Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وإن كانت بينة أحدهما شاهدين وبينة الآخر شاهدا وامرأتين فهما متعارضتان وفيهما القولان لانهما يتساويان فى إثبات المال وإن كانت بينة أحدهما شاهدين وبينة الآخر شاهدا ويمينا ففيه قولان أحدهما أنهما يتعارضان وفيهما القولان لانهما تساويا فى إثبات المال والقول الثانى أنه يقضى لمن له الشاهدان لان بينته مجمع عليها وبينة الآخر مختلف فيها فصل فى وإن كانت العين فى يد غيرهما فشهدت بينة أحدهما بأنه ملكه من سنة وشهدت بينة الآخر أنه ملكه من سنتين ففيه قولان قال فى البويطى هما سواء لان القصد إثبات الملك فى الحال وهما متساويتان فى إثبات الملك فى الحال والقول الثانى أن التى شهدت بالملك المتقدم أولى وهو اختيار المزنى وهو الصحيح لانها انفردت بإثبات الملك فى زمان لا تعارضها فيه البينة الأخرى وأما إذا كان الشيء فى يد أحدهما فإن كان فى يد من شهد له بالملك المتقدم حكم له وإن كان فى يد الآخر فقد اختلف أصحابنا فيه فقال أبو العباس رحمه الله يبنى على القولين فى المسألة قبلها إن قلنا إنهما يتساويان حكم لصاحب اليد وإن قلنا إن التى شهدت بالملك المتقدم تقدم قدمت ههنا أيضا لان الترجيح من جهة البينة أولى من الترجيح باليد ومن أصحابنا من قال يحكم به لمن هو فى يده قولا واحدا لان اليد الموجودة أولى من الشهادة بالملك المتقدم وأما إذا تداعيا دابة وأقام أحدهما بينة أنها ملكه نتجت فى ملكه وأقام الآخر أنها دابته ولم يذكر النتاج فقد اختلف أصحابنا فيه فقال أبو العباس الحكم فيه كالحكم فى الشهادة بالملك المتقدم وفيها قولان لان الشهادة بالنتاج كشهادته بالملك المتقدم وقال أبو إسحاق يحكم لمن شهدت له البينة بالنتاج قولا واحدا لان بينة النتاج تنفى أن يكون الملك لغيره والبينة بالملك المتقدم لا تنفى أن يكون الملك قبل ذلك لغير المشهود له فصل فى إذا ادعى رجل دارا فى يد رجل وأقام بينة أن هذه الدار كانت فى يده أو فى ملكه أمس فقد نقل المزنى والربيع أنه لا يحكم بهذه الشهادة وحكى البويطى أنه يحكم بها فقال أبو العباس فيها قولان أحدهما أنه يحكم بذلك لانه قد ثبت بالبينة أن الدار كانت له والظاهر بقاء الملك والقول الثانى أنه لا يحكم بها وهو الصحيح لانه ادعى ملك الدار فى الحال وشهدت له البينة بما لم يدعه فلم يحكم بها كما لو ادعى دارا فشهدت له البينة بدار أخرى وقال أبو إسحاق لا يحكم بها قولا واحدا وما ذكره البويطي من تخريجه فصل فى وإن ادعى ( رجل ) على رجل دارا فى يده وأقر بها لغيره نظرت فإن صدقه المقر له حكم له لانه مصدق فيما فى يده وقد صدقه المقر له فحكم له وتنتقل الخصومة إلى المقر له فإن طلب المدعى يمين المقر أنه لا يعلم أنها له ففيه قولان بناء على من أقر بشيء فى يده لغيره ثم أقر به لآخر وفيه قولان أحدهما يلزمه أن يغرم للثانى والثانى لا يلزمه فإن قلنا يلزمه أن يغرم حلف لانه ربما خاف أن يحلف فيقر للثانى فيغرم له وإن قلنا لا يلزمه لم يحلف لانه إن خاف من اليمين فأقر للثانى لم يلزمه شيء فلا فائدة فى تحليفه وإن كذبه المقر له ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى العباس أنه يأخذها الحاكم ويحفظها إلى أن يجد صاحبها لان الذى فى يده لا يدعيها والمقر له أسقط إقراره بالتكذيب وليس للمدعي بينة فلم يبق إلا أن يحفظها الحاكم كالمال الضال والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه يسلم إلى المدعى لانه ليس ههنا من يدعيه غيره وهذا خطأ لانه حكم بمجرد الدعوى وإن أقر بها لغائب ولا بينة وقف الأمر إلى أن يقدم الغائب لان الذى فى يده لا يدعيها ولا بينة تقضى بها فوجب التوقف فإن طلب المدعى يمين المدعى عليه أنه لا يعلم أنها له فعلى ما ذكرناه من القولين وإن كان للمدعى بينة قضى له
وهل يحتاج إلى أن يحلف مع البينة فيه وجهان أحدهما أنه يحتاج أن يحلف مع البينة لانا حكمنا بإقرار المدعى عليه أنها ملك للغائب ولا يجوز القضاء بالبينة على الغائب من غير يمين والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه لا يحتاج أن يحلف لانه قضاء على الحاضر وهو المدعى عليه وإن كان مع المدعى عليه بينة أنها للغائب فالمنصوص أنه يحكم ببينة المدعى وتسلم إليه ولا يحكم ببينة المدعى عليه وإن كان معها يد لان بينة صاحب اليد إنما يقضى بها إذا أقامها صاحب الملك أو وكيل له والمدعى عليه ليس بمالك ولا هو وكيل للمالك فلم يحكم ببينته وحكى أبو إسحاق رحمه الله عن بعض أصحابنا أنه ( قال إن ) كان المقر للغائب يدعى أن الدار فى يده وديعة أو عارية لم تسمع بينته وإن كان يدعى أنها فى يده بإجارة سمعت بينته وقضى بها لانه يدعى لنفسه حقا فسمعت ببينته فيصح الملك للغائب ويستوفى بها حقه من المنفعة وهذا خطأ لانه إذا لم تسمع البينة فى إثبات الملك وهو الأصل فلان لا تسمع لاثبات الإجارة وهى فرع على الملك أولى وإن أقر بها لمجهول فقد قال أبو العباس فيه وجهان أحدهما أنه يقال له إقرارك لمجهول لا يصح فإما أن تقر بها لمعروف أو تدعيها لنفسك أو نجعلك ناكلا ويحلف المدعى ويقضى له والثانى أن يقال له إما أن تقر بها لمعروف أو نجعلك ناكلا ولا يقبل دعواه لنفسه لانه بإقراره لغيره نفى أن يكون الملك له فلم تقبل دعواه بعد فصل فى إذا ادعى جارية وشهدت ( له ) البينة أنها ابنة أمته لم يحكم له بها لانها قد تكون ابنة أمته ولا تكون له بأن تلدها فى ملك غيره ثم يملك الأمة دونها فتكون ابنة أمته ولا تكون له وإن شهدت البينة أنها ابنة أمته ولدتها فى ملكه فقد قال الشافعى رحمه الله حكمت بذلك وذكر فى الشهادة بالملك المتقدم قولين فنقل أبو العباس جواب تلك المسألة إلى هذه وجعلها على قولين وقال سائر أصحابنا يحكم بها ههنا قولا واحدا وهناك على قولين والفرق بينهما أن الشهادة هناك بأصل الملك فلم تقبل حتى يثبت فى الحال والشهادة ههنا بتمام الملك وأنه حدث فى ملكه فلم يفتقر إلى إثبات الملك فى الحال وإن ادعى غزلا أو طيرا أو آجرا وأقام البينة أن الغزل من قطنه والطير من بيضه والآجر من طينه قضى له لان الجميع عين ماله وإنما تغيرت صفته فصل إذا ادعى رجل أن هذه الدار ملكه من سنتين وأقام على ذلك بينة وادعى آخر أنه ابتاعها منه منذ سنتين وأقام على ذلك بينة قضى ببينة الابتياع لان بينة الملك شهدت بالملك على الأصل وبينة الابتياع شهدت بأمر حادث خفى على بينة الملك فقدمت على بينة الملك كما تقدم بينة الجرح على بينة التعديل فصل وإن كان فى يد رجل دار وادعى رجل أنه ابتاعها من زيد وهو يملكها وأقام على ذلك بينة حكم له لانه ابتاعها من مالكها وإن شهدت له البينة أنه ابتاعها منه وسلمها إليه حكم له لانه لا يسلم إلا ما يملكه وإن شهدت أنه ابتاعها منه ولم تذكر الملك ولا التسليم لم يحكم بهذه الشهادة ولم تؤخذ الدار ممن هى فى يده لانه قد يبيع الإنسان ما يملكه وما لا يملكه فلا تزال يد صاحب اليد فصل وإن كان فى يد رجل دار فادعاها رجل وأقام البينة أنها له أجرها ممن هى فى يده وأقام الذى فى يده الدار بينة أنها له قدمت بينة الخارج الذى لا يد له لان الدار المستأجرة فى ملك المؤجر وبيده وليس للمستأجر إلا الانتفاع فتصير كما لو كانت فى يده دار وادعى رجل أنها له غصبه عليها الذى هى فى يده وأقام البينة فإنه يحكم بها للمغصوب منه
فصل وإن تداعى رجلان دارا فى يد ثالث فشهد لاحدهما شاهدان أن الذى فى يده الدار غصبه عليها وشهد للآخر شاهدان أنه أقر له بها قضى للمغصوب منه لانه ثبت بالبينة أنه غاصب وإقرار الغاصب لا يقبل فحكم بها للمغصوب منه فصل إذا ادعى رجل أنه ابتاع دارا من فلان ونقده الثمن وأقام على ذلك بينة وادعى آخر أنه ابتاعها منه ونقده الثمن وأقام على ذلك بينة وتاريخ أحدهما فى رمضان وتاريخ الآخر فى شوال قضى لمن ابتاعها فى رمضان لانه ابتاعها وهى فى ملكه والذى ابتاعها فى شوال ابتاعها بعد ما زال ملكه عنها وإن كان تاريخهما واحدا أو كان تاريخهما مطلقا أو تاريخ أحدهما مطلقا وتاريخ الآخر مؤرخا فإن كانت الدار فى يد أحدهما قضى له لان معه بينة ويدا وإن كانت فى يد البائع تعارضت البينتان وفيهما قولان أحدهما أنهما يسقطان والثانى أنهما يستعملان فإن قلنا إنهما يسقطان رجع إلى البائع فإن أنكرهما حلف لكل واحد منهما يمينا على الانفراد وقضى له وإن أقر لاحدهما سلمت إليه وهل يحلف للآخر فيه قولان وإن أقر لهما جعلت لهما نصفين وهل يحلف كل واحد منهما للآخر على النصف الآخر على القولين وإن قلنا إنهما يستعملان نظرت فإن صدق البائع أحدهما ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى العباس أنها تجعل لمن صدقه البائع لان الدار فى يده فإذا أقر لاحدهما فقد نقل يده إليه فتصير له يد وبينة وقال أكثر أصحابنا لا يرجح بإقرار البائع وهو الصحيح لان البينتين اتفقا على إزالة ملك البائع وإسقاط يده فعلى هذا يقرع بينهما فى أحد الأقوال ويقسم بينهما فى الثانى فيجعل لكل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن الذى ادعى أنه ابتاع به ولا يجىء القول بالوقف لان العقود لا توقف فصل وإن ادعى رجل أنه ابتاع هذه الدار من زيد وهو يملكها ونقده الثمن وأقام عليه بينة وادعى آخر أنه ابتاعها من عمرو و ( هو يملكها ) ونقده الثمن وأقام عليه بينة فإن كانت فى يد أجنبى أو فى يد أحد البائعين وقلنا على المذهب الصحيح أنه لا ترجح البينة بقول البائع تعارضت البينتان وفيهما قولان أحدهما أنهما يسقطان والثانى أنهما يستعملان فإن قلنا إنهما يسقطان رجع إلى من هو فى يده فإن ادعاه لنفسه فالقول قوله ويحلف لكل واحد منهما وإن أقر لاحدهما سلم إليه وهل يحلف للآخر فيه قولان وإن أقر لهما جعل لكل واحد منهما نصفه وهل يحلف ( للآخر على النصف الآخر ) على القولين وإن قلنا إنهما يستعملان أقرع بينهما فى أحد الأقوال ويقسم بينهما فى القول الثانى فيجعل لكل واحد منهما النصف بنصف الثمن الذى ادعى أنه ابتاعه ولا يجىء الوقف لان العقود لا توقف فصل وإن كان فى يد رجل دار فادعى زيد أنه باعها منه بألف وأقام عليه بينة وادعى عمرو أنه باعها منه بألف وأقام عليه بينة فإن كانت البينتان بتاريخ واحد تعارضتا وفيهما قولان أحدهما أنهما يسقطان والثانى أنهما يستعملان فإذا قلنا إنهما يسقطان رجع إلى قول من هى في يده فإن ادعاها لنفسه وأنكر الشراء حلف لكل واحد منهما وحكم له وإن أقر لاحدهما لزمه الثمن لمن أقر له وحلف للآخر قولا واحدا لانه لو أقر له بعد إقراره للأول لزمه له الألف لانه يقر له بحق في ذمته فلزمه أن يحلف قولا واحدا وإن قلنا إنهما يستعملان أقرع بينهما فى أحد الأقوال ويقسم فى القول الثانى ولا يجىء الوقف لان العقود لا توقف وإن كانتا بتاريخين مختلفين بأن شهدت بينة أحدهما بعقد فى رمضان وبينة ( أحدهما ) بعقد فى شوال لزمه الثمنان لانه يمكن الجمع بينهما بأن يكون قد اشتراه فى رمضان من أحدهما ثم باعه واشتراه من الآخر فى شوال وإن كانت البينتان مطلقتين ففيه وجهان أحدهما أنه يلزمه الثمنان لانه يمكن استعمالهما بأن يكون قد اشتراه فى وقتين مختلفين
والثانى أنهما يتعارضان فيكون على القولين لانه يحتمل أن يكونا فى وقتين فيلزمه الثمنان ويحتمل أن يكونا فى وقت واحد والأصل براءة الذمة فصل وإن ادعى رجل ملك عبد فأقام عليه بينة وادعى آخر أنه باعه أو وقفه أو أعتقه وأقام عليه بينة قدم البيع والوقف والعتق لان بينة الملك شهدت بالأصل وبينة البيع والوقف والعتق شهدت بأمر حادث خفى على بينة الملك فقدمت على بينة الملك وإن كان فى يد رجل عبد فادعى رجل أنه ابتاعه وأقام عليه بينة وادعى العبد أن مولاه أعتقه وأقام عليه بينة فإن عرف السابق منهما بالتاريخ قضى بأسبق التصرفين لان السابق منهما يمنع صحة الثانى فقدم عليه وإن لم يعرف السابق منهما تعارضتا وفيهما قولان أحدهما أنهما يسقطان ويرجع إلى من فى يده العبد وإن كان كذبهما حلف لكل واحد منهما يمينا على الانفراد وإن صدق أحدهما قضى لمن صدقه والقول الثانى أنهما يستعملان فيقرع بينهما فى أحد الأقوال فمن خرجت له القرعة قضى له ويقسم فى القول الثانى فيعتق نصفه ويحكم للمبتاع بنصف الثمن ولا يجىء القول بالوقف لان العقود لا توقف فصل قال فى الأم إذا قال لعبده إن قتلت فأنت حر فأقام العبد بينة أنه قتل وأقام الورثة ببينة أنه مات ففيه قولان أحدهما أنه تتعارض ( البينتان ) ويسقطان ويرق العبد لان بينة القتل تثبت القتل وتنفى الموت وبينة الموت تثبت الموت وتنفى القتل فتسقطان ويبقى العبد على الرق والثانى أنه تقدم بينة القتل ويعتق العبد لان بينة الورثة تشهد بالموت وبينة العبد تشهد بالقتل لان المقتول ميت ومعها زيادة صفة وهى القتل فقدمت وإن كان له عبدان سالم وغانم فقال لغانم إن مت فى رمضان فأنت حر وقال لسالم إن مت فى شوال فأنت حر ثم مات فأقام غانم بينة أنه مات فى رمضان وأقام سالم بينة بالموت فى شوال ففيه قولان أحدهما أنه تتعارض البينتان ويسقطان ويرق العبدان لان الموت فى رمضان ينفى الموت فى شوال والموت فى شوال ينفى الموت فى رمضان فيسقطان وبقى العبدان على الرق والقول الثانى أنه تقدم بينة الموت فى رمضان لانه يجوز أن يكون قد علمت البينة بالموت فى رمضان وخفى ذلك على البينة الأخرى إلى شوال فقدمت بينة رمضان لما معها من زيادة العلم وإن قال لغانم إن مت من مرضى فأنت حر وقال لسالم إن برئت من مرضى فأنت حر ثم مات فأقام غانم بينة بالموت من مرضه وأقام سالم بينة بأنه برىء من المرض ثم مات تعارضت البينتان وسقطتا ورق العبدان لان بينة أحدهما أثبتت الموت من مرضه ونفت البرء منه والأخرى أثبتت البرء من مرضه ونفت موته منه فتعذر الجمع بينهما فتعارضتا وسقطتا وبقى العبدان على الرق فصل وإن اختلف المتبايعان فى قدر الثمن أو اختلف المتكاريان فى قدر الأجرة أو فى مدة الإجارة فإن لم يكن بينة فالحكم فى التحالف والفسخ على ما ذكرناه فى ( الفسخ ) فى البيع وإن كان لاحدهما بينة قضى له وإن كان لكل واحد منهما بينة نظرت فإن كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين قضى بالأولى منهما لان العقد الأول يمنع ( صحة ) العقد الثانى وإن كانتا مطلقتين أو مؤرختين تاريخا واحدا أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة فهما متعارضتان وفيهما قولان أحدهما أنهما يسقطان ويصير كما لو لم تكن بينة فيتحالفا على ما ذكرناه فى البيع والثانى أنهما يستعملان فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة قضى له ولا يجىء القول بالوقف لان العقود لا توقف ولا يجىء القول بالقسمة لانهما يتنازعان فى عقد والعقد لا يمكن قسمته
وخرج أبو العباس قولا آخر أنه إذا كان الاختلاف فى قدر المدة أو فى قدر الأجرة قضى بالبينة التى نوجب الزيادة كما لو شهدت بينة أن لفلان عليه ألفا وشهدت بينة أن له عليه ألفين وهذا خطأ لان الشهادة بالألف لا تنفى الزيادة عليه فلم يكن بينها وبين بينة ( الشهادة ) الأخرى تعارض وههنا أحد البينتين ينفى ما شهدت به البينة الأخرى لانه إذا عقد بأحد العوضين لم يجز أن يعقد بالعوض الآخر فتعارضتا فصل فى إذا ادعى رجلان دارا فى يد رجل وعزيا الدعوى إلى سبب يقتضى اشتراكهما كالإرث عن ميت والإبتياع فى صفقة فأقر المدعى عليه بنصفها لاحدهما شاركه الآخر لان دعواهما تقتضى اشتراكهما فى كل جزء منهما ولهذا لو كان طعاما فهلك بعضه كان هالكا منهما وكان الباقي بينهما فإذا جحد النصف وأقر بالنصف جعل المجحود بينهما والمقر به بينهما وإن ادعيا ولم يعزيا إلى سبب فأقر لاحدهما بنصفها لم يشاركه الآخر لان دعواه لا تقتضى الاشتراك فى كل جزء منه فصل وإن ادعى رجلان دارا فى يد ثالث لكل واحد منهما نصفها وأقر الذى هى فى يده بجميعها لاحدهما نظرت فإن كان قد سمع من المقر له الإقرار للمدعى الآخر بنصفها لزمه تسليم النصف إليه لانه أقر بذلك فإذا صار إليه لزمه حكم إقراره كرجل أقر لرجل بعين ثم صارت العين فى يده وإن لم يسمع منه إقرار فادعى جميعها حكم له بالجميع لانه يجوز أن يكون الجميع له ودعواه للنصف صحيح لان من له الجميع فله النصف ويجوز أن يكون قد خص النصف بالدعوى لان له على النصف بينة أو يعلم أنه مقر له بالنصف وتنتقل الخصومة إليه مع المدعى الآخر فى النصف وإن قال الذى فى يده الدار نصفها لي والنصف الآخر لا أعلم لمن هو ففهيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يترك النصف فى يده لانه أقر لمن لا يدعيه فبطل الإقرار وبقى على ملكه والثانى أن الحاكم ينتزعه منه ويكون عنده لان الذى فى يده لا يدعيه والمقر له لا يدعيه فأخذه الحاكم للحفظ كالمال الضال والثالث أنه يدفع إلى المدعى الآخر لانه يدعيه وليس له مستحق آخر وهذا خطأ لانه حكم بمجرد الدعوى فصل فى إذا مات رجل وخلف ابنا مسلما وابنا نصرانيا وادعى كل واحد منهما أنه مات أبوه على دينه وأنه يرثه وأقام على ما يدعيه بينة فإن عرف أنه كان نصرانيا نظرت فإن كانت البينتان غير مؤرختين حكم ببينة الإسلام لان من شهد بالنصرانية شهد بالأصل والذى شهدت إحداهما بأنه مات وآخر كلامه الإسلام وشهدت الأخرى بأنه مات وآخر كلامه النصرانية فهما متعارضتان وفيهما قولان أحدهما أنهما يسقطان فيكون كما لو مات ولا بينة فيكون القول قول النصرانى لان الظاهر معه والثانى أنهما يستعملان فإن قلنا بالقرعة أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة ورث وإن قلنا بالوقف وقف وإن قلنا بالقسمة ففيه وجهان أحدهما أنه يقسم كما يقسم فى غير الميراث والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه لا يقسم لانه إذا قسم بينهما تيقن الخطأ فى توريثهما وفى غير الميراث يجوز أن يكون المال مشتركا بينهما فقسم وإن لم يعرف أصل دينه تعارضت البينتان سواء كانتا مطلقتين أو مؤرختين وفيهما قولان أحدهما أنهما يسقطان فإن كان المال فى يد غيرهما فالقول قول من فى يده المال وإن كان فى يديهما كان بينهما وإن قلنا إنهما يستعملان فإن قلنا يقرع أقرع بينهما وإن قلنا يوقف وقف إلى أن ينكشف وإن قلنا يقسم قسم وقال أبو إسحاق لا يقسم لانه يتيقن الخطأ توريثهما والمنصوص أنه يقسم وما قاله أبو إسحاق خطأ لانه يجوز أن يموت وهو نصرانى فورثه ابناه وهما نصرانيان ثم أسلم أحدهما وادعى أن أباه مات مسلما ليأخذ الجميع ويغسل الميت ويصلى عليه فى المسائل كلها ويدفن فى مقابر المسلمين وينوى بالصلاة عليه إن كان مسلما كما قلنا فى موتى المسلمين إذا اختلطوا بموتى الكفار
فصل فى وإن مات رجل وخلف ابنين واتفق الإبنان أن أباهما مات مسلما وأن أحد الإبنين أسلم قبل موت الأب واختلفا فى الآخر فقال أسلمت أنا أيضا قبل موت أبي فالميراث بيننا وأنكر الآخر فالقول قول المتفق على إسلامه لان الأصل بقاؤه على الكفر ولو اتفقا على إسلامهما واختلفا فى وقت موت الأب فقال أحدهما مات أبى قبل إسلامك فالميراث لى وقال الآخر بل مات بعد إسلامى أيضا فالقول قول الثانى لان الأصل حياة الأب وإن مات رجل وخلف أبوين كافرين وابنين مسلمين فقال الأبوان مات كافرا وقال الابنان مات مسلما فقد قال أبو العباس يحتمل قولين أحدهما أن القول قول الأبوين لانه إذا ثبت أنهما كافران كان الولد محكوما بكفره إلى أن يعلم الإسلام والثانى أن الميراث يوقف إلى أن يصطلحوا أو ينكشف الأمر لان الولد إنما يتبع الأبوين فى الكفر قبل البلوغ فأما بعد البلوغ فله حكم نفسه ويحتمل أنه كان مسلما ويحتمل أنه كان كافرا فوقف الأمر إلى أن ينكشف فصل فى وإن مات رجل وله ابن حاضر وابن غائب وله دار فى يد رجل فادعى الحاضر أن أباه مات وأن الدار بينه وبين أخيه وأقام بينة من أهل الخبرة بأنه مات ( وأنه لا ) وارث له سواهما انتزعت الدار ممن هى فى يده ويسلم إلى الحاضر نصفها وحفظ النصف للغائب وإن كان له دين فى الذمة قبض الحاضر نصفه وفى نصيب الغائب وجهان أحدهما أنه يأخذه الحاكم ويحفظه عليه كالعين والثانى أنه لا يأخذه لان كونه فى الذمة أحفظ له ولا يطالب الحاضر فيما يدفع إليه بضمين لان فى ذلك قدحا فى البينة وإن لم تكن البينة من أهل الخبرة الباطنة أو كانت من أهل الخبرة إلا أنها لم تشهد بأنها لا تعرف له وارثا سواه لم يدفع إليه شيء حتى يبعث الحاكم إلى البلاد التى كان يسافر إليها فيسأل هل له وارث آخر فإذا سأل ولم يعرف له وارث غيره دفع إليه قال الشافعى رحمه الله يأخذ منه ضمينا وقال فى الأم وأحب أن يأخذ منه ضمينا فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما أنه يجب أخذ الضمين لانه ربما ظهر وارث آخر والثانى أنه يستحب ولا يجب لان الظاهر أنه لا وارث له غيره ومنهم من قال إن كان الوارث ممن يحجب كالأخ والعم وجب وإن كان ممن لا يحجب كالابن استحب لان من لا يحجب يتيقن أنه وارث ويشك فيمن يزاحمه فلم يترك اليقين بالشك ومن يحجب يشك فى إرثه وحمل القولين على هذين الحالين ومنهم من قال إن كان الوارث غير مأمون وجب لانه لا يؤمن أن يضيع حق من يظهر وإن كان مأمونا لم يجب لانه لا يضيع حق من يظهر وحمل القولين على هذين الحالين وإن كان الوارث ممن له فرض لا ينقص كالزوجين فإن شهد الشهود أنه لا وارث له سواه وهم من أهل الخبرة دفع إليه أكمل الفرضين ولا يؤخذ منه ضمين وإن لم يشهدوا أنه لا وارث له سواه أو شهدوا بذلك ولم يكونوا من أهل الخبرة دفع إليه أنقص الفرضين فإن كان زوجا دفع إليه ربع المال عائلا وإن كان زوجة دفع ( إليها ربع ) الثمن عائلا ويوقف الباقى فإن لم يظهر وارث آخر دفع إليه الباقى فصل وإن ماتت امرأة وابنها فقال زوجها ماتت فورثها الابن ثم مات الابن فورثته وقال أخوها بل مات الابن أولا فورثته الأم ثم ماتت فورثتها لم يورث ميت من ميت بل يجعل مال الابن للزوج ومال المرأة للزوج والأخ لانه لا يرث إلا من تيقن حياته عند موت مورثه وههنا لا تعرف حياة واحد من الميتين عند موت مورثه فلم يورث أحدهما من الآخر كالغرقى فصل وإن مات رجل وله دار وخلف ابنا وزوجة فادعى الابن أنه تركها ميراثا وادعت الزوجة أنه أصدقها الدار وأقام كل واحد منهما بينة قدمت بينة الزوجة على بينة الإرث
لان بينة الإرث تشهد بظاهر الملك المتقدم وبينة الصداق تشهد بأمر حادث على الملك خفى على بينة الإرث فصل وإن تداعى رجلان حائطا بين داريهما فإن كان مبنيا على تربيع إحداهما مساويا لها فى السمك والحد ولم يكن بناؤه مخالفا لبناء الدار الأخرى ولم تكن بينة ( لاحدهما ) فالقول قول من بنى على تربيع داره لان الظاهر أنه بنى لداره وإن كان لاحدهما عليه أزج فالقول قوله لان الظاهر أنه بنى للأزج وإن كان مطلقا وهو الذى لم يقصد به سوى السترة ولم تكن بينة حلفا وجعل بينهما لانه متصل بالملكين اتصالا واحدا وإن كان لاحدهما عليه جذوع ولم يقدم على الآخر بذلك لانهما لو تنازعا فيه قبل وضع الجذوع كان بينهما ووضع الجذوع يجوز أن يكون بإذن من الجار أو بقضاء حاكم يرى وضع الجذوع على حائط الجار بغير رضاه نزيل ما تيقناه بأمر محتمل كما لو مات رجل عن دار ثم وجد الدار فى يد أجنبى فصل وإن تداعى صاحب السفل وصاحب العلو السقف ولا بينة حلف كل واحد منهما وجعل بينهما لانه حاجز توسط ملكيهما فكان بينهما كالحائط بين الدارين فإن تنازعا فى الدرجة فإن كان تحتها مسكن فهى بينهما لانهما متساويان فى الانتفاع بها وإن كان تحتها موضع جب ففيه وجهان أحدهما أنهما يحلفان ويجعل بينهما لانهما يرتفقان بها والثانى أنه يحلف صاحب العلو ويقضى له لان المقصود بها منفعة صاحب العلو وإن تداعيا سلما منصوبا حلف صاحب العلو وقضى له لانه يختص بالانتفاع به فى الصعود وإن تداعيا صحن الدار نظرت فإن كانت الدرجة فى الصحن حلفا وجعل بينهما لان لكل واحد منهما يدا عليه وإن كانت الدرجة فى الدهليز ففيه وجهان أحدهما أنها بينهما لان لكل واحد منهما يدا ولهذا لو تنازعا فى أصل الدار كانت بينهما والثانى أنه لصاحب السفل لانها فى يده ولهذا يجوز أن يمنع صاحب العلو من الاستطراق فيها فصل وإن تداعى رجلان مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر حلفا وجعل بينهما لان فيها منفعة لصاحب النهر لانها تجمع الماء فى النهر ولصاحب الأرض منها منفعة لانها تمنع الماء من أرضه فصل وإن تداعى رجلان دابة وأحدهما راكبها والآخر آخذ بلجامها حلف الراكب وقضى له وقال أبو إسحاق رحمه الله هى بينهما لان كل واحد منهما لو انفرد لكانت له والصحيح هو الأول لان الراكب هو المنفرد بالتصرف فقضى له وإن تداعيا عمامة وفى يد أحدهما منها ذراع وفى يد الآخر الباقى حلفا وجعلت بينهما لان يد كل واحد منهما ثابتة على العمامة وإن تداعيا عبدا ولاحدهما عليه ثياب حلفا وجعل بينهما ولا يقدم صاحب الثياب لان منفعة الثياب تعود إلى العبد لا إلى صاحب الثياب فصل فى وإن كان فى يد رجل عبد بالغ عاقل فادعى أنه عبده فإن صدقه حكم له بالملك وإن كذبه فالقول قوله مع يمينه لان الظاهر الحرية وإن كان طفلا لا يميز فالقول قول المدعى لانه لا يعبر عن نفسه وهو في يده فهو كالبهيمة وإن بلغ هذا الطفل فقال لست بمملوك له لم يقبل قوله لانا حكمنا له بالملك فلا يسقط بإنكاره وإن جاء رجل فادعى أنه ابنه لم يثبت نسبه بمجرد دعواه لان فيه إضرارا بصاحب الملك لانه ربما يعتقه فيثبت له عليه الولاء وإذا ثبت نسبه لمن يدعى النسب سقط حق ولائه وإن كان مراهقا وادعى أنه مملوكه فأنكر ففيه وجهان أحدهما أنه لا يحكم بالملك لانه يعبر عن نفسه فلم يحكم بملكه مع إنكاره كالبالغ والثانى أنه يحكم له بالملك وهو الصحيح لانه لا حكم لقوله فصل فى وإن تداعى الزوجان متاع البيت الذى يسكنانه ولا بينة حلفا وجعل الجميع بينهما نصفين لانه في يدهما فجعل بينهما كما لو تداعيا الدار التى يسكنان فيها وإن تداعى المكرى والمكترى المتاع الذى فى الدار المكراة فالقول قول المكترى لان يده ثابتة على ما فى الدار
وإن تداعيا سلما غير مسمر فهو للمكترى لانه كالمتاع وإن تداعيا سلما مسمرا فالقول قول المكرى لانه من أجزاء الدار وإن تداعيا الرفوف المسمرة فالقول قول المكرى لانها متصلة بالدار فصارت كأجزائها وإن كانت غير مسمرة فقد قال الشافعى رحمه الله أنهما يتحالفان وتجعل بينهما لان الرفوف قد تترك فى العادة وقد تنقل عنها فيجوز أن تكون للمكترى ويجوز أن تكون للمكرى فجعل بينهما فصل ومن وجب له حق على رجل وهو غير ممتنع من دفعه لم يجز لصاحب الحق أن يأخذ من ماله حقه بغير إذنه لان الخيار فيما يقضى به الدين إلى من عليه الدين ولا يجوز أن يأخذ إلا ما يعطيه وإن أخذ بغير إذنه لزمه رده فإن تلف ضمنه لانه ( أخذ ) مال غيره بغير حق وإن كان ممتنعا من أدائه فإن لم يقدر على أخذه بالحاكم فله أن يأخذ من ماله لقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار وفى منعه من أخذ ماله فى هذا الحال إضرار به وإن كان يقدر على أخذه بالحاكم بأن تكون له عليه بينة ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز أن يأخذه لانه يقدر على أخذه بالحاكم فلم يجز أن يأخذه بنفسه والثانى وهو المذهب أنه يجوز لان هندا قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطينى ما يكفينى وولدى إلا ما آخذه سرا فقال عليه السلام خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف فأذن لها فى الأخذ مع القدرة على الأخذ بالحاكم ولان عليه فى المحاكمة مشقة فجاز له أخذه فإن كان الذى قدر عليه من جنس حقه أخذ قدر حقه وإن كان من غير جنسه أخذه ولا يجوز أن يتملكه لانه من غير جنس ماله فلا يجوز أن يتملكه ولكن يبيعه ويصرف ثمنه فى حقه وفى كيفية البيع وجهان أحدهما أنه يواطىء رجلا ليقر له بحق وأنه ممتنع من أدائه فيبيع الحاكم المال عليه والثانى وهو المذهب أنه يبيع المال بنفسه لانه يتعذر عليه أن يثبت الحق عند الحاكم وأنه ممتنع من بيعه فملك بيعه بنفسه فإن تلفت العين قبل البيع ففيه وجهان أحدهما أنها تتلف من ضمان من عليه الحق ولا يسقط دينه لانها محبوسة لاستيفاء حقه منها فكان هلاكها من ضمان المالك كالرهن والوجه الثانى أنها تتلف من ضنمان صاحب الحق لانه أخذها بغير إذن المالك فتلفت من ضمانه بخلاف الرهن فإنه أخذه بإذن المالك فتلف من ضمانه باب اليمين فى الدعاوى إذا ادعى رجل على رجل حقا فأنكره ولم يكن للمدعى بينة فإن كان ذلك فى غير الدم حلف المدعى عليه فإن نكل عن اليمين ردت اليمين على المدعى وقد بينا ذلك فى باب الدعاوى وإن كانت الدعوى فى دم ولم يكن للمدعى بينة فإن كان فى قتل لا يوجب القصاص نظرت فإن كان هناك لوث حلف المدعى خمسين يمينا وقضى له بالدية والدليل عليه ما روى سهل بن أبى حثمة أن عبد الله ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما فأتى محيصة وذكر أن عبد الله طرح فى فقير أو عين ماء فأتى يهودا فقال أنتم والله قتلتموه قالوا والله ما قتلناه فأقبل هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن أخو المقتول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب محيصة يتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر الكبر فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة فقال رسول الله إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب من الله ورسوله فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فكتبوا إنا والله ما قتلناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن أتحلفون خمسين وتستحقون دم صاحبكم فقالوا لا قال أيحلف لكم يهود قالوا لا ليسوا بمسلمين فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة قال سهل لقد ركضتنى منها ناقة حمراء ولان باللوث تقوى جنبة المدعى ويغلب على الظن صدقه فسمعت يمينه كالمدعى إذا شهد له عدل وحلف معه
وإن كانت الدعوى في قتل يوجب القود ففيه قولان قال فى القديم يجب القود بأيمان المدعى لانها حجة يثبت بها قتل العمد فوجب بها القود كالبينة وقال فى الجديد لا يجب لقوله صلى الله عليه وسلم إما أن يدوا صاحبكم أو يأذنوا بحرب من الله ورسوله فذكر الدية ولم يذكر القصاص ولانه حجة لا يثبت بها النكاح فلا يثبت بها القصاص كالشاهد واليمين فإن قلنا بقوله القديم وكانت الدعوى على جماعة وجب القود عليهم وقال أبو إسحاق رحمه الله لا يقتل إلا واحد يختاره الولى لانها بينة ضعيفة فلا يقتل بها جماعة وهذا خطأ لان الجماعة عندنا تقتل بالواحد والقسامة على هذا القول كالبينة فى إيجاب القود فإذا قتل بها الواحد قتل بها الجماعة فصل فى وإن كان المدعى جماعة ففيه قولان أحدهما أنه يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا لان ما حلف به الواحد إذا انفرد حلف به كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة فى سائر الدعاوى والقول الثانى أنه يقسط عليهم الخمسون يمينا على قدر مواريثهم لانه لما قسط عليهم ما يجب بأيمانهم من الدية على قدر مواريثهم وجب أن تقسط الأيمان أيضا على قدر مواريثهم وإن دخلها كسر جبر الكسر لان اليمين الواحدة لا تتبعض فكملت فإن نكل المدعى عن اليمين ردت اليمين على المدعى عليه فيحلف خمسين يمينا لقوله عليه الصلاة السلام يبرئكم يهود منهم بخمسين يمينا ولان التغليظ بالعدد لحرمة النفس وذلك يوجد في يمين المدعى والمدعى عليه وإن كان المدعى عليه جماعة ففيه قولان أحدهما أنه يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا والثانى أن الخمسين تقسط على عددهم والصحيح من القولين ههنا أن يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا والصحيح من القولين فى المدعين أنهم يحلفون خمسين يمينا والفرق بينهما أن كل واحد من المدعى عليه ينفى عن نفسه ما ينفيه لو انفرد وليس كذلك المدعون فإن كل واحد منهم لا يثبت لنفسه ما يثبته إذا انفرد فصل فأما إذا لم يكن لوث ولا شاهد فالقول قول المدعى عليه مع يمينه لقوله صلى الله عليه وسلم لو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ولان اليمين إنما جعلت فى جنبة المدعى عند اللوث لقوة جنبته باللوث فإذا عدم اللوث حصلت القوة فى جنبة المدعى عليه لان الأصل براءة ذمته وعدم القتل فعادت اليمين إليه وهل تغلظ بالعدد فيه قولان أحدهما أنها لا تغلظ بل يحلف يمينا واحدة وهو اختيار المزني لانها يمين توجهت على المدعى عليه ابتداء فلم تغلظ بالعدد كما فى سائر الدعاوى والثانى أنها تغلظ فيحلف خمسين يمينا وهو الصحيح لان التغليظ بالعدد لحرمة الدم وذلك موجود مع عدم اللوث فإن قلنا إنها يمين واحدة فإن كان المدعى عليه جماعة حلف كل واحد منهم يمينا واحدة فإن نكلوا ردت اليمين على المدعى فإن كان واحدا حلف يمينا واحدة وإن كانوا جماعة حلف كل واحد منهم يمينا واحدة وإن قلنا يغلظ بالعدد وكان المدعى عليه واحدا حلف خمسين يمينا وإن كانوا جماعة فعلى القولين أحدهما أنه يحلف كل واحد خمسين يمينا والثانى أنه يقسط على عدد رؤسهم فإن نكلوا ردت اليمين على المدعى فإن كان واحدا حلف خمسين يمينا وإن كانوا جماعة فعلى القولين أحدهما أنه يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا والثانى أنه يقسط عليهم خمسون يمينا على قدر مواريثهم من الدية وإذا نكل المدعى عليه فحلف المدعى وقضى له فإن كان فى قتل يوجب المال قضى له بالدية وإن كان فى قتل يوجب القصاص وجب القصاص قولا واحدا لان يمين المدعى مع نكول المدعى عليه كالبينة فى أحد القولين وكالإقرار فى القول الآخر والقصاص يجب بكل واحد منهما فصل فى وإن ادعى القتل على اثنين وعلى أحدهما لوث دون الآخر حلف المدعى على صاحب اللوث لوجود اللوث وحلف الذى لا لوث عليه لعدم اللوث وإن ادعى القتل على جماعة لا يصح اشتراكهم على القتل لم تسمع دعواه لانها دعوى محال
وإن ادعى القتل على ثلاثة وهناك لوث فحضر منهم واحد وغاب اثنان وأنكر الحاضر حلف المدعى خمسين يمينا فإن حضر الثانى وأنكر ففيه وجهان أحدهما أنه يحلف عليه خمسين يمينا لانهما لو حضرا ذكر كل واحد منهما فى يمينه فإذا انفرد وجب أن يكرر ذكره والوجه الثانى أنه يحلف خمسا وعشرين يمينا لانهما لو حضرا حلف عليهما خمسين يمينا فإذا انفرد وجب أن يحلف عليه نصف الخمسين فإن حضر الثالث وأنكر ففيه وجهان أحدهما أنه يحلف عليه خمسين يمينا والثانى أنه يحلف عليه ثلث خمسين يمينا ويجبر الكسر فيحلف سبع عشرة يمينا وإن قال قتله هذا عمدا ولا أعلم كيف قتله الآخران أقسم على الحاضر ووقف الأمر إلى أن يحضر الآخران فإن حضرا وأقرا بالعمد ففى القود قولان وإن أقر بالخطإ وجب على الأول ثلث الدية مغلظة وعلى كل واحد من الآخرين ثلث الدية مخففة وإن أنكر القتل ففيه وجهان أحدهما أنه لا يحلف لانه لا يعلم ما يحلف عليه ولا يعلم الحاكم ما يحكم به والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه يحلف لان جهله بصفة القتل ليس بجهل بأصل القتل فإذا حلف حبسا حتى يصفا القتل وإن قال قتله هذا ونفر لا أعلم عددهم فإن قلنا إنه لا يجب القود لم يقسم على الحاضر لانه لا يعلم ما يخصه وإن قلنا إنه يجب القود ففيه وجهان أحدهما أنه يقسم لان الجماعة تقتل بالواحد فلم يضر الجهل بعددهم والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه لا يقسم لانه ربما عفا عن القود على الدية ولا يعلم ما يخصه منها فصل فى واللوث الذى يثبت لاجله اليمين فى جنبة المدعى هو أن يوجد معنى يغلب معه على الظن صدق المدعى فإن وجد القتيل فى محلة أعدائه لا يخالطهم غيرهم كان ذلك لوثا فيحلف المدعى لان قتيل الأنصار وجد فى خيبر وأهلها أعداء للإنصار فجعل النبى صلى الله عليه وسلم اليمين على المدعين ( عليهم ) فصار هذا أصلا لكل من يغلب معه على الظن صدق المدعى فيجعل القول المدعى مع يمينه وإن كان يخالطهم غيرهم لم يكن لوثا لجواز أن يكون قتله غيرهم وإن تفرقت جماعة عن قتيل فى دار أو بستان وادعى الولى أنهم قتلوه فهو لوث فيحلف المدعى ( أنهم قتلوه ) لان الظاهر أنهم قتلوه وإن وجد قتيل فى زحمة فهو لوث فإن ادعى الولى أنهم قتلوه حلف وقضى له وإن وجد قتيل فى أرض وهناك رجل معه سيف مخضب بالدم وليس هناك غيره فهو لوث فإن ادعى الولى عليه القتل حلف ( عليه ) لان الظاهر أنه قتله فإن كان هناك غيره من سبع أو رجل مول لم يثبت اللوث على صاحب السيف لانه يجوز أن يكون قتله السبع أو الرجل المولى وإن تقابلت طائفتان فوجد قتيل من إحدى الطائفتين فهو لوث على الطائفة الأخرى فإن ادعى الولى أنهم قتلوه حلف وقضى له بالدية لان الظاهر أنه لم تقتله طائفة وإن شهد جماعة من النساء أو العبيد على رجل بالقتل نظرت فإن جاءوا دفعة واحدة وسمع بعضهم كلام البعض لم يكن ذلك لوثا لانه يجوز أن يكونوا قد تواطأوا على الشهادة وإن جاؤوا متفرقين واتفقت أقوالهم ثبت اللوث ويحلف الولى معهم وإن شهد صبيان أو فساق أو كفار على رجل بالقتل وجاءوا دفعة واحدة وشهدوا لم يكن ذلك لوثا لانه يجوز أن يكونوا قد توطأوا على الشهادة فإن جاءوا متفرقين وتوافقت أقوالهم ففيه وجهان أحدهما أن ذلك لوث لان اتفاقهم على شيء واحد من غير تواطىء يدل على صدقهم والثانى أنه ليس بلوث لانه لا حكم لخبرهم فلو أثبتنا بقولهم لوثا لجعلنا لخبرهم حكما وإن قال المجروح قتلنى فلان ثم مات لم يكن قوله لوثا لانه دعوى ولا يعلم به صدقه فلا يجعل لوثا فإن شهد عدل على رجل بالقتل فإن كانت الدعوى فى قتل يوجب المال حلف المدعى يمينا وقضى له بالدية لان المال يثبت بالشاهد واليمين
وإن كانت فى قتل يوجب القصاص حلف خمسين يمينا ويجب القصاص فى قوله القديم والدية فى قوله الجديد فصل وإن شهد واحد أنه قتله فلان بالسيف وشهد آخر أنه قتله بالعصا لم يثبت القتل بشهادتهما لانه لم تتفق شهادتهما على قتل واحد وهل يكون ذلك لونا يوجب القسامة فى جانب المدعى قال فى موضع يوجب القسامة وقال فى موضع لا يوجب القسامة واختلف أصحابنا فى ذلك فقال أبو إسحاق هو لوث يوجب القسامة قولا واحدا لانهما اتفقا على إثبات القتل وإنما اختلفا فى صفته وجعل القول الآخر غلطا من الناقل وقال أبو الطيب بن سلمة وابن الوكيل أن ذلك ليس بلوث ولا يوجب القسامة قولا واحدا لان كل واحد منهما يكذب الآخر فلا يغلب على الظن صدق ما يدعيه والقول الآخر غلط من الناقل ومنهم من قال فى المسألة قولان أحدهما أنه لوث يوجب القسامة والثانى ليس بلوث ووجههما ما ذكرناه وإن شهد واحد أنه قتله فلان وشهد آخر أنه أقر بقتله لم يثبت القتل بشهادتهما لان أحدهما شهد بالقتل والآخر شهد بالإقرار وثبت اللوث على المشهود عليه وتخالف المسألة قبلها فإن هناك كل واحد منهما يكذب الآخر وههنا كل واحد منهما غير مكذب للآخر بل كل واحد منهما يقوى الآخر فيحلف المدعى مع من شاء منهما فإن كان القتل خطأ حلف يمينا واحدة وثبتت الدية فإن حلف مع من شهد بالقتل وجبت الدية على العاقلة لانها تثبت بالبينة وإن حلف مع من شهد بالإقرار وجبت الدية فى ماله لانها تثبت بالإقرار وإن كان القتل موجبا للقصاص حلف المدعى خمسين يمينا ووجب له القصاص فى أحد القولين والدية فى الآخر وإن ادعى على رجل أنه قتل وليه ولم يقل عمدا ولا خطأ وشهد له بما ادعاه شاهد لم يكن ذلك لوثا لانه لو حلف مع شاهده لم يمكن الحكم بيمينه لانه لا يعلم صفة القتل حتى يستوفى موجبه فسقطت الشهادة وبطل اللوث فصل فى وإن شهد شاهدان أن فلانا قتله أحد هذين الرجلين ولم يعينا ثبت اللوث فيحلف الولى على من يدعى القتل عليه لانه قد ثبت أن المقتول قتله أحدهما فصار كما لو وجد بينهما مقتول فإن شهد شاهد على رجل أنه قتل أحد هذين الرجلين لم يثبت اللوث لان اللوث ما يغلب معه على الظن صدق ما يدعيه المدعى ولا يعلم أن الشاهد لمن شهد من الوليين فلا يغلب على الظن صدق واحد من الوليين فلم يثبت فى حقه لوث وإن ادعى أحد الوارثين قتل مورثه على رجل فى موضع اللوث وكذبه الآخر سقط حق المكذب من القسامة وهل يسقط اللوث فى حق المدعى فيه قولان أحدهما أنه لا يسقط فيحلف ويستحق نصف الدية وهو اختيار المزني لان القسامة مع اللوث كاليمين مع الشاهد ثم تكذيب أحد الوارثين لا يمنع الآخر من أن يحلف مع الشهادة فكذلك تكذيب أحد الوارثين لا يمنع الآخر من أن يقسم مع اللوث والقول الثانى أنه يسقط لان اللوث يدل على صدق المدعى من جهة الظن وتكذيب المنكر يدل على كذب المدعى من جهة الظن فتعارضا وسقطا وبقى القتل بغير لوث فيحلف المدعى عليه على ما ذكرناه وإن قال أحد الابنين قتل أبى زيد ورجل آخر لا أعرفه وقال الآخر قتله عمرو ورجل آخر لا أعرفه أقسم كل واحد ( منهما ) على من عينه ويستحق عليه ربع الدية لان كل واحد منهما غير مكذب للآخر لجواز أن يكون الآخر هو الذى ادعى عليه أخوه فإن رجعا وقال كل واحد منهما علمت أن الآخر هو الذى ادعى عليه أخى أقسم كل واحد منهما على الذى ادعى عليه أخوه ويستحق عليه ربع الدية وإن قال كل واحد منهما علمت أن الآخر غير الذى ادعى عليه أخى صار كل واحد منهما مكذبا للآخر فإن قلنا إن تكذيب أحدهما لا يسقط اللوث أقسم كل واحد منهما على الذى عينه ثانيا واستحق عليه ربع الدية
وإن قلنا إن التكذيب يسقط اللوث بطلت القسامة فإن أخذ شيئا رده ويكون القول المدعى عليه مع يمينه وإن ادعى القتل على رجل عليه لوث فجاء آخر وقال أنا قتلته ولم يقتله هذا لم يسقط حق المدعى من القسامة بإقراره وإقراره على نفسه لا يقبل لان صاحب الدم لا يدعيه وهل للمدعى أن يرجع ويطالب المقر بالدية فيه قولان أحدهما أنه ليس له مطالبته لان دعواه على الأول إبراء لكل من سواه والثانى أن له أن يطالب لان دعواه على الأول باللوث من جهة الظن والإقرار يقين فجاز أن يترك الظن ويرجع إلى اليقين وإن ادعى على رجل قتل العمد فقيل له صف العمد ففسره بشبه العمد فقد نقل المزنى أنه لا يقسم وروى الربيع أنه يقسم فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما أنه لا يقسم لان بقوله قتله عمدا أبرأ العاقلة وبتفسيره أبرأ القاتل والقول الثانى أنه يقسم وتجب الدية على العاقلة لان المعول على التفسير وقد فسر بشبه العمد ومنهم من قال يقسم قولا واحدا لما بيناه وقوله لا يقسم معناه لا يقسم على ما ادعاه فصل فى وإن كانت الدعوى فى الجناية على الطرف ولم تكن شهادة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه لان اللوث قضى به فى النفس بحرمة النفس فلا يقضى به فى الطرف كالكفارة وهل تغلظ اليمين فيه بالعدد فيه قولان أحدهما لا تغلظ لانه يسقط فيه حكم اللوث فسقط فيه حكم التغليظ بالعدد والثانى أنه تغلظ بالعدد لانه يجب فيه القصاص والدية المغلظة فوجب فيه تغليظ اليمين فإن قلنا لا تغلظ حلف المدعى عليه يمينا واحدة وإن قلنا تغلظ فإن كان فى جناية توجب دية كاملة كاليدين غلظ بخمسين يمينا وإن كان فيما لا توجب دية كاملة كاليد الواحدة ففى قدر التغليظ قولان أحدهما أنه يغلظ بخمسين يمينا لان التغليظ لحرمة الدم وذلك موجود فى اليد الواحدة والثانى أنه يغلظ بحصته من الدية لان ديته دون دية النفس فلم تغلظ بما تغلظ به فى النفس فصل فى فإن كانت الدعوى فى قتل عبد وهناك لوث ففيه طريقان أحدهما أنه يبنى ذلك على أن العاقلة هل تحمل قيمته بالجناية فإن قلنا تحمل العاقلة قيمته ثبتت فيه القسامة للسيد وإن قلنا لا تحمل لم تثبت القسامة والثانى وهو قول أبى العباس إن للسيد القسامة قولا واحدا لان القسامة لحرمة النفس فاستوى فيه الحر والعبد كالكفارة فإن قلنا إن السيد يقسم أقسم المكاتب فى قتل عبده فإن لم يقسم حتى عجز عن أداء الكتابة أقسم المولى وإن قتل عبد وهناك لوث ووصى مولاه بقيمته لام ولده ولم يقسم السيد حتى مات ولم تقسم الورثة فهل تقسم أم الولد فيه قولان أحدهما تقسم والثانى لا تقسم كما قلنا فى غرماء الميت إذا كان له دين وله شاهد ولم تحلف الورثة إن الغرماء يقسمون فى أحد القولين ولا يقسمون فى الآخر وقد بينا ذلك فى التفليس فصل وإن قتل مسلم وهناك لوث فلم يقسم وليه حتى ارتد المدعى لم يقسم لانه إذا أقدم على الردة وهى من أكبر الكبائر لم يؤمن أن يقدم على اليمين الكاذبة فإن أقسم صحت القسامة وقال المزنى رحمه الله لا تصح لانه كافر فلا يصح يمينه بالله وهذا خطأ لان القصد بالقسامة اكتساب المال والمرتد من أهل الاكتساب فإذا أقسم وجب القصاص ( لوارثه ) أو الدية فإن رجع إلى الإسلام كان له وإن مات على الردة كان ذلك لبيت المال فيئا وقال أبو على بن خيران وأبو حفص بن الوكيل يبنى وجوب الدية بقسامته على حكم ملكه فإن قلنا إن ملكه لا يزول بالردة أو قلنا إنه موقوف فعاد إلى الإسلام ثبتت الدية وإن قلنا إن ملكه يزول بالردة أو قلنا إنه موقوف فلم يسلم حتى مات لم تثبت الدية وهذا غلط لان اكتسابه للمال يصح على الأقوال كلها وهذا اكتساب فصل فى ومن توجهت عليه يمين فى دم غلظ عليه فى اليمين
لما روى أن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه مر بقوم يحلفون بين الركن والمقام فقال أعلي دم قيل لا قال أفعلي عظيم من المال قيل لا قال لقد خشيت أن يبهأ الناس بهذا المقام وإن كانت اليمين فى نكاح أو طلاق أو حد قذف أو غيرها مما ليس بمال ولا المقصود منه المال غلظ لانه ليس بمال ولا المقصود منه المال فغلظ اليمين فيه كالدم وإن كانت اليمين فى مال أو ما يقصد به المال فإن كان يبلغ عشرين مثقالا غلظ وإن لم يبلغ ذلك لم يغلظ لان عبد الرحمن بن عوف فرق بين المال العظيم وبين ما دونه فإن كانت اليمين فى دعوى عتق فإن كان السيد هو الذى يحلف فإن كانت قيمة العبد تبلغ عشرين مثقالا غلظ اليمين وإن لم تبلغ عشرين مثقالا لم يغلظ لان المولى يحلف لاثبات المال ففرق بين القليل والكثير كأروش الجنايات فإن كان الذى يحلف هو العبد غلظ قلت قيمته أو كثرت لانه يحلف لاثبات العتق والعتق ليس بمال ولا المقصود منه المال فلم تعتبر قيمته كدعوى القصاص ولا فرق بين أن يكون في طرف قليل الإرش أو فى طرف كثير الأرش فصل والتغليظ قد يكون بالزمان وبالمكان وفى اللفظ فأما التغليظ بالمكان ففيه قولان أحدهما أنه يستحب والثانى أنه واجب وأما التغليظ بالزمان فقد ذكر الشيخ أبو حامد الإسفرايينى رحمه الله أنه يستحب وقد بينا ذلك فى اللعان وقال أكثر أصحابنا إن التغليظ بالزمان كالتغليظ بالمكان وفيه قولان وأما التغليظ باللفظ فهو مستحب وهو أن يقول والله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذى يعلم من السر ما يعلم من العلانية لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم أحلف رجلا فقال قل والله الذى لا إله إلا هو ولان القصد باليمين الزجر عن الكذب وهذه الألفاظ أبلغ في الزجر وأمنع من الإقدام على الكذب وإن اقتصر على قوله والله أجزأه لان النبى صلى الله عليه وسلم اقتصر فى إحلاف ركانة على قوله والله وإن اقتصر على صفة من صفات الذات كقوله وعزة الله أجزأه لانها بمنزلة قوله والله فى الحنث فى اليمين وإيجاب الكفارة وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعى رحمه الله عن مطرف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف قال ورأيت مطرفا بصنعاء يحلف على المصحف قال الشافعى وهو حسن ولان القرآن من صفات الذات ولهذا يجب بالحنث فيه الكفارة وإن كان الحالف يهوديا أحلفه بالله الذى أنزل التوراة على موسى ونجاه من الغرق وإن كان نصرانيا أحلفه بالله الذى أنزل الإنجيل على عيسى وإن كان مجوسيا أو وثنيا أحلفه بالله الذى خلقه وصوره فصل ولا يصح اليمين فى الدعوى إلا أن يستحلفه القاضى لان ركانة بن عبد يزيد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إنى طلقت امرأتى سهيبة ألبتة والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما أردت إلا واحدة قال ركانة والله ما أدت إلا واحدة ولان الاعتبار بنية الحاكم فإذا حلف من غير استحلافه نوى ما لا يحنث به فيجعل ذلك طريقا إلى إبطال الحقوق وإن وصل بيمينه استثناء أو شرطا أو وصله بكلام لم يفهمه أعاد عليه اليمين من أولها وإن كان الحالف أخرس ولا يفهم إشارته وقف الأمر إلى أن يفهم إشارته فإن طلب المدعى أن يرد اليمين عليه لم يرد اليمين عليه لان رد اليمين يتعلق بنكول المدعى عليه ولا يوجد النكول فإن كان الذى عليه اليمين حلف بالطلاق أنه لا يحلف بيمين مغلظة فإن كان التغليط مستحقا عليه لزمه أن يحلف وإن حنث فى يمينه بالطلاق كما لو حلف بالطلاق أنه لا يحلف عند القاضى فإن امتنع جعل ناكلا وردت اليمين على خصمه وإن كان التغليظ غير مستحق لم يلزمه أن يحلف يمينا مغلظة وإن امتنع من التغليظ لم يجعل ناكلا
فصل فى وإن حلف على فعل نفسه فى نفى أو إثبات حلف على القطع لانه علمه يحيط بحاله فيما فعل وفيما لم يفعل وإن حلف على فعل غيره فإن كان فى إثبات حلف على القطع لان له طريقا إلى العلم بما فعل غيره وإن كان على نفى حلف على نفى العلم فيقول والله لا أعلم أن أبى أخذ منك مالا ولا أعلم أن أبى أبرأك من دينه لانه لا طريق له إلى القطع بالنفى فلم يكلف اليمين عليه فصل وإن ادعى عليه دين من بيع أو قرض فأجاب بأنه لا يستحق عليه شيء ولم يتعرض للبيع والقرض لم يحلف إلا على ما أجاب ولا يكلف أن يحلف على نفى البيع والقرض لانه يجوز أن يكون قد استقرض منه أو ابتاع ثم قضاه أو أبرأه منه فإذا حلف على نفى البيع والقرض حلف كاذبا وإن أجاب بأنه ما باعنى ولا أقرضني ففى الإحلاف وجهان أحدهما أنه يحلف أنه لا يستحق عليه شيء ولا يكلف أن يحلف على نفى البيع والقرض لما ذكرناه من التعليل والثانى أنه يحلف على نفى البيع والقرض لانه نفى ذلك فى الجواب فلزمه أن يحلف على النفى فإن ادعى رجل على رجل ألف درهم فأنكر حلف أنه يحلف على نفى البيع والقرض لانه نفى ذلك فى الجواب فلزمه أن يحلف على النفى فإن ادعى رجل على رجل ألف درهم فأنكر حلف أنه لا يستحق عليه ما يدعيه ولا شيئا منه فإن حلف أنه لا يستحق عليه الألف لم يجزه لان يمينه على نفى الألف لا يمنع وجوب بعضها فصل وإن كان لجماعة على رجل حق فوكلوا رجلا فى استحلافه لم يجز أن يحلف لهم يمينا واحدة لان لكل واحد منهم عليه يمينا فلم تتداخل فإن رضوا بأن يحلف لهم يمينا واحدة ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز كما يجوز أن يثبت ببينة واحدة حقوق الجماعة والثانى وهو المذهب أنه لا يجوز لان القصد من اليمين الزجر وما يحصل من الزجر بالتفريق لا يحصل بالجمع فلم يجز وإن رضوا كما لو رضيت المرأة أن يقتصر الزوج فى اللعان على شهادة واحدة كتاب الشهادات تحمل الشهادة وأداؤها فرض لقوله عز وجل ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا وقوله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه قال ابن عباس رضى الله عنه من الكبائر كتمان الشهادة لان الله تعالى يقول ومن يكتمها فإنه آثم قلبه فهى فرض على الكفاية فإن قام بها من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين لان المقصود بها حفظ الحقوق وذلك يحصل ببعضهم وإن كان فى موضع لا يوجد فيه غيره ممن يقع به الكفاية تعين عليه لانه لا يحصل المقصود إلا به فتعين عليه ويجب الإشهاد على عقد النكاح وقد بيناه فى النكاح وهل يجب على الرجعة فيه قولان وقد بيناهما فى الرجعة وأما ما سوى ذلك من العقود كالبيع والإجارة وغيرهما فالمستحب أن يشهد عليه لقوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يجب لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم ابتاع من أعرابى فرسا فجحده فقال النبى صلى الله عليه وسلم من يشهد لى فقال خزيمة بن ثابت الأنصارى أنا أشهد لك قال لم تشهد ولم تحضر فقال نصدقك على أخبار السماء ولا نصدقك على أخبار الأرض فسماه النبى صلى الله عليه وسلم ذا الشهادتين فصل ومن كانت عنده شهادة فى حد لله تعالى فالمستحب ألا يشهد به لانه مندوب إلى ستره ومأمور بدرئه
فإن شهد به جاز لانه شهد أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة بالزنا عند عمر رضى الله عنه فلم ينكر عمر ولا غيره من الصحابة عليهم ذلك ومن كانت عنده شهادة لآدمى فإن كان صاحبها يعلم بذلك لم يشهد قبل أن يسأل لقوله عليه السلام خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد وإن كان صاحبها لا يعلم شهد قبل أن يسأل لما روى زيد بن خالد رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال خير الشهود الذى يأتى بالشهادة قبل أن يسألها فصل فى ولا يجوز لمن تعين عليه فرض الشهادة أن يأخذ عليها أجرة لانه فرض تعين عليه فلم يجز أن يأخذ عليه أجرة كسائر الفرائض ومن لم يتعين عليه ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز له أخذ الأجرة ( كسائر الفرائض ) لانه لا يتعين عليه فجاز أن يأخذ عليه أجرة كما يجوز على كتب الوثيقة والثانى أنه لا يجوز لانه تلحقه التهمة بأخذ العوض باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل لا تقبل شهادة الصبى لقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان والصبى ليس من الرجال ولما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولانه إذا لم يؤتمن على حفظ أمواله فلان لا يؤتمن على حفظ حقوق غيره أولى ولا تقبل شهادة المجنون للخبر والمعنى الذى ذكرناه ولا تقبل شهادة المغفل الذى يكثر منه الغلط لانه لا يؤمن أن يغلط فى شهادته وتقبل الشهادة ممن يقل منه الغلط لان أحدا لا ينفك من الغلط واختلف أصحابنا فى شهادة الأخرس فمنهم من قال تقبل لان إشارته كعبارة الناطق فى نكاحه وطلاقه فكذلك فى الشهادة ومنهم من قال لا تقبل لان إشارته أقيمت مقام العبارة فى موضع الضرورة وهو فى النكاح والطلاق لانها لا تستفاد إلا من جهته ولا ضرورة بنا إلى شهادته لانها تصح من غيره بالنطق فلا تجوز بإشارته فصل ولا تقبل شهادة العبد لانها أمر لا يتبعض بنى على التفاضل فلم يكن للعبد فيه مدخل كالميراث والرحم ولا تقبل شهادة الكافر لما روى معاذ رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجوز شهادة أهل دين على أهل دين آخر إلا المسلمين فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم ولانه لم تقبل شهادة ( من يشهد بالزور على الآدمي فلان لا تقبل شهادة من شهد بالزور على الله تعالى أولى ولا تقبل شهادة ) فاسق لقوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين فإن ارتكب كبيرة كالغصب والسرقة والقذف وشرب الخمر فسق وردت شهادته سواء فعل ذلك مرة أو تكرر منه والدليل عليه قوله عز وجل والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذى عمر على أخيه فورد النص فى القذف والزنا وقسنا عليهما سائر الكبائر ولان من ارتكب كبيرة ولم يبال شهد بالزور ولم يبال
وإن تجنب الكبائر وارتكب الصغائر فإن كان ذلك نادرا من أفعاله لم يفسق ولم ترد شهادته وإن كان ذلك غالبا فى أفعاله فسق وردت شهادته لانه لا يمكن رد شهادته بالقليل من الصغائر لانه لا يوجد من يمحض الطاعة ولا يخلطها بمعصية ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ما منا إلا من عصى أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا ولهذا قال الشاعر ( الرجز ) من لك بالمحض وليس محض يخبث بعض ويطيب بعض ولا يمكن قبول استجاز أن يشهد بالزور فعلقنا الحكم على الغالب من أفعاله لان الحكم للغالب والنادر لا حكم له ولهذا قال الله تعالى فمن ثقلت موازينه الشهادة مع الكثير من الصغائر لان من استجاز الاكثار من الصغائر فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون فصل ولا تقبل شهادة من لا مروءة له كالقوال والرقاص ومن يأكل فى الأسواق ويمشى مكشوف الرأس فى موضع لا عادة له فى كشف الرأس فيه لان المروءة هى الإنسانية وهى مشتقة من المرء ومن ترك الانسانية لم يؤمن أن يشهد بالزور ولان من لا يستحى من الناس فى ترك المروءة لم يبال بما يصنع والدليل عليه ما روى أبو مسعود البدرى رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحى فاصنع ما شئت واختلف أصحابنا فى أصحاب الصنائع الدنيئة إذا حسنت طريقتهم في الدين كالكناس والدباغ والزبال والنخال والحجام فمنهم من قال لا تقبل شهادتهم لدناءتهم ونقصان مروءتهم ومنهم من قال تقبل شهادتهم لقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ولان هذه صناعات مباحة وبالناس إليها حاجة فلم ترد بها الشهادة فصل فى ويكره اللعب بالشطرنج لانه لعب لا ينتفع به فى أمر الدين ولا حاجة تدعو إليه فكان تركه أولى ولا يحرم لانه روى اللعب به عن ابن عباس وابن الزبير وأبى هريرة وسعيد بن المسيب رضى الله عنهم وروى عن سعيد بن جبير أنه كان يلعب به استدبارا ومن لعب به من غير عوض ولم يترك فرضا ولا مروءة لم ترد شهادته وإن لعب به على عوض نظرت فإن أخرج كل واحد منهما مالا على أن من غلب منهما أخذ المالين فهو قمار تسقط به العدالة وترد به الشهادة لقوله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه والميسر القمار وإن أخرج أحدهما مالا على أنه إن غلب أخذ ماله وإن غلبه صاحبه أخذ المال لم يصح العقد لانه ليس من آلات الحرب فلا يصح بذل العوض فيه ولا ترد به الشهادة لانه ليس بقمار لان القمار ألا يخلو أحد من أن يغنم وههنا أحدهما يغنم ولا يغرم وإن اشتغل به عن الصلاة فى وقتها مع العلم فإن لم يكثر ذلك منه لم ترد شهادته وإن أكثر منه ردت شهادته لانه من الصغائر ففرق بين قليلها وكثيرها فإن ترك فيه المروءة بأن يلعب به على طريق أو تكلم فى لعبه بما يسخف من الكلام أو اشتغل باليل والنهار ردت شهادته لترك المروءة فصل ويحرم اللعب بالنرد وترد به الشهادة وقال أبو إسحاق رحمه الله هو كالشطرنج وهذا خطأ لما روى أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله وروى بريدة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من لعب بالنرد فكأنما غمس يده فى لحم الخنزير ودمه ولان المعول فيه على ما يخرجه الكعبان فشابه الأزلام ويخالف الشطرنج فإن المعول فيه على رأيه ويحرم اللعب بالأربعة عشر لان المعول فيها على ما يخرجه الكعبان فحرم كالنرد فصل ويجوز اتخاذ الحمام لما روى عبادة بن الصامت رضى الله عنه أن رجلا شكى إلى النبى صلى الله عليه وسلم الوحشة فقال اتخذ زوجا من حمام ولان فيه منفعة لانه يأخذ بيضه وفرخه
ويكره اللعب به لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسعى بحمامة فقال شيطان يتبع شيطانة وحكمه فى رد الشهادة حكم الشطرنج وقد بيناه فصل ومن شرب قليلا من النبيذ لم يفسق ولم ترد شهادته ومن أصحابنا من قال إن كان يعتقد تحريمه فسق وردت شهادته والمذهب الأول لان استحلال الشيء أعظم من فعله بدليل أن من استحل الزنا كفر ولو فعله لم يكفر فإذا لم ترد شهادة من استحل القليل من النبيذ فلان لا يرد شربه أولى ويجب عليه الحد وقال المزنى رحمه الله لا يجب كما لا ترد شهادته وهذا خطأ لان الحد للردع والنبيذ كالخمر فى الحاجة إلى الردع لانه يشتهى كما يشتهى الخمر ورد الشهادة لارتكاب كبيرة لانه إذا أقدم على كبيرة أقدم على شهادة الزور وشرب النبيذ ليس بكبيرة لانه مختلف فى تحريمه وليس من أقدم على مختلف فيه كمن أقدم على شهادة الزور وهى من الكبائر فصل فى ويكره الغناء وسماعه من غير آلة مطربة لما روى ابن مسعود أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء البقل ولا يحرم لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم مر بجارية لحسان بن ثابت وهى تقول ( المقتضب ) هل على ويحكما إن لهوت من حرج فقال النبى صلى الله عليه وسلم لا حرج إن شاء الله وروت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت كان عندى جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر رضى الله عنه فقال مزمار الشيطان فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهما فإنها أيام عيد فإن غنى لنفسه أو سمع غناء جاريته ولم يكثر منه لم ترد شهادته لان عمر رضى الله عنه كان إذا دخل فى داره يرنم بالبيت والبيتين واستؤذن عليه لعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه وهو يترنم فقال أسمعتني يا عبد الرحمن قال نعم قال إنا إذا خلونا فى منازلنا نقول كما يقول الناس وروى عن أبى الدرداء رضى الله عنه وهو من زهاد الصحابة وفقائها أنه قال إنى لاجم قلبى شيئا من الباطل لاستعين به على الحق فأما إذا أكثر من الغناء أو اتخذه صنعة يغشاه الناس للسماع أو يدعى إلى المواضع ليغنى ردت شهادته لانه سفه وترك للمروءة وإن اتخذ جارية ليجمع الناس لسماعها ردت شهادته لانه سفه وترك مروءة ودناءة فصل ويحرم استعمال الآلات التى تطرب من غير غناء كالعود والطنبور والمعزفة والطبل والمزمار والدليل عليه قوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله قال ابن عباس إنها الملاهى وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إن الله حرم على أمتى الخمر والميسر والمرز والكوبة والقنين فالكوبة الطبل والقنين البربط وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال تمسخ أمة من أمتى بشربهم الخمر وضربهم بالكوبة والمعازف ولانها تطرب وتدعو إلى الصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإلى إتلاف المال فحرم كالخمر ويجوز ضرب الدف فى العرس والختان دون غيرهما لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف ويكره القضيب الذى يزيد الغناء طربا ولا يطرب إذا انفرد لانه تابع للغناء فكان حكمه حكم الغناء وأما رد الشهادة فما حكمنا بتحريمه من ذلك فهو من الصغائر فلا ترد الشهادة بما قل منه وترد بما كثر منه كما قلنا فى الصغائر وما حكمنا بكراهيته وإباحته فهو كالشطرنج فى رد الشهادة وقد بيناه فصل وأما الحداء فهو مباح لما روى ابن مسعود رضى الله عنه قال كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة نام بالوادى حاديان
وروت عائشة رضى الله عنها قالت كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال وكان أنجشة مع النساء فقال النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة حرك بالقوم فاندفع يرتجز فتبعه أنجشه فأعتقت الإبل فى السير فقال النبى صلى الله عليه وسلم يا أنجشة رويدك رفقا بالقوارير ويجوز استماع نشيد الأعرابى لما روى عمرو بن الشريد عن أبيه قال أردفنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه ثم قال أمعك شيء من شعر أمية بن أبى الصلت فقلت نعم فأنشدته بيتا فقال هيه فأنشدته بيتا آخر فقال هيه فأنشدته إلى أن بلغ مائة بيت فصل فى ويستحب تحسين الصوت بالقرآن لما روى الشافعي رحمه الله بإسناده عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أذن الله لشىء كإذنه لنبى حسن الترنم بالقرآن وروى حسن الصوت بالقرآن وروى البراء بن عازب رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال حسنوا القرآن بأصواتكم وقال عليه الصلاة السلام ليس منا من لم يتغن بالقرآن وحمله الشافعى على تحسين الصوت وقال لو كان المراد به الاستغناء بالقرآن لقال من لم يتغان ( بالقرآن ) وأما القراءة بالألحان فقد قال فى موضع أكرهه وقال فى موضع آخر لا أكرهه وليست على قولين وإنما هى على اختلاف حالين فالذى قال أكرهه أراد إذا جاوز الحد فى التطويل وإدغام بعضه فى بعض والذى قال لا أكرهه إذا لم يجاوز الحد فصل فى ويجوز قول الشعر لانه كان للنبى صلى الله عليه وسلم شعراء منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة ولانه وفد عليه الشعراء ومدحوه وجاءه كعب بن زهير وأنشده ( البسيط ) بانت سعاد فقلبى اليوم متبول متيم عندها لم يفد مكبول فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة كانت عليه فابتاعها منه معاوية بعشرة آلاف درهم وهى التى مع الحلفاء إلى اليوم وحكمه حكم الكلام فى حظره وإباحته وكراهيته واستحبابه ورد الشهادة به والدليل عليه ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام فصل ومن شهد بالزور فسق وردت شهادته لأنها من الكبائر والدليل عليه ما روى خريم بن فاتك قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ولما انصرف قام قائما ثم قال عدلت شهادة الزور بالإراك بالله ثلاث مرات ثم تلا قوله عز وجل فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور وروى محارب بن دثار عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قالشاهد الزور لا يزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار ويثبت أنه شاهد زور من ثلاثة أوجه أحدها أن يقر أنه شاهد زور والثانى أن تقوم البينة أنه شاهد زور والثالث أن يشهد بما يقطع بكذبه بأن شهد على رجل أنه قتل أو زنى فى وقت معين فى موضع معين والمشهود عليه فى ذلك الوقت كان فى بلد آخر وأما إذا شهد بشىء أخطأ فيه لم يكن شاهد زور لانه لم يقصد الكذب وإن شهد لرجل بشيء وشهد به آخر أنه لغيره لم يكن شاهد زور لانه ليس تكذيب أحدهما بأولى من تكذيب الآخر فلم يقدح ذلك فى عدالته وإذا ثبت أنه شاهد زور ورأى الإمام تعزيره بالضرب أو الحبس أو الزجر فعل وإن رأى أن يشهر أمره فى سوقه ومصلاه وقبيلته وينادى عليه أنه شاهد زور فاعرفوه فعل لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال اذكروا الفاسق بما فيه ليحذره الناس ولان فى ذلك زجرا له ولغيره عن فعل مثله
وحكى عن أبى على بن أبى هريرة أنه قال إن كان من أهل الصيانة لم يناد عليه لقوله عليه الصلاة السلام أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهن وهذا غير صحيح لان بشهادة الزور يخرج عن أن يكون من أهل الصيانة فصل فى ولا تقبل شهادة جار إلى نفسه نفعا ولا دافع عن نفسه ضررا لما روى ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذى إحنة والظنين المتهم والجار إلى نفسه نفعا والدافع عنها ضررا متهمان فإن شهد المولى لمكاتبه بما لم تقبل شهادته لانه يثبت لنفسه حقا لان مال المكاتب يتعلق به حق المولى وإن شهد الوصى لليتيم والوكيل للموكل فيما فوض النظر فيه إليه لم تقبل لانهما يثبتان لانفسهما حق المطالبة والتصرف وإن وكله فى شيء ثم عزله لم يشهد فيما كان النظر فيه إليه فإن كان قد خاصم فيه لم تقبل شهادته وإن لم يكن قد خاصم فيه ففيه وجهان أحدهما أنه تقبل لانه لا يلحقه تهمة والثانى أنه لا تقبل لانه بعقد الوكالة يملك الخصومة فيه وإن شهد الغريم لمن له عليه دين وهو محجور عليه بالفلس لم تقبل شهادته لانه يتعلق حقه بما يثبت له بشهادته وإن شهد لمن له عليه دين وهو موسر قبلت شهادته لانه لا يتعين حقه فيما شهد به وإن شهد له وهو معسر قبل الحجر ففيه وجهان أحدهما أنه لا يقبل لانه يثبت له حق المطالبة والثانى أنه يقبل لانه لا يتعلق بما يشهد ( به ) له حق فصل وإن شهد رجلان على رجل أنه جرح أخاهما وهما وارثاه قبل الاندمال لم تقبل لانه قد يسرى إلى نفسه فيجب به لهما وإن شهدا له بمال وهو مريض ففيه وجهان أحدهما هو قول أبى إسحاق أنه لا تقبل لانهما متهمان لانه قد يموت فيكون المال لهما فلو تقبل كما لو شهد بالجراحة والثانى وهو قول أبى الطيب بن سلمة أنه تقبل لان الحق يثبت للمريض ثم ينتقل بالموت إليهما وفى الجناية إذا وجبت الدية وجبت لهما لانها تجب بموته فلم تقبل وإن شهد له بالجراحة وهناك ابن قبلت شهادتهما لانهما غير متهمين وإن مات الابن وصار الأخوان وارثين نظرت فإن مات الابن بعد الحكم بشهادتهما لم تسقط الشهادة لانه حكم بها وإن مات قبل الحكم بشهادتهما سقطت الشهادة كما لو فسقا قبل الحكم وإن شهد المولى على غريم مكاتبه والوصى على غريم الصبى أو الوكيل على غريم الموكل بالإبراء من الدين أو بفسق شهود الدين لم تقبل الشهادة لانه دفع بالشهادة عن نفسه ضررا وهو حق المطالبة وإن شهد شاهدان من عاقلة القاتل بفسق شهود القتل فإن كانا موسرين لم تقبل شهادتهما لانهما يدفعان بهذه الشهادة عن أنفسهما ضررا وهو الدية وإن كانا فقيرين فقد قال الشافعى رضى الله عنه ردت شهادتهما وقال فى موضع آخر إذا كانا من أباعد العصبات بحيث لا يصل العقل إليهما حتى يموت من قبلهما قبلت شهادتهما فمن أصحابنا من نقل جواب إحداهما إلى الأخرى وجعلهما على قولين أحدهما أنه تقبل لانهما فى الحال لا يحملان العقل والثانى أنه لا تقبل لانه قد يموت القريب قبل الحول ويوسر الفقير فيصيران من العاقلة ومنهم من حملهما على ظاهرهما فقال تقبل شهادة الأباعد ولا تقبل شهادة القريب الفقير لان القريب معدود فى العاقلة واليسار يعتبر عند الحول وربما يصير موسرا عند الحول والبعيد غير معدود فى العاقلة وإنما يصير من العاقلة إذا مات الأقرب فصل ولا تقبل شهادة الوالدين للأولاد وإن سفلوا ولا شهادة الأولاد للوالدين وإن علوا وقال المزني رحمه الله وأبو ثور تقبل ووجهه قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فعم ولم يخص ولانهم كغيرهم فى العدالة فكانوا كغيرهم فى الشهادة
وهذا خطأ لما روى ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا تقبل شهادة حصم ولا ظنين ولا ذى إحنة والظنين المتهم وهذا متهم لانه يميل إليه ميل الطبع ولان الولد بضعة من الوالد ولهذا قال عليه الصلاة السلام يا عائشة إن فاطمة بضعة منى يريبنى ما يريبها ولان نفسه كنفسه وماله كماله ولهذا قال عليه الصلاة السلام لابى معشر الدارمى أنت ومالك لابيك وقال صلى الله عليه وسلم إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ولهذا يعتق عليه إذا ملكه ويستحق عليه النفقة إذا احتاج والآية نخصها بما ذكرناه والاستدلال بأنهم كغيرهم فى العدالة يبطل بنفسه فإنه كغيره فى العدالة ثم لا تقبل شهادته لنفسه وتقبل شهادة أحدهما على الآخر فى جميع الحقوق ومن أصحابنا من قال لا تقبل شهادة الولد على الوالد فى إيجاب القصاص وحد القذف لانه لا يلزمه القصاص بقتله ولا حد القذف بقذفه فلا يلزمه ذلك بقوله والمذهب الأول لانه إنما ردت شهادته له للتهمة ولا تهمة فى شهادته ( عليه ) ومن عدا الوالدين والأولاد من الأقارب كالأخ والعم وغيرهما تقبل شهادة بعضهم لبعض لانه لم يجعل نفس أحدهما كنفس الآخر فى العتق ولا ماله كماله فى النفقة وإن شهد شاهدان على رجل أنه قذف ضرة أمهما ففيه قولان قال فى القديم لا تقبل لانهما يجران إلى أمهما نفعا لانه يجب عليه بقذفها الحد فيحتاج أن يلاعن وتقع الفرقة بينه وبين ضرة أمهما وقال فى الجديد تقبل وهو الصحيح لان أمهما لا يزيد بمفارقة الضرة وإن شهدا أنه طلق ضرة أمهما ففيه قولان أحدهما أنه تقبل والثانى أنه لا تقبل وتعليلهما ما ذكرناه فصل وتقبل شهادة أحد الزوجين للآخر لان النكاح سبب لا يعتق به أحدهما على الآخر بالملك فلم يمنع من شهادة أحدهما للآخر كقرابة ابن العم ولا تقبل شهادة الزوج على الزوجة فى الزنا لان شهادته دعوى خيانة فى حقه فلم تقبل كشهادة المودع على المودع بالخيانة فى الوديعة ولانه خصم لها فيما يشهد به فلم تقبل كما لو شهد عليها أنها جنت عليه فصل ولا تقبل شهادة العدو على عدوه لقوله عليه الصلاة السلام لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذى إحنة وذو الإحنة هو العدو ولانه متهم فى شهادته بسبب منهى عنه فلم تقبل شهادته فصل ومن جمع فى الشهادة بين أمرين فردت شهادته فى أحدهما نظرت فإن ردت للعداوة بينه وبين المشهود عليه مثل أن يشهد على رجل أنه قذفه وأجنبيا ردت شهادته فى حقه وفى حق الأجنبى لان هذه الشهادة تضمنت الإخبار عن عداوة بينهما وشهادة العدو على عدوه لا تقبل فإن ردت شهادته فى أحدهما لتهمة غير العداوة بأن شهد على رجل أنه اقترض من أبيه ومن أجنبى مالا ردت شهادته فى حق أبيه وهل ترد فى حق الأجنبى فيه قولان أحدهما أنها ترد كما لو شهد أنه قذفه وأجنبيا والثانى أنها لا ترد لانها ردت فى حق أبيه للتهمة ولا تهمة فى حق الأجنبى فقبلت فصل فى ومن ردت شهادته بمعصية فتاب قبلت شهادته