Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V07/P185–V07/P186

وقوله عز شأنه وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم فقد ندب سبحانه وتعالى إلى العفو عاما ولأنه تصرف قولي فلا يؤثر فيه الإكراه ولا ضمان على المكره لأنه لم يوجد منه إتلاف المال لأن القصاص ليس بمال ولهذا لا يجب الضمان على شهود العفو إذا رجعوا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع الذي يحتمل الفسخ فالبيع والشراء والهبة والإجارة ونحوها فالإكراه يوجب فساد هذه التصرفات عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وعند زفر رحمه الله يوجب توقفها على الإجازة كبيع الفضولي وعند الشافعي رحمه الله يوجب بطلانها أصلا ووجه قولهما أن الرضا شرط البيع شرعا قال الله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم والإكراه يسلب الرضا يدل عليه أنه لو أجاز المالك يجوز والبيع الفاسد لا يحتمل الجواز بالإجازة كسائر البياعات الفاسدة فأشبه بيع الفضولي وهذه شبهة زفر رحمه الله ولنا ظواهر نصوص البيع عاما مطلقا من غير تخصيص وتقييد ولأن ركن البيع وهو المبادلة صدر مطلقا من أهل البيع في محل وهو مال مملوك البائع فيفيد الملك عند التسليم كما في سائر البياعات الفاسدة ولا فرق سوى أن المفسد هناك لمكان الجهالة أو الربا أو غير ذلك وهذا ( ( ( وهنا ) ) ) الفساد ( ( ( الفاسد ) ) ) لعدم الرضا طبعا فكان الرضا طبعا شرط الصحة لا شرط الحكم وانعدام شرط الصحة لا يوجب انعدام الحكم كما في سائر البياعات الفاسدة إلا أن سائر البياعات لا تلحقها الإجازة لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا ونحو ذلك فلا يزول برضا العبد وههنا ( ( ( وهنا ) ) ) الفساد لحق العبد وهو عدم رضاه فيزول بإجازته ورضاه وإذا فسد البيع والشراء بالإكراه فلا بد من بيان ما يتعلق به من الإحكام في الجملة والجملة فيه أن الأمر لا يخلو من ثلاثة أوجه إما إن كان المكره هو البائع وإما إن كان هو المشتري وإما إن كانا جميعا مكرهين فإن كان المكره هو البائع فلا يخلو الأمر فيه من وجهين إما إن كان مكرها على البيع طائعا في التسليم وإما إن كان مكرها على البيع والتسليم جميعا فإن كان مكرها على البيع طائعا في التسليم فباع مكرها وسلم طائعا جاز لأن البيع في الحقيقة اسم للمبادلة فإذاسلم طائعا فقد أتى بحقيقة البيع باختياره فيجوز بطريق التعاطي فكان ما أتى به من لفظ البيع بالإكراه وجوده وعدمه بمنزلة واحدة إلا أنه لا يكون التسليم منه طائعا إجازة لذلك البيع بل يكون هذا بيعا مبتدأ بطريق التعاطي والثاني أن التسليم منه إجازة لذلك البيع لأنه ليس من شرط صحة البيع صحة التسليم حتى يكون الإكراه على البيع إكراها على ما لا صحة له بدونه إذ البيع يصح بدون التسليم فكان طائعا في التسليم فصلح أن يكون دليلا للإجازة بخلاف المكره على الهبة والصدقة إذا سلم طائعا أنه لا يجوز ولا يكون التسليم إجازة لأن القبض شرط لصحتها ألا ترى أنهما لا يصحان بدون القبض فكان الإكراه عليهما إكراها على القبض فلم يصح التسليم دليلا على الإجازة فهو الفرق هذا إذا كان مكرها على البيع طائعا في التسليم فأما إذا كان مكرها عليهما جميعا فباع مكرها وسلم مكرها كان البيع فاسدا لأن حقيقة البيع هو المبادلة والإكراه يؤثر فيها بالفساد ويثبت الملك للمشتري لما قلنا حتى لو كان المشتري عبدا فأعتقه نفذ إعتاقه وعليه قيمة العبد لأن بالإعتاق تعذر عليه الفسخ إذ الإعتاق مما لا يحتمل الفسخ فتقرر الهلاك فتقررت عليه القيمة فكان له أن يرجع بقيمة العبد عليه كالبائع والمكره بالخيار إن شاء رجع على المكره بقيمته ثم المكره يرجع على المشتري وإن شاء رجع على المشتري أما حق الرجوع على المكره فلأنه أتلف عليه ماله بإزالة يده عنه فأشبه الغاصب فيرجع عليه بضمان ما أتلفه كالغاصب ثم يرجع بما ضمنه على المشتري لأنه ملكه بأداء الضمان فنزل منزلة البائع

Section V07/P186–V07/P187

وأما حق الرجوع على المشتري فلأنه في حق البائع بمنزلة غاصب الغاصب وللمالك ولاية تضمين غاصب الغاصب كذا هذا ولو أعتقه المشتري قبل القبض لا ينفذ إعتاقه لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض والإعتاق لا ينفذ في غير الملك فإن أجاز البائع البيع بعد الإعتاق نفذ البيع ولم ينفذ الإعتاق وهذه المسألة من حيث الظاهر تدل على أن الملك يثبت بالإجازة فكانت الإجازة في حكم الإنشاء ولكنا نقول إن الملك يثبت بالبيع السابق عند الإجازة بطريق الاستناد والمستند مقتصر من وجه ظاهر من وجه فجاز أن لا يظهر في حق المعلق بل يقتصر وللبائع خيار الفسخ والإجازة في هذا البيع قبل القبض وبعده لأن الملك وإن ثبت بعد القبض لكنه غير لازم لأجل الفساد فيثبت له خيار الفسخ والإجازة قبل القبض وبعده دفعا للفساد وأما المشتري فله حق الفسخ قبل القبض لأنه لا حكم لهذا البيع قبل القبض وليس له حق الفسخ بعد القبض لأنه طائع في الشراء فكان لازما في جانبه لكن إنما يملك البائع فسخ هذا القعد ( ( ( العقد ) ) ) إذا كان بمحل الفسخ فأما إذا لم يكن بأن تصرف المشتري تصرفا لا يحتمل الفسخ كالإعتاق والتدبير والاستيلاد لا يملك الفسخ وتلزمه القيمة وإن تصرف تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع والإجارة والكفالة ونحوها يملك الفسخ بخلاف سائر البياعات الفاسدة فإن تصرف المشتري بإزالة الملك يوجب بطلان حق الفسخ أي تصرف كان ووجه الفرق أن حق الفسخ هناك ثبت لمعنى يرجع إلى المملوك من الزيادة والجهالة ونحو ذلك وقد زال ذلك المعنى بزوال المملوك عن ملك المشتري بطل حق الفسخ فلما ثبت حق الفسخ لمعنى يرجع إلى المالك وهو كراهته وفوات رضاه وأنه قائم فكان حق الفسخ ثابتا وكذلك لو باعه المشتري الثاني حتى تداولته الأيدي له أن يفسخ العقود كلها لما ذكرنا وكذا إنما يملك الإجازة إذا كان يمحل ( ( ( بمحل ) ) ) الإجازة فأما إذا لم يكن بأن تصرف المشتري تصرفا لا يحتمل الفسخ لا تجوز إجازته حتى لا يجب الثمن على المشتري بل تجب عليه قيمة العبد لأن قيام المحل وقت الإجازة شرط لجواز الإجازة لأن الحكم يثبت في المحل ثم يستند والهالك لا يحتمل الملك فلا يحتمل الإجازة والمحل بالإعتاق صار في حكم الهالك وتقرر هلاكه لأنه لا يحتمل الفسخ فيتقرر على المشتري قيمته وإن تصرف تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع ونحوه يملك الإجازة وإن تداولته الأيدي وإذا أجاز واحدا من العقود جازت العقود كلها ما بعد هذا العقد وما قبله أيضا بخلاف الغاصب إذا باع المغصوب ثم باعه المشتري هكذا حتى تداولته الأيدي وتوقفت العقود كلها فأجاز المالك واحدا منها أنما كان يجوز ذلك العقد خاصة دون غيره ولو لم يجز المالك شيئا من العقود ولكنه ضمن واحدا منهم يجوز ما بعد عقده دون ما قبله والفرق أن في باب الغصب لم ينفذ شيء من العقود بل توقف نفاذ الكل على الإجازة فكانت الإجازة شرط النفاذ فينفذ ما لحقه الشرط دون غيره أما ههنا فالعقود ما توقف نفاذها على الإجازة لوقوعها نافذة قبل الإجازة إذ الفساد لا يمنع النفاذ فكانت الإجازة إزالة الإكراه من الأصل ومتى جاز الإكراه من الأصل جاز العقد الأول فيجوز ( ( ( فتجوز ) ) ) العقود كلها فهو الفرق وبخلاف ما إذا ضمن المغصوب منه أحدهم لأنه ملك المغصوب عند اختيار أخذ الضمان منه من وقت جنايته وهو القبض إما بطريق الظهور وإما بطريق الاستناد على ما عرف في مسائل الخلاف فلا يظهر فيما قبله من العقود وههنا بخلافه على ما مر وإذا قال البائع أجزت جاز البيع لأن المانع من الجواز هو الإكراه والإجازة إزالة الإكراه وكذا إذا قبض الثمن لأن قبض الثمن دليل الإجازة كالفضولي إذا باع مال غيره فقبض المالك الثمن

Section V07/P187

ولو لم يعتقه المشتري الأول ولكن أعتقه المشتري قبل الإجازة نفذ إعتاقه لأن الملك ثابت له بالشراء وسواء كان قبض العبد أو لا لأن شراءه صحيح فيفيد الملك بنفسه بخلاف إعتاق المشتري الأول قبل القبض لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك بنفسه بل بواسطة القبض ولو أعتقه المشتري الأخير ثم أجاز البائع العقد الأول لم تجز إجازته حتى لا يملك المطالبة بالثمن بل تجب القيمة وهو بالخيار إن شاء رجع بها على المكره والمكره يرجع على المشتري الأول وإن شاء رجع على أحد المشتريين أيهما كان إما الرجوع على المكره فلما ذكرنا في إعتاق المشتري الأول أنه أتلف عليه ملكه معنى فله أن يأخذ منه ضمان الإتلاف وللمكره أن يرجع بذلك على المشتري الأول لأنه ملك المضمون بأداء الضمان فنزل منزلة البائع وكان للبائع أن يرجع عليه بالضمان فكذا له ويصح كل عقد وجد بعد ذلك وإن شاء المكره رجع على أحد المشتريين أيهما شاء لأن كل واحد منهما في حق البائع بمنزلة غاصب الغاصب فإن اختار تضمين المشتري الأول برىء المكره وصحت البياعات كلها لأنه ملك المشتري الأول باختيار تضمينه فتبين أنه باع ملك نفسه فصح فيصح كل بيع وجد بعد ذلك إن إخبار ( ( ( اختار ) ) ) تضمين المشتري الآخر صح كل بيع وجد بعد ذلك وبطل كل بيع كان قبله لأنه لما اختار تضمينه فقد خصه بملك المضمون فتبين أن كل بيع كان قبله كان بيع ما لا يملكه البائع فبطل والله أعلم هذا إذا كان المكره هو البائع فأما إذا كان المكره هو المشتري دون البائع فلكل واحد منهما حق الفسخ قبل القبض وبعد القبض حق الفسخ للمشتري دون البائع لما ذكرنا في إكراه البائع وللمشتري أن يجيز هذا العقد كما للبائع إذا كان مكرها ولو أكره على الشراء والقبض ودفع الثمن والمشتري عبد فأعتقه المشتري فذلك إجازة للبيع لأن هذه التصرفات لا تحتمل الفسخ بعد وجودها فكان الإقدام عليها التزاما للمالك كالمشتري بشرط الخيار إذا فعل شيئا من ذلك وكذلك لو كان المشتري أمة فوطئها أو قبلها بشهوة فهو إجازة للبيع لأنه لو نقض البيع لتبين أن الوطء صادف ملك الغير وذلك حرام والظاهر من حال المسلم التحرز عن الحرام فكان إقدامه عليه التزاما للبيع دلالة ولو لم يقبضه المشتري حتى أعتقه البائع نفذ إعتاقه لأنه على ملكه قبل التسليم وإن أعتقه المشتري نفذ إعتاقه استحسانا والقياس أن لا ينفذ وجه القياس ظاهر لأنه أعتق ما لا يملكه ولاعتق فيما لا يملكه ابن آدم على لسان رسول الله وجه الاستحسان أن المشتري يملك إجازة هذا البيع فإقدامه على الإعتاق إجازة له تصحيحا لتصرفه وهذا لأن تصرف العاقل تجب صيانته عن الإلغاء ما أمكن ولا صحة لتصرفه إلا بالملك ولا يثبت الملك قبل القبض إلا بالإجازة فيقتضي الإعتاق إجازة هذا العقد سابقا عليه أو مقارنا له تصحيحا له كما في قوله لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم ولهذا نفذ إعتاق المشتري بشرط الخيار كذا هذا هذا إذا أعتقه المشتري وحده ولو أعتقاه جميعا معا قبل القبض فإعتاق البائع أولى لوجهين أحدهما أن ملك البائع ثابت مقصودا ( ( ( مقصود ) ) ) وملك المشتري يثبت ضمنا للإجازة الثابتة ضمنا للإعتاق فكان تنفيذ إعتاق البائع أولى والثاني أن ملك البائع ثابت في الحال وملك المشتري يثبت في الثاني فاعتبار الموجود للحال أولى هذا إذا كان المكره وهو البائع أو المشتري فأما إذا كانا جميعا مكرهين على البيع والشراء فلكل واحد منهما خيار الفسخ والإجازة لأن البيع فاسد في حقهما والثابت بالبيع الفاسد ملك غير لازم فكان بمحل الفسخ والإجازة فإن أجازا جميعا جاز وإن أجاز أحدهما دون الآخر جاز في جانبه وبقي الخيار في حق صاحبه

Section V07/P187–V07/P188

ولو أعتقه المشتري قبل وجود الإجازة من أحدهما أصلا نفذ إعتاقه ولزمه القيمة لأن الإعتاق تصرف لا يحتمل النقض فكان إقدامه عليه التزاما للبيع في جانبه ولا تجوز إجازة البائع بعد ذلك لأنه خرج من أن يكون محلا للإجازة بالإعتاق لما ذكرنا أن قيام المحل وقت الإجازة شرط صحة الإجازة وقد هلك بالإعتاق ولو لم يعتقه المشتري ولكن أجاز أحدهما البيع ثم أعتقاه معا نفذ لإعتاق ( ( ( إعتاق ) ) ) البائع وبطل إعتاق المشتري لأنه لا يخلو إما إن كانت الإجازة من المشتري أو من البائع فإن كانت من المشتري نفذ إعتاق البائع لأن إجازة المشتري لم تعمل في جانب البائع فبقي البائع على خياره فإذا أعتق نفذ إعتاقه وبطل إعتاق المشتري لأنه أبطل خياره بالإجازة وإن كانت الإجازة من البائع فتنفيذ إعتاقه أولى أيضا لما ذكرنا من الوجهين في إكراه المشتري ولو أجاز البائع البيع ثم أعتق المشتري ثم أعتق البائع بعده نفذ إعتاق المشتري ولزمه الثمن ولا ينفذ إعتاق البائع أما نفوذ إعتاق المشتري فلبقاء الخيار له وأما عدم نفوذ إعتاق البائع فلسقوط خياره بالإجازة وأما لزوم الثمن المشتري فللزوم البيع في الجانبين جميعا والله تعالى أعلم ويستوي أيضا في باب البيع والشراء الإكراه التام والناقص لأن كل ذلك يفوت الرضا ويستوي في الإكراه على البائع تسمية المشتري وترك التسمية حتى يفسد البيع في الحالين جميعا لأن غرض المكره في الحالين جميعا واحد وهو إزالة ملك البائع وذلك يحصل بالبيع من أي إنسان كان ولو أوعده بضرب سوط أو الحبس يوما أو القيد يوما فليس ذلك من الإكراه في شيء لأن ذلك لا يغير حال المكره عما كان عليه من قبل هذا إذا ورد الإكراه على البيع والتسليم فأما إذا ورد على التوكيل بالبيع والتسليم فباع الوكيل وسلم وهو طائع والمبيع عبده فمولى العبد بالخيار إن شاء ضمن المكره وإن شاء ضمن الوكيل أو المشتري فإن ضمن الوكيل رجع على المشتري وإن ضمن المشتري لا يرجع على أحد أما ولاية تضمين المكره فلأن الإكراه على التوكيل بالبيع إكراه على البيع لكن بواسطة التوكيل لأن التوكيل بالبيع تسبيب إلى إزالة اليد وأنه إتلاف معنى فكان التلف بهذه الواسطة مضافا إلى المكره فكان له ولاية تضمين المكره وأما تضمين الوكيل فلأنه قبض ماله بغير رضاه وكذلك المشتري وقبض مال الإنسان بغير رضاه سبب لوجوب الضمان فكان له ولاية تضمين أيهما شاء فإن ضمن الوكيل يرجع عن المشتري بقيمة العبد لأنه لما أدى الضمان فقد نزل منزلة البائع فيملك تضمينه كالبائع ولكن لا ينفذ ذلك البيع بأداء الضمان لأنه ما ملكه بأداء الضمان لأنه لم يبعه لنفسه بل لغيره وهو المالك فيقف نفاذه على إجازة من وقع له العقد وهو المالك لا على فعل يوجد منه وهو أداء الضمان وهذا بخلاف ما إذا باع الغاصب المغصوب ثم أدى الضمان أنه ينفذ بيعه لأن هناك باعه لنفسه لا لغيره وهو المالك لأنه ملكه بأداء الضمان فجاز وقوفه على فعله وهو أداء الضمان وجاز وقوفه على فعل مالكه أيضا قبل أداء الضمان لأن الغاصب إنما يملكه بأداء الضمان ومن الجائز أن لا يختار المالك الضمان فلا يملكه الغاصب لذلك وقف على إجازة المالك وإن اختار تضمين المشتري لا يرجع المشتري على أحد لأن القيمة بدل المبيع وقد سلم له المبدل ثم إن كان البائع قبض الثمن من المشتري يسترده منه وإن كان لم يقبضه فلا شيء والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان كالإكراه ( ( ( الإكراه ) ) ) تاما فإن كان ناقصا لا يرجع المكره بالضمان على المكره لأن الإكراه الناقص لا يوجب نسبة الإتلاف إليه على ما بينا ولكنه يرجع إلى الوكيل أو المشتري لما بينا والله أعلم

Section V07/P188–V07/P189

وأما الإكراه على الهبة فيوجب فسادها كالإكراه على البيع حتى إنه لو وهب مكرها وسلم مكرها ثبت الملك كما في البيع إلا أنهما يفترقان من وجه وهو أن في باب البيع إذا باع مكرها وسلم طائعا يجوز البيع وفي باب الهبة مكرها لا يجوز سواء سلم مكرها أو طائعا وقد بينا الفرق بينهما فيما تقدم وكذلك تسليم الشفعة من هذا القبيل أنه لا يصح مع الإكراه لأن الشفعة في معنى البيع ألا ترى أنه لا يتعلق صحته باللسان كالبيع حتى تبطل الشفعة بالسكوت فأشبه البيع ثم البيع يعمل عليه الإكراه فكذلك تسليم الشفعة ومن هذا القبيل الإكراه على الإبراء عن الحقوق لأن الإبراء فيه معنى التمليك ولهذا لا يحتمل التعليق بالشرط ولا يصح في المجهول كالبيع ثم البيع يعمل عليه الإكراه فكذلك الإبراء عن الكفالة بالنفس إبراء عن حق المطالبة بتسليم النفس الذي هو وسيلة المال فكان ملحقا بالبيع الذي هو تمليك المال فيعمل عليه الإكراه كما يعمل على البيع والله أعلم هذا إذا كان الإكراه على الإنشاء فأما إذا كان على الإقرار فيمنع صحة الإقرار سواء كان المقر به محتملا للفسخ أو لم يكن لأن الإقرار إخبار وصحة الإخبار عن الماضي بوجود المخبر به سابقا على الإخبار والمخبر به ههنا يحتمل الوجود والعدم وإنما يترجح جهة ( ( ( جنبة ) ) ) الوجود على جهة ( ( ( جنبة ) ) ) العدم بالصدق وحال الإكراه لا يدل على الصدق لأن الإنسان لا يتحرج عن الكذب حالة الإكراه فلا يثبت الرجحان ولأن الإقرار من باب الشهادة قال الله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم والشهادة على أنفسهم ليس إلا الإقرار على أنفسهم والشهادة ترد بالتهمة وهو متهم حالة الإكراه ولو أكره على الإقرار بالحدود والقصاص لما قلنا بل أولى لأن الحدود والقصاص تسقط بالشبهات فأما المال فلا يسقط بالشبهة فلما لم يصح هناك فلأن لا يصح ههنا أولى ولو أكره على الإقرار بذلك ثم خلى سبيله قبل أن يقر به ثم أخذه فأقر به من غير تجديد الإكراه فهذا على وجهين إما أن توارى عن بصر المكره حين ما خلى سبيله وإما إن لم يتوار عن بصره حتى بعث من أخذه ورده إليه فإن كان قد توارى عن بصره ثم أخذه فأقر إقرارا مستقبلا جاز إقراره لأنه لما خلى سبيله حتى توارى عن بصره فقد زال الإكراه عنه فإذا أقر به من غير إكراه جديد فقد أقر طائعا فصح وإن لم يتوار عن بصره بعد حتى رده إليه فأقر به من غير تجديد الإكراه لم يصح إقراره لأنه إذا لم يتوار عن بصره فهو على الإكراه الأول ولو أكره على الإقرار بالقصاص فأقر به فقتله حين ما أقر به من غير بينة فإن كان المقر معروفا بالذعارة يدرأ عنه القصاص استحسانا وإن لم يكن معروفا بها يجب القصاص والقياس أن لا يجب القصاص كيفما كان وجه القياس أن الإقرار زال عنه الإكراه لما لم يصح شرعا صار وجوده وعدمه بمنزلة واحدة فصار كما لو قتله ابتداء وجه الاستحسان أن الإقرار إن كان لا يصح مع الإكراه لكن لهذا الإقرار شبهة الصحة إذا كان المقر معروفا بالذعارة لوجود دليل الصدق في الجملة وذا يورث شبهة في وجوب القصاص فبدأ للشبهة وإذا لم يكن معروفا بالذعارة فإقراره لا يورث شبهة في الوجوب فيجب ومثال هذا إذا دخل رجل على رجل في منزله فخاف صاحب المنزل أنه ذاعر دخل عليه ليقتله ويأخذ ماله فبادره وقتله فإن كان الداخل معروفا بالذعارة لا يجب القصاص على صاحب المنزل وإن لم يكن معروفا بالذعارة يجب القصاص عليه كذا هذا وإذا لم يجب القصاص يجب الأرش لأن سقوط القصاص للشبهة وإنها لا تمنع وجوب المال وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه لا يجب الأرش أيضا إذا كان معروفا بالذعارة فصل وأما بيان حكم ما عدل المكره إلى غير ما وقع عليه الإكراه

Section V07/P189–V07/P190

أو زاد على ما وقع عليه الإكراه أو نقص عنه فنقول وبالله التوفيق العدول عما وقع عليه الإكراه إلى غيره لا يخلو من وجهين إما أن يكون بالعقد في الاعتقادات أو بالفعل في المعاملات أما حكم العدول عما وقع عليه الإكراه بالعقد في الاعتقادات فقد ذكرناها ( ( ( ذكرناه ) ) ) فيما تقدم وأما العدول إلى غير ما وقع عليه الإكراه بالفعل في المعاملات فنقول إذا عدل المكره إلى غير ما وقع عليه الإكراه بالفعل جاز ما فعل لأنه طائع فيما عدل إليه حتى لو أكره على بيع جاريته فوهبها جاز لأنه عدل عما أكره عليه لتغاير البيع والهبة وكذلك لو طولب بمال وذلك المال أصله باطل وأكره على أدائه ولم يذكر له بيع الجارية فباع جاريته جاز البيع لأنه في بيع الجارية طائع ولو أكره على الإقرار بألف درهم فأقر بمائة دينار أو صنف آخر غير ما أكره عليه جاز لأنه طائع فيما أقر به وهذا بخلاف ما إذا أكره على أن يبيع عبده من فلان بألف درهم فباعه منه بمائة دينار إن البيع فاسد استحسانا جائز قياسا فقد اعتبر الدراهم والدنانير جنسين مختلفين في الإقرار قياسا واستحسانا واعتبرها جنسا واحدا في الإنشاء استحسانا لأنهما جنسان مختلفان حقيقة إلا أنهما جعلا جنسا في موضع الإنشاء بل مخالفة الحقيقة لمعنى هو منعدم في الإقرار وهو أن الفائت بالإكراه هو الرضا طبعا والإكراه على البيع بألف درهم كما يعدم الرضا بالبيع بألف درهم يعدم الرضا بالبيع بمائة دينار قيمته ألف لاتحاد المقصود منها وهو الثمنية فكان انعدام الرضا بالبيع بأحدهما دليل ( ( ( دليلا ) ) ) على انعدام الرضا بالبيع بالآخر فكان الإكراه على البيع بأحدهما إكراها على البيع بالآخر بخلاف ما إذا أكره على البيع بألف فباعه بمكيل أو موزون آخر سوى الدراهم والدنانير لأن هناك المقصود مختلف فلم يكن كراهة البيع بأحدهما كراهة البيع بالآخر وهذا المعنى لا يوجد في الإقرار لأن بطلان إقرار المكره لانعدام رجحان جانب الصدق على جانب الكذب في اختياره بدلالة الإكراه فيختصر ( ( ( فيختص ) ) ) بمورد الإكراه وهو الدراهم فكان صادقا في الإقرار بالدنانير لانعدام المانع من الرجحان فيه فهو الفرق وأما إذا زاد على ما وقع عليه الإكراه بأن أكره على الإقرار بألف درهم فأقر بألفين جاز إقراره بألف وبطل بألف لأنه في الإقرار بالألف الزائد طائع فصح ولو أكره على الإقرار لفلان فأقر له ولغيره فإن صدقه الغير في الشركة لم يجز أصلا بالإجماع وإن كذبه فكذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد يجوز في نصيب الغير خاصة وجه قول محمد أن المانع من الصحة عند التصديق هو الشركة في مال لم يصح الإقرار بنصفه شائعا فإذا كذبه لم يثبت ( ( ( تثبت ) ) ) الشركة فيصح إقراره للغير إذ هو فيما أقر له به طائع وجه قولهما أن الإقرار إخبار وصحة الإخبار عن الماضي بوجود المخبر به سابقا على الإخبار والمخبر به ألف مشتركة فلو صح إقراره لغير المقر له بالإكراه لم يكن المخبر به على وصف الشركة فلم يصح إخباره عن المشترك فلم يصح إقراره وهذه فريعة اختلافهم في المريض مرض الموت إذا أقر لوارثه ولأجنبي بالدين أنه لا يصح إقراره أصلا بالإجماع إن صدقه الأجنبي بالشركة وإن كذبه فعلى الاختلاف الذي ذكرنا ولو أكره على هبة عبده لعبد الله فوهبه لعبد الله وزيد فسدت الهبة في حصة عبد الله وصحت في حصة زيد لأنه مكره في حصة عبد الله لورود الإكراه على كل العبد والإكراه على كل الشيء إكراه على بعضه فلم تصح الهبة في حصته طائع في حصة زيد وأنه هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة فصحت في حصته ولو كان مكان العبد ألف فالهبة في الكل فاسدة بالإجماع بين أصحابنا أما على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه فظاهر لأن هبة الطائع من اثنين لا تصح عنده فهبة المكره أولى

Section V07/P190–V07/P191

وأما على أصلهما فلأنه لما وهب الألف منهما والهبة من أحدهما لا تصح بحكم الإكراه كان واهبا نصف الألف من الآخر وهذه هبة المشاع فيما يحتمل القسمة وأنه لا يصح بلا خلاف بين أصحابنا بخلاف حالة الطواعية والله تعالى أعلم هذا إذا زاد على ما وقع عليه الإكراه فأما إذا نقص عنه بأن أكره على الإقرار بألف درهم فأقر بخمسمائة فإقراره باطل لأن الإكراه على ألف إكراه على خمسمائة لأنها بعض الألف والإكراه على كل شيء إكراه على بعضه فكان مكرها بالإقرار بخمسمائة فلم يصح ولو أكره على بيع جاريته بألف درهم فباعها بألفين جاز البيع بالإجماع ولو باعها بأقل من ألف فالبيع فاسد استحسانا جائز قياسا وجه القياس أن المكره عليه هو البيع بألف فإذا باع بأقل منه فقد عقد عقدا آخر إذ البيع بألف غير البيع بخمسمائة فكان طائعا فيه فجاز وجه الاستحسان أن غرض المكره هو الإضرار بالبائع بإزالة ملكه وإن قل الثمن فكان الإكراه على البيع بألف إكراها على البيع بأقل منه فبطل بخلاف ما إذا باعه بألفين لأن حال المكره دليل على أنه لا يأمره بالبيع بأوفر الثمنين فكان طائعا في البيع بألفين فجاز والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب المأذون الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن الإذن بالتجارة وفي بيان شرائط الركن وفي بيان ما يظهر به الإذن بالتجارة وفي بيان ما يملك المأذون من التصرف وما لا يملك وفي بيان ما يملك المولى من التصرف في المأذون وكسبه وما لا يملك حكم تصرفه وفي بيان حكم الغرور في العبد المأذون وفي بيان حكم الدين الذي يلحق المأذون وفي بيان ما يبطل به الإذن ويصير محجورا وفي بيان حكم تصرف المحجور أما الأول فنقول وبالله التوفيق ركن الإذن بالتجارة نوعان صريح ودلالة والصريح نوعان خاص وعام وكل واحد منهما أنواع ثلاثة منجز ومعلق بشرط ومضاف إلى وقت أما الخاص المنجز فهو أن يأذن له في شيء بعينه مما لا يؤذن في مثله للتجارة عادة بأن يقول له اشتر لي بدرهم لحما أو اشتر لي طعاما رزقا لي أو لأهلي أو لك أو اشتر لي ثوبا أو لأهلي أو لأهلك أو اشتر ثوبا أقطعه قميصا ونحو ذلك مما لا يقصد به التجارة عادة ويصير مأذونا فيما تناوله الإذن خاصة استحسانا والقياس أن يصير مأذونا بالتجارات كلها لأن الإذن بالتجارة مما لا يجزى فكان الإذن في تجارة إذنا في الكل وجه الاستحسان أن الإذن على هذا الوجه لا يوجد إلا على وجه الاستخدام عرفا وعادة فيحمل على المتعارف وهو الاستخدام دون الإذن بالتجارة مع أنه لو جعل الإذن بمثله إذنا بالتجارات كلها لصار المأذون بشراء البقل مأذونا في التجارة وفيه سد باب استخدام المماليك وبالناس حاجة إليه فاقتصر على مورد الضرورة وأما العام المنجز فهو أن يقول أذنت لك في التجارات أو في التجارة ويصير مأذونا في الأنواع كلها بالإجماع وأما إذا أذن له في نوع بأن قال اتجر في البر أو في الطعام أو في الدقيق يصير مأذونا في التجارات كلها عندنا وعند زفر والشافعي رحمهما الله لا يصير مأذونا إلا في النوع الذي تناوله ظاهر الإذن وكذلك إذا قال له اتجر في البر ولا تتجر في الخبز لا يصح نهيه وتصرفه ويصير مأذونا في التجارات كلها وعلى هذا إذا أذن له في ضرب من الصنائع بأن قال له اقعد قصارا أو صباغا يصير مأذونا في التجارات والصنائع كلها حتى كان له أن يقعد صيرفيا وصائغا وكذلك إذا أذن له أن يتجر شهرا أو سنة يصير مأذونا أبدا ما لم يحجر عليه وجه قولهما أن العبد متصرف عن إذن فلا يتعدى تصرفه مورد الإذن كالوكيل والمضارب ولهذا يثبت حكم تصرفه لمولاه

Section V07/P191–V07/P192

ولنا أن تقييد الإذن بالنوع غير مفيد فيلغو استدلالا بالمكاتب وهذا لأن فائدة الإذن بالتجارة تمكين العبد من تحصيل النفع المطلوب من التجارة وهو الربح وهذا في النوعين على نمط واحد وكذا الضرر الذي يلزمه في العقد عسى لا يتفاوت فكان الرضا بالضرر في أحد النوعين رضا به في النوع الآخر فلم يكن التقييد بالنوع مفيدا فيلغو ويبقى الإذن بالتجارة عاما فيتناول الأنواع كلها مع ما أنه وجد الإذن في النوع الآخر دلالة لأن الغرض من الإذن هو حصول الربح والنوعان في احتمال الربح على السواء فكان الإذن بأحدهما إذنا بالآخر دلالة ولهذا يملك قبول الهبة والصدقة من غير إذن المولى صريحا لوجوده دلالة كذا ههنا وأما الخاص المعلق بشرط فهو أن يقول إن قدم فلان فاشتر لي بدرهم لحما ونحو ذلك والمضاف إلى وقت أن يقول اشتر لي بدرهم لحما غدا أو رأس شهر كذا وأما العام المعلق بشرط فهو أن يقول إن قدم فلان فقد أذنت لك بالتجارة والمضاف إلى وقت أن يقول أذنت لك بالتجارة غدا أو رأس شهر كذا وكل واحد من النوعين يصح معلقا ومضافا كما يصح مطلقا بخلاف الحجر في أنه لا يصح تعليقه بشرط ولا إضافته ( ( ( إضافة ) ) ) إلى وقت بأن يقول للمأذون إن قدم فلان فأنت محجور أو فقد حجرت عليك غدا أو رأس شهر كذا ووجه الفرق أن الإذن تصرف إسقاط لأن انحجار العبد ثبت حقا لمولاه وبالإذن أسقطه والإسقاطات تحتمل التعليق والإضافة كالطلاق والعتاق ونحوهما فأما الحجر فإثبات الحق وإعادته والإثبات لا يحتمل التعليق والإضافة كالرجعة ونحوها ولهذا قال أصحابنا إن الإذن لا يحتمل التوقيت حتى لو أذن لعبده بالتجارة شهرا أو سنة يصير مأذونا أبدا ما لم يوجد المبطل للإذن كالحجر وغيره إلا أن يؤقت الإذن إلى وقت إضافة الحجر إليه لأن معناه إذا مضى شهر أو سنة فقد حجرت عليك أو حجرت عليك رأس شهر كذا والحجر لا يحتمل الإضافة إلى الوقت فلغت الإضافة وبقي الإذن بالتجارة مطلقا إلى أن يوجد المبطل وأما الإذن بطريق الدلالة فنحو أن يرى عبده يبيع ويشتري فلا ينهاه ويصير مأذونا في التجارة عندنا إلا في البيع الذي صادفه السكوت وأما في الشراء فيصير مأذونا وعند زفر والشافعي رحمهما الله لا يصير مأذونا وجه قولهما أن السكوت يحتمل الرضا ويحتمل السخط فلا يصلح دليل الإذن مع الاحتمال ولهذا لم ينفذ تصرفه الذي صادفه السكوت ولنا أنه يرجح جانب الرضا على جانب السخط لأنه لو لم يكن راضيا لنهاه إذ النهي عن المنكر واجب فكان احتمال السخط احتمالا مرجوحا فكان ساقط الاعتبار شرعا وأما التصرف الذي صادفه السكوت فإن كان شراء ينفذ وإن كان بيعا قائما لم ينفذ لإنعدام المقصود من الإذن بالتجارة على ما نذكره إن شاء الله تعالى وسواء رآه يبيع بيعا صحيحا أو بيعا فاسدا إذا سكت ولم ينهه يصير مأذونا لأن وجه دلالة السكوت على الإذن لا يختلف وكذلك لو رآه المولى يبيع مال أجنبي فسكت يصير مأذونا وإن لم يجز البيع لما قلنا وكذلك لو باع مال مولاه والمولى حاضر فسكت لم يجز ذلك البيع ويصير مأذونا في التجارة لأن غرض المولى من الإذن بالتجارة حصول المنفعة دون المضرة وذلك باكتساب ما لم يكن لا بإزالة الملك عن مال كائن ولا ينجبر هذا الضرر بالثمن لأن الناس رغائب في الأعيان ما ليس في أبدالها حتى لو كان شراء ينفذ لأنه نفع محض ثم لا حكم للسكوت إلا في مواضع منها سكوت المولى عند تصرف العبد بالبيع والشراء وقد ذكرناه ومنها سكوت البالغة البكر عند استثمار ( ( ( استئمار ) ) ) الولي أنه يكون إذنا وقت العقد وبعده يكون إجازة ومنها سكوت الشفيع إذا علم بالشراء أنه يكون تسليما للشفعة ومنها سكوت الواهب أو المتصدق عند قبض الموهوب له والمتصدق عليه بحضرته أن يكون إذنا بالقبض

Section V07/P192

ومنها سكوت المجهول النسب إذا باعه إنسان بحضرته وقال له قم فاذهب مع مولاك فقام وسكت أنه يكون إقرارا منه بالرق حتى لا تسمع دعواه الحرية بعد ذلك وأما سكوت البائع بيعا صحيحا بثمن حال عند قبض المشتري بحضرته هل يكون إذنا بالقبض ذكر فيها ظاهر الرواية أنه لا يكون إذنا بالقبض وذكر الطحاوي رحمه الله أنه يكون إذنا كما في البيع الفاسد ودلائل هذه المسائل نذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى وعلى هذا إذا قال لعبده أد إلي كل يوم كذا أو كل شهر كذا يصير مأذونا لأنه لا يتمكن من أداء الغلة إلا بالكسب فكان الإذن بأداء الغلة إذنا بالتجارة وكذلك لو قال لعبده أد إلي ألفا وأنت حر أو قال إن أديت إلي ألفا فأنت حر يصير مأذونا لأن غرضه حمل العبد على العتق بواسطة تحصيل الشرط ولا يتمكن من تحصيله إلا بالتصرف فكان التعليق دليلا على الإذن وكذلك إذا قال له أد إلي ألفا وأنت حر فهذا والأول سواء لأنه يستعمل في التعليق عرفا وعادة ولو قال له أد وأنت حر لا يصير مأذونا ويعتق للحال لأن هذا تنجيز وليس بتعليق وعلى هذا إذا كاتب عبده يصير مأذونا لأنه لما كاتبه فقد جعله أحق بكسبه ولا يكون ذلك إلا بالتجارة والله تعالى أعلم فصل وأما شرائط الركن فأنواع منها أن يكون الإذن لمن يعقل التجارة لأن الإذن بالتجارة لمن لا يعقل سفه فأما البلوغ فليس بشرط لصحة الإذن فيصح الإذن للعبد بالغا كان أو صبيا بعد أن كان يعقل البيع والشراء لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجيب دعوة المملوك من غير فصل فدل الحديث على جواز الإذن بالتجارة لأنه عليه الصلاة والسلام ما كان ليجيب دعوة المحجور ويأكل من كسبه فتعين المأذون وكذا الإذن للأمة والمدبرة وأم الولد بعد أن عقلوا التجارة لأن اسم المملوك يتناول الكل وكذا يجوز الإذن للصبي الحر بالتجارة إذا كان يعقل التجارة وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز الإذن للصبي بالتجارة بحال حرا كان أو عبدا وكذا سلامة العقل عن الفساد أصلا ليس بشرط لصحة الإذن عندنا حتى يجوز الإذن للمعتوه الذي يعقل البيع والشراء بالتجارة وعنده شرط وجه قوله أن الصبي ليس من أهل التجارة فلا يصح الإذن بالتجارة وهذا لأن أهلية التجارة بالعقل ( ( ( بالعقد ) ) ) الكامل لأنها تصرف دائر بين الضرر والنفع فلا بد لها من كمال العقل وعقل الصبي ناقص فلا يكفي لأهلية التجارة ولهذا لم يعتبر عقله في الهبة والصدقة والطلاق والعتاق كذا ههنا ولنا قوله تبارك وتعالى وابتلوا اليتامى أمر سبحانه وتعالى الأولياء بابتلاء اليتامى والإبتلاء هو الإظهار فابتلاء اليتيم إظهار عقله بدفع شيء من أمواله إليه لينظر الولي أنه هل يقدر على حفظ أمواله عند النوائب ولا يظهر ذلك إلا بالتجارة فكان الأمر بالابتلاء إذنا بالتجارة ولأن الصبي إذا كان يعقل التجارة يعقل النافع من الضار فيختار المنفعة على المضرة ظاهرا فكان أهلا للتجارة كالبالغ بخلاف الهبة والصدقة والطلاق ونحوها لأنها من التصرفات الضارة المحضة لكونها إزالة ملك لا إلى عوض فلم يجعل الصبي أهلا لها نظرا دفعا للضرر عنه ومنها العلم بالإذن بالتجارة في أحد نوعي الإذن بلا خلاف

Section V07/P192–V07/P193

وبيان ذلك أن الإذن بالإضافة إلى الناس ضربان إذن إسرار وإذن إعلان وهو المسمى بالخاص والعام في الكتاب فالخاص أن يقول أذنت لعبدي في التجارة لا على وجه ينادي أهل السوق فيقول بايعوا عبدي فلانا فإني قد أذنت له في التجارة ولا خلاف في أن العلم بالإذن شرط لصحة الإذن في هذا النوع لأن الإذن هو الإعلام قال الله تعالى وأذان من الله ورسوله أي إعلام والفعل لا يعرف إعلاما إلا بعد تعلقه بالمعلم ( ( ( بالعلم ) ) ) ولأن إذن العبد يعتبر بإذن الشرع ثم حكم الإذن من الشرع لا يثبت في حق المأذون إلا بعد علمه به فعلى ذلك إذن العبد ولهذا كان العلم بالوكالة شرطا لصحتها على ما ذكرنا في كتاب الوكالة كذا هذا حتى لم يصح تصرف الوكيل قبل العلم بالوكالة وأما في الإذن العام فقد ذكرنا في كتاب المأذون أنه يصير مأذونا وإن لم يعلم به العبد وذكر في الزيادات فيمن قال لأهل السوق بايعوا ابني فلانا فبايعوه والصبي لا يعلم بالإذن أنه لا يصير مأذونا ما لم يعلم بإذن الأب منهم من أثبت اختلاف الروايتين في جواز الإذن القائم من غير علم العبد ومنهم من لم يثبت الاختلاف وفرق بين العبد والصبي فجعل العلم شرطا في الصبي دون العبد ووجه الفرق أن انحجار العبد لحق مولاه فإذا أذن أنفك بمبايعته فقد أسقط حق نفسه فانفك الحجر فصار مأذونا بخلاف الصبي لأن انحجاره عن التصرف لحق نفسه لا لحق أبيه ألا ترى أن العهدة تلزمه دون أبيه فشرط علمه بالإذن الذي هو إزالة الحجر ليكون لزوم العهدة في التجارة مضافا إليه ويحتمل أن يفرق بينهما من وجه آخر وهو أن الإذن على سبيل الاستفادة ( ( ( الاستفاضة ) ) ) سبب لحصول العلم لهما جميعا إلا أن السبب لا يقام مقام المسبب إلا لضرورة والضرورة في حق العبد دون الصبي لأن الناس يحتاجون إلى مبايعة العبد المأذون لأن الإذن للعبد بالتجارة من عادات التجار وإذا وجد الإذن على الاستفاضة وأنه سبب لحصول العلم غالبا فالناس يعاملونه بناء على هذه الدلالة ثم يظهر أنه ليس بمأذون لانعدام العلم حقيقة فتتعلق ديونهم بذمة المفلس وتتأخر إلى ما بعد العتق فيؤدي إلى الضرر بهم بخلاف الصبيان لأن إذن الصبي بالتجارة ليس من عادة التجار والناس أيضا لا يعاملون الصبيان عادة ولو توقف الإذن على حقيقة العلم لا يلحقهم الضرر إلا على سبيل الندرة والنادر ملحق بالعدم والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان ما يظهر به الإذن بالتجارة فنقول ما يظهر به الإذن بالتجارة نوعان أحدهما من جهة المولى والثاني من جهة العبد أما الذي من جهة المولى فهو تشهيره الإذن وإشاعته بأن ينادي أهل السوق إني قد أذنت لعبدي فلانا بالتجارة فبايعوه وهو المسمى بالإذن العام وأما الذي من جهة العبد فهو إخباره عن كونه مأذونا بالتجارة بأن لم يكن الإذن من المولى عاما أو قدم مصرا لم يشتهر فيه إذن المولى فقال إن مولاي أذن لي في التجارة والإذن بالتجارة يظهر بكل واحد من النوعين أما الأول فلا شك فيه لحصول العلم للسامعين بحس السمع من الأذن ولغير السامعين بالنقل بطريق التواتر وأما الثاني فلأن خبر الواحد مقبول في المعاملات ولا يشترط فيه العدد ولا العدالة ألا ترى أنه لو جاء عبد أو أمة إلى إنسان فقال هذه هدية بعثني بها مولاي إليك جاز له القبول كذا هذا وهذا لأن هذه المعاملات في العادات يتعاطاها العبيد والخدم والفسق فيهم غالب فلو لم يقبل خبرهم فيها لوقع الناس في الحرج وإذا قبل خبره ظهر الإذن فيسع الناس أن يعاملوه غير أنهم إن بنوا معاملاتهم على الإذن العام فعاملوه فلحقه دين يباع فيه كسبه ورقبته بدين التجارة وإن عاملوه بناء على إخباره فلحقه دين يباع كسبه بالدين ولا تباع رقبته ما لم يحضر المولى فيقر بإذنه والله تعالى أعلم بالصواب فصل وأما بيان ما يملكه المأذون من التصرف وما لا يملكه

Section V07/P193–V07/P194

فنقول وبالله تعالى التوفيق كل ما كان من باب التجارة أو توابعها أو ضروراتها يملكه المأذون وما لا فلا لأن كل ذلك داخل في الإذن بالتجارة فيملك الشراء والبيع بالنقد والنسيئة والعروض لأن كل ذلك من التجارة ومن عادة التجار وكذلك يملك البيع والشراء بغبن يسير بالإجماع لأنه من التجارة ولا يمكن التحرز عنه حتى ملكه الأب والوصي وكذا بالغبن الفاحش عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما لا يملك وجه قولهما أن البيع بغبن فاحش في معنى التبرع ألا يرى أنه لو فعله المريض يعتبر من الثلث كما في سائر التبرعات والمأذون لا يملك التبرع وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن هذا بيع وشراء على الإطلاق لوقوع اسم الشراء والبيع عليه مطلقا فكان تجارة مطلقة فدخلت تحت الإذن بالتجارة ثم فرق أبو حنيفة رحمه الله بين المأذون وبين الوكيل حيث سوى بين البيع والشراء في المأذون وفرق بينهما في الوكيل حيث قال إن المأذون يملك البيع والشراء بالغبن الفاحش والوكيل لا يملك الشراء بالغبن الفاحش بالإجماع ووجه الفرق له أن امتناع جواز الشراء بالغبن الفاحش في باب الوكالة لمكان التهمة لجواز أنه اشترى لنفسه فلما ظهر الغبن أظهر الشراء لموكله فلم يجز التهمة ( ( ( للتهمة ) ) ) حتى إن الوكيل لو كان وكل بشراء شيء بعينه ينفذ على الموكل لانعدام التهمة لأنه لا يملك الشراء لنفسه ومعنى التهمة لا يتقدر في المأذون لأنه لا يملك الشراء لنفسه فاستوى فيه البيع والشراء وهل يملك المأذون أن يبيع شيئا من مولاه فإن لم يكن عليه دين لا يتصور البيع من المولى لاستحالة بيع مال الإنسان منه وإن كان عليه دين فإن باعه بمثل قيمته أو أكثر جاز وإن باعه بأقل من قيمته لم يجز عند أبي حنيفة أصلا وعندهما لا يجوز بقدر المحاباة وكذلك لو باع المولى شيئا منه فإن لم يكن عليه دين لم يكن بيعا لما قلنا وإن كان عليه فإن باعه بمثل قيمته أو بأقل من قيمته جاز وإن باعه بأكثر من قيمته لم يجز عند أبي حنيفة وعندهما يجوز وتبطل الزيادة وعلى هذا إذا اشترى المولى دارا بجنب دار العبد إن لم يكن على العبد دين فالشفعة له لأنه إذا لم يكن عليه دين فالدار الذي ( ( ( التي ) ) ) في يد العبد خالص ملك المولى فلو أخذها بالشفعة لأخذها هو فكيف يأخذ ملك نفسه بالشفعة من نفسه وإن كان على العبد دين فله أن يأخذها بالشفعة ولو اشترى العبد دارا بجنب دار المولى فإن لم يكن على العبد دين فلا حاجة للمولى إلى الأخذ بالشفعة لأنها خالص ملكه وإن كان عليه دين فله أن يأخذها بالشفعة وكذلك الصبي المأذون في الشراء والبيع بالنقد والنسيئة والعروض والغبن اليسير والبيع بالغبن الفاحش بمنزلة العبد المأذون على الاتفاق والاختلاف وهذا إذا باع من أجنبي أو اشترى منه فإن باع من أبيه شيئا أو اشترى منه فإن باع بمثل القيمة أو أكثر واشترى بمثل القيمة أو أقل جاز ولو كان فيه غبن وإن كان مما يتغابن الناس فيه جاز لأن الاحتراز عنه غير ممكن وإن كان مما لا يتغابن الناس فيه لم يجز لأنه يتصرف بولاية مستفادة من قبل أبيه كأنه نائبه في التصرف فصار كما لو اشترى الأب شيئا من مال ابنه بنفسه لنفسه أو اشترى شيئا من ماله بنفسه لابنه الصغير كان الجواب فيه هكذا كذا هذا ولو باع من وصيه أو اشترى منه فإن لم يكن فيهما نفع ظاهر له لا يجوز بالإجماع وإن كان فيهما نفع ظاهر فإن كان بأكثر من قيمته بما لا يتغابن الناس في مثله فكذلك عند محمد رحمه الله وعندهما يجوز وللمأذون أن يسلم فيما يجوز فيه السلم ويقبل السلم فيه لأن السلم من قبل المسلم إليه بيع الدين بالعين ومن قبل رب السلم شراء الدين بالعين وكل ذلك تجارة

Section V07/P194–V07/P195

وله أن يوكل غيره بالبيع والشراء لأن ذلك من عادات التجار والتاجر لا يمكنه أن يتولى ذلك كله بنفسه فكان توكيله فيه من أعمال التجارة وكذا له أن يتوكل عن غيره بالبيع بالإجمال ( ( ( بالإجماع ) ) ) وتكون العهدة عليه ولو توكل عن غيره بالشراء ينظر إن وكله أن يشتري أشياء بالنقد جاز استحسانا دفع إليه الثمن أو لم يدفع وتكون العهدة عليه والقياس أن لا تجوز هذه الوكالة ووجهه أنها لو جازت للزمه ( ( ( للزمته ) ) ) العهدة وهي تسليم الثمن فيصير في معنى الكفيل بالثمن ولا تجوز كفالته فلا تجوز وكالته وجه الاستحسان أن التوكيل بالشراء بالنقد في معنى التوكيل بالبيع ألا ترى أنه لا يجب عليه تسليم المبيع فكان هذا في معنى البيع لا في معنى الكفالة ولو توكل عن غيره بشراء شيء نسيئة فاشترى لم يجز حتى كان الشراء للعبد دون الآخر لأن الثمن إذا كان نسيئة لا يملك حبس المشترى لاستيفائه بل يلزمه التسليم إلى الموكل فكانت وكالته في هذه الصورة التزام الثمن فكانت كفالة معنى فلا يملكها المأذون وله أن يستأجر إنسانا يعمل معه أو مكانا يحفظ فيه أمواله أو دوابا ( ( ( دواب ) ) ) يحمل عليها أمتعته لأن استئجار هذه الأشياء من توابع التجارة وكذا له أن يؤاجر الدواب والرقيق ونفسه لما قلنا ولأن الإجارة من التجارة حتى كان الإذن بالإجارة إذنا بالتجارة وله أن يرهن ويرتهن ويعير ويودع ويقبل الوديعة لأن ذلك كله من عادات التجار ويحتاج إليه التاجر أيضا وله أن يدفع المال مضاربة ويأخذ من غير مضاربة لما قلنا ولأن الأخذ والدفع من باب الإجارة والاستئجار والمأذون يملك ذلك كله وله أن يشارك غيره شركة عنان لأنها من صنيع التجار ويحتاج إليه التاجر وليس له أن يشارك شركة مفاوضة لأن المفاوضة تتضمن الكفالة له ولا يملك الكفالة فلا يملك المفاوضة فإذا فاوض تنقلب شركة عنان لأن هذا حكم فساد المفاوضة ولو اشترك عبدان مأذونان شركة عنان على أن يشتريا بالنقد والنسيئة جاز ما اشتريا بالنقد وما اشتريا بالنسيئة فهو له خاصة لأن الشركة تتضمن الوكالة وقد ذكرنا أنه يجوز أن يتوكل المأذون من غيره بالشراء نقدا ولا يجوز أن يتوكل لغيره بالشراء نسيئة ويملك الإقرار بالدين لأن هذا من ضرورات التجارة إذ لو لم يملك لامتنع الناس عن مبايعته خوفا من تواء أموالهم بالإنكار عند تعذر إقامة البينة فكان إقراره بالدين من ضرورات التجارة فيصح ويملك الإقرار بالعين لأن العادة قد جرت بشراء كثير من الأشياء بظروفها فلو علم الناس أنه لا يصح إقراره بالعين لامتنعوا عن تسليم الأعيان إليه فلا يلتئم أمر التجارة ولا يملك الإقرار بالجناية لأن الإقرار بالجناية ليس من ضرورات التجارة فلا يتناوله الإذن بالتجارة فلا يصح منه ولا يطالب بها بعد العتاق أيضا لأن موجب الجناية يلزم المولى دون العبد فكان ذلك شهادة على المولى لا إقرارا على نفسه فلم يصح أصلا إلا إذا صدقه المولى فيجوز عليه ولا يجوز على الغرماء وهل يصح إقراره بافتضاض أمة بأصبعه غصبا قال أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما لا يصح وقال أبو يوسف رحمه الله يصح سواء كان عليه دين أو لا

Section V07/P195

ويضرب مولى الأمة مع الغرماء في ثمن العبد وهذا الخلاف مبني على أن هذا الإقرار بالجناية أم بالمال فعندهما هذا إقرار بالجناية فلا يصح من غير تصديق المولى وعنده هذا إقرار بالمال فيصح من غير تصديقه وعلى هذا إذا أقر بمهر وجب عليه بنكاح جائز أو فاسد أو شبهة فإن لم يصدقه المولى لم يصح إقراره حتى لا يؤاخذ به للحال لأن المهر يجب بالنكاح وأنه ليس بتجارة ولا هو في معنى التجارة فيستوي فيه إقرار المأذون والمحجور وإن صدقه المولى جاز ذلك عليه ولم يجز على الغرماء لأن تصديقه يعتبر في حق نفسه لا في إبطال حق الغير فيباع في دين الغرماء فإن فضل شيء منه يصرف إلى دين المرأة وإلا فيتأخر ما بعد العتق ويملك الإقرار بالحدود والقصاص لأن المحجور يملك فالمأذون أولى وإذا أقر به فلا يشترط حضرة المولى للاستيفاء بلا خلاف وهل يشترط حضور المولى عند قيام البينة عليها فيه خلاف نذكره في موضعه وهل يملك تأخير دين له وجب على إنسان فإن وجب له وحده يملك بالإجماع لأن التأخير يحتاج إليه وكذا هو من عادة التجارة ( ( ( التجار ) ) ) وإن وجب له ولرجل آخر دين على إنسان فأخر المأذون نصيب نفسه فالتأخير باطل عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما جائز وجه قولهما أن التأخير منه تصرف في ملك نفسه فيصح كما لو كان كل الدين له فأخره وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن التأخير لو صح لا يخلو إما أن يصح في نصيب شريكه وإما أن يصح في نصيب نفسه لا سبيل إلى الأول لإنعدام الملك والولاية وتصرف الإنسان لا يصح في غير ملك ولا ولاية ولا سبيل إلى الثاني لأنه قسمة الدين قبل القبض ألا ترى أن شريكه لو قبض شيئا من نصيبه قبل حلول الأجل يختص بالمقبوض ولا يشاركه فيه ومعنى القسمة هو الاختصاص بالمقسوم وقد وجد فثبت أن هذا قسمة الدين قبل القبض وأنها غير جائزة لأن الدين اسم لفعل واجب وهو فعل تسليم المال والمال حكمي في الذمة وكل ذلك عدم حقيقة إلا أنه أعطي له حكم الوجود لحاجة الناس لأن كل أحد لا يملك ما يدفع به حاجته من الأعيان القائمة فيحتاج إلى الاستقراض والشراء بثمن دين فأعطي له حكم الوجود لهذه الحاجة ولا حاجة إلى قسمته فبقي في حق القسمة على أصل العدم والعدم لا يحتمل القسمة وإذا لم يصح التأخير عند أبي حنيفة رحمه الله فلو أخذ شريكه من الدين كان المأخوذ بينهما على الشركة كما قبل التأخير وعندهما كان المأخوذ له خاصة ولا يشاركه حتى يحل الأجل لأنه بالتأخير أسقط حق نفسه والمطالبة فإذا حل الأجل فهو بالخيار إن شاء شاركه في المقبوض وإن شاء أخذ حقه من الغريم لأن الدين حل بحلول الأجل ولو كان الدين في الأصل منهما جميعا مؤجلا فأخذ أحدهما شيئا قبل حل الأجل شاركه فيه صاحبه لأنه لما أخذ شيئا قبل حل الأجل فقد سقط الأجل عن قدر المقبوض وصار حالا فصار المقبوض من النصيبين جميعا فيشاركه فيه صاحبه كما في الدين الحال ولو كان الدين كله بينهما مؤجلا إلى سنة فأخره العبد سنة أخرى لم يجز التأخير عند أبي حنيفة وعندهما يجوز حتى لو أخذ شريكه من الغريم شيئا في السنة الأولى شاركه فيه عنده وعندهما لا يشاركه حتى يحل دينه فإذا حل فله الخيار على ما ذكرنا والله سبحانه وتعالى أعلم ولا يملك الإبراء عن الدين بالإجماع لأنه ليس من التجارة بل هو تبرع فلا يملكه المأذون وهل يملك الحط فإن كان الحط من غير عيب لا يملكه أيضا لما قلنا وإن كان الحط من عيب بأن باع شيئا ثم حط من ثمنه ينظر إن حط بالمعروف بأن حط مثل ما يحطه التجار عادة جاز لأن مثل هذا الحط من توابع التجارة وإن لم يكن بالمعروف بأن كان فاحشا جاز عند أبي حنيفة وعندهما لا يجوز وقد ذكرنا أصل المسألة فيما قبل

Section V07/P195–V07/P196

وهل يملك الصلح بأن وجب له على إنسان دين فصالحه على بعض حقه فإن كان له عليه بينة لا يملكه لأنه حط بعض الدين والحط من غير عيب ليس من التجارة بل هو تبرع فلا يملكه المأذون وإن لم يكن له عليه بينة جاز لأنه إذا لم يكن عليه بينة فلا حق له إلا الخصومة والحلف والمال خير من ذلك فكان في هذا الصلح منفعة فيصح وكذا الصلح على بعض الحق عند تعذر الاستيفاء ( ( ( استيفاء ) ) ) كله من عادات التجار فكان داخلا تحت الإذن بالتجارة وبملك ( ( ( ويملك ) ) ) الإذن بالتجارة بأن يشتري عبدا فيأذن له بالتجارة لأن الإذن بالتجارة من عادات التجار بخلاف الكتابة فإنه لا يمكلها ( ( ( يملكها ) ) ) المأذون لأن الكتابة ليست من التجارة بل هي اعتاق معلق بشرط أداء بدل الكتابة فلا يملكها ويملك الاستقراض لأنه تجارة حقيقة وفيه منفعة وهو من عادات التجار وليس للمأذون أن يقرض لأن القرض تبرع للحال ولهذا لم يلزم فيه الأجل ولا يكفل بمال ولا بنفس لأن الكفالة تبرع إلا إذا أذن له المولى بالكفالة ولم يكن عليه دين بخلاف المكاتب فإنه لا تجوز كفالته أصلا على ما مر في كتاب الكفالة ولا يهب درهما تاما لا بغير عوض ولا بعوض وكذا لا يتصدق بدرهم ولا يكسو ثوبا لأنه تبرع ويجوز تبرعه بالطعام اليسير إذا وهب أو أطعم استحسانا والقياس أن لا يجوز لأنه تبرع وإن قل إلا أنا استحسنا الجواز لما روي أن رسول الله كان يجيب دعوة المملوك ولأن هذا من ضرورات التجارة عادة فكان الإذن فيه ثابتا بطريق الدلالة فيملكه ولهذا ملكت المرأة التصدق بشيء يسير كالرغيف ونحوه من مال زوجها لكونها مأذونة في ذلك دلالة كذا هذا ولا يتزوج من غير إذن مولاه لأن التزوج ليس من باب التجارة وفيه ضرر بالمولى ولا يتسرى جارية من اكتسابه ( ( ( إكسابه ) ) ) لأنه لا ملك للعبد حقيقة وحل الوطء بدون أحد الملكين منفي شرعا وسواء أذن له المولى بالتسري أو لم يأذن له لما ذكرنا أن العبد لا يملك شيئا لأنه مملوك فيستحيل أن يكون مالكا وبالإذن لا يخرج عن كونه مملوكا فلا تندفع الاستحالة ولا يزوج عبده بالإجماع لأن التزويج ليس من التجارة وفيه أيضا ضرر بالمولى وهل له أن يزوج أمته قال أبو حنيفة ومحمد لا يزوج وقال أبو يوسف يزوج وجه قوله أن هذا تصرف نافع في حق المولى لأنه مقابلة ما ليس بمال فكان أنفع من البيع لأنه يملك البيع فالنكاح أولى وجه قولهما أن الداخل تحت الإذن هو التجارة وإنكاح الأمة وإن كان نافعا في حق المولى فليس بتجارة إذ التجارة مبادلة مال بمال ولم توجد فلا يملكه ولا يعتق وإن كان على مال لأنه ليس بتجارة بل هو تبرع للحال ألا ترى أنه يعتق بنفس القبول فأشبه القرض ولا يملك القرض فلا يملك الإعتاق على مال وإن أعتق على مال فإن لم يكن عليه دين وقف على إجازة المولى بالإجماع فإن أجاز جاز لأنه إذا لم يكن عليه دين يملك المولى إنشاء العتق فيه فيملك الإجازة بالطريق الأولى وولاية قبض العوض للمولى لا للعبد لما نذكر

Section V07/P196–V07/P197

وإن لحقه دين بعد ذلك لم يكن للغرماء حق في هذا لمالك ( ( ( المال ) ) ) لأنه كسب الحر وإن كان عليه دين لم يجز الإعتاق وإن أجاز المولى عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يجوز ويضمن المولى قيمة العبد للغرماء ولا سبيل للغرماء على العوض بخلاف ما إذا كان مكان الإعتاق كتابة أن عندهما يتعلق حق الغرماء بالبدل وههنا لا يتعلق لأن هذا كسب الحر وذاك كسب الرقيق وحق الغريم يتعلق بكسب الرقيق ولا يتعلق بكسب الحر ولا يكاتب سواء كان عليه دين أو لم يكن لأن الكتابة ليست بتجارة فلا يمكلها ( ( ( يملكها ) ) ) المأذون ولأنها إعتاق معلق بالشرط وهو لا يملك الإعتاق فإن كاتب فإن لم يكن عليه دين وقف على إجازة المولى لأنه إذا لم يكن عليه دين فكسبه خالص ملك المولى لا حق لأحد فيه فيملك الإجازة ألا ترى أنه يملك الإنشاء فالإجازة أولى فإن أجاز نفذ وصار مكاتبا للمولى وولاية قبض بدل الكتابة للمولى لا العبد ( ( ( للعبد ) ) ) لأن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة فكان العبد بمنزلة وكيل المولى في الكتابة وحقوق الكتابة ترجع إلى المولى لا إلى الوكيل لذلك لم يملك المأذون قبض بدل الكتابة وملكه المولى ولو لحق العبد بعد ذلك دين فليس للغرماء فيما على المكاتب حق لأنه لما صار مكاتبا للمولى فقد صار كسبا منتزعا من يد المأذون فلا يكون للغرماء عليه سبيل وإن كان المكاتب قد أدى جميع بدل الكتابة إلى المأذون قبل إجازة المولى لم يعتق لأن الكتابة لم تنفذ لانعدام شرط النفاذ وهو الإجازة وإن كان عليه دين محيط برقبته وبما في يده لا تصح إجازة المولى عند أبي حنيفة رحمه الله حتى لا يعتق إذا أدى البدل لأن كسب العبد المأذون الذي عليه دين محيط لا يكون ملكا للمولى عنده ولهذا لا يملك إنشاء الكتابة فلا يملك الإجازة وعندهما تصح إجازته كما يصح إنشاء الكتابة منه ويعتق إذا أدى ويضمن المولى قيمته للغرماء لتعلق حقهم به فصار متلفا عليهم حقهم وما قبض المأذون من بدل الكتابة قبل الإجازة يستوفى منه الدين عندهما لتعلق حق الغرماء به قبل الإجازة بخلاف الإعتاق على مال وقد ذكرنا وجه الفرق لهما فكانت الإجازة في معنى ( ( ( المعنى ) ) ) إنشاء الكتابة ولو أنشأ ضمن القيمة عندهما كذا هذا وإن لم يكن الدين محيطا برقبته وبما في يده جازت إجزاته ( ( ( إجازته ) ) ) بالإجماع ويضمن قيمته للغرماء لإتلاف حقهم والله الموفق للصواب فصل وأما بيان ما يملكه المولى من التصرف في المأذون وكسبه

Section V07/P197

وما لا يملك وبيان حكم تصرفه فنقول وبالله التوفيق إن المولى يملك إعتاق عبده المأذون سواء لم يكن عليه دين أو كان عليه دين لأن صحة الإعتاق تقف على ملك الرقبة وقد وجد إلا أنه إذا لم يكن على العبد دين لا شيء على المولى وإن كان عليه دين فالغرماء بالخيار إن شاءوا اتبعوا المولى بالأقل من قيمته ومن الدين لأنه تصرف في ملك نفسه وأتلف حق الغير لتعلق الغرماء بالرقبة فيراعي جانب الحقيقة بتنفيذ الإعتاق ويراعى جانب الحق بإيجاب الضمان مراعاة للجانبين عملا بالدليليين ( ( ( بالدليلين ) ) ) فينظر إن كانت قيمة العبد مثل الدين غرم ذلك وإن كانت أكثر منه غرم قيمة الدين وإن كانت أقل منه غرم ذلك القدر لأنه ما أتلف عليهم بالإعتاق إلا القدر المتعلق برقبة العبد فيؤاخذ المولى بذلك ويتبع الغرماء العبد بالباقي وإن شاءوا اتبعوا العبد بكل الدين فيستسعوه فيه لأن كل الدين كان واجبا عليه لمباشرة سبب الوجوب منه حقيقة وهو المعاملة إلا أن رقبته تعينت لاستيفاء قدر ما يحتمله من الدين منها بتعيين المولى أو شرعا على ما نذكره ( ( ( نذكر ) ) ) في موضعه إن شاء الله تعالى فبقيت الزيادة على ذلك في ذمة العبد وقد عتق فيطالب به وأيهما اختاروا اتباعه لا يبرأ الآخر لأن اختيار التضمين في باب الغصب يتضمن المغصوب والتمليك بعوض لا يحتمل الرجوع عنه فأما اختيار اتباع أحدهما ههنا لا يوجب ملك الدين منه ولو لم يكن على العبد دين ولكنه قتل عبدا آخر خطأ وعلم المولى به فأعتقه وهو عالم به يصير مختارا للفداء يغرم المولى تمام قيمة العبد المقتول إن كان قليل القيمة وإن كان كثير القيمة بأن كانت قيمته عشرة آلاف أو أكثر غرم عشرة آلاف إلا عشرة فرق بين الجناية والدين إذا أعتقه وعليه دين وهو عالم به لا يلزمه تمام الدين بل الأقل من قيمته ومن الدين علم بالدين أو لم يعلم وههنا يلزمه تمام القيمة إذا كان عالما بالجناية ووجه الفرق أن موجب جناية العبد على المولى وهو الدفع لكن جعل له سبيل الخروج عنه بالفداء بجميع الأرش فإذا أعتقه مع العلم بالجناية فقد صار مختارا للفداء فيلزمه الفداء بجميع قيمة العبد المقتول إلا أن تكون عشرة آلاف أو أكثر فينقص منه عشرة إذ لا مزيد لدية العبد على هذا القدر فأما موجب معاملة العبد وهو الدين فعلى العبد حقا للغرماء إلا أن القيمة التي في مالية الرقبة فإنها تعلق بها وبالإعتاق ما أبطل عليهم إلا ذلك القدر من حقهم فيضمنه والزيادة بقيت في ذمة العبد فيطالب به بعد العتق وكذلك إن كان قتل حرا خطأ فأعتقه المولى وهو عالم به غرم المولى دية الحر لأن الإعتاق مع العلم بالجناية دليل اختيار الفداء ودية الحر مقدرة بعشرة آلاف درهم فيغرمها المولى هذا إذا أعتقه المولى وهو عالم بالجناية فأما إذا لم يكن عالما بالجناية يغرم قيمة عبده لأولياء الجناية لأنه إذا لم يكن عالما بالجناية وقت الإعتاق لم يكن إعتاقه دليل اختيار الفداء لأن هذا النوع من الاختيار لا يتحقق بدون العلم ويلزمه قيمة عبده لأن الواجب الأصلي على المولى هو دفع العبد بالجناية ألا ترى أنه لو هلك العبد قبل اختيار الفداء لا شيء على المولى وإنما ينتقل من العين إلى الفداء باختيار الفداء فإذا لم يكن الإعتاق قبل العلم دليل الاختيار بقي الدفع واجبا وتعذر عليه دفع عينه فيلزمه دفع ماليته إذ هو دفع العين من حيث الصورة

Section V07/P197–V07/P198

ولو كان على العبد المأذون دين محيط برقبته وجنى جنايات تحيط بقيمته فأعتقه المولى وهو لا يعلم بالجناية فإنه يغرم لأصحاب الدين قيمة ( ( ( قيمته ) ) ) كاملة ويغرم لأصحاب الجناية قيمة أخرى إلا أن تكون قيمته عشرة آلاف أو أكثر فينقص منها عشرة لأن حق أصحاب الدين قد تعلق بمالية العين وحق أصح 4 اب الجناية قد تعلق بالعين والمولى بالإعتاق أبطل الحقين جميعا ( ( ( جمعا ) ) ) فيضمنها ولو قتله أجنبي يضمن قيمة واحدة لأن الضمان الواجب بالقتل ضمان إتلاف النفس والنفس واحدة فلا يتعدد ضمانها فأما الضمان الواجب بالإعتاق فضمان إبطال الحق فيتعدد ضمانه فهو الحق ( ( ( الفرق ) ) ) والله تعالى الموفق فإن قيل لم لا يشارك أصحاب الدين أصحاب الجناية فالجواب لاختلاف محل الحقين فالدفع يتعلق بالعين والدين يتعلق بمالية العين وهما محلان مختلفان فتعذرت المشاركة والله تعالى أعلم وكذلك يملك إعتاق المدبر وأم الولد المأذونين في التجارة لما قلنا ولو أعتقهما وعليهما دين فلا ضمان على المولى من الدين ولا من قيمة المدبر وأم الولد دين التجارة لم يتعلق برقبتهما فخروجهما عن احتمال الاستيفاء منهما بالتدبير والاستيلاء فلم يوجد منه إتلاف حق الغرماء فلا يضمن وهل يملك إعتاق كسب عبده المأذون لا خلاف في أنه إذا لم يكن على المأذون دين أصلا يملك وينفذ إعتاقه ولا شيء عليه لأن الإعتاق صادف محلا هو خالص ملكه لا حق لأحد فيه فينفذ ولا يضمن شيئا فإن كان عليه دين كثير يحيط برقبته وكسبه لا يملك ولا ينفذ إعتاقه عند أبي حنيفة رضي الله عنه إلا أن يسقط حق الغرماء بأن يقضي المولى دينهم أو تبرئة الغرماء من الدين أو يشتريه المولى من الغرماء وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يملك وينفذ إعتاقه ويضمن قيمته إن كان موسرا وإن كان معسرا سعى العبد فيه ويرجع على المالك والمسألة تعرف بأن المولى يملك كسب عبده المأذون المديون دينا مستغرقا لرقبته وكسبه عنده لا يملك وعندهما يملك وجه قولهما أن رقبة المأذون وإن تعلق بها حق الغرماء فهي ملك المولى ألا ترى أنه ملك إعتاقه وملك الرقبة علة ملك الكسب فيملك الكسب كما يملك الرقبة وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن شرط ثبوت الملك للمولى في كسب العبد فراغه عن حاجة العبد ولم يوجد فلا يثبت الملك له فيه كما لا يثبت للوارث في التركة المستغرقة بالدين والدليل على أن الفراغ شرط أن الملك للمولى في كسب العبد ثبت معدولا به عن الأصل لأنه لم يحصل بكسبه حقيقة وقال الله تبارك وتعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وهذا ليس من سعيه حقيقة فلا يكون له بظاهر النص إلا أن الكسب الفارغ عن حاجة العبد خص عن عموم النص وجعل ملكا للمولى فبقي الكسب المشغول بحاجته على ظاهر النص هذا إذا كان الدين محيطا بالرقبة والكسب فإن لم يكن محيطا بهما فلا شك أنه لا يمنع الملك عندهما لأن المحيط عندهما لا يمنع فغير المحيط أولى وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فقد كان يقول أولا يمنع حتى لا يصح إعتاقه شيئا من كسبه ثم رجع وقال لا يمنع وجه قوله الأول ما ذكرنا أن الفراغ شرط ثبوت الملك له فالشغل وإن قل يكون مانعا وجه قوله الآخر أن المانع من ملك المولى كون الكسب مشغولا لحاجة العبد وبعضه مشغول وبعضه فارغ

Section V07/P198–V07/P199

فإما أن يعتبر جانب الشغل في المنع من ثبوت الملك له في كله وإما أن يعتبر جانب الفراغ في إيجاب الملك له في كله واعتبار جانب الفراغ أولى لأنا إذا اعتبرنا جانب الفراغ فقد راعينا حق الملك بإثبات الملك له وحق الغرماء بإثبات الحق لهم فإذا اعتبرنا جانب الشغل فقد راعينا جانب الغرماء وأبطلنا حق المالك أصلا فقضينا حق المالك بتنفيذ إعتاقه وقضينا حق الغرماء بالضمان صيانة للحقين عن الإبطال عملا بالدليلين بقدر الإمكان ولهذا ثبت ( ( ( أثبت ) ) ) الملك للوارث في كل التركة إذا لم يكن الدين محيطا بها كذا هذا ولو أعتقه ثم قضى المولى دين الغرماء من خالص ملكه أو أبرأه الغرماء نفذ إعتاقه عند عامة أصحابنا رحمهم الله تعالى وقال الحسن بن زياد رحمه الله لا ينفذ وجه قول الحسن أن الإعتاق صادف كسبا مشغولا بحاجة العبد لأن الملك ثبت مقصورا على حال القضاء والإبراء فيمنع النفاذ كما إذا أعتق عبده مكاتبه ثم عجز المكاتب أنه لا ينفذ إعتاقه كذا هذا ولنا أن النفاذ كان موقوفا على سقوط حق الغرماء وقد سقط حقهم بالقضاء والإبراء فظهر النفاذ من حين وجوده من كل وجه بخلاف ما إذا أعتق عبدا من أكساب مكاتبه لأن المكاتب أحق بأكسابه من المولى لأنه فيما يرجع إلى أكسابه كالحر وبالعجز لا يتبين أنه لم يكن أحق بكسبه فلم ينفذ إعتاق المولى وعلى هذا الخلاف لو أعتق الوارث عبدا من التركة المستغرقة بالدين ثم قضى الوارث الدين من مال نفسه أو أبرأ الغرماء الميت من الدين أنه ينفذ إعتاقه خلافا للحسن ولو وطىء المولى جارية العبد المأذون وعليه دين محيط فجاءت بولد فادعاه ثبت نسبه منه وصارت الجارية أم ولد له وغرم قيمة الجارية للغرماء ولا يغرم لهم شيئا من عقرها قليلا ولا كثيرا أما صحة الدعوة فلأن ملك المولى إن لم يظهر في الكسب في الحال عند أبي حنيفة رضي الله عنه فله فيه حق الملك فصحت دعوته وأما لزوم قيمة الجارية للغرماء فلأنه بالدعوة أبطل حقهم وأما عدم وجوب العقر فلأن المانع من ظهور ملكه في الكسب حق الغرماء وقد سقط حقهم بالضمان فيظهر الملك له فيه من حين اكتسبه العبد فتبين أنه وطىء ملك نفسه فلا يلزمه العقر ولو أعتق المولى جارية العبد المأذون وعليه دين محيط ثم وطئها فجاءت بولد فادعاه المولى صحت دعوته والولد حر ويضمن قيمة الجارية للغرماء لما قلنا لأن الإعتاق السابق منه لم يحكم بنفاذه للحال فكان حق الملك ثابتا له إلا أن الجارية ههنا تصير حرة بالإعتاق السابق وعلى المولى العقر للجارية أما صيرورتها حرة بالإعتاق السابق فلأن الإعتاق السابق كان نفاذه موقوفا على سقوط حق الغرماء وقد سقط بدعوة المولى فنفذ فصارت حرة بذلك الإعتاق وأمالزوم العقر للجارية فلأن الوطء صادف الحرة من وجه والله أعلم بالصواب ويملك المولى بيع العبد المأذون إذا لم يكن عليه دين لأنه خالص ملكه وإن كان عليه دين لا يملك بيعه إلا بإذن الغرماء أو بإذن القاضي بالبيع للغرماء أو بقضاء الدين ولو أذن له بعض الغرماء بالبيع لا يملك بيعه إلا بإجازة الباقين لما نذكره في بيان حكم ( ( ( حق ) ) ) تعلق الدين ويملك أخذ كسب العبد من يده إذا لم يكن عليه دين لأنه فارغ عن حاجته لأنه ( ( ( فكان ) ) ) خالص ملكه ولو لحقه دين بعد ذلك فالمأخوذ سالم للمولى لأن شرط خلوص الملك له فيه كونه فارغا عند الأخذ وقد وجد

Section V07/P199–V07/P200

ولو كان الكسب في يد العبد ولا دين عليه فلم يأخذ المولى حتى لحقه دين ثم أراد أن يأخذه لا يملك أخذه لأنه لم يوجد الفراغ عند الأخذ فلم يوجد الشرط وإن كان عليه دين وفي يده كسب لا يملك أخذه لأنه مشغول بحاجته لتعلق حق الغرماء به ولو أخذه المولى فللغرماء أن يأخذوه منه إن كان قائما وقيمته إن كان هالكا لتعلق حقهم بالمأخوذ فعليه رد عينه أو بدله ولو لحقه دين آخر بعد ما أخذه المولى اشترك الغرماء الأولون والآخرون في المأخوذ وأخذوا عينه أو قيمته لأن زمان الإذن مع تعدده حقيقة في حكم زمان واحد كزمان المرض فكان زمان تعلق الديون كلها واحدا لذلك اشتركوا فيه ولو كان المولى يأخذ الغلة من العبد في كل شهر فلحقه دين محيط برقبته وكسبه فهل يجوز له قبض الغلة مع قيام الدين ينظر إن كان يأخذ عليه مثله جاز له ذلك استحسانا والقياس أن لا يجوز لأن حقهم يتعلق بالغلة إلا أنا استحسنا الجواز نظرا للغرماء لأن الغلة لا تحصل إلا بالتجارة فلو منع المولى عن أخذ غلة المثل لحجره عن التجارة فلا يتمكن من الكسب فيتضرر به الغرماء فكان إطلاق هذا القدر وسيلة إلى غرضهم فكان تحصيلا للغلة من حيث المعنى وليس له أن يأخذ أكثر من غلة المثل ولو أخذ رد الفضل على الغرماء لأن امتناع ظهور حقهم في غلة المثل للضرورة ولا ضرورة في الزيادة فيظهر حقهم فيها مع ما أن في إطلاق ذلك إضرارا بالغرماء لأن المولى يوظف عليه غلة تستغرق كسب الشهر فيتضرر به الغرماء وعلى هذا إذا كان على العبد دين وفي يده مال فاختلف العبد والمولى فالقول قول العبد ويقضي منه الدين لأن الكسب في يده والمأذون في اكسابه التي في يده كالحر ولو كان المال في يدهما فهو بينهما لاستوائهما في اليد وإن كان ثمة ثالث فهو بينهم أثلاثا لما قلنا ولو لم يكن عليه دين فاختلف العبد المولى ( ( ( والمولى ) ) ) وأجنبي فهو بين المولى والأجنبي لأنه إذا لم يكن عليه دين فلا عبرة ليده فكانت يده ملحقة بالعدم فبقيت يد المولى والأجنبي فكان الكسب بينهما نصفين وهذا إذا لم يكن العبد في منزل المولى فإن كان في منزل المولى وفي يده ثوب فاختلفا فإن كان الثوب من تجارة العبد فهو له لأنهما استويا في ظاهر اليد وترجح يد العبد بالتجارة وإن لم يكن من تجارته فهو للمولى لأن الظاهر شاهد للمولى ولو كان العبد راكبا على دابة أو لابسا ثوبا فهو للعبد سواء كان من تجارته أو لم يكن لأنه ترجح يده بالتصرف فكانت أولى من يد المولى ولو تنازع المأذون وأجنبي فيما في يده من المال فالقول قول العبد لما ذكرنا أنه فيما يرجع إلى السيد كالحر ولو أجر الحر أو المأذون نفسه من خياط يخيط معه أو من تاجر يعمل معه وفي يد الأجير ثوب واختلفا فقال المستأجر هو لي وقال الأجير هو لي فإن كان الأجير في حانوت التاجر والخياط فهو للتاجر والخياط وإن لم يكن في منزله وكان في السكة فهو للأجير لأن الأجير إذا كان في دار الخياط ودار الخياط في يد الخياط كان الأجير مع ما في يده في يد الخياط ضرورة وإذا كان في السكة لم يكن هو في يده فكذا ما في يده كما لو كان مكان الأجير أجنبي ولو آجر المولى عبده المحجور من رجل ومعه ثوب فادعاه المولى والمستأجر فهو للمستأجر سواء كان العبد في منزل المستأجر أو لم يكن بخلاف الأجير إذا لم يكن في منزل المستأجر أنه يكون للأجير دون المستأجر ووجه الفرق بأن يد العبد يد نيابة عن المولى وقد صار مع ما في يده بالإجارة في يد المستأجر فكان القول قول صاحب اليد فأما يد الأجير فيد أصالة إذ هو في حق اليد كالحر فلا يصير بنفس الإجارة في يد المستأجر

Section V07/P200

ولو كان المحجور في منزل المولى فهو للمولى لأنه إذا كان في منزل المولى كان في يده لكون منزله في يده فتزول يد المستأجر والله أعلم بالصواب فصل وأما بيان الغرور في العبد المأذون فنقول وبالله التوفيق إذا جاء رجل بعبد إلى السوق وقال هذا عبدي أذنت له بالتجارة فبايعوه فبايعه أهل السوق فلحقه دين ثم استحق أو تبين أنه كان حرا أو مدبرا أو أم ولد فهذا لا يخلو من أحد وجهين إما أن كان الرجل حرا وإما أن كان عبدا فإن كان حرا فعليه الأقل من قيمة العبد ومن الدين أما وجوب أصل الضمان عليه فلأنه غرهم بقوله هذا عبدي فبايعوه حيث أضاف العبد إلى نفسه وأمرهم بمبايعته فيلزمه ضمان الغرور وهذا لأن أمره إياهم بالمبايعة إخبار منه عن كونه مأذونا في التجارة وإضافة العبد إلى نفسه إخبار عن كونه ملكا له والإذن بالتجارة مع عبد الإذن يوجب تعلق الدين برقبته فكان الإذن مع الإضافة دليلا على الكفالة بما يتعلق برقبته التي هي مملوكة له فيؤخذ بضمان الكفالة إذ ضمان الغرور في الحقيقة ضمان الكفالة والله أعلم بالصواب وأما وجوب الأقل من قيمة العبد ومن الدين فلأن الداخل تحت الكفالة هذا القدر وللغرماء أن يرجعوا على الذي ولي مبايعتهم إن كان حرا لأنه الذي باشر سبب الوجوب حقيقة وإن كان مستحقا أو مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد يرجع عليهم بعد العتاق لأن رقابهم لا تحتمل الاستيفاء قبل العتاق وسواء قال أذنت له بالتجارة أو لم يقل لأن الأمر بالمبايعة يغني عن التصريح بالإذن وسواء أمر بتجارة عامة أو خاصة لأن التخصيص لغو عندنا بخلاف ما إذا قال ما بايعت فلانا من البز فهو على أنه لا يصير كفيلا بغيره لأن هناك التخصيص صحيح لوقوع التصرف في كفالة مقصودة والكفالة المقصودة محتملة للتخصيص فأما ههنا فالكفالة له ما ثبتت مقصودة وإنما ثبتت مقتضى الأمر بالمبايعة والأمر لا يحتمل التخصيص فكذا الكفالة هذا إذا أضاف العبد إلى نفسه وأمرهم بمبايعته فأما إذا وجد أحدهما دون الآخر لا ضمان عليه لأن معنى الكفالة لا يثبت بأحدهما دون الآخر فلا بد من وجودهما ولو كان هذا العبد الدي ( ( ( الذي ) ) ) أضافه إلى نفسه وأمر الناس بمبايعته ملكا للآمر فدبره المولى ثم لحقه دين بعد التدبير لم يضمن المولى شيئا لأنه لم يغرهم حيث لم يظهر الآمر بخلافه فلا يلزمه ضمان الغرور وكذا لم يتلف عليهم حقهم بالتدبير لانعدام الدين عنده وكذا لو أعتقه المولى ثم بايعوه لما قلنا هذا إذا كان الآمر حرا فأما إذا كان عبدا فإن كان محجورا فلا ضمان عليه حتى يعتق لأن هذا ضمان كفالة وكفالة العبد المحجور لا تنفذ للحال وإن كان مأذونا أو مكاتبا وكان المأذون حرا لا ضمان على الآمر في شيء وكذا لو كان الآمر صبيا مأذونا لأن المأذون والمكاتب لا تنفذ كفالتهما للحال ولكنها تنعقد فيؤاخذان ( ( ( فيؤاخذن ) ) ) به بعد العتق والصبي لا تنعقد كفالته فلا يؤاخذ بالضمان والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب فصل وأما بيان حكم الدين الذي يلحق المأذون فنقول وبالله التوفيق حكمه تعلقه بمحل يستوفي منه إذا ظهر فلا بد من بيان سبب تعلق الدين وبيان سبب ظهور الدين وبيان حكم التعلق أما بيان سبب تعلق الدين فلتعلق الدين أسباب منها التجارة من البيع والشراء والإجارة والاستئجار والاستدانة