Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وإن جزأ الليل ثلاثة أجزاء فالثلث الأوسط أفضل لما روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحب الصلاة إلى الله عز وجل صلاة داود عليه السلام كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ولان الطاعات في هذا الوقت أقل فكانت الصلاة فيه أفضل ويكره أن يقوم الليل كله لما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتصوم النهار فقلت نعم قال وتقوم الليل قلت نعم قال لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني وأفضل تطوع النهار ما كان في البيت لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة والسنة أن يسلم من كل ركعتين لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة الليل مثنى مثنى فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة فإن جمع ركعات بتسليمة واحدة جاز لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ويوتر من ذلك بخمس يجلس في الركعة الأخيرة ويسلم وأنه أوتر بسبع وخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام وإن تطوع بركعة واحدة جاز لما روي أن عمر رضي الله عنه مر بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل فقال يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة فقال إنما هي تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص فصل في تحية المسجد ويستحب لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين تحية المسجد لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا جاء أحدكم المسجد فليصل سجدتين من قبل أن يجلس فإن دخل وقد حضرت الجماعة لم يصل التحية لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ولانه يحصل به التحية كما يحصل حق الدخول إلى الحرم بحجة الفرض باب سجود التلاوة سجود التلاوة مشروع للقارىء والمستمع لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بسجدة كبر وسجد وسجدنا معه فإن ترك القارىء سجد المستمع لانه توجه عليهما فلا يتركه أحدهما بترك الآخر وأما من سمع القارىء وهو غير مستمع إليه قال الشافعي رحمه الله لا أؤكد عليه كما أؤكد على المستمع لما روي عن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهما أنهما قالا السجدة على من استمع وعن ابن عباس رضي الله عنهما السجدة لمن جلس لها وهي سنة غير واجبة لما روي عن زيد بن ثابت قال عرضت سورة النجم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسجد منا أحد فصل في سجدات التلاوة وسجدات التلاوة أربع عشرة سجدة في قوله الجديد سجدة في آخر الأعراف عند قوله ويسبحونه وله يسجدون وسجدة في الرعد عند قوله تعالى بالغدو والآصال وسجدة في النحل عند قوله تعالى ويفعلون ما يؤمرون وسجدة في بني إسرائيل عند قوله تعالى ويزيدهم خشوعا وسجدة في مريم عند قوله تعالى خروا سجدا وبكيا وسجدتان في الحج إحداهما عند قوله تعالى إن الله يفعل ما يشاء والثانية عند قوله تعالى وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وسجدة في الفرقان عند قوله تعالى وزادهم نفورا وسجدة في النمل عند قوله تعالى رب العرش العظيم وسجدة في الم تتزيل عند قوله تعالى وهم لا يستكبرون وسجدة في حم السجدة عند قوله تعالى وهم لا يسأمون وثلاث سجدات في المفصل إحداهما في آخر النجم فاسجدوا لله واعبدوا والثانية في إذا السماء انشقت عند قوله عز وجل وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون
والثالثة في آخر اقرأ واسجد واقترب والدليل عليه ما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه قال أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتين وقال في القديم سجود التلاوة إحدى عشرة سجدة فأسقط ثلاث سجدات المفصل لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة فصل في الكلام على سجدة ص وأما سجدة ص فهي عند قوله عز وجل وخر راكعا وأناب وليست من سجدات التلاوة وإنما هي سجدة شكر لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقرأ ص فلما مر بالسجود تشزنا للسجود فلما رآنا قال إنما هي توبة نبي ولكن قد استعددتم للسجود فنزل وسجد وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سجدها نبي الله داود توبة وسجدناها شكرا فإن قرأها في الصلاة فسجد ففيه وجهان أحدهما تبطل صلاته لانها سجدة شكر فتبطل بها الصلاة كالسجود عند تجدد نعمة والثاني لا تبطل لانها تتعلق بالتلاوة فهي كسائر سجدات التلاوة فصل في حكم سجود التلاوة وحكم سجود التلاوة حكم صلاة النفل يفتقر إلى الطهارة والستارة واستقبال القبلة لانها صلاة في الحقيقة فإن كان في الصلاة سجد بتكبير ورفع بتكبير ولا يرفع يديه وإن كان السجود في آخر السورة فالمستحب أن يقوم ويقرأ من السورة بعدها شيئا ثم يركع فإن قام ولم يقرأ شيئا وركع جاز وإن قام من السجود إلى الركوع ولم يقم لم يجز لانه لم يبتدىء الركوع من قيام وإن كان في غير الصلاة كبر لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا مر بالسجدة كبر وسجد ويستحب أن يرفع يديه لانها تكبيرة افتتاح فهي كتكبيرة الإحرام ثم يكبر تكبيرة أخرى للسجدة ولا يرفع اليد والمستحب أن يقول في سجوده ما روت عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن سجد وجهي للذى خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته وإن قال اللهم اكتب لي عندك بها أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود عليه السلام فهو حسن لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رأيت هذه الليلة فيما يرى النائم كاني أصلي خلف شجرة وكأني قرأت سجدة فسجدت فرأيت الشجرة كأنها سجدت لسجودي فسمعتها وهي ساجدة تقول اللهم اكتب لي عندك بها أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود عليه السلام قال ابن عباس رضي الله عنهما فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ السجدة فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل عن الشجرة فإن قال فيه مثل ما يقول في سجود الصلاة جاز وهل يفتقر إلى السلام فيه قولان قال في البويطي لا يسلم كما لا يسلم منه في الصلاة وروى المزني عنه أنه قال يسلم لانها صلاة تفتقر إلى الإحرام فافتقرت إلى السلام كسائر الصلوات وهل يفتقر إلى التشهد المذهب أنه لا يتشهد لانه لا قيام فيه فلم يكن فيه تشهد ومن أصحابنا من قال يتشهد لانه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام فافتقر إلى التشهد كسجود الصلاة فصل في السؤال والاستعاذة أثناء القراءة ويستحب لمن مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى ولمن مر بآية عذاب أن يستعيذ منه لما روى حذيفة رضي الله عنه قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ البقرة فما مر بآية رحمة إلا سأل ولا بآية عذاب إلا استعاذ ويستحب للمأموم أن يتابع الإمام في سؤال الرحمة والاستعاذة من العذاب لانه دعاء فساوى المأموم الإمام فيه كالتأمين
ويستحب لمن تجددت عنده نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة أن يسجد شكرا لله عز وجل لما روى أبو بكرة رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الشيء الذى يسر به خر ساجدا شكرا لله تعالى وحكم سجود الشكر في الشروط والصفات حكم سجود التلاوة خارج الصلاة باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها إذا قطع شرطا من شروطها كالطهارة والستارة وغيرهما بطلت صلاته فإن سبقه الحدث ففيه قولان قال في الجديد تبطل صلاته لانه حدث يبطل الطهارة فأبطل الصلاة كحدث العمد وقال في القديم لا تبطل صلاته بل ينصرف ويتوضأ ويبني على صلاته لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى ما لم يتكلم ولانه حدث حصل بغير اختياره فأشبه سلس البول فإن أخرج على هذا القول بقية الحدث لم تبطل صلاته لان حكم البقية حكم الأول فإذا لم تبطل بالأول لم تبطل بالبقية ولان به حاجة إلى إخراج البقية ليكمل طهارته فإن وقعت عليه نجاسة يابسة فنحاها في الحال لم تبطل صلاته لانها ملاقاة نجاسة هو معذور فيها فلم تقطع الصلاة كسلس البول وإن كشفت الريح الثوب عن العورة ثم رده لم تبطل صلاته لانه معذور فيه فلم يقطع الصلاة كما لو غصب منه الثوب في الصلاة فإن ترك فرضا من فروضها كالركوع والسجود وغيرهما بطلت صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي المسيء صلاته أعد صلاتك فإنك لم تصل وإن ترك القراءة ناسيا ففيه قولان وقد مضى في القراءة فصل في الضحك والكلام في الصلاة وإن تكلم في صلاته أو قهقه فيها أو شهق بالبكاء وهو ذاكر للصلاة عالم بالتحريم بطلت صلاته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء وروي الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء فإن فعل ذلك وهو ناس أنه في الصلاة ولم يطل لم تبطل صلاته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصدق ذو اليدين فقالوا نعم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى اثنتين أخريين ثم سلم وإن فعل ذلك وهو جاهل بالتحريم ولم يطل لم تبطل صلاته لما روي عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فحدقنى القوم بأبصارهم فقلت واثكل أماه ما لكم تنظرون إلي فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاني بأبي وأمي هو ما رأيت معلما أحسن تعليما منه والله ما ضربني صلى الله عليه وسلم ولا كهرني ثم قال إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن وإن سبق لسانه من غير قصد إلى الكلام أو غلبه الضحك ولم يطل لم تبطل صلاته لانه غير مفرط فهو كالناسي والجاهل وإن طال الكلام وهو ناس أو جاهل بالتحريم أو مغلوب ففيه وجهان المنصوص في البويطي أن صلاته تبطل لان كلام الناسي والجاهل والمسبوق كالعمل القليل ثم العمل القليل إذا كثر أبطل الصلاة وكذلك الكلام
ومن أصحابنا من قال لا تبطل كأكل الناسي لا يبطل الصوم قل أو كثر فإن تنحنح أو تنفس أو نفخ أو بكى أو تبسم عامدا أولم يبن منه حرفان لم تبطل صلاته لما روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سجد جعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد في الركعة الثانية فلما قضى صلاته قال فو الذي نفسي بيده لقد عرضت علي النار حتى إني لأطفئها خشية أن تغشاكم ولان ما لم يتبين منه حرفان ليس بكلام فلا يبطل الصلاة فإن كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه لم تبطل صلاته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم على أبى بن كعب رضي الله عنه وهو يصلي فلم يجبه فخفف الصلاة وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما منعك أن تجيبني قال يا رسول الله كنت أصلي قال أفلم تجد فيما أوحي إلي استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم قال بلى يا رسول الله لا أعود فإن رأى المصلي ضريرا يقع في بئر فأنذره بالقول ففيه وجهان قال أبو إسحق المروزي رحمه الله لا تبطل صلاته لانه واجب عليه فهو كإجابة النبي صلى الله عليه وسلم ومن أصحابنا من قال تبطل صلاته لانه لا يجب عليه لانه قد لا يقع في البئر وليس بشيء فإن كلمه إنسان وهو في الصلاة وأراد أن يعلمه أنه في الصلاة أو وتصفق إن كانت امرأة فتضرب ظهر كفها الأيمن على بطن كفها الأيسر لما روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء فإذا فعل ذلك للإعلام لم تبطل صلاته لانه مأمور به فإن صفق الرجل وسبحت المرأة لم تبطل الصلاة لانه ترك سنة فإن أراد الإذن لرجل في الدخول فقال ادخلوها بسلام آمنين فإن قصد التلاوة والإعلام سها الإمام فأراد أن يعلمه بالسهو استحب له إن كان رجلا أن يسبح لم تبطل صلاته لان قراءة القرآن لا تبطل الصلاة وإن لم يقصد القرآن بطلت صلاته لانه من كلام الآدميين وإن شمت عاطسا بطلت صلاته لحديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه ولانه كلام وضع لمخاطبة الآدمي فهو كرد السلام وروى يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال لا تبطل الصلاة لانه دعاء بالرحمة فهو كالدعاء لابويه بالرحمة فصل فيمن أكل عامدا وإن أكل عامدا بطلت صلاته لانه إذا أبطل الصوم الذي لا يبطل بالأفعال فلان يبطل الصلاة أولى وإن أكل ناسيا لم تبطل كما لا يبطل الصوم فصل في العمل في الصلاة وإن عمل في الصلاة عملا ليس منها نظرت فإن كان من جنس أفعالها بأن ركع أو سجد في غير موضعها فإن كان عامدا بطلت صلاته لانه متلاعب بالصلاة وإن كان ناسيا لم تبطل لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فسبحوا له وبنى على صلاته وإن قرأ فاتحة الكتاب مرتين عامدا فالمنصوص أنه لا تبطل صلاته لانه تكرار ذكر فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين
ومن أصحابنا من قال تبطل لانه ركن زاده في الصلاة فهو كالركوع والسجود وإن عمل عملا ليس من جنسها فإن كان قليلا مثل أن دفع مارا بين يديه أو ضرب حية أو عقربا أو خلع نعليه أو أصلح رداءه أو حمل شيئا أو سلم عليه رجل فرد عليه بالإشارة وما أشبه ذلك لم تبطل صلاته لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفع المار بين يديه وأمر بقتل الأسودين الحية والعقرب في الصلاة وخلع نعليه وحمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها وسلم عليه الأنصار فرد عليهم بالإشارة في الصلاة ولان المصلي لا يخلو من عمل قليل فلم تبطل صلاته بذلك وإن عمل عملا كثيرا بأن مشي خطوات متتابعات أو ضرب ضربات متواليات بطلت صلاته لان ذلك لا تدعو الحاجة إليه في الغالب وإن مشى خطوتين أو ضرب ضربتين ففيه وجهان أحدهما لا تبطل صلاته لان النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه ووضعهما إلى جانبه وهذان فعلان متواليان والثاني تبطل لانه عمل متكرر فهو كالثلاث وإن عمل عملا كثيرا متفرقا لم تبطل صلاته لحديث أمامة ابنة أبي العاص رضي الله عنها فإنه تكرر منه الحمل والوضع ولكنه لما تفرق لم يقطع الصلاة لا فرق في العمل بين السهو والعمد لانه فعل بخلاف الكلام فإنه قول والفعل أقوى من القول ولهذا ينفذ إحبال المجنون لكونه فعلا ولا ينفذ إعتاقه لانه قول فصل فيما يكره في الصلاة ويكره أن يترك شيئا من سنن الصلاة ويكره أن يلتفت في صلاته من غير حاجة لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الله تعالى مقبلا على عبده في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت صرف الله عنه وجهه وإن كان لحاجة لم يكره لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتفت في صلاته يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره ويكره أن يرفع بصره إلى السماء لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة حتى اشتد قوله في ذلك لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وعليه خميصة ذات أعلام فلما فرغ قال ألهتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي الجهم وأتوني بأنبجانيته ويكره أن يصلي ويده على خاصرته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل مختصرا ويكره أن يكف شعره وثوبه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يسجد على سبعة أعضاء ونهى أن يكف شعره وثوبه ويكره أن يمسح الحصا في الصلاة لما روى معيقيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تمسح الحصا وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة تسوية الحصا ويكره أن يعد الآي في الصلاة لانه يشتغل عن الخشوع فكان تركه أولى ويكره التثاؤب فيها لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرد ما استطاع فإن أحدكم إذا قال هاها ضحك الشيطان منه فإن بدره البصاق فإن كان في المسجد لم يبصق فيه بل يبصق في ثوبه ويحك بعضه ببعض وإن كان في غير المسجد لم يبصق تلقاء وجهه ولا عن يمينه بل يبصق تحت قدمه اليسرى فإن بدره بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مسجدا يوما فرأى في قبلة المسجد نخامة فحتها بعرجون معه ثم قال أيحب أحدكم أن يبصق رجل في وجهه إذا صلى أحدكم فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه فإن الله تعالى تلقاء وجهه والملك عن يمينه وليبصق تحت قدمه اليسرى أو عن يساره فإن أصابته بادرة بصاق فليبصق في ثوبه ثم يقول به هكذا فعلمهم أن يفركوا بعضه ببعض فإن خالف وبصق في المسجد دفنه لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال البصاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه وبالله التوفيق
باب سجود السهو إذا ترك ركعة من الصلاة ساهيا فذكرها وهو فيها لزمه أن يأتي بها فإن شك في تركها بأن شك هل صلى ركعة أو ركعتين أو صلى ثلاثا أو أربعا لزمه أن يأخذ بالأقل ويأتي بما بقي لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين فإن استيقن التمام سجد سجدتين فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة له والسجدتان وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماما لصلاته والسجدتان ترغمان أنف الشيطان وإن ترك ركعة ناسيا وذكرها بعد التسليم نظرت فإن لم يتطاول الفصل أتى بها وإن تطاول استأنف واختلف أصحابنا في التطاول فقال أبو إسحق هو أن يمضي قدر ركعة وعليه نص في البويطي وقال غيره يرجع فيه إلى العادة فإن كان قد مضى ما يعد تطاولا ستأنف الصلاة وإن مضى ما لا يعد تطاولا بنى لانه ليس له حد في الشرع فرجع فيه إلى العادة وقال أبو علي بن أبي هريرة إن مضى مقدار الصلاة التي نسي فيها استأنف وإن كان دون ذلك بنى لان آخر الصلاة يبنى على أولها وما زاد على ذلك لا يبنى عليه فجعل ذلك حدا وإن شك بعد السلام في تركها لم يلزمه شيء لان الظاهر أنه أداها على التمام فلا يضره الشك الطارىء بعده ولانا لو اعتبرنا حكم الشك الطارىء بعدها شق ذلك وضاق فلم يعتبر فصل فيمن ترك فرضا ساهيا أو شك في تركه وإن ترك فرضا ساهيا أو شك في تركه وهو في الصلاة لم يعتد بما فعله بعد المتروك حتى يأتي بما تركه ثم يأتى بما بعده لان الترتيب مستحق في أفعال الصلاة فلا يعتد بما فعل حتى يأتي بما تركه فإن ترك سجدة من الركعة الأولى وذكرها وهو قائم في الثانية نظرت فإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى خر ساجدا وقال أبو إسحاق يلزمه أن يجلس ثم يسجد ليكون السجود عقيب الجلوس والمذهب الأول لان المتروك هو السجدة وحدها فلا يعيد ما قبلها كما لو قام من الرابعة إلى الخامسة ساهيا ثم ذكر فإنه يجلس ثم يتشهد ولا يعيد السجود قبله وإن لم يكن قد جلس عقيب السجدة الأولى حتى قام ثم ذكر جلس ثم سجد ومن أصحابنا من قال يخر ساجدا لان الجلوس يراد للفصل بين السجدتين وقد حصل الفصل بالقيام إلى الثانية والمذهب الأول لان الجلوس فرض مأمور به فلم يجز تركه وإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى وهو يظن أنها جلسة الاستراحة ففيه وجهان قال أبو العباس لا يجزئه بل يلزمه أن يجلس ثم يسجد لان جلسة الاستراحة نفل فلا يجزئه عن الفرض كسجود التلاوة لا يجزئه عن سجدة الفرض ومن أصحابنا من قال يجزئه كما لو جلس في الرابعة وهو يظن أنه جلس للتشهد الأول وتعليل أبي العباس يبطل بهذه المسألة وأما سجود التلاوة فلا يسلم فإن من أصحابنا من قال يجزئه عن الفرض ومنهم من قال لا يجزئه لانه ليس من الصلاة وإنما هو عارض فيها
وجلسة الاستراحة من الصلاة وإن ذكر ذلك بعد السجود في الثانية تمت له ركعة لان عمله بعد المتروك كلا عمل حتى يأتي بما ترك فإذا سجد في الثانية ضممنا سجدة من الثانية إلى الأولى فتمت له الركعة وإن ترك سجدة من أربع ركعات ونسي موضعها لزمه ركعة لانه يجوز أن يكون قد ترك من الأخيرة فيكفيه سجدة ويحتمل أن يكون قد ترك من غير الأخيرة فتبطل عليه الركعة التي بعدها وفي الصلاة يجب أن يحمل الأمر على الأشد ليسقط الفرض بيقين ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من شك فى عدد الركعات أن يأخذ بالأقل ليسقط الفرض بيقين وإن ترك سجدتين جعل إحداهما من الأولى والأخرى من الثالثة فيتم الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة فيحصل له ركعتان وتلزمه ركعتان وإن ترك ثلاث سجدات جعل من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدة ومن الرابعة سجدة وتلزمه ركعتان وإن ترك أربع سجدات جعل من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدتين ومن الرابعة سجدة فيلزمه سجدة وركعتان وإن ترك خمس سجدات جعل من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدتين ومن الرابعة سجدتين فيلزمه سجدتان وركعتان وإن نسي ست سجدات فقد أتى بسجدتين فجعل إحداهما من الأولى والأخرى من الرابعة وتلزمه ثلاث ركعات وإن نسي سبع سجدات حصل له ركعة إلا سجدة وإن نسي ثماني سجدات حصل له من ركعة القيام والركوع ويلزمه أن يأتي بما بقي فإن ذكر ذلك بعد السلام أو شك في تركه بعد السلام فالحكم فيه على ما ذكرناه في الركعة فصل فيمن نسي سنة وإن نسي سنة نظرت فإن ذكر ذلك وقد تلبس بغيرها مثل أن يترك دعاء الاستفتاح فذكر وهو في التعوذ أو ترك التشهد الأول فذكر وقد انتصب قائما لم يعد إليه والدليل عليه ما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قام أحدكم من الركعتين ولم يستتم قائما فليجلس وإذا استتم قائما فلا يجلس ويسجد سجدتين ففرق بين أن ينتصب وبين ألا ينتصب لانه إذا انتصب حصل في غيره وإذا لم ينتصب لم يحصل في غيره فدل على ما ذكرناه وإن نسي تكبيرات العيد حتى افتتح القراءة ففيه قولان قال في القديم يأتي بها لان محلها القيام والقيام باق وقال في الجديد لا يأتي بها لانه ذكر مسنون قبل القراءة فسقط بالدخول في القراءة كدعاء الاستفتاح فصل في مقتضى سجود السهو الذي يقتضي سجود السهو أمران زيادة ونقصان فأما الزيادة فضربان قول وفعل فالقول أن يسلم في غير موضع السلام ناسيا أو يتكلم ناسيا فيسجد للسهو والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين وكلم ذا اليدين وأتم صلاته وسجد سجدتين وإن قرأ في غير موضع القراءة سجد لانه قرأ في غير موضعه فصار كالسلام وأما الفعل فضربان ضرب لا يبطل عمده الصلاة وضرب يبطل فما لا يبطل عمده الصلاة كالالتفات والخطوة والخطوتين فلا يسجد له لان عمده لا يوثر فسهوه لا يقتضي السجود وأما ما يبطل عمده فضربان متحقق ومتوهم فالمتحقق أن يسهو فيزيد في صلاته ركعة أو ركوعا أو سجودا أو قياما أو قعودا أو يطيل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت أو يقعد للتشهد في غير موضع القعود على وجه السهو فيسجد للسهو والدليل عليه ما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فقيل له صليت خمسا فسجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم وأما المتوهم فهو أن يشك هل صلى ركعة أو ركعتين فيلزمه أن يصلي ركعة أخرى ثم يسجد للسهو ولحديث أبي سعيد الخدري الذي ذكرناه في أول الباب فإن قام من الركعتين فرجع إلى القعود قبل أن ينتصب قائما ففيه قولان أحدهما يسجد للسهو لانه زاد في صلاته فعلا تبطل الصلاة بعمده فيسجد كما لو زاد قياما أو ركوعا والثاني لا يسجد وهو الأصح لانه عمل قليل فهو كالالتفات والخطوة فصل في الكلام على النقصان في الصلاة
وأما النقصان فهو أن يترك سنة مقصودة وذلك شيئان أحدهما أن يترك التشهد الأول ناسيا فيسجد للسهو لما روى ابن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين فلما جلس من أربع انتظر الناس تسليمه فسجد قبل أن يسلم والثاني أن يترك القنوت ساهيا فيسجد للسهو لانه سنة مقصودة في محلها فتعلق السجود بتركها كالتشهد الأول وإن ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول فإن قلنا إنها ليست بسنة فلا يسجد وإن قلنا إنها سنة سجد لانه ذكر مقصود في موضعه فهو كالتشهد الأول فإن ترك التشهد الأول أو القنوت عامدا سجد للسهو ومن أصحابنا من قال لا يسجد لانه مضاف إلى السهو فلا يفعل مع العمد والمذهب الأول لانه إذا سجد لتركه ساهيا فلان يسجد لتركه عامدا أولى وإن ترك سنة غير مقصودة كالتكبيرات والتسبيحات والجهر والإسرار والتورك والافتراش وما أشبهها لم يسجد لانه ليس بمقصود في موضعه فلم يتعلق بتركه الجبران وإن شك هل سها نظرت فإن كان في زيادة هل زاد أم لا لم يسجد لان الأصل أنه لم يزد وإن كان في نقصان هل ترك التشهد أو القنوت أم لا سجد لان الأصل أنه لم يفعل فسجد لتركه فصل في اجتماع سهوين وإن اجتمع سهوان أو أكثر كفاه للجميع سجدتان لان النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين وكلم ذا اليدين واقتصر على سجدتين ولانه لو لم يتداخل لسجد عقيب السهو فلما أخر إلى آخر الصلاة دل على أنه إنما أخر ليجمع كل سهو في الصلاة وإن سجد للسهو ثم سها فيه ففيه وجهان قال أبو العباس ابن القاص يعيد لان السجود لا يجبر ما بعده وقال أبو عبد الله الختن لا يعيد لانه لو لم يجبر كل سهو لم يؤخر فصل الإمام يحمل السهو عن المأموم إذا سها خلف الإمام لم يسجد لان معاوية بن الحكم شمت العاطس في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ولم يأمره بالسجود وإن سها الإمام لزم المأموم حكم السهو لانه لما تحمل عنه الإمام سهوه لزم المأموم أيضا سهوه فإن لم يسجد الإمام لسهوه سجد المأموم وقال المزني وأبو حفص البابشامي لا يسجد لانه إنما يسجد تبعا للإمام وقد ترك الإمام فلم يسجد المأموم والمذهب الأول لانه لما سها الإمام دخل النقص على صلاة المأموم لسهوه فإذا لم يجبر الإمام صلاته جبر المأموم صلاته وإن سبقه الإمام ببعض الصلاة وسها فيما أدركه معه وسجد معه ففيه قولان قال في الأم يعيد لان الأول فعله متابعة لإمامه ولم يكن موضع سجوده وقال في الإملاء والقديم لا يعيد لان الجبران حصل بسجوده فلم يعد وإن سها الإمام فيما أدركه وسجد وسجد معه ثم سها المأموم فيما انفرد فإن قلنا لا يعيد السجود سجد لسهوه وإن لم يسجد الإمام أو سجد وإن قلنا يعيد فالمنصوص أنه تكفيه سجدتان لان السجدتين يجبران كل سهو ومن أصحابنا من قال يسجد أربع سجدات لان إحداهما من جهة الإمام والأخرى من جهته وإن سها الإمام ثم أدركه المأموم فالمنصوص في صلاة الخوف أنه يلزم المأموم حكم سهوه لانه دخل في صلاة ناقصة فنقصت بها صلاته ومن أصحابنا من قال لا يلزمه لانه لو سها المأموم فيما انفرد به بعد مفارقة الإمام لم يتحمل عنه الإمام فإذا سها الإمام فيما انفرد به لم يلزم المأموم وإن صلى ركعة منفردا في صلاة رباعية فسها فيها ثم نوى متابعة إمام مسافر فسها الإمام ثم قام إلى رابعته فسها فيها ففيه ثلاثة أوجه أصحها أنه يكفيه سجدتان والثانى يسجد أربع سجدات لانه سها سهوا في جماعة وسهوا في الانفراد والثالث يسجد ست سجدات لانه سها في ثلاثة أحوال فصل في حكم سجود السهو وسجود السهو سنة لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري كانت الركعة نافلة له والسجدتان ولانه يفعل لما لا يجب فلا يجب
فصل في محل سجود السهو ومحله قبل السلام لحديث أبي سعيد ولحديث ابن بحينة ولانه يفعل لإصلاح الصلاة فكان قبل التسليم كما لو نسي سجدة من الصلاة ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر إنه إن كان السهو زيادة كان محله بعد السلام والمشهور هو الأول لان بالزيادة يدخل النقص في الصلاة كما يدخل بالنقصان فإن لم يسجد حتى سلم ولم يتطاول الفصل سجد لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى خمسا وسلم ثم سجد وإن تطاول الفصل ففيه قولان أحدهما يسجد لانه جبران فلم يسقط بالتطاول كجبران الحج وقال في الجديد لا يسجد وهو الأصح لانه يفعل لتكميل الصلاة فلم يفعل بعد تطاول الفصل كما لو نسي سجدة من الصلاة فذكرها بعد التسليم وبعد تطاول الفصل وكيف يسجد بعد التسليم فيه وجهان قال أبو العباس بن القاص يسجد ثم يتشهد لان السجود في الصلاة بعده تشهد وكذلك هذا وقال أبو إسحق لا يتشهد وهو الأصح لان الذي ترك هو السجود فلا يعيد معه غيره والنفل والفرض في سجود السهو واحد ومن أصحابنا من حكى قولان في القديم أنه لا يسجد للسهو في النفل وهذا لا وجه له لان النفل كالفرض في النقصان فكان كالفرض في الجبران باب الساعات التى نهى الله عن الصلاة فيها وهي خمس اثنتان نهى عنهما لاجل الفعل وهي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال حدثني أناس أعجبهم إلي عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وثلاثة نهى عنها لاجل الوقت وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند الاستواء حتى تزول وعند الاصفرار حتى تغرب والدليل عليه ما روى عقبة بن عامر قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن نصلي فيها أو أن نقبر موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة وحين تضيف الشمس للغروب وهل يكره التنفل لمن صلى ركعتى الفجر فيه وجهان أحدهما يكره لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليبلغ الشاهد منكم الغائب أن تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين والثاني لا يكره لان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا بعد الصبح حتى تطلع الشمس فصل في متى تجوز الصلاة في الأوقات المكروهة ولا يكره في هذه الأوقات ما لها سبب كقضاء الفائتة والصلاة المنذورة وسجود التلاوة وصلاة الجنازة وما أشبهها لما روي عن قيس بن قهر قال رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح فقال هاتان الركعتان قلت لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان الركعتان ولم ينكر عليه فدل على جوازه فإن دخل إلى المسجد في هذه الأوقات ليصلي التحية لا لحاجة له غيرها ففيه وجهان أحدهما يصلي لانه وجد سبب الصلاة وهو الدخول والثانى لا يصلي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتحرى أحدكم بصلاته طلوع الشمس وغروبها وهذا يتحرى بصلاته طلوع الشمس وغروبها فصل في الصلاة يوم الجمعة عند استواء الشمس ولا تكره يوم الجمعة عند الاستواء لمن حضر الصلاة لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة ولانه يشق عليه مع كثرة الخلق أن يخرج لمراعاة الشمس ويغلبه النوم إن قعد فعفى عن الصلاة وإن لم يحضر الصلاة ففيه وجهان أحدهما يجوز للخبر والثانى لا يجوز لانه لا مشقة عليه في مراعاة الشمس فصل في استثناء مكة
ولا تكره الصلاة في هذه الأوقات بمكة لما روى أبو ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام ولا خلاف أن الطواف يجوز فكذلك الصلاة باب صلاة الجماعة اختلف أصحابنا في الجماعة فقال أبو العباس وأبو إسحاق هي فرض على الكفاية يجب إظهارها في الناس فإن امتنعوا من إظهارها قوتلوا عليها وهو المنصوص في الإمامة والدليل عليه ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان عليك بالجماعة فإنما يأخذ الذئب من الغنم القاصية ومن أصحابنا من قال هي سنة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة فصل في عدد الجماعة وأقل الجماعة اثنان إمام ومأموم لما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الاثنان فما فوقهما جماعة وفعلها للرجال في المسجد أفضل لانهم أكثر جمعا وفي المساجد التى يكثر الناس فيها أفضل لما روى أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى فإن كان في جواره مسجد تختل فيه الجماعة ففعلها في مسجد الجوار أفضل من فعلها في المسجد الذي يكثر فيه الناس لانه إذا صلى في مسجد الجوار حصلت الجماعة في موضعين وأما النساء فجماعتهن في البيوت أفضل لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن فإن أرادت المرأة حضور المسجد مع الرجال فإن كانت شابة أو كبيرة يشتهى مثلها كره لها الحضور وإن كانت عجوزا لا تشتهى لم يكره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن الخروج إلا عجوزا في منقليها فصل في اشتراط نية المأموم للجماعة ولا تصح الجماعة حتى ينوي المأموم الجماعة لانه يريد أن يتبع غيره فلا بد من نية الاتباع فإن رأى رجلين يصليان على الانفراد فنوى الائتمام بهما لم تصح صلاته لانه لا يمكنه أن يقتدي بهما في وقت واحد وإن نوى الاقتداء بأحدهما بغير عينه لم تصح صلاته لانه إذا لم يعين لم يمكنه الاقتداء به وإن كان أحدهما يصلي بالآخر فنوى الاقتداء بالمأموم منهما لم تصح صلاته لانه تابع لغيره فلا يجوز أن يتبعه غيره فإن صلى رجلان فنوى كل واحد منهما أنه هو الإمام لم تبطل صلاته لان كل واحد منهما يصلي لنفسه وإن نوى كل واحد منهما أنه مؤتم بالآخر لم تصح صلاتهما لان كل واحد منهما ائتم بمن ليس بإمام فصل في أعذار سقوط الجماعة وتسقط الجماعة بالعذر وهو أشياء فمنها المطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنه قال كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة نادى مناديه أن صلوا في رحالكم ومنها أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه أو يدافع الأخبثين لما روت عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام ولا هو يدافع الأخبثين ومنها أن يخاف ضررا في نفسه أو ماله أو مرضا يشق معه القصد والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر قالوا يا رسول الله وما العذر قال خوف أو مرض
ومنها أن يكون قيما بمريض يخاف ضياعه لان حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة ومنها أن يكون له قريب مريض يخاف موته لانه يتألم عليه بذلك أكثر مما يتألم بذهاب المال فصل في استحباب المشى للجماعة ويستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها وعليه السكينة والوقار وقال أبو إسحق إن خاف فوت التكبيرة الأولى أسرع لما روي أن عبد الله بن مسعود اشتد إلى الصلاة وقال بادروا حد الصلاة يعنى التكبيرة الأولى والأول أصح لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وإن حضر والإمام لم يحضر فإن كان للمسجد إمام راتب قريب فالمستحب أن ينفذ إليه ليحضر لان في تفويت الجماعة افتياتا عليه وإفسادا للقلوب وإن خشي فوات أول الوقت لم ينتظر لان النبي صلى الله عليه وسلم ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف فقدم الناس أبا بكر رضي الله عنه وحضر النبي صلى الله عليه وسلم وهم في الصلاة فلم ينكر عليهم وإن دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة وإن خشي فوات الجماعة قطع النافلة لان الجماعة أفضل وإن دخل في فرض الوقت ثم أقيمت الجماعة فالأفضل أن يقطع ويدخل في الجماعة فإن نوى الدخول في الجماعة من غير أن يقطع صلاته ففيه قولان قال في الإملاء لا يجوز وتبطل صلاته لان تحريمته سبقت تحريمة الإمام فلم يجز كما لو حضر معه في أول الصلاة فكبر قبله وقال في القديم والجديد يجوز وهو الأصح لانه لما جاز أن يصلى بعض صلاته منفردا ثم يصير إماما بأن يجىء من يأتم به جاز أن يصلي بعض صلاته منفردا ثم يصير مأموما ومن أصحابنا من قال إن كان قد ركع في حال الانفراد لم يجز قولا واحدا لانه يغير ترتيب صلاته بالمتابعة والصحيح أنه لا فرق لان الشافعي رحمه الله لم يفرق ويجوز أن يغير ترتيب صلاته بالمتابعة كالمسبوق بركعة وإن حضر وقد أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فإن أدركه في القيام وخشي أن تفوته القراءة ترك دعاء الاستفتاح واشتغل بالقراءة لانها فرض فلا يشتغل عنها بالنفل فإن قرأ بعض الفاتحة فركع الإمام ففيه وجهان أحدهما يركع ويترك القراءة لان متابعة الإمام آكد ولهذا لو أدركه راكعا سقط عنه فرض القراءة والثانى يلزمه أن يتم القراءة لانه لزمه بعض القراءة فلزمه إتمامها وإن أدركه وهو راكع كبر للإحرام وهو قائم ثم كبر للركوع ويركع فإن كبر تكبيرة واحدة نوى بها الإحرام وتكبيرة الركوع لم تجزئه عن الفرض لانه أشرك في النية بين الفرض والنفل وهل تنعقد له صلاة نفل فيه وجهان أحدهما تنعقد كما لو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع والثاني لا تنعقد لانه أشرك في النية بين تكبيرة هي شرط وتكبيرة ليست بشرط وإن أدرك معه مقدار الركوع الجائز فقد أدرك الركعة وإن لم يدرك ذلك لم يدرك الركعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ومن لم يدرك الركوع فليصل الظهر أربعا وإن كان الإمام قد ركع ونسي تسبيح الركوع فرجع إلى الركوع ليسبح فأدركه في هذا الركوع فقد قال أبو علي الطبري يحتمل أن يكون مدركا كما لو قام إلى الخامسة فأدركه المأموم فيها والمنصوص في الأم أنه لا يكون مدركا لان ذلك غير محتسب للإمام ويخالف الخامسة لان هناك قد أتى بها المأموم وههنا لم يأت بما فاته مع الإمام وإن أدركه ساجدا كبر للإحرام ثم سجد من غير تكبير ومن أصحابنا من قال يكبر كما يكبر للركوع
والمذهب الأول لانه لم يدرك محل التكبير في السجود ويخالف إذا أدركه راكعا فإن هذا موضع ركوعه ألا ترى أنه يجزئه عن فرضه فصار كالمنفرد وإن أدركه في آخر الصلاة كبر للإحرام وقعد وحصل له فضيلة الجماعة فإن أدرك معه الركعة الأخيرة كان ذلك أول صلاته لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال ما أدركت فهو أول صلاتك وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال يكبر فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلاته فإن كان ذلك في صلاة فيها قنوت فقنت مع الإمام أعاد القنوت في آخر صلاته لان ما فعله مع الإمام فعله للمتابعة فإذا بلغ إلى موضعه أعاد كما لو تشهد مع الإمام ثم قام إلى ما بقي فإنه يعيد التشهد وإن حضر وقد فرغ الإمام من الصلاة فإن كان المسجد له إمام راتب كره أن يستأنف فيه جماعة لانه ربما اعتقد أنه قصد الكياد والإفساد وإن كان المسجد في سوق أو ممر الناس لم يكره أن يستأنف الجماعة لانه لا يحمل الأمر فيه على الكياد وإن حضر ولم يجد إلا من صلى استحب لبعض من حضر أن يصلي معه ليحصل له الجماعة والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا جاء وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يتصدق على هذا فقام رجل فصلى معه فصل فيمن صلى منفردا ثم أدرك الجماعة ومن صلى منفردا ثم أدرك جماعة يصلون استحب له أن يصلي معهم وحكى أبو إسحاق عن بععض أصحابنا أنه قال إن كان صبحا أو عصرا لم يستحب لانه منهي عن الصلاة في ذلك الوقت والمذهب الأول لما روى يزيد بن الأسود العامري أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغداة في مسجد الخيف فرأى في آخر القوم رجلين لم يصليا معه فقال ما منعكما أن تصليا معنا قالا يا رسول الله قد صلينا في رحالنا فقال لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة فإن صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى ففيه وجهان أحدهما يعيد للخبر والثانى لا يعيد لانه قد حاز فضيلة الجماعة وإذا صلى وأعاد مع الجماعة فالفرض هو الأول في قوله الجديد للخبر ولانه أسقط الفرض بالأولى فوجب أن تكون الثانية نفلا وقال في القديم يحتسب الله له بأيتهما شاء وليس بشيء فصل في تسوية الصفوف ويستحب للإمام أن يأمر من خلفه بتسوية الصفوف لما روى أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتدلوا في صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري قال أنس فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه والمستحب أن يخفف في القراءة والأذكار لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء فإن صلى بقوم يعلم أنهم يؤثرون التطويل لم يكره التطويل لان المنع لاجلهم وقد رضوا وإن أحس بداخل وهو راكع ففيه قولان أحدهما يكره أن ينتظر لان فيه تشريكا بين الله عز وجل وبين الخلق في العبادة وقد قال تعالى ولا يشرك بعبادة ربه أحدا والثاني يستحب أن ينتظر وهو الأصح لما روى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر ما دام يسمع وقع النعل لانه انتظار ليدرك به الغير ركعة فلم يكره كالانتظار في صلاة الخوف وتعليل الأول يبطل بإعادة الصلاة لمن فاتته الجماعة ويرفع الصوت بالتكبير ليسمع من وراءه فإن فيه تشريكا ثم يستحب وإن أحس به وهو قائم لم ينتظره لان الإدراك يحصل له بالركوع فإن أدركه وهو يتشهد ففيه وجهان احدهما أنه لا يستحب لما فيه من التشريك والثاني يستحب لانه يدرك به الجماعة فصل في متابعة المأموم إمامه
وينبغى للمأموم أن يتبع الإمام ولا يتقدمه في شيء من الأفعال لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا ولا تختلفوا عليه فإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا ولا ترفعوا قبله فإن كبر قبله أو كبر معه للإحرام لم تنعقد صلاته لانه علق صلاته بصلاته قبل أن تنعقد فلم تصح وإن سبقه بركن بأن ركع قبله أو سجد قبله لم يجز ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد أن يحول الله تعالى رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار ويلزمه أن يعود إلى متابعته لان ذلك فرض فإن لم يفعل حتى لحقه فيه لم تبطل صلاته لان ذلك مفارقة قليلة وإن ركع قبل الإمام فلما أراد الإمام أن يركع رفع فلما أراد الإمام أن يرفع سجد فإن كان عالما بتحريمه بطلت صلاته لان ذلك مفارقة كثيرة وإن كان جاهلا بذلك لم تبطل صلاته ولا يعتد له بهذه الركعة لانه لم يتابع الإمام في معظمها وإن ركع قبله فلما ركع الإمام رفع ووقف حتى رفع الإمام واجتمع معه في القيام لم تبطل صلاته لانه تقدم بركن واحد وذلك قدر يسير وإن سجد الإمام سجدتين وهو قائم ففيه وجهان أحدهما تبطل صلاته لانه تأخر عنه بسجدتين وجلسة بينهما وقال أبو إسحق لا تبطل لانه تأخر بركن واحد وهو السجود وإن سها الإمام في صلاته فإن كان في قراءة فتح عليه المأموم لما روى أنس رضي الله عنه قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن بعضهم بعضا في الصلاة وإن كان في ذكر غيره جهر به المأموم ليسمعه الإمام فيقوله وإن سها الإمام في فعل سبح له ليعلمه فإن لم يقع للإمام أنه سها لم يعمل بقول المأموم لان من شك في فعل نفسه لم يرجع فيه إلى قول غيره كالحاكم إذا نسي حكما حكم به فشهد شاهدان عليه أنه حكم به وهو لا يذكره وأما المأموم فإنه ينظر فيه فإن كان سهو الإمام في ترك فرض مثل أن يقعد وفرضه أن يقوم أو يقوم وفرضه أن يقعد لم يتابعه لانه إنما تلزمه متابعته في أفعال الصلاة وما يأتي به ليس من أفعال الصلاة وإن كان سهوه في ترك سنة لزمه متابعته لان المتابعة فرض فلا يجوز أن يشتغل عنها بسنة فإن نسي الإمام التسليمة الثانية أو سجود السهو لم يتركه المأموم لانه يأتى به وقد سقط عنه المتابعة فإن نسيا جميعا التشهد الأول ونهضا للقيام وذكر الإمام قبل أن يستتم القيام والمأموم قد استتم القيام ففيه وجهان أحدهما لا يرجع لانه قد حصل في فرض والثاني يرجع وهو الأصح لان متابعة الإمام آكد ألا ترى أنه إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام لزمه العود إلى متابعته وإن كان قد حصل في فرض فصل في استخلاف الإمام وإن أحدث الإمام واستخلف ففيه قولان قال في القديم لا يجوز لان المستخلف كان لا يجهر ولا يقرأ السورة ولا يسجد للسهو فصار يجهر ويقرأ السورة ويسجد للسهو وذلك لا يجوز في صلاة واحدة
وقال في الأم يجوز لما روت عائشة رضي الله عنها قالت لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي توفي فيه قال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت يا رسول الله إنه رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فمر عمر فليصل بالناس فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فمر عليا فليصل بالناس قال إنكن لأنتن صويحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج فلما رآه أبو بكر ذهب ليستأخر فأومأ إليه بيده فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلى جنبه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير فإن استخلف من لم يكن معه في الصلاة فإن كان في الركعة الأولى أو الثالثة جاز على قوله في الأم وإن كان في الركعة الثانية أو الرابعة لم يجز لانه لا يوافق ترتيب الأول فيشوش وإن سلم الإمام وبقي على بعض المأمومين بعض الصلاة فقدموا من يتم بهم ففيه وجهان أحدهما يجوز كما يجوز في الصلاة والثاني لا يجوز لان الجماعة الأولى قد تمت فلا حاجة إلى الاستخلاف فصل فيمن فارق الإمام وإن نوى المأموم مفارقة الإمام وأتم لنفسه فإن كان لعذر لم تبطل صلاته لان معاذا رضي الله عنه أطال القراءة فانفرد عنه أعرابي فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه وإن كان لغير عذر ففيه قولان أحدهما تبطل لانهما صلاتان مختلفتان في الحكم فلا يجوز أن ينتقل من أحداهما إلى الأخرى من غير عذر كالظهر والعصر والثاني يجوز وهو الأصح لان الجماعة فضيلة فكان له تركها كما لو صلى بعض صلاة النفل قائما ثم قعد باب صفة الأئمة إذا بلغ الصبي حدا يعقل وهو من أهل الصلاة صحت إمامته لما روي عن عمرو بن سلمة قال أممت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام ابن سبع سنين وفي الجمعة قولان قال في الأم لا يجوز إمامته لان صلاته نافلة وقال في الإملاء يجوز لانه يجوز أن يكون إماما في غير الجمعة فجاز أن يكون إماما في الجمعة كالبالغ ولا تصح إمامة الكافر لانه ليس من أهل الصلاة فلا يجوز أن يعلق صلاته على صلاته فإن تقدم وصلى بقوم لم يكن ذلك إسلاما منه لانها من فروع الإيمان فلا يصير بفعلها مسلما كما لو صام رمضان أو زكى المال وأما من صلى خلفه فإنه إن علم بحاله لم تصح صلاته لانه علق صلاته بصلاة باطلة وإن لم يعلم ثم علم نظرت فإن كان كافرا متظاهرا بكفره لزمته الإعادة لانه مفرط في صلاته خلفه لان على كفره أمارة من الغيار وإن كان مستترا ففيه وجهان أحدهما لا تصح صلاته لانه ليس من أهل الصلاة فلا تصح الصلاة خلفه كما لو كان متظاهرا بكفره والثاني تصح لانه غير مفرط في الائتمام به وتجوز الصلاة خلف الفاسق لقوله صلى الله عليه وسلم صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وعلى من قال لا إله إلا الله ولان ابن عمر رضي الله عنه صلى خلف الحجاج مع فسقه ولا يجوز للرجل أن يصلي خلف المرأة لما روى جابر رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تؤم امرأة رجلا فإن صلى خلفها ولم يعلم ثم علم لزمه الإعادة لان عليها أمارة تدل على أنها امرأة فلم يعذر في صلاته خلفها ولا تجوز صلاة الرجل خلف الخنثى المشكل لجواز أن يكون امرأة ولا صلاة الخنثى خلف الخنثى لجواز أن يكون المأموم رجلا والإمام امرأة فصل في الصلاة خلف المحدث
ولا تجوز خلف المحدث لانه ليس من أهل الصلاة فإن صلى خلفه غير الجمعة ولم يعلم ثم علم فإن كان ذلك في أثناء الصلاة نوى مفارقته وأتم وإن كان بعد الفراغ لم تلزمه الإعادة لانه ليس على حدثه أمارة فعذر في صلاته خلفه فإن كان في الجمعة فقد قال الشافعي رحمه الله في الأم إن تم العدد به لم تصح الجمعة لانه فقد شرط الجمعة وإن تم العدد دونه صحت لان العدد وجد وحدثه لا يمنع صحة الجمعة كما لا يمنع في سائر الصلوات ويجوز للمتوضىء أن يصلي خلف المتيمم لانه أتى عن طهارته ببدل فهو كغاسل الرجل إذا صلى خلف الماسح على الخف وفي صلاة الطاهرة خلف المستحاضة وجهان أحدهما يجوز كالمتوضىء خلف المتيمم والثاني لا يجوز لانها لم تأت بطهارة عن النجس ولانها تقوم مقامها فهو كالمتوضىء خلف المحدث ويجوز للقائم أن يصلي خلف القاعد لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا والناس خلفه قيام ويجوز للراكع والساجد أن يصلي خلف المومىء إلى الركوع والسجود لانه ركن من أركان الصلاة فجاز للقادر عليه أن يأتم بالعاجز عنه كالقيام وفي صلاة القارىء خلف الأمي وهو من لا يحسن الفاتحة أو خلف الأرت والألثغ قولان أحدهما يجوز لانه ركن من أركان الصلاة فجاز للقادر عليه أن يأتم بالعاجز عنه كالقيام والثاني لا يجوز لانه يحتاج أن يتحمل قراءته وهو يعجز عن ذلك فلا يجوز أن ينتصب للتحمل كالإمام الأعظم إذا عجز عن تحمل أعباء الأمة ويجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل والمفترض بالمفترض في صلاة أخرى لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن معاذا كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الأخيرة ثم يأتي قومه في بني سلمة يصلي بهم هي له تطوع ولهم فريضة العشاء ولان الاقتداء يقع بالأفعال الظاهرة وذلك يمكن مع اختلاف النية فأما إذا صلى صلاة الكسوف خلف من يصلي الصبح أو الصبح خلف من يصلي الكسوف لم يجز لانه لا يمكن الائتمام مع اختلاف الأفعال ولا يجوز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر لان الإمام شرط في الجمعة والإمام ليس معهم في الجمعة فيصير كالجمعة بغير إمام ومن أصحابنا من قال تجوز كما يجوز أن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر وفي فعلها خلف المتنفل قولان أحدهما يجوز لانهما متفقتان في الأفعال الظاهرة والثاني لا يجوز لان من شرط الجمعة الإمام والإمام ليس معهم في الجمعة ويكره أن يصلي الرجل بقوم وأكثرهم له كارهون لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يرفع الله صلاتهم فوق رؤوسهم فذكر فيهم رجلا أم قوما وهم له كارهون فإن كان الذي يكرهه الأقل لم يكره أن يؤمهم لان أحدا لا يخلو ممن يكرهه ويكره أن يصلي الرجل بامرأة أجنبية لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان ويكره أن يصلي خلف التمتام والفأفاء لما يزيدان في الحروف فإن صلى خلفهما صحت صلاته لانها زيادة هو مغلوب عليها فصل فيمن يقدم للإمامة والسنة أن يؤم القوم أقرؤهم وأفقههم لما روى أبو مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى وأكثرهم قراءة فإن كانت قراءتهم سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا وكان أكثر الصحابة قراءة أكثرهم فقها لانهم كانوا يقرؤون الآية ويتعلمون أحكامها ولان الصلاة تفتقر صحتها إلى القراءة والفقه فقدم أهلهما على غيرهما فإن زاد أحدهما في القراءة والفقه قدم على الآخر وإن زاد أحدهما في الفقه وزاد الآخر في القراءة فالأفقه أولى لانه ربما حدثت في الصلاة حادثة تحتاج إلى الاجتهاد
فإن استويا في الفقه والقراءة ففيه قولان قال في القديم يقدم الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن وهو الأصح لانه قدم الهجرة على السن في حديث أبي مسعود البدري ولا خلاف أن الشرف مقدم على الهجرة فإذا قدمت الهجرة على السن فلان يقدم على الشرف أولى وقال في الجديد يقدم الأسن ثم الأشرف ثم الأقدم هجرة لما روى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلوا كما رأيتموني أصلي وليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ولان الأكبر أخشع في الصلاة فكان أولى والسن الذي يستحق به التقديم السن في الإسلام فأما إذا شاخ في الكفر ثم أسلم لم يقدم على شاب نشأ في الإسلام والشرف الذي يستحق به التقديم أن يكون من قريش والهجرة أن يكون ممن هاجر من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أولادهم فإن استويا في ذلك فقد قال بعض المتقدمين يقدم أحسنهم فمن أصحابنا من قال أحسنهم صورة ومنهم من قال أراد أحسنهم ذكرا فصل في تقديم صاحب البيت فإن اجتمع هؤلاء مع صاحب البيت فصاحب البيت أولى منهم لما روى أبو مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤم الرجل في أهله ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه فإن حضر مالك الدار والمستأجر فالمستأجر أولى لانه أحق بالتصرف في المنافع وإن حضر مالك العبد والعبد في دار جعلها السيد لسكنى العبد فالسيد أولى لانه هو المالك في الحقيقة دون العبد وإن اجتمع غير السيد مع العبد في الدار فالعبد أولى لانه أحق بالتصرف فإن اجتمع هؤلاء مع إمام المسجد فإمام المسجد أولى لما روي أن ابن عمر كان له مولى يصلي في مسجد فحضر فقدمه مولاه فقال له ابن عمر رضي الله عنه أنت أحق بالإمامة في مسجدك وإن اجتمع إمام المسلمين مع صاحب البيت أو مع إمام المسجد فالإمام أولى لان ولايته عامة ولانه راع وهم رعيته فكان تقديم الراعي أولى وإن اجتمع مسافر ومقيم فالمقيم أولى لانه إذا تقدم المقيم أتموا كلهم فلا يختلفون وإذا تقدم المسافر اختلفوا في الصلاة وإن اجتمع حر وعبد فالحر أولى لانه موضع كمال والحر أكمل وإن اجتمع عدل وفاسق فالعدل أولى لانه أفضل وإن اجتمع ولد الزنا مع غيره فغيره أولى لانه كرهه عمر بن عبد العزيز ومجاهد فكان غيره أولى منه وإن اجتمع بصير وأعمى فالمنصوص في الإمامة أنهما سواء لان في الأعمى فضيلة وهو أنه لا يرى ما يلهيه وفي البصير فضيلة وهو أن يتجنب النجاسة قال أبو إسحق المروزي الأعمى أولى وعندي أن البصير أولى لانه يتجنب النجاسة التي تفسد الصلاة والأعمى يترك النظر إلى ما يلهيه وذلك لا يفسد الصلاة باب موقف الإمام والمأموم السنة أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فقمت عن يساره فجعلنى عن يمينه فإن وقف على يساره رجع إلى يمينه فإن لم يحسن علمه الإمام كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس رضي الله عنه فإن جاء آخر أحرم عن يساره ثم يتقدم الإمام أو يتأخر المأموم لما روى جابر رضي الله عنه قال قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدى وأدارني حتى أقامني عن يمينه وجاء جبار بن صخر حتى قام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذنا بيديه جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه لانه قبل أن يحرم الثانى لم يتغير موقف الأول فلا يزال عن موضعه فإن حضر رجلان اصطفا خلفه لحديث جابر وإن حضر رجل وصبي اصطفا خلفه لما روى أنس رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين
فإن حضر رجال وصبيان تقدم الرجال لقوله صلى الله عليه وسلم ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وإن كانت معهم امرأة وقفت خلفهم لحديث أنس رضي الله عنه فإن كان معهم خنثى وقف خلف الرجل والمرأة خلف الخنثى لانه يجوز أن يكون امرأة فلا تقف مع الرجال والسنة ألا يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم لما روي أن حذيفة رضي الله عنه صلى على دكان والناس أسفل منه فجذبه سلمان رضي الله عنه حتى أنزله فلما انصرف قال له أما علمت أن أصحابك يكرهون أن يصلي الإمام على شيء وهم أسفل منه قال حذيفة بلى قد ذكرت حين جذبتني وكذلك لا يكون موضع المأموم أعلى من موضع الإمام لانه إذا كره أن يعلو الإمام فلان يكره أن يعلو المأموم أولى فإن أراد الإمام تعليم المأمومين أفعال الصلاة فالسنة أن يقف الإمام على موضع عال لما روى سهل بن سعد الساعدي قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والناس وراءه فجعل يصلي عليه ويركع ثم يرفع ثم يرجع القهقرى ويسجد على الأرض ثم يرفع فيرقى عليه فقال أيها الناس إنما صنعت هكذا كيما تروني فتأتموا بي ولان الارتفاع في هذه الحالة أبلغ في الإعلام فكان أولى فصل في كيف تؤم المرأة النساء والسنة أن تقف إمامة النساء وسطهن لما روي أن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أمتا نساء فقامتا وسطهن وكذلك إذا اجتمع الرجال وهم عراة فالسنة أن يقف الإمام وسطهم لانه أستر فصل في الحكم إذا خالفوا موقفهم فإن خالفوا فيما ذكرناه فوقف الرجل عن يسار الإمام أو خلفه وحده أو وقفت المرأة مع الرجل أو أمامه لم تبطل الصلاة لما روي أن ابن عباس رضي الله عنه وقف على يسار النبي صلى الله عليه وسلم فلم تبطل صلاته وأحرم أبو بكر خلف الصف ركع ثم مشى إلى الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد ولان هذه المواضع كلها موافق لبعض المأمومين فلا تبطل الصلاة بالانتقال إليها وإن تقدم المأموم على الإمام ففيه قولان قال في القديم لا تبطل الصلاة كما لو وقف خلف الإمام وحده وقال في الجديد تبطل لانه وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال فأشبه إذا وقف في موضع نجس فصل في فضل الصف الأول والمستحب أن يتقدم الناس في الصف الأول لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو تعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة وروى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول والمستحب أن يعتمد يمين الإمام لما روى البراء قال كان يعجبنا عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه كان يبدأ بمن عن يمينه ويسلم عليه فإن وجد في الصف الأول فرجة فالمستحب أن يسدها لما روى أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتموا الصف الأول فإن كان نقص ففي المؤخر فإن تباعدت الصفوف أو تباعد الصف الأول عن الإمام نظرت فإن كان لا حائل بينهما وكانت الصلاة في المسجد وهو عالم بصلاة الإمام صحت الصلاة لان كل موضع من المسجد موضع الجماعة وإن كان في غير المسجد فإن كان بينه وبين الإمام أو بينه وبين آخر صف مع الإمام مسافة بعيدة لم تصح صلاته فإن كانت مسافة قريبة صحت صلاته وقدر الشافعي رحمه الله القريب بثلثمائة ذراع والبعيد ما زاد على ذلك لان ذلك قريب في العادة وما زاد بعيد وهل هو تقريب أو تحديد فيه وجهان أحدهما أنه تحديد فلو زاد على ذلك ذراع لم يجزه والثاني أنه تقريب فإن زاد على ذلك ثلاثة أذرع جاز
وإن كان بينهما حائل نظرت فإن كانت الصلاة في المسجد بأن كان أحدهما في المسجد والآخر على سطحه أو في بيت منه لم يضر وإن كان في غير المسجد نظرت فإن كان الحائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم تصح صلاته لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن نسوة كن يصلين في حجرتها بصلاة الإمام فقالت لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب وإن كان بينهما حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لان بينهما حائلا يمنع الاستطراق فأشبه الحائط والثاني يجوز لانه يشاهدهم فهو كما لو كان معهم وإن كان بين الإمام والمأموم نهر ففيه وجهان قال أبو سعيد الاصطخري لا يجوز لان الماء يمنع الاستطراق فهو كالحائط والمذهب أنه يجوز لان الماء لم يخلق للحائل وإنما خلق للمنفعة فلا يمنع الائتمام كالنار باب صلاة المريض إذا عجز عن القيام صلى قاعدا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن الحصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب وكيف يقعد فيه قولان أحدهما يقعد متربعا لانه بدل عن القيام والقيام يخالف قعود الصلاة فيجب أن يكون بدله مخالفا له والثاني يقعد مفترشا لان التربع قعود العادة والافتراش جلوس قعود العبادة فكان الافتراش أولى فإن لم يمكنه أن يركع أو يسجد أومأ إليهما وقرب وجهه إلى الأرض على قدر طاقته فإن سجد على مخدة أجزأه لان أم سلمة رضي الله عنها سجدت على مخدة لرمد بها قال في الأم إن قدر أن يصلي منفردا قائما ويخفف القراءة وإذا صلى مع الجماعة صلى بعضها من قعود فالأفضل أن يصلي منفردا لان القيام فرض والجماعة نفل فكان الانفراد أولى وإن صلى مع الإمام وقعد في بعضها صحت صلاته فإن كان في ظهره علة لا تمنع من القيام وتمنعه من الركوع والسجود لزمه القيام ويركع ويسجد على قدر طاقته فإن لم يمكنه أن يحني ظهره حنى رقبته فإن أراد أن يتكىء على عصا كان له ذلك وإن تقوس ظهره حتى صار كأنه راكع رفع رأسه في موضع القيام على قدر طاقته ويحني ظهره في الركوع على قدر طاقته وإن كان بعينيه وجع وهو قادر على القيام فقيل له إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك ففيه وجهان أحدهما لا يجوز له ترك القيام لما روي أن ابن عباس رضي الله عنه لما وقع في عينيه الماء حمل إليه عبد الملك الأطباء على البرد فقيل له إنك تمكث سبعة أيام لا تصلي إلا مستلقيا فسأل عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما فنهتاه والثاني يجزيه لانه يخاف الضرر من القيام فأشبه المريض فصل في صلاة العاجز عن القيام والقعود وإن عجز عن القيام والقعود صلى على جنبه ويستقبل القبلة بوجهه ومن أصحابنا من قال يستلقي على ظهره ويستقبل القبلة برجليه والمنصوص في البويطي هو الأول والدليل عليه ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يصلي المريض قائما فإن لم يستطع صلى جالسا فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة فإن لم يستطع صلى مستلقيا على قفاه ورجلاه إلى القبلة وأومأ بطرفه ولانه إذا اضطجع على جنبه استقبل القبلة بجميع بدنه وإذا استلقى لم يستقبل القبلة إلا برجليه ويومىء إلى الركوع والسجود فإن عجز عن ذلك أومأ بطرفه لحديث علي رضي الله عنه فصل فيمن افتتح قائما ثم عجز وإن افتتح الصلاة قائما ثم عجز قعد وأتم صلاته وإن افتتحها قاعدا ثم قدر على القيام قام وأتم صلاته لانه يجوز أن يؤدي جميع صلاته قاعدا عند العجز وجميعها قائما عند القدرة فجاز أن يؤدي بعضها قاعدا عند العجز وبعضها قائما عند القدرة وإن افتتح الصلاة قاعدا ثم عجز اضطجع وإن افتتحها مضطجعا ثم قدر على القيام أو القعود قام أو قعد والتعليل ما ذكرناه باب صلاة المسافر
يجوز القصر في السفر لقوله عز وجل وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا قال ثعلبة بن أمية قلت لعمر رضي الله عنه قال الله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم وقد أمن الناس قال عمر رضي الله عنه عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ولا يجوز القصر إلا في الظهر والعصر والعشاء لاجماع الأمة ويجوز ذلك في سفر الماء كما يجوز للراكب في البر فصل في مسافة القصر ولا يجوز ذلك إلا في مسيرة يومين وهو أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ فذلك ستة عشر فرسخا لما روي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك وسأل عطاء ابن عباس أأقصر إلى عرفات فقال لا فقال إلى منى فقال لا لكن إلى جدة وعسفان والطائف قال مالك رحمه الله بين الطائف ومكة وجدة وعسفان أربعة برد ولان في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والترحال وفيما دونه لا تتكرر قال الشافعي رحمه الله وأحب ألا يقصر في أقل من ثلاثة أيام وإنما استحب ذلك ليخرج من الخلاف فإن أبا حنيفة رحمه الله لا يبيح القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام فإن كان للبلد الذي يقصده طريقان يقصر في أحدهما وفي الآخر لا يقصر فسلك الأبعد لغرض يقصد في العادة قصر وإن سلكه ليقصر ففيه قولان قال في الإملاء له أن يقصر لانها مسافة يقصر في مثلها الصلاة فجاز له القصر فيها كما لو لم يكن له طريق سواه وقال في الأم ليس له أن يقصر لانه طول الطريق للقصر فلا يقصر كما لو مشى في مسافة قريبة طولا وعرضا حتى طال وإن سافر إلى بلد يقصر إليه الصلاة ونوى أنه إن لقي عبده أو صديقه في بعض الطريق رجع لم يقصر لانه لم يقطع على سفر تقصر فيه الصلاة وإن نوى السفر إلى بلد ثم منه إلى بلد آخر فهما سفران فلا يقصر حتى يكون كل واحد منهما مما تقصر فيه الصلاة فصل في متى يفضل القصر على الإتمام إذا كان السفر مسيرة ثلاثة أيام فالقصر أفضل من الإتمام لما روى عمران بن الحصين قال حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين ركعتين وسافرت مع أبي بكر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عمر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عثمان رضي الله عنه فصلى ركعتين ست سنين ثم أتم بمنى فكان الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل فإن ترك القصر وأتم جاز لما روت عائشة رضي الله عنها قالت خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت يا رسول الله أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال أحسنت يا عائشة ولانه تخفيف أبيح للسفر فجاز تركه كالمسح على الخفين ثلاثا فصل في سفر المعصية ولا يجوز القصر إلا في سفر ليس بمعصية فأما إذا سافر لمعصية كالسفر لقطع الطريق وقتال المسلمين فلا يجوز القصر ولا الترخص بشيء من رخص المسافر لان الرخص لا يجوز أن تتعلق بالمعاصي ولان في جواز الرخص في سفر المعصية إعانة على المعصية وهذا لا يجوز فصل متى يبدأ القصر ولا يجوز القصر إلا أن يفارق موضع الإقامة لقوله عز وجل وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة فعلق القصر على الضرب في الأرض وإن كان من أهل بلد لم يقصر حتى يفارق بنيان البلد فإن اتصل بحيطان البساتين حيطان البلد وفارق بنيان البلد جاز له القصر لان البساتين ليست من البلد وإن كان في قرية وبقربها قرية ففارق قريته جاز له القصر
وقال أبو العباس إن كانت القريتان متقاربتين فهما كالقرية الواحدة فلا يقصر حتى يفارقهما والمذهب الأول لان إحدى القريتين منفردة عن الأخرى فإن كان من أهل الخيام فإن كانت خياما مجتمعة لم يقصر حتى يفارق جميعها وإن كانت خياما متفرقة قصر إذا فارق ما يقرب من خيمته قال في البويطي فإن خرجوا من البلد فأقاموا في موضع حتى يجتمعوا ويخرجوا لم يجز لهم القصر لانهم لم يقطعوا بالسفر وإن قالوا ننتظر يومين أو ثلاثة فإن لم يجتمعوا سرنا جاز لهم القصر لانهم قطعوا بالسفر فصل فيمن أحرم بالصلاة في الحضر ثم سافر ولا يجوز القصر حتى تكون جميع الصلاة في السفر فأما إذا أحرم بالصلاة في سفينة في البلد ثم سارت السفينة وحصلت في السفر لم يجز له القصر وكذلك إن أحرم بها في سفينة في السفر ثم اتصلت السفينة بموضع الإقامة أو نوى الإقامة لزمه الإتمام لانه اجتمع في صلاته ما يقتضي القصر والإتمام فغلب الإتمام فصل في اشتراط النية ولا يجوز القصر حتى ينوي القصر عند الإحرام لان الأصل التمام فإذا لم ينو القصر انعقد إحرامه على التمام فلم يجز له القصر كالمقيم فصل فيمن ائتم بمقيم ولا يجوز القصر لمن ائتم بمقيم فإن ائتم به في جزء من صلاته لزمه التمام لانه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام وإن أراد أن يقصر الظهر خلف من يصلي الجمعة لم يجز لانه مؤتم بمقيم ولان الجمعة صلاة تامة فهو كما لو ائتم بمن يصلي الظهر تامة فإن لم ينو القصر أو نوى الإتمام أو ائتم بمقيم ثم أفسد صلاته لزمه الإتمام لانه فرض لزمه فلا يسقط عنه بالإفساد كحج التطوع وإن شك هل أحرم بالصلاة في السفر أو في الحضر أو نوى القصر أم لا أو هل إمامه مسافر أو مقيم لزمه الإتمام لان الأصل هو التمام والقصر أجيز بشروط فإذا لم تتحقق الشروط رجع إلى الأصل فإن ائتم بمسافر أو بمقيم الظاهر منه أنه مسافر جاز أن ينوي القصر خلفه لان الظاهر أن الإمام مسافر فإن أتم الإمام تبعه في الإتمام لانه بان له أنه ائتم بمقيم أو بمن نوى الإتمام وإن أفسد الإمام صلاته وانصرف ولم يعلم المأموم أنه نوى القصر أو الإتمام لزمه أن يتم على المنصوص وهو قول أبي إسحاق لانه شك في عدد الصلاة ومن شك في عدد الصلاة لزمه البناء على اليقين لا على غلبة الظن والدليل عليه أنه إذا شك هل صلى ثلاثا أو أربعا بنى على اليقين وهو الثلاث وإن غلب على ظنه أنه صلى أربعا وحكي عن ابن عباس أنه قال له أن يقصر لانه ائتم بمن الظاهر منه أنه يقصر فصل في استخلاف الإمام المسافر مقيما قال الشافعي رحمه الله وإن صلى مسافر بمقيمين فرعف واستخلف مقيما أتم الراعف فمن أصحابنا من قال هذا على القول القديم أن صلاة الراعف لا تبطل فيكون في حكم المؤتم بمقيم ومن أصحابنا من قال تلزمه على القول الجديد أيضا لان المستخلف فرع للراعف فلا يجوز أن يلزم الفرع ولا يلزم الأصل وليس بشيء فصل في متى يقيم المسافر وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج صار مقيما وانقطعت عنه رخص السفر لان بالثلاثة لا يصير مقيما لان المهاجرين حرم عليهم الإقامة بمكة ثم رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيموا ثلاثة أيام فقال يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا وأجلى عمر رضي الله عنه اليهود من الحجاز ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا