Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V07/P135–V07/P136

وعند الشافعي رحمه الله بشريطة الموت عليها وهي مسألة كتاب الصلاة ومنها أنه لا يجب عليه شيء من العبادات عندنا لأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا وعند الشافعي رحمه الله يجب عليه وهي من مسائل أصول الفقه وأما الذي يرجع إلى ماله فثلاثة أنواع حكم الملك وحكم الميراث وحكم الدين أما الأول فنقول لا خلاف في أنه إذا أسلم تكون أمواله على حكم ملكه ولا خلاف أيضا في أنه إذا مات أو قتل أو لحق بدار الحرب تزول أمواله عن ملكه واختلف في أنه تزول بهذه الأسباب مقصورا على الحال أم بالردة من حين وجودها على التوقف فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ملك المرتد لا يزول عن ماله بالردة وإنما يزول بالموت أو القتل أو باللحاق بدار الحرب وعند أبي حنيفة رضي الله عنه الملك في أمواله موقوف على ما يظهر من حاله وعلى هذا الأصل بني حكم تصرفات المرتد إنها جائزة عندهما كما تجوز من المسلم حتى لو أعتق أو دبر أو كاتب أو باع أو اشترى أو وهب نفذ ذلك كله وعقدت ( ( ( وعقدة ) ) ) تصرفاته موقوفة لوقوف أملاكه فإن أسلم جاز كله وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطل كله وجه قولهما أن الملك كان ثابتا له حالة الإسلام لوجود سبب الملك وأهليته وهي الحرية والردة لا تؤثر في شيء من ذلك ثم اختلفا فيما بينهما في كيفية الجواز فقال أبو يوسف رحمه الله جوازها جواز تصرف الصحيح وقال محمد رحمه الله جواز تصرفات المريض مرض الموت وجه قول محمد رحمه الله أن المرتد على شرف التلف لأنه يقتل فأشبه المريض مرض الموت وجه قول أبي يوسف إن اختيار الإسلام بيده فيمكنه الرجوع إلى الإسلام فيخلص عن القتل والمريض لا يمكنه دفع المرض عن نفسه فأنى يتشابهان وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أنه وجد سبب زوال الملك وهو الردة لأنها سبب لوجوب القتل والقتل سبب لحصول الموت فكان زوال الملك عند الموت مضافا إلى السبب السابق وهو الردة ولا يمكنه اللحاق بدار الحرب بأمواله لأنه لا يمكن من ذلك بل يقتل فيبقي ماله فاضلا عن حاجته فكان ينبغي أن يحكم بزوال ملكه للحال إلا أنا توقفنا فيه لاحتمال العود إلى الإسلام لأنه إذا عاد ترتفع الردة من الأصل ويجعل كأن لم يكن فكان التوقف في الزوال للحال لاشتباه العاقبة فإن أسلم تبين أن الردة لم تكن سببا لزوال الملك لارتفاعها من الأصل فتبين أن تصرفه صادف محله فيصح وإن قتل أو مات أو لحق بدار الحرب تبين أنها وقعت سببا للزوال من حين وجودها فتبين أن الملك كان زائلا من حين وجود الردة لأن الحكم لا يتخلف عن سببه فلم يصادف التصرف محله فبطل فأما قبل ذلك كان ملكه موقوفا فكانت تصرفاته المبنية عليه موقوفة ضرورة وأجمعوا على أنه يصح استيلاده حتى إنه لو استولد أمته فادعى ولدها أنه يثبت النسب وتصير الجارية أم ولد له أما عندهما فلأن المحل مملوك له ملكا تاما وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فلأن الملك الموقوف لا يكون أدنى حالا من حق الملك ثم حق الملك يكفي لصحة الاستيلاد فهذا أولى وأجمعوا على أنه يصح طلاقه وتسليمه الشفعة لأن الردة لا تؤثر في ملك النكاح والثابت للشفيع حق لا يحتمل الإرث ومعاوضته موقوفة بالإجماع لأنها مبنية على المساواة

Section V07/P136

وأما المرتدة فلا يزول ملكها عن أموالها بلا خلاف فتجوز تصرفاتها في مالها بالإجماع لأنها لا تقتل فلم تكن ردتها سببا لزوال ملكها عن أموالها بلا خلاف فتجوز تصرفاتها وإذا عرف حكم ملك المرتد وحال تصرفاته المبنية عليه فحال المرتد لا يخلو من أن يسلم أو يموت أو يقتل أو يلحق بدار الحرب فإن أسلم فقد عاد على حكم ملكه القديم لأن الردة ارتفعت من الأصل حكما وجعلت كأن لم تكن أصلا وإن مات أو قتل صار ماله لورثته وعتق أمهات أولاده ومدبروه ومكاتبوه إذا أدى إلى ورثته وتحل الديون التي عليه وتقضى عنه لأن هذه أحكام الموت وكذلك إذا لحق بدار الحرب مرتدا وقضى القاضي بلحاقه لأن اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت في حق زوال ملكه عن أمواله المتروكة في دار الإسلام لأن زوال الملك عن المال بالموت حقيقة لكونه مالا فاضلا عن حاجته لانتهاء حاجته بالموت وعجزه عن الانتفاع به وقد وجد هذا المعنى في اللحاق لأن المال الذي في دار الإسلام خرج من أن يكون منتفعا به في حقه لعجزه عن الانتفاع به فكان في حكم المال الفاضل عن حاجته لعجزه عن قضاء حاجته به فكان اللحاق بمنزلة الموت في كونه مزيلا للملك فإذا قضى القاضي باللحاق يحكم بعتق أمهات أولاده ومدبريه ويقسم ماله بين ورثته وتحل ديونه المؤجلة لأن هذه أحكام متعلقة بالموت وقد وجد معنى وأما المكاتب فيؤدي إلى ورثته فيعتق وإذا عتق فولاؤه للمرتد لأنه المعتق ولو لحق بدار الحرب ثم عاد إلى دار الإسلام مسلما فهذا لا يخلو من أحد وجهين أحدهما أن يعود قبل قضاء القاضي بلحاقه بدار الحرب والثاني أن يعود بعد ذلك فإن عاد قبل أن يقضي القاضي بلحاقه عاد على حكم أملاكه في المدبرين وأمهات الأولاد وغير ذلك لما ذكرنا أن هذه الأحكام متعلقة بالموت واللحوق بدار الحرب ليس بموت حقيقة لكنه يلحق بالموت إذا اتصل به قضاء القاضي باللحاق فإذا لم يتصل به لم يلحق فإذا عاد يعود على حكم ملكه وإن عاد بعد ما قضى القاضي باللحاق فما وجد من ماله في يد ورثته بحاله فهو أحق به لأن ولده جعل خلفا له في ماله فكان تصرفه في ماله بطريق الخلافة له كأنه وكيله فله أن يأخذ ما وجده قائما على حاله وما زال ملك الوارث عنه بالبيع أو بالعتق فلا رجوع فيه لأن تصرف الخلف كتصرف الأصل بمنزلة تصرف الوكيل وأما ما أعتق الحاكم من أمهات أولاده ومدبريه فلا سبيل عليهم لأن الإعتاق مما لا يحتمل الفسخ وكذا المكاتب إذا كان أدى المال إلى الورثة لا سبيل عليه أيضا لأن المكاتب عتق بأداء المال والعتق لا يحتمل الفسخ وما أدى إلى الورثة إن كان قائما أخذه ( ( ( أخذ ) ) ) وإن زال ملكهم عنه لا يجب عليهم ضمانه كسائر أمواله لما بينا وإن كان لم يؤد بدل الكتابة بعد يؤخذ بدل الكتابة وإن عجز عاد رقيقا له ولو رجع كافرا إلى دار الإسلام وأخذ طائفة من ماله وأدخلها إلى دار الحرب ثم ظهر المسلمون عليه فإن رجع بعد ما قضى بلحاقه فالورثة أحق به وإن وجدته قبل القسمة أخذته مجانا بلا عوض وإن وجدته بعد القسمة أخذته بالقيمة في ذوات القيم لأنه إذا لحق وقضى بلحاقه فقد زال ملكه إلى الورثة فهذا مال مسلم استولى عليه الكافر وأحرزه بدار الحرب ثم ظهر المسلمون على الدار فوجده المالك القديم فالحكم فيه ما ذكرنا وإن رجع قبل الحكم باللحاق ففيه روايتان في رواية هذا ورجوعه بعد الحكم باللحاق سواء وفي رواية أنه يكون فيئا لا حق للورثة فيه أصلا والله سبحانه وتعالى أعلم ولو جنى المرتد جناية ثم لحق بدار الحرب ثم عاد إلينا ثانيا فما كان من حقوق العباد كالقتل والغصب والقذف يؤخذ به وما كان من حقوق الله تبارك وتعالى كالزنا والسرقة وشرب الخمر يسقط عنه لأن اللحاق يلتحق بالموت فيورث شبهة في سقوط ما يسقط بالشبهات

Section V07/P136–V07/P137

ولو فعل شيئا من ذلك بعد اللحاق بدار الحرب ثم مات لم يؤخذ بشيء منه لأن فعله لم ينعقد موجبا لصيرورته في حكم أهل الحرب هذا الذي ذكرنا حكم ماله الذي خلفه في دار الإسلام وأما الذي لحق به في دار الحرب فهو ملكه حتى لو ظهر المسلمون عليه يكون فيئا لأن ملك الورثة لم يثبت في المال المحمول إلى دار الحرب فبقي على ملك المرتد وهو غير معصوم فكان محل التملك بالاستيلاء لسائر أموال أهل الحرب وأما حكم الميراث فنقول لا خلاف بين أصحابنا رضي الله عنهم في أن المال الذي اكتسبه في حالة الإسلام يكون ميراثا لورثته المسلمين إذا مات أو قتل أو لحق وقضي باللحاق وقال الشافعي رحمه الله هو فيء واحتج بما روي عن رسول الله أنه قال لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر نفى أن يرث المسلم الكافر ووارثه مسلم فيجب أن لا يرثه ولنا ما روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه قتل المستورد العجلي بالردة وقسم ماله بين ورثته المسلمين وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر منكر عليه فيكون إجماعا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولأن الردة في كونها سببا لزوال الملك كالموت على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه على ما قررناه فإذا ارتد فهذا مسلم مات فيرثه المسلم فكان هذا إرث المسلم من المسلم لا من الكافر فقد قلنا بموجب الحديث بحمد الله تعالى وأما على أصلهما فالردة إن كانت لا توجب زوال الملك يمكن احتمال العود إلى الإسلام ألا ترى أنه يجبر على الإسلام فيبقى على حكم الإسلام في حق حكم الإرث وذلك جائز ألا ترى أنه بقي على حكم الإسلام في حق المنع من التصرف في الخمر والخنزير فجاز أن يبقى عليه في حق حكم الإرث أيضا فلا يكون إرث المسلم من الكافر فيكون عملا بالحديث أيضا واختلفوا في المال الذي اكتسبه في حال الردة قال أبو حنيفة رضي الله عنه هو فيء وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله هو ميراث وجه قولهما أن كسب الردة ملكه لوجود سبب الملك من أهل الملك في محل قابل ولا شك أن المرتد أهل الملك لأن أهلية الملك بالحرية والردة لا تنافيها بل تنافي ما ينافيها وهو الرق إذ المرتد لا يحتمل الاسترقاق وإذا ثبت ملكه فيه احتمل الانتقال إلى ورثته بالموت أو ما هو في معنى الموت على ما بينا وجه قول أبي حنيفة رحمه الله ما ذكرنا أن الردة سبب لزوال الملك من حين وجودها بطريق الظهور على ما بينا ولا وجود للشيء مع وجود سبب زواله فكان الكسب في الردة مالا لا مالك له فلا يحتمل الإرث فيوضع في بيت مال المسلمين كاللقطة ثم اختلفوا فيما يورث من مال المرتد أنه يعتبر حال الوارث وهي أهلية الوراثة وقت الردة أم وقت الموت أم من وقت الردة إلى وقت الموت فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعتبر أهلية الوراثة وقت الموت لأن ملك المرتد إنما يزول عندهما بالموت فتعتبر الأهلية في ذلك الوقت لا غير وعن أبي حنيفة رضي الله عنه روايتان في رواية يعتبر وقت الردة لا غير حتى لو كان أهلا وقت الردة ورث وإن زالت أهليته بعد ذلك وفي رواية يعتبر دوام الأهلية من وقت الردة إلى وقت الموت وجه هذه الرواية أن الإرث يثبت بطريق الاسناد ( ( ( الاستناد ) ) ) لا بطريق الظهور لأن الموت أمر لا بد منه للإرث والقول بالإرث بطريق الظهور إيجاب الإرث قبل الموت ولا سبيل إليه فإذا وجد الموت يثبت الإرث ثم يستند إلى وقت وجود الردة وزوال الأهلية فيما بين الوقتين يمنع من الإسناد ( ( ( الاستناد ) ) ) فيشترط دوام الأهلية من وقت الردة إلى وقت الموت حتى لو كان بعض الورثة مسلما وقت الردة ثم ارتد عن الإسلام قبل موت المرتد لا يورث وكذا إذا مات قبل موته أو المرأة انقضت عدتها قبل موته

Section V07/P137–V07/P138

وجه الرواية الأولى أن الإرث يتبع زوال الملك والملك زال بالردة من وقت وجودها فيثبت الإرث في ذلك الوقت بطريق الظهور قوله هذا إيجاب الإرث قبل الموت قلنا هذا ممنوع بل هذا إيجاب الإرث بعد الموت لأن الردة في معنى الموت لأنها تعمل عمل الموت في زوال الملك على ما بينا فكانت الردة موتا معنى وكذا اختلف أبو يوسف ومحمد رحمهما الله فيما إذا لحق بدار الحرب وقضى القاضي باللحاق أنه تعتبر أهلية الوراثة وقت القضاء باللحاق أم وقت اللحاق فعند أبي يوسف رحمه الله وقت القضاء وعند محمد رحمه الله تعتبر وقت اللحاق وجه قول محمد أن وقت الإرث وقت زوال الملك وملك المرتد إنما يزول باللحاق لأن به يعجز عن الانتفاع بماله المتروك في دار الإسلام إلا أن العجز قبل القضاء غير متقرر لا حتمال العود فإذا قضى تقرر العجز وصار العود بعده كالممتنع عادة فكان العامل في زوال الملك هو اللحاق فتعتبر الأهلية وقتئذ وجه قول أبي يوسف أن الملك لا يزول إلا بالقضاء فكان المؤثر في الزوال هو القضاء وعلى هذا الاختلاف المرتدة إذا لحقت بدار الحرب لأن المعنى لا يوجب الفصل ولو ارتد الزوجان معا ثم جاءت بولد ثم قتل الأب على ردته فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من حين الردة يرثه لأنه علم أن العلوق حصل في حالة الإسلام قطعا وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا من حين الردة لم يرثه لأنه يحتمل أنه علق في حالة الردة فلا يرث مع الشك ولو ارتد الزوج دون المرأة أو كانت له أم ولد مسلمة ورثه مع ورثته المسلمين وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لأن الأم مسلمة فكان الولد على حكم الإسلام تبعا لأمه فيرث أباه ولو مات مسلم عن امرأته وهي حامل فارتدت ولحقت بدار الحرب فولدت هناك ثم ظهرنا على الدار فإنه لا يسترق ويرث أباه لأنه مسلم تبعا لأبيه ولو لم تكن ولدته حتى سبيت ثم ولدته في دار الإسلام فهو مسلم مرقوق مسلم تبعا لأبيه مرقوق تبعا لأمه ولا يرث أباه لأن الرق من أسباب الحرمان ولو تزوج المرتد مسلمة فولدت له غلاما أو وطىء أمة مسلمة فولدت له فهو مسلم تبعا للأم ويرث أباه لثبوت النسب وإن كانت الأم كافرة لا يحكم بإسلامه لأنه لم يوجد إسلام أحد الأبوين والله سبحانه أعلم وأما حكم الدين فعند أبي يوسف ومحمد ديون المرتد في كسب الإسلام والردة جميعا لأن كل ذلك عندهما ميراث وأما عند أبي حنيفة عليه الرحمة فقد ذكر أبو يوسف عنه أنه في كسب الردة إلا أن لا يفي به فيقضي الباقي من كسب الإسلام وروى الحسن رحمه الله عنه أنه في كسب الإسلام إلا أن لا يفي به فيقضي الباقي من كسب الردة وقال الحسن رحمه الله دين الإسلام في كسب الإسلام ودين الردة في كسب الردة وهو قول زفر رحمه الله والصحيح رواية الحسن لأن دين الإنسان يقضى من ماله لا من مال غيره وكذا دين الميت يقضى من ماله لا من مال وارثه لأن قيام الدين يمنع زوال ملكه إلى وارثه بقدر الدين لكون الدين مقدما على الإرث فكان قضاء دين كل ميت من ماله لا من مال وارثه وماله كسب الإسلام فأما كسب الردة فمال جماعة المسلمين فلا يقضى منه الدين إلا لضرورة فإذا لم يف به كسب الإسلام مست الضرورة فيقضى الباقي منه والله أعلم فصل وأما حكم ولد المرتد فولد المرتد لا يخلو من أن يكون مولودا في الإسلام أو في الردة فإن كان مولودا في الإسلام بأن ولد للزوجين ولد وهما مسلمان ثم ارتدا لا يحكم بردته ما دام في دار الإسلام لأنه لما ولد وأبواه مسلمان فقد حكم بإسلامه تبعا لأبويه فلا يزول بردتهما لتحول التبعية إلى الدار إذ الدار وإن كانت لا تصلح لإثبات التبعية ابتداء عند استتباع الأبوين تصلح للإبقاء لأنه أسهل من الابتداء فما دام في دار الإسلام يبقى على حكم الإسلام تبعا للدار

Section V07/P138–V07/P139

ولو لحق المرتدان بهذا الولد بدار الحرب فكبر الولد وولد له ولد وكبر ثم ظهر عليهم أما حكم المرتد والمرتدة فمعلوم وقد ذكرنا أن المرتد لا يسترق ويقتل والمرتدة تسترق ولا تقتل وتجبر على الإسلام بالحبس وأما حكم الأولاد فولد الأب يجبر على الإسلام ولا يقتل لأنه كان مسلما بإسلام أبويه تبعا لهما فلما بلغ كافرا فقد ارتد عنه والمرتد يجبر على الإسلام إلا أنه لا يقتل لأن هذه ردة حكمية لا حقيقية لوجود الإيمان حكما بطريق التبعية لا حقيقة فيجبر على الإسلام لكن بالحبس لا بالسيف إثباتا للحكم على قدر العلة ولا يجبر ولد ولده على الإسلام لأن ولد الولد لا يتبع الجد في الإسلام إذ لو كان كذلك لكان الكفار كلهم مرتدين لكونهم من أولاد آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام فينبغي أن تجري عليهم أحكام أهل الردة وليس كذلك بالإجماع وإن كان مولودا في الردة بأن ارتد الزوجان ولا ولد لهما ثم حملت المرأة من زوجها بعد ردتها وهما مرتدان على حالهما فهذا الولد بمنزلة أبويه له حكم الردة حتى لو مات لا يصلى عليه لأن المرتد لا يرث أحدا ولو لحقا بهذا الولد بدار الحرب فبلغ وولد له أولاد فبلغوا ثم ظهر على الدار وسبوا جميعا يجبر ولد الأب وولد ولده على الإسلام ولا يقتلون كذا ذكر محمد في كتاب السير وذكر في الجامع الصغير أنه لا يجبر ولد ولده على الإسلام وجه ما ذكر في السير أن ولد الأب تبع لأبويه فكان محكوما بردته تبعا لأبويه وولد الولد تبع له فكان محكوما بردته تبعا له والمرتد يجبر على الإسلام إلا أنه لا يقتل لأن هذه ردة حكمية فيجبر على الإسلام بالحبس لا بالقتل وجه المذكور في الجامع أن هذا الولد إنما صار محكوما بردته تبعا لأبيه والتبع لا يستتبع غيره وأما حكم الاسترقاق فذكر في السير أنه يسترق الإناث والذكور الصغار من أولاده لأن أمهم مرتدة وهي تحتمل الاسترقاق والولد كما تبع الأم في الرق يتبعها في احتمال الاسترقاق وأما الكبار فلا يسترقون لانقطاع التبعية بالبلوغ ويجبرون على الإسلام وذكر في الجامع الصغير الولدان فيء أما الأول فلأن أمه مرتدة وأما الآخر فلأنه كافر أصلي لأن تبعية الأبوين في الردة قد انقطعت بالبلوغ وهو كافر فكان كافرا أصليا فاحتمل الاسترقاق ولو ارتدت امرأة وهي حامل ولحقت بدار الحرب ثم سبيت وهي حامل كان ولدها فيئا لأن السبي لحقه وهو في حكم جزء الأم فلا يبطل بالانفصال من الأم والذمي الذي نقض العهد ولحق بدار الحرب بمنزلة المرتد في سائر الأحكام من الإرث والحكم بعتق أمهات الأولاد والمدبرين ونحو ذلك لأن المعنى الذي يوجب لحاقه اللحاق بالموت في الأحكام التي ذكرنا لا يفصل إلا أنهما يفترقان من وجه وهو أن الذمي يسترق والمرتد لا يسترق وجه الفرق أن شرع الاسترقاق للتوسل إلى الإسلام واسترقاق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام لما ذكرنا أنه رجع بعد ما ذاق طعم الإسلام وعرف محاسنه فلا يرجى فلاحه بخلاف الذمي والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان أحكام البغاة فالكلام فيه في مواضع في تفسير البغاة وفي بيان ما يلزم إمام أهل العدل عند خروجهم عليه وفي بيان ما يصنع بهم وبأموالهم عند الظفر بهم والاستيلاء على أموالهم وفي بيان من يجوز قتله منهم ومن لا يجوز وفي بيان حكم إصابة الدماء والأموال من الطائفتين وفي بيان ما يصنع بقتلى الطائفتين وفي بيان حكم قضاياهم أما تفسير البغاة فالبغاة هم الخوارج وهم قوم من رأيهم أن كل ذنب كفر كبيرة كانت أو صغيرة يخرجون على إمام أهل العدل ويستحلون القتال والدماء والأموال بهذا التأويل ولهم منعة وقوة

Section V07/P139–V07/P140

وأما بيان ما يلزم إمام العدل عند خروجهم فنقول وبالله التوفيق إن علم الإمام أن الخوارج يشهرون السلاح ويتأهبون للقتال فينبغي له أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك ويحدثوا توبة لأنه لو تركهم لسعوا في الأرض بالفساد فيأخذهم على أيديهم ولا يبدؤهم الإمام بالقتال حتى يبدؤوه ( ( ( يبدءوه ) ) ) لأن قتالهم لدفع شرهم لا لشر شركهم لأنهم مسلمون فما لم يتوجه الشر منهم لا يقاتلهم وإن لم يعلم الإمام بذلك حتى تعسكروا وتأهبوا للقتال فينبغي له أن يدعوهم إلى العدل والرجوع إلى رأي الجماعة أولا لرجاء الإجابة وقبول الدعوة كما في حق أهل الحرب وكذا روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه لما خرج عليه أهل حر وراء ندب إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ليدعوهم إلى العدل فدعاهم وناظرهم فإن أجابوا كف عنهم وإن أبوا قاتلهم لقوله تعالى فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وكذا قاتل سيدنا علي رضي الله عنه أهل حروراء بالنهروان بحضرة الصحابة رضي الله عنهم تصديقا لقوله عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي إنك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل والقتال على التأويل هو القتال مع الخوارج ودل الحديث على إمامة سيدنا علي رضي الله عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه قتال سيدنا علي رضي الله عنه على التأويل بقتاله على التنزيل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتاله بالتنزيل فلزم أن يكون سيدنا علي محقا في قتاله بالتأويل فلو لم يكن إمام حق لما كان محقا في قتاله إياهم ولأنهم ساعون في الأرض بالفساد فيقتلون دفعا للفساد على وجه الأرض وإن قاتلهم قبل الدعوة لا بأس بذلك لأن الدعوة قد بلغتهم لكونهم في دار الإسلام ومن المسلمين أيضا ويجب على كل من دعاه الإمام إلى قتالهم أن يجيبه إلى ذلك ولا يسعه التخلف إذا كان عنده غنا ( ( ( غنى ) ) ) وقدرة لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض فكيف فيما هو طاعة والله سبحانه وتعالى الموفق وما روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه إذا وقعت الفتنة بين المسلمين فينبغي للرجل أن يعتزل الفتنة ويلزم بيته محمول على وقت خاص وهو أن لا يكون إمام يدعو ( ( ( يدعوه ) ) ) إلى القتال وأما إذا كان فدعاه يفترض عليه الإجابة لما ذكرنا وأما بيان ما يصنع بهم وبأموالهم عند الظفر بهم والاستيلاء على أموالهم فنقول الإمام إذا قاتل أهل البغي فهزمهم وولوا مدبرين فإن كانت لهم فئة ينحازون إليها فينبغي لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم ويجهزوا على جريحهم لئلا يتحيزوا إلى الفئة فيمتنعوا فيها ( ( ( بها ) ) ) فيكروا على أهل العدل وأما أسيرهم فإن شاء الإمام قتله استئصالا لشأفتهم وإن شاء حبسه لاندفاع شره بالأسر والحبس وإن لم يكن لهم فئة يتحيزون إليها لم يتبع مدبرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يقتل أسيرهم لوقوع الأمن عن شرهم عند انعدام الفئة وأما أموالهم التي ظهر أهل العدل عليها فلا بأس بأن يستعينوا بكراعهم وسلاحهم على قتالهم كسرا لشوكتهم فإذا استغنوا عنها أمسكها الإمام لهم لأن أموالهم لا تحتمل التملك بالاستيلاء لكونهم مسلمين ولكن يحبسها عنهم إلى أن يزول بغيهم فإذا زال ردها عليهم وكذا ما سوى الكراع والسلاح من الأمتعة لا ينتفع به ولكن يمسك ويحبس عنهم إلى أن يزول بغيهم فيدفع إليهم لما قلنا ويقاتل أهل البغي بالمنجنيق والحرق والغرق وغير ذلك مما يقاتل به أهل الحرب لأن قتالهم لدفع شرهم وكسر شوكتهم فيقاتلون بكل ما يحصل به ذلك وللإمام أن يوادعهم لينظروا في أمورهم ولكن لا يجوز أن يأخذوا على ذلك مالا لما ذكرنا من قبل

Section V07/P140–V07/P141

وأما بيان من يجوز قتله منهم ومن لا يجوز فكل من لا يجوز قتله من أهل الحرب من الصبيان والنسوان والأشياخ والعميان لا يجوز قتله من أهل البغي لأن قتلهم لدفع شر قتالهم فيختص بأهل القتال وهؤلاء ليسوا من أهل القتال فلا يقتلون إلا إذا قاتلوا فيباح قتلهم في حال القتال وبعد الفراغ من القتال إلا الصبيان والمجانين على ما ذكرنا في حكم أهل الحرب والله سبحانه وتعالى أعلم وأما العبد المأسور من أهل البغي فإن كان قاتل مع مولاه يجوز قتله وإن كان يخدم مولاه لا يجوز قتله ولكن يحبس حتى يزول بغيهم فيرد عليهم وأما الكراع فلا يمسك ولكنه يباع ويحبس ثمنه لمالكه لأن ذلك أنفع له ولا يجوز للعادل أن يبتدىء بقتل ذي رحم محرم منه من أهل البغي مباشرة وإذا أراد هو قتله له أن يدفعه وإن كان لا يندفع إلا بالقتل فيجوز له أن يتسبب ليقتله غيره بأن يعقر دابته ليترجل فيقتله غيره بخلاف أهل الحرب فإنه يجوز قتل سائر ذوي الرحم المحرم منه مباشرة وتسببا ابتداء إلا الوالدين ووجه الفرق أن الشرك في الأصل مبيح لعموم قوله تبارك وتعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلا أنه خص منه الأبوان بنص خاص حيث قال الله تبارك وتعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا فبقي غيرهما على عموم النص بخلاف أهل البغي لأن الإسلام في الأصل عاصم لقوله عليه السلام ( ( ( وسلم ) ) ) فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم والباغي مسلم إلا أنه أبيح قتل غير ذي الرحم المحرم من أهل البغي دفعا لشرهم لا لشوكتهم ودفع الشر يحصل بالدفع والتسبيب ليقتله غيره فبقيت العصمة عما وراء ذلك بالدليل العاصم وأما بيان حكم إصابة الدماء والأموال من الطائفتين فنقول لا خلاف في أن العادل إذا أصاب من أهل البغي من دم أو جراحة أو مال استهلكه أنه لا ضمان عليه وأما الباغي إذا أصاب شيئا من ذلك من أهل العدل فقد اختلفوا فيه قال أصحابنا إن ذلك موضوع وقال الشافعي رحمه الله إنه مضمون وجه قوله أن الباغي جان فيستوي في حقه وجود المنعة وعدمها لأن الجاني يستحق التغليظ دون التخفيف ولنا ما روي عن الزهري أنه قال وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فاتفقوا أن كل دم استحل بتأويل القرآن فهو موضوع وكل مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع ومثله لا يكذب فانعقد الإجماع من الصحابة رضي الله عنهم على ما قلنا وإنه حجة قاطعة والمعنى في المسألة ما نبه عليه الصحابة رضي الله عنهم وهو أن لهم في الاستحلال تأويلا في الجملة وإن كان فاسدا لكن لهم منعة والتأويل الفاسد عند قيام المنعة يكفي لرفع الضمان كتأويل أهل الحرب ولأن الولاية من الجانبين منقطعة لوجود المنعة فلم يكن الوجوب مفيدا لتعذر الاستيفاء فلم يجب ولو فعلوا شيئا من ذلك قبل الخروج وظهور المنعة أو بعد الانهزام وتفرق الجمع يؤخذون به لأن المنعة إذا انعدمت الولاية وبقي مجرد تأويل فاسد فلا يعتبر في دفع الضمان ولو قتل تاجر من أهل العدل تاجرا آخر من أهل العدل في عسكر أهل البغي أو قتل الأسير من أهل العدل أسيرا آخر أو قطع ثم ظهر عليه فلا قصاص عليه لأن الفعل لم يقع موجبا لتعذر الاستيفاء وانعدام الولاية كما لو قطع في دار الحرب لأن عسكر أهل البغي في حق انقطاع الولاية ودار الحرب سواء والله عز وجل أعلم ثم لا خلاف في أن العادل إذا قتل باغيا لا يحرم الميراث لأنه لم يوجد قتل نفس بغير حق لسقوط عصمة نفسه وأما الباغي إذا قتل العادل يحرم الميراث عند أبي يوسف وعند أبي حنيفة ومحمد إن قال قتلته وكنت على حق وأنا الآن على حق لا يحرم الميراث وإن قال قتلته وأنا أعلم أني على باطل يحرم

Section V07/P141

وجه قول أبي يوسف أن تأويله فاسد إلا أنه ألحق بالصحيح عند وجود المنعة في حق الدفع لا في حق الاستحقاق فلا يعتبر في حق استحقاق الميراث وجه قولهما أنا نعتبر تأويله في حق الدفع والاستحقاق لأن سبب استحقاق الميراث هو القرابة وإنها موجودة إلا أن قتل نفس بغير حق سبب الحرمان فإذا قتله على تأويل الاستحلال والمنعة موجودة اعتبرناه في حق الدفع وهو دفع الحرمان فأشبه الضمان إلا أنه إذا قال قتلته وأنا أعلم إني على باطل يحرم الميراث لأن التأويل الفاسد إنما يلحق بالصحيح إذا كان مصرا عليه فإذا لم يصر فلا تأويل له فلا يندفع عنه الضمان والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان ما يصنع بقتلى الطائفتين فنقول وبالله تعالى التوفيق أما قتلى أهل العدل فيصنع بهم ما يصنع بسائر الشهداء لا يغسلون ويدفنون في ثيابهم ولا ينزع عنهم إلا ما لا يصلح كفنا ويصلى عليهم لأنهم شهداء لكونهم مقتولين ظلما وقد روي أن زيد بن صرحان ( ( ( صوحان ) ) ) اليمني كان يوم الجمل تحت راية سيدنا علي رضي الله عنهما فأوصى في رمقه لا تنزعواعني ثوبا ولا تغسلوا عني دما وارمسوني في التراث ( ( ( التراب ) ) ) رمسا فإني رجل محاج أحاج يوم القيامة وأما قتلى أهل البغى فلا يصلي عليهم لأنه روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه ما صلى على أهل حروراء ولكنهم يغسلون ويكفنون ويدفنون لأن ذلك من سنة موتى بني سيدنا آدم عليه السلام ويكره أن تؤخذ رؤوسهم وتبعث إلى الآفاق وكذلك رؤوس أهل الحرب لأن ذلك من باب المثلة وأنه منهي لقوله صلى الله عليه وسلم لا تمثلوا فيكره إلا إذا كان في ذلك وهن لهم فلا بأس به لما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جز رأس أبي جهل عليه اللعنة يوم بدر وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا جهل كان فرعون هذه الأمة ولم ينكر عليه ويكره بيع السلاح من أهل البغي وفي عساكرهم لأنه إعانة لهم على المعصية ولا يكره بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد ونحوه لأنه لا يصير سلاحا إلا بالعمل ونظيره أنه يكره بيع المزامير ولا يكره بيع ما يتخذ منه المزمار وهو الخشب والقصب وكذا بيع الخمر باطل ولا يبطل بيع ما يتخذ منه وهو العنب كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان حكم قضاياهم فنقول الخوارج إذا ولوا قاضيا فالأمر لا يخلو من أحد وجهين إما إن ولوا رجلا من أهل البغي وإما إن ولوا رجلا من أهل العدل فإن ولوا رجلا من أهل البغي فقضى بقضايا ثم رفعت قضاياه إلى قاضي أهل العدل لا ينفذها لأنه لا يعلم كونها حقا لأنهم يستحلون دماءنا وأموالنا فاحتمل إنه قضى بما هو باطل على رأي الجماعة فلا يجوز له تنفيذه مع الاحتمال ولو كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي أهل العدل بكتاب فإن علم أنه قضى بشهادة أهل العدل أنفذه لأنه تنفيذا ( ( ( تنفيذ ) ) ) لحق ظاهرا وإن كان لا يعلم لا ينفذه لأنه لا يعلم كونه حقا فلا يجوز تنفيذه لقوله تعالى ( ( ( تبارك ) ) ) ولا تقف ما ليس لك به علم وإن ولوا رجلا من أهل العدل فقضى فيما بينهم بقضايا ثم رفعت قضاياه إلى قاضي أهل العدل نفذها لأن التولية إياه قد صحت ولأنه يقدر على تنفيذ القضايا بمنعتهم وقوتهم فصحت التولية والظاهر أنه قضى على رأي أهل العدل فلا يملك إبطاله كما إذا رفعت قضايا قاضي أهل العدل إلى بعض قضاة أهل العدل وما أخذوا من البلاد التي ظهروا عليها من الخراج والزكاة التي ولاية أخذها للإمام لا يأخذه الإمام ثانيا لأن حق الأخذ للإمام لمكان حمايته ولم توجد إلا أنهم يفتون بأن يعيدوا الزكاة استحسانا لأن الظاهر أنهم لا يصرفونها إلى مصارفها فأما الخراج فمصرفه المقاتلة

Section V07/P141–V07/P142

وهم يقاتلون أهل الحرب والله تعالى أعلم كتاب الغصب جمع محمد رحمه الله في كتاب الغصب بين مسائل الغصب وبين مسائل الإتلاف وبدأ بمسائل الغصب فنبدأ بما بدأ به فنقول وبالله التوفيق معرفة مسائل الغصب في الأصل مبنية على معرفة حد الغصب وعلى معرفة حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه أما حد الغصب فقد اختلف العلماء فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما هو إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة بفعل في المال وقال محمد رحمه الله الفعل في المال ليس بشرط لكونه غصبا وقال الشافعي رحمه الله هو إثبات اليد على مال الغير بغير إذنه والإزالة ليست بشرط أما الكلام مع الشافعي رحمه الله فهو احتج لتمهيد أصله بقوله سبحانه وتعالى وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا جعل الغصب مصدر الأخذ فدل أن الغصب والأخذ واحد والأخذ إثبات اليد إلا أن الإثبات إذا كان بإذن المالك يسمى إيداعا وإعارة وإبضاعا في عرف الشرع وإذا كان بغير إذن المالك يسمى في متعارف الشرع غصبا ولأن الغصب إنما جعل سببا لوجوب الضمان بوصف كونه تعديا فإذا وقع الإثبات بغير إذن المالك وقع تعديا فيكون سببا لوجوب الضمان بوصف كونه تعديا والدليل عليه أن غاصب الغاصب ضامن وإن لم يوجد منه إزالة يد المالك لزوالها بغصب الغاصب الأول وإزالة الزائل محال والله سبحانه وتعالى أعلم ولنا الاستدلال بضمان الغصب من وجهين أحدهما أن المالك استحق إزالة يد الغاصب عن الضمان فلا بد وأن يكون الغصب منه إزالة يد المالك لأن الله تبارك وتعالى لم يشرع الاعتداء إلا بالمثل بقوله سبحانه وتعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والثاني أن ضمان الغصب لا يخلو إما أن يكون ضمان زجر وإما أن يكون ضمان جبر ولا سبيل إلى الأول لأنه يجب على من ليس من أهل الزجر ولأن الانزجار لا يحصل به فدل أنه ضمان جبر والجبر يستدعي الفوات فدل أنه لا بد من التفويت لتحقق الغصب ولا حجة له في الآية لأن الله تعالى فسر أخذ الملك تلك السفينة بغصبه إياها كأنه قال سبحانه وتعالى وكان وراءهم ملك يغصب كل سفينة وهذا لا يدل على أن كل أخذ غصب بل هي حجة عليه لأن غصب ذلك الملك كان إثبات اليد على السفينة مع إزالة أيدي المساكين عنها فدل على أن الغصب إثبات على وجه يتضمن الإزالة وأما قوله الغصب إنما أوجب الضمان لكونه تعديا فمسلم لكن التعدي في الإزالة لا في الإثبات لأن وقوعه تعديا بوقوعه ضارا بالمالك وذلك بإخراجه من أن يكون منتفعا به في حق المالك وإعجازه عن الانتفاع به وهو تفسير تفويت اليد وإزالتها فأما مجرد الإثبات فلا ضرر فيه فلم يكن الإثبات تعديا وعلى هذا الأصل يخرج زوائد الغصب أنها ليست بمضمونة سواء كانت منفصلة كالولد واللبن والثمرة أو متصلة كالسمن والجمال لأنها لم تكن في يد المالك وقت غصب الأم فلم توجد إزالة يده عنها فلم يوجد الغصب وعند محمد مضمونة لأن الغصب عنده إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه وقد وجد الغصب وهل تصير مضمونة عندنا بالبيع والتسليم والمنع أو الاستهلاك أو الاستخدام جبرا أما المنفصلة فلا خلاف بين أصحابنا رضي الله عنهم في أنها تصير مضمونة بها وأما المتصلة فذكر في الأصل أنها تصير مضمونة بالبيع والتسليم ولم يذكر الخلاف وصورة المسألة إذا غصب جارية قيمتها ألف درهم فازدات ( ( ( فازدادت ) ) ) في بدنها خيرا حتى صارت قيمتها ألفي درهم فباعها وسلمها إلى المشتري فهلكت في يده فالمالك بالخيار إن شاء ضمن المشتري قيمتها ألفي درهم وإن شاء ضمن البائع فإن اختار تضمين المشتري ضمنه قيمتها يوم القبض ألفي درهم وإن اختار تضمين البائع ضمنه بالبيع والتسليم قيمتها ألفي درهم أيضا كذا ذكر في الأصل ولم يذكر الخلاف

Section V07/P142–V07/P143

وحكى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله الخلاف أن على قول أبي حنيفة رحمه إن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم القبض ألفي درهم وإن شاء ضمن الغاصب قيمتها يوم الغصب ألف درهم وليس له أن يضمنه زيادة بالبيع والتسليم وكذا ذكره الحاكم الشهيد في المنتقى وحكى الخلاف وهكذا ذكر الطحاوي في مختصره إلا أنه ذكر الاستهلاك مطلقا فقال إلا أن يستهلكها وفسره الجصاص في شرحه مختصر الطحاوي فقال إلا أن يكون عبدا أو جارية فيقتل وهذا هو الصحيح إن المغصوب إذا كان عبدا أو جارية فقتله الغاصب خطأ يكون المالك بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب وإن شاء ضمن عاقلة القاتل قيمته وقت القتل زائدة في ثلاث سنين وجه قولهما أن البيع والتسليم غصب لأنه تفويت إمكان الأخذ لأن المالك كان متمكنا من أخذه منه قبل البيع والتسليم وبعد البيع والتسليم لم يبق متمكنا وتفويت إمكان الأخذ تفويت اليد معنى فكان غصبا موجبا للضمان وهذا لأن تفويت يد المالك إنما كان غصبا موجبا للضمان لكونه إخراج المال من أن يكون منتفعا به في حق المالك وإعجازه عن الانتفاع بماله وهذا يحصل بتفويت إمكان الأخذ فيوجب الضمان ولهذا يجب الضمان على غاصب الغاصب ومودع الغاصب والمشتري من الغاصب كذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الأصل مضمون بالغصب الأول فلا يقع البيع والتسليم غصبا له لأن غصب المغصوب لا يتصور والزيادة المتصلة لا يتصور إفرادها بالغصب لتصير مغصوبة بالبيع والتسليم بخلاف الزيادة المنفصلة فإن إفرادها بالغصب بدون الأصل متصور فلم تكن مغصوبة بالغصب الأول لانعدامها فجاز أن تصير مغصوبة بالبيع والتسليم فهذا الفرق بين الزيادتين وبخلاف القتل لأن قتل المغصوب متصور لأن محل القتل غير محل الغصب فمحمل ( ( ( فمحل ) ) ) القتل هو الحياة ومحمل ( ( ( ومحل ) ) ) الغصب هو مالية العين فتحقق الغصب لا يمنع تحقق القتل إلا أن المضمون واحد والمستحق للضمان واحد فيخير ولأن الأصل مضمون بالغصب السابق لا شك فيه فيصير مملوكا للغاصب من ذلك الوقت بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله وأما الزيادة المتصلة فالزيادة حدثت ( ( ( حصلت ) ) ) على ملك الغاصب لأنها نماء ملكه فتكون ملكه فكان البيع والتسليم والمنع والاستخدام والاستهلاك في غير بني آدم تصرفا في ملك نفسه فلا يكون مضمونا عليه كما لو تصرف في سائر أملاكه بخلاف الزيادة المنفصلة لأنا أثبتنا الملك بطريق الاستناد فالمستند يظهر من وجه ويتقصر ( ( ( ويقتصر ) ) ) على الحال من وجه فيعمل بشبهة الظهور في الزوائد المتصلة وبشبه ( ( ( وبشبهة ) ) ) الاقتصار في المنفصلة إذ لا يكون العمل به على العكس ليكون عملا بالشبهين بقدر الإمكان وأما على طريق الظهور المحض فتخريجهما مشكل والله تعالى الموفق بخلاف القتل لأن العبد إنما يضمن بالقتل من حيث إنه آدمي لا من حيث إنه مال والغاصب إنما ملكه بالضمان من وقت الغصب من حيث إنه مال لا من حيث إنه آدمي لأنه من حيث إنه آدمي لا يحتمل التملك فلم يكن هو بالقتل متصرفا في ملك نفسه لهذا افترقا والله سبحانه وتعالى أعلم ثم على أصلهما ( ( ( أصلها ) ) ) إذا اختار المالك تضمين البائع هل يثبت له الخيار بين أن يضمنه ألفي درهم وقت البيع وبين أن يضمنه ألف درهم وقت الغصب قال بعض مشايخنا يثبت وهذا غير سديد لأن التخيير بين القليل والكثير عند اتحاد الذمة من باب السفه بخلاف التخيير بين البائع والمشتري عند أبي حنيفة رحمه الله لأن هناك الذمة مختلفة فمن الجائز أن يكون أحدهما مليا والآخر مفلسا فكان التخيير مفيدا وبخلاف القتل لأن ضمان القتل ضمان الدم وأنه مؤجل إلى ثلاث سنين وضمان الغصب ضمان المال وأنه حال فكان التخيير مفيدا

Section V07/P143–V07/P144

ثم إذا ضمن المالك الغاصب قيمة المغصوب وقت الغصب أو وقت البيع والتسليم جاز البيع لأنه تبين أنه باع ملك نفسه والثمن له لأنه بدل ملكه وإن ضمن المشتري قيمته وقت القبض بطل البيع ورجع المشتري بالثمن على البائع لأنه تبين أنه أخذه بغير حق وليس له أن يرجع على البائع بالضمان ولو غصب من إنسان شيئا فجاء آخر وغصبه منه فهلك في يده فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني أما تضمين الأول فلوجود فعل الغصب منه وهو تفويت يد المالك وأما تضمينه الثاني فلأنه فوت يد الغاصب الأول ويده يد المالك من وجه لأنه يحفظ ماله ويتمكن من رده على المالك ويستقر بهما الضمان في ذمته فكانت منفعة يده عائدة إلى المالك فأشبهت يد المودع وقد وجد من كل واحد منهما سبب وجوب الضمان إلا أن المضمون واحد فخيرنا المالك لتعين المستحق فإن اختار أن يضمن الأول رجع بالضمان على الثاني لأنه ملك المغصوب من وقت غصبه فتبين أن الثاني غصب ملكه وإن اختار تضمين الثاني لا يرجع على أحد لأنه ضمن بفعل نفسه وهو تفويت يد المالك من وجه على ما بينا وكذلك إن استهلكه الغاصب الثاني ومتى اختار تضمين أحدهما هل يبرأ الآخر عن الضمان بنفس الاختيار ذكر في الجامع أنه يبرأ حتى لو أراد تضمينه بعد ذلك لم يكن له ذلك وروى ابن سماعة رحمه الله في نوادره عن محمد أنه لا يبرأ ما لم يرض من اختار تضمينه أو يقضى به عليه وجه رواية النوادر أن عند وجود الرضا أو القضاء بالضمان صار المغصوب ملكا للذي ضمنه لأنه باعه منه فلا يملك الرجوع بعد تمليكه كما لو باعه من الأول فأما قبل وجود الرضا أو القضاء بالضمان صار المغصوب ملكا للذي ضمنه لأنه باعه منه فلا يملك الرجوع بعد تمليكه كما لو باعه من الأول فأما قبل وجود الرضا أو القضاء فلم يوجد منه التمليك من أحدهما فله أن يملكه من أيهما شاء وجه رواية الجامع ما ذكرنا أنه باختياره تضمين الغاصب الآخر أظهر أنه راض بأخذ الأول وأنه بمنزلة المودع وباختيار تضمين الأول أظهر أن الثاني ما أتلف عليه شيئا لأنه لم يفوت يده والله سبحانه وتعالى أعلم ولو باع الغاصب المغصوب من الثاني فهلك في يده يتخير المالك فيضمن أيهما شاء فإن ضمن الغاصب جاز بيعه والثمن له لما ذكرنا وإن ضمن المشتري بطل البيع ولا يرجع بالضمان على البائع ولكنه يرجع بالثمن عليه لما ذكرنا وكذلك لو استهلكه المشتري ولو كان المغصوب عبدا فأعتقه المشتري من الغاصب ثم أجاز المالك البيع نفذ إعتاقه استحسانا وعند محمد وزفر رحمهما الله لا ينفذ قياسا ولاخلاف في أنه لو باعه المشتري ثم أجاز المالك البيع الأول أنه لا ينفذ البيع الثاني وجه القياس ما روي عن رسول الله أنه قال لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم ولا ملك للمشتري في العبد لأنه ملك المغصوب منه فلا ينعقد إعتاقه فيه فينفذ عليه عند الإجازة ولهذا لم ينفذ بيعه وجه الاستحسان أن إعتاق المشتري صادف ملكا على التوقف فينعقد على التوقف كالمشتري من الوارث عبدا من التركة المستغرقة بالدين إذا أعتقه ثم أبرأ الغرماء الميت عن ديونهم والدليل على أن الإعتاق صادف ملكا على التوقف أن سبب الملك انعقد على التوقف وهو البيع المطلق الخالي عن الشرط ممن هو من أهل البيع في محل قابل إلا أنه لم ينفذ دفعا للضرر عن المالك ولا ضرر عليه في التوقف فيتوقف وإذا توقف سبب الملك يتوقف الملك فيتوقف الإعتاق بخلاف البيع فإنه يعتمد شروطا أخر ألا ترى أنه لا يجوز بيع المنقول قبل القبض مع قيام الملك لمعنى الغرر وفي توقيف نفاذ البيع الأول تحقيق معنى الغرر

Section V07/P144–V07/P145

ولو أودع الغاصب المغصوب فهلك في يد المودع يتخير المالك في التضمين فإن ضمن الغاصب لا يرجع بالضمان على أحد لأنه تبين أنه أودع ملك نفسه وإن ضمن المودع يرجع على الغاصب لأنه غره بالإيداع فيرجع عليه بضمان الغرر وهو ضمان الالتزام في الحقيقة ولو استهلكه المودع فالجواب على القلب من الأول أنه إن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع بالضمان على المودع لأنه تبين أنه استهلك ماله وإن ضمن المودع لم يرجع على الغاصب لأنه ضمن بفعل نفسه فلا يرجع على أحد ولو آجر الغاصب المغصوب أو رهنه من إنسان فهلك في يده يتخير المالك فإن ضمن الغاصب لا يرجع على المستأجر والمرتهن لأنه تبين أنه آجر ورهن ملك نفسه إلا أن في الرهن يسقط دين المرتهن على ما هو حكم هلاك الرهن وإن ضمن المستأجر أو المرتهن يرجع على الغاصب بما ضمن والمرتهن يرجع بدينه أيضا أما رجوع المرتهن بالضمان فلا شك فيه لصيرورته مغرورا وأما رجوع المستأجر فلأنه وإن استفاد ملك المنفعة لكن بعوض وهو الأجرة فيتحقق الغرور فأشبه المودع ولو استهلكه المستأجر أو المرتهن يتخير المالك إلا أنه إن ضمن الغاصب يرجع على المستأجر والمرتهن لأنه تبين أنه آجر ملك نفسه ورهن ملك نفسه فاستهلكه المستأجر والمرتهن وإن ضمن المستأجر أو المرتهن لم يرجع على أحد لأنه ضمن بفعل نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أعاره الغاصب فهلك في يد المستعير يتخير المالك وأيهما ضمن لا يرجع بالضمان على صاحبه أما الغاصب فلا شك فيه لأنه أعاد ( ( ( أعار ) ) ) ملك نفسه فهلك في يد المستعير وأما المستعير فلأنه استفاد ملك المنفعة فلم يتحقق الغرور والله تعالى أعلم وعلى هذا تخرج منافع الأعيان المنقولة المغصوبة إنها ليست بمضمونة عندنا وعند الشافعي رحمه الله مضمونة نحو ما إذا غصب عبدا أو دابة فأمسكه أياما ولم يستعمله ثم رده على مالكه لأنه لم يوجد تفويت يد المالك عن المنافع لأنها أعراض تحدث شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان فالمنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك فلم يوجد تفويت يد المالك عنها فلم يوجد الغصب وعنده حد الغصب إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه وقد وجد في المنافع والمنفعة مال بدليل أنه يجوز أخذ العوض عنها في الإجارة وتصلح مهرا في النكاح فتحقق الغصب فيها فيجب الضمان وعلى هذا يخرج ما إذا غصب دارا أو عقارا فإنهدم شيء من البناء أو جاء سيل فذهب بالبناء والأشجار أو غلب الماء على الأرض فبقيت تحت الماء أنه لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وأبي يوسف الآخر وعند محمد وهو قول أبي يوسف الأول يضمن وهو قول الشافعي رحمه الله وأما الشافعي فقد مر على أصله في تحديد الغصب أنه إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه وهذا يوجد في العقار كما يوجد في المنقول وأما محمد رحمه الله تعالى فقد مر على أصله في حد الغصب أنه إزالة يد المالك عن ماله والفعل في المال ليس بشرط وقد وجد تفويت يد المالك عن العقار لأن ذلك عبارة عن إخراج المال من أن يكون منتفعا به في حق المالك أو إعجاز المالك عن الانتفاع به وهذا كما يوجد في المنقول يوجد في العقار فيتحقق الغصب والدليل عليه مسألة ذكرناها في الرجوع عن الشهادات وهي إن من ادعى على آخر دارا فأنكر المدعى عليه فأقام المدعي شاهدين وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا يضمنان كما لو كانت الدعوى في المنقول فقد سوى بين العقار والمنقول في ضمان الرجوع فدل أن الغصب الموجب للضمان يتحقق فيهما جميعا وأما أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فمرا على أصلهما أن الغصب إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال ولم يوجد في العقار

Section V07/P145–V07/P146

والدليل على أن هذا شرط تحقق الغصب الاستدلال بضمان الغصب فإن أخذ الضمان من الغاصب تفويت يده عنه بفعل في الضمان فيستدعي وجود مثله منه في المغصوب ليكون اعتداء المثل ( ( ( بالمثل ) ) ) وعلى أنهما إن سلما تحقق الغصب في العقار فالأصل في الغصب أن لا يكون سببا لوجوب الضمان لأن أخذ الضمان من الغاصب إتلاف ماله عليه ألا ترى أنه تزول يده وملكه عن الضمان فيستدعي وجود الإتلاف منه إما حقيقة أو تقديرا لأن الله سبحانه وتعالى لم يشرع الاعتداء إلا بالمثل قال الله سبحانه وتعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ولم يوجد ههنا الإتلاف من الغاصب لا حقيقة ولا تقديرا أما الحقيقة فظاهرة وأما التقدير فلأن ذلك بالعقل ( ( ( بالنقل ) ) ) والتحويل والتغييب عن المالك على وجه لا يقف على مكانه ولهذا لو حبس رجلا حتى ضاعت مواشيه وفسد زرعه لا ضمان عليه والعقار لا يحتمل النقل والتحويل فلم يوجد الإتلاف حقيقة وتقديرا فينتفي الضمان لضرورة النص وعلى هذا الاختلاف إذا غصب عقارا فجاء إنسان فأتلفه فالضمان على المتلف عندهما لأن الغصب لا يتحقق في العقار فيعتبر الإتلاف وعند محمد يتحقق الغصب فيه فيتخير المالك فإن اختار تضمين الغاصب فالغاصب يرجع بالضمان على المتلف وإن اختار تضمين المتلف لا يرجع على أحد لأنه ضمن بفعل نفسه وأما مسألة الرجوع عن الشهادة فمن أصحابنا من منعها وقال إن محمدا رحمه الله بنى الجواب على أصل نفسه فأما على قولهما فلا يضمنان ومنهم من سلم ولا بأس بالتسليم لأن ضمان الرجوع ضمان إتلاف لا ضمان غصب والعقار مضمون بالإتلاف بلا خلاف وعلى هذا يخرج ما إذا غصب صبيا حرا من أهله فمات في يده من غير آفة أصابته بأن مرض في يده فمات أنه لا يضمن لأن كون المغصوب مالا شرط تحقق الغصب والحر ليس بمال ولو مات في يده بآفة بأن عقره أسد أو نهشته حية ونحو ذلك يضمن لوجود الإتلاف منه تسبيبا والحر يضمن بالإتلاف مباشرة وتسبيبا على ما نذكره في مسائل الإتلاف إن شاء الله تعالى ولو غصب مدبرا فهلك في يده يضمن لأن المدبر مال متقوم إلا أنه امتنع جواز بيعه إذا كان مدبرا مطلقا مع كونه مالا متقوما لانعقاد سبب الحرية للحال وفي البيع إبطال السبب على ما عرف وكذلك لو غصب مكاتبا فهلك في يده لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله فكان مالا متقوما ومعتق البعض بمنزلة المكاتب على أصل أبي حنيفة فكان مضمونا بالغصب كالمكاتب وعلى أصلهما هو حر عليه دين والحر لا يضمن بالغصب ولو غصب أم ولد إنسان فهلكت عنده ( ( ( عندهم ) ) ) لم يضمن عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما يضمن وأم الولد لا تضمن بالغصب ولا بالقبض في البيع الفاسد ولا بالإعتاق كجارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه جميعا ثم أعتقها أحدهما لا يضمن لشريكه شيئا ولا تسعى هي في شيء أيضا عنده وعندهما يضمن في ذلك كله كالمدبر ولقب المسألة أن أم الولد هل هي متقومة من حيث إنها مال أم لا ولا خلاف أنها متقومة بالقتل ولا خلاف في أن المدبر متقوم وجه قولهما أنه ( ( ( أنها ) ) ) كانت مالا متقوما والاستيلاد لا يوجب المالية والتقوم لأنه لا يثبت به إلا حق الحرية فإنه لا يبطل المالية والتقوم كما في المدبر

Section V07/P146

وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاستيلاد إعتاق لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في جاريته مارية أعتقها ولدها فظاهره يقتضي ثبوت العتق للحال في جميع الأحكام إلا أنه تأخر في حق بعض الأحكام فمن ادعى التأخر في حق سقوط المالية والتقوم فعليه الدليل بخلاف المدبر لأن التدبير ليس بإعتاق للحال على معنى أنه لا يثبت به العتق للحال أصلا وإنما الموجود للحال مباشرة سبب العتق من غير عتق وهذا لا يمنع بقاء المالية والتقويم ويمنع جواز البيع لما قلنا وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جلد ميتة لذمي أو لمسلم فهلك في يده أو استهلكه أنه لا يضمن لأن الميتة والدم ليسا بمال في الأديان كلها ولو دبغه الغاصب وصار مالا فحكمه نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وعلى هذا يخرج ما إذا غصب خمرا لمسلم أو خنزيرا له فهلك في يده أنه لا يضمن سواء كان الغاصب مسلما أو ذميا لأن الخمر ليست بمال متقوم في حق المسلم وكذا الخنزير فلا يضمنان بالغصب ولو غصب خمرا أو خنزيرا لذمي فهلك في يده يضمن سواء كان الغاصب ذميا أو مسلما غير أن الغاصب إن كان ذميا فعليه في الخمر مثلها وفي الخنزير قيمته وإن كان مسلما فعليه القيمة فيهما جميعا وهذا عندنا وقال الشافعي لا ضمان على غاصب الخمر والخنزير كائنا من كان وجه قوله أن حرمة الخمر والخنزير ثابتة في حق الناس كافة لقوله سبحانه وتعالى في صفة الخمور إنه رجس من عمل الشيطان وصفة المحل لا تختلف باختلاف الشخص وقوله عليه السلام حرمت الخمر لعينها أخبر عليه السلام كونها محرمة وجعل علة حرمتها عينها فتدور الحرمة مع العين وإذا كانت محرمة لا تكون مالا لأن المال ما يكون منتفعا به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق ولنا ما روي عنه أنه قال في الحديث المعروف فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وللمسلم الضمان إذا غصب منه خله وشاته ونحو ذلك إذا هلك في يد الغاصب فيلزم أن يكون للذمي الضمان إذا غصب منه خمره أو خنزيره ليكون لهم ما للمسلمين عملا بظاهر الحديث وأما الكلام في المسألة من حيث المعنى فبعض مشايخنا قالوا الخمر مباح في حق أهل الذمة وكذا الخنزير فالخمر في حقهم كالخل في حقنا والخنزير في حقهم كالشاة في حقنا في حق الإباحة شرعا فكان كل واحد منهما مالا متقوما في حقهم ودليل الإباحة في حقهم أن كل واحد منهم منتفع به حقيقة لأنه صالح لإقامة مصلحة البقاء والأصل في أسباب البقاء هو الإطلاق إلا أن الحرمة في حق المسلم تثبت نصا غير معقول المعنى أو معقول المعنى لمعنى لا يوجد ههنا أو يوجد لكنه يقتضي الحل لا الحرمة وهو قوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون لأن الصد لا يوجد في الكفرة والعداوة فيما بينهم واجب الوقوع ولأنها سبب المنازعة والمنازعة سبب الهلاك وهذا يوجب الحل لا الحرمة فلا تثبت الحرمة في حقهم وبعضهم قالوا إن الحرمة ثابتة في حقهم كما هي ثابتة في حق المسلمين لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات عندنا وهو الصحيح من الأقوال على ما عرف في أصول الفقه وعلى هذا طريق وجوب الضمان وجهان أحدهما أن الخمر وإن لم يكن مالا متقوما في الحال فهي بعرض أن تصير مالا متقوما في الثاني بالتخلل والتخليل ووجوب ضمان الغصب والإتلاف يعتمد كون المحل المغصوب والمتلف مالا متقوما في الجملة ولا يقف على ذلك للحال ألا ترى أن المهر والجحش وما لا منفعة له في الحال مضمون بالغصب والإتلاف والثاني أن الشرع منعنا عن التعرض لهم بالمنع عن شرب الخمر وأكل الخنزير لما روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال أمرنا بأن نتركهم وما يدينون ومثله لا يكذب

Section V07/P146–V07/P147

وقد دانوا شرب الخمر وأكل الخنزير فلزمنا ترك التعرض لهم في ذلك وبقي الضمان بالغصب والإتلاف يفضي إلى التعرض لأن السفيه إذا علم أنه إذا غصب أو أتلف لا يؤاخذ بالضمان يقدم على ذلك وفي ذلك منعهم وتعرض لهم من حيث المعنى والله أعلم ولو كان لمسلم خمر غصبها ذمي أو مسلم فهلكت عند الغاصب أو خللها فلا ضمان عليه ولو استهلكها يضمن خلا مثلها لأن الغصب حين وجوده لم ينعقد سببا لوجوب الضمان ولم يوجد من الغاصب صنع آخر لأن الهلاك ليس من صنعه فلا يضمن وإن استهلكه فقد وجد منه صنع آخر سوى الغصب وهو إتلاف خل مملوك للمغصوب منه فيضمن ولو غصب مسلم من نصراني صليبا له فهلك في يده يضمن قيمته صليبا لأنه مقر على ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا استخدم عبد رجل بغير أمره أو بعثه في حاجة أو قاد دابة له أو ساقها أو ركبها أو حمل عليها بغير إذن صاحبها إنه ضامن بذلك سواء عطب في تلك الخدمة أو في مضيه في حاجته أو مات حتف أنفه لأن يد المالك كانت ثابتة عليه وإذا أثبت يد التصرف عليه فقد فوت يد المالك فيتحقق الغصب ولو دخل دار إنسان بغير إذنه وليس في الدار أحد فهلك في يده لم يضمن في قولهما وعند محمد يضمن وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم ولو جلس على فراش غيره أو بساط غيره بغير إذنه فهلك لا يضمن بالإجماع لأن تفويت يد المالك فيما يحتمل النقل لا يحصل بدون النقل فلم يتحقق الغصب فلا يجب الضمان والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما حكم الغصب فله في الأصل حكمان أحدهما يرجع إلى الآخرة والثاني يرجع إلى الدنيا أما الذي يرجع إلى الآخرة فهو الإثم واستحقاق المؤاخذة إذا فعله عن علم لأنه معصية وارتكاب المعصية على سبيل التعمد سبب لاستحقاق المؤاخذة وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من غصب شبرا من أرض طوقه الله تعالى من سبع أرضين يوم القيامة وإن فعله لا عن علم بأن ظن أنه ملكه فلا مؤاخذة عليه لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعا ببركة دعاء النبي بقوله عليه الصلاة والسلام ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا وقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وأما الذي يرجع إلى الدنيا فأنواع بعضها يرجع إلى حال قيام المغصوب وبعضها يرجع إلى حال هلاكه وبعضها يرجع إلى حال نقصانه وبعضها يرجع إلى حال زيادته أما الذي يرجع إلى حال قيامه فهو وجوب رد المغصوب على الغاصب والكلام في هذا الحكم في ثلاثة مواضع في بيان سبب وجوب الرد وفي بيان شرط وجوبه وفي بيان ما يصير المالك به مستردا أما السبب فهو أخذ مال الغير بغير إذنه لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترد وقوله عليه الصلاة والسلام لا يأخذ أحدكم مال صاحبه لاعبا ولا جادا فإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليرد عليه ولأن الأخذ على هذا الوجه معصية والردع عن المعصية واجب وذلك برد المأخوذ ويجب رد الزيادة المنفصلة كما يجب رد الأصل لوجود سبب وجوب الرد فيه ومؤنة الرد على الغاصب لأنها من ضرورات الرد فإذا وجب عليه الرد وجب عليه ما هو من ضروراته كما في رد العارية وأما شرط وجوب الرد فقيام المغصوب في يد الغاصب حتى لو هلك في يده أو استهلك صورة ومعنى أو معنى لا صورة ينتقل الحكم من الرد إلى الضمان لأن الهالك لا يحتمل الرد

Section V07/P147–V07/P148

وعلى هذا يخرج ما إذا كان المغصوب حنطة فزرعها الغاصب أو نواة فغرسها حتى صارت شجرة أو بيضة فحضنها حتى صارت دجاجة أو قطنا فغزله أو غزلا فنسجه أو ثوبا فقطعه أو خاطه قميصا أو لحما فشواه أو طبخه أو شاة فذبحها وشواها أو طبخها أو حنطة فطحنها أو دقيقا فخبزه أو سمسما فعصره أو عنبا فعصره أو حديدا فضربه سيفا أو سكينا أو صفرا أو نحاسا فعمله آنية أو ترابا له قيمة فلبنه أو اتخذه خزفا أو لبنا فطبخه آجرا ونحو ذلك أنه ليس للمالك أن يسترد شيئا من ذلك عندنا ويزول ملكه بضمان المثل أو القيمة وعند الشافعي له ولاية الاسترداد ولا يزول ملكه وجه قوله أن ذات المغصوب وعينه قائم بعد فعل الغاصب وإنما فات بعض صفاته فلا يبطل حق الاسترداد كما إذا غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه أو صبغه أحمر أو أصفر لأن الملك في المغصوب كان ثابتا للمالك والعارض وهو فعل الغاصب محظور فلا يصلح سببا لثبوت الملك له فيلحق بالعدم فيبقى المغصوب على ملك المالك فتبقى له ولاية الاسترداد ولنا أن فعل الغاصب في هذه المواضع وقع استهلاكا للمغصوب إما صورة ومعنى أو معنى لا صورة فيزول ملك المالك عنه وتبطل ولاية الاسترداد كما إذا استهلكه حقيقة ودلالة تحقق الاستهلاك أن المغصوب قد تبدل وصار شيئا آخر بتخليق الله تعالى وإيجاده لأنه لم تبق صورته ولا معناه الموضوع له في بعض المواضع ولا اسمه وقيام الأعيان بقيام صورها ومعانيها المطلوبة منها وفي بعضها إن بقيت الصورة فقد فات معناه الموضوع له المطلوب منه عادة فكان فعله استهلاكا للمغصوب صورة ومعنى أو معنى فيبطل حق الاسترداد إذ الهالك لا يحتمل الرد كالهالك الحقيقي ولأنه إذا حصل الاستهلاك يزول ملك المالك لأن الملك لا يبقى في الهالك كما في الهالك الحقيقي فتنقطع ولاية الاسترداد ضرورة ولأن الاستهلاك يوجب ضمان المثل أو القيمة للمالك لوقوعه اعتداء عليه أو إضرارا به وهذا يوجب زوال ملكه عن المغصوب لما نذكره إن شاء الله تعالى وإذا زال ملك المالك بالضمان يثبت الملك للغاصب في المضمون لوجود سبب الثبوت في محل قابل وهو إثبات الملك على مال غير مملوك لأحد وبه تبين أن فعله الذي هو سبب لثبوت الملك مباح لا حظر فيه فجاز أن يثبت الملك به وعلى هذا يخرج ما إذا غصب لبنا أو آجرا أو ساجة فأدخلها في بنائه أنه لا يملك الاسترداد عندنا وتصير ملكا للغاصب بالقيمة خلافا للشافعي رحمه الله فهو على أصله المعهود في جنس هذه المسائل أن فعل الغاصب محظور فلا يصلح سببا لثبوت الملك لكون الملك نعمة وكرامة فالتحق فعله بالعدم شرعا فبقي ملك المغصوب منه كما كان ولنا أن المغصوب بالإدخال في البناء والتركيب صار شيئا آخر غير الأول لاختلاف المنفعة إذ المطلوب من المركب غير المطلوب من المفرد فصار بها تبعا له فكان الإدخال إهلاكا معنى فيوجب زوال ملك المغصوب منه ويصير ملكا للغاصب ولأن الغاصب يتضرر بنقض البناء والمالك وإن كان يتضرر بزوال ملكه أيضا لكن ضرره دون ضرر الغاصب لأنه يقابله عوض فكان ضرر الغاصب أعلى فكان أولى بالدفع ولهذا لو غصب من آخر خيطا فخاط به بطن نفسه أو دابته ينقطع حق المالك كذا هذا وذكر الكرخي رحمه الله أن موضوع مسألة الساجة ما إذا بنى الغاصب في حوالي الساجة لا على الساجة فأما إذا بنى على نفس الساجة لا يبطل ملك المالك بل ينقض وهو اختيار الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله لأن البناء إذا لم يكن على نفس الساجة لم يكن الغاصب متعديا بالبناء لينقض إزالة للتعدي وإذا كان البناء عليها كان متعديا على الساجة فيزال تعديه بالنقض والصحيح أن الجواب في الموضعين والخلاف في الفصلين ثابت لأنه كيفما كان لا يمكنه رد الساجة إلا بنقض البناء ولزوم ضرر معتبر هذا موضوع المسألة حتى لو كان يمكنه الرد بدون ذلك لا ينقطع حق المالك بالاتفاق بل يؤمر بالرد

Section V07/P148–V07/P149

ولو بيعت الدار في حياة الغاصب أو بعد وفاته كان صاحب هذه الأشياء أسوة الغرماء في الثمن فلا يكون أخص بشيء من ذلك لأن ملكه قد زال عن العين إلى القيمة فبطل اختصاصه بالعين وكذلك لو غصب خوصا فجعله زنبيلا لا سبيل للمغصوب منه عليه وهو بمنزلة الساجة إذا جعلها بناء ولو غصب نخلة فشقها فجعلها جذوعا كان له أن يأخذ الجذوع لأن عين المغصوب قائمة وإنما فرق الأجزاء فأشبه الثوب إذا قطعه ولم يخطه ولو غصب أرضا فبنى عليها أو غرس فيها لا ينقطع ملك المالك ويقال للغاصب اقلع البناء والغرس وردها فارغة لأن الأرض بحالها لم تتغير ولم تصر شيئا آخر ألا ترى أنها لم تتركب بشيء وإنما جاورها البناء والغرس بخلاف الساجة لأنها ركبت وصارت من جملة البناء ألا يرى أنه يسمى الكل بناء واحدا فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعا ويكون له البناء والغرس لأن الغاصب يتضرر بالمنع من التصرف في ملك نفسه بالقلع والمالك أيضا يتضرر بنقصان ملكه فلزم رعاية الجانبين وذلك فيما قلنا ولو غصب تبر ذهب أو فضة فصاغه إناء أو ضربه دراهم أو دنانير فللمغصوب منه أن يأخذه ولا يعطيه شيئا لأجل الصياغة على قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما لا سبيل له على ذلك وعلى الغاصب مثل ما غصب وأجمعوا على أنه إذا سبكه ولم يصغه أو جعله مربعا أو مطولا أو مدورا أن له أن يسترده ولا شيء عليه وجه قولهما أن صنع الغاصب وقع استهلاكا لأن المغصوب بالصياغة صار شيئا آخر فأشبه ما إذا غصب حديدا فاتخذه سيفا أو سكينا وجه قوله أن استهلاك الشيء إخراجه من أن يكون منتفعا به منفعة موضوعة له مطلوبة منه عادة ولم يوجد ههنا لأن المطلوب من الذهب والفضة الثمينة ( ( ( الثمنية ) ) ) وهي باقية بعدما استحدث الصنعة فلم يتحقق الاستهلاك فبقي على ملك المغصوب منه ولو غصب صفرا أو نحاسا أو حديدا فضربه آنية ينظر إن كان يباع وزنا فهو على الخلاف الذي ذكرنا في الذهب والفضة لأنه لم يخرج بالضرب والصناعة عن حد الوزن وإن كان يباع عددا ليس له أن يسترده بلا خلاف لأنه خرج عن كونه موزونا بخلاف الذهب والفضة لأن الوزن فيهما أصل لا يتصور سقوطه أبدا ولو غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه أو شاة فذبحها ولم يشوها ولا طبخها لا ينقطع حق المالك إذ الذبح ليس باستهلاك بل هو تنقيص وتعييب فلا يوجب زوال الملك بل يوجب الخيار للمالك على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وأما بيان ما يصير المالك به مستردا للمغصوب فنقول وبالله التوفيق الأصل أن المالك يصير مستردا للمغصوب بإثبات يده عليه لأنه صار مغصوبا بتفويت يده عنه فإذا أثبت يده عليه فقد أعاده إلى يده فزالت يد الغاصب ضرورة إلا أن يغصبه ثانيا وعلى هذا تخرج المسائل إذا كان المغصوب عبدا فاستخدمه أو ثوبا فلبسه أو دابة فركبها أو حمل عليها صار مستردا له ويبرأ الغاصب من الضمان لما قلنا سواء علم المالك أنه ملكه أو لم يعلم لأن إثبات اليد على العين أمر حسي لا يختلف بالعلم أو الجهل ولهذا لم يكن العلم شرطا لتحقق الغصب فلا يكون شرطا لبطلانه وكذلك لو كان طعاما فأكله لأنه أثبت يده عليه فبطلت يد الغاصب وكذا إذا أطعمه الغاصب يبرأ عن الضمان عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يبرأ وجه قوله أنه غره في ذلك حيث أطعمه ولم يعلمه أنه ملكه فلا يسقط عنه الضمان ولنا أنه أكل طعام نفسه فلا يستحق الضمان على غيره كما لو كان في يد الغاصب فاستهلكه وقوله غره الغاصب ممنوع بل هو الذي اغتر بنفسه حيث تناول من غير بحث أنه ملكه أو ملك الغاصب والمغتر بنفسه لا يستحق الضمان على غيره

Section V07/P149–V07/P150

ولو كان المغصوب عبدا فآجره من الغاصب للخدمة أو ثوبا فآجره منه للبس أو دابة للركوب وقبل الغاصب الإجارة برىء عن الضمان لأن الإجارة إذا صحت صارت يد الغاصب على المحل يد إجارة وأنها يد محقة فتبطل يد الغصب ضرورة فيبرأ عن الضمان حين وجبت عليه الإجارة بالإجارة وقالوا في الغاصب إذا آجر العبد المغصوب من مولاه ليبني له حائطا معلوما إنه يسقط ضمان الغصب حين يبتدىء بالبناء لأن البراءة عن الضمان في الموضعين جميعا متعلقة بوجوب الأجرة والأجرة في استئجار العبد والثوب تجب بالتسليم وهو التخلية وههنا تجب بالعمل لا بنفس التخلية لذلك افترقا ولو زوج الأمة المغصوبة من الغاصب لا يبرأ عن الضمان في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف يبرأ بناء على أن المشتري هل يصير قابضا بالتزويج أم لا وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع في بيان حكم البيع ولو استأجر الغاصب لتعليم العبد المغصوب عملا من الأعمال فهو جائز لكنه لا يصير مستردا للعبد ولا يبرأ الغاصب عن الضمان بل هو في يد الغاصب على ضمانه حتى لو هلك قبل أن يأخذ في ذلك العمل أو بعده ضمن وكذلك لو استأجره لغسل الثوب المغصوب لأن الإجارة ههنا ما وقعت على المغصوب فلم تثبت يد الإجارة عليه لتبطل عنه يد الغاصب فبقي في يد الغصب كما كان فبقي مضمونا كما كان بخلاف استئجار المغصوب على ما بينا وإذا رد الغاصب الثاني المغصوب على الغاصب الأول برىء لأن يده يد المالك من وجه فيصح الرد عليه والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الذي يتعلق بحال هلاك المغصوب فنوعان أحدهما وجوب الضمان على الغاصب والثاني ملك الغاصب المضمون أما وجوب الضمان الكلام ( ( ( فالكلام ) ) ) فيه في مواضع في بيان كيفية الضمان وفي بيان شرط وجوبه وفي بيان وقت وجوبه وفي بيان ما يخرج به الغاصب عن عهدته أما الأول فالمغصوب لا يخلو إما أن يكون مما له مثل وإما أن يكون مما لا مثل له فإن كان مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة فعلى الغاصب مثله لأن ضمان الغصب ضمان اعتداء والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل قال الله تبارك وتعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والمثل المطلق هو المثل صورة ومعنى فأما القيمة فمثل من حيث المعنى دون الصورة ولأن ضمان الغصب ضمان جبر الفائت ومعنى الجبر بالمثل أكمل منه من القيمة فلا يعدل عن المثل إلى القيمة إلا عند التعذر وقال زفر رحمه الله الجوز والبيض مضمونان بالقيمة لا بالمثل وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع وإن كان مما لا مثل له من المذروعات والمعدودات المتفاوتة فعليه قيمته لأنه تعذر إيجاب المثل صورة ومعنى لأنه لا مثل له فيجب المثل معنى وهو القيمة لأنها المثل الممكن والأصل في ضمان القيمة ما روي أن رسول الله قضى في عبد بين شريكين أعتق أحدهما نصيبه بنصف قيمته للذي لم يعتق والنص الوارد في العبد يكون واردا في إتلاف كل ما لا مثل له دلالة والله سبحانه وتعالى أعلم وأما شرط وجوب الضمان فشرط وجوب ضمان المثل والقيمة على الغاصب عجزه عن رد المغصوب فما دام قادرا على رده على الوجه الذي أخذ ( ( ( أخذه ) ) ) لا يجب عليه الضمان لأن الحكم الأصلي للغصب هو وجوب رد عين المغصوب لأن بالرد يعود عين حقه إليه وبه يندفع الضرر عنه من كل وجه والضمان خلف عن رد العين وإنما يصار إلى الخلف عند العجز عن رد الأصل وسواء عجز عن الرد بفعله بأن استهلكه أو بفعل غيره بأن استهلكه غيره أو بآفة سماوية بأن هلك بنفسه لأن المحل إنما صار مضمونا بالغصب السابق لأن فعله ذلك لا بالهلاك لأن الهلاك ليس صنعه لكن عند الهلاك يتقرر الضمان لأن عنده يتقرر العجز عن رد العين فيتقرر الضمان وعلى هذا يخرج ما إذا ادعى الغاصب هلاك المغصوب ولم يصدقه المغصوب منه إنه يطلب منه بينة

Section V07/P150–V07/P151

فإن أقامها وإلا حبسه القاضي مدة يغلب على ظنه أنه لو كان في يده لأظهره ثم قضى عليه بالضمان لأن بذلك ثبت عجزه عن رد العين فيحبس كمن كان عليه دين فطولب به فادعى الإفلاس ومن شرط الخطاب بأداء الضمان أن يكون المثل موجودا في أيدي الناس حتى لو غصب شيئا له مثل ثم انقطع عن أيدي الناس لا يخاطب بأدائه للحال لأنه ليس بمقدور بل يخاطب بالقيمة ولو اختصما في حال انقطاعه عن أيدي الناس فقد اختلف أصحابنا الثلاثة قال أبو حنيفة يحكم على الغاصب بقيمته يوم يختصمون وقال أبو يوسف رحمه الله يوم الغصب وقال محمد رحمه الله يوم الانقطاع وجه قوله أن الغصب أوجب المثل على الغاصب والمصير إلى القيمة للتعذر والتعذر حصل بسبب الانقطاع فتعتبر قيمته يوم الانقطاع كما لو استهلكه في ذلك الوقت وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن سبب وجوب ضمان المثل عند القدرة والقيمة عند العجز هو الغصب والحكم يعتبر من وقت وجود سببه وجه قول أبي حنيفة عليه الرحمة أن الواجب كان مثل المغصوب وبالانقطاع عن أيدي الناس لم يبطل الواجب لأن الأصل أن ما ثبت يبقى لتوهم الفائدة وتوهم العود ههنا ثابت ألا ترى أن للمالك أن يختار الإنتظار إلى وقت إدراكه فيأخذ المثل وإذا بقي المثل واجبا بعد الانقطاع فإنما انتقل ( ( ( ينتقل ) ) ) حقه من المثل إلى القيمة بالخصومة فتعتبر قيمته وقت الخصومة فأما علم الغاصب بكون المغصوب ملك غيره فليس بشرط لوجوب الضمان حتى لو أخذ مالا على وجه يحق له أخذه ظاهرا وفي الباطن بخلافه كما إذا اشترى شيئا أو ملكه بوجه من الوجوه فتصرف فيه ثم تبين أنه مستحق يضمن لكن لا إثم عليه لأن العلم ليس بشرط لتحقق الغصب وهو شرط ثبوت المؤاخذة قال الله سبحانه وتعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وأما وقت وجوب الضمان فوقت وجود الغصب لأن الضمان يجب بالغصب ووقت ثبوت الحكم وقت وجود سببه فتعتبر قيمة المغصوب يوم الغصب حتى لا يتغير بتغير السعر لأن السبب لم يتغير ولا تغير المحل أيضا لأن تراجع السعر لفتور يحدثه الله سبحانه وتعالى في قلوب عباده وأما بيان ما يخرج به الغاصب عن عهدة الضمان فالذي يخرج به عن عهدته شيئان أحدهما أداء الضمان إلى المالك أو من يقوم مقامه لأن الأصل في طريق الخروج عن عهدة الواجب أداؤه ولو هلك المغصوب في يد الغاصب الثاني فأدى القيمة إلى الغاصب الأول يبرأ عن الضمان في الرواية المشهورة وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يبرأ إلا بقضاء القاضي وجه هذه الرواية أن الضمان الواجب عليه للمالك فلا يسقط عنه إلا بالأداء إلى المالك وجه الرواية المشهورة أن الضمان خلف عن العين قائم مقامه ثم لو رد العين برىء عن الضمان فكذا إذا رد القيمة لأن ذلك رد العين من حيث المعنى والثاني الإبراء وهو نوعان صريح وما يجري مجرى الصريح ودلالة ( ( ( دلالة ) ) ) أما الأول فنحو أن يقول أبرأتك عن الضمان أو أسقطته عنك أو وهبته منك وما أشبه ذلك فيبرأ عن الضمان لأنه أسقط حق نفسه وهو من أهل الإسقاط والمحل قابل للسقوط فيسقط وأما الثاني فهو أن يختار المالك تضمين أحد الغاصبين فيبرأ الآخر لأن اختيار تضمين أحدهما إبراء للآخر دلالة لما ذكرنا فيما تقدم فيبرأ إما بنفس الاختيار أو بشريطه رضا من اختار تضمينه أو القضاء على اختلاف الروايتين اللتين ذكرناهما ولو أبرأه عن ضمان العين وهي قائمة في يده صح الإبراء وسقط عنه الضمان عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وقال زفر رحمه الله لا يصح وجه قوله أن الإبراء إسقاط وإسقاط الأعيان لا يعقل فالتحق بالعدم وبقيت العين مضمونة كما كانت وإذا هلكت ضمن ولنا أن العين صارت مضمونة بنفس الغصب لأن الغصب سبب لوجوب الضمان فكان هذا إبراء عن الضمان بعد وجود سبب وجوبه فيصح كالعفو عن القصاص بعد الجرح قبل الموت

Section V07/P151

ولو أجل المغصوب منه الغاصب ببدل الغصب صح التأجيل عند أصحابنا وعند زفر لا يصح استدلالا بالقرض ولنا عدم اللزوم في القرض لكونه جاريا مجرى الإعارة لما بين في كتاب القرض والأجل لا يلزم في العواري وهذا المعنى لا يوجد في الغصب فيلزمه وهذا لأن الأصل هو لزوم التأجيل لأنه تصرف صدر من أهله في محله وهو الدين إلا أن عدم اللزوم في باب القرض لضرورة الإعارة ولم يوجد ههنا فيلزم على الأصل والله تعالى أعلم وأما ملك الغاصب المضمون فالكلام في هذا الحكم في مواضع في بيان أصل الحكم أنه سبب أم لا وفي بيان وقت ثبوته وفي بيان صفة الحكم الثابت أما الأول فقد اختلف العلماء فيه قال أصحابنا رحمهم الله يثبت إذا كان المحل قابلا للثبوت ابتداء وقال الشافعي رحمه الله لا يثبت أصلا حتى إن من غصب عبدا واكتسب في يد الغاصب ثم هلك العبد وضمن الغاصب قيمته فالكسب ملك للغاصب عندنا وعنده ملك للمالك ولو أبق العبد المغصوب من يد الغاصب وعجز عن رده إلى المالك فالمغصوب منه بالخيار إن شاء انتظر إلى أن يظهر وإن شاء لم ينتظر وضمن الغاصب قيمته ولو ضمنه قيمته ثم ظهر العبد ينظر إن أخذ صاحبه القيمة بقول نفسه التي سماها ورضي بها أو بتصادقهما عليه أو بقيام البينة أو بنكول الغاصب عن اليمين فلا سبيل له على العبد عندنا وعنده يأخذ عبده بعينه ولو كان المغصوب مدبرا يعود على ملك المالك بالإجماع وجه قوله أن المالك لا بد له من سبب والغصب لا يصلح سببا لأنه محظور والملك نعمة وكرامة فلا يستفاد بالمحظور ولأن ضمان الغصب لا يقابل العين وإنما يقابل اليد الفائتة فلا تملك به العين كما في غصب المدبر ولنا أن ملك الغاصب يزول عن الضمان فلو لم يزل ملك المغصوب منه عن المضمون لم يكن الاعتداء بالمثل ولأنه إذا زال ملك الغاصب عن الضمان وأنه بدل المغصوب لأنه مقدر بقيمته وملك المغصوب منه البدل بكماله لو لم يزل ملكه عن المغصوب لاجتمع البدل والمبدل في ملك المالك وهذا لا يجوز وإذا زال ملك المالك عن المغصوب فالغاصب أثبت يده على مال قابل للملك لا ملك لأحد فيه فيملكه كما يملك الحطب والحشيش بإثبات يده عليهما وبه تبين أن ما هو سبب الملك فهو مباح لا حظر فيه فجاز أن يثبت به الملك بخلاف المدبر لأنه لا يحتمل ابتداء الملك فيزول ملك المالك لكن لا يملكه الغاصب لعدم قبول المحل للمتملك ( ( ( التملك ) ) ) ابتداء وههنا بخلافه والله أعلم ولو أخذ صاحبه القيمة بقول الغاصب بأن اختلفا في القيمة وقضى القاضي بالقيمة بقول الغاصب وبيمينه ثم ظهر العبد ذكر في ظاهر الرواية أن المغصوب منه بالخيار إن شاء رضي بالمأخوذ وترك العبد عند الغاصب وإن شاء رد المأخوذ وأخذ العبد لأنه تبين أن المأخوذ بعض بدل العين لا كله فلم يملك بدل المغصوب بكماله فيثبت له الخيار وإن أراد استرداد العبد فللغاصب أن يحبس العبد حتى يأخذ القيمة ولو مات العبد في يد الغاصب قبل رد القيمة لا يرد القيمة ولكن يأخذ من الغاصب فضل القيمة إن كان في قيمة العبد فضل على ما أخذه وإن لم يكن فيها فضل فلا شيء له سوى القيمة وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا ظهر العبد وقيمته أكثر مما قاله الغاصب فالمغصوب منه بالخيار على ما بينا فأما إذا كانت قيمته مثل ما قال الغاصب أو أقل منه فلا سبيل لصاحبه عليه وهكذا فصل الكرخي رحمه الله لأنه رضي بزوال ملكه بهذا البدل وفي ظاهر الرواية أثبت الخيار من غير تفصيل ولو اختلفا في زيادة القيمة فادعى الغاصب أنها حدثت بعد التضمين وادعى المغصوب منه أنها كانت قبله كان الجصاص يقول من تلقاء نفسه إن القول قول الغاصب لأن التمليك قد صح فلا يفسخ الشك

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) · 117 · Qur'an & Sunnah