Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وجه قولهما أن اليمين حجة المدعي كالبينة ولهذا لا تجب إلا عند طلبه فكان له ولاية استيفاء أيهما شاء ولأبي حنيفة أن البينة في كونها حجة المدعي كالأصل لكونها كلام غير الخصم واليمين كالخلف عليها لكونها كلام الخصم فلهذا لو أقام البينة ثم أراد استحلاف المدعى عليه ليس له ذلك والقدرة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف ومنها أن لا يكون المدعي حقا لله عز وجل خالصا فلا يجوز الاستحلاف في الحدود الخالصة حقا لله عز وجل كحد الزنا والسرقة والشرب لأن الاستحلاف لأجل النكول ولا يقضى بالنكول في الحدود الخالصة لأنه بذل عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما إقرار فيه شبهة العدم والحدود لا تحتمل البذل ولا تثبت بدليل فيه شبهة لهذا لا تثبت بشهادة النساء والشهادة على الشهادة إلا أن في السرقة يحلف على أخذ المال وكذا لا يمين في اللعان لأنه جار مجرى الحد وأما حد القذف فيجري فيه الاستحلاف في ظاهر الرواية لأنه ليس من الحدود المتمحضة حقا لله تعالى بل يشوبه حق العبد فأشبه التعزير وفي التعزير يحلف كذا هذا ويجري الاستحلاف في القصاص في النفس والطرف لأن القصاص خالص حق العبد ومنها أن يكون المدعي محتملا للإقرار به شرعا بأن كان لو أقر به لصح إقراره به فإن لم يكن لم يجر فيه الاستحلاف حتى إن من ادعى على رجل أنه أخوه ولم يدع في يده ميراثا فأنكر لا يحلف لأنه لو أقر له بالأخوة لم يجز إقراره لكونه إقرارا على غيره وهو أبوه ولو ادعى أنه أخوه وإن في يده مالا من تركة أبيه وهو مستحق لنصفه بإرثه من أبيه فأنكر يحلف لأجل الميراث لا للأخوة لأنه لو أقر انه أخوه صح إقراره في حق الإرث حتى يؤمر بتسليم نصف الميراث إليه ولم يصح في حق النسب حتى لا يقضى بأنه أخوه وعلى هذا عبد في يد رجل ادعاه رجلان فأقر به لأحدهما وسلم القاضي العبد إليه فقال الآخر لا بينة لي وطلب من القاضي تحليف المقر لا يحلفه في عين العبد لأنه لو أقر به لكان إقراره باطلا فإذا أنكر لا يحلف إلا أن يقول الذي لم يقر له إنك أتلفت على العبد بإقرارك به لغيري فاضمن قيمته لي يحلف المقر بالله تعالى ما عليه رد قيمة ذلك العبد على هذا المدعي ولا رد شيء منها لأنه لو أقر بإتلافه لصح وضمن القيمة فإذا أنكر يستحلفه ولو ادعى رجل أنه زوجه ابنته الصغيرة وأنكر الأب لا يحلف عند أبي حنيفة رحمه الله لطريقين أحدهما أنه لو أقر به لا يصح إقراره به عنده فأذا أنكر لا يستحلف والثاني أن الاستحلاف لا يجري في النكاح وعندهما يجري لكن عند أبي يوسف يحلف على السبب وعند محمد على الحاصل والحكم على ما نذكره في موضعه هذا إذا كانت صغيرة عند الدعوى فإن كانت كبيرة وادعى أن أباها زوجها إياه في صغرها لا يحلف عند أبي حنيفة لما قلنا من الطريقين وعندهما لا يحلف أيضا لأحد طريقين وهو أنه لو أقر عليها في الحال لا يصح إقراره ولكن تحلف المرأة عندهما لأنها لو أقرت لصح إقرارها وعندهما الاستحلاف يجري فيه لكن عند أبي يوسف تحلف على السبب بالله عز وجل ما تعلم أن أباها زوجها وهي صغيرة إلا عند التعرض فتحلف على الحكم كما قال محمد ولو ادعت امرأة على رجل أنه زوجها عبده فأنكر المولى لا يحلف عند أبي حنيفة رحمه الله لطريقين أحدهما أنه لو أقر عليه لا يصح إقراره والثاني أنه لا استحلاف في النكاح عنده وعندهما لا يحلف أيضا لكن لطريق واحد وهو أنه لو أقر عليه لا يصح إقراره ولو ادعى رجل على رجل أنه زوجه أمته لا يحلف المولى عند أبي حنيفة وعندهما يحلف لطريق واحد وهو أن الاستحلاف لا يجري في النكاح عنده وعندهما يجري
ومنها أن يكون المدعي مما يحتمل البذل عند أبي حنيفة مع كونه محتملا للإقرار وعندهما أن يكون مما يحتمل الإقرار سواء احتمل البذل أو لا وعلى هذا يخرج اختلافهم في الأشياء السبعة أنها لا يجري فيها الاستحلاف عند أبي حنيفة وهي النكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والنسب والرق والولاء والاستيلاد أما النكاح فهو أن يدعي رجل على امرأة أنها امرأته أو تدعي امرأة على رجل أنه زوجها ولا بينة للمدعي وطلب يمين المنكر وأما الرجعة فهو أن يقول الزوج للمطلقة بعد انقضاء عدتها قد كنت راجعتك وأنكرت المرأة وعجز الزوج عن إقامة البينة فطلب يمينها وأما الفيء في الإيلاء فهو أن يكون الرجل آلى من امرأته ومضت أربعة أشهر فقال قد كنت فئت إليك بالجماع فلم تبيني فقالت لم تفىء ( ( ( تفئ ) ) ) إلي ولا بينة للزوج فطلب يمينها وأما النسب فنحو أن يدعي على رجل أنه أبوه أو ابنه فأنكر الرجل ولا بينة له وطلب يمينه وأما الرق فهو أن يدعي على رجل أنه عبده فأنكر وقال أنه حر الأصل لم يجر عليه رق أبدا ولا بينة للمدعي فطلب يمينه وأما الولاء فإنه يدعي على امرأة أنه أعتق أباها وإن أباها مات وولاؤه بينهما نصفان فأنكرت أن يكون أعتقه وأن يكون ولاؤه ثابتا منه ولا بينة للمدعي فطلب يمينها على ما أنكرت من الولاء وأما الاستيلاد فهو أن تدعي أمة على مولاها فتقول أنا أم ولد لمولاي وهذا ولدي فأنكر المولى لا يجري الاستحلاف في هذه المواضع السبعة عند أبي حنيفة وعندهما يجري والدعوى من الجانبين تتصور في الفصول الستة وفي الاستيلاد لا يتصور إلا من جانب واحد وهو جانب الأمة فأما جانب المولى فلا تتصور الدعوى لأنه لو ادعى لثبت بنفس الدعوى وهذا بناء على ما ذكرنا أن النكول بذل عنه وهذه الأشياء لا تحتمل البذل وعندهما إقرار فيه شبهة وهذه الأشياء تثبت بدليل فيه شبهة وجه قولهما أن نكول المدعى عليه دليل كونه كاذبا في إنكاره لأنه لو كان صادقا لما امتنع من اليمين الصادقة فكان النكول إقرارا دلالة إلا أنه دلالة قاصرة فيها شبهة العدم وهذه الأشياء تثبت بدليل قاصر فيه شبهة العدم ألا ترى أنها تثبت بالشهادة على الشهادة وشهادة رجل وامرأتين ولأبي حنيفة أن النكول يحتمل الإقرار لما قلتم ويحتمل البذل لأن العاقل الدين كما يتحرج عن اليمين الكاذبة يتحرج عن التغيير والطعن باليمين ببذل المدعي إلا أن حمله على البذل أولى لأنا لو جعلناه إقرارا لكذبناه لما فيه من الإنكار ولو جعلناه بذلا لم نكذبه لأنه يصير في التقدير كأنه قال ليس هذا لك ولكني لا أمنعك عنه ولا أنازعك فيه فيحصل المقصود من غير حاجة إلى التكذيب وإذا ثبت أن النكول بذل وهذه الأشياء لا تحتمل البذل فلا تحتمل النكول فلا تحتمل التحليف لأنه إنما يستحلف المدعي لينكل المدعى عليه فيقضى عليه فإذا لم يحتمل النكول لا يحتمل التحليف فصل وأما بيان كيفية اليمين فالكلام فيه يتعلق بموضعين أحدهما في بيان صفة التحليف نفسه أنه كيف يحلف والثاني في بيان صفة المحلوف عليه أنه على ماذا يحلف أما الأول فالأمر لا يخلو إما إن كان الحالف مسلما وإما إن كان كافرا فإن كان مسلما فيحلفه القاضي بالله تعالى إن شاء من غير تغليظ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف يزيد بن ركانة أو ركانة بن عبد يزيد بالله عز وجل ما أردت بالبتة ثلاثا وإن شاء غلظ لأن الشرع ورد بتغليظ اليمين في الجملة فإنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف ابن صوريا الأعور وغلظ فقال عليه الصلاة والسلام الذي أنزل التوراة على سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام إن حد الزنا في كتابكم هذا
وقال مشايخنا ينظر إلى حال الحالف إن كان ممن لا يخاف منه الاجتراء على الله تعالى باليمين الكاذبة يكتفى فيه بالله عز وجل من غير تغليظ وإن كان ممن يخاف منه ذلك تغلظ لأن من العوام من لا يبالي عن الحلف بالله عز وجل كاذبا فإذا غلظ عليه اليمين يمتنع وقال بعضهم إن كان المال المدعى يسيرا يكتفى فيه بالله عز وجل وإن كان كثيرا يغلظ وصفة التغليظ أن يقول والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ونحو ذلك مما يعد تغليظا في اليمين وإن كان الحالف كافرا فإنه يحلف بالله عز وجل أيضا ذميا كان أو مشركا لأن المشركين لا ينكرون الصانع قال الله تبارك وتعالى جل شأنه ولئن سألتهم من خلق السماوات ( ( ( السموات ) ) ) والأرض ليقولن الله فيعظمون اسم الله تعالى عز شأنه ويعتقدون حرمة الاله إلا الدهرية والزنادقة وأهل الإباحة وهؤلاء أقوام لم يتجاسروا على إظهار نحلتهم في عصر من الأعصار إلى يومنا هذا ونرجو من فضل الله عز وجل على أمة حبيبه صلى الله عليه وسلم أن لا يقدرهم على إظهار ما انتحلوه إلى انقضاء الدنيا وإن رأى القاضي ما يكون تغليظا في دينه فعل لما روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلظ على ابن صوريا دل أن كل ذلك سائغ فيغلظ على اليهودي بالله تعالى عز وجل الذي أنزل التوراة على سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وعلى النصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام وعلى المجوسي بالله الذي خلق النار ولا يحلف على الإشارة إلى مصحف معين بأن يقول بالله الذي أنزل هذا الإنجيل أو هذه التوراة لأنه قد ثبت تحريف بعضها فلا يؤمن أن تقع الإشارة إلى المحرف فيكون التحليف به تعظيما لما ليس بكلام الله عز وجل ولا يبعث هؤلاء إلى بيوت عبادتهم من البيعة والكنيسة وبيت النار لأن فيه تعظيم هذه المواضع وكذا لا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان ولا مكان عندنا وقال الشافعي رحمه الله إن كان بالمدينة يحلف عند المنبر وإن كان بمكة يحلف عند الميزاب ويحلف بعد العصر والصحيح قولنا لما روينا من الحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه مطلقا عن الزمان والمكان وروي أنه اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع في دار إلى مروان بن الحكم فقضى على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر فقال له زيد أحلف له مكاني فقال له مروان لا والله إلا عند مقاطع الحقوق فجعل زيد يحلف أن حقه لحق وأبى أن يحلف عند المنبر فجعل مروان يعجب من ذلك ولو كان ذلك لازما لما احتمل أن يأباه زيد بن ثابت ولأن تخصيص التحليف بمكان وزمان تعظيم غير اسم الله تبارك وتعالى وفيه معنى الإشراك في التعظيم والله عز وجل أعلم وأما بيان صفة المحلوف عليه أنه على ماذا يحلف فنقول الدعوى لا تخلو إما إن كانت مطلقة عن سبب وإما إن كانت مقيدة بسبب فإن كانت مطلقة عن سبب بأن ادعى عبدا أو جارية أو أرضا وأنكر المدعى عليه فلا خلاف في أنه يحلف على الحكم وهو ما وقع فيه الدعوى فيقال بالله ما هذا العبد أو الجارية أو الأرض لفلان هذا ولا شيء منه وإن كانت مقيدة بسبب بأن ادعى أنه أقرضه ألفا أو غصبه ألفا أو أودعه ألفا وأنكر المدعى عليه فقد اختلف أبو يوسف ومحمد في أنه يحلف على السبب أو على الحكم قال أبو يوسف يحلف على السبب بالله ما استقرضت منه ألفا أو ما غصبته ألفا أو ما أودعني ألفا إلا أن يعرض المدعى عليه ولا يصرح فيقول قد يستقرض الإنسان وقد يغصب وقد يودع ولا يكون عليه لما أنه أبرأه عن ذلك أو رد الوديعة وأنا لا أبين ذلك لئلا يلزمني شيء فحينئذ يحلف على الحكم
وقال محمد يحلف على الحكم من الابتداء بالله ماله عليك هذه الألف التي ادعى وجه قول محمد أن التحليف على السبب تحليف على ما لا يمكنه الحلف عليه عسى لجواز أنه وجد منه السبب ثم ارتفع بالإبراء أو بالرد فلا يمكنه الحلف على نفي السبب ويمكنه الحلف على نفي الحكم على كل حال فكان التحليف على الحكم أولى وجه قول أبي يوسف ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف اليهود بالله وفي باب القسامة على السبب فقال عليه الصلاة والسلام بالله ما قتلتموه ولا علمتم له قاتلا فيجب الاقتداء به ولأن الداخل تحت الحلف ما هو الداخل تحت الدعوى والداخل تحت الدعوى في هذه الصورة مقصودا هو السبب فيحلف عليه فبعد ذلك إن أمكنه الحلف على السبب حلف عليه وإن لم يمكنه وعرض فحينئذ يحلف على الحكم وعلى هذا الخلاف دعوى الشراء إذا أنكر المدعى عليه فعند أبي يوسف يحلف على السبب بالله عز وجل ما بعته هذا الشيء إلا أن يعرض الخصم والتعريض في هذا أن يقول قد يبيع الرجل الشيء ثم يعود إليه بهبة أو فسخ أو إقالة أو رد بعيب أو خيار شرط أو خيار رؤية وأنا لا أبين ذلك كي لا يلزمني شيء فحينئذ يحلف على الحكم بالله تعالى ما بينكما بيع قائم أو شراء قائم بهذا السبب الذي يدعي وهكذا يحلف على قول محمد وعلى هذا دعوى الطلاق بأن ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها ثلاثا أو خالعها على كذا وأنكر الزوج ذلك يحلف على السبب عند أبي يوسف بالله عز وجل ما طلقها ثلاثا أو ما خالعها إلا أن يعرض الزوج فيقول الإنسان قد يخالع امرأته ثم تعود إليه وقد يطلقها ثلاثا ثم تعود إليه بعد زوج آخر فحينئذ يحلف بالله عز وجل ما هي حرام عليك بثلاث تطليقات أو بالله عز وجل ما هي مطلقة منك ثلاثا أو ما هي حرام عليك بالخلع أو ما هي بائن منك ونحو ذلك من العبارات وهكذا يحلف على قول محمد وعلى هذا دعوى العتاق في الأمة بأن ادعت أمة على مولاها أنه أعتقها وهو منكر عند أبي يوسف يحلف المولى على السبب بالله عز وجل ما أعتقها إلا أن يعرض لأنه يتصور النقض في هذا والعود إليه بأن ارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب ثم سباها أو سباها غيره فاشتراها فحينئذ يحلف كما قاله محمد ولو كان الذي يدعي العتق هو العبد فيحلف على السبب بلا خلاف بالله عز وجل ما أعتقه في الرق القائم للحال في ملكه لانعدام تصور التعريض لأن العبد المسلم لا يحتمل السبي بعد العتق حتى لو كان العبد لم يعرف مسلما أو كان كافرا يحلف عند محمد على الحكم لاحتمال العود إلى الرق لأن الذمي إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب ثم سبي يسترق بخلاف المسلم فإنه يجبر على الإسلام ويقتل إن أبى ولا يسترق وعلى هذا دعوى النكاح وهو تفريع على قولهما لأن أبا حنيفة لا يرى الاستحلاف فيه فيقول الدعوى لا تخلو إما أن تكون من الرجل أو من المرأة فإن كانت من الرجل وأنكرت المرأة النكاح فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا أن يعرض لاحتمال الطلاق والفرقة بسبب ما فحينئذ يحلف على الحكم بالله عز وجل ما بينكما نكاح قائم كما هو قول محمد وأما عند أبي حنيفة لو قال الزوج أنا أريد أن أتزوج أختها أو أربعا سواها فإن القاضي لا يمكنه من ذلك لأنه إقرار لهذه المرأة أنها امرأته فيقول له إن كنت تريد ذلك فطلق هذه ثم تزوج أختها أو أربعا سواها وإن كان دعوى النكاح من المرأة على رجل فأنكر فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا أن يعرض فيحلف على الحكم كما قاله محمد
فأما عند أبي حنيفة لو قالت المرأة إني أريد أن أتزوج فإن القاضي لا يمكنها من ذلك لأنها قد أقرت أن لها زوجا فلا يمكنها من التزوج بزوج آخر فإن قالت ما الخلاص عن هذا وقد بقيت في عهدته أبد الدهر وليست لي بينة وهذه تسمى عهدة أبي حنيفة فإنه يقول القاضي للزوج طلقها فإن أبى أجبره القاضي عليه فإن قال الزوج لو طلقتها للزمني المهر فلا أفعل ذلك يقول له القاضي قل لها إن كنت امرأتي فأنت طالق فتطلق لو كانت امرأتك وإن لم تكن فلا ولا يلزمك شيء لأن المهر لا يلزم بالشك فإن أبى يجبره على ذلك فإذا فعل تخلص عن تلك العهدة ولو كانت الدعوى على إجارة الدار أو عبد أو دابة أو معاملة مزارعة فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا إذا عرض وعند محمد يحلف على الحكم على كل حال وعند أبي حنيفة ما كان صحيحا وهو الإجارة يحلف وما كان فاسدا وهو المعاملة والمزارعة لا يحلف أصلا لأن الحلف بناء على الدعوى الصحيحة ولم تصح عنده ولو كانت الدعوى في القتل الخطأ بأن ادعى على رجل أنه قتل أباه خطأ وأنه وجبت الدية فأنكر المدعى عليه يحلف على السبب عند أبي يوسف بالله ما قتلت إلا إذا عرض وعند محمد على الحكم بالله ليس عليك الدية ولا على عاقلتك وإنما يحلف على هذا الوجه لاختلاف المشايخ في الدية في فصله الخطأ أنها تجب على العاقلة ابتداء أو تجب على القاتل ثم تتحمل عنه العاقلة فإن حلف برىء وإن نكل يقضى عليه بالدية في ماله على ما نذكر إن شاء الله تعالى فصل وأما حكم أدائه فهو انقطاع الخصومة للحال لا مطلقا بل موقتا إلى غاية إحضار البينة عند عامة العلماء وقال بعضهم حكمه انقطاع الخصومة على الإطلاق حتى ( ( ( وحتى ) ) ) لو أقام المدعي البينة بعد يمين المدعى عليه قبلت بينته عند العامة وعند بعضهم لا تقبل لأنه لو أقام البينة لا تبقى له ولاية الاستحلاف فكذا إذا استحلف لا يبقى له ولاية إقامة البينة والجامع أن حقه في أحدهما فلا يملك الجمع بينهما والصحيح قول العامة لأن البينة هي الأصل في الحجة لأنها كلام الأجنبي فأما اليمين فكالخلف عن البينة لأنها كلام الخصم صير إليها للضرورة فإذا جاء الأصل انتهى حكم الخلف فكأنه لم يوجد أصلا ولو قال المدعي للمدعى عليه احلف وأنت بريء من هذا الحق الذي ادعيته أو أنت بريء من هذا الحق ثم أقام البينة قبلت بينته لأن قوله أنت بريء يحتمل البراءة للحال أي برىء ( ( ( بريء ) ) ) عن دعواه وخصومته للحال ويحتمل البراءة عن الحق فلا يجعل إبراء عن الحق بالشك والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما حكم الامتناع عن تحصيله فالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين فإن كان ذلك في دعوى المال يقضى عليه بالمال عندنا لكن ينبغي للقاضي أن يقول له إني أعرض عليك اليمين ثلاث مرات فإن حلفت وإلا قضيت عليك لجواز أن يكون المدعى عليه ممن لا يرى القضاء بالنكول أو يكون عنده أن القاضي لا يرى القضاء بالنكول أو لحقه حشمة القضاة ومهابة المجلس في المرة الأولى فكان الاحتياط أن يقول له ذلك فإن نكل عن اليمين بعد العرض عليه ثلاثا فإن القاضي يقضي عليه عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يقضي بالنكول ولكن برد ( ( ( يرد ) ) ) اليمين إلى المدعي فيحلف فيأخذ حقه
احتج الشافعي رحمه الله بقول النبي عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه جعل البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه ولم يذكر عليه الصلاة والسلام النكول فلو كان حجة المدعي لذكره والمعقول أنه يحتمل أنه نكل لكونه كاذبا في الإنكار فاحترز عن اليمين الكاذبة ويحتمل أنه نكل مع كونه صادقا في الإنكار تورعا عن اليمين الصادقة فلا يكون حجة القضاء مع الشك والاحتمال لكن يرد اليمين إلى المدعي ليحلف فيقضى له لأنه ترجح جنبة الصدق في دعواه بيمينه وقد ورد الشرع برد اليمين إلى المدعي فإنه روي أن سيدنا عثمان رضي الله عنه ادعى على المقداد مالا بين يدي سيدنا عمر رضي الله عنه فأنكر المقداد وتوجهت عليه اليمين فرد اليمين على سيدنا عثمان وسيدنا عمر جوز ذلك ولنا ما روي أن شريحا قضى على رجل بالنكول فقال المدعى عليه أنا أحلف فقال شريح مضى قضائي وكان لا تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا منهم على جواز القضاء بالنكول ولأنه ظهر صدق المدعي في دعواه عند نكول المدعى عليه فيقضى له كما لو أقام البينة ودلالة الوصف أن المانع من ظهور الصدق في خبره إنكاره المدعى عليه وقد عارضه النكول لأنه كان صادقا في إنكاره لما نكل فزال المانع للتعارض فظهر صدقه في دعواه وقوله يحتمل أنه نكل تورعا عن اليمين الصادقة قلنا هذا احتمال نادر لأن اليمين الصادقة مشروعة فالظاهر أن الإنسان لا يرضى بفوات حقه تحرزا عن مباشرة أمر مشروع ومثل هذا الاحتمال ساقط الاعتبار شرعا ألا يرى أن البينة حجة القضاء بالإجماع وإن كانت محتملة في الجملة لأنها خبر من ليس بمعصوم عن الكذب لكن لما كان الظاهر هو الصدق سقط اعتبار احتمال الكذب كذا هذا وأما الحديث فنقول البينة حجة المدعي وهذا لا ينفي أن يكون غيرها حجة وقوله لو كان حجة لذكره قلنا يحتمل أنه لم يذكره لما قلتم ويحتمل أنه لم يذكره نصا مع كونه حجة تسليطا للمجتهدين على الاجتهاد ليعرف كونه حجة بالرأي والاستنباط فلا يكون حجة مع الاحتمال وأما رد اليمين على المدعي فليس بمشروع لما قلنا من قبل وأما حديث المقداد فلا حجة فيه لأن فيه ذكر الرد من غير نكول المدعى عليه وهو خارج عن أقاويل الكل فكان مؤولا عند الكل ثم تأويله أن المقداد رضي الله عنه ادعى الإيفاء فأنكر سيدنا عثمان رضي الله عنه فتوجهت اليمين عليه ونحن به نقول هذا إذا نكل عن اليمين في دعوى المال فإن كان النكول في دعوى القصاص فنقول لا يخلو إما أن تكون الدعوى في القصاص في النفس وإما أن تكون فيما دون النفس فإن كان في النفس فعند أبي حنيفة لا يقضى فيه لا بالقصاص ولا بالمال لكنه يحبس حتى يقر أو يحلف أبدا وإن كان الدعوى في القصاص في الطرف فإنه يقضى بالقصاص في العمد وبالدية في الخطأ وعندهما لا يقضى بالقصاص في النفس والطرف جميعا ولكن يقضى بالأرش والدية فيهما جميعا بناء على أن النكول بذل عند أبي حنيفة رحمه الله والطرف يحتمل البذل والإباحة في الجملة فإن من وقعت في يده آكلة والعياذ بالله تعالى فأمر غيره بقطعها يباح له قطعها صيانة للنفس وبه تبين أن الطرف يسلك مسلك الأموال لأنه خلق وقاية للنفس كالمال
فأما النفس فلا تحتمل البذل والإباحة بحال وكذا المباح له القطع إذا قطع لا ضمان عليه والمباح له القتل إذا قتل يضمن فكان الطرف جاريا مجرى المال بخلاف النفس فأمكن القضاء بالنكول في الطرف دون النفس فكان القياس أن لا يستحلف في النفس عنده كما لا يستحلف في الأشياء السبعة لأن الاستحلاف للتوسل إلى المقصود المدعى وهو إحياء حقه بالقضاء بالنكول ولا يقضى فيها بالنكول أصلا عنده فكان ينبغي أن لا يستحلف إلا أنه استحسن في الاستحلاف فيها لأن الشرع ورد به في القسامة وجعله حقا مقصودا في نفسه تعظيما لأمر الدم وتفخيما لشأنه لكون اليمين الكاذبة مهلكة فصار بالنكول مانعا حقا مستحقا عليه مقصودا فيحبس حتى يقر أو يحلف بخلاف الأشياء السبعة فإن الاستحلاف فيها للتوسل إلى استيفاء المقصود بالنكول وأنه لا يقع وسيلة إلى هذا المقصود وعندهما النكول إقرار فيه شبهة العدم لأنه إقرار بطريق السكوت وأنه محتمل والقصاص يدرأ بالشبهات وإذا سقط القصاص للشبهة يجب المال بخلاف شهادة النساء مع الرجال والشهادة على الشهادة أنها لا تقبل في باب القصاص أصلا لأن التعذر هناك من جهة من له القصاص وهو عدم الإتيان بحجة مظهرة للحق وهي شهادة شهود أصول مذكور والتعذر هنا من جهة من عليه القصاص وهو عدم التنصيص على الإقرار والأصل أن القصاص إذا بطل من جهة من له القصاص لا تجب الدية وإذا بطل من جهة من عليه تجب الدية وأما في دعوى السرقة إذا حلف على المال ونكل يقضى بالمال لا بالقطع لأن النكول حجة في الأموال دون الحدود الخالصة وأما في حد القذف إذا استحلف على ظاهر الرواية فنكل ( ( ( فكل ) ) ) يقضي بالحد في ظاهر الأقاويل لأنه بمنزلة القصاص في الطرف عند أبي حنيفة وعندهما بمنزلة التعزير وقال بعضهم هو بمنزلة سائر الحدود لا يقضى فيه بشيء ولا يحلف لأنه حد وقيل يحلف ويقضى فيه بالتعزير دون الحد كما في السرقة يحلف ويقضى بالمال دون القطع والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان ما تندفع به الخصومة عن المدعى عليه ويخرج عن كونه خصما للمدعي فنقول وبالله التوفيق إنه يخرج عن كونه خصما للمدعي بكون يده غير يد المالك وذلك يعرف بالبينة أو بالإقرار أو بعلم القاضي نحو ما إذا ادعى على رجل دارا أو ثوبا أو دابة فقال الذي في يده هو ملك فلان الغائب أو دعنيه وجملة الكلام فيه أن المدعي لا يخلو إما أن يدعي عليه ملكا مطلقا ولم يدع عليه فعلا أو يدعي عليه فعلا فإن ادعى ملكا مطلقا ولم يدع عليه فعلا فقال الذي في يده أودعنيها فلان الغائب أو رهنها أو آجرها أو أعارها أو غصبتها أو سرقتها أو أخذتها أو انتزعتها أو ضلت منه فوجدتها وأقام البينة على ذلك تندفع عنه الخصومة عند عامة العلماء وقال ابن أبي ليلى تندفع عنه الخصومة أقام البينة أو لم يقم وقال ابن شبرمة لا تندفع عنه الخصومة أقام البينة أو لم يقم هذا إذا لم يكن الرجل معروفا بالافتعال والاحتيال فإن كان تندفع عنه الخصومة عند أبي حنيفة ومحمد أيضا وعند أبي يوسف لا تندفع وهي المسألة المعروفة بالمخمسة والحجج تعرف في الجامع وكذلك لو ادعى لنفسه والفعل على غير ذي اليد بأن قال هذا ملكي غصبه مني فلان لأنه لم يدع على ذي اليد فعلا فصار في حق ذي اليد دعوى مطلقة فكان على الخلاف الذي ذكرنا فأما إذا ادعى فعلا على ذي اليد بأن قال هذه داري أو دابتي أو ثوبي أودعتكها أو غصبتنيها أو سرقتها أو استأجرتها أو ارتهنتها مني وقال الذي في يديه أنها لفلان الغائب أودعنيها أو غصبتها منه ونحو ذلك وأقام البينة على ذلك لا تندفع عنه الخصومة ووجه الفرق أن ذا اليد في دعوى الملك المطلق إنما يكون خصما بيده ألا ترى أنه لو لم يكن المدعي في يده لم يكن خصما فإذا أقام البينة على أن اليد لغيره كان الخصم ذلك الغير وهو غائب
فأما في دعوى الفعل فإنما يكون خصما بفعله لا بيده ألا ترى أن الخصومة متوجهة عليه بدون يده وإذا كان خصما بفعله بالبينة لا يتبين أن الفعل منه لم يكن فبقي خصما ولو ادعى فعلا لم يسم فاعله بأن قال غصبت مني أو أخذت مني فأقام ذو اليد البينة على الإيداع تندفع الخصومة لأنه ادعى الفعل على مجهول وأنه باطل فالتحق بالعدم فبقي دعوى ملك مطلق فتندفع الخصومة لأنه ادعى الفعل على مجهول وأنه باطل فالتحق بالعدم فبقي دعوى ملك مطلق فتندفع الخصومة ولو قال سرق مني فالقياس أن تندفع الخصومة كما في الغصب والأخذ وهو قول محمد وزفر وفي الاستحسان لا تندفع فرقا بين الغصب والأخذ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ووجه الفرق يعرف في الجامع ولو قال المدعي هذه الدار كانت لفلان فاشتريتها منه وقال الذي في يده أودعني فلان الذي ادعيت الشراء من جهته أو سرقتها منه أو غصبتها تندفع عنه الخصومة من غير إقامة البينة على ذلك لأنه ثبت كون يده يد غيره بتصادقهما أما المدعى عليه فظاهر وأما المدعي فبدعواه الشراء منه لأن الشراء منه لا يصح بدون اليد وكذا لو أقام الذي في يديه البينة على إقرار المدعي بذلك لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ولو عاينا إقراره لاندفعت الخصومة كذا هذا وكذلك إذا علم القاضي بذلك لأن العلم المستفاد له في زمان القضاء فوق الإقرار لكونه حجة متعدية إلى الناس كافة بمنزلة البينة وكون الإقرار حجة مقتصرة على المقر خاصة ثم لما اندفعت الخصومة بإقرار المدعي فبعلم القاضي أولى ولو قال الذي في يديه ابتعته من فلان الغائب لا تندفع الخصومة لأنه ادعى الملك واليد لنفسه وهذا مقر بكونه خصما فكيف تندفع الخصومة ولو أقام المدعي البينة أنه ابتاعه من عبد الله وقال الذي في يديه أودعنيه عبد الله ذلك تندفع الخصومة من غير بينة لأنهما تصادقا على الوصول إليه من يد عبد الله فأثبتا اليد له وهو غائب وعلى هذا الأصل مسائل كثيرة في الجامع والله تعالى أعلم فصل وأما حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين فالكلام فيه يقع في موضعين أحدهما في بيان حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين القائمتين على أصل الملك والثاني في بيان حكم تعارض البينتين القائمتين على قدر الملك أما الأول فالأصل أن البينتين إذا تعارضتا في أصل الملك من حيث الظاهر فإن أمكن ترجيح إحداهما على الأخرى يعمل بالراجح لأن البينة حجة من حجج الشرع والراجح ملحق بالمتيقن في أحكام الشرع وإن تعذر الترجيح فإن أمكن العمل بكل واحدة منهما من كل وجه وجب العمل به وإن تعذر العمل بهما من كل وجه وأمكن العمل بهما من وجه وجب العمل بهما لأن العمل بالدليلين واجب بقدر الإمكان وإن تعذر العمل بهما أصلا سقط اعتبارهما والتحقا بالعدم إذ لا حجة مع المعارضة كما لا حجة مع المنا ( ( ( المناقضة ) ) ) وجملة الكلام في هذا الفصل أن الدعوى ثلاثة أنواع دعوى الملك ودعوى اليد ودعوى الحق وزاد محمد مسائل الدعوى على دعوى الملك واليد والنسب أما دعوى الملك فلا تخلو إما أن تكون من الخارج على ذي اليد وإما أن تكون من الخارجين على ذي اليد وإما أن تكون من صاحبي اليد أحدهما على الآخر فإن كانت الدعوى من الخارج على ذي اليد دعوى الملك وأقاما البينة فلا تخلو ( ( ( يخلو ) ) ) إما إن قامت البينتان على ملك مطلق عن الوقت وإما إن قامتا على ملك مؤقت وأما إن قامت إحداهما على ملك مطلق والأخرى على ملك مؤقت وكل ذلك لا يخلو إما إن كانت بسبب وإما إن كانت بغير سبب فإن قامتا على ملك مطلق عن الوقت فبينة الخارج أولى عندنا وعند الشافعي رحمه الله بينة ذي اليد أولى وجه قوله أن البينتين تعارضتا من حيث الظاهر وترجحت بينة ذي اليد باليد فكان العمل بها أولى ولهذا عمل ببينته في دعوى النكاح
ولنا أن البينة حجة المدعي لقوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي وذو اليد ليس بمدع فلا تكون البينة حجته والدليل على أنه ليس بمدع ما ذكرنا من تحديد المدعي أنه اسم لمن يخبر عما في يد غيره لنفسه والموصوف بهذه الصفة هو الخارج لا ذو اليد لأنه يخبر عما في يد نفسه لنفسه فلم يكن مدعيا فالتحقت بينته ( ( ( ببينته ) ) ) بالعدم فبقيت بينة الخارج بلا معارض فوجب العمل بها ولأن بينة الخارج أظهرت له سبق الملك فكان القضاء بها أولى كما إذا وقتت البينتان نصا ووقتت بينة الخارج دلالة ودلالة الوصف أنها أظهرت له سبق اليد لأنهم شهدوا له بالملك المطلق ولا تحل لهم الشهادة بالملك المطلق إلا بعلمهم به ولا يحصل العلم بالملك إلا بعد العلم بدليل الملك ولا دليل على الملك المطلق سوى اليد فإذا شهدوا للخارج فقد أثبتوا كون المال في يده وكون المال في يد ذي اليد ظاهرا ثابت للحال فكانت يد الخارج سابقة على يده فكان ملكه سابقا ضرورة وإذا ثبت سبق الملك للخارج يقضى ببينته لأنه لما ثبت له الملك واليد في هذه العين في زمان سابق ولم يعرف لثالث فيها يد وملك علم أنها انتقلت من يده إليه فوجب إعادة يده ورد المال إليه حتى يقيم صاحب اليد الآخر الحجة أنه بأي طريق انتقل إليه كما إذا عاين القاضي كون المال في يد إنسان ويدعيه لنفسه ثم رآه في يد غيره فإنه يأمره بالرد إليه إذا ادعاه ذلك الرجل إلى أن يبين سببا صالحا للانتقال إليه وكذا إذا أقر المدعى عليه أن هذا المال كان في يد المدعي فإنه يؤمر بالرد إليه إلى أن يبين بالحجة طريقا صالحا للانتقال إليه كذلك هذا وصار كما إذا أرخا نصا وتاريخ أحدهما أسبق لأن هذا تاريخ من حيث المعنى بخلاف النتاج لأن هناك لم يثبت سبق الخارج لانعدام تصور السبق والتأخير فيه لأن النتاج مما لا يحتمل التكرار فيطلب الترجيح من وجه آخر فتترجح بينة صاحب اليد باليد وهنا بخلافه هذا إذا قامت البينتان على ملك مطلق عن الوقت من غير سبب فأما إذا قامتا على ملك موقت من غير سبب فإن استوى الوقتان يقضى للخارج لأنه بطل اعتبار الوقتين للتعارض فبقي دعوى ملك مطلق وإن كان أحدهما أسبق من الآخر يقضى للأسبق وقتا أيهما كان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهما ( ( ( رحمهم ) ) ) الله تعالى وروى ابن سماعة عن محمد أنه رجع عن هذا القول عند رجوعه من الرقة وقال لا تقبل من صاحب اليد بينة على وقت وغيره إلا في النتاج والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن بينة صاحب الوقت الأسبق أظهرت الملك له في وقت لا ينازعه فيه أحد فيدفع المدعي إلى أن يثبت بالدليل سببا للانتقال عنه إلى غيره وإن أقامت إحداهما على ملك مطلق والأخرى على ملك موقت من غير سبب لا عبرة للوقت عندهما ويقضى للخارج وعند أبي يوسف يقضى لصاحب الوقت أيهما كان وروي عن أبي حنيفة رحمه الله مثله وجه قول أبي يوسف أن بينة صاحب الوقت أظهرت الملك له في وقت خاص لا يعارضها فيه بينة مدعي الملك المطلق بيقين بل تحتمل المعارضة وعدمها لأن الملك المطلق لا يتعارض للوقت فلا تثبت المعارضة بالشك ولهذا لو ادعى كل واحد من الخارجين على ثالث وأقام كل واحد منهما البينة أنه اشتراه من رجل واحد ووقتت بينة أحدهما وأطلقت الأخرى أنه يقضى لصاحب الوقت كذا هذا
ولهما أن الملك احتمل السبق والتأخير لأن الملك المطلق يحتمل التأخير والسبق لجواز أن صاحب البينة المطلقة لو وقتت بينته كان وقتها أسبق فوقع الاحتمال في سبق الملك الموقت فسقط اعتبار الوقت فبقي دعوى مطلق الملك فيقضى للخارج بخلاف الخارجين إذا ادعيا الشراء من رجل واحد لأن البائع إذا كان واحدا فقد اتفقا على تلقي الملك منه ببيعه وأنه أمر حادث وقد ظهر بالتاريخ أن شراء صاحب الوقت أسبق ولا تاريخ مع الآخر وشراؤه أمر حادث ولا يعلم تاريخه فكان صاحب التاريخ أولى هذا إذا قامت البينتان من الخارج وذي اليد على ملك مطلق أو موقت من غير سبب فأما إذا كان في دعوى ذلك بسبب فإن كان السبب هو الإرث فكذلك الجواب حتى لو قامت البينتان على ملك مطلق بسبب الإرث بأن أقام كل واحد منهما البينة على أنه ملكه مات أبوه وتركه ميراثا له يقضى للخارج بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله وكذلك إن قامتا على ملك موقت واستوى الوقتان لأنه سقط اعتبار الوقتين للتعارض فبقي دعوى مطلق الملك وإن كان أحدهما أسبق من الآخر يقضى لأسبقهما وقتا أيهما كان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد الأول وفي قول محمد الآخر يقضى للخارج لأن دعوى الإرث دعوى ملك الميت فكل واحدة من البينتين أظهرت ملك الميت لكن قام الوارث مقام الميت في ملك الميت فكأن الوارثين ادعيا ملكا مطلقا أو موقعا ( ( ( موقتا ) ) ) من غير سبب وهناك الجواب هكذا في الفصول كلها من الاتفاق والاختلاف إلا في فصل واحد وهو ما إذا قامت إحدى البينتين على ملك مطلق والأخرى على ملك موقت فإن هنا يقضى للخارج بالاتفاق ولا عبرة للوقت كما لا عبرة له في دعوى المورثين وهذا على أصل أبي حنيفة ومحمد يطرد على أصل أبي يوسف فيشكل وإن كان السبب هو الشراء بأن ادعى الخارج أنه اشترى هذه الدار من صاحب اليد بألف درهم ونقده الثمن وادعى صاحب اليد أنه اشتراها من الخارج ونقده الثمن وأقام كل واحد منهما البينة على ذلك فإن أقاما البينة على الشراء من غير وقت ولا قبض لا تقبل البينتان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ولا يجب لواحد منهما على صاحبه شيء ويترك المدعي في يد ذي اليد وعند محمد يقضى بالبينتين ويؤمر بتسليم المدعي إلى الخارج وجه قول محمد أن التوفيق بين الدليلين واجب بقدر الإمكان وأمكن التوفيق هنا بين البينتين بتصحيح العقدين بأن يجعل كأن صاحب اليد اشتراه أولا من الخارج وقبضه ثم اشتراه الخارج من صاحب اليد ولم يقبضه حتى باعه من صاحب اليد فيوجد العقدان على الصحة لكن بتقدير تاريخ وقبض وفي هذا التقدير تصحيح العقدين فوجب القول به ولا وجه للقول بالعكس من ذلك بأن يجعل كأن الخارج اشترى أولا من صاحب اليد ولم يقبضه حتى باعه من صاحب اليد لأن في هذا التقدير إفساد العقد الأخير لأنه بيع العقار المبيع قبل القبض وأنه غير جائز عنده فتعين تصحيح العقدين بالتقدير الذي قلنا وإذا صح العقدان يبقى المشتري في يد صاحب اليد فيؤمر بالتسليم إلى الخارج
وجه قول أبي يوسف وأبي حنيفة إن كل مشتري ( ( ( مشتر ) ) ) يكون مقرا بكون البيع ملكا للبائع فكان دعوى الشراء من كل واحد منهما إقرارا بملك المبيع لصاحبه فكأن البينتان قائمتين على إقرار كل واحد منهما بالملك لصاحبه وبين موجبي الإقرارين تناف فتعذر العمل بالبينتين أصلا وإن وقت ( ( ( وقتت ) ) ) البينتان ووقت الخارج أسبق فإذا لم يذكروا قبضا يقضى بالدار لصاحب اليد عندهما وعند محمد يقضى للخارج لأن وقت الخارج إذا كان أسبق جعل كأنه اشترى الدار أولا ولم يقبضها حتى باعها من صاحب اليد عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد يقضى للخارج لأن وقت الخارج إذا كان أسبق جعل كأنه اشترى الدار أولا ولم يقبضها حتى باعها من صاحب اليد وبيع العقار قبل القبض لا يجوز عند محمد وإذا لم يجز بقي على ملك الخارج وعندهما ذلك جائز فصح البيعان ولو ذكروا القبض جاز البيعان ويقضى بالدار لصاحب اليد بالإجماع لأن بيع العقار بعد القبض جائز بلا خلاف فيجوز البيعان وأما إذا كان وقت صاحب اليد أسبق ولم يذكروا قبضا يقضى بها للخارج لأنه إذا كان وقته أسبق يجعل سابقا في الشراء كأنه اشترى من الخارج وقبض ثم اشترى منه الخارج ولم يقبض فيؤمر بالدفع إليه وكذلك إن ذكروا قبضا لأنه يقدر كأنه اشترى من صاحب اليد أولا وقبض ثم اشترى الخارج منه وقبض ثم عادت إلى يد صاحب اليد بوجه آخر وإن كان السبب هو النتاج وهو الولادة في الملك فنقول لا يخلو إما إن قامت البينتان على النتاج وإما إن قامت إحداهما على النتاج والأخرى على الملك المطلق فإن قامت البينتان على النتاج فلا يخلو إما إن كانت البينتان مطلقتين عن الوقت وإما إن وقتا وقتا فإن لم يوقتا وقتا يقضى لصاحب اليد لأن البينة القائمة على النتاج قائمة على أولية الملك وقد استوت البينتان في إظهار الأولية فتترجح بينة صاحب اليد باليد فيقضى ببينته وقد روي عن جابر رضي الله عنه أن رجلا ادعى بين يدي رسول الله نتاج ناقة في يد رجل وأقام البينة عليه وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك فقضى رسول الله بالناقة لصاحب اليد وهذا ظاهر مذهب أصحابنا وقال عيسى بن أبان من أصحابنا أنه لا يقضى لصاحب اليد بل تتهاتر البينتان ويترك المدعى في يد صاحب اليد قضاء ترك وهذا خلاف مذهب أصحابنا فإنه نص على لفظة القضاء والترك في يد صاحب اليد لا يكون قضاء حقيقة وكذا في الحديث الذي رويناه عن النبي أنه قضى بذلك لصاحب اليد وكذلك في دعوى النتاج من الخارجين على ثالث يقضى بينهما نصفين ولا يترك في يد صاحب اليد دل أن ما ذكره خلاف مذهب أصحابنا ولو أقام أحدهما البينة على النتاج والآخر على الملك المطلق عن النتاج فبينة النتاج أولى لما قلنا أنها قامت على أولية الملك لصاحبه فلا تثبت لغيره إلا بالتلقي منه وأما إن وقتت البينتان فإن اتفق الوقتان فكذلك السقوط اعتبارهما للتعارض فبقي دعوى الملك المطلق وإن اختلفا بحكم سن الدابة فتقضى لصاحب الوقت الذي وافقه السن لأنه ظهر أن البينة الأخرى كاذبة بيقين هذا إذا علم سنها فأما إذا أشكل سقط اعتبار التاريخ لأنه يحتمل أن يكون سنها موافقا لهذا الوقت ويحتمل أن يكون موافقا لذلك الوقت ويحتمل أن يكون مخالفا لهما جميعا فيسقط اعتبارهما كأنهما سكتا عن التاريخ أصلا وإن خالف سنها الوقتين جميعا سقط الوقت كذا ذكره في ظاهر الرواية لأنه ظهر بطلان التوقيت فكأنهما لم يوقتا فبقيت البينتان قائمتين على مطلق الملك من غير توقيت وذكر الحاكم في مختصره أن في رواية أبي الليث تتهاتر البينتان قال وهو الصحيح ووجهه أن سن الدابة إذا خالف الوقتين فقد تيقنا بكذب البينتين فالتحقتا بالعدم فيترك المدعى في يد صاحب اليد كما كان
والجواب أن مخالفة السن الوقتين يوجب كذب الوقتين لا كذب البينتين أصلا ورأسا وكذلك لو اختلفا في جارية فقال الخارج إنها ولدت في ملكي من أمتي هذه وقال صاحب اليد كذلك يقضى لصاحب اليد لما قلنا وكذلك لو اختلفا في الصوف والمرعزي وأقام كل واحد منهما بينة ( ( ( البينة ) ) ) أنه له جزه في ملكه يقضى لصاحب اليد وكذلك لو اختلفا في الغزل وأقام كل واحد منهما البينة أنه له غزله من قطن هو له يقضى لصاحب اليد والأصل أن المنازعة إذا وقعت في سبب ملك لا يحتمل التكرار كان بمنزلة النتاج فيقضى لصاحب اليد فإذا وقعت في سبب ملك يحتمل التكرار لا يكون في معنى النتاج ويقضى للخارج وإن أشكل الأمر في الملك أنه يحتمل التكرار أو لا يقضى للخارج أيضا فعلى هذا إذا اختلفا في اللبن فأقام كل واحد منهما البينة أنه له حلب في يده وفي ملكه يقضى لصاحب اليد لأن اللبن الواحد لا يحتمل الحلب مرتين فكان في معنى النتاج وكذلك لو ادعى كل واحد منهما أن الشاة التي حلب منها اللبن نتجت عنده يقضى لصاحب اليد بالشاة واللبن جميعا وكذلك لو اختلفا في جبن وأقام كل واحد منهما البينة أنه له صنعه في ملكه يقضى لصاحب اليد لأن اللبن الواحد لا يحتمل أن يصنع جبنا مرتين فكان بمنزلة النتاج ولو اختلفا في الأرض والنخل وادعى كل واحد منهما أنه أرضه غرس النخل فيها يقضى بها للخارج لأن هذا ليس في معنى النتاج لأن النتاج سبب لملك الولد والغرس ليس بسبب الملك ( ( ( لملك ) ) ) الأرض وكذا الغرس مما يحتمل التكرار فلم يكن في معنى النتاج وكذلك لو اختلفا في الحبوب النابتة والقطن النابت ( ( ( الثابت ) ) ) ادعى كل واحد منهما أنه له زرعه في أرضه فإنه يقضى بالأرض والحب والقطن للخارج وكذلك لو اختلفا في البناء ادعى كل واحد منهما أنه بنى على أرضه لما قلنا ولو اختلفا في حلي مصوغ ادعى كل واحد منهما أنه صاغه في ملكه يقضى للخارج لأن الصياغة تحتمل التكرار فلم تكن في معنى النتاج ولو اختلفا في ثوب خز أو شعر وأقام كل واحد منهما البينة أنه له نسجه في ملكه فإن علم أن ذلك لا ينسج إلا مرة واحدة يقضى لصاحب اليد لأنه بمنزلة النتاج وإن علم أنه ينسج مرتين يقضى للخارج وكذا إن كان مشكلا وكذلك لو اختلفا في سيف مطبوع وادعى كل واحد منهما أنه طبع في ملكه يرجع في هذا إلى أهل العلم بذلك ولو اختلفا في جارية وأقام كل واحد منهما البينة أن أمها أمته وأنها ولدت هذه في ملكه يقضى بالجارية وبأمها للخارج لأن هذا ليس دعوى النتاج بل هو دعوى الملك المطلق وهو ملك الأم والبينة بينة الخارج في الملك المطلق فيقضى بالأم للخارج ثم يملك الولد بملك الأم وكذلك لو اختلفا في الشاة مع الصوف وأقام كل واحد منهما البينة أن هذه الشاة مملوكة له وأن هذا صوف هذه الشاة يقضى بالشاة والصوف للخارج لما قلنا شاتان إحداهما بيضاء والأخرى سوداء وهما في يد رجل فأقام الخارج البينة على أن الشاة البيضاء شاته ولدتها السوداء في ملكه وأقام صاحب اليد البينة على أن السوداء شاته ولدتها البيضاء في ملكه يقضى لكل واحد منهما بالشاة التي شهدت شهوده إنها ولدت في ملكه فيقضى للخارج بالبيضاء ولصاحب اليد بالسوداء لأن بينة الخارج قامت على النتاج في البيضاء وبينة ذي اليد قامت فيها على ملك مطلق فبينة النتاج أولى كذا بينة ذي اليد قامت على النتاج في السوداء وبينة الخارج فيها قامت على ملك مطلق فبينة النتاج أولى ولو اختلفا في اللبن الذي صنع منه الجبن فأقام كل واحد منهما البينة أن اللبن الذي صنع منه الجبن في ملكه فيقضى للخارج لأن البينة القائمة على ملك اللبن قائمة على ملك مطلق لا على أولية الملك فبينة الخارج أولى من دعوى الملك المطلق
ولو ادعى عبدا في يد إنسان أنه اشتراه من فلان وإنه ولد في ملك الذي اشتراه منه وأقام ذو اليد البينة أنه اشتراه من رجل آخر وأنه ولد في ملكه يقضى لصاحب اليد لأن دعوى الولادة في ملك بائعه بمنزلة دعوى الولادة في ملكه لأنه تلقى الملك من جهته وهناك يقضى له كذا هذا وكذلك لو ادعى ميراثا أو هبة أو صدقة أو وصية وإنه ولد في ملك المورث والواهب والموصي فإنه يقضى لصاحب اليد لما قلنا ولو ادعى الخارج مع ذي اليد كل واحد منهما النتاج فقضى لصاحب اليد ثم جاء رجل وادعى النتاج وأقام البينة عليه يقضى له إلا أن يعيد صاحب اليد البينة على النتاج فيكون هو أولى لأن القضاء على المدعي الأول لا يكون قضاء على المدعي الثاني فلم يكن الثاني مقضيا عليه فتسمع البينة منه فرق بين الملك وبين العتق أن القضاء بالعتق على شخص واحد يكون قضاء على الناس كافة والقضاء بالملك على شخص واحد لا يكون قضاء على غيره وإن كانت بينة النتاج توجب الملك بصفة الأولية وإنه لا يحتمل التكرار كالعتق ووجه الفرق أن العتق حق الله تعالى ألا ترى أن العبد لا يقدر على إبطاله حتى لا يجوز استرقاق الحر برضاه ولو كان حق العبد لقدر على إبطاله كالرق وإذا كان حق الله تعالى فالناس في إثبات حقوقه خصوم عنه بطريق النيابة لكونهم عبيده فكان حضرة الواحد كحضرة الكل والقضاء على الواحد قضاء على الكل لاستوائهم في العبودية كالورثة لما قاموا مقام الميت في إثبات حقوقه والدفع عنه لكونهم خلفاءه فقام الواحد منهم مقام الكل لاستوائهم في الخلافة بخلاف الملك فإنه خالص حق العبد فالحاضر فيه لا ينتصب خصما عن الغائب إلا بالإنابة حقيقة أو بثبوت النيابة عنه شرعا واتصال بين الحاضر والغائب فيما وقع فيه الدعوى على ما عرف ولم يوجد شيء من ذلك فالقضاء على غيره يكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وهذا لا يجوز ولو شهد الشهود أن هذه الحنطة من زرع حصد من أرض هذا الرجل لم يكن لصاحب الأرض أن يأخذها لأنه يحتمل أن يكون البذر لغيره وملك الزرع يتبع ملك البذر لا ملك البذر لا ملك الأرض ألا ترى أن الأرض المغصوبة إذا زرعها الغاصب من بذر نفسه كانت الحنطة له ولو شهدوا أن هذه الحنطة من زرع هذا أو هذا التمر من نخل هذا يقضى له لأن ملك الحنطة والتمر يتبع ملك الزرع والنخل ولو قالوا هذه الحنطة من زرع كان من أرضه لم يقض له لأنهم لو شهدوا أنه حصد من أرضه لم يقض له فهذا أولى ولو شهدوا أن هذا اللبن وهذا الصوف حلاب شاته وصوف شاته لم يقض له لجواز أن تكون الشاة له وحلابها وصوفها لغيره بأن أوصى بذلك لغيره هذا الذي ذكرنا كله في دعوى الخارج الملك فأما دعوى الخارجين على ذي اليد الملك فنقول لا تخلو في الأصل من أحد وجهين أما أن يدعي كل واحد منهما قدر ما يدعي الآخر وأما أن يدعي أكثر مما يدعي الآخر فإن ادعى كل واحد منهما قدر ما يدعي الآخر فهو على التفصيل الذي ذكرنا أيضا وهو أن البينتين أما إن قامتا على ملك مطلق عن الوقت وأما إن قامتا على ملك موقت وأما إن قامت إحداهما على ملك مطلق والأخرى على ملك موقت وكل ذلك بسبب أو بغير سبب فإن قامت البينتان على ملك مطلق من غير سبب فإنه يقضى بالمدعى بينهما نصفان ( ( ( نصفين ) ) ) عند أصحابنا وللشافعي رحمه الله قولان في قول تتهاتر البينتان ويترك المدعى في يد صاحب اليد وفي قول يقرع بينهما فيقضى لمن خرجت له القرعة منهما
وجه قول الشافعي رحمه الله أن العمل بالبينتين متعذر لتناف بين موجبهما لاستحالة كون العين الواحدة مملوكة لاثنين على الكمال في زمان واحد فيبطلان جميعا إذ ليس العمل بإحداهما أولى من العمل بالأخرى لاستوائهما في القوة أو ترجح إحداهما بالقرعة لورود الشرع بالقرعة في الجملة ولنا أن البينة دليل من أدلة الشرع والعمل بالدليلين واجب بالقدر الممكن فإن أمكن العمل بهما من كل وجه يعمل بهما من كل وجه وإن لم يمكن العمل بهما من كل وجه يعمل بهما من وجه كما في سائر دلائل الشرع من ظواهر الكتاب والسنن المشهورة وأخبار الآحاد والأقيسة الشرعية إذا تعارضت وهنا إن تعذر العمل بالبينتين بإظهار الملك في كل المحل أمكن العمل بهما بإظهار الملك في النصف فيقضى لكل واحد منهما بالنصف ولو قامتا على ملك موقت من غير سبب فإن استوى الوقتان فكذلك الجواب لأنه إذا لم يثبت سبق أحدهما بحكم التعارض سقط التاريخ والتحق بالعدم فبقي دعوى الملك المطلق وإن كان وقت أحدهما أسبق من الآخر فالأسبق أولى بالإجماع ولا يجيء هنا خلاف محمد رحمه الله لأن البينة من الخارج مسموعة بلا خلاف والبينتان قامتا من الخارجين فكانتا مسموعتين ثم ترجح إحداهما بالتاريخ لأنها أثبتت الملك في وقت لا تعارضها فيه الأخرى فيؤمر بالدفع إليه إلى أن يقوم الدليل على أنه بأي طريق انتقل إليه الملك وإن أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى من غير سبب يقضى بينهما نصفين عند أبي حنيفة ولا عبرة للتاريخ وعند أبي يوسف يقضى لصاحب الوقت وعند محمد يقضى لصاحب الإطلاق وجه قول محمد أن البينة القائمة على الملك المطلق أقوى لأن الملك المطلق ملكه من الأصل حكما ألا ترى أنه يظهر في الزوائد وتستحق به الأولاد والأكساب وهذا حكم ظهور الملك من الأصل ولا يستحق ذلك بالملك الموقت فكانت البينة القائمة عليه أقوى فكان القضاء بها أولى وجه قول أبي يوسف رحمه الله ما ذكرنا أن البينة المؤرخة تظهر الملك في زمان لا تعارضها فيه البينة المطلقة عن التاريخ بيقين بل تحتمل المعارضة وعدمها فلا تثبت المعارضة بالشك فتثبت بينة صاحب التاريخ بلا معارض فكان صاحب التاريخ أولى وجه قول أبي حنيفة رحمه الله ما مر أيضا أن الملك الموقت يحتمل أن يكون سابقا ويحتمل أن يكون متأخرا لاحتمال أن صاحب الإطلاق لو أرخ لكان تاريخه أقدم يثبت السبق مع الاحتمال فسقط اعتبار التاريخ فبقي دعوى الملك المطلق هذا إذا قامت البينتان من الخارجين على ذي اليد على الملك من غير سبب فإن كان ذلك بسبب فنقول لا يخلو إما إن ادعيا الملك بسبب واحد من الإرث أو الشراء أو النتاج ونحوها وإما إن ادعياه بسببين فإن ادعيا الملك بسبب واحد فإن كان السبب هو الإرث فإن لم توقت البينتان فهو بينهما نصفان لما ذكرنا أن الملك الموروث هو ملك الميت بعد موته وإنما الوارث يخلفه ويقوم مقامه في ملكه ألا ترى أنه يجهز من التركة ويقضى منها ديونه ويرد الوارث بالعيب ويرد عليه فكأن المورثين حضرا وادعيا ملكا مطلقا عن الوقت وإن وقتا وقتا فإن كان وقتهما واحدا فكذلك لما مر وإن كان أحد الوقتين أسبق يقضى لمن هو أسبق وقتا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد رحمه الله يقضى بينهما نصفين ولا عبرة للتاريخ عنده في الميراث لما مر أن الموروث ملك الميت والوارث قام مقامه فلم يكن الموت تاريخا لملك الوارث فسقط التاريخ لملكه والتحق بالعدم فبقي دعوى الملك المطلق عن التاريخ فيستويان فيه وعن محمد أنهما إن لم يؤرخا ملك الميتين فكذلك فأما إذا أرخا ملك الميتين فيقضى لأسبقهما تاريخا ذكره في نوادر هشام وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يقولان بل الوارث بإقامة البينة يظهر الملك للمورث لا لنفسه فيصير كأنه حضر المورثان وأقام كل واحد منهما بينة مؤرخة وتاريخ أحدهما أسبق ولو كان كذلك لقضي لأسبقهما وقتا لإثباته الملك في وقت لا تعارضه فيه بينة الآخر كذا هذا
ولو وقتت إحداهما ولم توقت الأخرى يقضى بينهما نصفان ( ( ( نصفين ) ) ) بالإجماع أما عند محمد فإن التاريخ في باب الميراث ساقط فالتحق بالعدم وأما عندهما فيصير كأن المورثين الخارجين حضرا وادعيا ملكا فأرخه أحدهما ولم يؤرخه الآخر وهناك كان المدعى بينهما نصفين فكذا هنا لأنهما ادعيا تلقي الملك من رجلين ولا عبرة فيه بالتاريخ وإن كان السبب هو الشراء فنقول لا تخلو إما أن تكون الدار في يد ثالث وإما أن تكون في يد أحدهما وكل ذلك لا يخلو إما إن ادعيا الشراء من واحد وأما إن ادعياه من اثنين فإن كانت في يد ثالث وادعيا الشراء من واحد فإن كان صاحب اليد وأقاما البينة على الشراء منه بثمن معلوم ونقد الثمن مطلقا عن التاريخ وذكر القبض يقضى بينهما نصفين عندنا وللشافعي فيه قولان في قول تتهاتر البينتان وفي قول يقرع بينهما فيقضى لمن خرجت له القرعة وهي مسألة التهاتر وقد تقدمت وإذا قضي بالدار بينهما نصفين يكون لهما الخيار ان شاء أخذ كل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن وإن شاء نقض لأن غرض كل واحد منهما من الشراء الوصول إلى جميع المبيع ولم يحصل فأوجب ذلك خللا في الرضا فلذلك أثبت لهما الخيار فإن اختار كل واحد منهما أخذ نصف الدار رجع على البائع بنصف الثمن لأنه لم يحصل له إلا نصف المبيع وإن اختار الرد رجع كل واحد منهما بجميع الثمن لأنه انفسخ البيع فإن اختار أحدهما الرد والآخر الأخذ فإن كان ذلك بعد قضاء القاضي وتخييره إياهما فليس له أن يأخذ إلا النصف بنصف الثمن لأن حكم القاضي بذلك أوجب انفساخ العقد في حق كل واحد منهما في النصف فلا يعود إلا بالتحديد كما إذا قضى القاضي بالدار المشفوعة للشفيعين ثم سلم أحدهما الشفعة لا يكون لصاحبه إلا نصف الدار فأما إذا اختار أحدهما ترك الخصومة قبل تخيير القاضي فللآخر أن يأخذ جميع المبيع بجميع الثمن لأن المستحق بالعقد كل البيع والامتناع بحكم المزاحمة فإذا انقطعت فقد زال المانع كأحد الشفيعين إذا سلم الشفعة قبل قضاء القاضي بالدار المشفوعة يقضى لصاحبه بالكل وكذلك إذا ادعى كل واحد منهما الشراء من رجل آخر سوى صاحب اليد وأقام البينة على ذلك يقضى بالدار بينهما نصفين عندنا وثبت الخيار لكل واحد منهما والكلام في توابع الخيار على نحو ما بينا غيرأن هناك الشهادة القائمة على الشراء من صاحب اليد وهو البائع تقبل من غير ذكر الملك له والشهادة القائمة على الشراء من غير صاحب اليد لا تقبل إلا بذكر الملك للبائع لأن المبيع في الفصل الأول في يد البائع واليد دليل الملك فوقع ( ( ( فوقعت ) ) ) الغنية عن ذكره وفي الفضل ( ( ( الفصل ) ) ) الثاني المبيع ليس في يد البائع فدعت الحاجة إلى ذكره لصحة البيع هذا إذا لم تؤرخ البينتان فأما إذا أرختا فإن استوى التاريخان فكذلك لسقوط اعتبارهما بالتعارض فبقي دعوى مطلق الشراء وإن كانت إحداهما أسبق تاريخا كانت أولى بالإجماع لأنها تظهر الملك في وقت لا تعارضها فيه الأخرى فتندفع بها الأخرى ولو أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى فالمؤرخة أولى لأنها تظهر الملك في زمان معين والأخرى لا تتعرض للوقت فتحتمل السبق والتأخير فلا تعارضها مع الشك والاحتمال ولو لم تؤرخ البينتان ولكن ذكرت إحداهما القبض فهي أولى لأنها لما أثبتت قبض المبيع جعل كأن بيع صاحب القبض أسبق فيكون أولى وكذلك لو ذكرت احداهما تاريخا والأخرى قبضا فبينة القبض أولى إلا أن تشهد بينة التاريخ أن شراءه قبل شراء الآخر فيقضى له ويرجع الآخر بالثمن على البائع وكذا لو أرخا تاريخا واحدا وذكرت إحداهما القبض فبينة القبض أولى إلا إذا كان وقت الأخر أسبق
هذا إذا ادعيا الشراء من واحد وهو صاحب اليد أو غيره فأما إذا ادعيا الشراء من اثنين سوى صاحب اليد مطلقا عن الوقت وأقاما البينة على ذلك يقضى بينهما نصفين لأنهما ادعيا تلقي الملك من البائعين فقاما مقامهما فصار كأن البائعين الخارجين حضرا وأقاما البينة على ملك مطلق ولو كان كذلك ( ( ( كذاك ) ) ) يقضى بينهما نصفين كذا هذا ويثبت لهما الخيار والكلام في الخيار على نحو ما ذكرنا ولو وقتت البينتان فإن كان وقتهما واحدا فكذلك وإن كان أحدهما أسبق من الأخر فالأسبق تاريخا أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف وكذا عند محمد في رواية الأصول بخلاف الميراث أنه يكون بينهما نصفان عنده ووجه الفرق له ذكره الداري وهو أن المشتري يثبت الملك لنفسه والوارث يثبت الملك للميت وعن محمد في الإملاء أنه سوى بين الميراث والشراء وقال لا عبرة بالتاريخ في الشراء أيضا إلا أن يؤرخا ملك البائعين وإن وقتت إحداهما ولم توقت الأخرى يقضى بينهما نصفين ولا عبرة للتاريخ أيضا فرق بين هذا وبين ما إذا ادعيا الشراء من رجل واحد فوقتت بينة أحدهما وأطلقت الأخرى أن بينة الوقت أولى ووجه الفرق أنهما إذا ادعيا الشراء من اثنين فقد ادعيا تلقي الملك من البائعين فتاريخ إحدى البينتين لا يدل على سبق أحد الشراءين بل يجوز أن يكون شراء صاحبه أسبق من شرائه فلا يحكم بسبق أحدهما مع الاحتمال فيقسم بينهما نصفين بخلاف ما إذا ادعيا الشراء من واحد لأن هناك اتفقا على تلقي الملك من واحد فتاريخ إحدى البينتين أوجب تلقي الملك منه في زمان لا ينازعه فيه أحد فيؤمر بالدفع إليه حتى يقوم على التلقي منه دليل آخر هذا إذا كانت الدار في يد ثالث فإن كانت في يد أحدهما فإن ادعيا الشراء من واحد فصاحب اليد أولى سواء أرخ الآخر أو لم يؤرخ وسواء ذكر شهود القبض أو لم يذكر لأن القبض من صاحب اليد أقوى لثبوته حسا ومشاهدة وقبض الآخر لم يثبت إلا ببينة تحتمل الصدق والكذب فكان القبض المحسوس أولى فصار الحاصل أن القبض الثابت بالحس أولى من الثابت بالخبر ومن التاريخ أيضا والقبض الثابت بالخبر أولى من التاريخ وإن ادعيا الشراء من اثنين يقضى للخارج سواء وقتت البينات ( ( ( البينتان ) ) ) أو لا أو وقتت احداهما دون الأخرى إلا إذا وقتتا ووقت صاحب اليد أسبق لأنهما ادعيا تلقي الملك من البائعين فقاما مقام البائعين فصار كأن البائعين حضرا وأقاما البينة ولو كان كذلك يقضى للخارج كذا هذا بخلاف ما إذا كان البائع واحدا لأنهما اتفقا على أن الملك لهما بالشراء من جهته ولأحدهما يد فيجعل كأن شراء صاحب اليد أسبق وإن كان السبب هو النتاج بأن ادعي كل واحد من الخارجين أنها دابته نتجت عنده فإن أقام كل واحد منهما البينة على ملك مطلق يقضى بينهما نصفين لاستواء الحجتين وتعذر العمل بهما بإظهار الملك في كل المحل فليعمل بهما بالقدر الممكن وإن أقاما البينة على ملك مؤقت فإن اتفق الوقتان فكذلك وإن اختلفا يحكم سن الدابة إن علم وإن أشكل فعند أبي حنيفة يقضى لأسبقهما وقتا وعندهما يقضى بينهما وجه قولهما أن السن إذا أشكل يحتمل أن يكون موافقا لوقت هذا ويحتمل أن يكون موافقا لوقت ذاك فسقط اعتبار الوقت وصار كأنهما سكتا عن الوقت أصلا وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن وقوع الإشكال في السن يوجب سقوط اعتبار حكم السبق فبطل تحكيمه فبقي الحكم للوقت فالأسبق أولى وهذا يشكل بالخارج مع ذي اليد وإن خالف الوقتين جميعا فهو على ما ذكرنا في الخارج مع ذي اليد وإن أقام أحدهما البينة على النتاج والآخر على ملك مطلق فبينة النتاج أولى لما مر هذا إذا ادعى الخارجان الملك من واحد أو اثنين بسببين متفقين من الميراث والشراء والنتاج فإن كان بسببين مختلفين فنقول لا يخلو إما إن كان من اثنين وإما إن كان من واحد
فإن كان من اثنين يعمل بكل واحد من السببين بأن ادعى أحدهما أنه اشترى هذه الدابة من فلان وادعى الآخر أن فلانا آخر وهبها له وقبضها منه قضي بينهما نصفين لأنهما ادعيا تلقي الملك من البائع والواهب فقاما مقامهما كأنهما حضرا وادعيا وأقاما البينة على ملك مرسل وكذا لو ادعى ثالث ميراثا عن أبيه فإنه يقسم بينهم أثلاثا ولو ادعى رابع وصدقه يقسم بينهم أرباعا لما قلنا وإن كان ذلك من واحد ينظر إلى السببين فإن كان أحدهما أقوى يعمل به لأن العمل بالراجح واجب وإن استويا في القوة يعمل بهما بقدر الإمكان على ما هو سبيل دلائل الشرع بيان ذلك إذا أقام أحدهما البينة أنه اشترى هذه الدار من فلان ونقده الثمن وقبض الدار وأقام الآخر البينة أن فلانا ذاك وهبها له وقبضها يقضى لصاحب الشراء لأنه يفيد الحكم بنفسه والهبة لا تفيد الحكم إلا بالقبض فكان الشراء أولى وكذلك الشراء مع الصدقة والقبض لما قلنا وكذلك الشراء مع الرهن والقبض لأن الشراء يفيد ملك الرقبة والرهن يفيد ملك اليد وملك الرقبة أقوى ولو اجتمعت البينتان مع القبض يقضي بينهما نصفين لاستواء السببين وقيل هذا فيما لا يحتمل القسمة كالدابة والعبد ونحوهما فأما فيما يحتمل القسمة كالدار ونحوها فلا يقضى لهما بشيء على أصل أبي حنيفة رحمه الله في الهبة من رجلين لحصول معنى الشيوع وقيل لا فرق بين ما يحتمل القسمة وبين ما لا يحتملها هنا لأن هذا في معنى الشيوع الطارىء لقيام البينة على الكل وأنه لا يمنع الجواز وكذلك لو اجتمعت الصدقة مع القبض أو الهبة والصدقة مع القبض يقضى بينهما نصفين لاستواء السببين لكن هذا إذا لم يكن المدعى في يد أحدهما فإن كان يقضى لصاحب اليد بازجماع ( ( ( بالإجماع ) ) ) لما مر ولو اجتمع الرهن والهبة أو الرهن والصدقة فالقياس أن تكون الهبة أولى وكذا الصدقة لأن كل واحد منهما يفيد ملك الرقبة والرهن يفيد ملك اليد والحبس وملك الرقبة أقوى وفي الاستحسان الرهن أولى لأن المرهون عندنا مضمون بقدر الدين فأما الموهوب فليس بمضمون أصلا فكان الرهن أقوى ولو اجتمع النكاحان بأن ادعت امرأتان وأقامت كل واحدة منهما البينة على أنه تزوجها عليه يقضى بينهما نصفين لاستواء السببين ولو اجتمع النكاح مع الهبة أو الصدقة أو الرهن فالنكاح أولى لأنه عقد يفيد الحكم بنفسه فكان أقوى ولو اجتمع الشراء والنكاح فهو بينهما نصفان عند أبي يوسف وللمرأة نصف نصف القيمة على الزوج وعند محمد الشراء أولى وللمرأة القيمة على الزوج وجه قول محمد أن الشراء أقوى من النكاح بدليل أنه لا يصح البيع بدون تسمية الثمن ويصح النكاح بدون تسمية المهر وكذا لا تصح التسمية بدون الملك في البيع وتصح في باب النكاح كما لو تزوج على جارية غيره دل إن الشراء أقوى من النكاح وجه قول أبي يوسف إن النكاح مثل الشراء فإن كان ( ( ( كل ) ) ) واحد منهما معاوضة يفيد الحكم بنفسه هذا إذا ادعى كل واحد منهما قدر ما يدعي الآخر فأما إذا ادعى أحدهما أكثر مما يدعي الآخر بأن ادعى أحدهما كل الدار والآخر نصفها وأقاما البينة على ذلك فإنه يقضى لمدعي الكل بثلاثة أرباع الدار ولمدعي النصف بربعها عند أبي حنيفة وعندهما يقضى لمدعي الكل بثلثي الدار ولمدعي النصف بثلثها وإنما اختلف جوابهم لاختلافهم في طريق القسمة فتقسم عنده بطريق المنازعة وهما قسما بطريق العدل والمضاربة وتفسير القسمة بطريق المنازعة أن ينظر إلى القدر الذي وقع التنازع فيه فيجعل الجزء الذي خلا عن المنازعة سالما لمدعيه
وتفسير القسمة على طريق العدل والمضاربة أن تجمع السهام كلها في العين فتقسم بين الكل بالحصص فيضرب كل بسهمه كما في الميراث والديون المشتركة المتزاحمة والوصايا فلما كانت القسمة عند أبي حنيفة على طريق المنازعة تجب مراعاة محل النزاع فهنا يدعي أحدهما كل الدار والآخر لا ينازعه إلا في النصف فبقي النصف الآخر خاليا عن المنازعة فيسلم لمدعي الكل لأنه يدعي شيئا لا ينازعه فيه غيره ومن ادعى شيئا لا ينازعه فيه غيره يسلم له والنصف الآخر استوت فيه منازعتهما فيقضى بينهما نصفين فكانت القسمة أرباعا ثلاثة أرباع الدار لمدعي الكل وربعها لمدعي النصف ولما كانت القسمة عندهما على طريق المضاربة يقسم الثمن على مبلغ السهام فيضرب كل واحد بسهمه فهنا أحدهما يدعي كل الدار والآخر يدعي نصفها فيجعل أخسهما سهما فجعل نصف الدار بينهما وإذا جعل نصف الدار بينهما صار الكل سهمين فمدعي الكل يدعي سهمين ومدعي النصف يدعي سهما واحدا فيعطى هذا سهما وذاك سهمين فكانت الدار بينهما أثلاثا ثلثاها لمدعي الكل وثلثها لمدعي النصف والصحيح قسمة أبي حنيفة عليه الرحمة لأن الحاجة إلى القسمة لضرورة الدعوى والمنازعة ووقوع التعارض في الحجة ولا منازعة لمدعي الكل إلا في النصف فلا يتحقق التعارض إلا فيه فيسلم له ما وراءه لقيام الحجة عليه وخلوها عن المعارض فكان ما قاله أبو حنيفة عملا بالدليل بالقدر الممكن وأنه واجب هذا إذا كانت الدار في يد ثالث فإن كانت في أيديهما فبينة مدعي الكل أولى لأنه خارج لأنه يدعي على صاحبه النصف الذي في يده ومدعي النصف لا يدعي شيئا هو في يد صاحبه لأنه لا يدعي إلا النصف والنصف في يده فكان مدعي الكل خارجا ومدعي النصف صاحب يد فكانت بينة الخارج أولى فيقضى له بالنصف الذي في يد صاحبه ويترك النصف الذي في يده على حاله هذا إذا ادعى الخارجان شيئا في يد ثالث فأنكر الذي في يده فأقام البينة فإن لم يقم لهما بينة وطلبا يمين ( ( ( بيمين ) ) ) المنكر يحلف لكل واحد منهما فإن نكل لهما جميعا يقضى لهما بالنكول لأن النكول حجة عندنا فإن حلف لأحدهما ونكل للآخر يقضى للذي نكل لوجود الحجة في حقه وإن حلف لكل واحد منهما يترك المدعى في يده قضاء ترك لا قضاء استحقاق حتى لو قامت لهما بينة بعد ذلك تقبل بينتهما ويقضى لهما بخلاف ما إذا أقاما البينة وقضي بينهما نصفين ثم أقام صاحب اليد البينة على أنه ملكه أنه لا تقبل بينته وكذا إذا أقام أحد المدعين ( ( ( المدعيين ) ) ) البينة على النصف الذي استحقه صاحبه بعدما قضي بينهما نصفين لا تسمع بينته ووجه الفرق أن بالترك في يد المدعي عليه لم يكن كل واحد من المدعيين مقضيا عليه حقيقة فتسمع منهما البينة فأما صاحب اليد فقد صار مقضيا عليه حقيقة وكذا كل واحد من المدعيين بعدما قضى بينهما نصفين صار مقضيا عليه في النصف والبينة من المقضي عليه غير مسموعة إلا إذا ادعى التلقي من جهة المستحق أو ادعى النتاج وكذا لو ادعى بائع المقضي عليه أو بائع بائعه هكذا وأقام البينة لا تسمع دعواه ولا تقبل بينته لأن القضاء عليه قضاء على الباعة كلهم في حق بطلان الدعوى إن لم يكن قضاء عليهم في حق ولاية الرجوع بالثمن إلا إذا قضى القاضي لهذا المشتري بالرجوع على بائعه بالثمن فيرجع هذا البائع على بائعه أيضا هكذا فرق بين هذا وبين الحرية والأصلية ( ( ( الأصلية ) ) ) أن القضاء بالحرية قضاء على الناس كلهم في حق بطلان الدعوى وثبوت ولاية الرجوع بالثمن على الباعة
ووجه الفرق بين الملك والعتق على نحو ما ذكرنا من قبل هذا إذا أنكر الذي في يده فإن أقر به لأحدهما فنقول هذا لا يخلو من أحد وجهين إما إن كان قبل إقامة البينة وإما ان كان بعد إقامة البينة فإن أقر قبل إقامة البينة جاز إقراره ودفع إلى المقر له لأن المدعي في يده وملكه من حيث الظاهر فيملك التصرف فيه بالإقرار وغيره وإن أقر بعد إقامة البينة قبل التزكية لم يجز إقراره لأنه تضمن إبطال حق الغير وهو البينة فكان إقرارا على غيره فلا يصح في حق ذلك الغير ولكن يؤمر بالدفع إلى المقر له لأن إقراره في حق نفسه صحيح وكذا البينة قد لا تتصل بها التزكية فيؤمر بالدفع إلى المقر له في الحال فإذا زكيت البينتان يقضى بينهما نصفين لأنه تبين أن المدعى كان بنيهما ( ( ( بينهما ) ) ) نصفين فظهر إن إقرار ( ( ( إقراره ) ) ) كان إبطالا لحق الغير فلم يصح فالتحق بالعدم وإن أقر بعد إقامة البينة وبعد التزكية يقضى بينهما لما قلنا إن إقراره لم يصح فكان ملحقا بالعدم هذا كله إذا كانت الدعوى من الخارج على ذي اليد أو من الخارجين على ذي اليد فأما إذا كانت من صاحب ( ( ( صاحبي ) ) ) ليد ( ( ( اليد ) ) ) أحدهما على الآخر بأن كان المدعى في أيديهما فإن أقام أحدهما البينة أنه يقضى له بالنصف الذي في يد صاحبه والنصف الذي كان في يده ترك في يده وهو معنى قضاء الترك ولو أقام كل واحد منهما البينة أنه له يقضى لكل واحد منهما بالنصف الذي في يد صاحبه ولأن كل واحد منهما في ذلك النصف خارج ولو لم تقم لاحدهما بينة يترك في أيديهما قضاء ترك حتى لو قامت لاحدهما بعد ذلك بينة تقبل لأنه لم يصر مقضيا عليه حقيقة هذا إذا لم توقت البينتان فإن وقتا فإن اتفق الوقتان فكذلك وإن اختلفا فالأسبق أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وأما عند محمد فلا عبرة للوقت في بينة صاحب اليد فيكون بينهما نصفين وإن وقت إحداهما دون الأخرى يكون بينهما عند أبي حنيفة ومحمد والوقت ساقط وعند أبي يوسف هو لصاحب الوقت وقد مرت الحجج قبل هذا والله تعالى أعلم وأما حكم تعارض البينتين القائمتين على قدر الملك فالأصل فيه أن البينة المظهرة للزيادة أولى كما إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن فقال البائع بعتك هذا العبد بألفي درهم وقال المشتري اشتريته منك بألف درهم وأقاما البينة فإنه يقضى ببينة البائع لأنها تظهر زيادة ألف وكذا لو اختلفا في قدر المبيع فقال البائع بعتك هذا العبد بألف وقال المشتري اشتريت منك هذا العبد وهذه الجارية بألف وأقاما البينة يقضى ببينة المشتري لأنها تظهر زيادة وكذا لو اختلف الزوجان في قدر المهر فقال الزوج تزوجتك على ألف وقالت المرأة على ألفين وأقاما البينة يقضى ببينة المرأة لأنها تظهر فضلا ثم انما كانت بينة الزيادة أولى لأنه لا معارض لها في قدر الزيادة فيجب العمل بها في ذلك القدر لخلوها عن المعارض ولا يمكن إلا بالعمل في الباقي فيجب العمل بها في الباقي ضرورة وجوب العمل بها في الزيادة ولا يلزم على هذا الأصل ما إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر ثمن الدار المشفوعة فقال الشفيع اشتريتها بألف وقال المشتري بألفين وأقاما البينة أنه يقضى ببينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وإن كانت بينة المشتري تظهر الزيادة لأن البينة إنما تقبل من المدعي لأنها جعلت حجة المدعي في الأصل والمدعي هناك هو الشفيع لوجود حد المدعي فيه وهو أن يكون مخيرا في الخصومة بحيث لو تركها يترك ولا يجبر عليها فأما المشتري فمجبور على الخصومة
ألا ترى لو تركها لا يترك بل يجبر عليها فكان هو مدعى عليه والبينة حجة المدعي لا حجة المدعى عليه في الأصل لذلك قضي ببينة الشفيع لا ببينة المشتري بخلاف ما إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن لأن هناك البائع هو المدعي لأن المخير في الخصومة إن شاء خاصم وإن شاء لا وفيما إذا اختلفا في قدر المبيع المدعي هو المشتري ألا ترى لو ترك الخصومة يترك وكذا في باب النكاح المدعي في الحقيقة هو المرأة لما قلنا فهو الفرق ووجه آخر من الفرق ذكرناه في كتاب الشفعة وعلى هذا يخرج اختلاف المتبايعين في أجل الثمن في أصل الأجل أو في قدره وأقاما البينة أن البينة بينة المشتري لأنها تظهر الزيادة وكذا لو اختلفا في مضيه وأقاما البينة فالبينة بينة المشتري أنه لم يمض لأنها تظهر زيادة وعلى هذا يخرج اختلافهما في المسلم فيه في قدره أو جنسه أو صفته مع اتفاقهما على رأس المال وأقاما البينة بعد تفرقهما أن البينة بينة رب السلم ويقضى بسلم واحد بالإجماع لأنهما اتفقا على أن المسلم إليه لم يقبض إلا رأس مال واحد وإن اختلفا قبل التفرق فكذلك ويقضى بسلم واحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد تقبل البينتان جميعا ويقضى بسلمين وجه قول محمد أن كل واحد من البينتين قامت على عقد على حدة لاختلاف البدلين فيعمل بهما جميعا ويقضى بسلمين إذ لا تنافي بينهما ولهما أنهما اتفقا على عقد واحد وإنما اختلفا في قدر المعقود عليه قدرا أو جنسا أو صفة وبينة رب السلم تظهر زيادة فكانت أقوى ولو اختلفا في رأس المال في قدره أو جنسه أو صفته مع اتفاقهما على المسلم فيه فالبينة بينة المسلم إليه عندهما وعنده تقبل البينتان جميعا ويقضى بسلمين والحجج على نحو ما ذكرنا هذا إذا تصادقا أن رأس المال كان دينا فإن تصادقا أنه عين واختلفا في المسلم فيه فإن كان رأس المال عينا واحدة يقضى بسلم واحد كما إذا قال رب السلم أسلمت إليك هذا الثوب في كر حنطة وقال المسلم إليه في كر شعير فالبينة بينة رب السلم لأن رأس المال إذا كان عينا واحدة لا يمكن أن يجعل عقدين فيجعل عقدا واحدا وبينة رب السلم تظهر زيادة فكانت أولى بالقبول وإذا كان عينين بأن قال رب السلم أسلمت إليك هذا الفرس في كر حنطة وقال المسلم إليه هذا الثوب في كر شعير يقضي بسلمين بالإجماع لأنه يمكن أن يجعل عقدين فيجعل سلمين هذا كله إذا كانت الدعوى دعوى الملك فأما دعوى اليد بأن تنازع رجلان في شيء يدعيه كل واحد منهما أنه في يده فعلى كل واحد منهما البينة على اليد لقوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ولأن الملك واليد كل واحد منهما مقصود في نفسه فتقع الحاجة إلى إثبات كل واحد منهما بالبينة فإن أقاما جميعا البينة يقضى بكونه في أيديهما لاستوائهما في الحجة وإن أقام أحدهما البينة صار صاحب يد وصار مدعى عليه وإن لم تقم لأحدهما بينة فعلى كل واحد منهما اليمين لقوله عليه الصلاة والسلام واليمين على من أنكر وكل واحد منهما ينكر دعوى صاحب اليد فيحلف هذا كله إذا قامت البينتان على الملك أو على اليد فأما إذا قامت إحدى البينتين على الملك والأخرى على اليد فبينة الملك أولى نحو ما إذا أقام الخارج البينة على أن الدار له منذ سنتين وأقام ذو اليد البينة على أنها في يده منذ ثلاث سنين يقضى بها للخارج لأن البينة القائمة على الملك أقوى لأن اليد قد تكون محقة وقد تكون مبطلة كيد الغصب والسرقة واليد المحقة قد تكون يد ملك وقد تكون يد إعارة وإجارة فكانت محتملة فلا تصلح بينتها معارضة لبينة الملك