Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وعندهما لولي القتيل الثاني أن يضمن المولى وله أن يضمن ولي القتيل الأول سواء كان الدفع بقضاء أو بغير قضاء فهما فرقا بين الفصلين وأبو حنيفة عليه الرحمة جمع بينهما وجه الفرق لهما أن المولى ههنا ليس بمتعد في حق ولي القتيل الثاني لأن الجناية الثانية كانت منعدمة وقت الدفع فلا سبيل إلى تضمينه وفي الفصل الأول كانت الجنايتان موجودتين وقت الدفع فكان الدفع منه إلى الأول تعديا فيضمن وجه قول أبي حنيفة رحمه الله ما ذكرنا أن سبب وجوب الضمان على المولى هو المنع والمنع منع واحد في حق الأول والثاني جميعا فصار كأن الجنايات كلها موجودة وقت الدفع فيصير المولى متعديا في الدفع فكان له تضمينه بخلاف ما إذا كان الدفع بقضاء لأن قضاء القاضي صيره مجبورا في الدفع هذا إذا كانت قيمته وقت الجنايتين على السواء فأما إذا كانت مختلفة بأن قتل رجلا وقيمته ألف ثم ازدادت قيمته فصارت ألفين ثم قتل آخر يضمن المولى لولي القتيل الثاني ألفا آخر ولا حق لولي القتيل الأول في الزيادة لأنها لم تكن موجودة وقت الجناية على الأول فيسلم الزيادة إلى الثاني ويقسم تلك القيمة وهي الألف بين أولياء الأول والثاني يتضاربون فيها فيضرب الأول فيها بعشرة آلاف والثاني بتسعة آلاف أنه قد وصل إليه ألف من عشرة آلاف فكانت قسمة تلك الألف على تسعة عشر سهما عشرة أسهم للأول وتسعة أسهم للثاني ولو كانت قيمته وقت قتل الأول ألفين ووقت قتل الثاني ألفا لا يضمن المولى شيئا والألف تكون لولي القتيل الأول سالما والألف للآخر تقسم بينهما على تسعة عشر سهما عشرة أسهم لولي القتيل الثاني وتسعة أسهم لولي القتيل الأول ولو قتل إنسانا وقيمته ألف ثم ازدادت قيمته وصارت ألفا وخمسمائة ثم قتل آخر فزيادة الخمسمائة سالمة لولي القتيل الثاني لا حق فيها لولي القتيل الأول لأنها لم تكن موجودة وقت الجناية الأولى والألف تكون بين ولي القتيلين يتضاربون فيها فيضرب ولي القتيل الأول بتمام الدية عشرة آلاف والثاني بتسعة آلاف وخمسمائة لأنه وصل إليه خمسمائة من عشرة آلاف فكانت قسمة الألف بينهما على تسعة وثلاثين سهما لأنا نجعل كل خمسمائة سهما تسعة عشر لولي القتيل الثاني وعشرون لولي القتيل الأول والله تعالى أعلم وأما صفة الواجب بهذه الجناية فهي أنها تجب في مال المولى حالا لأنه ضمان المنع من الدفع من غير اختيار الفداء وأنه يوجب القيمة في مال المولى حالا كما لو دبر العبد الجاني وهو لا يعلم بالجناية وهذا لأن ضمان المنع كالخلف عن ضمان الدفع والدفع يجب من ماله حالا كذلك ههنا والله الموفق للصواب وإن كان القاتل أم ولد فأم الولد في جميع ما وصفنا والمدبر سواء لأن الواجب في جنايتهما ضمان المنع أيضا إلا أن جهة المنع تختلف فالمنع في أم الولد بالاستيلاد وفي المدبر بالتدبير لذلك استويا في حكم الجناية والله أعلم وإن كان القاتل مكاتبا فقتل أجنبيا خطأ فجنايته على نفسه إذا ظهرت لا على مولاه فيقع الكلام فيما تظهر به جنايته وفي بيان أصل الواجب ومن عليه وفي بيان كيفية الوجوب وفي بيان مقدار الواجب وفي بيان صفته أما الأول فجنايته تظهر بما تظهر به جناية القن والمدبر وأم الولد وتظهر أيضا بإقراره بالجناية بخلاف جنايتهم لأن ذلك إقرار على المولى فلم يصح أصلا وإقرار المكاتب على نفسه لأنه أحق بكسبه من المولى فيجوز إقراره وكذا يجوز صلحه من الجناية على مال لأنه صالح عن حق ثابت له ظاهرا ولو أقر وصالح ثم عجز فحكمه نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى وأما أصل الواجب بجنايته ومن عليه الواجب فالواجب هو قيمة نفسه عليه لا على مولاه لأن كسب المكاتب لنفسه لا لمولاه فكان موجب جنايته عليه لا على مولاه ليكون الخراج بالضمان بخلاف القن والمدبر وأم الولد لأن امتناع الدفع حصل بشيء من قبله وهو قبول الكتابة فكانت قيمته عليه بخلاف القن والمدبر وأم الولد وأما كيفية الوجوب فقد اختلف أصحابنا فيه
قال علماؤنا الثلاثة إن قيمته تصير دينا في ذمته على طريق القطع والبتات وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيما إذا جنى ثم عجز عقيب الجناية بلا فصل أنه يخاطب المولى بالدفع أو الفداء عندنا وعنده يباع ويدفع ثمنه إلى أولياء القتيل وكذلك إذا جنى ثم جنى جناية أخرى عقيب الأولى بلا فصل لا يجب عليه إلا قيمة واحدة عندنا وعنده يجب عليه قيمة أخرى عقيب الأولى ولا خلاف في أنه إذا جنى جناية وقضى القاضي عليه بالقيمة ثم جنى جناية أخرى أنه تجب عليه قيمة أخرى ووجه الفرق لأصحابنا الثلاثة رحمهم الله أن القاضي لما قضى بالقيمة في الجناية الأولى فقد صارت القيمة دينا في ذمته حتما من غير تردد والجناية الثانية صادفت رقبة فارغة فتقضى بقيمة أخرى وأما قبل القضاء فالرقبة مشغولة بالأولى والمشغول لا يشغل وجه قول زفر رحمه الله أن الموجب للقيمة على المكاتب هو امتناع الدفع لحق ثبت للمكاتب بعقد الكتابة لأن امتناع الدفع إذا كان لحقه كانت القيمة عليه إذ لا خراج مع الضمان وهذا المعنى لا يوجب التوقف على قضاء القاضي ولنا أن الحكم الأصلي في جناية العبد هو وجوب الدفع وامتناعه ههنا لعارض لم يقع اليأس عن زواله وهو الكتابة لاحتمال العجز لأنه ربما يعجز فيرد في الرق فيتبين أن الجناية صدرت من القن فلا يمكن قطع القول بصيرورة قيمته دينا في ذمته إلا من حيث الظاهر والأمر في الحقيقة على التوقف وإنما يرتفع التوقف بإحدى معان إما بأداء القيمة إلى ولي القتيل لأن الأداء كان واجبا عليه فإذا أدى فقد وصل الحق إلى المستحق فلا يسترد منه أو بالعتق إما بأداء بدل الكتابة وإما بالإعتاق المبتدأ وبالموت عن وفاء أو ولد لأنه يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته وإذا عتق يتقرر حقه في كسبه ويقع اليأس عن الدفع فتتقرر القيمة وإذا ترك ولدا ولم يترك وفاء فعقد الكتابة يبقى ببقاء الولد فيسعى على نجوم أبيه فيؤدي فيعتق ويعتق أبوه ويستند عتقه إلى آخر جزء من أجزاء حياته أو بقضاء القاضي بالقيمة لأنها كانت واجبة وتقرر الوجوب باتصال القضاء به أو بالصلح على القيمة لأن الصلح بمنزلة القضاء هذا إذا ظهرت جناية بالمعاينة أو بالبينة فأما إذا ظهرت بإقراره فإن كان قد أدى القيمة ثم عجز لم يبطل إقراره ولا يسترد القيمة لأنه وصل الحق إلى المستحق فلا يسترد وكذا إذا لم يؤد ولكنه عتق بأداء بدل الكتابة أو بإعتاق مبتدأ أو بموت المكاتب عن وفاء أو ولد لما قلنا ولو لم يعتق ولكنه عجز فإن كان عجزه قبل قضاء القاضي عليه بالقيمة فإقراره باطل في حق المولى بلا خلاف حتى لا يؤخذ به للحال ولكن يتبع به بعد العتاق لأنه لما عجز قبل القضاء فقد انفسخ العقد من الأصل وعاد قنا كما كان فتبين أنه أقر على مولاه وإقرار العبد على المولى باطل إلا أنه يتبع بعد العتاق لأن إقراره في حق نفسه صحيح وإن كان بعد ما قضى القاضي عليه بالقيمة بطل إقراره في حق المولى ولا يؤخذ به للحال عند أبي حنيفة عليه الرحمة ويتبع بعد العتاق وعندهما لا يبطل إقراره في حق المولى ويؤخذ به للحال ويباع وجه قولهما أن القيمة قد وجبت عليه بإقراره من حيث الظاهر لصحة إقراره ظاهرا أو بقضاء القاضي تقرر الوجوب فلا يحتمل البطلان بالعجز كما لو أقر بدين لإنسان ثم عجز ولأبي حنيفة رحمه الله أن صحة إقراره من حيث الظاهر لم تكن لمكان الكتابة لأن الداخل تحت الكتابة ما كان من التجارة والإقرار بالجناية ليس من التجارة وإنما كانت لكونه أحق بكسبه من المولى فإذا عجز فقد صار المولى أحق بأكسابه فبطل إقراره
ولو كان مكان الإقرار صلح بأن جنى المكاتب جناية خطأ فصالح منها على مال جاز صلحه على ما ذكرنا ثم إن كان قد أدى بدل الصلح إلى ولي الجناية أو كان لم يؤد لكنه عتق بأي طريق كان فقد تقرر الصلح ولا يبطل وإن كان لم يؤد بدل الصلح ولا عتق حتى عجز بطل المال عنه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه ويخاطب المولى بالدفع أو الفداء وعندهما لا يبطل ويصير دينا عليه وعلى هذا الخلاف إذا قتل المكاتب إنسانا عمدا ثم صالح من دم العمد على مال ثم عجز قبل أداء بدل الصلح أنه يبطل الصلح ولا يؤخذ للحال عند أبي حنيفة وعندهما لا يبطل ويؤخذ للحال ولو كان ولي القتيل اثنين فصالح المكاتب أحدهما دون الآخر سقط القصاص عنه وعليه أن يؤدي إلى من صالحه ما صالح عليه وينقلب نصيب الآخر مالا فيغرم المكاتب له الأقل من نصف قيمته ومن نصف الدية لأن الواجب عليه في كل الجناية الأقل من قيمته ومن الدية فالواجب في نصفها الأقل من نصف قيمته ومن نصف الدية اعتبارا للنصف بالكل فإن عجز قبل الأداء فنصيب المصالح لا يؤخذ للحال وإنما يؤخذ بعد العتاق وأما نصيب الآخر فيقال للمولى ادفع نصف العبد أو افد بنصف الدية على قول أبي حنيفة رضي الله عنه لأن الصلح قد بطل عنده وعلى قولهما يدفع نصف العبد أو يفدي بنصف الدية والنصف الآخر يباع في حصة المصالح أو يقضي عنه المولى وأما القن إذا قتل رجلا عمدا وله وليان فصالح العبد أحدهما ينقلب نصيب الآخر مالا ونصيب المصالح يؤخذ بعد العتاق بلا خلاف وأما غير المصالح فيخاطب المولى بدفع نصف العبد إليه أو الفداء بنصف الدية ولو مات المكاتب قبل أن يؤخذ شيء من ذلك ولم يترك شيئا أصلا أو لم يترك وفاء بالكتابة بطلت الجناية لأنه إذا مات عاجزا فقد مات قنا والقن إذا جنى جناية ثم مات تبطل الجناية أصلا ورأسا وما تركه يكون للولي إذا مات عبدا كان المتروك مال المولى فيكون له ولو مات المكاتب وترك مالا وعليه دين وكتابة يبدأ بدين الأجنبي لأن دين المولى دين ضعيف إذ لا يجب للمولى على عبده دين فكانت البداية بالأقوى أولى وحكي عن قتادة رضي الله عنه قال قلت لابن المسيب إن شريحا يقول الأجنبي والمولى يتحاصان فقال سعيد بن المسيب أخطأ شريح وإن كان قاضيا قضاء زيد بن ثابت أولى وكان زيد يقول يبدأ بدين الأجنبي فالظاهر أنه كان لا يخفى قضاؤه على الصحابة ولم يعرف له مخالف فيكون إجماعا ولو مات المكاتب وترك وفاء بالكتابة وجناية فالجناية أولى لأنها أقوى ولو مات وترك مالا وعليه دين وكتابة وجناية فإن كان قضي عليه بالجناية فصاحب الجناية وصاحب الدين سواء لأن الجناية إذا قضى بها صارت دينا فهما دينان فلا يكون أحدهما بالبداية به أولى من صاحبه وإن كان لم يقض عليه بالجناية يبدأ بالدين لأنه متعلق بذمته ودين الجناية لم يتعلق بذمته بعد فكان الأول آكد وأقوى فيبدأ به ويقضي الدين منه ثم ينظر إلى ما بقي فإن كان به وفاء بالكتابة فصاحب الجناية أولى فيبدأ به وإن لم يكن به وفاء بالكتابة فما بقي يكون للمولى لأنه يموت قنا على ما بينا وهذا بخلاف ما قبل الموت أن المكاتب يبدأ بأي الديون شاء إن شاء بدين الأجنبي وإن شاء بأرش الجناية وإن شاء بمال الكتابة لأنه يؤدي من كسبه والتدبير في أكسابه إليه فكان له أن يبدأ بأي ديونه شاء وعلى هذا قالوا في المكاتب إذا مات فترك ولدا أن ولده يبدأ من كسبه بأي الديون شاء لأنه قام مقام المكاتب فتدبير كسبه إليه بخلاف ما إذا مات ولم يترك ولدا لأن الأمر في موته إلى القاضي فيبدأ بالأولى فالأولى والله سبحانه وتعالى أعلم
ولو اختلف المولى وولى الجناية في قيمته وقت الجناية فالقول قول المكاتب في قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد وفي قول أبي يوسف الأول ينظر إلى قيمته للحال لأن الحال يصلح حكما في الماضي فيحكم وجه قوله الأخير أن ولي الجناية يدعي زيادة الضمان وهو ينكر فكان القول قوله والله تعالى الموفق وأما قدر الواجب بجنايته فهو الأقل من قيمته ومن الدين لأن الأرش إن كان أقل فلا حق لولي الجناية في الزيادة وإن كانت القيمة أقل فلم يوجد من الكاتب منع الزيادة فلا تلزمه الزيادة وإن كانت قيمته أقل من الدية وجبت قيمته ولا يخير وإن كانت أكثر من الدية أو قدر الدية ينقص من الدية عشرة دراهم لأن العبد لا يتقوم في الجناية بأكثر من هذا القدر سواء كانت الجناية منه أو عليه وتعتبر قيمته يوم الجناية لأن القيمة كالبدل عن الدفع والدفع يجب عند الجناية وكذا المنع بالكتابة السابقة لحق المكاتب إنما يصير سببا عند وجود الجناية فيعتبر الحكم وهو وجوب القيمة عند وجود الجناية والله تعالى أعلم وأما صفة الواجب فهي أن يجب عليه حالا لا على العاقلة مؤجلا لأن الحكم الأصلي في جناية العبد هو الدفع وهذا كالخلف عنه والدفع يجب عليه حالا لا مؤجلا فكذا الخلف والله تعالى أعلم هذا إذا كان المقتول أجنبيا فأما إذا كان مولى القاتل فالقاتل لا يخلو إما أن كان قنا وإما أن كان مدبرا وإما أن كان أم ولد وإما أن كان مكاتبا فإن كان قنا فقتل مولاه خطأ فجنايته هدر لأن المولى لا يجب له على عبده دين وإن قتله عمدا فعليه القصاص لما مر ولو قتله عمدا وله وليان فعفا أحدهما حتى سقط القصاص بطلت الجناية ولا يجب للذي لم يعف شيء في قولهما وقال أبو يوسف رحمه الله يقال للذي عفا إما أن تدفع نصف نصيبك وهو ربع العبد إلى الذي لم يعف أو تفديه بربع الدية وجه قوله أن القصاص كان مشتركا بينهما لكل واحد منهما النصف فإذا عفا أحدهما فقط ( ( ( فقد ) ) ) سقط نصف القصاص وانقلب نصيب صاحبه وهو النصف مالا شائعا في النصفين نصفه وهو الربع في نصيبه ونصفه في نصيب الشريك فما كان في نصيبه يسقط وما كان في نصيب الشريك يثبت وجه قولهما أن الدية إما أن تجب حقا للمولى والوارث يقوم مقامه في استيفاء حق وجب له وإما أن تجب حقا للورثة بانتقال الملك إليهم بطريق الوراثة وكيفما كان فالمولى لا يجب له على عبده دين وإن كان مدبرا فقتل مولاه خطأ فجنايته هدر وعليه السعاية في قيمته لأنه لو وجبت الدية لوجبت على المولى لأنه لو جنى على أجنبي لوجبت الدية عليه فههنا أولى ولا سبيل إلى الإيجاب له وعليه إلا أنه يسعى في قيمة نفسه لأن العتق يثبت بطريق الوصية ألا ترى أنه يعتبر من الثلث والوصية لا تسلم للقاتل إلا أن العتق بعد وقوعه لا يحتمل الفسخ فوجب عليه قيمة نفسه ولو قتله عمدا فعليه القصاص ويسعى في قيمته لما قلنا وورثته بالخيار إن شاؤوا عجلوا استيفاء القصاص وبطلت السعاية وإن شاؤوا استوفوا السعاية ثم قتلوه قصاصا لأنهما حقان ثبتا لهم واختيار السعاية لا يكون مسقطا للقصاص لأن السعاية ليست بعوض عن المقتول بل هي بدل عن الرق ولو كان للمولى وليان عفا أحدهما ينقلب نصيب الآخر مالا بخلاف القن لأن هناك لا يمكن إيجاب الضمان لأنه لو وجب لوجب للمولى على عبده وليس يجب للمولى على عبده دين وههنا يمكن لأن المدبر يعتق بموت سيده فيسعى وهو حر فلم يكن في إيجاب الدية عليه إيجاب الدين للمولى على عبده فهو الفرق وإن كان أم ولد فقتلت مولاها خطأ أو عمدا فحكمها حكم المدبر وإنما يختلفان في السعاية فأم الولد لا سعاية عليها والمدبر يسعى في قيمته لأن العتق هناك يثبت بطريق الوصية وعتق أم الولد ليس بوصية حتى لا يعتبر من الثلث
ولو قتلت أم الولد مولاها عمدا وله ابنان من غيرها فعفا أحدهما سعت في نصف قيمتها للذي لم يعف لأن القصاص قد سقط بعفو أحدهما وانقلب نصيب الآخر مالا وإنما وجب عليها السعاية في نصف قيمتها لا في نصف الدية وإن كانت هي حرة وقت وجوب السعاية لأنهاعتقت بموت سيدها وتسعى وهي حرة لأنها كانت مملوكة وقت الجناية فيجب اعتبار الحالين حال وجود الجناية وحال وجوب السعاية ولو كانت مملوكة في الحالين بأن قتلت أجنبيا خطأ لوجبت القيمة وكانت على المولى لا عليها فإن كانت مملوكة حال الجناية حرة حال السعاية اعتبرنا بالحالين فأوجبنا نصف القيمة اعتبارا إلى وجود الجناية وأوجدنا ذلك عليها لا على المولى اعتبارا بحال وجوب السعاية اعتبارا للحالين بقدر الإمكان ولو كان أحد الابنين منها لا يجب القصاص عليها وسعت في جميع قيمتها أما عدم وجوب القصاص فلأنه لو وجب لوجب مشتركا بينهما ولا يمكن الإيجاب في نصيب ولدها إذ لا يجب للولد على أمه قصاص لتعذر الاستيفاء احتراما للأم وأما لزوم السعاية فلأن القصاص سقط للتعذر ولا تعذر في القيمة فتسعى في جميع قيمتها وتكون بينهما وإن كان مكاتبا فقتل مولاه خطأ فعليه الأقل من قيمته أو الدية لأن جناية المكاتب على مولاه لازمة كجناية مولاه عليه لأنه فيما يرجع إلى إكسابه وأرش جناياته كالأجنبي لأنه أحق بأكسابه من المولى وتجب القيمة حالة لأنها تجب بالمنع من الدفع فتكون حالة كما تجب على المولى بجناية مدبرة وإن كان عمدا فعليه القصاص والله أعلم هذا إذا كان القاتل والمقتول حرين أو كان القاتل حرا والمقتول عبدا أوكان القتال عبدا والمقتول حرا فأما إذا كانا عبدين بأن قتل عبد عبدا خطأ فالمقتول لا يخلو إما أن كان عبدا لأجنبي وإما أن كان عبدا لمولى القاتل فإن كان عبدا لأجنبي بأن كان القاتل قنا يخاطب المولى بالدفع أو الفداء سواء كان المقتول قنا أو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا وهذا وما إذا كان المقتول حرا أجنبيا سواء إلا أن هناك يخاطب المولى بالدفع أو بالفداء بالدية وههنا يخاطب بالدفع أو الفداء بالقيمة وإن كان القاتل مدبرا أو أم ولد فعلى المولى قيمة الولد والمدبر وأم الولد سواء كان المقتول قنا أو مدبرا أو مكاتبا كما إذا كان المقتول حرا أجنبيا وإن كان القاتل مكاتبا فعليه قيمة نفسه سواء كان المقتول قنا أو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا كما إذا كان المقتول حرا أجنبيا هذا إذا كان المقتول عبدا لأجنبي فإن كان عبدا لولي القاتل فجناية القاتل عليه هدر وإن كان القاتل قنا أو مدبرا أو أم ولد سواء كان المقتول قنا أو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا وإن كان القاتل مكاتبا فجنايته عليه لازمة كائنا من كان المقتول لما ذكرنا فيما تقدم والله تعالى أعلم بالصواب هذا إذا قتل عبد عبدا خطأ فإن قتل عمدا فعليه القصاص كائنا من كان المقتول والله جل شأنه الموفق وأما القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ فنوعان نوع هو في معناه من كل وجه وهو أن يكون على طريق المباشرة ونوع هو في معناه من وجه وهو أن يكون من طريق التسبيب أما الأول فنحو النائم ينقلب على إنسان فيقتله فهذا القتل في معنى القتل الخطأ من كل وجه لوجوده لا عن قصد لأنه مات بثقله فترتب عليه أحكامه من وجوب الكفارة والدية وحرمان الميراث والوصية لأنه إذا كان في معناه من كل وجه كان ورود الشرع بهذه الأحكام هناك ورودا ههنا دلالة وكذلك لو سقط إنسان من سطح على قاعد فقتله
أما وجوب الدية فلوجود معنى الخطأ وهو عدم القصد وأما وجوب الكفارة وحرمان الميراث والوصية فلوجود القتل مباشرة لأنه مات بثقله سواء كان القاعد في طريق العامة أو في ملك نفسه ولو مات الساقط دون القاعد ينظر إن كان في ملك نفسه أو في موضع لا يكون قعوده فيه جناية لا شيء على القاعد لأنه ليس بمتعد في القعود فما تولد منه لا يكون مضمونا عليه ويهدر دم الساقط وإن كان في موضع يكون قعوده فيه جناية فدية الساقط على القاعد تتحملها العاقلة لأنه متعد في القعود فالمتولد منه يكون مضمونا عليه كما في حفر البئر ولا كفارة عليه لحصول القتل بطريق التسبيب كما في البئر وكذلك إذا كان يمشي في الطريق حاملا سيفا أو حجرا أو لبنة أو خشبة فسقط من يده فقتله لوجود معنى الخطأ فيه وحصوله على سبيل المباشرة لوصول الآلة لبشرة المقتول ولو كان لابسا سيفا فسقط على غيره فقتله أو سقط عنه ثوبه أو رداؤه أو طيلسانه أو عمامته وهو لابسه على إنسان فتعقل به فتلف فلا ضمان عليه أصلا لأن في اللبس ضرورة إذ الناس يحتاجون إلى لبس هذه والتحرز عن السقوط ليس في وسعهم فكانت البلية فيه عامة فتعذر التضمين ولا ضرورة في الحمل والاحتراز عن سقوط المحمول ممكن أيضا وإن كان الذي لبسه مما لا يلبس عادة فهو ضامن وكذلك الراكب إذا كان يسير في الطريق العامة فوطئت دابته رجلا بيدها ( ( ( بيديها ) ) ) أو برجلها لوجود معن ( ( ( معنى ) ) ) الخطأ في هذا القتل وحصوله على سبيل المباشرة لأن ثقل الراكب على الدابة والدابة آلة له فكان القتل الحاصل بثقلها مضافا إلى الراكب فكان قتلا مباشرة ولو كدمت أو صدمت أو خبطت فهو ضامن إلا أنه لا كفارة عليه ولا يحرم الميراث والوصية لحصول القتل على سبيل التسبب دون المباشرة ولا كفارة على السائق والقائد ولا يحرمان الميراث والوصية لأن فعل السوق والقود يقرب الدابة من القتل فكان قتلا تسبيبا لا مباشرة وهو ( ( ( والقتل ) ) ) لا يتعلق بهذه الأحكام بخلاف الراكب لأنه قاتل مباشرة على ما بينا والرديف والراكب سواء وعليهما الكفارة ويحرمان الميراث والوصية لأن ثقلهما على الدابة والدابة آلة لهما فكانا قاتلين على طريق المباشرة ولو نفحت الدابة برجلها أو بذنبها وهو يسير فلا ضمان في ذلك على راكب ولا سائق ولا قائد والأصل أن السير والسوق والقود في طريق العامة مأذون فيه بشرط سلامة العاقبة فما لم تسلم عابقته ( ( ( عاقبته ) ) ) لم يكن مأذونا فيه فالمتولد منه يكون مضمونا إلا إذا كان مما لا يمكن الاحتراز عنه بسد باب الاستطراق على العامة ولا سبيل إليه والوطء والكدم والصدم والخبط في السير والسوق والقود مما يمكن الاحتراز عنه بحفظ الدابة وذود الناس والنفح مما لا يمكن التحرز عنه وكذا البول والروث واللعاب فسقط اعتباره والتحق بالعدم وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال الرجل جبار أي نفحها ولهذا سقط ( ( ( أسقط ) ) ) اعتبار ما ثار من الغبار من مشي الماشي حتى لو أفسد متاعا لم يضمن وكذا ما أثارت الدابة بسنابكها من الغبار أو الحصى الصغار لا ضمان فيه لما قلنا كذا هذا وأما الحصى الكبار فيجب الضمان فيها لأنه يمكن التحرز عن إثارتها إذ لا يكون ذلك إلا بتعنيف في السوق
ولو كبح الدابة باللجام فنفحت برجلها أو بذنبها فهو هدر لعموم البلوى به ولو أوقف الدابة في الطريق فقتلت إنسانا فإن كان ذلك في غير ملكه كطريق العامة فهو ضامن لذلك كله سواء وطئت بيدها ( ( ( بيديها ) ) ) أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت بيدها ( ( ( بيديها ) ) ) أو نفحت برجلها أو بذنبها أو عطب شيء بروثها أو بولها أو لعابها كل ذلك مضمون عليه وسواء كان راكبا أو لا لأن روث الدابة في طريق العامة ليس بمأذون فيه شرعا إنما المأذون فيه هو المرور لا غير إذ الناس يتضررون بالوقوف ولا ضرورة فيه فكان الوقوف فيه تعديا من غير ضرورة فما تولد منه يكون مضمونا عليه سواء كان مما يمكن التحرز عنه أو لا يمكن غير أنه إن كان راكبا فعليه الكفارة في الوطء باليد والرجل لكونه قاتلا من طريق المباشرة وإن لم يكن راكبا لا كفارة عليه لوجود القتل منه تسبيبا لا مباشرة وكذلك لو أوقف دابة على باب المسجد فهو مثل وقفه في الطريق لأنه متعد في الوقف إلا أن يكون الإمام جعل للمسلمين عند باب المسجد موقفا يقفون فيه دوابهم فلا ضمان عليه فيما أصابت في وقوفها لأن للإمام أن يفعل ذلك إذا لم يتضرر الناس به فلم يكن متعديا في الوقوف فأشبه الوقوف في ملك نفسه إلا إذا كان راكبا فوطئت دابته إنسانا فقتلته لأن ذلك قتل بطريق المباشرة فيستوي في المواضع كلها ألا ترى أنه لو كان في ملكه يضمن وكذلك لو أوقف دابته في موضع أذن الإمام بالوقوف فيه كما في سوق الخيل والبغال لما قلنا وكذلك إذا أوقف دابته في الفلاة لأن الوقوف في الفلاة مباح لعدم الإضرار بالناس فلم يكن متعديا فيه وكذلك في الطريق إن كان وقف في المحجة فالوقوف فيها كالوقوف في سائر الطرق العامة ولو كان سائرا في هذه المواضع التي أذن الإمام فيها بالوقوف للناس أو سائقا أو قائدا فهو ضامن لأن أثر الإذن في سقوط ضمان الوقف لا في غيره لأن إباحة الوقف فيها أستفيد بالإذن لأنه لم يكن ثابتا قبله فأما إباحة السير والسوق والقود فلم يثبت بالإذن من الإمام لأنه كان ثابتا قبله فبقي الأمر فيها على ما كان قبل الإذن وإن كان الوقف أو السير أو السوق أو القود في ملكه فلا ضمان عليه في شيء مما ذكر إلا فيما وطئت دابته بيدها ( ( ( بيديها ) ) ) أو برجلها وهو راكب لأن هذه الأفعال تقع تعديا في الملك والتسبيب إذا لم يكن تعديا لا يكون سببا لوجوب الضمان فأما الوطء باليد والرجل في حال السير أو الوقوف فهو قتل مباشرة لا تسبيبا حتى تجب الكفارة لوجود الضمان على كل سواء كان في ملكه أو في غير ملكه وسواء كان الذي لحقته الجناية مأذونا في الدخول أو غير مأذون لأن التلف حصل بفعله مباشرة ومن دخل ملك غيره بغير إذنه لا يباح إتلافه ولو ربط الدابة في غير ملكه فما دامت تجول في رباطها إذا أصابت شيئا بيدها ( ( ( بيديها ) ) ) أو برجلها أو راثت أو بالت فعطب به شيء فذلك كله مضمون عليه لأنه متعد في الوقوف في غير ملكه ولو انفتح الرباط وذهبت من ذلك الموضع فما عطب به شيء فهو هدر لأن معنى التعدي قد زال بزوالها من موضع الوقوف وإن أوقفها غير مربوطة فزالت عن موضعها بعدما أوقفها ثم جنت على إنسان أو عطب بها شيء فهو هدر لأنها لما زالت عن موضع الوقف فقد زال التعدي فكأنها دخلت في هذه المواضع بنفسها وجنت ولو نفرت الدابة من الرجل أو انفلتت منه فما أصابت في فورها ذلك فلا ضمان عليه لقوله عليه الصلاة والسلام العجماء جبار أي البهيمة جرحها جبار ولأنه لا صنع له في نفارها وانفلاتها ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها فالمتولد منه لا يكون مضمونا
ولو أرسل دابته فما أصابت من فورها ضمن لأن سيرها في فورها مضاف إلى إرسالها فكان متعديا في الإرسال فصار كالدافع لها أو كالسائق فإن عطفت يمينا وشمالا ثم أصابت فإن لم يكن لها طريق إلا ذلك فذلك مضمون على المرسل لأنها باقية على حكم الإرسال وإن كان لها طريق آخر لا يضمن لأنها عطفت باختيارها فينقطع حكم الإرسال وصارت كالمنفلتة ولو أرسل طيرا فأصاب شيئا في فوره ذلك لا يضمن ذلك بالإجماع ذكره في الزيادات فيمن أرسل بازيا في الحرم فأتلف طيبة الحرم أنه لا يضمن لأنه يفعل باختياره وفعله جبار ولوأغرى به كلبا حتى عقر رجلا فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه كما لو أرسل طيرا وعند أبي يوسف رحمه الله يضمن كما لو أرسل البهيمة وقال محمد رحمه الله إن كان سائقا له أو قائدا يضمن وإن لم يكن سائقا له ولا قائدا لا يضمن وبه أخذ الطحاوي رحمه الله وجه قول محمد أن العقر فعل الكلب باختياره فالأصل هو الاقتصار عليه وفعله جبار إلا أنه بالسوق أو القود يصير مغريا إياه إلى الإتلاف فيصير سببا للتلف فأشبه سوق الدابة وقودها وجه قول أبي يوسف أن إغرار ( ( ( إغراء ) ) ) الكلب بمنزلة إرسال البهيمة فالمصاب على فور الإرسال مضمون على المرسل فكذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الكلب يعقر باختياره والإغراء للتحريض وفعله جبار ولو دخل رجل دار غيره فعقره كلبه لا يضمن سواء دخل داره بإذنه أو بغير إذنه لأن فعل الكلب جبار ولم يوجد من صاحبه التسبيب إلى العقر إذ لم يوجد منه إلا الإمساك في البيت وإنه مباح قال الله تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم ولو ألقى حية أو عقربا في الطريق فلدغت إنسانا فضمانه على الملقي لأنه متعد في الإلقاء إلا إذا عدلت عن ذلك الموضع إلى موضع آخر فلا يضمن لارتفاع التعدي بالعدول إذا اصطدم فارسان فماتا فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر في قول أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وعند زفر رحمه الله على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر وهو قول الشافعي رحمه الله وجه قول زفر أن كل واحد منهما مات بفعلين فعل نفسه وفعل صاحبه وهو صدمة صاحبه وصدمة نفسه فيهدر ما حصل بفعل نفسه ويعتبر ما حصل بفعل صاحبه فيلزم أن يكون على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر كما لو جرح نفسه وجرحه أجنبي فمات أن على الأجنبي نصف الدية لما قلنا كذا هذا ولنا ما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال مثل مذهبنا ولأن كل واحد منهما مات من صدم صاحبه إياه فيضمن صاحبه كمن بنى حائطا في الطريق فصدم رجلا فمات أن الدية على صاحب الحائط كذا هذا وبه تبين أن صدمة نفسه مع صدم صاحبه إياه فيه غير معتبر إذ لو اعتبر لما لزم باني الحائط على الطريق جميع الدية لأن الرجل قد مشى إليه وصدمه وكذلك حافر البئر يلزمه جميع الدية وإن كان الماشي قد مشى إليها رجلان مدا حبلا حتى انقطع فسقط كل واحد منهما فإن سقطا على ظهرهما فماتا فلا ضمان فيه أصلا لأن كل واحد منهما لم يمت من فعل صاحبه إذ لو مات من فعل صاحبه لخر على وجهه فلما سقط على قفاه علم أنه سقط بفعل نفسه وهو مده فقد مات كل واحد منهما من فعل نفسه فلا ضمان على أحد وإن سقطا على وجهيهما فماتا فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر لأنه لما خر على وجهه علم أنه مات من جذبه وإن سقط أحدهما على ظهره والآخر على وجهه فماتا جميعا فدية الذي سقط على وجهه على عاقلة الآخر لأنه مات بفعله وهو جذبه
ودية الذي سقط على ظهره هدر لأنه مات من فعل نفسه ولو قطع قاطع الحبل فسقطا جميعا فماتا فالضمان على القاطع لأنه تسبب في إتلافهما والإتلاف تسبيبا يوجب الضمان كحفر البئر ونحو ذلك صبي في يد أبيه جذبه رجل من يده والأب يمسكه حتى مات فديته على الذي جذبه ويرثه أبوه لأن الأب محق في الإمساك والجاذب متعد في الجذب فالضمان عليه ولو تجاذب رجلان ( ( ( رجلا ) ) ) صبيا وأحدهما يدعي أنه ابن ( ( ( ابنه ) ) ) والآخر يدعي أنه عبده فمات من جذبهما فعلى الذي يدعي أنه عبده ديته لأنه متعد في الجذب لأن المتنازعين في الصبي إذا زعم أحدهما أنه أبوه فهو أولى به من الذي يدعي أنه عبده فكان إمساكه بحق وجذب الآخر بغير حق فيضمن رجل في يده ثوب تشبث به رجل فجذبه صاحب الثوب من يده فخرق الثوب ضمن الممسك نصف الخرق لأن حق صاحب الثوب في دفع الممسك وعليه دفعه بغير جذب فإذا جذب فقد حصل التلف من فعلهما فانقسم الضمان بينهما رجل عض ذراع رجل فجذب المعضوض ذراعه من فيه فسقطت أسنان العاض وذهب لحم ذراع هذا تهدر دية الأسنان ويضمن العاض أرش الذراع لأن العاض متعد في العض والجاذب غير متعد في الجذب لأن العض ضرر وله أن يدفع الضرر عن نفسه رجل جلس إلى جنب رجل فجلس على ثوبه وهو لا يعلم فقام صاحب الثوب فانشق ثوبه من جلوس هذا عليه يضمن الجالس نصف ذلك لأن التلف حصل من الجلوس والجذب والجالس متعد في الجلوس إذ لم يكن له أن يجلس عليه فكان التلف حاصلا من فعليهما فينقسم الضمان عليهما رجل أخذ بيد إنسان فصافحه فجذب يده من يده فانقلب فمات فلا شيء عليه لأن الآخذ غير متعد ( ( ( معتد ) ) ) في الأخذ للمصافحة بل هو مقيم سنة وإنما الجاذب هو الذي تعدى على نفسه حيث جذب يده لا لدفع ضرر لحقه من الآخذ وإن كان أخذ يده ليعصرها فآذاه فجر يده ضمن الآخذ ديته لأنه هو المتعدي وإنما صاحب اليد دفع الضرر عن نفسه بالجر وله ذلك فكان الضمان على المتعدي فإن انكسرت يد الممسك وهو الآخذ بالجذب لم يضمن الجاذب لأن التعدي من الممسك فكان جانيا على نفسه فلا ضمان على غيره والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الثاني فنحو جناية الحافر ومن في معناه ممن يحدث شيئا في الطريق أو المسجد وجناية السائق والقائد وجناية الناخس وجناية الحائط أما جناية الحافر فالحفر لا يخلو إما أن كان في غير الملك أصلا وإما أن كان في الملك فإن كان في غير الملك ينظر إن كان في غير الطريق بأن كان في المفازة لا ضمان على الحافر لأن الحفر ليس بقتل حقيقة بل هو تسبيب إلى القتل إلا أن التسبيب قد يلحق بالقتل إذ كان المسبب متعديا في التسبيب والمتسبب ههنا ليس بمتعد لأن الحفر في المفازة مباح مطلق فلا يلحق به فانعدم القتل حقيقة وتقديرا فلا يجب الضمان وإن كان في طريق المسلمين فوقع فيها إنسان فمات فلا يخلو إما أن مات بسبب الوقوع وإما أن مات غما أو جوعا فإن مات بسبب الوقوع فالحافر لا يخلو إما أن كان حرا وإما أن كان عبدا فإن كان حرا يضمن الدية لأن حفر البئر على قارعة الطريق سبب لوقوع المار فيها إذا لم يعلم وهو متعد في هذا التسبيب فيضمن الدية وتتحمل عنه العاقلة لأن التحمل في القتل الخطأ المطلق للتخفيف على القاتل نظرا له والقتل بهذه الطريق دون القتل الخطأ فكانت الحاجة إلى التخفيف أبلغ ولا كفارة عليه لأن وجوبها متعلق بالقتل مباشرة والحفر ليس بقتل أصلا حقيقة إلا أنه ألحق بالقتل في حق وجوب الدية فبقي في حق وجوب الكفارة على الأصل ولأن الكفارة في الخطأ المطلق إنما وجبت شكرا لنعمة الحياة بالسلامة عند وجود سبب فوت السلامة وذلك بالقتل فإذا لم يوجد لم يجب الشكر
وكذا لا يحرم الميراث إن كان وارثا للمجني عليه ولا الوصية إن كان أجنبيا لأن حرمان الميراث والوصية حكم متعلق بالقتل قال النبي عليه الصلاة والسلام لا ميراث لقاتل وقال عليه الصلاة والسلام لا وصية لقاتل ولم يوجد القتل حقيقة وإن مات غما أو جوعا فقد اختلف أصحابنا فيه قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يضمن وقال محمد يضمن وقال أبو يوسف رحمه الله إن مات غما يضمن وإن مات جوعا لا يضمن وجه قول محمد رحمه الله أن الضمان عند الموت بسبب السقوط إنما وجب لكون الحفر تسبيبا إلى الهلاك ومعنى التسبيب موجود ههنا لأن الوقوع سبب الغم والجوع لأن البئر يأخذ نفسه وإذا طال مكثه يلحقه الجوع والوقوع بسبب الحفر فكان مضافا إليه كما إذا حبسه في موضع حتى مات وجه قول أبي يوسف أن الغم من آثار الوقوع فكان مضافا إلى الحفر فأما الجوع فليس من آثاره فلا يضاف إلى الحفر ولأبي حنيفة رحمه الله أنه لا صنع للحافر في الغم ولا في الجوع حقيقة لأنهما يحدثان بخلق الله تعالى لا صنع للعبد فيهما أصلا لا مباشرة ولا تسبيبا أما المباشرة فلا شك في انتفائها ( ( ( انتقائها ) ) ) وأما التسبيب فلأن الحفر ليس بسبب للجوع لا شك فيه لأنه لا ينشأ منه بل من سبب آخر والغم ليس من لوازم البئر فإنها قد تغم وقد لا تغم فلا يضاف ذلك إلى الحفر وإن أصابته جناية فيما دون النفس فضمانها على الحافر لأنها حصلت بسبب الوقوع والوقوع بسبب الحفر ثم إن بلغ القدر الذي تتحمله العاقلة حمله عليهم وإلا فيكون في ماله وكذا إذا كان الواقع غير بني آدم لأن ضمان المال لا تتحمل ( ( ( تتحمله ) ) ) العاقلة كما لا تتحمل سائر الديون ثم إن جنايات الحفر وإن كثرت من الحر يجب عليه لكل جناية أرشها ولا يسقط شيء من ذلك بشيء منه ولا يشرك المجني عليهم فيما يجب لكل واحد منهم لأنه بالحفر جنى على كل واحد منهم بحياله فيؤخذ بكل واحدة من الجنايات بحيالها هذا هو الأصل وإن كان الحافر عبدا فإن كان قنا فجنايته بالحفر بمنزلة جنايته بيده وقد ذكرنا حكم ذلك فيما تقدم وهو أن يخاطب المولى بالدفع أو الفداء قلت جنايته أو كثرت غير أنه إن كان المجني عليه واحدا يدفع إليه أو يفدي وإن كانوا جماعة يدفع إليهم أو يفدي بجميع الأروش لأن جنايات القن في رقبته يقال للمولى ادفع أو افد والرقبة تتضايق عن الحقوق فيتضاربون في الرقبة والواجب بجناية الحر يتعلق بذمة العاقلة والذمة لا تتضايق عن الحقوق فإن وقع فيها واحد فمات فدفعه المولى إلى ولي جنايته ثم وقع آخر يشارك الأول في الرقبة المدفوعة وكذلك الثالث والرابع فكل ما يحدث من جناية بعد الدفع فإنهم يشاركون المدفوع إليه الأول في رقبة العبد وكل واحد منهم يضرب بقدر جنايته لأن المولى بالدفع إلى الأول خرج عن عهدة الجناية لأنه فعل ما وجب عليه فخرج عن عهدة الواجب ثم الجناية في حق الثاني والثالث حصلت بسبب الحفر أيضا والحكم فيها وجوب الدفع فكان الدفع إلى الأول دفعا إلى الثاني والثالث لاستواء الكل في سبب الوجوب كأنه دفعه إلى الأول دفعة واحدة ولو حفرها ثم أعتقه المولى بعد الحفر قبل الوقوع ثم لحقت الجنايات فذلك على المولى في قيمته يوم عتق يشترك فيها أصحاب الجنايات التي كانت قبل العتق وبعده يضرب في ذلك كل واحد بقدر أرش الجناية لأن جناية القن وإن كثرت فالواجب فيها الدفع والولي بالإعتاق فوات ( ( ( فوت ) ) ) الدفع من غير اختيار الفداء فتعتبر قيمته وقت الإعتاق لأن فوات الدفع حصل بالإعتاق فتعتبر قيمته يوم الإعتاق بخلاف المدبر أنه لا تعتبر قيمته يوم التدبير بل يوم الجناية وإن كان فوات الدفع بالتدبير لكن التدبير إنما يصير سببا عند وجود شرطه وهو الجناية فتعتبر قيمته حينئذ على ما بينا فيما تقدم
وإن كان الحافر مدبرا أو أم ولد فعلى قيمة واحدة قلت الجناية أو كثرت وتعتبر قيمته يوم الجناية وهو يوم الحفر ولا تعتبر زيادة القيمة ونقصانها لأنه صار جانيا بسبب الحفر عند الوقوع فتعتبر قيمته وقت الجناية كما إذا جنى بيده وإن كان مكاتبا فجنايته على نفسه لا على مولاه كما إذا جنى بيده وتعتبر قيمته يوم الحفر لما بينا ولو حفر بئرا في الطريق فجاء إنسان ودفع إنسانا وألقاه فيها فالضمان على الدافع لا على الحافر لأن الدافع قاتل مباشرة ولو وضع رجل حجرا في قعر البئر فسقط إنسان فيها لا ضمان على الحافر مع الواضع ههنا كالدافع مع الحافر ولو جاء رجل فحفر من أسفلها ثم وقع فيها إنسان فالضمان على الأول كذا ذكر الكرخي رحمه الله وذكر محمد رحمه الله في الكتاب ينبغي في القياس أن يضمن الأول ثم قال وبه نأخذ ولم يذكر الاستحسان وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي رحمه الله في الاستحسان الضمان عليهما لاشتراكهما في الجناية وهي الحفر فيشتركان في الضمان وجه القياس أن سبب الوقوع حصل من الأول وهو الحفر بإزالة المسكة والحفر من الثاني بمنزلة نصب السكين أو وضع الحجر في قعر البئر فكان الأول كالدافع فكان الضمان عليه ولو حفر رجل بئرا فجاء إنسان ووسع رأسها فوقع فيها إنسان فالضمان عليهما نصفان هكذا أطلق في الكتاب ولم يفصل وقيل جواب الكتاب محمول على ما إذا وسع قليلا بحيث يقع رجل في حفرهما فأما إذا وسع كثيرا بحيث يقع قدمه في حفر الثاني فالضمان على الثاني لا على الأول لأن التوسع إذا كان قليلا بحيث يقع قدمه في حفرهما كان الوقوع بسبب وجد منهما وهو حفرهما فكان الضمان عليهما وإذا كان كثيرا كان الوقوع بسبب وجد من الثاني فكان الضمان عليه ولو حفر بئرا ثم كبسها فجاء رجل وأخرج ما كبس فوقع فيها إنسان فالكبس لا يخلو إما أن كان بالتراب والحجارة وإما كان بالحنطة والشعير فإن كان بالأول فالضمان على الثاني وإن كان بالثاني فالضمان على الأول لأن الكبس بالتراب والحجارة يعد طما للبئر وإلحاقا له بالعدم فكان إخراج ذلك منها بمنزلة إخراج بئر أخرى فأما الحنطة والشعير ونحوهما فلا يعد ذلك طما بل يعد شغلا لها ألا يرى أنه بقي أثر الحفر بعد الكبس بالحنطة والشعير ولا يبقى أثره بعد الكبس بالتراب والحجارة ولو حفر بئرا وسد الحافر رأسها ثم جاء إنسان فنقضه فوقع فيها إنسان فالضمان على الحافر لأن أثر الحفر لم ينعدم بالسد لكن السد صار مانعا من الوقوع والفاتح بالفتح أزال المانع وزوال المانع شرط للوقوع والحكم يضاف إلى السبب لا إلى الشرط ولو وضع رجل حجرا في الطريق فتعثر عليه رجل فوقع في بئر حفرها آخر فالضمان على واضع الحجر لأن الوقوع بسبب التعثر والتعثر بسبب وضع الحجر والوضع تعد منه فكان التلف مضافا إلى وضع الحجر فكان الضمان على واضعه وإن كان لم يضعه أحد ولكنه حمل السيل فالضمان على الحافر لأنه لا يمكن أن يضاف إلى الحجر لعدم التعدي منه فيضاف إلى الحافر لكونه متعديا في الحفر ولو اختلف الحافر وورثة الميت فقال الحافر هو ألقى نفسه فيها متعمدا وقال الورثة بل وقع فيها فالقول قول الحافر في قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد وفي قول أبي يوسف الأول القول قول الورثة وجه القول الأول أن الظاهر شاهد للورثة لأن العاقل لا يلقي نفسه في البئر عمدا والقول قول من يشهد له الظاهر وجه قوله الآخر أن حاصل الاختلاف يرجع إلى وجوب الضمان فالورثة يدعون على الحافر الضمان وهو ينكر والقول قول المنكر مع يمينه ما ( ( ( وما ) ) ) ذكر من الظاهر معارض بظاهر آخر وهو أن الظاهر أن المار على الطريق الذي يمشي فيه يرى البئر فتعارض الظاهران فبقي الضمان على أصل العدم
ولو حفر بئرا في الطريق فوقع رجل فيها فتعلق بآخر وتعلق الثاني بثالث فوقعوا فماتوا فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما أن علم حال موتهم بأن خرجوا أحياء فأخبروا عن حالهم وإما أن لم يعلم فإن علم ذلك فأما موت الأول فلا يخلو من سبعة أوجه إما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة وأما إن علم أنه مات بوقوع الثاني عليه خاصة وإما أن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة وإما أن علم أنه مات بوقوع الثاني والثالث عليه وإما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني عليه وإما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه وإما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني والثالث عليه فإن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة فالضمان على الحافر لأن الحافر هو القاتل تسبيبا وهو متعد فيه فكان الضمان عليه فإن علم أنه مات بوقوع الثاني عليه خاصة فدمه هدر لأنه هو الذي قتل نفسه حيث جره على نفسه وجناية الإنسان على نفسه هدر وإن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة فالضمان على الثاني لأن الثاني هو الذي جر الثالث على الأول حتى أوقعه عليه وإن علم أنه مات بوقوع الثاني والثالث عليه فنصفه هدر ونصفه على الثاني لأن جره الثاني على نفسه هدر لأنه جناية على نفسه وجر الثاني والثالث عليه معتبر فهدر النصف وبقي النصف وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني عليه فالنصف على الحافر لوجود الجناية منه بالحفر والنصف هدر لجره الثاني على نفسه وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه فالنصف على الحافر والنصف على الثاني لأنه هو الذي جر الثالث على الأول وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقع ( ( ( ووقوع ) ) ) الثاني والثالث عليه فالثلث هدر والثلث على الحافر والثلث على الثاني لأنه مات بثلاث جنايات أحدها ( ( ( أحدهما ) ) ) هدر وهي جره الثاني على نفسه فبقيت جناية الحافر وجناية الثاني بجره الثالث على الأول فتعتبر وأما موت الثاني فلا يخلو من ثلاثة أوجه إما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة وإما أن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة وإما أن علم أنه مات بوقوعه ( ( ( بوقوع ) ) ) في البئر ووقع ( ( ( ووقوع ) ) ) الثالث عليه فإن علم أنه مات بسقوطه في البئر خاصة فديته على الأول وليس على الحافر شيء لأن الأول هو الذي جره إلى البئر فكان كالدافع وإن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة فدمه هدر لأنه مات بفعل نفسه حيث جر الثالث على نفسه فهدر دمه وإن علم أنه مات بسقوطه في البئر ووقع ( ( ( ووقوع ) ) ) الثالث عليه فالنصف هدر والنصف الأول لأنه مات بشيئين أحدهما فعل نفسه وهو جره الثالث على نفسه وجنايته على نفسه هدر والثاني فعل غيره وهو جر الأول وإيقاعه في البئر وأما موت الثالث فله وجه واحد لا غير وهو سقوطه في البئر وديته على الثاني لأنه هو الذي جره إلى البئر وأوقعه فيه هذا كله إذا علم حال وقوعهم وأما إذا لم يعلم فلا يخلو إما أن وجد بعضهم على بعض وإما أن وجدوا متفرقين فإن كانوا متفرقين فدية الأول على الحافر ودية الثاني على الأول ودية الثالث على الثاني وإن كان بعضهم على بعض فالقياس هكذا أيضا وهو أن يكون دية الأول على الحافر ودية الثاني على الأول ودية الثالث على الثاني وهو قول محمد رحمه الله وفي الاستحسان دية الأول أثلاث ثلث على الحافر وثلث على الثاني وثلث هدر
ودية الثاني نصفان نصف هدر ونصف على الأول ودية الثالث كلها على الثاني ولم يذكر محمد رحمه الله في الاستحسان أنه قول من وجه القياس أنه وجد لموت كل واحد سبب ظاهر وهو الحفر للأول والجر من الأول للثاني والجر من الثاني للثالث وإضافة الأحكام إلى الأسباب الظاهرة أصل في الشريعة وجه الاستحسان أنه اجتمع في الأول ثلاثة أسباب كل واحد منها صالح للموت وقوعه في البئر ووقوع الثاني ووقوع الثالث عليه إلا أن وقوع الثاني عليه حصل بجره إياه على نفسه فهدر الثلث وبقي الثلثان ثلث على الحافر بحفره وثلث على الثاني بجره الثالث على نفسه ووجد في الثاني شيئان الحفر ووقوع الثاني ( ( ( الثالث ) ) ) عليه إلا أن وقوعه عليه حصل بجره فهدر نصف الدية وبقي النصف على الحافر ولم يوجد في الثالث إلا سبب واحد وهو جر الثاني إياه إلى البئر والأصل في الأسباب اعتبارها ما أمكن واعتبارها يقتضي أن يكون الحكم ما ذكرنا والله تعالى أعلم ولو استأجر رجلا ليحفر له بئرا في الطريق فحفر فوقع فيها إنسان فإن كانت البئر في فناء المستأجر فالضمان عليه لا على الأجير لأن له ولاية الانتفاع بفنائه إذا لم يتضمن الضرر بالمارة على أصلهما مطلقا وعلى أصل أبي حنيفة رحمه الله إذا لم يمنع منه مانع فانصرف مطلق الأمر بالحفر إليه فإذا حفر في فنائه انتقل فعل المأمور إليه كأنه حفر بنفسه فوقع فيها إنسان ولو كان كذلك وجب الضمان عليه كذا هذا وإن لم يكن ذلك في فنائه فإن أعلم المستأجر الأجير أن ذلك ليس من فنائه فالضمان على الأجير لا على الآمر لأن الأجير لم يحفر بأمره فبقي فعله مقصورا عليه كأنه ابتدأ الحفر من نفسه من غير أمر فوقع فيها إنسان وإن لم يعلمه فالضمان على الآمر لأنه غره بالأمر بحفر البئر في الطريق مطلقا إنما يأمر بما يملكه مطلقا عادة فيلزمه ضمان الغرور وهو ضمان الكفالة في الحقيقة كأنه ضمن له ما يلزمه من الحفر بمنزلة ضمان الدرك ولو أمر عبده أن يحفر بئرا في الطريق فحفر فوقع فيها إنسان فإن كان الحفر في فنائه فالضمان على عاقلة المولى لأنه يملك الأمر بالحفر في هذا المكان فينتقل فعله إلى المولى كأنه حفر بنفسه وإن كان في غير فنائه فالضمان في رقبة العبد يخاطب المولى بالدفع أو الفداء لأن الآمر بالحفر لا ينصرف إلى غير فنائه فصار مبتدئا في الحفر بنفسه سواء أعلم العبد أنه ليس من فنائه أو لم يعلمه بخلاف الأجير لأن وجوب الضمان على الآمر هناك بمعنى الغرور على ما بينا ولا يتحقق الغرور فيما بين العبد وبين مولاه فيستوي فيه العلم والجهل وإن كان الحفر في الملك فإن كان في ملك غيره بأن حفر بئرا في دار إنسان بغير إذنه فوقع فيها إنسان يضمن الحافر لأنه متعد في التسبيب ولو قال صاحب الدار أنا أمرته بالحفر وأنكر أولياء الميت فالقياس أن لا يصدق صاحب الدار والقول قول الورثة وفي الاستحسان يصدق والقول قول الحافر وجه القياس أن الحفر وقع موجبا للضمان ظاهرا لأنه صادف ملك الغير وأنه محظور فكان متعديا في الحفر من حيث الظاهر فصاحب الدار بالتصديق يريد إبراء الجاني عن الضمان فلا يصدق وجه الاستحسان أن قول صاحب الدار أمرته بذلك إقرار منه بما يملك إنشاءه للحال وهو الأمر بالحفر فيصدق وإن كان في ملك نفسه لا ضمان عليه لأن الحفر مباح مطلق له فلم يكن متعديا في التسبيب وإن كان في فعله ( ( ( فنائه ) ) ) يضمن لأن الانتفاع به مباح بشرط السلامة كالسير في الطريق
ولو استأجر أربعة يحفرون له بئرا فوقعت عليهم من حفرهم فمات أحدهم فعلى كل واحد من الثلاثة ربع الدية وهدر الربع لأنه مات من أربع جنايات إلا أن جناية المرء على نفسه هدر فبطل الربع وبقي جنايات أصحابه عليه فتعتبر ويجب عليهم ثلاثة ( ( ( ثلاث ) ) ) أرباع الدية على كل واحد منهم الربع وقد روى الشعبي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قضى على القارصة والقامصة والواقصة بالدية أثلاثا وهن ثلاث جواري ( ( ( جوار ) ) ) ركبت إحداهن الأخرى فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فقضى للتي وقصت بثلثي الدية على صاحبتها وأسقط الثلث لأن الواقصة أعانت على نفسها وروي أن عشرة مدوا نخلة فسقطت على أحدهم فمات فقضى سيدنا علي رضي الله عنه على كل واحد منهم بعشر وأسقط العشر لأن المقتول أعان على نفسه ولو استأجر أجراء حرا وعبدا محجورا ومكاتبا يحفرون له بئرا فوقعت البئر عليهم من حفرهم فماتوا فلا ضمان على المستأجر في الحر ولا في المكاتب ويضمن قيمة العبد المحجور لمولاه أما الحر والمكاتب فلأنه لم يوجد فيهما من المستأجر سبب وجوب الضمان لأن استئجارهما وقع صحيحا فكان استعماله إياهما في الحفر بناء على عقد صحيح فلا يكون سببا لوجوب الضمان ووقوع البئر عليهما حصل من غير صنعه فلا يجب الضمان عليه وأما العبد فلأن استئجاره لم يصح فصار المستأجر باستعماله في الحفر غاصبا إياه فدخل في ضمانه فإذا هلك فقد تقرر الضمان فعليه قيمته لمولاه ثم إذا دفع قيمته إلى المولى فالمولى بدفع ( ( ( يدفع ) ) ) القيمة إلى ورثة الحر والمكاتب فيتضاربون فيها فيضرب ورثة الحر بثلث دية الحر وورثة المكاتب بثلث قيمة المكاتب وإنما كان كذلك لأن موت كل واحد منهم حصل بثلاث جنايات بجناية نفسه وجناية صاحبيه فصار قدر الثلث من الحر والمكاتب تالفا بجناية العبد وجناية القن توجب الدفع ولو كان قنا لوجب دفعه إلى ورثة الحر والمكاتب يتضاربون في رقبته على قدر حقوقهم فإذا هلك وجب دفع القيمة إليهم يتضاربون فيها أيضا فيضرب ورثة الحر فيها بثلث دية الحر وورثة المكاتب بثلث قيمة المكاتب لأن الحر مضمون بالدية والمكاتب مضمون بالقيمة ثم يرجع المولى على المستأجر بقيمة العبد مرة أخرى ويسلم له تلك القيمة لأنه وإن رد المغصوب إلى المغصوب منه يرد ( ( ( برد ) ) ) قيمته إليه لكنه رده مشغولا وقد كان غصبه فارغا فلم يصح رده في حق الشغل فيضمن القيمة مرة أخرى وللمستأجر أن يرجع على عاقلة الحر بثلث قيمة العبد لأن ملك العبد بالضمان من وقت الغصب فتبين أن الجناية حصلت من الحر على ثلث عبد المستأجر فيضمن ثلث قيمته فتؤخذ من عاقلته ويأخذ ورثة المكاتب أيضا من عاقلة الحر ثلث قيمة المكاتب لوجود الجناية من الحر على ثلث قيمته فيضمن ثلث قيمته فتؤخذ من عاقلته ثم يؤخذ من تركة المكاتب مقدار قيمته فتكون بين ورثة الحر وبين المستأجر لوجود الجناية منه على الحر وعلى العبد يضرب ورثة الحر بثلث دية الحر ويضرب المستأجر بثلث قيمة العبد لأنه جنى على ثلث الحر وعلى ثلث العبد فأتلف من كل واحد منهما ثلثه والحر مضمون بالدية والعبد بالقيمة وقد ملك المستأجر العبد بالضمان فكان ضمان الواردة على ملكه والله سبحانه وتعالى أعلم وقالوا فيمن حفر بئرا في سوق العامة لمصلحة المسلمين فوقع فيها إنسان ومات أنه إن كان الحفر بإذن السلطان لا يضمن وإن كان بغير إذنه يضمن وكذلك إذا اتخذ قنطرة للعامة وروي عن أبي يوسف أنه لا يضمن ووجهه أن ما كان من مصالح المسلمين كان الإذن به ثابتا دلالة والثابت دلالة نص ( ( ( كالثابت ) ) ) وجه ظاهر الرواية أن ما يرجع إلى مصالح عامة المسلمين كان حقا لهم والتدبير في أمر العامة إلى الإمام فكان الحفر فيه بغير إذن الإمام كالحفر في دار إنسان بغير إذن صاحب الدار
هذا الذي ذكرنا حكم الحافر في الطريق وكذلك من كان في معنى الحافر ممن يحدث شيئا في الطريق كمن أخرج جناحا إلى طريق المسلمين أو نصب فيه ميزابا فصدم إنسانا فمات أو بنى دكانا أو وضع حجرا أو خشبة أو متاعا أو قعد في الطريق ليستريح فعثر بشيء من ذلك عاثر فوقع فمات أو وقع على غيره فقتله أو حدث به أو بغيره من ذلك العثرة والسقوط جناية من قتل أو غيره أو صب ماء في الطريق فزلق به إنسان فهو في ذلك كله ضامن وكذلك ما عطب بذلك من الدواب لأنه سبب التلف بإحداث هذه الأشياء وهو متعد في التسبيب فما تولد منه يكون مضمونا عليه كالمتولد من الرمي ثم ما كان من الجناية في بني آدم تتحملها العاقلة إذا بلغت القدر الذي تتحمل العاقلة وهو نصف عشر دية الرجل وما لم يبلغ ذلك القدر أو كان منها في غير بني آدم يكون في ماله لأن تحميل العاقلة ثبت بخلاف القياس لعدم الجناية منهم وقد قال الله تبارك وتعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى عرفناه بنص خاص في بني آدم بهذا القدر فبقي الأمر فيما دونه وفي غير بني آدم على الأصل ولا كفارة عليه ولا يحرم الميراث لو كان وارثا للمجني عليه ولا الوصية لو كان أجنبيا لأنه لم يباشر القتل وقد قالوا فيمن وضع كناسة في الطريق فعطب بها إنسان أنه يضمن لأن التلف حصل بوضعه وهو في الوضع متعد ( ( ( معتد ) ) ) وقال محمد إن وضع ذلك في طريق غير نافذة وهو من أهله لم يضمن لعدم التعدي منه إذ الطريق مشترك بين أهل السكة فيكون لكل واحد من أهلها الانتفاع به كالدار المشتركة ولو سقط الميزاب الذي نصبه صاحب الدار إلى طريق المسلمين على إنسان فقتله إن أصابه الطرف الداخل في الحائط لم يضمن لأنه في ذلك القدر متصرف في ملك نفسه فلم يكن متعديا فيه وإن أصابه الطرف الخارج إلى الطريق يضمن لأنه متعد في إخراجه إلى الطريق وإن أصابه الطرفان جميعا يضمن النصف لأنه متعد في النصف لا غير وإن كان لا يدري فالقياس أن لا يضمن شيئا لأنه إن كان أصابه الطرف الداخل لا يضمن وإن كان أصابه الطرف الخارج يضمن والضمان لم يكن واجبا فوقع الشك في وجوبه فلا يجب الشك ( ( ( بالشك ) ) ) وفي الاستحسان يضمن النصف لأنه إذا لم يعرف الطرف الذي أصابه أنه الداخل أو الخارج يجعل كأنه أصابه الطرفان جميعا كما في الغرقى والحرقى أنه إذا لم يعرف التقدم والتأخر في موتهم يجعل كأنهم ماتوا جملة واحدة في أوان واحد حتى لا يرث البعض من البعض كذا هذا ولو أحدث شيئا مما ذكرنا في المسجد بأن حفر بئرا في المسجد لأجل الماء أو بنى فيه بناء دكانا أو غيره فعطب به إنسان فإن كان الحافر والباني من أهل المسجد فلا ضمان عليه وإن كان من غير أهله فإن فعل بإذن أهل المسجد فكذلك وإن فعل بغير إذنهم يضمن بالإجماع لأن تدبير مصالح المسجد إلى أهل المسجد فما فعلوه لا يكون مضمونا عليهم كالأب أو الوصي إذا فعل شيئا من ذلك في دار اليتيم ومتولي الوقف إذا فعل في الوقف وأما غير أهل المسجد فليس له ولاية التصرف في المسجد بغير إذن أهل المسجد فإذا فعل بغير إذنهم كان متعديا فكان مضمونا عليه ولو علق قنديلا أو بسط حصيرا أو ألقى فيه الحصى فإن كان من أهل المسجد فلا ضمان عليه وإن لم يكن من أهل ذلك المسجد فإن فعله بإذن أهل المسجد فكذلك وإن فعل بغير إذنهم يضمن في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وفي قولهما لا يضمن
وجه قولهما أن المسجد لعامة المسلمين فكان كل واحد من آحاد المسلمين بسبيل من إقامة مصالحه ولأن هذه المصالح من عمارة المسجد وقد قال الله تبارك وتعالى إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله من غير تخصيص إلا أن لأهل المسجد ضرب اختصاص به فيظهر ذلك في التصرف في نفسه بالحفر والبناء لا في القنديل والحصير كالمالك مع المستعير أن للمستعير ولاية بسط الحصير وتعليق القنديل في دار الإعارة وليس له ولاية الحفر والبناء كذا هذا ولأبي حنيفة رحمه الله ما ذكرنا أن التدبير في مصالح المسجد إلى أهل المسجد لا إلى غيرهم بدليل أن لهم ولاية منع غيرهم عن التعليق والبسط وعمارة المسجد فكان الغير متعديا في فعله فالمتولد منه يكون مضمونا عليه كما لو وضع شيئا في دار غيره يغير ( ( ( بغير ) ) ) إذنه فعطب به إنسان ولهذا ضمن بالحفر والبناء كذا هذا وكون المسجد لعامة المسلمين لا يمنع اختصاص أهله بالتدبير والنظر في مصالحه كالكعبة فإنها لجميع المسلمين ثم اختص بنو شيبة بمفاتحها حتى روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أخذ مفتاح ( ( ( مفاتح ) ) ) الكعبة منهم ودفعه إلى عمه العباس رضي الله عنه عند طلبه ذلك أمره الله تبارك وتعالى برده إلى بني شيبة بقوله تبارك وتعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولو جلس في المسجد فعطب به إنسان إن كان في الصلاة لا يضمن الجالس سواء كان الجالس من أهل المسجد أو لم يكن من أهله لأن المسجد بني للصلاة فلو أخذ المصلي بالضمان لصار الناس ممنوعين عن الصلاة في المساجد وهذا لا يجوز وإن جلس لحديث أو نوم فعطب به إنسان يضمن في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفي قولهما لا يضمن وجه قولهما أن الجلوس في المسجد لغير الصلاة من الحديث والنوم مباح فلم يكن الهلاك حاصلا بسبب هو متعد فيه فلا يجب الضمان كما لو جلس في داره فعبر عليه إنسان فعطب به أنه لا يضمن كذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن المسجد بني للصلاة لا للحديث والنوم فإذا شغله بذلك صار متعديا فيضمن كما لو جلس في الطريق للاستراحة فعطب به إنسان أنه يضمن لأن الطريق جعل للاجتياز لا للجلوس وإذا جلس فقد صار متعديا فيضمن كذا هذا وقولهما الحديث والنوم مباح في المسجد مسلم لكن بشرط سلامة العاقبة ولم يوجد الشرط فكان تعديا ولو جلس لانتظار الصلاة أو لقراءة قرآن أو لعبادة من العبادات غير الصلاة فلا شك أن على أصلهما لا يضمن لأنه لو جلس لغير قربة لا يضمن فإذا جلس لقربة فهو أولى وأما على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يضمن لأن المنتظر للصلاة في الصلاة على لسان رسول الله وقال بعضهم يضمن لأنه ليس في الصلاة حقيقة وإنما ألحق بالمصلي في حق الثواب لا غير والله تعالى أعلم ومن هذا الجنس جناية السائق والقائد بأن ساق دابة في طريق المسلمين أو قادها فوطئت إنسانا بيدها ( ( ( بيديها ) ) ) أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت فهو ضامن لما ذكرنا من الأصل أن السوق والقود في الطريق مباح بشرط سلامة العاقبة فإذا حصل التلف بسببه ولم يوجد الشرط فوقع تعديا فالمتولد منه فيما يمكن التحرز عنه يكون مضمونا وهذا مما يمكن الاحتراز عنه بأن يذود الناس عن الطريق فيكون مضمونا وسواء كان السائق أو القائد راجلا أو راكبا إلا أنه إذا كان راكبا فعليه الكفارة إذا وطئت دابته إنسانا بيدها ( ( ( بيديها ) ) ) أو برجلها ويحرم الميراث والوصية وإن كان راجلا لا كفارة عليه ولا يحرم الميراث والوصية لأن هذه الأحكام يتعلق ثبوتها بمباشرة القتل لا بالتسبيب والمباشرة من الراكب لا من غيره وإن كان أحدهما سائقا والآخر قائدا فالضمان عليهما لأنهما اشتركا في التسبيب فيشتركان في الضمان
وكذلك إذا كان أحدهما سائقا والآخر راكبا أو كان أحدهما قائدا والآخر راكبا فالضمان عليهما لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما إلا أن الكفارة تجب على الراكب وحده فيما وطئت دابته إنسانا فقتلته لوجود القتل منه وحده مباشرة فإن قاد قطارا فما أصاب الأول أو الآخر أو الأوسط إنسانا بيد أو رجل أو صدم إنسانا فقتله فهو ضامن لذلك لأنه فعل فعلا هو سبب حصول التلف فيضمن وهو مما يمكن الاحتراز عنه كما إذا وضع حجرا في الطريق أو حفر فيه بئرا فإن كان معه سائق في آخر القطار فالضمان عليهما لأن كل واحد منهما سبب التلف وإن كان السائق في وسط القطار فما أصاب مما خلف هذا السائق وما بين يديه شيئا فهو عليهما لأن ما بين يديه هو له سائق والأول له قائد وما خلفه هما له قائدان أما قائد القطار فلا شك فيه لأن بعضه مربوط ببعض وأما السائق الذي في وسط القطار فلأنه يسوقه ( ( ( بسوقه ) ) ) ما بين يديه قائد لما خلفه لأن ما خلفه ينقاد بسوقه فكان قائدا له والقود والسوق كل واحد منهما سبب لوجوب الضمان لما بينا وإن كان أحيانا في وسط القطار وأحيانا يتأخر وأحيانا يتقدم وهو يسوقها في ذلك فهو والأول سواء لأنه سائق وقائد والسوق والقود كل واحد منهما سبب لوجوب الضمان وإن كانوا ثلاثة أحدهم في مقدمة القطار والآخر في مؤخر ( ( ( مؤخرة ) ) ) القطار وآخر في وسطه فإن كان الذي في الوسط والمؤخر لا يسوقان ولكن المقدم يقود فما أصاب الذي قدام الوسط شيئا فذلك كله على القائد لأن التلف حصل بسبب القود وما أصاب الذي خلفه فذلك على القائد الأول وعلى الذي في الوسط لأنهما قائدان لما بينا وعلى المؤخر أيضا إن كان يسوق هو وإن كان لا يسوق لا شيء عليه لأنه لم يوجد منه صنع وإن كانوا جميعا يسوقون فما تلف بذلك فضمانه عليهم جميعا لوجود التسبيب منهم جميعا وذكر محمد في الكيسانيات لو أن رجلا يقود قطارا وآخر من خلف القطار يسوقه يزجر الإبل فينزجرن بسوقه وعلى الإبل قوم في المحامل نيام فوطىء ( ( ( فوطئ ) ) ) بعير منها إنسانا فقتله فالدية على عاقلة القائد والسائق والراكب على البعير الذي وطىء وعلى الراكبين على الذين قدام البعير الذي وطىء على عواقلهم جميعا على عدد الرؤوس والكفارة على راكب البعير الذي وطىء خاصة أما السائق والقائد فلأنهما مقربان القطار إلى الجناية فكانا مسببين للتلف وأما الراكب للبعير الذي وطىء فلا شك فيه لأن التلف حصل بفعله وأما الراكبون أمام البعير الذي وطىء فلأنهم قادة لجميع ما خلفهم فكانوا قائدين للبعير الواطىء ضرورة فكانوا مسببين للتلف أيضا فاشتركوا في سبب وجوب الضمان فانقسم الضمان عليهم وإنما كانت الكفارة على راكب البعير الذي وطىء خاصة لأنه قاتل بالمباشرة لحصول التلف بثقله وثقل الدابة إلا أن الدابة آلة له فكان الأثر الحاصل بفعله مضافا إليه فكان قاتلا بالمباشرة ومن كان من الركبان خلف البعير الذي وطىء لا يزجر الإبل ولا يسوقها راكبا على بعير منها أو غير راكب فلا ضمان على أحد منهم لأنه لم يوجد منهم سبب وجوب الضمان إذ لم يسوقوا ( ( ( يسرقوا ) ) ) البعير الذي وطىء ولم يقودوه فصاروا كمتاع ( ( ( كالمتاع ) ) ) على الإبل ولو قاد قطارا أو ( ( ( وعلى ) ) ) على بعير في وسط القطار راكب لا يسوق منه شيئا فضمان ما كان بين يديه على القائد خاصة وضمان ما خلفه عليهما جميعا لأن الراكب غير سائق لما بين يديه لأن ركوبه لهذا البعير لا يكون سوقا لما بين يديه كما أن مشيه إلى جانب البعير لا يكون سوقا إياه إذا لم يسقه ولكنه سائق لما ركبه لأن البعير إنما يسير بركوب الراكب وحثه وإذا كان سائقا له كان قائدا لما خلفه فكان ضمانه عليهما
وإذا كان الرجل يقود قطارا فجاء رجل وربط إليه بعيرا فوطىء ( ( ( فوطئ ) ) ) البعير إنسانا فالقائد لا يخلو إما أن كان لا يعلم بربطه وإما أن علم ذلك فإن لم يعلم فالدية على القائد تتحمل عنه عاقلته ثم عاقلته يرجعون على عاقلة الرابط أما وجوب الدية على القائد فلأنه قاتل تسبيبا وضمان القتل ضمان إتلاف وأنه لا يختلف بالعلم والجهل وأما رجوع عاقلة القائد على عاقلة الرابط فلأن الرابط متعد في الربط وهو السبب في لزوم الضمان للقائد فكان الرجوع عليه وكذلك لو كانت الإبل وقوفا لا تقاد فجاء رجل وربط إليها بعيرا والقائد لا يعلم فقاد البعير معها فوطىء ( ( ( فوطئ ) ) ) البعير إنسانا فقتله فالدية على القائد يتحمل عنه عاقلته إلا أن ههنا لا ترجع عاقلة القائد على عاقلة الرابط لأن الرابط وإن تعدى في الربط وإنه سبب لوجوب الضمان لكن القائد لما قاد البعير عن ذلك المكان فقد أزال تعديه فيزول الضمان عنه ويتعلق بالقائد كمن وضع حجرا في الطريق فجاء إنسان فدحرجه عن ذلك المكان ثم عطب به إنسان فالضمان على الثاني لا على الأول لما قلنا كذا هذا بخلاف المسألة الأولى لأن هناك وجد الربط والإبل سائرة فلم يستقر مكان التعدي ليزول بالانتقال عنه فبقي التعدي ببقاء الربط وإن كان القائد علم بالربط في المسألتين جميعا فقاده على ذلك فوطىء ( ( ( فوطئ ) ) ) البعير إنسانا فقتله فالدية على القائد تتحمل عنه عاقلته ولا ترجع عاقلته على عاقلة الرابط لأنه لما قاد مع علمه بالربط فقد رضي بما يلحقه ( ( ( لحقه ) ) ) من العهدة في ذلك فصار علمه بالربط بمنزلة أمره بالربط ولو ربط بأمره كان الأمر على ما وصفنا كذا هذا ولو سقط سرج دابة فعطب به إنسان فالدية على السائق أو القائد لأن السقوط لا يكون إلا بتقصير منه في شد الحزام فكان مسببا للقتل متعديا في التسبيب والله سبحانه وتعالى أعلم ومن هذا النوع جناية الناخس والضارب وجملة الكلام فيه أن الدابة المنخوسة أو المضروبة إما أن يكون عليها راكب وإما أن لا يكون عليها راكب فإن كان عليها راكب فالراكب لا يخلو إما أن كان سائرا وإما أن كان واقفا والسير والوقوف إما أن يكون في موضع أذن له بذلك وإما أن يكون في موضع لم يؤذن له به والناخس أو الضارب لا يخلو من أن يكون نخس أو ضرب بغير أمر الراكب أو بأمره فإن فعل ذلك بغير أمر الراكب فنفحت الدابة برجلها أو ذنبها أو نفرت فصدمت إنسانا فقتلته فإن فعلت شيئا من ذلك على فور النخسة والضربة فالضمان على الناخس والضارب يتحمل عنهما عاقلتهما لا على الراكب سواء كان الراكب واقفا أو سائرا وسواء كان في سيره أو وقوفه فيما أذن له بالسير فيه والوقوف أو فيما لم يؤذن بأن كان يسير في ملكه أو في طريق المسلمين أو في ملك الغير أو كان يقف في ملكه أو في سوق الخيل ونحوه أو في طريق المسلمين وإنما كان كذلك لأن الموت حصل بسبب النخس أو الضرب وهو متعد في السبب فيضمن ما تولد منه كما لو دفع الدابة على غيره والراكب الواقف على طريق العامة وإن كان متعديا أيضا لكنه ليس بمتعد في التعدي والناخس متعد في التعدي وكذا الضارب فأشبه الدافع مع الحافر وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه ضمن الناخس دون الراكب وكذا روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه فعل هكذا وكان ذلك منهما بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم يعرف الإنكار من أحد فيكون إجماعا من الصحابة وإنما شرط الفور لوجوب الضمان على الناخس والضارب لأن الهلاك عند سكون الفور يكون مضافا إلى الدابة لا إلى الناخس والضارب ولو نخسها أو ضربها وهو سائر عليها فوطئت إنسانا فقتلته لم يذكر هذا في ظاهر الرواية
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أن الضمان عليهما لأن الموت حصل بثقل الراكب وفعل الناخس وكل واحد منهما سبب لوجوب الضمان فقد اشتركا في سبب وجوب الضمان وكذلك إذا كان واقفا عليها لما قلنا وتجب الكفارة على الراكب لوجود القتل منه مباشرة كما قلنا في الراكب مع السائق أو القائد ولو نخسها أو ضربها فوثبت وألقت الراكب فالناخس أو الضارب ضامن لحصول التلف بسبب هو متعد فيه وهو النخس والضرب فيضمن ما تولد منه فإن لم تلقه ولكنها جمحت به فما أصابت في فورها ذلك فعلى الناخس أو الضارب لما ذكرنا أن فعل كل واحد منهما وقع سببا للهلاك وهو متعد في التسبيب فإن نفحت الدابة الناخس أو الضارب فقتلته فدمه هدر لأنه هلك من جناية نفسه وجناية الإنسان على نفسه هدر هذا إذا نخس أو ضرب بغير أمر الراكب فأما إذا فعل ذلك بأمر الراكب فإن كان الراكب سائرا فيما أذن له بالسير فيه بأن كان يسير في ملك نفسه أو في طريق المسلمين أو واقفا فيما أذن له بالوقوف بأن وقف في ملك نفسه أو في سوق الخيل وغيره من المواضع التي أذن بالوقوف فيها فنفحت الدابة برجلها إنسانا فقتلته فلا ضمان على الناخس ولا على الضارب ولا على الراكب لأنه أمره بما يملكه بنفسه فصح أمره به فصار كأنه نخس أو ضرب بنفسه فنفحت وقد ذكرنا أن النفحة في حال السير والوقوف في موضع إذن بالسير أو الوقوف فيه غير مضمون على أحد لا على الراكب ولا على السائق ولا على القائد وإن كان الراكب سائرا فيما لم يؤذن له بالسير بأن كان يسير في ملك الغير أو كان واقفا فيما لم يؤذن له بالوقوف فيه كما إذا كان واقفا في ملك غيره أو في طريق المسلمين فنفحت فالدية عليهما نصفان نصف على الناخس أو الضارب ونصف على الراكب ولا كفارة عليهما كذا ذكر في ظاهر الرواية وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله أن الضمان على الراكب ووجهه أن الناخس أو الضارب نخس أو ضرب لها بإذن الراكب وهو راكب وهو يملك ذلك بنفسه فانتقل فعله إليه فكان فعله بنفسه فكان الضمان عليه وجه ظاهر الرواية أن الناخس أو الضارب مع الراكب اشتركا في سبب وجوب الضمان أما الناخس أو الضارب فلا يشكل لوجود سبب القتل من كل واحد منهما على سبيل التعدي وأما الراكب فلأنه صار بالأمر بالنخس أو الضرب ناخسا أو ضاربا والنفحة المتولدة من نخسه وضربه في هذه المواضع مضمونة عليه إلا أنه لا كفارة عليهما لحصول القتل بالتسبيب لا بالمباشرة هذا إذا نفحت فأما إذا صدمت فإن كان الراكب سائرا أو واقفا في ملك نفسه فلا ضمان على الناخس والضارب ولا على الراكب لأن فعل النخس والضرب مضاف إلى الراكب لحصوله بأمره والصدمة في الملك غير مضمونة على الراكب سواء كان سائرا أو واقفا وإن كان سيره أو وقوفه في طريق المسلمين أو في ملك الغير فينبغي أن يكون على الاختلاف الذي ذكرنا في النفحة إذا كان الراكب واقفا في موضع لم يؤذن بالوقوف فيه لأن الصدمة مضمونة على الراكب إذا كان في طريق المسلمين واقفا كان أو سائرا وكذا في ملك الغير فيتأتى ( ( ( فيأتي ) ) ) فيه الخلاف الذي ذكرنا في النفحة والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا نفحت أو صدمت فأما إذا وطئت إنسانا فقتلته فالضمان عليهما سواء كان الراكب سائرا أو واقفا في أي موضع كان فيما أذن فيه أو لم يؤذن لأنهما اشتركا في سبب القتل لحصول الموت بثقل الراكب والدابة وفعل الناخس وتجب الكفارة على الراكب لأنه قاتل مباشرة فصار الراكب مع الناخس كالراكب مع السائق والقائد أن الدية عليهما نصفان والكفارة على الراكب خاصة كذا ههنا هذا الذي ذكرنا إذا كان على الدابة المنخوسة أو المضروبة راكب فأما إذا لم يكن عليها راكب
فإن لم يكن لا سائق ولا قائد فنخسها إنسان أو ضربها فما أصابت شيئا على فور النخسة والضربة فضمانه على الناخس والضارب في أي موضع كانت الدابة لأنه سبب الإتلاف بالنخس والضرب وهو متعد في التسبيب فما تولد منه يكون مضمونا عليه وإن كان عليها سائق أو قائد فنخس أو ضرب بغير أمره فنفحت أو نفرت فصدمت أو وطئت إنسانا فقتلته فالضمان على الناخس أو الضارب لا على السائق والقائد في أي موضع كان الناخس والقائد لأن الناخس مع السائق والقائد كالدافع مع الحافر لأنه بالنخس أو الضرب كأنه دفع الدابة على غيره وكذلك إذا كان لها سائق وقائد يقود أحدهما ويسوق الآخر فنخس أو ضرب بغير إذن واحد منهما فالضمان على الناخس والضارب لا عليهما في أي موضع كان الناخس والقائد لما ذكرنا أن الناخس متعمد كالدافع للدابة وكذا الضارب ولا تعمد من السائق والقائد وإن كان كل واحد منهما أمره بذلك فنفحت فإن كان سوقه أو قوده فيما أذن له بالسوق والقود فيه فلا ضمان على الناخس والضارب وإن فعل ذلك بأمر السائق أو القائد فإن كان يسوق أو يقود فيما أذن له بالسوق والقود فيه بأن كان في ملكه أو في طريق المسلمين لا ضمان على أحد لأن فعله يضاف إليه كالسائق أو القائد وإن كان يسوق أو يقود فيما أذن له بذلك بأن كان في ملك الغير فعلى قياس ما ذكرنا في ظاهر الرواية الضمان على الناخس والضارب وعلى السائق أو القائد ولا كفارة عليهما وعلى قياس ما ذكره ابن رستم عن أبي يوسف الضمان على السائق أو القائد خاصة وإن صدمت فقتلت إنسانا فإن كان السائق يسوق في ملك نفسه فلا ضمان على أحد لأن فعل الناخس أو الضارب بأمر السائق أو القائد مضاف إليه والصدمة في الملك غير مضمونة على السائق والقائد والراكب وإن كان يسوق أو يقود في طريق المسلمين أو في ملك الغير فهو على الاختلاف وإن وطئت إنسانا فقتلته فهو على الاختلاف أيضا سواء كان سوقه أو قوده فيما أذن له بالسوق أو القود فيه أو لم يكن لأن الوطأة مضمونة على كل حال والله تعالى أعلم وإن وطئت تجب القيمة بلا خلاف لكن في قياس ظاهر الرواية على الناخس والضارب وعلى السائق والقائد نصفان وعلى قياس رواية ابن سماعة عن أبي يوسف على السائق والقائد خاصة والله تعالى أعلم بالصواب ومن هذا القبيل جناية الحائط المائل إذا سقط على رجل فقتله أو على متاع فأفسده أو على دار فهدمها أو على حيوان فعطب به وجملة الكلام فيه أن الحائط لا يخلو إما أن بني مستويا مستقيما ثم مال وإما أن بني مائلا من الأصل فإن بنى مستقيما ثم مال فميلانه لا يخلو إما أن يكون إلى الطريق وإما أن يكون إلى ملك إنسان فإن كان إلى الطريق لا يخلو من أن يكون نافذا وهو طريق العامة أو غير نافذ وهو السكة التي ليست بنافذة فإن كان نافذا فسقط فعطب به شيء مما ذكرنا يجب الضمان على صاحب الحائط إذا وجد شرائط وجوبه فيقع الكلام في سبب وجوب الضمان وفي بيان شرائط الوجوب وفي بيان ماهية الضمان الواجب وكيفيته أما الأول فسبب وجوب الضمان هو التعدي بالتسبيب إلى الإتلاف بترك النقض المستحق مع القدرة على النقض لأنه إذا مال إلى طريق العامة فقد حصل الهواء في يد صاحب الحائط من غير فعله وهو الطريق حق العامة كنفس الطريق فقد حصل حق الغير في يده بغير صنعه فإذا طولب بالنقض فقد لزمه إزالة يده عنه بهدم الحائط فإذا لم يفعل مع الإمكان فقد صار متعديا باستبقاء يده عليه كثوب هبت به الريح فألقته في دار إنسان فطولب به فامتنع من الرد مع إمكان الرد حتى هلك يضمن لما قلنا كذا هذا