن والناقص منهما غير محصن وهو الصحيح لانه لما جاز أن يجب بالوطء الواحد الرجم على أحدهما دون الآخر جاز أن يصير أحدهما بالوطء الواحد محصنا دون الآخر والقول الثانى أنه لا يصير واحد منهما محصنا لانه وطء لا يصير به أحدهما محصنا فلم يصر الآخر به محصنا كوطء الشبهة
ولا يشترط فى إحصان الرجم أن يكون مسلما لما روى ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى بيهوديين زنيا فأمر برجمهما فصل وإن كان غير محصن نظرت فإن كان حرا جلد مائة وغرب سنة لقوله عز وجل الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وروى عبادة بن الصامت رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب جلد مائة والرجم وإن كان مملوكا جلد خمسين عبدا كان أو أمة لقوله عز وجل فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب فجعل ما على الأمة نصف ما على الحرة لنقصانها بالرق والدليل عليه أنها لو أعتقت كمل حدها والعبد كالأمة فى الرق فوجب عليه نصف ما على الحر وهل يغرب العبد بعد الجلد فيه قولان أحدهما أنه لا يغرب لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولم يذكر النفى ولان القصد بالتغريب تعذيبه بالإخراج عن الأهل والمملوك لا أهل له والقول الثانى أنه يغرب وهو الصحيح لقوله عز وجل فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ولانه حد يتبعض فوجب على العبد كالجلد فإذا قلنا إنه يغرب ففى قدره قولان أحدهما أنه يغرب سنة لانها مدة مقدرة بالشرع فاستوى فيها الحر والعبد كمدة العنين والثانى أنه يغرب نصف سنة للآية ولانه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كالجلد فصل وإن زنى وهو بكر فلم يحد حتى أحصن وزنى ففيه وجهان أحدهما أنه يرجم ويدخل فيه الجلد والتغريب لانهما حدان يجبان بالزنا فتداخلا كما لو وجب حدان وهو بكر والثانى أنه لا يدخل فيه لانهما حدان مختلفان فلم يدخل أحدهما فى الآخر كحد السرقة والشرب فعلى هذا يجلد ثم يرجم ولا يغرب لان التغريب يحصل بالرجم فصل والوطء الذى يجب به الحد أن يغيب الحشفة فى الفرج فإن أحكام الوطء تتعلق بذلك ولا تتعلق بما دونه وما يجب بالوطء فى الفرج من الحد يجب بالوطء فى الدبر لانه فرج مقصود فتعلق الحد بالإيلاج فيه كالقبل ولانه إذا وجب بالوطء فى القبل وهو مما يستباح فلان يجب بالوطء فى الدبر وهو مما لا يستباح أولى فصل ولا يجب على الصبى والمجنون حد الزنا لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولانه إذا سقط عنه التكليف فى العبادات والمآثم فى المعاصى فلان يسقط الحد ومبناه على الدرء والإسقاط أولى وفى السكران قولان وقد بيناهما فى الطلاق فصل ولا يجب على المرأة إذا أكرهت على التمكين من الزنا لقوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولانها مسلوبة الاختيار فلم يجب عليها الحد كالنائمة وهل يجب على الرجل إذا أكره على الزنا فيه وجهان أحدهما وهو المذهب أنه لا يجب عليه لما ذكرناه فى المرأة والثانى أنه يجب لان الوطء لا يكون إلا بالانتشار الحادث عن الشهوة والاختيار فصل ولا يجب على من لا يعلم تحريم الزنا لما روى سعيد بن المسيب قال ذكر الزنا بالشام فقال رجل زنيت البارحة فقالوا ما تقول قال ما علمت أن الله عز وجل حرمه فكتب يعنى عمر إن كان يعلم أن الله حرمه فخذوه وإن لم يكن قد علم فأعلموه فإن عاد فارجموه
وروى أن جارية سوداء رفعت إلى عمر رضى الله عنه وقيل إنها زنت فخفقها بالدرة خفقات وقال أى لكاع زنيت فقالت من غوش بدرهمين تخبر بصاحبها الذى زنى بها ومهرها الذى أعطاها فقال عمر رضى الله عنه ما ترون وعنده على وعثمان وعبد الرحمن بن عوف فقال على رضى الله عنه أرى أن ترجمها وقال عبد الرحمن أرى مثل ما رأى أخوك فقال لعثمان ما تقول قال أراها تستهل بالذى صنعت لا ترى به بأسا وإنما حد الله على من علم أمر الله عز وجل فقال صدقت فإن زنى رجل بامرأة وادععى أنه لم يعلم بتحريمه فإن كان قد نشأ فيما بين المسلمين لم يقبل قوله لانا نعلم كذبه وإن كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ فى بادية بعهيدة من المسلمين أو كان مجنونا فأفاق وزنى قبل أن يعلم الأحكام قبل قوله لانه يحتمل ما يدعيه فلم يجب الحد وإن وطىء المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن وادعى أنه جهل تحريمه ففيه وجهان أحدهما أنه لا يقبل دعواه إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام أو نشأ فى موضع بعيد من المسلمين كما لا يقبل دعوى الجهل إذا وطئها من غير إذن الراهن والثانى أنه يقبل قوله لان معرفة ذلك تحتاج إلى فقه فصل وإن وجد امرأة فى فراشه فظنها أمته أو زوجته فوطئها لم يلزمه الحد لانه يحتمل ما يدعيه من الشبهة فصل وإن كان أحد الشريكين فى الوطء صغيرا والآخر بالغا أو أحدهما مستيقظا والآخر نائما أو أحدهما عاقلا والآخر مجنونا أو أحدهما عالما بالتحريم والآخر جاهلا أو أحدهما مختارا والآخر مستكرها أو أحدهما مسلما والآخر مستأمنا وجب الحد على من هو من أهل الحد ولم يجب على الآخر لان أحدهما انفرد بما يوجب الحد وانفرد الآخر بما يسقط الحد فوجب الحد على أحدهما وسقط عن الآخر وإن كان أحدهما محصنا والآخر غير محصن وجب على المحصن الرجم وعلى غير المحصن الجلد والتغريب لان أحدهما انفرد بسبب الرجم والآخر انفرد بسبب الجلد والتغريب وإن أقر أحدهما بالزنا وأنكر الآخر وجب على المقر الحد لما روى سهل بن سعد الساعدى أن رجلا أقر أنه زنى بامرأة فبعث النبى صلى الله عليه وسلم إليها فجحدت فحد الرجل وروى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهنى رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال على ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارحمها فأوجب الحد على الرجل وعلق الرجم على اعتراف المرأة فصل وإن استأجر امرأة ليزنى بها فزنى بها أو تزوج ذات رحم محرم فوطئها وهو يعتقد تحريمها وجب عليه الحد لانه لا تأثير للعقد فى إباحة وطئها فكان وجوده كعدمه وإن ملك ذات رحم محرم ووطئها ففيه قولان أحدهما أنه يجب عليه الحد لان ملكه لا يبيح وطأها بحال فلم يسقط الحد والثانى أنه لا يجب عليه الحد وهو الصحيح لانه وطء فى ( ملكه ) فلم يجب به الحد كوطء أمته الحائض ولانه لا يختلف المذهب أنه يثبت به النسب وتصير الجارية أم ولد له فلم يجب به الحد فإن وطىء جارية مشتركة بينه وبين غيره لم يجب عليه الحد وقال أبو ثور إن علم بتحريمها وجب عليه الحد لان ملك البعض لا يبيح الوطء فلم يسقط الحد كملك ذات رحم محرم وهذا خطأ لانه اجتمع فى الوطء ما يوجب الحد وما يسقط فغلب الإسقاط لان مبنى الحد على الدرء والإسقاط وإن وطىء جارية ابنه لم يجب عليه الحد لان له فيها شبهة ويلحقه نسب ولدها فلم يلزمه الحد بوطئها فصل واللواط محرم لقوله عز وجل ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين فسماه فاحشة وقد قال عز وجل ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولان الله عز وجل عذب بها قوم لوط بما لم يعذب به أحدا فدل على تحريمه
ومن فعل ذلك وهو ممن يجب عليه حد الزنا وجب عليه الحد وفى حده قولان أحدهما وهو المشهور من مذهبه أنه يجب فيه ما يجب فى الزنا فإن كان غير محصن وجب عليه الجلد والتغريب وإن كان محصنا وجب عليه الرجم لما روى أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ولانه حد يجب بالوطء فاختلف فيه البكر والثيب كحد الزنا والقول الثانى أنه يجب قتل الفاعل والمفعول به لما روى بن عباس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ولان تحريمه أغلظ فكان حده أغلظ وكيف يقتل فيه وجهان أحدهما أنه يقتل بالسيف لانه أطلق القتل فى الخبر فانصرف إطلاقه إلى القتل بالسيف والثانى أنه يرجم لانه قتل يجب بالوطء فكان بالرجم كقتل الزنا فيما دون الفرج بشهوة والدليل عليه قوله عز وجل والذين هم لفروجهم فصل ومن حرمت مباشرته فى الفرج بحكم الزنا أو اللواط حرمت مباشرته حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فصل ومن حرمت مباشرته في الفرج بحكم الزنا أو اللواط حرمت مباشرته فيما دون الفرج بشهوة والدليل عليه قوله عز وجل والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ولان النبى صلى الله عليه وسلم قال لا يخلون أحدكم بامرأة ( ليست له بمحرم ) فإن ثالثهما الشيطان فإذا حرمت الخلوة بها فلان تحرم المباشرة أولى لانها أدعى إلى الحرام فإن فعل ذلك لم يجب عليه الحد لما روى ابن مسعود رضى الله عنه أن رجلا جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال إنى أخذت امرأة فى البستان وأصبت منها كل شيء غير أنى لم أنكحها فاعمل بى ما شيت فقرأ عليه أقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ويعزر عليه لانه معصية ليس فيها حد ولا كفارة فشرع فيها التعزير فصل ويحرم إتيان المرأة المرأة لما روى أبو موسى ( الأشعرى ) أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ويجب فيه التعزير دون الحد لانها مباشرة من غير إيلاج فوجب بها التعزير دون الحد كمباشرة الرجل المرأة فيما دون الفرج فصل ويحرم إتيان البهيمة لقوله عز وجل والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فإن أتى البهيمة وهو ممن يجب عليه حد الزنا ففيه ثلاثة أقوال أحدها أنه يجب عليه القتل لما روى ابن عباس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه وروى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه وكيف يقتل على الوجهين فى اللواط والقول الثانى أنه كالزنا فإن كان غير محصن جلد وغرب وإن كان محصنا رجم لانه حد يجب بالوطء فاختلف فيه البكر والثيب كحد الزنا والقول الثالث أنه يجب فيه التعزير لان الحد يجب للردع عما يشتهى وتميل إليه النفس ولهذا وجب فى شرب الخمر ولم يجب فى شرب البول وفرج البهيمة لا يشتهى فلم يجب فيه الحد وأما البهيمة فقد اختلف أصحابنا فيها فمنهم من قال يجب قتلها لحديث ابن عباس وأبى هريرة ولانها ربما أتت بولد مشوه الخلق ولانها إذا بقيت كثر تعيير الفاعل بها ومنهم من قال لا يجب قتلها لان البهيمة لا تذبح لغير مأكلة وحديث ابن عباس يرويه عمرو بن أبى عمرو وهو ضعيف وحديث أبى هريرة يرويه على بن مسهر وقال أحمد رحمه الله إن كان روى هذا الحديث غير على وإلا فليس بشيء ومنهم من قال إن كانت البهيمة مما تؤكل ذبحت وإن كانت مما لا تؤكل لم تذبح لان النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة
فإن قلنا إنه يجب قتلها وهى مما يؤكل ففى أكلها وجهان أحدهما أنه يحرم لان ما أمر بقتله لم يؤكل كالسبع والثانى أنه يحل أكلها لانه حيوان مأكول ذبحه من هو من أهل الزكاة وإن كانت البهيمة لغيره وجب عليه ضمانها إن كانت مما لا تؤكل وضمان ما نقص بالذبح إذا قلنا إنها تؤكل لانه هو السبب فى إتلافها وذبحها فصل وإن وطىء امرأة ميتة وهو من أهل الحد ففيه وجهان أحدهما أنه يجب عليه الحد لانه إيلاج فى فرج محرم ولا شبهة له فيه فأشبه إذا كانت حية والثانى أنه لا يجب لانه يقصد فلا يجب فيه الحد فصل ويحرم الاستمناء لقوله عز وجل والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ولانها مباشرة تفضى إلى قطع النسل فحرم كاللواط فإن فعل عزر ولم يحد لانها مباشرة محرمة من غير إيلاج فأشبهت مباشرة الأجنبية فيما دون الفرج وبالله التوفيق باب إقامة الحد لا يقيم الحدود على الاحرار إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام لأنه لم يقم حد على حر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم ولأنه حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه الحيف لم يجز بغير إذن الإمام ولا يلزم الإمام أن يحضر إقامة الحد ولا أن يبتدىء بالرجم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم جماعة ولم ينقل أنه حضر بنفسه ولا أنه رماهم بنفسه فإن ثبت الحد على عبد بإقراره ومولاه حر مكلف عدل فله أن يجلد في الزنا والقذف والرب لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى أدركت بقايا الأنصار وهم يضربون الوليد من ولائدهم في مجالسهم إذا زنت وهل له أي يغر به فيه وجهان أحدهما أنه لا يغرب إلا الإمام لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجدها الحد ولا يترتب عليها ثم إذا زنت فليجدها الحد ولا يترتب عليها ثم إذا زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر فأمر بالجلد دون النفي والثاني وهو المذهب أن له أن يغرب لحديث علي كرم الله وجهه ولأن ابن عمر جلد أمة له زنت ونفاها إلى فدك ولأن من ملك الجلد ملك النفي كالإمام وإن ثبت عليه الحد بالبينة ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز أن يقيم عليه الحد وهو المذهب لأن قد جعلناه في حقه كالإمام وكذلك في إقامة الحد عليه بالبينة والثاني أنه لا يجوز لأنه يحتاج إلى تزكية الشهود وذلك إلى الحاكم فعلى هذا إذا ثبت عند الحاكم بالبينة جاز للسيد أن يقيم الحد من غير إذنه وهل له أن يقطعه في السرقة فيه وجهان أحدهما أنه لا يملك لأنه لا يملك من جنس القطع ويملك من جنس الجلد وهو التعزير والثاني أنه يملك وهو المنصوص في البويطي لحديث علي كرم الله وجهه ولأن ابن عمر قطع عبدا له سرق وقطعت عائشة رضي الله عنها أمة لها سرقت ولأنه حد فملك السيد إقامته على مملوكه كالجلد وله أن يقتله بالردة على قول من ملك إقامة الحد على العبد وعلى قول من منع من القطع يجب أن لا يجوز له القتل والصحيح أن له أن يقتله لأن حفصة رضي الله عنها قتلت أمة لها سحرتها والقتل بالسحرلا يكون إلا في كفر ولأنه حد فملك المولى إقامته على المملوك كسائل الحدود وإن كان المولى فاسقا ففيه وجهان أحدهما أنه يملك إقامة الحد لأنه ولاية تثبت بالملك فلم يمنع الفسق منها كتزويج الأمة والثاني أن لا يملكه لأنه ولاية في إقامة الحد فمنع الفسق منها كولاية الحاكم وإن كانت امرأة فالمذهب أنه يجوز لها إقامة الحد لأن الشافعي استدل بأن فاطمة عليها السلام جلدت أمة لها زنت وقال أبو علي ابن أبي هريرة لا يجوز لها لأنها ولية على الغير فلا تملكها المرأة كولاية التزويج فعلى هذا فيمن يقيم وجهان أحدهما أنه يقيمه وليها في النكاح قياسا على تزويج أمتها والثاني أنه يقيمه عليها الإمام لأن الأصل في إقامة الحد هو الإمام فإذا سقطت ولاية المولى ثبت الأصل وإن كان للمولى مكاتب ففيه وجهان ذكرناهما في الكتابة
فصل والمستحب أن يحضر إقامة الحد جماعة لقوله عز وجل وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين والمستحب أن يكونوا أربعة لأن الحد يثبت بشهادتهم فإن كان الحد هو الجلد وكان صحيحا قويا والزمان معتدل أقام الحد ولا يجوز تأخيره فإن الفرض لا يجوز تأخيره من غير عذر ولا يجرد ولا يمد لما روى عن عبدالله بن مسعود أنه قال ليس في هذه الأمة مد ولا تجريد ولا غل ولا صفد ويفرق الضرب على الأعضاء ويتوقى الوجه والمواضع المخوفة لما روى هنيدة بنت خالد الكندي أنه شهدا عليا كرم الله وجهه أقام على رجل حدا وقال للجلاد اضربه وأعط كل عضو منه حقه واتق وجهه ومذاكيره وعن عمرانه أتى بجارية قد فجرت فقال اذهبابها واضرباها ولا تخرقا لها جلدا ولأن القصد الردع دون القتل وإن كان الحر شديدا أو البرد شديدا أو كان مريضا مرضا يرجى برءه أو كان مقطوعا أو أقيم عليه حد آخر ترك إلى أن يعتدل الزمان ويبرأ من المرض أو القطع ويسكن ألم الحد لأنه إذا أقيم عليه الحد في هذه الأحوال أعان على قتله وإن كان نضوا الخلق لا يطيق الضرب أو مريضا لا يرجى برؤه جمع ماءة شمراخ فضرب به دفعة واحدة لما روى سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى فدخلت عليه جارية لبعضهم فوقع عليها فلما دخل عليه رجال من قومه يعودونه ذكر لهم ذلك وقال استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك لرسول الله صلى لله عليه وسلم وقالوا ما رأينا بأحد من الضر مثل الدي هو به لو حملناه إليك يا رسول الله لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة ولأنه لا يمكن ضربه بالسوط لأنه يتلف به ولا يمكن تركه لأنه يؤدي إلى تعطيل الحد قال الشافعي رحمه الله ولأنه إذا كانت الصلاة تختلف باختلاف حاله فالحد بذلك أولى وإن وجب الحد على امرأة حامل لم يقم عليها الحد حتى تضع وقد بيناه في القصاص فصل وإن أقيم الحد في الحال التي لا تجوز فيها اقامته فهلك منه لم يضمن لأن الحق قتلة وإن أقيم في الحال التي لا تجوز أقمتة فأن كانت حاملا تلف منه الجنين وجب الضمان لأنه مضمون فلا يسقط ضمانه بجناية غيره وإن تلف المحدود فقد قال إذا أقيم الحد في شدة حر أو برد فهلك لا ضمان عليه وقال في الأم إذا ختن في شدة حر أو بدر فتلف وجبت على عاقلته الدية و فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة من المسئلتين إلى ألأخرى وجهلهما فلي قولين أحدهما لا يجب لأنه هلك من حد والثاني أنه يجب لأنه مفرط ومنهم من قال لا يدب الضمان في الحد لأنه منصوص عليه ويجب علي الختان لأنه ثبت بالاجتهاد وإن قبنا أنه يضمن ففي القدر الذي يضمن وجهان أحدهما أنه يضمن جميع الدية لأنه مفرط والثاني أنه يضمن نصف الدية لأنه مات من واج بومحظور فسقط النصف ووجب النصف فصل وإن وجب التغريب نفي إلى مسافة يقصر فيها الصلاة
لأن ما دجون ذلك في حكم الموضع الذي كان فيه من المنع من القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثة ايام فإن رجع قبل انقضاء المدة رد إلى الموضع الذي نفي إليه فإن انقضت المدة فهو بالخيار بين الإقامة وبين العود إلى موضعه وإن رأى الإمام أن ينفيه إلى أبعد من المسافة التي يقصر فيها لاثلاة كان له ذلك لأن عمر رضي الله عنه غرب إلى الشام وغرب عثمان رضي الله عنه إلى مصر وإن رأى أن يزيد على سنة لم يجز لآن السنة منصوص عليها والمسافة مجتهد فيها وحكى عن أبي غلى ابن عبي هريرة أنه قال يغرب إلى حيث ينطلق عليه اسم الغربة وإن كان دون ما تقصر إليه الصلاة لأن القصدج تعذيبه بالغربة وذلك يحصل بدون ما تقصر إليه الصلاة ولا تغرب المرأة إلا في صحبة ذي رحم محرم أو امرأة ثفقة في صحبة مأمونه وإن لم تجد ذا رحم محرم ولا امرأة ثقة يتطوع بالخرج بالخروج معا استؤجر من يخرج معها ومن أين يستأجر فيه وجهان من أصحابنا من قال يستأجر من ما لها لأنه حق هليها فكانت مؤتته عليها وإن لم كن لها مال استؤجر من بيت المال ومن أصحابنا من قال يستأجر من بيت المال لأنه حق لله عز وجل فكانت مؤنته من بيت المال فإن لم يكن في بيت الماي ما يستأجر به استؤجر من مالها فصل وإن كان الحد رجما وكان صحيحا والزمان معتدل رجم لأن الحد لا يجوز تأخير تأخيره من غير عذر وإن كان مريضا مرضا يرجى زواله أو الزمان مسرف الحر والبرد ففيه وجهان أحدهما أنه لا يؤخر رجمه لأن القصد قتله فلا يمنع الحر والبرد والمرض منه والثاني أنه يؤخر لأنه ربما رجع في خلال الرجم وقد أثر في جسمه الرجم فيعين الحر والبرد والمرض على قتله وإن كان امرأة حاملا لللام ترجم حتى تضع لأنه يتلف به الجنين فصل فإن كان المرجوم رجلا لم يحفر له لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز ولأنه ليس بعورة وأن كان امرأة حفر لها لماروى بريدة قال جاءت امرأة من غامد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترفت بالزنا فأمر فحفر لها حفرة غلى صدرها ثم أمر برجمها لأن ذلك أستر لها فصل وإن هرب المرجوم من الرجم فإن كان الح ثبت بالبينة تبع ورجم لأنه لا سبيل غلى تركه وإن ثبت بالاقرار لم يتبع لما روى أبو سعيد الخدريقال جاء ماعز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الأخر زني وذكر إلى أن قال اذهبوا بهذا فارجموه فأتينا به مكانا قليل الحجارة فلما رميناه اشتد من بين أيدينا يسعى فتبعناه فأتي بناحرة كثيرة الحجارة فقام ونصب نفسه فرميناه حتى قتلتاه ثم اجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله فلا خليتم عنه حين سعى من بين أيديكم وإن وقف وأقام على الإقرار رجم وإن رجع عن الاقرار لم يرجم لأن رجوعه مقبول وبالله التوفيق باب حد القذف القذف محرم والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله عز وجل والسحر وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات فصل إذا قذف بالغ عاقل مختار مسلم أو كافر
التزم حقوق المسلمين من مرتد أو ذمى أو معاهد محصنا ليس بولد له بوطء يوجب الحد وجب عليه الحد فإن كان حرا جلد ثمانين جلدة لقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة وإن كان مملوكا جلد أربعين لما روى يحيى بن سعيد الأنصارى قال ضرب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مملوكا افترى على حر ثمانين جلدة فبلغ ذلك عبد الله بن عامر بن ربيعة فقال أدركت الناس من زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى اليوم فما رأيت أحدا ضرب المملوك المفترى على الحر ثمانين قبل أبى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم وروى خلاس أن عليا كرم الله وجهه قال فى عبد قذف حرا نصف الحد ولانه حد يتبعض فكان المملوك على النصف من الحر كحد الزنا فصل وإن قذف غير محصن لم يجب عليه الحد لقوله عز وجل والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فدل على أنه إذا قذف غير محصن لم يجلدوا والمحصن الذى يجب الحد بقذفه من الرجال والنساء من اجتمع فيه البلوغ والعقل والإسلام والحرية والعفة عن الزنا فإن قذف صغيرا أو مجنونا لم يجب ( به ) عليه الحد لان ما يرمى به الصغير والمجنون لو تحقق لم يجب به الحد فلم يجب الحد على القاذف كما لو قذف بالغا عاقلا بما دون الوطء وإن قذف كافرا لم يجب عليه الحد لما روى ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من لأشرك بالله فليس بمحصن وإن قذف مملوكا لم يجب عليه الحد لان نقص الرق يمنع كمال الحد ( عليه ) فيمنع وجوب الحد على قاذفه وإن قذف زانيا لم يجب عليه الحد لقوله عز وجل والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فأسقط الحد عنه إذا ثبت أنه زنى فدل ( عليه ) أنه إذا قذفه وهو زان لم يجب عليه الحد وإن قذف من وطىء فى غير ملك وطئا محرما لا يجب به الحد كمن وطىء امرأة ظنها زوجته أو وطىء فى نكاح مختلف فى صحته ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجب عليه الحد لانه وطء محرم لم يصادف ملكا فسقط به الإحصان كالزنا والثانى أنه يجب لأنه وطء لا يجب به الحد فلم يسقط به الإحصان كما لو وطىء زوجته وهى حائض فصل وإن قذف الوالد ولده أو قذف الجد ولد ولده لم يجب عليه الحد وقال أبو ثور يجب عليه الحد لعموم الآية والمذهب الأول لانه عقوبة تجب لحق الآدمى فلم تجب للولد على الوالد كالقصاص وإن قذف زوجته فماتت وله منها ولد سقط الحد لانه لما لم يثبت عليه الحد بقذفه لم يثبت له عليه بالإرث عن أمه وإن كان لها ابن آخر من غيره وجب له لان حد القذف يثبت لكل واحد من الورثة على الانفراد فصل وإن رفع القاذف إلى الحاكم وجب عليه السؤال عن إحصان المقذوف لانه شرط فى الحكم فيجب السؤال عنه كعدالة الشهود ومن أصحابنا من قال لا يجب لان البلوغ والعقل معلوم بالنظر إليه والظاهر الحرية والإسلام والعفة وإن قال القاذف أمهلنى لاقيم البينة على الزنا أمهل ثلاثة أيام لانه قريب لقوله عز وجل ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ثم قال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام فصل وإن قذف محصنا ثم زنى المقذوف أو وطىء وطأ زال به الإحصان سقط الحد عن القاذف وقال المزنى وأبو ثور لا يسقط لانه معنى طرأ بعد وجوب الحد فلا يسقط ما وجب من الحد كردة المقذوف وثيوبة الزانى وحريته وهذا خطأ لان ما ظهر من الزنا يوقع شبهة فى حال القذف ولهذا روى أن رجلا زنى بامرأة فى زمان أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه فقال والله ما زنيت إلا هذه المرة فقال له عمر كذبت إن الله لا يفضح عبده فى أول مرة