Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V07/P102

فإن كان من الصنف الأول والثاني فقال لا إله إلا الله يحكم بإسلامه لأن هؤلاء يمتنعون عن الشهادة أصلا فإذا أقروا بها كان دليل إيمانهم وكذلك إذا قال أشهد أن محمدا رسول الله لأنهم يمتنعون من كل واحدة من كلمتي الشهادة فكان الإتيان بواحدة ( ( ( بواحد ) ) ) منهما أيتهما كانت دلالة الإيمان وإن كان من الصنف الثالث فقال لا إله إلا الله لا يحكم بإسلامه لأن منكر الرسالة لا يمتنع عن هذه المقالة ولو قال أشهد أن محمدا رسول الله يحكم بإسلامه لأنه يمتنع عن هذه الشهادة فكان الإقرار بها دليل الإيمان وإن كان من الصنف الرابع فأتى بالشهادتين فقال لا إله إلا الله محمد رسول الله لا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ من الدين الدي ( ( ( الذي ) ) ) عليه من اليهودية أو النصرانية لأن من هؤلاء من يقر برسالة رسول الله لكنه يقول إنه بعث إلى العرب خاصة دون غيرهم فلا يكون إتيانه بالشهادتين بدون التبري ( ( ( التبرؤ ) ) ) دليلا على إيمانه وكذا إذا قال يهودي أو نصراني أنا مؤمن أو مسلم أو قال آمنت أو أسلمت لا يحكم بإسلامه لأنهم يدعون أنهم مؤمنون ومسلمون والإيمان والإسلام هو الذي هم عليه وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما ( ( ( رحمه ) ) ) الله أنه قال إذا قال اليهودي أو النصراني أنا مسلم أو قال أسلمت سئل عن ذلك أي شيء أردت به إن قال أردت به ترك اليهودية أو النصرانية والدخول في دين الإسلام يحكم بإسلامه حتى لو رجع عن ذلك كان مرتدا وإن قال أردت بقولي أسلمت إني على الحق ولم أرد بذلك الرجوع عن ديني لم يحكم بإسلامه ولو قال يهودي أو نصراني أشهد أن لا إله إلا الله وأتبرأ عن اليهودية أو النصرانية لا يحكم بإسلامه لأنهم لا يمتنعون عن كلمة التوحيد والتبري ( ( ( والتبرؤ ) ) ) عن اليهودية والنصرانية لا يكون دليل الدخول في دين الإسلام لاحتمال أنه تبرأ عن ذلك ودخل في دين آخر سوى دين الإسلام فلا يصلح التبري ( ( ( التبرؤ ) ) ) دليل الإيمان مع الاحتمال ولو أقر مع ذلك فقال دخلت في دين الإسلام أو في دين محمد حكم بالإسلام لزوال الاحتمال بهذه القرينة والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان ما يحكم به بكونه مؤمنا من طريق الدلالة فنحو أن يصلي كتابي أو واحد من أهل الشرك في جماعة ويحكم بإسلامه عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يحكم بإسلامه ولو صلى وحده لا يحكم بإسلامه وجه قول الشافعي رحمه الله أن الصلاة لو صلحت دلالة الإيمان لما افترق الحال فيها بين حال الانفراد وبين حال الاجتماع ولو صلى وحده لم يحكم بإسلامه فعلى ذلك إذا صلى بجماعة ولنا أن الصلاة بالجماعة على هذه الهيئة التي نصليها اليوم لم تكن في شرائع من قبلنا فكانت مختصة بشريعة نبينا محمد فكانت دلالة على الدخول في دين الإسلام بخلاف ما إذا صلى وحده لأن الصلاة وحده غير مختصة بشريعتنا وروي عن محمد رحمه الله أنه إذا صلى وحده مستقبل القبلة يحكم بإسلامه لأن الصلاة مستقبل القبلة دليل الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام من شهد جنازتنا وصلى إلى قبلتنا وأكل ذبيحتنا فاشهدوا له بالإيمان وعلى هذا الخلاف إذا أذن في مسجد جماعة يحكم بإسلامه عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى لنا أن الأذان من شعائر الإسلام فكان الإتيان به دليل قبول الإسلام

Section V07/P102–V07/P103

ولو قرأ القرآن أو تلقنه لا يحكم بإسلامه لاحتمال أنه فعل ذلك ليعلم ما فيه من غير أن يعتقده حقيقة إذ لا كل من يعلم شيئا يؤمن به كالمعاندين من الكفرة ولو حج هل يحكم بإسلامه قالوا ينظر في ذلك إن تهيأ للإحرام ولبى وشهد المناسك مع المسلمين يحكم بإسلامه لأن عبادة الحج على هذه الهيئة المخصوصة لم تكن في الشرائع المتقدمة فكانت مختصة بشريعتنا فكانت دلالة الإيمان كالصلاة بالجماعة وإن لبى ولم يشهد المناسك أو شهد المناسك ولم يلب لا يحكم بإسلامه لأنه لا يصير عبادة في شريعتنا إلا بالأداء على هذه الهيئة والأداء على هذه الهيئة لا يكون دليل الإسلام ولو شهد شاهدان أنهما رأياه يصلي سنة وما قالا رأيناه يصلي في جماعة وهو يقول صليت صلواتي لا يحكم بإسلامه لأنهم يصلون أيضا فلا تكون الصلاة المطلقة دلالة الإسلام ولو شهد أحدهما وقال رأيته يصلي في المسجد الأعظم وشهد الآخر وقال رأيته يصلي في مسجد ( ( ( المسجد ) ) ) كذا وهو منكر لا تقبل ولكن يجبر على الإسلام لأن الشاهدين اتفقا على وجود الصلاة منه بجماعة في المسجد لكنهما اختلفا في المسجد وذا يوجب اختلاف المكان لا نفس الفعل وهو الصلاة فقد اجتمع شاهدان على فعل واحد حقيقة لكن تعتبر شهادتهما في الجبر على الإسلام لا في القتل لأن فعل الصلاة وإن كان متحدا حقيقة فهو مختلف صورة لاختلاف محل الفعل فأورث شبهة في القتل والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الحكم بالإسلام من طريق التبعية فإن الصبي يحكم بإسلامه تبعا لأبويه عقل أو لم يعقل ما لم يسلم بنفسه إذا عقل ويحكم بإسلامه تبعا للدار أيضا والجملة فيه أن الصبي يتبع أبويه في الإسلام والكفر ولا عبرة بالدار مع وجود الأبوين أو أحدهما لأنه لا بد له من دين تجري عليه أحكامه والصبي لا يهتم لذلك إما لعدم عقله وإما القصورة ( ( ( لقصوره ) ) ) فلا بد وأن يجعل تبعا لغيره وجعله تبعا للأبوين أولى لأنه تولد منهما وإنما الدار منشأ وعند انعدامهما في الدار التي فيها الصبي تنتقل التبعية إلى الدار لأن الدار تستتبع الصبي في الإسلام في الجملة كاللقيط فإذا أسلم أحد الأبوين فالولد يتبع المسلم لأنهما استويا في جهة التبعية وهي التولد والتفرع فيرجح المسلم بالإسلام لأنه يعلو ولا يعلى عليه ولو كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا فالولد كتابي لأن الكتابي إلى أحكام الإسلام أقرب فكان الإسلام منه أرجى وبيان هذه الجملة إذا سبي الصبي وأخرج إلى دار الإسلام فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه إما إن سبي مع أبويه ( ( ( أحدهما ) ) ) وإما إن سبي مع أحدهما وإما إن سبي وحده فإن سبي مع أبويه فما دام في دار الحرب فهو على دين أبويه حتى لو مات لا يصلى عليه وهذا ظاهر وكذا إذا سبي مع أحدهما وكذلك إذا خرج إلى دار الإسلام ومعه أبواه أو أحدهما لما بينا فإن مات الأبوان بعد ذلك فهو على دينهما حتى يسلم بنفسه ولا تنقطع تبعية الأبوين بموتهما لأن بقاء الأصل ليس بشرط لبقاء الحكم في التبع وإن أخرج إلى دار الإسلام وليس معه أحدهما فهو مسلم لأن التبعية انتقلت إلى الدار على ما بينا ولو أسلم أحد الأبوين في دار الحرب فهو مسلم تبعا له لأن الولد يتبع خير الأبوين دينا لما بينا وكذا إذا أسلم أحد الأبوين في دار الإسلام ثم سبي الصبي بعده وأدخل في دار الإسلام فهو مسلم تبعا له لأنه جمعهما دار واحدة لأن تبعية الدار لا تعتبر مع أحد الأبوين لما ذكرنا فأما قبل الإدخال في دار الإسلام فلا يكون مسلما لأنهما في دارين مختلفين واختلاف الدار يمنع التبعية في الأحكام الشرعية والله سبحانه وتعالى أعلم ثم إنما تعتبر تبعية الأبوين والدار إذا لم يسلم بنفسه وهو يعقل الإسلام فأما إذا أسلم وهو يعقل الإسلام فلا تعتبر التبعية ويصح إسلامه عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يصح

Section V07/P103–V07/P104

واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ أخبر عليه الصلاة والسلام أن الصبي مرفوع القلم والفقه مستنبط منه وهو أن الصبي لو صح إسلامه إما أن يصح فرضا وإما أن يصح نفلا ومعلوم أن التنفل بالإسلام محال والفرضية بخطاب الشرع والقلم عنه مرفوع ولأن صحة الإسلام من الأحكام الضارة فإنه سبب لحرمان الميراث والنفقة ووقوع الفرق بين الزوجين والصبي ليس من أهل التصرفات الضارة ولهذا لم يصح طلاقه وعتاقه ولم يجب عليه الصوم والصلاة فلا يصح إسلامه ولنا أنه آمن بالله سبحانه وتعالى عن غيب فيصح إيمانه كالبالغ وهذا لأن الإيمان عبارة عن التصديق لغة وشرعا وهو تصديق الله سبحانه وتعالى في جميع ما أنزل على رسله أو تصديق رسله في جميع ما جاءوا به عن الله تبارك وتعالى وقد وجد ذلك منه لوجود دليله وهو إقرار العاقل وخصوصا عن طوع فترتب عليه الأحكام لأنها مبنية على وجود الإيمان حقيقة قال الله تعالى ( ( ( تبارك ) ) ) ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا وقال عليه الصلاة والسلام لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن وقوله إنه مرفوع القلم قلنا نعم في الفروع الشرعية فأما في الأصول العقلية فممنوع ووجوب الإيمان من الأحكام العقلية فيجب على كل عاقل والحديث يحمل على الأحكام الشرعية توفيقا بين الدلائل وبه نقول والله سبحانه وتعالى أعلم وأما أحكام الإيمان فنقول والله سبحانه وتعالى الموفق للإيمان حكمان أحدهما يرجع إلى الآخرة والثاني يرجع إلى الدنيا أما الذي يرجع إلى الآخرة فكينونة المؤمن من أهل الجنة إذا ختم عليه قال الله تعالى من جاء بالحسنة فله خير منها وأما الذي يرجع إلى الدنيا فعصمة النفس والمال لقوله عليه الصلاة والسلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها إلا أن عصمة النفس تثبت مقصودة وعصمة المال تثبت تابعة لعصمة النفس إذ النفس أصل في التخلق والمال خلق بذله للنفس استبقاء لها فمتى ثبتت عصمة النفس ثبتت عصمة المال تبعا إلا إذا وجد القاطع للتبعية على م نذكر فعلى هذا إذا أسلم أهل بلدة من أهل دار الحرب قبل أن يظهر عليهم المسلمون حرم قتلهم ولا سبيل لأحد على أموالهم على ما قلنا وقد روي عن رسول الله أنه قال من أسلم على مال فهو له ولو أسلم حربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم عمدا أو خطأ فلا شيء عليه إلا الكفارة وعند أبي يوسف عليه الدية في الخطأ وعند الشافعي رحمه الله عليه الدية مع الكفارة في الخطأ والقصاص في العمد واحتجا بالعمومات الواردة في باب القصاص والدية من غير فصل بين مؤمن قتل في دار الإسلام أو في دار الحرب ولنا قوله تبارك وتعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة أوجب سبحانه وتعالى الكفارة وجعلها كل موجب قتل المؤمن الذي هو من قوم عدو لنا لأنه جعله جزاء والجزاء ينبىء عن الكفاية فاقتضى وقوع الكفاية بها عما سواها من القصاص والدية جميعا ولأن القصاص لم يشرع إلا لحكمة الحياة قال الله تعالى ولكم في القصاص حياة والحاجة إلى الإحياء عند قصد القتل لعداوة حاملة عليه ولا يكون ذلك إلا عند المخالطة ولو لم توجد ههنا وعلى هذا إذا أسلم ولم يهاجر إلينا حتى ظهر المسلمون على الدار فما كان في يده من المقتول فهو له ولا يكون فيئا إلا عبدا يقاتل فإنه يكون فيئا لأن نفسه استفادت العصمة بالإسلام وماله الذي في يده تابع له من كل وجه فكان معصوما تبعا لعصمة النفس إلا عبدا يقاتل لأنه إذا قاتل فقد خرج من يد المولى فلم يبق تبعا له فانقطعت العصمة لانقطاع التبعية فيكون محلا للتملك بالاستيلاء وكذلك ما كان في يد مسلم أو ذمي وديعة له فهو له ولا يكون فيئا

Section V07/P104–V07/P105

لأن يد المودع يده من وجه من حيث إنه يحفظ الوديعة له ويد نفسه من حيث الحقيقة وكل واحد منهما معصوم فكان ما في يده معصوما فلا يكون محلا للتملك وأما ما كان في يد حربي وديعة فيكون فيئا عند أبي حنيفة وعندهما يكون له لأن يد المودع يده فكان معصوما والصحيح قول أبي حنيفة رحمه الله لأنه من حيث إنه يحفظ له تكون يده فيكون تبعا له فيكون معصوما ومن حيث الحقيقة لا يكون معصوما لأن نفس الحربي غير معصومة فوقع الشك في العصمة فلا تثبت العصمة مع الشك وكذا عقاره يكون فيئا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد هو والمنقول سواء والصحيح قولهما لأنه من حيث إنه يتصرف فيه بحسب مشيئته يكون في يده فيكون تبعا له من حيث إنه محصن محفوظ بنفسه ليس في يده فلا يكون تبعا له فلا تثبت العصمة مع الشك وأما أولاده الصغار فأحرار مسلمون تبعا له وأولاده الكبار وامرأته يكونون فيئا لأنهم في حكم أنفسهم لانعدام التبعية وأما الولد الذي في البطن فهو مسلم تبعا لأبيه ورقيق تبعا لأمه وفيه إشكال وهو أن هذا إنشاء الرق على المسلم وأنه ممنوع والجواب أن الممتنع إنشاء الرق على من هو مسلم حقيقة لا على من له حكم الوجود والإسلام شرعا هذا إذا أسلم ولم يهاجر إلينا فظهر المسلمون على الدار فلو أسلم وهاجر إلينا ثم ظهر المسلمون على الدار أما أمواله فما كان في يد مسلم أو ذمي وديعة فهو له ولا يكون فيئا لما ذكرنا وما سوى ذلك فهو فيء لما ذكرنا أيضا وقيل ما كان في يد حربي وديعة فهو على الخلاف الذي ذكرنا وأما أولاده الصغار فيحكم بإسلامهم ( ( ( بإسلامه ) ) ) تبعا لأبيهم ولا يسترقون لأن الإسلام يمنع إنشاء الرق إلا رقا ثبت حكما بأن كان الولد في بطن الأم وأولاده الكبار فيء لأنهم في حكم أنفسهم فلا يكونون مسلمين بإسلام أبيهم وكذلك زوجته والولد الذي في البطن يكون مسلما تبعا لأبيه ورقيقا تبعا لأمه ولو دخل الحربي دار الإسلام ثم أسلم ثم ظهر المسلمون على الدار فجميع ماله وأولاده الصغار والكبار وامرأته وما في بطنها فيء لما لم يسلم في دار الحرب حتى خرج إلينا لم تثبت العصمة لماله لانعدام عصمة النفس فبعد ذلك وإن صارت معصومة لكن بعد تباين الدارين وأنه يمنع ثبوت التبعية ولو دخل مسلم أو ذمي دار الحرب فأصاب هناك مالا ثم ظهر المسلمون على الدار فحكمه وحكم الذي أسلم من أهل الحرب ولم يهاجر إلينا سواء والله عز وجل أعلم وأما الأمان فنقول الأمان في الأصل نوعان أمان مؤقت وأمان مؤبد أما المؤقت فنوعان أيضا أحدهما الأمان المعروف وهو أن يحاصر الغزاة مدينة أو حصنا من حصون الكفرة فيستأمنهم الكفار فيؤمنوهم والكلام فيه في مواضع في بيان ركن الأمان وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم الأمان وفي بيان صفته وفي بيان ما يبطل به الأمان فأما ركنه فهو اللفظ الدال على الأمان نحو قول المقاتل أمنتكم أو أنتم آمنون أو أعطيتكم الأمان وما يجري هذا المجرى وأما شرائط الركن فأنواع منها أن يكون في حال يكون بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة لأن القتال فرض والأمان يتضمن تحريم القتال فيتناقض إلا إذا كان في حال ضعف المسلمين وقوة الكفرة لأنه إذ ذاك يكون قتالا معنى لوقوعه وسيلة إلى الاستعداد للقتال فلا يؤدي إلى التناقض ومنها العقل فلا يجوز أمان المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن العقل شرط أهلية التصرف ومنها البلوغ وسلامة العقل عن الآفة عند عامة العلماء وعند محمد رحمه الله ليس بشرط حتى إن الصبي المراهق الذي يعقل الإسلام والبالغ المختلط العقل إذا أمن لا يصح عند العامة وعند محمد يصح وجه قوله أن أهلية الأمان مبنية على أهلية الإيمان والصبي الذي يعقل الإسلام من أهل الإيمان فيكون من أهل الأمان كالبالغ

Section V07/P105–V07/P106

ولنا أن الصبي ليس من أهل حكم الأمان فلا يكون من أهل الأمان وهذا لأن حكم الأمان حرمة القتال وخطاب التحريم لا يتناوله ولأن من شرط صحة الأمان أن يكون بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة وهذه حالة خفية لا يوقف عليها إلا بالتأمل والنظر ولا يوجد ذلك من الصبي لاشتغاله باللهو واللعب ومنها الإسلام فلا يصح أمان الكافر وإن كان يقاتل مع المسلمين لأنه متهم في حق المسلمين فلا تؤمن خيانته ولأنه إذا كان متهما فلا يدرى أنه بنى أمانه على مراعاة مصلحة المسلمين من التفرق عن حالة ( ( ( حال ) ) ) القوة والضعف أم لا فيقع الشك في وجود شرط الصحة فلا يصح مع الشك وأما الحرية فليست بشرط لصحة الأمان فيصح أمان العبد المأذون في القتال بالإجماع وهل يصح أمان العبد المحجور عن القتال اختلف فيه قال أبو حنيفة عليه الرحمة وأبو يوسف رحمه الله لا يصح وقال محمد رحمه الله يصح وهو قول الشافعي رحمه الله وجه قوله ما روي عن رسول الله أنه قال المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم والذمة العهد والأمان نوع عهد والعبد المسلم أدنى المسلمين فيتناوله الحديث ولأن حجر المولى يعمل في التصرفات الضارة دون النافعة بل هو في التصرفات النافعة غير محجور كقبول الهبة والصدقة ولا مضرة للمولى في أمان العبد بتعطيل منافعه عليه لأنه يتأدى في زمان قليل بل له ولسائر المسلمين فيه منفعة فلا يظهر انحجاره عنه فأشبه المأذون بالقتال وجه قولهما أن الأصل في الأمان أن لا يجوز لأن القتال فرض والأمان يحرم القتال إلا إذا وقع في حال يكون بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة لوقوعه وسيلة إلى الاستعداد للقتال في هذه الحالة فيكون قتالا معنى إذ الوسيلة إلى الشيء حكمها حكم ذلك الشيء وهذه حالة لا تعرف إلا بالتأمل والنظر في حال المسلمين في قوتهم وضعفهم والعبد المحجور لاشتغاله بخدمة المولى لا يقف عليهما فكان أمانه تركا للقتال المفروض صورة ومعنى فلا يجوز فبهذا فارق المأذون لأن المأذون بالقتال يقف على هذه الحالة فيقع أمانه وسيلة إلى القتال فكان إقامة للفرض معنى فهو الفرق وأما الحديث فلا يتناول المحجور لأن الأدنى إما أن يكون من الدناءة وهي الخساسة وإما أن يكون من الدنو وهو القرب والأول ليس بمراد لأن الحديث يتناول المسلمين بقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون تتكافأ دماؤهم ولا خساسة مع الإسلام والثاني لا يتناول المحجور لأنه لا يكون في صف القتال فلا يكون أقرب إلى الكفرة والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك الذكورة ليست بشرط فيصح أمان المرأة لأنها بما معها من العقل لا تعجز عن الوقوف على حال القوة والضعف وقد روي أن سيدتنا زينب بنت النبي المكرم عليه الصلاة والسلام أمنت زوجها أبا العاص رضي الله عنه وأجاز رسول الله أمانها وكذلك السلام ( ( ( السلامة ) ) ) عن العمى والزمانة والمرض ليست بشرط فيصح أمان الأعمى والزمن والمريض لأن الأصل في صحة الأمان صدوره عن رأي ونظر في الأحوال الخفية من الضعف والقوة وهذه العوارض لا تقدح فيه ولايجوز أمان التاجر في دار الحرب والأسير فيها والحربي الذي أسلم هناك لأن هؤلاء لا يقفون على حال الغزاة من القوة والضعف فلا يعرفون للأمان مصلحة ولأنهم متهمون في حق الغزاة لكونهم مقهورين في أيدي الكفرة وكذلك الجماعة ليست بشرط فيصح أمان الواحد لقوله عليه السلام ويسعى بذمتهم أدناهم ولأن الوقوف على حالة القوة والضعف لا يقف على رأي الجماعة فيصح من الواحد وسواء أمن جماعة كثيرة أو قليلة أو أهل مصر أو قرية فذلك جائز وأما حكم الأمان فهو ثبوت الأمن للكفرة لأن لفظ الأمان يدل عليه وهو قوله أمنت فثبت الأمن لهم عن القتل والسبي والاستغنام فيحرم على المسلمين قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم واستغنام أموالهم وأما صفته فهو أنه عقد غير لازم حتى لو رأى الإمام المصلحة في النقض ينقض لأن جوازه مع أنه يتضمن ترك القتال المفروض كان للمصلحة فإذا صارت المصلحة في النقض نقض

Section V07/P106–V07/P107

وأما بيان ما ينتقض به الأمان فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما إن كان الأمان مطلقا وإما إن كان مؤقتا إلى وقت معلوم فإن كان مطلقا فانتقاضه يكون بطريقين أحدهما نقض الإمام فإذا نقض الإمام انتقض لكن ينبغي أن يخبرهم بالنقض ثم يقاتلهم لئلا يكون منهم غدر في العهد والثاني أن يجيء أهل الحصن بالأمان إلى الإمام فينقض وإذا جاؤا الإمام بالأمان ينبغي أن يدعوهم إلى الإسلام فإن أبوا فإلى الذمة فإن أبوا ردهم إلى مأمنهم ثم قاتلهم احترازا عن الغدر فإن أبو ( ( ( أبوا ) ) ) الإسلام والجزية وأبوا أن يلحقوا بمأمنهم فإن الإمام يؤجلهم على ما يرى فإن رجعوا إلى مأمنهم في الأجل المضروب وإلا صاروا ذمة لا يمكنون بعد ذلك أن يرجعوا إلى مأمنهم لأن مقامهم بعد الأجل المضروب التزام الذمة دلالة وإن كان الأمان مؤقتا إلى وقت معلوم ينتهي بمضي الوقت من غير الحاجة إلى النقض ولهم أن يقاتلوهم إلا إذا دخل واحد منهم دار الإسلام فمضى الوقت وهو فيه فهو آمن حتى يرجع إلى مأمنه والله أعلم هذا حاصر الغزاة مدينة أو حصنا من حصون الكفرة فجاؤا ( ( ( فجاءوا ) ) ) فاستأمنوهم فأما إذا استنزلوهم عن الحكم فهذا على وجهين إما إن استنزلوهم على حكم الله سبحانه وتعالى وإما إن استنزلوهم على حكم العباد بأن استنزلوهم على حكم رجل فإن استنزلوهم على حكم الله سبحانه وتعالى جاز إنزالهم عليه عند أبي يوسف والخيار إلى الإمام إن شاء قتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم وإن شاء سبى الكل وإن شاء جعلهم ذمة وعند محمد لا يجوز الإنزال على حكم الله تعالى فلا يجوز قتلهم واسترقاقهم ولكنهم يدعون إلى الإسلام فإن أبوا جعلوا ذمة واحتج محمد بما روي عن رسول الله أنه قال في وصايا الأمراء عند بعث الجيش وإذا حاصرتم مدينة أو حصنا فإن أرادوا أن تنزلوهم على حكم الله عز وجل فإنكم لا تدرون ما حكم الله تعالى فيهم نهى رسول الله عن الإنزال على حكم الله تعالى ونبه عليه السلام على المعنى وهو أن حكم الله سبحانه وتعالى غير معلوم فكان الإنزال على حكم الله تعالى من الإمام قضاء بالمجهول وأنه لا يصح وإذا لم يصح الإنزال على حكم الله سبحانه وتعالى فيدعون إلى الإسلام فإن أجابوا فهم أحرار مسلمون لا سبيل على أنفسهم وأموالهم وإن أبوا لا يقتلهم الإمام ولا يسترقهم ولكن يجعلهم ذمة فإن طلبوا من الإمام أن يبلغهم مأمنهم لم يجبهم إليه لأنه لو ردهم إلى مأمنهم لصاروا حربا لنا وجه قول أبي يوسف أن الاستنزال على حكم الله عز وجل هو الاستنزال على الحكم المشروع للمسلمين في حق الكفرة والقتل والسبي وعقد الذمة كل ذلك حكم مشروع في حقهم فجاز الإنزال عليه قوله إن ذلك مجهول لا يدري المنزل عليه أي حكم هو قلنا نعم لكن يمكن الوصول إليه والعلم به لوجود سبب العلم وهو الاختيار وهذا لا يكفي لجواز الإنزال عليه كما قلنا في الكفارات أن الواجب أحد الأشياء الثلاث ( ( ( الثلاثة ) ) ) وذلك غير معلوم ثم لم يمنع ذلك وقوع تعلق التكليف به لوجود سبب العلم به وهو اختيار الكفر المكلف كذا هذا يدل عليه أن يجوز الإنزال على حكم العباد بالإجماع والإنزال على حكم العباد إنزال على حكم الله تعالى حقيقة إذ العبد لا يملك إنشاء الحكم من نفسه قال الله تعالى ولا يشرك في حكمه أحدا وقال تبارك وتعالى إن الحكم إلا لله ولكنه يظهر حكم الله عز وجل المشروع في الحادثة ولهذا قال رسول الله لسعد بن معاذ رضي الله عنه لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة

Section V07/P107

وأما الحديث فيحتمل أنه مصروف إلى زمان جواز ورود النسخ وهو حال حياة النبي عليه الصلاة والسلام لانعدام استقرار الأحكام الشرعية في حياته عليه الصلاة والسلام لئلا يكون الإنزال على الحكم المنسوخ عسى لاحتمال النسخ فيما بين ذلك وقد انعدم هذا المعنى بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لخروج الأحكام عن احتمال النسخ بوفاته وإذا جاز الإنزال على حكم الله سبحانه وتعالى عند أبي يوسف فالخيار فيه إلى الإمام فأيما كان أفضل للمسلمين من القتل والسبي والذمة فعل لأن كل ذلك حكم الله سبحانه وتعالى المشروع للمسلمين في حق الكفرة فإن أسلموا قبل الاختيار فهم أحرار مسلمون لا سبيل لأحد عليهم وعلى أموالهم والأرض لهم وهي عشرية وكذلك إذا جعلهم ذمة فهم أحرار ويضع على أراضيهم الخراج فإن أسلموا قبل توظيف الخراج صارت عشرية هذا إذا كان الإنزال على حكم الله سبحانه وتعالى فأما إذا كان على حكم العباد بأن استنزلوهم على حكم رجل فهذا لا يخلو من أحد وجهين إما إن استنزلوهم على حكم رجل معين بأن قالوا على حكم فلان لرجل سموه وإما إن استنزلوهم على حكم رجل غير معين فإن كان الاستنزال على حكم رجل معين فنزلوا على حكمه فحكم عليهم بشيء مما ذكرنا وهو رجل عاقل مسلم عدل غير محدود في قذف جاز بالإجماع لما روي أن بني قريظة لما حاصرهم رسول الله خمسا وعشرين ليلة استنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم سعد أن تقتل رجالهم وتقسم أموالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم فقال رسول الله لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة فقد استصوب رسول الله حكمه حيث أخبر عليه الصلاة والسلام أن ما حكم به حكم الله سبحانه وتعالى لأن حكم الله سبحانه وتعالى لا يكون إلا صوابا وليس للحاكم أن يحكم بردهم إلى دار الحرب فإن حكم فهو باطل لأنه حكم غير مشروع لما بينا لأنهم بالرد يصيرون حربيين لنا وإن كان الحاكم عبدا أو صبيا لم يجز حكمه بالإجماع وإن كان فاسقا أو محدودا في القذف لم يجز حكمه عند أبي يوسف وعند محمد يجوز وجه قول محمد رحمه الله أن الفاسق يصلح قاضيا فيصلح حكما بالطريق الأولى وجه قول أبي يوسف أن المحدود في القذف لا يصلح حكما لأنه ليس من أهل الولاية ولهذا لم يصلح قاضيا وكذا الفاسق لا يصح ( ( ( يصلح ) ) ) حكما وإن صلح قاضيا لكنه لا يلزم قضاؤه ولهذا لو رفعت قضية إلى قاض آخر إن شاء أمضاه وإن شاء رده وإن كان ذميا جاز حكمه في الكفرة لأنه من أهل الشهادة على جنسه وإن نزلوا على حكم رجل يختارونه فاختاروا رجلا فإن كان موضعا للحكم جاز حكمه وإن كان غير موضع للحكم لا يقبل منهم حتى يختاروا رجلا موضعا للحكم فإن لم يختاروا أبلغهم الإمام مأمنهم لأن النزول كان على شرط وهو حكم رجل يختارونه فإذا لم يختاروا فقد بقوا في يد الإمام بالأمان فيردهم إلى مأمنهم إلا أنه لا يردهم إلى حصن هو أحصن من الأول ولا إلى حد يمتنعون به لأن الرد إلى المأمن للتحرج عن توهم العذر وأنه يحصل بالرد إلى ما كانوا عليه فلا ضرورة في الرد إلى غيره وإن نزلوا على حكم رجل غير معين فللإمام أن يعين رجلا صالحا للحكم فيهم أو يحكم للمسلمين بنفسه بما هو أفضل لهم والله سبحانه وتعالى أعلم والثاني الموادعة وهي المعاهدة والصلح على ترك القتال يقال توادع الفريقان أي تعاهدا على أن لا يغزو كل واحد منهما صاحبه والكلام في الموادعة في مواضع في بيان ركنها وشرطها وحكمها وصفتها وما ينتقض به أما ركنها فهو لفظة الموادعة أو المسالمة أو المصالحة أو المعاهدة أو ما يؤدي معنى هذه العبارات وشرطها الضرورة وهي ضرورة استعداد القتال بأن كان بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة المجاوزة إلى قوم آخرين فلا تجوز عند عدم الضرورة لأن الموادعة ترك القتال المفروض فلا يجوز إلا في حال يقع وسيلة إلى القتال لأنها حينئذ تكون قتالا معنى

Section V07/P107–V07/P108

قال الله تبارك وتعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم وعند تحقق الضرورة لا بأس به لقول الله تبارك وتعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله وقد روي أن رسول الله وادع أهل مكة عام الحديبية على أن توضع الحرب عشر سنين ولا يشترط إذن الإمام بالموادعة حتى لو وادعهم الإمام أو فريق من المسلمين من غير إذن الإمام جازت موادعتهم لأن المعول عليه كون عقد الموادعة مصلحة للمسلمين وقد وجد ولا بأس بأن يأخذ المسلمون على ذلك جعلا لأن ذلك في معنى الجزية ويوضع موضع الخراج في بيت المال ولا بأس أن يطلب المسلمون الصلح من الكفرة ويعطوا على ذلك مالا إذا اضطروا إليه لقوله سبحانه وتعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها أباح سبحانه وتعالى لنا الصلح مطلقا فيجوز ببدل أو غير بدل ولأن الصلح على مال لدفع شر الكفرة للحال والاستعداد للقتال في الثاني من باب المجاهدة بالمال والنفس فيكون جائزا وتجوز موادعة المرتدين إذا غلبوا على دار من دور الإسلام وخيف منهم ولم تؤمن غائلتهم لما فيه من مصلحة دفع الشر للحال ورجاء رجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم لا يؤخذ منهم على ذلك مال لأن ذلك في معنى الجزية ولا يجوز أخذ الجزية من المرتدين فإن أخذ منهم شيئا لا يرد لأنه مال غير معصوم ألا ترى أن أموالهم محل للاستيلاء كأموال أهل الحرب وكذلك البغاة تجوز موادعتهم لأنه لما جازت موادعة الكفرة فلأن تجوز موادعة المسلمين أولى ولكن لا يؤخذ منهم على ذلك مال لأن المال المأخوذ على ترك القتال يكون في معنى الجزية ولا تؤخذ الجزية إلا من كافر وأما حكم الموادعة فما ( ( ( فهو ) ) ) هو حكم الأمان المعروف وهو أن يأمن الموادعون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم لأنها عقد أمان أيضا ولو خرج قوم من الموادعين إلى بلدة أخرى ليست بينهم وبين المسلمين موادعة فغزا المسلمون تلك البلدة فهؤلاء آمنون لا سبيل لأحد عليهم لأن عقد الموادعة أفاد الأمان لهم فلا ينتقض بالخروج إلى موضع آخر كما في الأمان المؤبد وهو عقد الذمة أنه لا يبطل بدخول الذمي دار الحرب كذا هذا وكذلك لو دخل في دار الموادعة رجل من غير دارهم ( ( ( دراهم ) ) ) بأمان ثم خرج إلى دار الإسلام بغير أمان فهو آمن لأنه لما دخل دار الموادعين بأمانهم صار كواحد من جملتهم فلو عاد إلى داره ثم دخل دار الإسلام بغير أمان كان فيئا لنا أن نقتله ونأسره لأنه لما رجع إلى داره فقد خرج من أن يكون من أهل دار الموادعة فبطل حكم الموادعة في حقه فإذا دخل دار الإسلام فهذا حربي دخل دار الإسلام ابتداء بغير أمان ولو أسر واحدا من الموادعين أهل دار أخرى فغزا المسلمون على تلك الدار كان فيئا وقد ذكرنا أنه لو دخل إليهم تاجرا ( ( ( تاجر ) ) ) فهو آمن ووجه الفرق أنه لما أسر فقد انقطع حكم الموادعة في حقه وإذا دخل تاجرا لم ينقطع والله تعالى أعلم وأما صفة عقد الموادعة فهو أنه عقد غير لازم محتمل للنقض فللإمام أن ينبذ إليهم لقوله سبحانه وتعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء فإذا وصل النبذ إلى ملكهم فلا بأس للمسلمين أن يغزوا عليهم لأن الملك يبلغ قومه ظاهرا إلا إذا استيقن المسلمون أن خبر النبذ لم يبلغ قومه ولم يعلموا به فلا أحب أن يغزوا عليهم لأن الخبر إذا لم يبلغهم فهم على حكم الأمان الأول فكان قتالهم منا غدرا وتعزيرا ( ( ( وتغريرا ) ) ) وكذلك إذا كان النبذ من جهتهم بأن أرسلوا إلينا رسولا بالنبذ وأخبروا الإمام بذلك فلا بأس للمسلمين أن يغزوا عليهم لما قلنا إلا إذا استيقن المسلمون أن أهل ناحية منهم لم يعلموا بذلك لما بينا

Section V07/P108–V07/P109

ولو وادع الإمام على جعل أخذه منهم ثم بدا له أن ينقض فلا بأس به لما بينا أنه عقد غير لازم فكان محتملا للنقض ولكن يبعث إليهم بحصة ما بقي من المدة من الجعل الذي أخذه لأنهم إنما أعطوه ذلك بمقابلة الأمان في كل المدة فإذا فات بعضها لزم الرد بقدر الفائت هذا إذا وقع الصلح على أن يكونوا مستبقين على أحكام الكفر فأما إذا وقع الصلح على أنه يجري عليهم أحكام الإسلام فهو لازم لا يحتمل النقض لأن الصلح الواقع على هذا الوجه عقد ذمة فلا يجوز للإمام أن ينبذ إليهم والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان ما ينقض به عقد الموادعة فالجملة فيه أن عقد الموادعة إما إن كان مطلقا عن الوقت وإما إن كان موقتا بوقت معلوم فإن كان مطلقا عن الوقت فالذي ينتقض به نوعان نص ودلالة فالنص هو النبذ من الجانبين صريحا وأما الدلالة فهي أن يوجد منهم ما يدل على النبذ نحو أن يخرج قوم من دار الموادعة بإذن الإمام ويقطعوا الطريق في دار الإسلام لأن إذن الإمام بذلك دلالة النبذ ولو خرج قوم من غير إذن الإمام فقطعوا الطريق في دار الإسلام فإن كانوا جماعة لا منعة لهم لا يكون ذلك نقضا للعهد لأن قطع الطريق بلا منعة لا يصلح دلالة للنقض ألا ترى أنه لو نص واحد منهم على النقض لا ينتقض كما في الأمان المؤبد وهو عقد الذمة وإن كانوا جماعة لهم منعة فخرجوا بغير إذن الإمام ولا إذن أهل مملكته فالملك وأهل مملكته على موادعتهم لانعدام دلالة النقض في حقهم ولكن ينتقض العهد فيما بين القطاع حتى يباح قتلهم واسترقاقهم لوجود دليل النقض منهم وإن كان موقتا بوقت معلوم ينتهي العهد بانتهاء الوقت من غير الحاجة إلى النبذ حتى كان للمسلمين أن يغزوا عليهم لأن العقد المؤقت إلى غاية ينتهي بانتهاء الغاية من غير الحاجة إلى الناقض ولو كان واحد منهم دخل الإسلام بالموادعة المؤقتة فمضى الوقت وهو في دار الإسلام فهو آمن حتى يرجع إلى مأمنه لأن التعرض له يوهم الغدر والتعزير ( ( ( والتغرير ) ) ) فيجب التحرز عنه ما أمكن والله تعالى أعلم وأما الأمان المؤبد فهو المسمى بعقد الذمة والكلام فيه في مواضع في بيان ركن العقد وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم العقد وفي بيان صفة العقد وفي بيان ما يؤخذ به أهل الذمة وما يتعرض له وما لا يتعرض له أما ركن العقد فهو نوعان نص ودلالة أما النص فهو لفظ يدل عليه وهو لفظ العهد والعقد على وجه مخصوص وأما الدلالة فهي فعل يدل على قبول الجزية نحو أن يدخل حربي في دار الإسلام بأمان فإن أقام بها سنة بعدما تقدم إليه في أن يخرج أو يكون ذميا والأصل أن الحربي إذا دخل دار الإسلام بأمان ينبغي للإمام أن يتقدم إليه فيضرب له مدة معلومة على حسب ما يقتضي رأيه ويقول له إن جاوزت المدة جعلتك من أهل الذمة فإذا جاوزها صار ذميا لأنه لما قال له ذلك فلم يخرج حتى مضت المدة فقد رضي بصيرورته ذميا فإذا أقام سنة من يوم قال له الإمام أخذ منه الجزية ولا يتركه يرجع إلى وطنه قبل ذلك وإن خرج بعد تمام السنة فلا سبيل عليه ولو قال الإمام عند الدخول ادخل ولا تمكث سنة فمكث سنة صار ذميا ولا يمكن من الرجوع إلى وطنه لما قلنا ولو اشترى المستأمن أرضا خراجية فإذا وضع عليه الخراج صار ذميا لأن وظيفة الخراج يختص بالمقام في دار الإسلام فإذا قبلها فقد رضي بكونه من أهل دار الإسلام فيصير ذميا ولو باعها قبل أن يجبي خراجها لا يصير ذميا لأن دليل قبول الذمة وجوب الخراج لا نفس الشراء فما لم يوضع عليه الخراج لا يصير ذميا

Section V07/P109–V07/P110

ولو استأجر أرضا خراجية فزرعها لم يصر ذميا لأن الخراج على الآجر دون المستأجر فلا يدل على التزام الذمة إلا إذا كان خراج ( ( ( خراجا ) ) ) مقاسمة فإذا أخرجت الأرض وأخذ الإمام الخراج من الخارج وضع عليه الجزية وجعله ذميا ولو اشترى المستأمن أرض المقاسمة وأجرها من رجل من المسلمين فأخذ الإمام الخراج من ذلك لا يصير المستأمن ذميا لما بينا أن نفس الشراء لا يدل على الالتزام بل دليل الالتزام هو وجوب الخراج عليه ولم يجب ولو اشترى الحربي المستأمن أرض خراج فزرعها فأخرجت زرعا فأصاب الزرع آفة أنه لا يصير ذميا لأنه إذا أصاب الزرع آفة لم يجب الخراج فصار كأنه لم يزرعها فبقي نفس الشراء وأنه لا يصلح دليل قبول الذمة ولو وجب على المستأمن الخراج في أقل من سنة منذ يوم ملكها صار ذميا حين وجوب الخراج ويؤخذ منه خراج رأسه بعد سنة مستقبلة لأنه بوجوب خراج الأرض صار ذميا كان عقد الذمة نصا فيعتبر ابتداء العقد من حين وجوب الخراج فيؤخذ خراج الرأس بعد تمام السنة من ذلك الوقت ولو تزوجت الحربية المستأمنة في دار الإسلام ذميا صارت ذمية ولو تزوج الحربي المستأمن في دار الإسلام ذمية لم يصر ذميا ووجه الفرق أن المرأة تابعة لزوجها فإذا تزوجت بذمي فقد رضيت بالمقام في دارنا فصارت ذمية تبعا لزوجها فأما الزوج فليس بتابع للمرأة فلا يكون تزوجه إياها دليل الرضا بالمقام في دارنا فلا يصير ذميا والله تعالى أعلم وأما شرائط الركن فأنواع منها أن لا يكون المعاهد من مشركي العرب فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلى قوله تعالى فخلوا سبيلهم أمر سبحانه وتعالى بقتل المشركين ولم يأمر بتخلية سبيلهم إلا عند توبتهم وهي الإسلام ويجوز عقد الذمة مع أهل الكتاب لقول الله تبارك وتعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله تعالى من الذين أوتوا الكتاب الآية وسواء كانوا من العرب أو من العجم لعموم النص ويجوز مع المجوس لأنهم ملحقون بأهل الكتاب في حق الجزية لما روي عن رسول الله أنه قال في المجوس سنوا بهم سنة أهل الكتاب وكذلك فعل سيدنا عمر رضي الله عنه بسواد العراق وضرب الجزية على جماجمهم والخراج على أراضيهم ثم وجه الفرق بين مشركي العرب وغيرهم من أهل الكتاب ومشركي العجم أن أهل الكتاب إنما تركوا بالذمة وقبول الجزية لا لرغبة فيما يؤخذ منهم أو طمع في ذلك بل للدعوة إلى الإسلام ليخالطوا المسلمين فيتأملوا في محاسن الإسلام وشرائعه وينظروا فيها فيروها مؤسسة على ما تحتمله العقول وتقبله فيدعوهم ذلك إلى الإسلام فيرغبون فيه فكان عقد الذمة لرجاء الإسلام وهذا المعنى لا يحصل بعقد الذمة مع مشركي العرب لأنهم أهل تقليد وعادة لا يعرفون سوى العادة وتقليد الآباء بل يعدون ما سوى ذلك سخرية وجنونا فلا يشتغلون بالتأمل والنظر في محاسن الشريعة ليقفوا عليها فيدعوهم إلى الإسلام فتعين السيف داعيا لهم إلى الإسلام ولهذا لم يقبل رسول الله منهم الجزية ومشركوا ( ( ( ومشركو ) ) ) العجم ملحقون بأهل الكتاب في هذا الحكم بالنص الذي روينا ومنها أن لا يكون مرتدا فإنه لا يقبل من المرتد أيضا إلا الإسلام أو السيف لقول الله تبارك وتعالى تقاتلونهم أو يسلمون قيل إن الآية نزلت في أهل الردة من بني حنيفة ولأن العقد في حق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام لأن الظاهر أنه لا ينتقل عن دين الإسلام بعدما عرف محاسنه وشرائعه المحمودة في العقول إلا لسوء اختياره وشؤم طبعه فيقع اليأس عن فلاحه فلا يكون عقد الذمة وقبول الجزية في حقه وسيلة إلى الإسلام والله تعالى أعلم وأما الصابئون فيعقد لهم عقد الذمة لما ذكرنا في كتاب النكاح عند أبي حنيفة هم قوم من أهل الكتاب يقرؤون ( ( ( يقرءون ) ) ) الزبور وعندهما قوم يعبدون الكواكب فكانوا في حكم عبدة الأوثان فتؤخذ منهم الجزية إذا كانوا من العجم

Section V07/P110–V07/P111

والله تعالى أعلم ومنها أن يكون مؤبدا فإن وقت له وقتا لم يصح عقد الذمة لأن عقد الذمة في إفادة العصمة كالخلف عن عقد الإسلام وعقد الإسلام لا يصح إلا مؤبدا فكذا عقد الذمة والله تعالى أعلم وأما بيان حكم العقد فنقول وبالله التوفيق إن لعقد الذمة أحكاما منها عصمة النفس لقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله عز وجل حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون نهى سبحانه وتعالى إباحة القتال إلى غاية قبول الجزية وإذا انتهت الإباحة تثبت العصمة ضرورة ومنها عصمة المال لأنها تابعة لعصمة النفس وعن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا والكلام في وجوب الجزية في مواضع في بيان سبب وجوب الجزية وفي بيان شرائط الوجوب وفي بيان وقت الوجوب وفي بيان مقدار الواجب وفي بيان ما يسقط به بعد الوجوب أما الأول فسبب وجوبها عقد الذمة وأما شرائط الوجوب فأنواع منها العقل ومنها البلوغ ومنها الذكورة فلا تجب على الصبيان والنساء والمجانين لأن الله سبحانه وتعالى أوجب الجزية على من هو من أهل القتال بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية والمقاتلة مفاعلة من القتال فتستدعي أهلية القتال من الجانبين فلا تجب على من ليس من أهل القتال وهؤلاء ليسوا من أهل القتال فلا تجب عليهم ومنها الصحة فلا تجب على المريض إذا مرض السنة كلها لأن المريض لا يقدر على القتال وكذلك إن مرض أكثر السنة وإن صح أكثر السنة وجبت لأن للأكثر حكم الكل ومنها السلامة عن الزمانة والعمى والكبر في ظاهر الرواية فلا تجب على الزمن والأعمى والشيخ الكبير وروي عن أبي يوسف أنها ليست بشرط وتجب على هؤلاء إذا كان لهم مال والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال عادة ألا ترى أنهم لا يقتلون وكذا الفقير الذي لا يعتمل لا قدرة له لأن من لا يقدر على العمل لا يكون من أهل القتال وأما أصحاب الصوامع فعليهم الجزية إذا كانوا قادرين على العمل لأنهم من أهل القتال فعدم العمل مع القدرة على العمل لا يمنع الوجوب كما إذا كان له أرض خراجية فلم يزرعها مع القدرة على الزراعة لا يسقط عنه الخراج والله تعالى أعلم ومنها الحرية فلا تجب على العبد لأن العبد ليس من أهل ملك المال وأما وقت الوجوب فأول السنة لأنها تجب لحقن الدم في المستقبل فلا تؤخر إلى آخر السنة ولكن تؤخذ في كل شهر من الفقير درهم ومن المتوسط درهمان ومن الغني أربعة دراهم وأما بيان مقدار الواجب فنقول وبالله التوفيق الجزية على ضربين جزية توضع بالتراضي وهو الصلح وذلك يتقدر بقدر ما وقع عليه الصلح كما صالح رسول الله أهل نجران على ألف ومائتي حلة وجزية يضعها الإمام عليهم من غير رضاهم بأن ظهر الإمام على أرض الكفار وأقرهم على أملاكهم وجعلهم ذمة وذلك على ثلاثة مراتب لأن الذمة ثلاث طبقات أغنياء وأوساط وفقراء فيضع على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى الوسط أربعة وعشرون ( ( ( وعشرين ) ) ) درهما وعلى الفقير المعتمل اثني عشر درهما كذا روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه أمر عثمان بن حنيف حين بعثه إلى السواد أن يضع هكذا وكان ذلك من سيدنا عمر رضي الله عنه بمحضر من الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ولم ينكر عليه أحد فهو كالإجماع على ذلك مع ما أنه لا يحتمل أن يكون من سيدنا عمر رضي الله عنه رأيا لأن المقدرات سبيل معرفتها التوقيف والسمع لا العقل فهو كالمسموع من رسول الله ثم اختلف في تفسير الغني في هذا الباب والوسط والفقير

Section V07/P111–V07/P112

قال بعضهم من لم يملك نصابا تجب في مثله الزكاة على المسلمين وهو مائتا درهم فهو فقير ومن ملك مائتي درهم فهو من الأواسط ومن ملك أربعة آلاف درهم فصاعدا فهو من الأغنياء لما روي عن سيدنا علي وعبد الله بن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهم أنهما قالا أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة وما فوق ذلك كنز وقيل من ملك مائتين ( ( ( مائتي ) ) ) درهم إلى عشرة آلاف فما دونها فهو من الأوساط ومن ملك زيادة على عشرة آلاف فهو من الأغنياء والله تعالى أعلم وأما ما يسقطها بعد الوجوب فأنواع منها الإسلام ومنها الموت عندنا فإن الذمي إذا أسلم أو مات سقطت الجزية عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا تسقط بالموت والإسلام وجه قوله إن الجزية وجبت عوضا عن العصمة بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله جل شأنه حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أباح جلت عظمته دماء أهل القتال ثم حقنها بالجزية فكانت الجزية عوضا عن حقن الدم وقد حصل له المعوض ( ( ( العوض ) ) ) في الزمان الماضي فلا يسقط عنه العوض ولنا ما روي عن رسول الله أنه قال ليس على مسلم جزية وعن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه رفع الجزية بالإسلام فقال والله إن في الإسلام لمعاذا إن فعل ولأنها وجبت وسيلة إلى الإسلام فلا تبقى بعد الإسلام والموت كالقتال والدليل على أنها وجبت وسيلة إلى الإسلام أن الإسلام فرض بالنصوص والجزية تتضمن ترك القتال فلا يجوز شرع عقد الذمة والجزية الذي فيه ترك القتال إلا لما شرع له القتال وهو التوسل إلى الإسلام وإلا فيكون تناقضا والشريعة لا تتناقض وتعذر تحقيق معنى التوسل بعد الموت والإسلام فيسقط ضرورة وقوله إنها وجبت عوضا عن حقن الدم ممنوع بل ما وجبت إلا وسيلة إلى الإسلام لأن تمكين الكفرة في دار الإسلام وترك قتالهم مع قولهم في الله ما لا يليق بذاته وصفاته تبارك وتعالى للوصول إلى عرض يسير من الدنيا خارج عن الحكم والعقل فأما التوسل إلى الإسلام وإعدام الكفرة فمعقول مع ما أنها إن وجبت لحقن الدم فإنما تجب كذلك في المستقبل وإذا صار دمه محقونا فيما مضى فلا يجوز أخذ الجزية لأجله فتسقط ومنها مضي سنة تامة ودخول سنة أخرى عند أبي حنيفة وعندهما لا تسقط حتى إنه إذا مضى على الذمة سنة كاملة ودخلت سنة أخرى قبل أن يؤديها الذمي تؤخذ منه للسنة المستقبلة ولا تؤخذ للسنة الماضية عنده وعندهما تؤخذ لما مضى ما دام ذميا والمسألة تعرف بالموانيد أنها تؤخذ أم لا وجه قولهما أن الجزية أحد نوعي الخراج فلا تسقط بالتأخير إلى سنة أخرى استدلالا بالخراج الآخر وهو خراج الأرض وهذا لأن كل واحد منهما دين فلا تسقط بالتأخير كسائر الديون ولأبي حنيفة رحمه الله وجهان أحدهما أن الجزية ما وجبت إلا لرجاء الإسلام وإذا لم يوجد حتى دخلت سنة أخرى انقطع الرجاء فيما مضى وبقي الرجاء في المستقبل فيؤخذ للسنة المستقبلة والثاني أن الجزية إنما جعلت لحقن الدم في المستقبل فإذا صار دمه محقونا في السنة الماضية فلا تؤخذ الجزية لأجلها لانعدام الحاجة إلى ذلك كما إذا أسلم أو مات تسقط عنه الجزية لعدم الحاجة إلى الحقن بالجزية كذا هذا والاعتبار بخراج الأرض غير سديد فإن المجوسي إذا أسلم بعد مضي السنة لا يسقط عنه خراج الأرض ويسقط عنه خراج الرأس بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله وبه تبين أن هذا ليس كسائر الديون فبطل الاعتبار بها والله تعالى أعلم وأمة صفة العقد فهو أنه لازم في حقنا حتى لا يملك المسلمون نقضه بحال من الأحوال وأما في حقهم فغير لازم بل يحتمل الانتفاع في الجملة لكنه لا ينتقض إلا بأحد أمور ثلاثة أحدها أن يسلم الذمي لما مر أن الذمة عقدت وسيلة إلى الإسلام وقد حصل المقصود

Section V07/P112

والثاني أن يلحق بدار الحرب لأنه إذا لحق بدار الحرب صار بمنزلة المرتد إلا أن الذمي إذا لحق بدار الحرب يسترق والمرتد إذا لحق بدار الحرب لا يسترق لما نذكره إن شاء الله تعالى والثالث أن يغلبوا على موضع فيحاربون لأنهم إذا فعلوا ذلك فقد صاروا أهل الحرب وينتقض العهد ضرورة ولو امتنع الذمي من إعطاء الجزية لا ينتقض عهده لأن الامتناع يحتمل أن يكون لعذر العدم فلا ينتقض العهد بالشك والاحتمال وكذلك لو سب النبي لا ينتقض عهده لأن هذا زيادة كفر على كفر والعقد ( ( ( والعهد ) ) ) يبقى مع أصل الكفر فيبقى مع الزيادة وكذلك لو قتل مسلما أو زنى بمسلمة لأن هذه معاص ارتكبوها وهي دون الكفر في القبح والحرمة ثم بقيت الذمة مع الكفر فمع المعصية أولى والله تعالى أعلم وأما بيان ما يؤخذ به أهل الذمة وما يتعرض له وما لا يتعرض فنقول وبالله التوفيق إن أهل الذمة يؤخذون بإظهار علامات يعرفون بها ولا يتركون يتشبهون بالمسلمين في لباسهم ومركبهم وهيئتهم فيؤخذ الذمي بأن يجعل على وسطه كشحا مثل الخيط الغليظ ويلبس قلنسوة طويلة مضروبة ويركب سرجا على قربوسة مثل الرمانة ولا يلبس طيلسانا مثل طيالسة المسلمين ورداء مثل أردية المسلمين والأصل فيه ما روي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله مر على رجال ركوب ذوي هيئة فظنهم مسلمين فسلم عليهم فقال له رجل من أصحابه أصلحك الله تدري من هؤلاء فقال من هم فقال هؤلاء نصارى بني تغلب فلما أتى منزله أمر أن ينادي في الناس أن لا يبقى نصراني إلا عقد ناصيته وركب الإكاف ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد فيكون كالإجماع ولأن السلام من شعائر الإسلام فيحتاج المسلمون إلى إظهار هذه الشعائر عند الالتقاء ولا يمكنهم ذلك إلا بتمييز أهل الذمة بالعلامة ولأن في إظهار هذه العلامات إظهار آثار الذلة عليهم وفيه صيانة عقائد ضعفة المسلمين عن التغيير على ما قال سبحانه وتعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون وكذا يجب أن يتميز نساؤهم عن نساء المسلمين في حال المشي في الطريق ويجب التمييز في الحمامات في الأزر فيخالف أزرهم أزر المسلمين لما قلنا وكذا يجب أن تميز الدور بعلامات تعرف بها دورهم من دور المسلمين ليعرف السائل المسلم أنها دور الكفرة فلا يدعو لهم بالمغفرة ويتركون أن يسكنوا في أمصار المسلمين يبيعون ويشترون لأن عقد الذمة شرع ليكون وسيلة لهم إلى الإسلام وتمكينهم من المقام في أمصار المسلمين أبلغ إلى هذا المقصود وفيه أيضا منفعة المسلمين بالبيع والشراء فيمكنون من ذلك ولا يمكنون من بيع الخمور والخنازير فيها ظاهرا لأن حرمة الخمر والخنزير ثابتة في حقهم كما هي ثابتة في حق المسلمين لأنهم مخاطبون بالحرمات وهو الصحيح عند أهل الأصول على ما عرف في موضعه فكان إظهار بيع الخمر والخنزير منهم إظهارا للفسق فيمنعون من ذلك وعندهم أن ذلك مباح فكان إظهار شعائر الكفر في مكان معد لإظهار شعائر الإسلام وهو أمصار المسلمين فيمنعون من ذلك وكذا يمنعون من إدخالها في أمصار المسلمين ظاهرا وروي عن أبي يوسف أني أمنعهم من إدخال الخنازير فرق بين الخمر والخنزير لما في الخمر من خوف وقوع المسلم فيها ولا يتوهم ذلك في الخنزير ولا يمكنون من إظهار صليبهم في عيدهم لأنه إظهار شعائر الكفر فلا يمكنون من ذلك في أمصار المسلمين ولو فعلوا ذلك في كنائسهم لا يتعرض لهم وكذا لو ضربوا الناقوس في جوف كنائسهم القديمة لم يتعرض لذلك لأن إظهار الشعائر لم يتحقق فإن ضربوا به خارجا منها لم يمكنوا منه لما فيه من إظهار الشعائر ولا يمنعون من إظهار شيء مما ذكرنا من بيع الخمر والخنزير والصليب وضرب الناقوس في قرية أو موضع ليس من أمصار المسلمين

Section V07/P112–V07/P113

ولو كان فيه عدد كثير من أهل الإسلام وإنما يكره ذلك في أمصار المسلمين وهي التي يقام فيها الجمع والأعياد والحدود لأن المنع من إظهار هذه الأشياء لكونه إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر الإسلام فيختص المنع بالمكان المعد لإظهار الشعائر وهو المصر الجامع وأما إظهار فسق يعتقدون حرمته كالزنا وسائر الفواحش التي هي حرام في دينهم فإنهم يمنعون من ذلك سواء كانوا في أمصار المسلمين أو في أمصارهم ومدائنهم وقراهم وكذا المزامير والعيدان والطبول في الغناء واللعب بالحمام ونظيرها يمنعون من ذلك كله في الأمصار والقرى لأنهم يعتقدون حرمة هذه الأفعال كما نعتقدها نحن فلم تكن مستثناة عن عقد الذمة ليقروا عليها وأما الكنائس والبيع القديمة فلا يتعرض لها ولا يهدم شيء منها وأما إحداث كنيسة أخرى فيمنعون عنه فيما صار مصرا من أمصار المسلمين لقوله عليه الصلاة والسلام لا كنيسة في الإسلام إلا في دار الإسلام ولو انهدمت كنيسة فلهم أن يبنوها كما كانت لأن لهذا البناء حكم البقاء ولهم أن يستبقوها فلهم أن يبنوها وليس لهم أن يحولوها من موضع إلى موضع آخر لأن التحويل من موضع إلى موضع آخر في حكم إحداث كنيسة أخرى وأما في القرى أو في موضع ليس من أمصار المسلمين فلا يمنعون من إحداث الكنائس والبيع كما لا يمنعون من إظهار بيع الخمور والخنازير لما بينا ولو ظهر الإمام على قوم من أهل الحرب فرأى أن يجعلهم ذمة ويضع على رؤوسهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج لا يمنعون من اتخاذ الكنائس والبيع وإظهار بيع الخمر والخنزير لأن الممنوع إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر الإسلام وهو أمصار المسلمين ولم يوجد بخلاف ما إذا صاروا ذمة بالصلح بأن طلب قوم من أهل الحرب منا أن يصيروا ذمة يؤدون عن رقابهم وأراضيهم شيئا معلوما وتجري ( ( ( ونجري ) ) ) عليهم أحكام الإسلام فصالحناهم على ذلك فكانت أراضيهم مثل أراضي الشام مدائن وقرى ورساتيق وأمصار ( ( ( وأمصارا ) ) ) أنه لا يتعرض لكنائسهم القديمة ولكنهم لو أرادوا أن يحدثوا شيئا منها يمنعوا من ذلك لأنها صارت مصر ( ( ( مصرا ) ) ) من أمصار المسلمين وإحداث الكنيسة في مصر من أمصار المسلمين ممنوع عنه شرعا فإن مصر الإمام مصرا للمسلمين كما مصر سيدنا عمر رضي الله عنه الكوفة والبصرة فاشترى قوم من أهل الذمة دورا وأرادوا أن يتخذوا فيها كنائس لا يمكنوا من ذلك لما قلنا وكذلك لو تخلى رجل في صومعته منع من ذلك لأن ذلك في معنى اتخاذ الكنيسة وكل مصر من أمصار المشركين ظهر عليه الإمام عنوة وجعلهم ذمة فما كان فيه كنيسة قديمة منعهم من الصلاة في تلك الكنائس لأنه لما فتح عنوة فقد استحقه المسلمون فيمنعهم من الصلاة فيها ويأمرهم أن يتخذوها مساكن ولا ينبغي أن يهدمها وكذلك كل قرية جعلها الإمام مصرا ولو عطل الإمام هذا المصر وتركوا إقامة الجمع والأعياد والحدود فيه كان لأهل القرية أن يحدثوا ما شاءوا لأنه عاد قرية كما كانت نصرانية تحت مسلم لا يمكنها من نصب الصليب في بيته لأن نصب الصليب كنصب الصنم وتصلى في بيته حيث شاءت هذا الذي ذكرنا حكم أرض العجم وأما أرض العرب فلا يترك فيها كنيسة ولا بيعة ولا يباع فيها الخمر والخنزير مصرا كان أو قرية أو ماء من مياه العرب ويمنع المشركون أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنا كذا ذكره محمد تفضيلا لأرض العرب على غيرها وتطهيرا لها عن الدين الباطل قال عليه الصلاة والسلام لا يجتمع دينان في جزيرة العرب وأما الالتجاء إلى الحرم فإن الحربي إذا التجأ إلى الحرم لا يباح قتله في الحرم ولكن لا يطعم ولا يسقى ولا يؤوى ولا يبايع حتى يخرج من الحرم وعند الشافعي رحمه الله يقتل في الحرم واختلف أصحابنا فيما بينهم قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يقتل في الحرم ولا يخرج منه أيضا

Section V07/P113–V07/P114

وقال أبو يوسف رحمه الله لا يباح قتله في الحرم ولكن يباح إخراجه من الحرم للشافعي رحمه الله قوله تبارك وتعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وحيث يعبر به عن المكان فكان هذا إباحة لقتل المشركين في الأماكن كلها ولنا قوله تبارك وتعالى أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا هذا إذا دخل ملتجئا أما إذا دخل مكابرا أو مقاتلا يقتل لقوله تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ولأنه لما دخل مقاتلا فقد هتك حرمة الحرم فيقتل تلافيا للهتك زجرا لغيره عن الهتك وكذلك لو دخل قوم من أهل الحرب للقتال فإنهم يقتلون ولو انهزموا من المسلمين فلا شيء على المسلمين في قتلهم وأسرهم والله تعالى أعلم فصل وأما بيان حكم الغنائم وما يتصل بها فنقول وبالله التوفيق ههنا ثلاثة أشياء النفل والفيء والغنيمة فلا بد من بيان معاني هذه الألفاظ وما يتعلق بها من الشرائط والأحكام أما النفل في اللغة فعبارة عن الزيادة ومنه سمي ولد الولد نافلة لأنه زيادة على الولد الصلبي وسميت نوافل العبادات لكونها زيادات على الفرائض وفي الشريعة عبارة عما خصه الإمام لبعض الغزاة تحريضا لهم على القتال سمي نفلا لكونه زيادة على ما يسهم لهم من الغنيمة والتنفيل هو تخصيص بعض الغزاة بالزيادة نحو أن يقول الإمام من أصاب شيئا له ( ( ( فله ) ) ) ربعه أو ثلثه أو قال من أصاب شيئا فهو له أو قال من أخذ شيئا أو قال من قتل قتيلا فله سلبه أو قال لسرية ما أصبتم فلكم ربعه أو ثلثه أو قال فهو لكم وذلك جائز لأن التخصيص بذلك تحريض على القتال وأنه أمر مشروع ومندوب إليه قال الله تعالى عز شأنه يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إلا أنه لا ينبغي للإمام أن ينفل بكل المأخوذ لأن التنفيل بكل المأخوذ قطع حق الغانمين عن النفل أصلا لكن مع هذا لو رأى الإمام المصلحة في ذلك ففعله مع سرية جاز لأن المصلحة قد تكون فيه في الجملة ويجوز التنفيل في سائر الأموال من الذهب والفضة والسلب وغير ذلك لأن معنى التحريض على القتال يتحقق في الكل والسلب هو ثياب المقتول وسلاحه الذي معه ودابته التي ركبها بسرجها وآلاتها وما كان معه من مال في حقيبة على الدابة أو على وسطه وأما حقيبة غلامه وما كان مع غلامه من دابة أخرى فليس بسلب ولو اشتركا في قتل رجل كان السلب بينهما فإن بدأ أحدهما فضربه ثم أجهزه الآخر بأن كانت الضربة الأولى قد أثخنته وصيرته إلى حال لا يقاتل ولا يعين على القتال فالسلب للأول لأنه قتيل الأول وإن كانت الضربة الأولى لم تصيره إلى هذه الحالة فالسلب للثاني لأنه قتيل الثاني ولو قتل رجل واحد قتيلين أو أكثر فله سلبه وهل يدخل الإمام في التنفيل إن قال في جميع ذلك منكم لا يدخل لأنه خصهم وإن لم يقل منكم يدخل لأنه عم الكلام هذا إذا نفل الإمام فإن لم ينفل شيئا فقتل رجل من الغزاة قتيلا لم يختص بسلبه عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى إن قتله مدبرا منهزما لم يختص بسلبه وإن قتله مقبلا مقاتلا يختص بسلبه واحتج بما روي عن رسول الله أنه قال من قتل قتيلا فله سلبه وهذا منه عليه الصلاة والسلام نصب الشرع ولأنه إذا قتله مقبلا مقاتلا فقد قتله بقوة نفسه فيختص بالسلب وإذا قتله موليا منهزما فإنما قتله بقوة الجماعة فكان السلب غنيمة مقسومة

Section V07/P114–V07/P115

ولنا أن القياس يأبى جواز التنفيل والاختصاص بالمصاب من السلب وغيره لأن سبب الاستحقاق إن كان هو الجهاد وجد من الكل وإن كان هو الاستيلاء والإصابة والأخذ بذلك حصل بقوة الكل فيقتضي الاستحقاق للكل فتخصيص البعض بالتنفيل يخرج مخرج قطع الحق عن المستحق فينبغي أن لا يجوز إلا أنا استحسنا الجواز بالنص وهو قوله تبارك وتعالى يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال والتنفيل تحريض على القتال بأطماع زيادة المال لأن من له زيادة غنا ( ( ( غنى ) ) ) وفضل شجاعة لا يرضى طبعه بإظهار ذلك مع ما فيه من مخاطرة الروح وتعريض النفس للهلاك إلا بأطماع زيادة لا يشاركه فيه غيره فإذا لم يطمع لا يظهر فلا يستحق الزيادة والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الحديث فلا حجة له فيه لأنه يحتمل أنه نصب ذلك القول شرعا ويحتمل أن يكون نصبه شرطا ويحتمل أنه نفل قوما بأعيانهم فلا يكون حجة مع الاحتمال نظيره قوله عليه الصلاة والسلام من أحيا أرضا ميتة فهي له أنه لم يجعله أبو حنيفة حجة لملك الأرض المحياة بغير إذن الإمام لمثل هذا الاحتمال والله سبحانه وتعالى أعلم وأما شرط جوازه فهو أن يكون قبل حصول الغنيمة في يد الغانمين فإذا حصلت في أيديهم فلا نفل لأن جواز التنفيل للتحريض على القتال وذا لا يتحقق إلا قبل أخذ الغنيمة فإن قيل أليس أنه روي أن رسول الله نفل بعد إحراز الغنيمة فالجواب أنه يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام إنما نفل من الخمس أو من الصفي الذي كان له في الغنائم ويحتمل أنه كان مما أفاء الله تعالى عليه فسماه الراوي غنيمة والله تعالى أعلم وأما حكم التنفيل فنوعان أحدهما اختصاص النفل بالمنفل حتى لا يشاركه فيه غيره وهل يثبت الملك فيه قبل الإحراز بدار الإسلام ففيه كلام نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى والثاني أنه لا خمس في النفل لأن الخمس إنما يجب في غنيمة مشتركة بين الغانمين والنفل ما أخلصه الإمام لصاحبه وقطع شركة الأغيار عنه فلا يجب فيه الخمس ويشارك المنفل له الغزاة في أربعة أخماس ما أصابوا لأن الإصابة أو الجهاد حصل بقوة الكل إلا أن الإمام خص البعض ببعضها وقطع حق الباقين عنه فبقي حق الكل متعلقا بما وراءه فيشاركهم فيه والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الفيء فهو اسم لما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب نحو الأموال المبعوثة بالرسالة إلى إمام المسلمين والأموال المأخوذة على موادعة أهل الحرب ولا خمس فيه لأنه ليس بغنيمة إذ هي للمأخوذ من الكفرة على سبيل القهر والغلبة ولم يوجد وقد كان الفيء لرسول الله خاصة يتصرف فيه كيف شاء يختصه لنفسه أو يفرقه فيمن شاء قال الله تعالى عز شأنه وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله عز وجل على رسوله وكانت خالصة له وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح ولهذا كانت فدك خالصة لرسول الله إذ كانت لم يوجف عليها الصحابة رضي الله عنهم من خيل ولا ركاب فإنه روي أن أهل فدك لما بلغهم أهل خيبر أنهم سألوا رسول الله أن يجليهم ويحقن دماءهم ويخلوا بينه وبين أموالهم بعثوا إلى رسول الله وصالحوه على النصف من فدك فصالحهم عليه الصلاة والسلام على ذلك ثم الفرق بين رسول الله وبين الأئمة في المال المبعوث إليهم من أهل الحرب أنه يكون لعامة المسلمين وكان لرسول الله خاصة أن الإمام إنما أشرك قومه في المال المبعوث إليه من أهل الحرب لأن هيبة الأئمة بسبب قومهم فكانت شركة بينهم وأما هيبة رسول الله فكانت بما نصر من الرعب لا بأصحابه كما قال عليه الصلاة والسلام نصرت بالرعب مسيرة شهرين لذلك كان له أن يختص لنفسه والله سبحانه وتعالى أعلم

Section V07/P115–V07/P116

وعلى هذا إذا دخل حربي في دار الإسلام بغير أمان فأخذه واحد من المسلمين يكون فيئا لجماعة المسلمين ولا يختص به الآخذ عند أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يكون للآخذ خاصة وجه قولهما أن سبب الملك وجد من الآخذ خاصة فيختص بملكه كما إذا دخلت طائفة من أهل الحرب دار الإسلام فاستقبلتها سرية من أهل الإسلام فأخذتها أنهم يختصون بملكها والدليل على أن سبب الملك وجد من الآخذ خاصة أن السبب هو الأخذ والاستيلاء هو إثبات اليد وقد وجد ذلك حقيقة من الآخذ خاصة وأهل الدار إن كانت لهم يد لكنها حكمية ويد الحربي حقيقة ( ( ( حقيقية ) ) ) لأنه حر والحر في يد نفسه واليد الحكمية لا تصلح مبطلة لليد الحقيقية لأنها دونها ونقض الشيء بما هو مثله أو بما هو فوقه لا بما هو دونه فأما يد الآخذ فيد حقيقة وهي محقة ويد الحربي مبطلة فجاز إبطالها بها وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أنه وجد سبب ثبوت الملك لعامة المسلمين في محل قابل للملك وهو المباح فيصير ملكا للكل كما إذا استولى جماعة على صيد وإنما قلنا ذلك لأنه كل ما دخل دار الإسلام فقد ثبت يد أهل الدار عليه لأن الدار في أيديهم فما في الدار يكون في أيديهم أيضا ولهذا قلنا إنه لا يثبت الملك للغانمين في الغنائم ما داموا في دار الحرب كذا ( ( ( كهذا ) ) ) ههنا وقوله يد أهل الدار يد حكمية ويد الحربى حقيقية فلا تبطلها قلنا ويد أهل الدار حقيقية أيضا لأن المعنى من اليد في هذه الأبواب القدرة من حيث سلامة الأسباب والآلات ولأهل الدار آلات سليمة لو استعملوها في التصرف عليه لحدثت لهم بمجرى العادة قدرة حقيقية على وجه لا يمكنهم مقاومتهم ومعارضتهم مع ما أنه إذا ثبت يد الأخذ عليه حقيقة فقد ثبت يد أهل الدار لأن يده يد أهل الدار لأن أهل دار الإسلام كلهم منعة واحدة فإنهم يذبون عن دين واحد فكانت يده يد الكل معنى كما إذا دخل الغزاة دار الحرب فأخذ واحد منهم شيئا من أموال الكفرة فإن المأخوذ يكون غنيمة مفسومة ( ( ( مقسومة ) ) ) بين الكل كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما السريتان إذا التقتا في دار الإسلام فأخذ منها سرية الإمام فإنما اختصوا بمكلها ( ( ( بملكها ) ) ) للحاجة والضرورة وهي أن بالإمام حاجة إلى بعث السرايا لحراسة الحوزة وحماية البيضة عن شر الكفرة إذ الكفرة يقصدون دار الإسلام والدخول في حدودها بغتة فإذا علموا ببعث السرايا وتهيئهم للذب عن حريم الإسلام قطعوا الأطماع فبقيت البيضة محروسة فلو لم يختصوا بالمأخوذ لما انقاد طبعهم لكفاية هذا الشغل فتمتد أطماع الكفرة إلى دار الإسلام ولهذا إذا نفل الإمام سرية فأصابوا شيئا يختصون به لوقوع الحاجة إلى التنفيل لاختصاص بعض الغزاة بزيادة شجاعة لأنه لا ينقاد طبعه لإظهارها ( ( ( لإظهاره ) ) ) إلا بالترغيب بزيادة من المصاب بالتنفيل كذا هذا وهل يجب فيه الخمس فعن أبي حنيفة رضي الله عنه روايتان والصحيح أنه لا يجب لأن الخمس إنما يجب في الغنائم والغنيمة اسم للمال المأخوذ عنوة وقهرا بإيجاف الخيل والركاب ولم يوجد لحصوله في أيديهم بغير قتال فكان مباحا ملك لا على سبيل القهر والغلبة فلا يجب فيه الخمس كسائر المباحات

Section V07/P116

وكذا روي عن محمد روايتان والصحيح أنه يجب فيه الخمس لأن الملك عنده يثبت بأخذه وإنما أخذه على سبيل القهر والغلبة فكان في حكم الغنائم ولو دخل دار الإسلام فأسلم قبل أن يؤخذ ثم أخذه واحد من المسلمين يكون فيئا لجماعة المسلمين أيضا عند أبي حنيفة وعندهما يكون حرا لا سبيل لأحد عليه وهذا فرع الأصل الذي ذكرنا أن عند أبي حنيفة رحمه الله كما دخل دار الإسلام فقد انعقد سبب الملك فيه لوقوعه في يد أهل الدار فاعتراض الإسلام بعد انعقاد سبب الملك لا يمنع الملك وعندهما سبب الملك هو الأخذ حقيقة فكان حرا قبله حيث وجد الإسلام قبل وجود سبب الملك فيه فيمنع ثبوت الملك على ما مار ( ( ( مر ) ) ) ولو رجع هذا الحربي إلى دار الحرب خرج من أن يكون فيئا بالإجماع أما عند أبي حنيفة فلأن حق أهل دار الإسلام لا يتأكد إلا بالأخذ حقيقة ولم يوجد وأما عندهما فلأنه لم يثبت الملك أصلا إلا بحقيقة الأخذ ولم يوجد وصار هذا كما إذا انفلت واحد من الاسارى قبل الإحراز بدار الإسلام والتحق بمنعتهم أنه يعود حرا كما كان كذا هذا ولو ادعى هذا الحربي بأمان لم يقبل قوله عند أبي حنيفة وعندهما يقبل أما عنده فلأن دخول دار الحرب سبب ثبوت الملك والأمان عارض مانع من انعقاد السبب فلا تقبل دعوى العارض إلا بحجة وأما عندهما فلأن الملك فيه يقف على حقيقة الأخذ فكان حرا قبله فكان دعوى الأمان دعوى حكم الأصل فتقبل وكذلك لو قال الآخذ إني أمنته لم يقبل قوله عند أبي حنيفة وعندهما يقبل أما عنده فلأن هذا إقرار يتضمن إبطال حق الغير فلا يقبل وعندهما هذا إقرار على نفسه وأنه غير متهم في حق نفسه ولو دخل هذا الحربي الحرم قبل أن يؤخذ فهو فيء عند أبي حنيفة ودخول الحرم لايبطل ذلك عنه لأن ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بين الحرم وغيره والدليل عليه أن الإسلام لم يبطل الملك فالحرم أولى ولأن الإسلام أعظم حرمة من الحرم وعندهما لا يكون فيئا إلا بحقيقة الأخذ فيبقى على أصل الحرية ولا يتعرض له لكنه لا يطعم ولا يسقى ولا يؤوى ولا يبايع حتى يخرج من الحرم ولو أمنه رجل من المسلمين في الحرم أو بعدما خرج من الحرم قبل أن يؤخذ لم يصح عند أبي حنيفة وعندهما يصح ويرد إلى مأمنه لأن عنده صار فيئا لجماعة المسلمين بنفس دخول دار الإسلام وعندهما لا يصير فيئا إلا بحقيقة الأخذ فإذا أمنه قبل الأخذ يصح ولا يصح بعده لأنه مرقوق ( ( ( مرموق ) ) ) ولو أخذه رجل في الحرم وأخرجه منه فقد أساء وكان فيئا لجماعة المسلمين عند أبي حنيفة وعندهما يكون لمن أخذه أما عنده فلأن الملك قد ثبت بدخوله دار الإسلام فالأخذ في الحرم لا يبطله وأما عندهما فلأن الملك وإن كان يثبت بالأخذ وأنه منهي لكن النهي لغيره وهو حرمة الحرم فلا يمنع كونه سببا للملك في ذاته كالبيع وقت النداء ونحو ذلك ولو أخذه في الحرم ولم يخرجه فينبغي أن يخلي سبيله في الحرم رعاية لحرمة الحرم ما دام فيه والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الغنيمة فالكلام فيها في مواضع في تفسير الغنيمة وفي بيان ما يملكه الإمام من التصرف في الغنائم وفي بيان مكان قسمة الغنائم وفي بيان ما يباح الانتفاع به من الغنائم وفي بيان كيفية قسمة الغنائم وفي بيان مصارفها أما الأول فالغنيمة عندنا اسم للمأخوذ من أهل الحرب على سبيل القهر والغلبة وهذا ( ( ( والأخذ ) ) ) الأخذ لا يتحقق إلا بالمنعة إما بحقيقة المنعة أو بدلالة المنعة وهي إذن الإمام وعند الشافعي رحمه الله هي اسم للمأخوذ من أهل الحرب كيفما كان ولا يشترط له المنعة أصلا

Section V07/P116–V07/P117

وبيان ذلك في مسائل إذا دخل جماعة لهم منعة دار الحرب فأخذوا أموالا منهم فإنها تقسم قسمة الغنائم بالإجماع سواء دخلوا بإذن الإمام أو بغير إذنه لوجود الأخذ على سبيل القهر والغلبة لوجود المنعة القائمة مقام المقاتلة حقيقة وأقل المنعة أربعة في ظاهر الرواية لقوله عليه الصلاة والسلام خير الأصحاب أربعة وروي عن أبي يوسف أنها تسعة ولو دخل من لا منعة له بإذن الإمام كان المأخوذ غنيمة في ظاهر الرواية عن أصحابنا لوجود المنعة دلالة على ما نذكره ولو دخل بغير إذن الإمام لم يكن غنيمة عندنا لانعدام المنعة أصلا وعند الشافعي رحمه الله يكون غنيمة والصحيح قولنا لأن الغنيمة والغنم والمغنم في اللغة اسم لمال أصيب من أموال الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب وكذا إشارة النص دليل عليه وهي قوله سبحانه وتعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب أشار سبحانه وتعالى إلى أنه ما لم يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب لا يكون غنيمة وإصابة مال أهل الحرب بإيجاف الخيل والركاب لا يكون إلا بالمنعة إما حقيقة أو دلالة لأن من لا منعة له لا يمكنه الأخذ على طريق القهر والغلبة فلم يكن المأخوذ غنيمة بل كان مالا مباحا فيختص به الآخذ كالصيد إلا إن أخذاه جميعا فيكون المأخوذ بينهما كما لو أخذا صيدا أما عند وجود المنعة فيتحقق الأخذ على سبيل القهر والغلبة أما حقيقة المنعة فظاهرة وكذا دلالة المنعة وهي إذن الإمام لأنه لما أذن له الإمام بالدخول فقد ضمن له المعونة بالمدد والنصرة عند الحاجة فكان دخوله بإذن الإمام امتناعا بالجيش الكثيف معنى فكان المأخوذ مأخوذا على سبيل القهر والغلبة فكان غنيمة فهو الفرق ولو اجتمع فريقان أحدهما دخل بإذن الإمام والآخر بغير إذنه ولا منعة لهم فالحكم في كل فريق عند الاجتماع ما هو الحكم عند الانفراد أنه إن تفرد كل فريق بأخذ شيء فلكل فريق ما أخذ كما لو انفرد كل فريق بالدخول فأخذ شيئا فإن اشترك الفريقان في الأخذ فالمأخوذ بينهم على عدد الآخذين ثم ما أصاب المأذون لهم يخمس ( ( ( بخمس ) ) ) ويكون أربعة أخماسه بينهم مشتركة فيه الآخذ وغير الآخذ لأنه غنيمة وهذا سبيل الغنائم وما أصاب الذين لم يؤذن لهم لا خمس فيه فيكون بين الأخذين ولا يشاركهم الذين لم يأخذوا لأنه مال مباح وهذا حكم المال المباح على ما بينا هذا إذا اجتمع فريقان ولا منعة لهم فأما إذا اجتمعا وكان لهم باجتماعهم منعة فما أصاب واحدا منهم أو جماعتهم بخمس وأربعة أخماسه بينهم لأن المأخوذ غنيمة لوجود المنعة فكان وجود الإذن وعدمه بمنزلة واحدة ولو كان الذين دخلوا بإذن الإمام لهم منعة ثم لحقهم لص أو لصان لا منعة لهما بغير إذن الإمام ثم لقوا قتالا وأصابوا غنائم فما أصاب العسكر قبل أن يلحقهم اللص فإن هذا اللص لا يشاركهم فيه وما أصابوه بعد أن لحق هذا اللص بهم فإنه يشاركهم لأن الإصابة قبل اللحاق حصلت بقتال العسكر حقيقة وكذلك الإحراز بدار الإسلام لأن لهم غنيمة ( ( ( غنية ) ) ) عن معونة اللص فكان دخوله في الاستيلاء على المصاب قبل اللحاق وعدمه بمنزلة واحدة ولا يشبه هذا الجيش إذا لحقهم المدد أنه يشاركهم فيما أصابوا لأن الجيش يستعين بالمدد لقوتهم فكان الإحراز حاصلا بالكل وكذلك الإصابة بعد اللحوق حصلت باستيلاء الكل لذلك شاركهم بخلاف اللص والله تعالى أعلم ولو أخذ واحد من الجيش شيئا من المتاع الذي له قيمة وليس في يد إنسان منهم كالمعادن والكنوز والخشب والسمك فذلك غنيمة وفيه الخمس وذلك الواحد إنما أخذه بمنعة الجماعة وقوتهم فكان مالا مأخوذا على سبيل القهر والغلبة فكان غنيمة وإن لم يكن لذلك الشيء في دار الحرب وفي دار الإسلام قيمة فهو له خاصة لأنه إذا لم يكن له قيمة لا يقع فيه تمانع وتدافع فلا يقع أخذه على سبيل القهر والغلبة فلم يكن غنيمة

Section V07/P117–V07/P118

ولو أخذ شيئا له قيمة في دار الحرب نحو الخشب فعمله آنية أو غيرها رده إلى الغنيمة لأنه إذا كان له قيمة بذاته فالعمل فيه فضل له فإن لم يكن ذلك الشيء متقوما فهو له خاصة لما قلنا ولا خمس فيما يؤخذ على موادعة أهل الحرب لأنه ليس بمأخوذ على سبيل القهر والغلبة فلم يكن غنيمة وكذا ما بعث رسالة إلى إمام المسلمين لا خمس فيه لما قلنا ولو حاصر المسلمون قلعة في دار الحرب فافتدوا أنفسهم بمال ففيه الخمس لأنه غنيمة لكونه مأخوذا على سبيل القهر والغلبة والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان ما يملكه الإمام من التصرف في الغنائم فجملة الكلام فيه أنه إذا ظهر الإمام على بلاد أهل الحرب فالمستولى عليه لا يخلو من أحد أنواع ثلاثة المتاع والأراضي والرقاب أما المتاع فإنه يخمس ويقسم الباقي بين الغانمين ولا خيار للإمام فيه وأما الأراضي فللإمام فيها خياران إن شاء خمسها ويقسم الباقي بين الغانمين لما بينا وإن شاء تركها في يد أهلها بالخراج وجعلهم ذمة إن كانوا بمحل الذمة بأن كانوا من أهل الكتاب أو من مشركي العجم ووضع الجزية على رؤوسهم والخراج على أراضيهم وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله ليس للإمام أن يترك الأراضي في أيديهم بالخراج بل يقسمها وجه قوله أن الأراضي صارت ملكا للغزاة بالاستيلاء فكان الترك في أيديهم إبطالا لملك الغزاة فلا يملكه الإمام كالمتاع ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن سيدنا عمر رضي الله عنه لما فتح سواد العراق ترك الأراضي في أيديهم وضرب على رءوسهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فكان ذلك إجماعا منهم وأما الرقاب فالإمام فيها بين خيارات ثلاثة ( ( ( ثلاث ) ) ) إن شاء قتل الأسارى منهم وهم الرجال المقاتلة وسبى النساء والذراري لقوله تبارك وتعالى فاضربوا فوق الأعناق وهذا بعد الأخذ والأسر لأن الضرب فوق الأعناق هو الإبانة من المفصل ولا يقدر على ذلك حال القتال ويقدر عليه بعد الأخذ والأسر وروي أن رسول الله لما استشار الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم في أسارى بدر فأشار بعضهم إلى الفداء وأشار سيدنا عمر رضي الله عنه إلى القتل فقال رسول الله لو جاءت من السماء نار ما نجى ( ( ( نجا ) ) ) إلا عمر أشار عليه الصلاة والسلام إلى أن الصواب كان هو القتل وكذا روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث يوم بدر وبقتل هلال بن خطل ومقيس بن صبابة يوم فتح مكة ولأن المصلحة قد تكون في القتل لما فيه من استئصالهم فكان للإمام ذلك وإن شاء استرق الكل فخمسهم وقسمهم لأن الكل غنيمة حقيقة لحصولها في أيديهم عنوة وقهرا بإيجاف الخيل والركاب فكان له أن يقسم الكل إلا رجال مشركي العرب والمرتدين فإنهم لا يسترقون عندنا بل يقتلون أو يسلمون وعند الشافعي رحمه الله يجوز استرقاقهم وجه قوله أنه يجوز استرقاق مشركي العجم وأهل الكتاب من العجم والعرب فكذا استرقاق مشركي العرب والمرتدين وهذا لأن للاسترقاق حكم الكفر وهم في الكفر سواء فكانوا في احتمال الاسترقاق سواء ولنا قوله سبحانه وتعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلى قوله سبحانه وتعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ولأن ترك القتل بالاسترقاق في حق أهل الكتاب ومشركي العجم للتوسل إلى الإسلام ومعنى الوسيلة لا يتحقق في حق مشركي العرب والمرتدين على نحو ما بينا من قبل وأما النساء والذراري منهم فيسترقون كما يسترق نساء مشركي العجم وذراريهم لأن النبي استرق نساء هوازن وذراريهم وهم من صميم العرب وكذا الصحابة استرقوا نساء المرتدين من العرب وذراريهم وإن شاء من عليهم وتركهم أحرارا بالذمة كما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه بسواد العراق إلا مشركي العرب والمرتدين فإنه لا يجوز تركهم بالذمة وعقد الجزية كما لا يجوز بالاسترقاق لما بينا

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) · 115 · Qur'an & Sunnah