Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
ولأبي حنيفة رحمه الله طريقان مختلفان على حسب اختلاف الروايتين عنه أحدهما أن القتل بآلة غير معدة للقتل دليل عدم القصد لأن تحصيل كل فعل بالآلة المعدة له فحصوله بغير ما أعد له دليل عدم القصد والمثقل وما يجري مجراه ليس بمعد للقتل عادة فكان القتل به دلالة عدم القصد فيتمكن في العمدية شبهة العدم ( ( ( العمد ) ) ) بخلاف القتل بحديد لا حد له لأن الحديد آلة معدة للقتل قال الله تبارك وتعالى وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد والقتل بالعمود معتاد فكان القتل به دليل القصد فيتمحض عمدا وهذا على قياس ظاهرة الرواية والثاني وهو قياس رواية الطحاوي رحمه الله هو اعتبار الجرح أنه يمكن القصور في هذا القتل لوجود فساد الباطن دون الظاهر وهو نقض التركيب وفي الاستيفاء إفساد الباطن والظاهر جميعا فلا تتحقق المماثلة وعلى هذا الخلاف إذا خنق رجلا فقتله أو غرقه بالماء أو ألقاه من جبل أو سطح فمات أنه لا قصاص فيه عند أبي حنيفة وعندهما يجب ولو طين على أحد بيتا حتى مات جوعا أو عطشا لا يضمن شيئا عند أبي حنيفة وعندهما يضمن الدية وجه قولهما أن الطين الذي عليه تسبيب لإهلاكه لأنه لا بقاء للآدمي إلا بالأكل والشرب فالمنع عند استيلاء الجوع والعطش عليه يكون إهلاكا له فأشبه حفر البئر على قارعة الطريق ولأبي حنيفة رحمه الله أن الهلاك حصل بالجوع والعطش لا بالتطيين ولا صنع لأحد في الجوع والعطش بخلاف الحفر فإنه سبب للوقوع والحفر حصل من الحافر فكان قتلا تسبيبا ولو أطعم غيره سما فمات فإن كان تناول بنفسه فلا ضمان على الذي أطعمه لأنه أكله باختياره لكنه يعزر ويضرب ويؤدب لأنه ارتكب جناية ليس لها حد مقدر وهي الغرور فإن أوجره السم فعليه الدية عندنا وعند الشافعي رحمه الله عليه القصاص ولو غرق إنسانا فمات أو صاح على وجهه فمات فلا قود عليه عندنا وعليه الدية وعنده عليه القود والخامس أن يكون القاتل مختارا اختار ( ( ( اختيار ) ) ) الإيثار عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وعند زفر والشافعي رحمهما الله هذا ليس بشرط وعلى هذا يخرج المكره على القتل أنه لا قصاص عليه عندنا خلافا لهما والمسألة مرت في كتاب الإكراه وأما الذي يرجع إلى المقتول فثلاثة أنواع أحدها أن لا يكون جزء القاتل حتى لو قتل الأب ولده لا قصاص عليه وكذلك الجد أب الأب أو أب الأم وإن علا وكذلك إذا قتل الرجل ولد ولده وإن سفلوا وكذا الأم إذا قتلت ولدها أو أم الأم أو أم الأب إذا قتلت ولد ولدها والأصل فيه ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا يقاد الوالد بولده واسم الوالد والولد يتناول كل والد وإن علا وكل ولد وإن سفل ولو كان في ورثة المقتول ولد القاتل أو ولد ولده فلا قصاص لأنه تعذر إيجاب القصاص للولد في نصيبه فلا يمكن الإيجاب للباقين لأنه لا يتجزأ وتجب الدية للكل ويقتل الولد بالوالد لعمومات القصاص من غير فصل ثم خص منها الوالد بالنص الخاص ( ( ( الخالص ) ) ) فبقي الولد داخلا تحت العموم ولأن القصاص شرع لتحقيق حكمة الحياة بالزجر والردع والحاجة إلى الزجر في جانب الولد لا في جانب الوالد لأن الوالد يحب ولده لولده لا لنفسه بوصول النفع إليه من جهته أو يحبه لحياة الذكر لما يحيى ( ( ( يحيا ) ) ) به ذكره وفيه أيضا زيادة شفقة تمنع الوالد عن قتله فأما الولد فإنما يجب ( ( ( يحب ) ) ) والده لا لوالده بل لنفسه وهو وصول النفع إليه من جهته فلم تكن محبته وشفقته مانعة من القتل فلزم المنع بشرع القصاص كما في الأجانب ولأن محبة الولد لوالده لما كانت لمنافع تصل إليه من جهته لا لعينه فربما يقتل الوالد ليتعجل الوصول إلى أملاكه لا سيما إذا كان لا يصل النفع إليه من جهته لعوارض ومثل هذا يندر في جانب الأب
والثاني أن لا يكون ملك القاتل ولا له فيه شبهة الملك حتى لا يقتل المولى بعبده لقوله عليه الصلاة والسلام لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده ولأنه لو وجب القصاص لوجب له والقصاص الواحد كيف يجب له وعليه وكذا إذا كان يملك بعضه فقتله لا قصاص عليه لأنه لا يمكن استيفاء بعض القصاص دون بعض لأنه غير متجزىء وكذا إذا كان له فيه شبهة الملك كالمكاتب إذا قتل عبدا من كسبه لأن للمكاتب شبهة الملك في أكسابه والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة ولا يقتل المولى بمدبره وأم ولده ومكاتبه لأنهم مماليكه حقيقة ألا ترى أنه لو قال كل مملوك لي فهو حر عتق هؤلاء إلا المكاتب فإنه لا يعتق إلا بالنية لقصور في الإضافة إليه بالملك لزوال ملك اليد ويقتل العبد بمولاه وكذا المدبر وأم الولد والمكاتب لعمومات النصوص ولتحقيق ما شرع له القصاص وهو الحياة بالزجر والردع بخلاف المولى إذا قتل هؤلاء لأن شفقة المولى على ماله تمنعه عن القتل عند سيحان العداوة الحامل على القتل إلا نادرا فلا حاجة إلى الزجر بالقصاص بخلاف العبد ولو اشترك اثنان في قتل رجل أحدهما ممن يجب القصاص عليه لو انفرد والآخر لا يجب عليه لو انفرد ممن ذكرنا كالصبي مع البالغ والمجنون مع العاقل والخاطىء ( ( ( والخاطئ ) ) ) مع العامد والأب مع الأجنبي والمولى مع الأجنبى لا قصاص عليهما عندنا وقال الشافعي رحمه الله يجب القصاص على العاقل والبالغ والأجنبي إلا العامد فإنه لا قصاص عليه إذا شاركه الخاطىء وجه قوله أن سبب الوجوب وجد من كل واحد منهما وهو القتل العمد إلا أنه امتنع الوجوب على أحدهما لمعنى يخصه فيجب على الآخر ولنا أنه تمكنت شبهة عدم القتل في فعل كل واحد منهما لأنه يحتمل أن يكون فعل من لا يجب عليه القصاص لو انفرد مستقلا في القتل فيكون فعل الآخر فضلا ويحتمل على القلب وهذه الشبهة ثابتة في الشريكين الأجنبيين إلا أن الشرع أسقط اعتبارها وألحقها بالعدم فتحا لباب القصاص وسدا لباب العدوان لأن الاجتماع ثم يكون أغلب وههنا أندر فلم يكن في معنى مورد الشرع فلا يلحق به وعليهما الدية لوجود القتل إلا أنه امتنع وجوب القصاص للشبهة فتجب الدية ثم ما يجب على الصبي والمجنون والخاطىء ( ( ( والخاطئ ) ) ) تتحمله العاقلة وما يجب على البالغ والعاقل والعامد يكون في ماله لأن القتل عمد لكن سقط القصاص للشبهة والعاقلة لا تعقل العمد وفي الأب والأجنبي الدية في مالهما لأن القتل عمد وفي المولى مع الأجنبي على الأجنبي نصف قيمة العبد في ماله لما قلنا وكذلك إذا جرح نفسه وجرحه أجنبي فمات لا قصاص على الأجنبي عندنا خلافا للشافعي وعلى الأجنبي نصف الدية لأنه مات بجرحين أحدهما هدر والآخر معتبر وعلى هذا مسائل تأتي في موضع آخر إن شاء الله تعالى والثالث أن يكون معصوم الدم مطلقا فلا يقتل مسلم ولا ذمي بالكافر الحربي ولا بالمرتد لعدم العصمة أصلا ورأسا ولا بالحربي المستأمن في ظاهر الرواية لأن عصمته ما ثبتت مطلقة بل مؤقتة إلى غاية مقامه في دار الإسلام وهذا لأن المستأمن من أهل دار الحرب وإنما دخل دار الإسلام لا لقصد الإقامة بل لعارض حاجة يدفعها ثم يعود إلى وطنه الأصلي فكانت في عصمته شبهة العدم وروي عن أبي يوسف أنه يقتل به قصاصا لقيام العصمة وقت القتل وهل يقتل المستأمن بالمستأمن ذكر في السير الكبير أنه يقتل وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يقتل ولا يقتل العادل بالباغي لعدم العصمة بسبب الحرب لأنهم يقصدون أموالنا وأنفسنا ويستحلونها وقد قال عليه الصلاة والسلام قاتل دون نفسك وقال قاتل دون مالك ولا يقتل الباغي بالعادل أيضا عندنا وعند الشافعي رحمه الله يقتل لأن المقتول معصوم مطلقا
ولنا أنه غير معصوم في زعم الباغي لأنه يستحل دم العادل بتأويل وتأويله وإن كان فاسدا لكن له منعة والتأويل الفاسد عند وجود المتعة ( ( ( المنعة ) ) ) ألحق بالتأويل الصحيح في حق وجوب الضمان بإجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي عن الزهري أنه قال وقعت الفتنة والصحابة متوافرون فاتفقوا على أن كل دم استحل بتأويل القرآن العظيم فهو موضوع وعلى هذا يخرج ما إذا قال الرجل لآخر اقتلني فقتله أنه لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يجب القصاص وجه قوله أن الأمر بالقتل لم يقدح في العصمة لأن عصمة النفس مما لا تحتمل الإباحة بحال ألا ترى أنه يأثم بالقول فكان الأمر ملحقا بالعدم بخلاف الأمر بالقطع لأن عصمة الطرف تحتمل الإباحة في الجملة فجاز أن يؤثر الأمر فيها ولنا أنه تمكنت في هذه العصمة شبهة العدم لأن الأمر وإن لم يصح حقيقة فصيغته تورث شبهة والشبهة في هذا الباب لها حكم الحقيقة وإذا لم يجب القصاص فهل تجب الدية فيه ( ( ( فيها ) ) ) روايتان عن أبي حنيفة رضي الله عنه في رواية تجب وفي رواية لا تجب وذكر القدوري رحمه الله أن هذا أصح الروايتين وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وينبغي أن يكون الأصح هي الأولى لأن العصمة قائمة مقام الحرمة وإنما سقط القصاص لمكان الشبهة والشبهة لا تمنع وجوب المال ولو قال اقطع يدي فقطع لا شيء عليه بالإجماع لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال وعصمة الأموال تثبت حقا له فكانت محتملة للسقوط بالإباحة والإذن كما لو قال له اتلف مالي فأتلفه ولو قال اقتل عبدي أو اقطع يده فقتل أو قطع فلا ضمان عليه لأن عبده ماله وعصمة ماله ثبتت حقا له فجاز أن يسقط بإذنه كما في سائر أمواله ولو قال اقتل أخي فقتله وهو وارثه القياس أن يجب القصاص وهو قول زفر رحمه الله وقال أبو حنيفة رضي الله عنه أستحسن أن آخذ الدية من القاتل وجه القياس أن الأخ الآمر أجنبي عن دم أخيه فلا يصح إذنه بالقتل فالتحق بالعدم وجه الاستحسان أن القصاص لو وجب بقتل أخيه لوجب له والقتل حصل بإذنه والإذن إن لم يعمل شرعا لكنه وجد حقيقة من حيث الصيغة فوجوده يورث شبهة كالإذن بقتل نفسه والشبهة لا تؤثر في وجوب المال وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنهما فيمن أمر إنسانا أن يقتل ابنه فقلته ( ( ( فقتله ) ) ) أنه يقتل به وهذا يوجب اختلاف الروايتين في المسألتين ولو أمره أن يشجه فشجه فلا شيء عليه إن لم يمت من الشجة لأن الأمر بالشجة كالأمر بالقطع وإن مات منها كانت عليه الدية كذا ذكر في الكتاب ويحتمل هذا أن يكون على أصل أبي حنيفة رحمه الله خاصة بناء على أن العفو عن الشجة لا يكون عفوا عن القتل عنده فكذا الأمر بالشجة لا يكون أمرا بالقتل ولما مات تبين أن الفعل وقع قتلا من حين وجوده لا شجا وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية فأما على أصلهما فينبغي أن لا يكون عليه شيء لأن العفو عن الشجة يكون عفوا عن القتل عندهما فكذا الأمر بالشجة يكون أمرا بالقتل وروى ( ( ( روى ) ) ) ابن سماعة عن محمد رحمهما الله فيمن أمر إنسانا بأن يقطع يده ففعل فمات من ذلك أنه لا شيء على قاطعه ويحتمل أن يكون هذا قولهما خاصة كما قالا فيمن له القصاص في الطرف إذا قطع طرف من عليه القصاص فمات أنه لا شيء عليه فأما على قول أبي حنيفة رحمه الله فينبغي أن تجب الدية لأنه لما مات تبين أن الفعل وقع قتلا والمأمور به القطع لا القتل وكان القياس أن يجب القصاص كما قال فيمن له القصاص في الطرف إلا أنه سقط لمكان الشبهة فتجب الدية
وعلى هذا يخرج الحربي إذا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم أنه لا قصاص عليه عندنا لأنه وإن كان مسلما فهو من أهل دار الحرب قال الله تبارك وتعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فكونه من أهل دار الحرب أورث شبهة في عصمته ولأنه إذا لم يهاجر إلينا فهو مكثر سواد الكفرة ومن كثر سواد قوم فهو منهم على لسان رسول الله وهو وإن لم يكن منهم دينا فهو منهم دارا فيورث الشبهة ولو كانا مسلمين تاجرين أو أسيرين في دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه فلا قصاص أيضا وتجب الدية والكفارة في التاجرين وفي الأسيرين خلاف ذكرناه في كتاب السير ولا يشترط أن يكون المقتول مثل القاتل في كمال الذات وهو سلامة الأعضاء ولا أن يكون مثله في الشرف والفضيلة فيقتل سليم الأطراف بمقطوع الأطراف والأشل ويقتل العالم بالجاهل والشريف بالوضيع والعاقل بالمجنون والبالغ بالصبي والذكر بالأنثى والحر بالعبد والمسلم بالذمي الذي يؤدي الجزية وتجري عليه أحكام الإسلام وقال الشافعي رحمه الله كون المقتول مثل القاتل في شرف الإسلام والحرية شرط وجوب القصاص ونقصان الكفر والرق يمنع من الوجوب فلا يقتل المسلم بالذمي ولا الحر بالعبد ولا خلاف في أن الذمي إذا قتل ذميا ثم أسلم القاتل أنه يقتل به قصاصا وكذا العبد إذا قتل عبدا ثم عتق القاتل احتج في عدم قتل المسلم بالذمي بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا يقتل مؤمن بكافر وهذا نص في الباب ولأن في عصمته شبهة العدم لثبوتها مع القيام المنافي وهو الكفر لأنه مبيح في الأصل لكونه جناية متناهية فيوجب عقوبة متناهية وهو القتل لكونه من أعظم العقوبات الدنيوية إلا أنه منع من قتله لغيره وهو نقض العهد الثابت بالذمة فقيامه يورث شبهة ولهذا لا يقتل المسلم بالمستأمن فكذا الذمي ولأن المساواة شرط وجوب القصاص ولا مساواة بين المسلم والكافر ألا ترى أن المسلم مشهود له بالسعادة والكافر مشهود له بالشقاء فأنى يتساويان ولنا عمومات القصاص من نحو قوله تبارك وتعالى كتب عليكم القصاص في القتلى وقوله سبحانه وتعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس وقوله جلت عظمته ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا من غير فصل بين قتيل وقتيل ونفس ونفس ومظلوم ومظلوم فمن ادعى التخصيص والتقييد فعليه الدليل وقوله سبحانه وتعالى عز من قائل ولكم في القصاص حياة وتحقيق معنى الحياة في قتل المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم بالمسلم لأن العداوة الدينية تحمله على القتل خصوصا عند الغضب ويجب عليه قتله لغرمائه فكانت الحاجة إلى الزاجر أمس فكان في شرع القصاص فيه في تحقيق معنى الحياة أبلغ وروى محمد بن الحسن رحمهما الله بإسناده عن رسول الله أنه أقاد مؤمنا بكافر وقال عليه الصلاة والسلام أنا أحق من وفى ذمته وأما الحديث فالمراد من الكافر المستأمن لأنه قال عليه الصلاة والسلام لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده عطف قوله ولا ذو عهد في عهده على المسلم فكان معناه لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد به ونحن به نقول أو نحمله على هذا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وأما قوله في عصمته شبهة العدم ممنوع بل دمه حرام لا يحتمل الإباحة بحال مع قيام الذمة بمنزلة دم المسلم مع قيام الإسلام وقوله الكفر مبيح على الإطلاق ممنوع بل المبيح هو الكفر الباعث على الحراب وكفره ليس بباعث على الحراب فلا يكون مبيحا وقوله لا مساواة بين المسلم والكافر قلنا المساواة في الدين ليس بشرط ألا ترى أن الذمي إذا قتل ذميا ثم أسلم القاتل يقتل به قصاصا ولا مساواة بينهما في الدين لكن القصاص محنة امتحنوا الخلق بذلك فكل من كان أقبل بحق الله تعالى وأشكر لنعمه كان أولى بهذه المحنة لأن العذر له في ارتكاب المحذور أقل وهو بالوفاء بعهد الله تعالى أولى ونعم الله تعالى في حقه أكمل فكانت جنايته أعظم
واحتج في قتل الحر بالعبد بقول الله تبارك وتعالى الحر بالحر والعبد بالعبد وفسر القصاص المكتوب في صدر الآية بقتل الحر بالحر والعبد بالعبد فيجب أن لا يكون قتل الحر بالعبد قصاصا ولأنه لا مساواة بين النفسين في العصمة لوجهين أحدهما أن الحر آدمي من كل وجه والعبد آدمي من وجه مال من وجه وعصمة الحر تكون له وعصمة المال تكون للمالك والثاني أن في عصمة العبد شبهة العدم لأن الرق أثر الكفر والكفر مبيح في الأصل فكان في عصمته شبهة العدم وعصمة الحر تثبت مطلقة فأنى يستويان في العصمة وكذا لا مساواة بينهما في الفضيلة والكمال لأن الرق يشعر بالذل والنقصان والحرية تنبىء عن العزة والشرف ولنا عمومات القصاص من غير فصل بين الحر والعبد ولأن ما شرع له القصاص وهو الحياة لا يحصل إلا بإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد لأن حصوله يقف على حصول الامتناع عن القتل خوفا على نفسه فلو لم يجب القصاص بين الحر والعبد لا يخشى الحر تلف نفسه بقتل العبد فلا يمتنع عن قتله بل يقدمه عليه عند أسباب حامله على القتل من الغيظ المفرط ونحو ذلك فلا يحصل معنى الحياة ولا حجة له في الآية لأن فيها أن قتل الحر بالحر والعبد بالعبد قصاص وهذا لا ينافي ( ( ( ينفي ) ) ) أن يكون قتل الحر بالعبد قصاصا لأن التنصيص لا يدل على التخصيص ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ثم البكر إذا زنى بالثيب وجب الحكم الثابت بالحديث فدل أنه ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص الحكم به يدل عليه أن العبد يقتل بالحر والأنثى بالذكر ولو كان التنصيص على الحكم في نوع موجبا تخصيص الحكم به لما قتل ثم قوله تعالى والأنثى بالأنثى حجة عليكم لأنه قاتل ( ( ( قال ) ) ) الأنثى بالأنثى مطلقا فيقتضي أن تقتل الحرة بالأمة وعندكم لا تقتل فكان حجة عليكم وقوله العبد آدمي من وجه مال من وجه قلنا لا بل آدمي من كل وجه لأن الأدمي اسم لشخص على هيئة مخصوصة منسوب إلى سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام والعبد بهذه الصفة فكانت عصمته مثل عصمة الحر بل فوقها على أن نفس العبد في الجناية له لا لمولاه بدليل أن العبد لو أقر على نفسه بالقصاص والحد يؤخذ به ولو أقر عليه مولاه بذلك لا يؤخذ به فكان نفس العبد في الجناية له لا للمولى كنفس الحر للحر وأما قوله الحر أفضل من العبد فنعم لكن التفاوت في الشرف والفضيلة لا يمنع وجوب القصاص ألا ترى أن العبد لو قتل عبدا ثم أعتق القاتل يقتل به قصاصا وإن استفاد فضل الحرية وكذا الذكر يقتل بالأنثى وإن كان الذكر أفضل من الأنثى وكذا لا تشترط المماثلة في العدد في القصاص في النفس وإنما تشترط في الفعل بمقابلة الفعل زجرا وفي الفائت بالفعل جبرا حتى لو قتل جماعة واحدا يقتلون به قصاصا وإن لم يكن بين الواحد والعشرة مماثلة لوجود المماثلة في الفعل والفائت به زجرا وجبرا على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأحق ما يجعل فيه القصاص إذا قتل الجماعة الواحد لأن القتل لا يوجد عادة إلا على سبيل التعاون والإجتماع فلو لم يجعل فيه القصاص لا نسد باب القصاص إذ كل من رام قتل غيره استعان بغير يضمه إلى نفسه ليبطل القصاص عن نفسه وفيه تفويت ما شرع له القصاص وهو الحياة هذا إذا كان القتل على الإجتماع فأما إذا كان على التعاقب بأن شق رجل بطنه ثم حز آخر رقبته فالقصاص على الحاز إن كان عمدا وإن كان خطأ فالدية على عاقلته لأنه هو القاتل لا الشاق ألا ترى أنه قد يعيش بعد شق البطن بأن يخاط بطنه ولا يحتمل أن يعيش بعد حز رقبته عادة وعلى الشاق أرش الشق وهو ثلث الدية لأنه جائفة
وإن كان الشق نفذ من الجانب الآخر فعليه ثلثا الدية في سنتين في كل سنة ثلث الدية لأنهما جائفتان هذا إذا كان الشق مما يحتمل أن يعيش بعده يوما أو بعض يوم فأما إذا كان لا يتوهم ذلك ولم يبق معه إلا غمرات الموت والاضطراب فالقصاص على الشاق لأنه القاتل ولا ضمان على الحاز لأنه قتل المقتول من حيث المعنى لكنه يعزر لارتكابه جناية ليس لها حد مقدر وكذلك لو جرحه رجل جراحة مثخنة لا يعيش معها عادة ثم جرحه آخر جراحة أخرى فالقصاص على الأول لأنه القاتل لإتيانه بفعل مؤثر في فوات الحياة عادة فإن كانت الجراحتان معا فالقصاص عليهما لأنهما قاتلان ولو جرحه أحدهما جراحة واحدة والآخر عشر جراحات فالقصاص عليهما ولا عبرة بكثرة الجراحات لأن الإنسان قد يموت بجراحة واحدة ولا يموت بجراحات كثيرة والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك الواحد يقتل بالجماعة قصاصا اكتفاء ولا يجب مع القود شيء من المال عندنا وقال الشافعي رحمه لله إن قتلهم على التعاقب يقتل بالأول قصاصا وتؤخذ ديات الباقين من تركته وإن قتلهم معا فله فيه قولان في قول يقرع بينهم فمن خرجت قرعته يقتل وتجب الدية للباقين وفي قول يجتمع أولياء القتلى فيقتلونه وتقسم ديات الباقين بينهم وجه قوله أن المماثلة مشروطة في باب القصاص ولا مماثلة بين الواحد والجماعة فلا يجوز أن يقتل الواحد بالجماعة على طريق الاكتفاء به فيقتل الواحد بالواحد وتجب الديات للباقين كما لو قطع واحد يميني رجلين أنه لا يقطع بهما اكتفاء بل يقطع بإحداهما وعليه أرش الأخرى لما قلنا كذا هذا وكان ينبغي أن لا يقتل الجماعة بالواحد قصاصا إلا أنا عرفنا ذلك بإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم غير معقول أو معقولا بحكمة الزجر والردع لما يغلب وجود القتل بصفة الاجتماع فتقع الحاجة إلى الزجر فيجعل كل واحد منهم قاتلا على الكمال كأن ليس معه غيره تحقيقا للزجر وقتل الواحد بالجماعة ( ( ( الجماعة ) ) ) لا يغلب وجوده بل يندر فلم يكن في معنى ما ورد الشرع به فلا يلحق به وإنا نقول حق الأولياء في القتل مقدور الاستيفاء لهم فلو أوجبنا معه المال لكان زيادة على القتل وهذا لا يجوز والدليل على أن القتل مقدور الاستيفاء لهم أن التماثل في باب القصاص إما أن يراعى في الفعل زجرا وإما أن يراعى في الفائت بالفعل جبرا وإما أن يراعي فيهما جميعا وكل ذلك موجود ههنا أما في الفعل زجرا فلأن الموجود من الواحد في حق كل واحد من الجماعة فعل مؤثر في فوات الحياة عادة والمستحق لكل واحد من أولياء القتلى قبل القاتل قتله فكان الجزاء مثل الجناية وأما في الفائت جبرا فلأنه بقتله الجماعة ظلما انعقد سبب هلاك ورثة القتلى لأنهم يقصدون قتله طلبا للثأر وتشفيا للصدر فيقصد هو قتلهم دفعا للهلاك عن نفسه فتقع المحاربة بين القبيلتين ومتى قتل منهم قصاصا سكنت الفتنة واندفع سبب الهلاك عن ورثتهم فتحصل الحياة لكل قتيل معنى ببقاء حياة ورثته بسبب القصاص فيصير كأن القاتل دخر حياة كل قتيل تقديرا بدفع سبب الهلاك عن ورثته فيتحقق الجبر بالقدر الممكن كما في قتل الواحد بالواحد والجماعة بالواحد من غير تفاوت وأما الذي يرجع إلى نفس القتل فنوع واحد وهو أن يكون القتل مباشرة فإن كان تسبيبا لا يجب القصاص لأن القتل تسبيبا لا يساوي القتل مباشرة والجزاء قتل بطريق المباشرة وعلى هذا يخرج من حفر بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها إنسان ومات أنه لا قصاص على الحافر لأن الحفر قتل سببا لا مباشرة وعلى هذا يخرج شهود القصاص إذا رجعوا بعد قتل المشهود عليه أو جاء المشهود بقتله حيا أنه لا قصاص عليهم عندنا خلافا للشافعي رحمه الله
وجه قوله أن شهادة الشهود وقعت قتلا لأن القتل اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادة وقد وجد من الشهود لأن شهادتهم مؤثرة في ظهور القصاص والظهور مؤثر في وجوب القضاء على القاضي وقضاء القاضي مؤثر في ولاية الاستيفاء وولاية الاستيفاء مؤثرة في الاستيفاء طبعا وعادة فكانت فوات الحياة بهذه الوسائط مضافة إلى الشهادة السابقة فكانت شهادتهم قتلا تسبيبا والقتل تسبيبا مثل القتل مباشرة في حق وجوب القصاص كالإكراه على القتل أنه يوجب القصاص على المكره وإن لم يكن قتلا بطريق المباشرة لوقوعه قتلا بطريق التسبيب كذا هذا ولنا ما ذكرنا أن القتل تسبيبا لا يساوي القتل مباشرة لأن القتل تسبيبا قتل معنى لا صورة والقتل مباشرة قتل صورة ومعنى والجزاء قتل مباشرة بخلاف الإكراه على القتل لأنه قتل مباشرة لأنه يجعل المكره آلة المكره كأنه أخذه وضربه على المكره على قتله والفعل لمستعمل الآلة لا للآلة فكان قتلا مباشرة ويضمنون الدية لوجود ( ( ( بوجود ) ) ) القتل منهم وهل يرجعون بها على الولي اختلف أصحابنا الثلاثة فيه قال أبو حنيفة عليه الرحمة لا يرجعون وعندهما يرجعون لهما ( ( ( ولهما ) ) ) أن الشهود بأداء الضمان قاموا مقام المقتول في ملك بدله إن لم يقوموا مقامه في ملك عينه فأشبه غاصب المدبر إذا غصب منه فمات في يد الغاصب الثاني أن للأول أن يرجع على الثاني بما ضمنه المالك لما ذكرنا كذا هذا ولأبي حنيفة رحمه الله أن الدية بدل النفس ونفس الحر لا يحتمل التملك فلا يثبت الملك لهم في البدل بخلاف المدبر لأنه محتمل للتملك لكونه قاتلا إلا أنه امتنع ثبوت الملك فيه لمعارض وهو التدبير فيثبت في بدله والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وأما الذي يرجع إلى ولي القتيل فواحد أيضا وهو أن يكون الولي معلوما فإن كان مجهولا لا يجب القصاص لأن وجوب القصاص وجوب للاستيفاء والاستيفاء من المجهول متعذر فتعذر الإيجاب له وعلى هذا يخرج ما إذا قتل المكاتب وترك وفاء وورثة أحرارا غير المولى أنه لا قصاص على القاتل بالإجماع لأن المولى مشتبه يحتمل أن يكون هو الوارث ويحتمل أن يكون هو المولى لاختلاف الصحابة الكرام رضي الله عنهم في موته حرا أو عبدا فإن مات حرا كان وليه الوارث وإن مات عبدا كان وليه المولى وموضع الاختلاف موضع التعارض والاشتباه فلم يكن الولي معلوما فامتنع الوجوب وإن اجتمعا ليس لهما أن يستوفيا لأن الاشتباه لا يزول بالاجتماع هذا إذا ترك وفاء وورثة غير المولى فأما إذا ترك وفاء ولم يترك ورثة غير المولى فقد اختلف أصحابنا فيه عندهما يجب القصاص للمولى وعند محمد لا يجب القصاص أصلا وهو رواية عن أبي يوسف أيضا وجه قول محمد أنه وقع الاشتباه في سبب ثبوت الولاية لأنه إن مات حرا كان سبب ثبوت الولاية القرابة فلا تثبت الولاية للمولى وإن مات عبدا كان السبب هو الملك فتثبت الولاية للملوى ( ( ( للمولى ) ) ) فوقع الاشتباه في ثبوت الولاية فلا تثبت ولهما أن من له الحق متعين غير مشتبه لأن الاشتباه موجب المزاحمة ولم يوجد ولو قتل ولم يترك وفاء وجب القصاص بالإجماع لأن الولي معلوم وهو المولى لأنه يموت رقيقا بلا خلاف فكان القصاص للمولى كالعبد القن أذا قتل وكذلك المدبر والمدبرة وأم الولد وولدها بمنزلة العبد القن لأنهم قتلوا على ملك المولى فكان الولي معلوما ولو قتل عبد المكاتب فلا قصاص لأن المكاتب له نوع ملك وللمولى أيضا فيه نوع ملك فاشتبه الولي فامتنع الوجوب وعلى هذا يخرج ما إذا قطع رجل يد عبد فأعتقه مولاه ثم مات من ذلك أنه إن كان للعبد وارث حر غير المولى فلا قصاص لاشتباه ولي القصاص لأن القصاص يجب عند الموت مستندا إلى القطع السابق والحق عند القطع للمولى لا للورثة وعند ثبوت الحكم وهو الوجوب وذلك عند الموت الحق للوارث لا للمولى فاشتبه المولى فلم يجب القصاص
ولو اجتمع المولى مع الوارث فلا قصاص لأن الاشتباه لا يزول باجتماعهما فرق بين هذا وبين العبد الموصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر قتل واجتمعا أنه يجب القصاص لأن هناك لم يشتبه الولي لأن لصاحب الرقبة ملكا ولصاحب الخدمة حقا يشبه الملك فلم يشتبه الولي وههنا أشتبه الولي لأن وقت القطع لم يكن للوارث فيه حق ووقت الموت لم يكن للمولى فيه حق فصار الولي مشتبها فامتنع الوجوب وإن لم يكن وارث سوى المولى فهو على الاختلاف الذي ذكرنا أن على قولهما للمولى أن يستوفي القصاص لأن الحق له وقت القطع ووقت الموت وعلى قول محمد ليس له حق الاقتصاص لاشتباه سبب الولاية لأن الثابت للملوى ( ( ( للمولى ) ) ) وقت القطع كان ولاية الملك وبعد المولت ( ( ( الموت ) ) ) له ولاية العتاقة فاشتبه سبب الولاية هذا إذا كان القطع عمدا فأما إذا كان خطأ فأعتقه ثم مات من ذلك فلا شيء على القاطع غير أرش اليد وهو نصف قيمة العبد وإعتاقه إياه بمنزلة برئه في اليد لتبدل المحل حكما بالإعتاق فتنقطع آية السراية هذا إذا أعتقه المولى بعد القطع عمدا أو خطأ فمات من ذلك فأما إذا لم يعتقه ولكنه دبره أو كانت أمة فاستولدها ثم مات من ذلك فإن كان القطع عمدا فللمولى القصاص لأن الحق له وقت القطع والموت جميعا فلم يشتبه ( ( ( يشبه ) ) ) الولي وإن كان خطأ لا تنقطع السراية فيجب نصف القيمة دية اليد ويجب ما نقص بعد الجناية قبل الموت لحصول ذلك في ملك المولى ولو كاتبه والمسألة بحالها فإن كان القطع عمدا ينظر إن مات عاجزا فللمولى القصاص لأنه مات عبدا وإن مات عن وفاء فإن كان له وارث يحجب المولى أو يشاركه لا يجب القصاص لاشتباه الولي وعليه أرش اليد لا غير ولو لم يكن له وارث غير المولى فللمولى أن يقتص عندهما وعند محمد ليس له أن يقتص وعليه أرش اليد وإن كان القطع خطأ لا شيء على القاطع إلا أرش اليد وهو نصف القيمة للمولى وتنقطع السراية هذا إذا كان القطع قبل الكتابة فإن كان بعدها فمات فإن كان القطع عمدا ينظر إن مات عاجزا فللمولى أن يقتص لأنه مات عبدا وإن مات عن وفاء فإن كان مع المولى وارث آخر أو غيره يشاركه في الميراث فلا قصاص لاشتباه الولي وإن لم يكن له وارث غير المولى فعلى الاختلاف الذي ذكرنا وإن كان القطع خطأ فإن مات عاجزا فالقيمة للمولى لأنه مات عبدا وإن مات عن وفاء فالقيمة للورثة لأنه مات حرا والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما كيفية وجوب القصاص فهو أنه واجب عينا حتى لا يملك الولي أن يأخذ الدية من القاتل من غير رضاه ولو مات القاتل أو عفا الولي سقط الموجب أصلا وهذا عندنا وللشافعي رحمه الله قولان في قول القصاص ليس واجب ( ( ( بواجب ) ) ) عينا بل الواجب أحد الشيئين غير عين إما القصاص وإما الدية وللولي خيار التعيين إن شاء استوفى القصاص وإن شاء أخذ الدية من غير رضا القاتل فعلى هذا القول إذا مات القاتل يتعين المال واجبا فإذا عفا الولي سقط الموجب أصلا وفي قول القصاص واجب عينا لكن للولي أن يأخذ المال من غير رضا القاتل وإذا عفا له أن يأخذ المال وإذا مات القاتل سقط الموجب أصلا احتج بقوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان معناه فليتتبع وليؤد الدية أوجب سبحانه وتعالى على القاتل أداء الدية إلى الولي مطلقا عن شرط الرضا لأن أداء الدية صيانة النفس عن الهلاك وأنه واجب قال الله تعالى جل شأنه ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ولأن ضمان القتل يجب حقا للمقتول لأن الجناية وردت على حقه فكان الواجب بها حقا له وحق العبد ما ينتفع به
والمقتول لا ينتفع بالقصاص وينتفع بالمال لأنه تقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه وكان ينبغي أن لا يشرع القصاص أصلا إلا أنه شرع لحكمة الزجر لأن الإنسان لا يمتنع من قتل عدوه خوفا من لزوم المال فشرع ضمانا زاجرا كان ينبغي أن يجمع بينهما كما في شرب خمر الذمي إلا أنه تعذر الجمع لأن الدية بدل النفس وفي القصاص معنى البدلية قال الله تبارك وتعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والياء ( ( ( والباء ) ) ) تستعمل في الأبدال فتؤدي إلى الجمع بين البدلين وهذا لا يجوز فخير بينهما ولنا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى وهذا يفيد تعين القصاص موجبا ويبطل مذهب الإبهام جميعا أما الإبهام فلأنه أخبر عن كون القصاص واجبا فيصدق القول عليه بأنه واجب وإن كان عليه أحد حقين لا يصدق القول على أحدهما بأنه أوجب وأما التعيين فلأنه إذا وجب ( ( ( أوجب ) ) ) القصاص على الإشارة إليه بطل القول بوجوب الدية بضرورة النص لأنه لا يقابل بالجمع بينهما فبطل القول باختيار الدية من غير رضا القاتل ولأن القصاص إذا كان عين حقه كانت الدية بدل حقه وليس لصاحب الحق أن يعدل من غير الحق إلى بدله من غير رضا من عليه الحق كمن عليه حنطة موصوفة فأراد صاحب الحق أن يأخذ منه قيمتها من غير رضاه ليس له ذلك كذا هذا وقوله عليه الصلاة والسلام العمد قود وجه الاستدلال به على نحو وجه الاستدلال بالآية الشريفة ولأن ضمان العدوان الوارد على حق العبد مقيد بالمثل والقصاص وهو القتل الثاني مثل القتل الأول لأنه يتوب ( ( ( ينوب ) ) ) مناب الأول ويسد مسده ومثل الشيء غيره الذي ينوب منابه ويسد مسده وأخذ المال لا ينوب مناب القتل ولا يسد مسده فلا يكون مثلا له فلا يصلح ضمانا للقتل العمد وكان ينبغي أن لا يجب أصلا إلا أن الوجوب في قتل الخطأ ثبت شرعا تخفيفا على الخاطىء نظرا له إظهارا لخطر الدم صيانة له عن الهدر والعامد لا يستحق التخفيف والصيانة تحصل بالقصاص فبقي ضمانا أصليا في الباب وأما الآية الشريفة فالمراد من قوله سبحانه وتعالى فمن عفي له من أخيه شيء هو الولي لا القاتل لأنه قال تبارك وتعالى فمن عفي له والقاتل معفو عنه لا معفو له ولأنه قال تعالى اسمه فاتباع بالمعروف فليتبع وأنه أمر لمن دخل تحت كلمة فمن ومعلوم أن القاتل لا يتبع أحدا بل هو المتبع وإنما المتبع هو الولي فكان هو الداخل تحت كلمة فمن فكان معنى الآية الكريمة فمن بذل له وأعطي له من أخيه شيء بطريق الفضل والسهولة فليتبع بالمعروف ويجوز استعمال لفظ العفو بمعنى الفضل لغة قال الله سبحانه وتعالى ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو أي الفضل وتقول العرب خذ ما أتاك عفوا أي فضلا ونحن به نقول أنه يجوز أخذ المال من القاتل برضاه وقيل الآية الشريفة نزلت في الصلح عن دم العمد وقيل نزلت في دم بين نفر يعفو أحدهم عن القاتل فللباقين أن يتبعوا بالمعروف في نصيبهم لأنه قال سبحانه وتعالى فمن عفي له من أخيه شيء وهو العفو عن بعض الحق ونحن به نقول أوقع الاحتمال في المراد بالآية فلا يصح الاحتجاج بها مع الاحتمال وقوله في دفع الدية صيانة نفس القاتل عن الهلاك وأنه واجب قلنا نعم لكن قضيته أن يصير آثما بالامتناع لا أن يملك الولي أخذه من غير رضاه كمن أصابته مخمصة وعند صاحبه طعام يبيعه بمثل قيمته يجب عليه أن يشتريه دفعا للهلاك عن نفسه فإن امتنع عن الشراء ليس لصاحب الطعام أن يدفع الطعام إليه ويأخذ الثمن من غير رضاه كذا هذا وقوله المقتول لا ينتفع بالقصاص فلنا ( ( ( قلنا ) ) ) ممنوع بل ينتفع به أكثر مما ينتفع بالمال لأن فيه إحياؤه ( ( ( إحياءه ) ) ) بإكفاء ورثته أحياء
وهذا لا يحصل بالمال على ما عرف والله تعالى أعلم فصل وأما بيان من يستحق القصاص فنقول ولا قوة إلا بالله المقتول لا يخلو إما أن يكون حرا وإما أن يكون عبدا فإن كان حرا لا يخلو إما أن يكون له وارث وإما أن لم يكن فإن كان له وارث فالمستحق للقصاص هو الوارث كالمستحق للمال لأنه حق ثابت والوارث أقرب الناس إلى الميت فيكون له ثم إن كان الوارث واحدا استحقه وإن كان جماعة استحقوه على سبيل الشركة كالمال الموروث عنه وجه قولهما في تمهيد هذا الأصل أن القصاص موجب الجناية وإنها وردت على المقتول فكان موجبها حقا له إلا أنه بالموت عجز عن الاستيفاء بنفسه فتقوم الورثة مقامه بطريق الإرث عنه ويكون مشتركا بينهم ولهذا تجري فيه سهام الورثة من النصف والثلث والسدس وغير ذلك كما تجري في المال وهذا آية الشركة ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن المقصود من القصاص هو التشفي وأنه لا يحصل للميت ويحصل للورثة فكان حقا لهم ابتداء والدليل على أنه يثبت لكل واحد منهم على الكمال كأن ليس معه غيره لا على سبيل الشركة أنه حق لا يتجزأ والشركة فيما لا يتجزأ محال إذ الشركة المعقولة هي أن يكون البعض لهذا والبعض لذلك كشريك الأرض والدار وذلك فيما لا يتبعض محال والأصل أن ما لا يتجزأ من الحقوق إذا ثبت لجماعة وقد وجد سبب ثبوته في حق كل واحد منهم يثبت لكل واحد منهم على سبيل الكمال كأن ليس معه غيره كولاية الإنكاح وولاية الأمان وعلى هذا يخرج ما إذا قتل إنسان عمدا وله وليان أحدهما غائب فأقام الحاضر البينة على القتل ثم حضر الغائب أنه يعيد البينة عنده وعندهما لا يعيد ولا خلاف في أن القتل إذا كان خطأ لا يعيد وكذلك الدين بأن كان لأبيهما دين على إنسان ووجه البناء على هذا الأصل أن عند أبي حنيفة لما كان القصاص حقا ثابتا للورثة ابتداء كان كل واحد منهما أجنبيا عن صاحبه فيقع إثبات البينة له لا للميت فلا يكون خصما عن الميت في الإثبات فتقع الحاجة إلى إعادة البينة ولما كان حقا موروثا على فرائض الله تبارك وتعالى عندهما والورثة خلفاؤه في استيفاء الحق يقع الإثبات للميت وكل واحد من آحاد الورثة خصم عن الميت في حقوقه كما في الدية والدين فيصح منه إثبات الكل للميت ثم يخلفونه كما في المال ولو قتل إنسان وله وليان وأحدهما غائب وأقام القاتل البينة على الحاضر أن الغائب قد عفا فالشاهد خصم لأن تحقق العفو من الغائب يوجب بطلان حق الحاضر عن القصاص فكان القاتل مدعيا على الحاضر بطلان حقه فكان خصما له ويقضى عليه ومتى قضي عليه يصير الغائب مقضيا عليه تبعا له والله تعالى أعلم وإن لم يكن للقاتل بينة لم يكن له أن يستحلف الحاضر لأن الإنسان قد ينتصب خصما عن غيره في إقامة البينة ما لا ينتصب خصما عن غيره في اليمين وعلى هذا يخرج القصاص إذا كان بين صغير وكبير أن للكبير ولاية الاستيفاء عنده وعندهما ليس له ذلك وينتظر بلوغ الصغير ووجه البناء أن عند أبي حنيفة رحمه الله لما كان القصاص حقا ثابتا للورثة ابتداء لكل واحد منهم على سبيل الاستقلال لاستقلال سبب ثبوته في حق كل واحد منهم وعدم تجزئه في نفسه ثبت لكل واحد منهم على الكمال كأن ليس معه غيره فلا معنى لتوقف الاستيفاء على بلوغ الصغير وعندهما لما كان حقا مشتركا بين الكل فأحد الشريكين لا ينفرد بالتصرف في محل مشترك بدون رضا شريكه إظهارا لعصمة المحل وتحرزا عن الضرر
والصحيح أصل أبي حنيفة رضي الله عنه لما ذكرنا أن القصاص لا يحتمل التجزئة والشركة في غير المتجزىء ( ( ( المتجزئ ) ) ) محال وإنما تثبت الشركة إذا انقلب مالا لأن المال محل قابل للشركة على أن أبا حنيفة إن سلم أن القصاص مشترك بين الصغير والكبير فلا بأس بالتسليم لأنه يمكن القتل بثبوت ولاية الاستيفاء للكبير في نصيبه بطريق ( ( ( بطرق ) ) ) الأصالة وفي نصيب الصغير بطريق النيابة شرعا كالقصاص إذا كان بين إنسان وابنه الصغير والجامع بينهما حاجتهما إلى استيفاء القصاص لاستيفاء النفس وعجز الصغير عن الاستيفاء بنفسه وقدرة الكبير على ذلك وكون تصرفه في النظر والشفقة في حق الصغير مثل تصرف الصغير بنفسه لو كان أهلا ولهذا يلي الأب والجد استيفاء قصاص وجب كله للصغير فهذا أولى ولأبي حنيفة رحمه الله إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي أنه لما جرح ابن ملجم لعنه الله عليا كرم الله وجهه فقال للحسن رضي الله عنه إن شئت فاقتله وإن شئت فاعف عنه وإن تعفو خير لك فقتله سيدنا الحسن رضي الله عنه وكان في ورثة سيدنا علي رضي الله عنه صغار والاستدلال من وجهين أحدهما بقول سيدنا علي رضي الله عنه والثاني بفعل سيدنا الحسن رضي الله عنه أما الأول فلأنه خير سيدنا الحسن رضي الله عنه حيث قال إن شئت فاقتله مطلقا من غير التقييد ببلوغ الصغار وأما الثاني فلأن الحسن رضي الله عنه قتل ابن ملجم لعنه الله ولم ينتظر بلوغ الصغار وكل ذلك بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليهما أحد فيكون إجماعا وإن لم يكن له وارث وكان له مولى العتاقة وهو المعتق فالمستحق للقصاص هو لأن مولى العتاقة آخر العصبات ثم إن كان واحدا استحق كله وإن كانوا جماعة استحقوه وإن كان للمقتول وارث ومولى العتاقة أيضا فلا قصاص لأن الولي مشتبه لاشتباه سبب الولاية فالسبب في حق الوارث هو القرابة وفي حق المولى الولاء وهما سببان مختلفان واشتباه الولي يمنع الوجوب للقصاص وكذلك إن لم يكن له مولى العتاقة وله مولى الموالاة لأنه أخر الورثة فجاز أن يستحق القصاص كما يستحق المال وإن لم يكن له وارث ولا له مولى العتاقة ولا مولى الموالاة كاللقيط وغيره فالمستحق هو السلطان في قولهما وقال أبو يوسف رحمه الله لا يستحقه إذا كان المقتول في دار الإسلام والحجج تأتى في موضعها إن شاء الله تعالى وإن كان المقتول عبدا فالمستحق هو المولى لأن الحق قد ثبت وأقرب الناس إلى العبد مولاه ثم إن كان المولى واحد ( ( ( واحدا ) ) ) استحق كله وإن كان جماعة استحقوه لوجود سبب الاستحقاق في حق الكل وهو الملك والله تعالى أعلم فصل وأما بيان من يلي استيفاء القصاص وشرط جواز استيفائه فولاية استيفاء القصاص تثبت بأسباب منها الوراثة وجملة الكلام فيه أن الوارث لا يخلو إما أن كان واحدا وإما أن كانوا جماعة فإن كان واحدا لا يخلو إما أن كان كبيرا وإما أن كان صغيرا فإن كان كبيرا فله أن يستوفي القصاص لقوله تبارك وتعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ولوجود سبب الولاية في حقه على الكمال وهو الوراثة من غير مزاحمة وإن كان صغيرا اختلف المشايخ فيه قال بعضهم ينتظر بلوغه وقال بعضهم يستوفيه القاضي وإن كانوا جماعة فإن كان الكل كبارا فلكل واحد منهم ولاية استيفاء القصاص حتى لو قتله أحدهم صار القصاص مستوفى لأن القصاص إن كان حق الميت فكل واحد من آحاد الورثة خصما في استيفاء حق الميت كما في المال وإذا كان حق الورثة ابتداء كما قال أبو حنيفة رحمه الله فقد وجد سبب ثبوت الحق في حق كل واحد منهم إلا أن حضور الكل شرط جواز الاستيفاء وليس للبعض ولاية الاستيفاء مع غيبة البعض لأن فيه احتمال استيفاء ما ليس بحق له لاحتمال العفو من الغائب
وإلى هذا أشار محمد رحمه الله فقال لا أدري لعل الغائب عفا وكذا إذا كان الكل حضورا لا يجوز لهم ولا لأحدهم أن يوكل في استيفاء القصاص على معنى أنه لا يجوز للوكيل استيفاء القصاص مع غيبة الموكل لاحتمال أن الغائب قد عفا ولأن في اشتراط حضرة الموكل رجاء العفو منه عند معاينة حلول العقوبة بالقاتل وقد قال الله تعالى وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم فأما الاستيفاء بالوكيل فجائز إذا كان الموكل حاضرا على ما نذكر وإن كان فيهم صغير وكبير فإن كان الكبير هو الأب بأن كان القصاص مشتركا بين الأب وابنه الصغير فللأب أن يستوفي بالإجماع لأنه لو كان لم يقاصص كان للأب أن يستوفيه فههنا أولى وإن كان الكبير غير الأب بأن كان أخا فللكبير أن يستوفي قبل بلوغ الصغير عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى ليس له ذلك قبل بلوغ الصغير والكلام فيه يرجع إلى أصل ذكرناه بدلائله فيما تقدم ومنها الأبوة فللأب والجد أن يستوفي قصاصا وجب للصغير في النفس وفيما دون النفس لأن هذه ولاية نظر ومصلحة كولاية الإنكاح فتثبت لمن كان مختصا بكمال النظر والمصلحة في حق الصغير وأما الوصي فلا يلي استيفاء القصاص في النفس بأن قتل شخص عبدا ليتيم ( ( ( اليتيم ) ) ) لأن تصرف الوصي لا يصدر عن كما ( ( ( كمال ) ) ) النظر والمصلحة في حق الصغير لقصور في الشفقة الباعثة عليه بخلاف الأب والجد وله أن يستوفي القصاص فيما دون النفس لأن ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال على ما نذكر وللوصي ولاية استيفاء المال ومنا ( ( ( ومنها ) ) ) الملك المطلق وقت القتل فللمولى أن يستوفي القصاص إذا قتل مملوكه إذا لم يكن في استيفاء القصاص إبطال حق الغير من غير رضاه لأن الحق قد ثبت له وهو أقرب الناس إليه فله أن يستوفيه وكذا إذا قتل مدبره ومدبرته وأم ولده وولدها لأن التدبير والاستيلاد لا يوجب زوال الملك وكذا إذا قتل المكاتب ولم يترك وفاء لأنه مات رقيقا فكان ملك المولى قائما وقت القتل وذكر في المنتقى عند أبي حنيفة رضي الله عنه في معتق البعض إذا قتل عاجزا أنه لا قصاص ففرق بينه وبين الماكتب ( ( ( المكاتب ) ) ) ووجه الفرق أن موت المكاتب عاجزا يوجب إنفساخ الكتابة وجعلها كأن لم تكن فالقتل صادفه وهو قن وموت معتق البعض لا يوجب إنفساخ العتاق ( ( ( العتق ) ) ) إذ الإعتاق بعد وجوده لا يحتمل الفسخ فالقتل صادفه ولا ملك للمولى في كله ولو قتل المكاتب وترك وفاء وورثة أحرارا سوى المولى لا قصاص بالإجماع لأنه لا يستوفيه المولى لوقوع الشك في قيام المولى وقت القتل ولا الوارث لاحتمال أنه مات عبدا لاختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه يموت حرا أو عبدا فامتنع الوجوب وإن لم يكن له وارث حر غير المولى فله أن يستوفي القصاص عندهما خلافا لمحمد وقد ذكرنا المسألة ولو قتل العبد في يد البائع قبل القبض فإن اختار المشتري إجازة البيع فله ولاية الاستيفاء بالإجماع لأن الملك كان له وقت القتل وقد تقرر بالإجازة فكان له أن يستوفي وإن اختار فسخ البيع فللبائع أن يستوفي القصاص في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وقال أبو يوسف للبائه ( ( ( للبائع ) ) ) القيمة ولا قصاص له
وجه قوله أن الملك لم يكن ثابتا له وقت القتل وإنما حدث بعد ذلك بالفسخ والسبب حين وجوده لم ينعقد موجبا الحكم له فلا يثبت له بمعنى وجد بعد ذلك ولأبي حنيفة رحمه الله أن رد البيع فسخ له من الأصل وجعل إياه كأن لم يكن فإذا انفسخ من الأصل تبين أن الجناية وردت على ملك البائع فيوجب القصاص له فكان له أن يستوفي وليس للمشتري ولاية الاستيفاء لهذا المعنى أن بالفسخ يظهر أن العبد وقت القتل لم يكن على ملك البائع ولو قتل العبد الذي هو بدل الصداق في يد الزوج أو بدل الخلع في يد المرأة أو بدل الصلح عن دم العبد ( ( ( العمد ) ) ) في يدي الذي صالح عليه فذلك بمنزلة البيع لأن المستحق للصداق وبدل الخلع والصلح إن اختار اتباع القاتل فقد تقرر ملكه فيجب القصاص له وإن طالب بالقيمة فالملك في العبد قد انفسخ فيجب القصاص للآخر على ما ذكرنا في البيع ولو قتل في يد المشتري وللمشتري خيار الشرط أو خيار الرؤية فالقصاص للمشتري قبض البائع الثمن أو لم يقبض لأن الخيار قد سقط بموت العبد وانبرم البيع وتقرر الملك فيه للمشتري فوجب القصاص له فكان له أن يستوفي القصاص كما إذا قتل في يده ولا خيار في البيع أصلا ولو كان الخيار للبائع فإن شاء اتبع القاتل فقتله قصاصا وإن شاء ضمن المشتري القيمة أما اختيار اتباع القاتل فلأن العبد وقت القتل كان ملكا له وأما اختيار تضمين ( ( ( تضمن ) ) ) المشتري القيمة فلأنه كان مضمونا في يده بالقيمة ( ( ( القيمة ) ) ) ألا ترى لو هلك بنفسه في يده كان عليه قيمته ولا قصاص للمشتري وإن هلك العبد بالضمان لأن الملك ثبت له بطريق الاستناد والمستند يظهر من وجه ويقتصر من وجه فشبه الظهور يقتضي وجوب القصاص له وشبه الاستناد يقتضي أن لا يجب فتمكنت الشبهة في الوجوب له فلا يجب وكذا العبد المغصوب إذا قتل في يدي الغاصب واختار المالك تضمينه لم يكن للغاصب القصاص لما قلنا ولو قتل عبد موصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر لم ينفرد أحدهما باستيفاء القصاص لأن الموصى له بالخدمة ل ا ملك له في الرقبة فلا يملك الاستيفاء بنفسه والموصى له بالرقبة وإن ملك الرقبة لكن في استيفاء القصاص إبطال حق الموصى له بالخدمة لا إلى بدل هو مال فلا يملك إبطال حقه عليه من غير رضاه وإذا اجتمعا فللموصى له بالرقبة أن يستوفي لأن المطلق للاستيفاء موجود وهو قيام ملك الرقبة والامتناع كان لحق الموصى له بالخدمة فإذا رضي بسقوط حقه فقد زال المانع ولو قتل العبد المرهون في يد المرتهن لم يكن لواحد منهما أن ينفرد باستيفاء القصاص أما المرتهن فظاهر لأن ملك الرقبة لم يكن ثابتا له وقت القتل فلم يوجد سبب ثبوت ولاية الاستيفاء في حقه وأما الراهن فلأن استيفاءه يتضمن إبطال حق المرتهن في الدين من غير رضاه لأن الرهن يصير هالكا من غير بدل لأن العبد إنما كان رهنا من حيث أنه مال والقصاص لا يصلح بدلا عن المالية لأنه ليس بمال فيصير الرهن هالكا من غير بدل فيسقط دينه فكان في استيفائه القصاص إبطال حق المرتهن من غير رضاه وهذا لا يجوز ولو اجتمعا ذكر الكرخي رحمه الله أن للراهن أن يستوفي القصاص عند أبي حنيفة رحمه الله لأن الامتناع كان لحق المرتهن وقد رضي بسقوطه وعند محمد ليس له أن يستوفي وإن اجتمعا على الاستيفاء وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي رحمه الله أنه لا قصاص على قاتله ولم يذكر الخلاف وقد ذكرنا وجه كل من ذلك في كتاب الرهن ومنها الولاء إذا لم يكن لمولى الأسفل وارث لأن الولاء سبب الولاية في الجملة ألا ترى أن مولى العتاقة يزوج بالإجماع لأنه آخر العصبات ومولى الموالاة يزوج على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه آخر الورثة
فإن كان له وارث فلا قصاص لاشتباه الولي فلا يتصور الاستيفاء ومنها السلطنة عند عدم الورثة والملك والولاء كاللقيط ونحوه إذا قتل وهذا قولهما وقال أبو يوسف رحمه الله ليس للسلطان أن يستوفي إذا كان المقتول من أهل دار الإسلام وله أن يأخذ الدية وإن كان من أهل دار الحرب فله أن يستوفي القصاص وله أن يأخذ الدية وجه قوله أن المقتول في دار الإسلام لا يخلو عن ولي له عادة إلا أنه ربما لا يعرف وقيام ولاية الولي تمنع ولاية السلطان وبهذا لا يملك العفو بخلاف الحربي إذا دخل دار الإسلام فأسلم أن الظاهر أن لا ولي له في دار الإسلام ولهما أن الكلام في قتيل لم يعرف له ولي عند الناس فكان وليه السلطان لقوله عليه الصلاة والسلام السلطان ولي من لا ولي له وقدر ( ( ( وقد ) ) ) روي أنه لما قتل سيدنا عمر رضي الله عنه خرج الهرمزان والخنجر في يده فظن عبيد الله أن هذا الذي قتل سيدنا عمر رضي الله عنه فقتله فرفع ذلك إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه فقال سيدنا علي رضي الله عنه لسيدنا عثمان اقتل عبيد الله فامتنع سيدنا عثمان رضي الله عنه وقال كيف أقتل رجلا قتل أبوه أمس لا أفعل ولكن هذا رجل من أهل الأرض وأنا وليه أعفو عنه وأؤدي ديته وأراد بقوله أعفو عنه وأؤدي ديته الصلح على الدية وللإمام أن يصالح على الدية إلا أنه لا يملك العفو لأن القصاص حق المسلمين بدليل أن ميراثه لهم وإنما الإمام نائب عنهم في الإقامة وفي العفو إسقاط حقهم أصلا ورأسا وهذا لا يجوز ولهذا لا يملك ( ( ( يملكه ) ) ) الأب والجد وإن كانا يملكان استيفاء القصاص وله أن يصالح على الدية كما فعل سيدنا عثمان رضي الله عنه والله تعالى الموفق بالصواب فصل وأما بيان ما يستوفى به القصاص وكيفية الاستيفاء فالقصاص لا يستوفى إلا بالسيف عندنا وقال الشافعي رحمه الله يفعل به مثل ما فعل فإن مات وإلا تحز رقبته حتى لو قطع يد رجل عمدا فمات من ذلك فإن الولي يقتله وليس له أن يقطع يده عندنا وعنده تقطع يده فإن مات في المدة التي مات الأول فيها وإلا تحز رقبته وجه قوله أن مبنى القصاص على المماثلة في الفعل لأنه جزاء الفعل فيشترط أن يكون مثل الفعل الأول وذلك فيما قلنا وهو أن يفعل به مثل ما فعل هو والموجود منه القطع فيجب أن يجازي بالقطع والظاهر في القطع عدم السراية فإن اتفقت السراية وإلا تحز رقبته ويكون الحز تتميما للفعل الأول لا جزاءا ( ( ( حزا ) ) ) مبتدأ ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا قود إلا بالسيف والقود هو القصاص والقصاص هو الاستيفاء فكان هذا نفي استيفاء القصاص بالسيف ولأن القطع إذا اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلا من حين وجوده فلا يجازي إلا بالقتل فلو قطع ثم احتيج إلى الحز كان ذلك جمعا بين القتل والحز فلم يكن مجازاة بالمثل وقوله الحز يقع تتميما للقطع فاسد لأن المتمم للشيء من توابعه والحز قتل وهو أقوى من القطع فكيف يكون من تمامه وإن أراد الولي أن يقتل بغير السيف لا يمكن لما قلنا ولو فعل يعزر لكن لا ضمان عليه ويصير مستوفيا بأي طريق قتله سواء قتله بالعصا أو بالحجر أو ألقاه من السطح أو ألقاه في البئر أو ساق عليه دابة حتى مات ونحو ذلك لأن القتل حقه فإذا قتله فقد استوفى حقه بأي طريق كان إلا أنه يأثم بالاستيفاء لا بطريق مشروع لمجاوزته حد الشرع وله أن يقتل بنفسه وبنائبه بأن يأمر غيره بالقتل لأن كل أحد لا يقدر على الاستيفاء بنفسه إما لضعف بدنه أو لضعف قلبه أو لقلة هدايته إليه فيحتاج إلى الإنابة إلا أنه لا بد من حضوره عند الاستيفاء لما ذكرنا فيما تقدم
ثم إذا قتله المأمور والآمر حاضر صار مستوفيا ولا ضمان عليه فأما إذا قتله والآمر غير حاضر وأنكر ولي هذا القتيل الأمر فإنه يجب القصاص على القاتل ولا يعتبر تصديق الولي لأن القتل عمدا سبب لوجوب القصاص في الأصل فلو خرج من أن يكون سببا إنما يخرج بالأمر وقد كذبه ولي هذا القتيل في الأمر وتصديق ولي القصاص غير معتبر لأنه صدقه بعدما بطل حقه عن القصاص لفوات محله فصار أجنبيا عنه فلا يعتبر تصديقه فلم يثبت الأمر فبقي القتل العمد موجبا للقصاص ( ( ( القصاص ) ) ) ولو حفر بئرا في دار إنسان فوقع فيها إنسان ومات فادعى ولي القتيل الدية فقال الحافر حفرته بإذن صاحب الدار وصدقه صاحب الدار في ذلك فلا ضمان على الحافر ويعتبر تصديقه لأنه صدقه في فعل يملك إنشاء الأمر به للحال وهو الحفر في ملكه فلم يكن هذا تصديقا بعد فوات المحل فاعتبر بخلاف الأول والله تعالى أعلم بالصواب فصل وأما بيان ما يسقط القصاص بعد وجوبه فالمسقط له أنواع منها فوات محل القصاص بأن مات من عليه القصاص بآفة سماوية لأنه لا يتصور بقاء الشيء في غير محله وإذا سقط القصاص بالموت لا تجب الدية عندنا لأن القصاص هو الواجب عينا عندنا وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله وعلى قوله الآخر تجب الدية وقد بينا فساده فيما تقدم وكذا إذا قتل من عليه القصاص بغير حق أو بحق بالردة والقصاص بأن قتل إنسانا فقتل به قصاصا يسقط القصاص ولا يجب المال لما قلنا وكذلك القصاص الواجب فيما دون النفس إذا فات ذلك العضو بآفة سماوية أو قطع بغير حق يسقط القصاص من غير مال عندنا لما قلنا وإن قطع بحق بأن قطع يد غيره فقطع به أو سرق مال إنسان فقطع يسقط القصاص أيضا لفوات محله لكن يجب أرش اليد فيقع الفرق في موضعين أحدهما بين القتل والقطع بحق والثاني بين القطع بغير حق وبين القطع بحق والفرق أنه إذا قطع طرفه بحق فقد قضى حقا واجبا عليه فجعل كالقائم وجعل صاحبه ممسكا له تقديرا كأنه أمسكه حقيقة وتعذر استيفاء القصاص لعذر الخطأ ونحو ذلك وهناك يجب الأرش كذا هذا وهذا المعنى لم يوجد فيما إذا قطع بغير حق لأنه لم يقض حقا واجبا عليه وفي القتل إن قضى حقا واجبا عليه لكن لا يملك أن يجعل ممسكا للنفس بعد موته تقديرا لأنه لا يتصور حقيقة بخلاف الطرف والله تعالى أعلم ومنها العفو والكلام فيه في ثلاثة مواضع أحدها في بيان ركنه والثاني في بيان شرائط الركن والثالث في بيان حكمه أما ركنه فهو أن يقول العافي عفوت أو أسقطت أو أبرأت أو وهبت وما يجري هذا المجرى وأما الشرائط فمنها أن يكون العفو من صاحب الحق لأنه إسقاط الحق وإسقاط الحق ولا حق محال فلا يصح العفو من الأجنبي لعدم الحق ولا من الأب والجد في قصاص وجب للصغير لأن الحق للصغير لا لهما وإنما لهما ولاية استيفاء حق وجب للصغير ولأن ولايتهما مقيدة بالنظر للصغير والعفو ضرر محض لأنه إسقاط الحق أصلا ورأسا فلا يملكانه وهذا ( ( ( ولهذا ) ) ) لا يملكه السلطان فيما له ولاية الاستيفاء على ما بينا والله تعالى أعلم ومنها أن يكون العافي عاقلا ومنها أن يكون بالغا فلا يصح العفو من الصبي والمجنون وإن كان الحق ثابتا لهما لأنه من التصرفات المضرة المحضة فلا يملكانه كالطلاق والعتاق ونحو ذلك
وأما حكم العفو فالعفو في الأصل لا يخلو إما أن يكون من الولي وإما أن يكون من المجروح فإن كان من الولي لا يخلو من أن يكون منه بعد الموت أو قبل الموت بعد الجرح فإن كان بعد الموت فإما أن يكون الولي واحدا وإما أن يكون أكثر فإن كان واحدا بأن كان القاتل والمقتول واحدا فعفا عن القاتل سقط القصاص لأن استيفاءه لتحقق معنى الحياة وهذا المعنى يحصل بدون الاستيفاء بالعفو لأنه إذا عفا فالظاهر أنه لا يطلب الثأر بعد العفو فلا يقصد قتل القاتل فلا يقصد القاتل قتله فيحصل معنى الحياة بدون الاستيفاء فيسقط القصاص لحصول ما شرع له استيفاؤه بدونه وهكذا قال الحسن رحمه الله في تأويل قوله تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا أي من أحياها بالعفو وقيل في قوله تبارك وتعالى ذلك تخفيف من ربكم ورحمة أن ذلك العفو والصلح على ما قيل أن حكم التوراة القتل لا غير وحكم الإنجيل العفو بغير بدل لا غير فخفف سبحانه وتعالى على هذه الأمة فشرع العفو بلا بدل أصلا والصلح ببدل سواء عفا عن الكل أو عن البعض لأن القصاص لا يتجزأ وذكر البعض فيما لا يتبعض ذكر الكل كالطلاق وتسليم الشفعة وغيرهما وإذا سقط القصاص بالعفو لا ينقلب مالا عندنا لأن حق الولي في القصاص عينا وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله وقد أسقطه لا إلى بدل ومن له الحق إذا أسقط حقه مطلقا وهو من أهل الإسقاط والمحل قابل للسقوط يسقط مطلقا كالإبراء عن الدين ونحو ذلك وعلى قوله الآخر الواجب أحدهما فإذا عفا عن القصاص انصرف إلى الواجب تصحيحا لتصرفه كمن له على آخر دراهم أو دنانير ولا ينوي أحدهما بعينه فأبرأه المديون عن أحدهما ليس له أن يطالبه بالآخر لما قلنا كذا هذا ولو عفا عنه ثم قتله بعد العفو يجب عليه القصاص عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال بعض الناس لا يجب واحتجوا بقوله تبارك وتعالى فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم جعل جزاء المعتدي وهو القاتل بعد العفو العذاب الأليم وهو عذاب الآخرة نستجير بالله سبحانه وتعالى من هو له فلو وجب القصاص في الدنيا لصار المذكور بعض الجزاء ولأن القصاص في الدنيا يرفع عذاب الآخرة لقوله عليه الصلاة والسلام السيف محاء للذنوب وفيه نسخ الآية الشريفة ولنا عمومات القصاص من غير فصل بين شخص وشخص وحال وحال إلا شخصا أو حالا قيد بدليل وكذا الحكمة التي لها شرع القصاص وهو الحياة على ما بينا يقتضي الوجوب وأما الآية فقد قيل في بعض وجوه التأويل أن العذاب الأليم ههنا هو القصاص فإن القتل غاية العذاب الدنيوي في الإيلام فعلى هذا التأويل كانت الآية حجة عليهم وتحتمل هذا وتحتمل ما قالوا فلا تكون حجة مع الاحتمال وإن كان القصاص أكثر بأن قتل رجلان واحدا فإن عفا عنهما سقط القصاص أصلا لما ذكرنا وإن عفا عن أحدهما سقط القصاص عنه وله أن يقتل الآخر لأنه استحق على كل واحد منهما قصاصا كاملا والعفو عن أحدهما لا يوجب العفو عن الآخر وذكر في المنتقى عن أبي يوسف رحمه الله أنه يسقط القصاص عنهما لأن طريق إيجاب القصاص عليهما أن يجعل كل واحد منهما قاتلا على الانفراد كأن ليس معه غيره إذ القتل تفويت الحياة ولا يتصور تفويت حياة واحدة من كل واحد منهما على الكمال فيجعل كل واحد منهما قاتلا على الانفراد ويجعل قتل صاحبه عدما في حقه فإذا عفا عن أحدهما والعفو عن القاتل جعل فعل الآخر عدما تقديرا فيورث شبهة والقصاص لا يستوفي مع الشبهة وهذا ليس بسديد لأن طريق إيجاب القصاص عليهما ليس ما ذكر وليس القتل اسما لتفويت الحياة بل هو اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادة وهذا حصل لكل واحد منهما على الكمال فالعفو عن أحدهما لا يؤثر في الآخر
هذا إذا كان الولي واحدا فأما إذا كان اثنين أو أكثر فعفا أحدهما سقط القصاص عن القاتل لأنه سقط نصيب العافي بالعفو فيسقط نصيب الآخر ضرورة أنه لا يتجزأ إذ القصاص قصاص واحد فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض وينقلب نصيب الآخر مالا بإجماع الصحابة الكرام رضي الله عنهم فإنه روي عن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهم أوجبوا في عفو بعض الأولياء الذين لم يعفوا نصيبهم من الدية وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر أحد عليهم فيكون إجماعا وقيل إن قوله تبارك وتعالى فمن عفي له من أخيه شيء نزلت في دم بين شركاء يعفو أحدهم عن القاتل فللآخرين أن يتبعوه بالمعروف في نصيبهم لأنه قال سبحانه وتعالى فمن عفي له من أخيه شيء وهذا العفو عن بعض الحق ويكون نصيب الآخر وهو نصف الدية في مال القاتل لأن القتل عمد إلا أنه تعذر استيفاء القصاص لما ذكرنا والعاقلة لا تعقل العمد ويؤخذ منه في ثلاث سنين عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر في سنتين وجه قوله أن الواجب نصف الدية فيؤخذ في سنتين كما لو قطع يد إنسان خطأ ووجب عليه نصف الدية أنه يؤخذ في سنتين كذا ههنا ولنا أن الواجب جزء مما يؤخذ في ثلاث سنين وحكم الجزء حكم الكل بخلاف القطع فإن الواجب هناك كل لا جزء لأن كل دية يد واحدة هذا القدر إلا أنه قدر كل ديتها بنصف دية النفس وهذا لا ينفي أن يكون كل دية الطرف ولو عفا أحدهما فقتله الآخر ينظر إن قتله ولم يعلم بالعفو أو علم به لكنه لم يعلم بالحرمة لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وعند زفر رحمه الله عليه القصاص وجه قوله أنه قتل نفسا بغير حق لأن عصمته عادت بالعفو ألا ترى أنه حرم قتله فكانت مضمونة بالقصاص كما لو قتله قبل وجود القتل منه فلو سقط إنما سقط بالشبهة ومطلق الظن لا يورث شبهة كما لو قتل إنسانا وقال ظننت أنه قاتل أبي ولنا أنا في عصمته شبهة العدم في حق القاتل لأنه قتله على ظن أن قتله مباح له وهو ظن مبني على نوع دليل وهو ما ذكرنا أن القصاص وجب حقا للمقتول وكل واحد من الأولياء بسبيل من استيفاء حق وجب للمقتول فالعفو من أحدهما ينبغي أن لا يؤثر في حق الآخر ولأن سبب ولاية الاستيفاء وجد في حق كل واحد منهما على الكمال وهو القرابة فينبغي أن لا يؤثر عفو أحدهما في حق صاحبه إلا أنه امتنع هذا الدليل عن العمل بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما بينا فقيامه يورث شبهة عدم العصمة والشبهة في هذا الباب تعمل عمل الحقيقة فتمنع وجوب القصاص ويجب عليه نصف الدية لأن القصاص إذا تعذر إيجابه للشبهة وجب عليه كمال الدية كان على القاتل نصف الدية فصار النصف قصاصا بالنصف فيوجب عليه النصف الآخر ويكون في ماله لا على العاقلة لأنه وجب بالقتل وهو عمد والعاقلة لا تعقل العمد وإن علم بالعفو والحرمة يجب عليه القصاص لأن المانع من الوجوب الشبهة وإنها نشأت عن الظن ولم يوجد فزال المانع وله على المقتول نصف الدية لأنه قد كان انقلب نصيبه مالا بعفو صاحبه فبقي ذلك على المقتول هذا إذا كان القصاص الواحد مشتركا بينهما فعفا أحدهما عن نصيبه فأما إذا وجب لكل واحد منهما قصاص كامل قبل القتل ( ( ( القاتل ) ) ) بأن قتل واحد رجلين فعفا أحدهما عن القاتل لا يسقط قصاص الآخر لأن كل واحد منهما استحق عليه قصاصا كاملا ولا استحالة له في ذلك لأن القتل ليس تفويت الحياة ليقال إن الحياة الواحدة لا يتصور تفويتها من اثنين بل هو اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادة وهذا يتصور من كل واحد منهما في محل واحد على الكمال فعفو أحدهما عن حقه وهو القصاص لا يؤثر في حق صاحبه بخلاف القصاص الواحد المشترك والله سبحانه وتعالى أعلم
هذا إذا عفا الولي عن القاتل بعد موت وليه فأما إذا عفا عنه بعد الجرح قبل الموت فالقياس أن لا يصح عفوه وفي الاستحسان يصح وجه القياس أن العفو عن القتل يستدعي وجود القتل والفعل لا يصير قتلا إلا بفوات الحياة عن المحل ولم يوجد فالعفو لم يصادف محله فلم يصح وللاستحسان وجهان أحدهما أن الجرح متى اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلا من حين وجوده فكان عفوا عن حق ثابت فيصح ولهذا لو كان الجرح خطأ فكفر بعد الجرح قبل الموت ثم مات جاز التكفير والثاني أن القتل إن لم يوجد للحال فقد وجد سبب وجوده وهو الجرح المفضي إلى فوات الحياة والسبب المفضي إلى الشيء يقام مقام ذلك الشيء في أصول الشرع كالنوم مع الحدث والنكاح مع الوطء وغير ذلك ولأنه إذا وجب سبب وجود القتل كان العفو تعجيل الحكم بعد وجود سببه وإنه جائز كالتكفير بعد الجرح قبل الموت في قتل الخطأ والله أعلم وكذلك العفو من المولى واحدا كان أو أكثر والعفو من الوارث سواء في جميع ما وصفنا إلا أن في القصاص بين الموليين إذا عفا أحدهما فللآخر حصته من قيمة العبد وههنا من الدية لأن القيمة في دم العمد كالدية في دم الحر فأما فيما وراء ذلك ( ( ( ذاك ) ) ) فلا يختلفان هذا كله إذا كان العفو من المولى أو من الولي فأما إذا كان من المجروح بأن كان المجروح عفا لا يصح عفوه لأن القصاص يجب حقا للمولى لا له وإن كان حرا فإن عفا عن القتل ثم مات صح استحسانا والقياس أن لا يصح وجه القياس والاستحسان على نحو ما ذكرنا وإن عفا عن القطع أو الجراحة أو الشجة أو الجناية ثم مات أولا فجملة الكلام فيه أن الجرح لا يخلو إما أن يكون عمدا أو خطأ فإن كان عمدا فالمجروح لا يخلو إما أن يقول عفوت عن القطع أو الجراحة أو الشجة أو الضربة وهذا كله قسم واحد وإما أن يقول عفوت عن الجناية والقسم الأول لا يخلو إما أن ذكر معه ما يحدث منها وإما أن لم يذكر وحال المجروح لا يخلو إما أن برىء وصح وإما أن مات من ذلك فإن برىء من ذلك صح العفو في الفصول كلها لأن العفو وقع عن ثابت وهو الجراحة أو موجبها وهو الأرش فيصح وإن سرى إلى النفس ومات فإن كان العفو بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها صح بالإجماع ولا شيء على القاتل لأن لفظ الجناية يتناول القتل وكذا لفظ الجراحة وما يحدث منها فكان ذلك عفوا عن القتل فيصح وإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر ما يحدث منها لم يصح العفو في قول أبي حنيفة رضي الله عنه والقياس أن يجب القصاص وفي الاستحسان تجب الدية في مال القاتل وعندهما يصح العفو ولا شيء على القاتل وجه قولهما أن السراية أثر الجراحة والعفو عن الشيء يكون عفوا عن أثره كما إذا قال عفوت عن الجراحة وما يحدث منها ولأبي حنيفة رضي الله عنه وجهان أحدهما أنه عفا عن غير حقه فإن حقه في موجب الجناية لا في عينها لأن عينها عرض لا يتصور بقاؤها فلا يتصور العفو عنها ولأن عينها جناية وجدت من الخارج والجناية لا تكون حق المجني عليه فكان هذا عفوا عن موجب الجراحة وبالسراية يتبين أنه لا موجب بهذه الجراحة لأن عند السراية يجب موجب القتل بالإجماع وهو القصاص إن كان عمدا والدية إن كان خطأ ولا يجب الأرش وقطع اليد مع موجب القتل لأن الجمع بينهما غير مشروع والثاني إن كان العفو عن القطع والجرح صحيحا لكن القطع غير والقتل غير فالقطع إبانة الطرف والقتل فعل مؤثر في فوات الحياة عادة وموجب أحدهما القطع والأرش وموجب الآخر القتل والدية والعفو عن أحد الغيرين لا يكون عفوا عن الآخر في الأصل فكان القياس أن يجب القصاص لوجود القتل العمد وعدم ما يسقطه
إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية وتكون في ماله لأنها وجبت بالقتل العمد والعاقلة لا تعقل العمد هذا إذا كان القتل عمدا فأما إذا كان خطأ فإن برىء من ذلك صح العفو بالإجماع ولا شيء على القاطع سواء كان بلفظ الجناية أو الجراحة وذكر وما يحدث منها أو لم يذكر لما قلنا وإن سرى إلى النفس فإن كان بلفظ الجناية أو الجراحة وما يحدث منها صح أيضا لما ذكرنا ثم إن كان العفو في حال صحة المجروح بأن كان يذهب ويجيء ولم يصر صاحب فراش يعتبر من جميع ماله وإن كان في حال المرض بأن صار صاحب فراش يعتبر عفوه من ثلث ماله لأن العفو تبرع منه وتبرع المريض مرض الموت يعتبر من ثلث ماله فإن كان قدر الدية يخرج من الثلث سقط ذلك القدر عن العاقلة وإن كان لا يخرج كله من الثلث فثلثه يسقط عن العاقلة وثلثاه يؤخذ منهم وإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر وما يحدث منها لم يصح العفو والدية على العاقلة عند أبي حنيفة وعندهما يصح العفو وهذا وقوله عفوت عن الجراحة وعن الجناية وما يحدث منها سواء وقد بينا حكمه والله أعلم ولو كان مكان العفو صلح بأن صالح من القطع أو الجراحة على مال فهو على التفصيل الذي ذكرنا أنه إن برىء المجروح فالصلح صحيح بأي لفظ كان وسواء كان القطع عمدا أو خطأ لأن الصلح وقع عن حق ثابت فيصح وإن سرى إلى النفس فإن كان الصلح بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها فالصلح صحيح أيضا لأنه صلح عن حق ثابت وهو القصاص وإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر وما يحدث منها فعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصح الصلح ويؤخذ جميع الدية من ماله في العمد وإن كان خطأ يرد بدل الصلح ويجب جميع الدية على العاقلة والله سبحانه وتعالى أعلم ولو كان مكان الصلح نكاح بأن قطعت امرأة يد رجل أو جرحته فتزوجها على ذلك فهو على ما ذكرنا من التفاصيل أنه إن برىء من ذلك جاز النكاح وصار أرش ذلك مهرا لها لأنه تبين أن موجب ذلك الأرش سواء كان القطع عمدا أو خطأ لأن القصاص بين الذكور والإناث لا يجري فيما دون النفس فكان الواجب هو المال فإذا تزوجها عليه فقد سمى المال فكان مهرا لها وإن سرى إلى النفس فإن كان النكاح بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها وكان القطع خطأ جاز النكاح وصار دم الزوج مهرا لها لأنه لما اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلا موجبا للدية على العاقلة فكان التزوج على موجب الجناية وهو الدية وسقطت عن العاقلة لصيرورتها مهرا لها وهذا إذا كان وقت النكاح صحيحا فإن كان مريضا فبقدر مهر المثل يسقط عن العاقلة لأنه ليس بمتبرع في هذا القدر وأما الزيادة على ذلك فينظر إن كانت تخرج من ثلث ماله يسقط أيضا وإن كانت لا تخرج من ثلث ماله فبقدر الثلث يسقط أيضا والزيادة تكون للزوج ترجع إلى ورثته وإنما اعتبر خروج الزيادة من ثلث ماله لأنه متبرع بالزيادة وهو مريض مرض الموت هذا في الخطأ وأما في العمد جاز النكاح وصار عفوا أما جواز النكاح فلا شك فيه لأن جوازه لا يقف على تسمية ما هو مال وأما صيرورة النكاح على القصاص عفوا له لأنه لما تزوجها على القصاص فقد أزال حقه عنه وأسقطه وهذا معنى العفو ولها مهر المثل من تركة الزوج لأن النكاح لا يجوز إلا بالمهر والقصاص لا يصلح مهرا لأنه ليس بمال فيجب لها العوض الأصلي وهو مهر المثل فإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر وما يحدث منها فكذلك الجواب عندهما في العمد والخطأ
وعند أبي حنيفة رحمه الله بطل العفو إذا كان عمدا ولها مهر المثل من مال الزوج وتجب الدية من مالها فيتناقصان بقدر مهر المثل وتضمن المرأة الزيادة وإن كانت خطأ فتجب الدية على عاقلتها ولها مهر المثل من مال الزوج ولا ترث المرأة من مال الزوج شيئا لأنها قاتلة ولا ميراث للقاتل والله تعالى أعلم ولو كان مكان النكاح خلع بأن قطع يد امرأة ( ( ( امرأته ) ) ) أو جرحها جراحة فخلعها على ذلك فهو على ما ذكرنا أنها إن برئت جاز الخلع وكان بائنا لأنه تبين أنه خلعها على أرش اليد فصح الخلع وصار أرش اليد بدل الخلع والخلع على مال طلاق بائن ويستوي فيه العمد والخطأ لما مر وإن سرى إلى نفس ( ( ( النفس ) ) ) وكان خطأ فإن ذكر بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها جاز الخلع ويكون بائنا لأنه تبين أن الفعل وقع قتلا فتبين أنه وقع موجبا للدية فكان الخلع واقعا على ماله وهو الدية فيصح ويكون بائنا ثم إن كانت المرأة صحيحة وقت الخلع جاز ذلك من جميع المال وإن كانت مريضة صارت الدية بدل الخلع ويعتبر خروج جميع الدية من الثلث بخلاف النكاح حيث يعتبر هناك خروج الزيادة على قدر مهر المثل من الثلث لأن تلك الحال حال دخول البضع في ملك الزوج وهذه حالة الخروج والبضع يعد مالا حال الدخول في ملك الزوج ولا يعد مالا حال الخروج عن ملكه وإن كان يخرج من الثلث سقط عن العاقلة وإن لم يكن لها مال يسقط والثلثان على العاقلة ويكون بمنزلة الوصية هذا في الخطأ فأما في العمد جاز العفو ولا يكون مالا وخلعها بغير مال يكون رجعيا وإن كان الخلع بلفظ الجراحة ولم يذكر وما يحدث منها فعندهما الجواب كذلك وعند أبي حنيفة رحمه الله لم يصح العفو وتجب جميع الدية في ماله في العمد وفي الخطأ على العاقلة ويكون الخلع بغير مال فيكون الطلاق رجعيا والله تعالى أعلم ومنها الصلح على مال لأن القصاص حق للمولى ولصاحب الحق أن يتصرف في حقه استيفاء وإسقاطا إذا كان من أهل الإسقاط والمحل قابل للسقوط ولهذا يملك العفو فيملك الصلح ولأن المقصود من استيفاء القصاص وهو الحياة يحصل به لأن الظاهر أن عند أخذ المال عن صلح وتراض تسكن الفتنة فلا يقصد الولي قتل القاتل فلا يقصد القاتل قتله فيحصل المقصود من استيفاء القصاص بدونه وقيل إن قوله تبارك وتعالى فمن عفي له من أخيه شيء الآية نزل ( ( ( نزلت ) ) ) في الصلح عن دم العمد فيدل على جواز الصلح وسواء كان بدل الصلح قليلا أو كثيرا من جنس الدية أو من خلاف جنسها حالا أو مؤجلا بأجل معلوم أو مجهول جهالة متفاوتة كالحصاد والدياس ونحو ذلك بخلاف الصلح من الدية على أكثر مما تجب فيه الدية أنه لا يجوز لأن المانع من الجواز هناك تمكن الربا ولم يوجد ههنا لأن الربا يختص بمبادلة المال بالمال والقصاص ليس بمال وقد ذكرنا شرائط جواز الصلح ومن يملك الصلح ومن لا يملكه في كتاب الصلح ولو صالح الولي القاتل على مال ثم قتله يقتص منه عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال بعض الناس لا قصاص عليه وقد مرت المسألة في العفو ولو كان الولي اثنين والقصاص واحد فصالح أحدهما سقط القصاص عن القاتل وينقلب نصيب الآخر مالا لما ذكرنا في العفو ولو قتله الآخر بعد عفو صاحبه فهو على التفصيل والخلاف والوفاق الذي ذكرناه في العفو ولو كان القصاص أكثر فصالح ولي أحد القتيلين فللآخر أن يستوفي وكذا لو صالح الولي مع أحد القاتلين كان له أن يقتص للآخر لما ذكرنا في العفو وكذلك حكم المولى في الصلح عن دم العمد في جميع ما وصفنا ومنها إرث القصاص بأن وجب القصاص لإنسان فمات من له القصاص فورث القاتل القصاص سقط القصاص لاستحالة وجوب القصاص له وعليه فيسقط ضرورة