Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V02/P221–V02/P222

وروى الحسن عن أبي حنيفة إن أحجوا عنه من بلده ماشيا جاز وإن أحجوا من حيث يبلغ راكبا جاز وأصل هذه المسألة أن الموصي بالحج إذا اتسعت نفقته للركوب فأحجوا عنه ماشيا لم يجز لأن المفروض هو الحج راكبا فإطلاق الوصية ينصرف إلى ذلك كأنه أوصاه بذلك وقال أحجوا عني راكبا ولو كان كذلك لا يجوز ماشيا كذا هذا وجه رواية الحسن أن فرض الحج له تعلق بالركوب وله تعلق ببلده ولا يمكن مراعاتهما جميعا وفي كل واحد منهما كمال من وجه ونقصان من وجه فيجوز أيهما كان وإن كان ثلث ماله لا يبلغ أن يحج عنه من بلده فحج عنه من موضع يبلغ وفضل من الثلث وتبين أنه كان يبلغ من موضع أبعد منه يضمنه الوصي ويحج عن الميت من حيث يبلغ لأنه تبين أنه خالف إلا إذا كان الفاضل شيئا يسيرا من زاد أو كسوة فلا يكون مخالفا ولا ضامنا ويرد الفضل إلى الورثة لأن ذلك ملكهم وإن كان للموصي وطنان فأوصى أن يحج عنه من أقرب الوطنين لأن الأقرب دخل في الوصية بيقين وفي دخول الأبعد شك فيؤخذ باليقين وفيما ذكرنا من المسائل التي وجب الحج من بلده إذا أحج الوصي من غير بلده يكون ضامنا ويكون الحج له ويحج عن الميت ثانيا لأنه خالف إلا إذا كان المكان الذي أحج عنه قريبا إلى وطنه بحيث يبلغ إليه ويرجع إلى الوطن قبل الليل فحينئذ لا يكون مخالفا ولا ضامنا ويكون كاختلاف المحل ولو مات في محلة فأحجوا عنه من محلة أخرى جاز كذا هذا فإن قال الموصي أحجوا عني بثلث مالي وثلث ماله يبلغ حججا حج عنه حججا كذا روى القدوري في شرحه مختصر الكرخي وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إذا أوصى أن يحج عنه بثلث ماله وثلث ماله يبلغ حججا يحج عنه حجة واحدة من وطنه وهي حجة الإسلام إلا إذا أوصى أن يحج عنه بجميع الثلث فيحج عنه حججا بجميع الثلث وما ذكره القاضي أثبت لأن الوصية بالثلث وبجميع الثلث واحد لأن الثلث اسم لجميع هذا السهم ثم الوصي بالخيار إن شاء أحج عنه الحجج في سنة واحدة وإن شاء أحج عنه في كل سنة واحدة والأفضل أن يكون في سنة واحدة لأن فيه تعجيل تنفيذ الوصية والتعجيل في هذا أفضل من التأخير وإن أوصى أن يحج عنه من موضع كذا من غير بلده يحج عنه من ثلث ماله من ذلك الموضع الذي بين قرب من مكة أو بعد عنها لأن الإحجاج لا يجوز إلا بأمره فيتقدر بقدر أمره وما فضل في يد الحاج عن الميت بعد النفقة في ذهابه ورجوعه فإنه يرده على الورثة لا يسعه أن يأخذ شيئا مما فضل لأن النفقة لا تصير ملكا للحاج بالإحجاج وإنما ينفق قدر ما يحتاج إليه في ذهابه وإيابه على حكم ملك الميت لأنه لو ملك إنما يملك بالاستئجار والاستئجار على الطاعات لا يجوز عندنا فكان الفاضل ملك الورثة فيجب عليه رده إليهم ولو قاسم الورثة وعزل قدر نفقة الحج ودفع بقية التركة إلى الورثة فهلك المعزول في يد الموصي ( ( ( الوصي ) ) ) أو في يد الحاج قبل الحج بطلت القسمة في قول أبي حنيفة وهلك ذلك القدر من الجملة ولا تبطل الوصية ويحج له من ثلث المال الباقي حتى يحصل الحج أو ينوي المال في قول أبي حنيفة وجعل أبو حنيفة الحج بمنزلة الموصى له الغائب وقسمة الوصي مع الورثة على الموصي له الغائب لا يجوز حتى لو قاسم مع الورثة وعزل نصيب الموصي له ثم هلك في يده قبل أن يصل إلى الموصى له الغائب يهلك من الجملة ويأخذ الموصي له ثلث الباقي كذلك الحج وعند أبي يوسف إن بقي من ثلث ماله شيء يحج عنه مما بقي من ثلثه من حيث يبلغ وأنه لم يبق من ثلثه شيء بطلت الوصية

Section V02/P222–V02/P223

وقال محمد قسمة الوصية جائزة وتبطل الوصية بهلاك المعزول سواء بقي من المعزول شيء أو لم يبق شيء فإن لم يهلك ذلك المال ولكن مات المجهز في بعض طريق مكة فما أنفق المجاهز ( ( ( المجهز ) ) ) إلى وقت الموت نفقة مثله فلا ضمان عليه لأنه لم ينفق على الخلاف بل على الوفاق وما بقي في يد المجهز القياس أن يضم إلى مال الموصي فيعزل ثلث ماله ويحج عنه من وطنه وهو قول أبي حنيفة وفي الاستحسان يحج بالباقي من حيث تبلغ وهو قولهما فصل ثم الحج كما هو واجب بإيجاب الله تعالى ابتداء على من استجمع شرائط الوجوب وهو حجة الإسلام فقد يجب بإيجاب الله تعالى لكن بناؤه على وجود سبب الوجوب من العبد وهو النذر بأن يقول لله علي حجة لأن النذر من أسباب الوجوب في العبادات والقرب المقصودة قال النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه وكذا لو قال علي حجة فهذا وقوله لله علي حجة سواء لأن الحج لا يكون إلا لله تعالى وسواء كان النذر مطلقا أو معلقا بشرط بأن قال إن فعلت كذا فلله علي أن أحج حتى يلزمه الوفاء به إذا وجد الشرط ولا يخرج عنه بالكفارة في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وسنذكر إن شاء الله تعالى المسألة في كتاب النذر ولو قال لله علي إحرام أو قال علي إحرام صح وعليه حجة أو عمرة والتعيين إليه وكذا إذا ذكر لفظا يدل على التزام الإحرام بأن قال لله علي المشي إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو إلى مكة جاز وعليه حجة أو عمرة ولو قال إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام لم يصح ولا يلزمه شيء في قول أبي حنيفة وعندهما يصح ويلزمه حجة أو عمرة ولو قال إلى الصفا والمروة لا يصح في قولهم جميعا ولو قال علي الذهاب إلى بيت الله أو الخروج أو السفر أو الإتيان لا يصح في قولهم ودلائل هذه المسائل تذكر إن شاء الله تعالى في كتاب النذر فإنه كتاب مفرد وإنما نذكر ههنا بعض ما يختص بالحج فإن قال لله علي هدي أو علي هدي فله الخيار إن شاء ذبح شاة وإن شاء نحر جزورا وإن شاء ذبح بقرة لأن اسم الهدي يقع على كل واحد من الأشياء الثلاثة لقوله فما استيسر من الهدي قيل في التفسير أن المراد منه الشاة وإذا كانت الشاة ما استيسر من الهدي فلا بد وأن يكون من الهدي ما لا يكون مستيسرا وهو الإبل والبقر وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما سئل عن الهدي أدناه شاة وإذا كانت الشاة أدنى الهدي كان أعلاه الإبل والبقر ضرورة وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال الهدي من ثلاثة والبدنة من اثنين ولأن مأخذ الاسم دليل عليه لأن الهدي اسم لما يهدي أي ينقل ويحول وهذا المعنى يوجد في الغنم كما يوجد في الإبل والبقر ويجوز سبع البدنة عن الشاة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال البدنة تجزي عن سبعة والبقرة تجزي عن سبعة ولو قال لله علي بدنة فإن شاء نحر جزورا وإن شاء ذبح بقرة عندنا وقال الشافعي لا يجوز إلا الجزور وجه قوله إن البدنة في اللغة اسم للجمل والدليل عليه قوله تعالى والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ثم فسرها بالإبل بقوله عز وجل فاذكروا اسم الله عليها صواف أي قائمة مصطفة والإبل هي التي تنحر كذلك فأما البقر فإنها تذبح مضجعة وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال البدنة تجزي عن سبعة والبقرة تجزىء عن سبعة حتى قال جابر نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ميز بين البدنة والبقرة فدل أنهما غيران ولنا ما روينا عن علي رضي الله عنه أنه قال الهدي من ثلاثة والبدنة من اثنين وهذا نص

Section V02/P223–V02/P224

وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا سأله وقال إن رجلا صاحبا لنا أوجب على نفسه بدنة أفتجزيه البقرة فقال له ابن عباس رضي الله عنه مم صاحبكم قال من بني رباح فقال متى اقتنت بنو رباح البقر إنما البقر للأزد وإنما وهم صاحبكم الإبل ولو لم يقع اسم البدنة على البقر لم يكن لسؤاله معنى ولما سأله فقد أوقع الاسم على الإبل والبقر لكن أوجب على الناذر الإبل لإرادته ذلك ظاهرا ولأن البدنة مأخوذة من البدانة وهي الضخامة وأنها توجد فيهما ولهذا استويا في الجواز عن سبعة ولا حجة له في الآية لأن فيها جواز إطلاق اسم البدنة على الأبل ونحن لا ننكر ذلك وأما قوله إنه وقع التمييز بين البدنة والبقرة في الحديث فممنوع لأن ذكر البقرة ما خرج على التمييز بل على التأكيد كما في قوله عز وجل وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وكما في قول القائل جاني ( ( ( جاءني ) ) ) أهل قرية كذا فلان وفلان على أن ظاهر العطف أن أول على التغيير والتسوية بينهما في جواز كل واحد منهما عن سبعة يدل على الاتحاد في المعنى ولا حجة مع التعارض ولو قال لله علي جزور فعليه أن ينحر بعيرا لأن اسم الجزور لا يقع إلا على الإبل ويجوز إيجاب الهدي مطلقا ومعلقا بشرط بأن يقول إن فعلت كذا فلله علي هدي ولو قال هذه الشاة هدى إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو إلى مكة أو إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام أو إلى الصفا والمروة فالجواب فيه كالجواب في قوله علي المشي إلى بيت الله تعالى أو إلى كذا وكذا على الاتفاق والاختلاف ولو أوجب على نفسه أن يهدي مالا بعينه من الثياب وغيرها مما سوى النعم جاز وعليه أن يتصدق به أو بقيمته والأفضل أن يتصدق على فقراء مكة ولو تصدق بالكوفة جاز وأما في النعم من الإبل والبقر والغنم فلا يجوز ذبحه إلا في الحرم فيذبح في الحرم ويتصدق بلحمه على فقراء مكة هو الأفضل ولو تصدق على غير فقراء مكة جاز كذا ذكر في الأصل وإنما كان كذلك لأن معنى القربة في الثياب في عينها وهو التصدق بها والصدقة لا تختص بمكان كسائر الصدقات فأما معنى القربة في الهدي من النعم في الإراقة شرعا والإراقة لم تعرف قربة في الشرع إلا في مكان مخصوص أو زمان مخصوص والشرع أوجب الإراقة ههنا في الحرم بقوله تعالى هديا بالغ الكعبة حتى إذا ذبح الهدي جاز له أن يتصدق بلحمه على فقراء غير أهل مكة لأنه لما صار لحما صار معنى القربة فيه في الصدقة كسائر الأموال ولو جعل شاة هديا أجزأه أن يهدي قيمتها في رواية أبي سليمان وفي رواية أبي حفص لا يجوز وجه رواية أبي سليمان اعتبار البدنة بالأمر ثم فيما أمر الله تعالى من إخراج الزكاة من الغنم يجوز إخراج القيمة فيه كذا في النذور وجه رواية أبي حفص أن القربة تعلقت بشيئين إراقة الدم والتصدق باللحم ولا يوجد في القيمة إلا أحدهما وهو التصدق ويجوز ذبح الهدايا في أي موضع شاء من الحرم ولا يختص بمنى ومن الناس من قال لا يجوز إلا بمنى والصحيح قولنا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال منى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال الحرم كله منحر وقد ذكرنا أن المراد من قوله عز وجل ثم محلها إلى البيت العتيق الحرم وأما البدنة إذا أوجبها بالنذر فإنه ينحرها حيث شاء إلا إذا نوى أن ينحر بمكة فلا يجوز نحرها إلا بمكة وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف أرى أن ينحر البدن بمكة لقوله عز وجل ثم محلها إلى البيت العتيق أي الحرم

Section V02/P224–V02/P225

ولهما أنه ليس في لفظ البدنة ما يدل على امتياز المكان لأنه مأخوذ من البدانة وهي الضخامة يقال بدن الرجل أي ضخم وقد قيل في بعض وجوه التأويل لقوله تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله أن تعظيمها استسمانها ولو أوجب جزأ فهو من الإبل خاصة ويجوز أن ينحر في الحرم وغيره ويتصدق بلحمه ويجوز ذبح الهدايا قبل أيام النحر والجملة فيه أن دم النذر والكفارة وهدي التطوع يجوز قبل أيام النحر ولا يجوز دم المتعة والقران والأضحية ويجوز دم الإحصار في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز وأدنى السن الذي يجوز في الهدايا ما يجوز في الضحايا وهو الثني من الإبل والبقر والمعز والجذع من الضأن إذا كان عظيما وبيان ما يجوز في ذلك وما لا يجوز من بيان شرائط الجواز موضعه كتاب الأضحية ولا يحل الانتفاع بظهرها وصوفها ولبنها إلا في حال الاضطرار لقوله تعالى لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق قيل في بعض وجوه التأويل لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها إلى أجل مسمى أي إلى أن تقلد وتهدي ثم محلها إلى البيت العتيق أي ثم محلها إذا قلدت واهديت إلى البيت العتيق لأنها ما لم تبلغ محلها فالقربة في التصدق بها فإذا بلغت محلها فحينئذ تتعين القربة فيها بالإرادة فإن قيل روى أن رجلا كان يسوق بدنة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اركبها ويحك فقال إنها بدنة يا رسول الله فقال اركبها ويحك وقيل ويحك كلمة ترحم وويلك كلمة تهدد فقد أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم ركوب الهدي والجواب أنه روي أن الرجل كان قد أجهده السير فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم وعندنا يجوز الانتفاع بها في مثل تلك الحالة ببدل لأنه يجوز الانتفاع بملك الغير في حالة الاضطرار ببدل وكذا في الهدايا إذا ركبها وحمل عليها للضرورة يضم ما نقصها الحمل والركوب وينضح ضرعها لأنه إذا لم يجز له الانتفاع بلبنها فلبنها يؤذيها فينضح بالماء حتى يتقلص ويرقى لبنها وما حلب قبل ذلك يتصدق به إن كان قائما وإن كان مستهلكا يتصدق بقيمته لأن اللبن جزء من أجزائها فيجب صرفه إلى القربة كما لو ولدت ولدا أنها تذبح ويذبح ولدها كذا هذا فإن عطب الهدي في الطريق قبل أن يبلغ محله فإن كان واجبا نحره وهو لصاحبه يصنع به ما شاء وعليه هدي مكانه وإن كان تطوعا نحره وغمس نعله بدمه ثم ضرب صفحة سنامه وخلي بينه وبين الناس يأكلونه ولا يأكل هو بنفسه ولا يطعم أحدا من الأغنياء والفرق بين الواجب والتطوع أنه إذا كان واجبا فالمقصود منه إسقاط الواجب فإذا انصرف من تلك الجهة كان له أن يفعل به ما شاء وعليه هدي آخر مكانه لأن الأول لما لم يقع عن الواجب التحق بالعدم فبقي الواجب في ذمته بخلاف التطوع ولأن القربة قد تعينت فيه وليس عليه غير ذلك وإنما قلنا أنه ينحره ويفعل به ما ذكرنا لما ذكرنا ولما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث هديا على يد ناجية بن جندب الأسلمي فقال يا رسول الله إن أزحف منها أي قامت من الإعياء وفي رواية قال ما أفعل بما يقوم علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم انحرها واصبغ نعلها بدمها ثم اضرب به صفحة سنامها وخل بينها وبين الفقراء ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك وإنما لا يحل له أن يأكل منها وله أن يطعم الأغنياء لأن القربة كانت في ذبحه إذا بلغ محله فإذا لم يبلغ كانت القربة في التصدق ولا يجب عليه مكانه آخر لأنه لم يكن واجبا عليه ويتصدق بجلالها وخطامها لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه تصدق بجلالها وخطامها ولا تعط الجزار منها شيئا ولا يجوز له أن يأكل من دم النذر شيئا

Section V02/P225

وجملة الكلام فيه أن الدماء نوعان نوع يجوز لصاحب الدم أن يأكل منه وهو دم المتعة والقران والأضحية وهدي التطوع إذا بلغ محله ونوع لا يجوز له أن يأكل منه وهو دم النذر والكفارات وهدي الإحصار وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله لأن الدم في النوع الأول دم شكر فكان نسكا فكان له أن يأكل منه ودم النذر دم صدقة وكذا دم الكفارة في معناه لأنه وجب تكفيرا ( ( ( تكفير ) ) ) لذنب ( ( ( الذنب ) ) ) وكذا دم الإحصار لوجود التحلل والخروج من الإحرام قبل أوانه وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله بمعنى القربة في التصدق به فكان دم صدقة وكل دم يجوز له أن يأكل منه لا يجب عليه التصدق بلحمه بعد الذبح لأنه لو وجب عليه التصدق به لما جاز أكله لما فيه من إبطال حق الفقراء وكل ما لا يجوز له أن يأكل منه يجب عليه التصدق به بعد الذبح لأنه إذا لم يجز له أكله ولا يتصدق به يؤدي إلى إضاعة المال وكذا لو هلك المذبوح بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين لأنه لا صنع له في الهلاك وإن استهلكه بعد الذبح فإن كان مما يجب عليه التصدق به يضمن قيمته فيتصدق بها لأنه تعلق به حق الفقراء فبالاستهلاك تعدى على حقهم فيضمن قيمته ويتصدق بها لأنها بدل أصل مال واجب التصدق به وإن كان مما لا يجب التصدق به لا يضمن شيئا لأنه لم يوجد منه التعدي بإتلاف حق الفقراء لعدم تعلق حقهم به ولو باع اللحم يجوز بيعه في النوعين جميعا لأن ملكه قائم إلا أن فيما لا يجوز له أكله ويجب عليه التصدق به يتصدق بثمنه لأن ثمنه مبيع واجب التصدق به لتعلق حق الفقراء به فيتمكن في ثمنه حنث فكان سبيله التصدق به والله تعالى أعلم فصل وأما العمرة فالكلام فيها يقع في مواضع في بيان صفتها أنها واجبة أم لا وفي بيان شرائط وجوبها إن كانت واجبة وفي بيان ركنها وفي بيان شرائط الركن وفي بيان واجباتها وفي بيان سننها وفي بيان ما يفسدها وفي بيان حكمها إذا فسدت أما الأول فقد اختلف فيها قال أصحابنا إنها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر ومنهم من أطلق اسم السنة وهذا الإطلاق لا ينافي الواجب وقال الشافعي إنها فريضة وقال بعضهم هي تطوع واحتج هؤلاء بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحج مكتوب والعمرة تطوع وهذا نص وعن جابر رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله العمرة أهي واجبة قال لا وأن تعتمر خير لك واحتج الشافعي بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله والأمر للفرضية وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العمرة هي الحجة الصغرى وقد ثبت فرضية الحج بنص الكتاب العزيز ولنا على الشافعي قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ولم يذكر العمرة لأن مطلق اسم الحج لا يقع على العمرة فمن قال إنها فريضة فقد زاد على النص فلا يجوز إلا بدليل وكذا حديث الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن الإيمان والشرائع فبين له الإيمان وبين له الشرائع ولم يذكر فيها العمرة فقال الأعرابي هل علي شيء غير هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إلا أن تطوع فظاهره يقتضي انتفاء ( ( ( انتقاء ) ) ) فريضة العمرة وأما الآية الكريمة فلا دلالة فيها على فرضية العمرة لأنها قرئت برفع العمرة والعمرة لله وأنه كلام تام بنفسه غير معطوف على الأمر بالحج أخبر الله تعالى أن العمرة لله ردا لزعم الكفرة لأنهم كانوا يجعلون العمرة للأصنام على ما كانت عبادتهم من الإشراك

Section V02/P225–V02/P226

وأما على قراءة العامة فلا حجة له فيها أيضا لأن فيها أمرا ( ( ( أمر ) ) ) بإتمام العمرة وإتمام الشيء يكون بعد الشروع فيه وبه نقول إنها بالشروع تصير فريضة مع ما أنه روي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا في تأويل الآية إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك على أن هذا إن كان أمرا بإنشاء العمرة فما الدليل على أن مطلق الأمر يفيد الفرضية بل الفرضية عندنا ثبتت بدليل زائد وراء نفس الأمر وإنما يحمل على الوجوب احتياطا وبه نقول أن العمرة واجبة ولكنها ليست بفريضة وتسميتها حجة صغرى في الحديث يحتمل أن يكون في حكم الثواب لأنها ليست بحجة حقيقة ألا ترى أنها عطفت على الحجة في الآية والشيء لا يعطف على نفسه في الأصل ويقال حج فلان وما اعتمر على أن وصفها بالصغر دليل انحطاط رتبتها عن الحج فإذا كان الحج فرضا فيجب أن تكون هي واجبة ليظهر الانحطاط إذ الواجب دون الفرض وإطلاق اسم التطوع عليها في الحديث يصلح حجة على الشافعي لا علينا لأنه يقول بفرضية العمرة والتطوع لا يحتمل أن يكون فرضا ونحن نقول بوجوب العمرة والواجب ما يحتمل أن يكون فرضا ويحتمل أن يكون تطوعا فكان إطلاق اسم التطوع صحيحا على أحد الاحتمالين وليس للفرض هذا الاحتمال فلا يصح الإطلاق وقول السائل في الحديث السابق أهي واجبة محمول على الفرض إذ هو الواجب على الإطلاق عملا واعتقادا عينا فقول النبي صلى الله عليه وسلم لا نفي له وبه نقول وأما شرائط وجوبها فهي شراط ( ( ( شرائط ) ) ) وجوب الحج لأن الواجب ملحق بالفرض في حق الأحكام وقد ذكرنا ذلك في فصل الحج وأما ركنها فالطواف لقوله عز وجل وليطوفوا بالبيت العتيق ولإجماع الأمة عليه وأما شرائط الركن فما ذكرنا في الحج إلا الوقت فإن السنة كلها وقت العمرة وتجوز في غير أشهر الحج وفي أشهر الحج لكنه يكره فعلها في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق أما الجواز في الأوقات كلها فلقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله مطلقا عن الوقت وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة إلا شهدتها وما اعتمر إلا في ذي القعدة وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر مع طائفة من أهله في عشر ذي الحجة فدل الحديثان على أن جوازها في أشهر الحج وما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ينهى عنها في أشهر الحج فهو محمول على نهي الشفقة على أهل الحرم لئلا يكون الموسم في وقت واحد من السنة بل في وقتين لتوسع المعيشة على أهل الحرم إلا أنه يكره في الأيام الخمسة عندنا في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه لا يكره يوم عرفة قبل الزوال وقال الشافعي لا يكره في هذه الأيام أيضا واحتج بما تلونا من هذه الآية وبما روينا من الحديثين لأنه دخل يوم عرفة ويوم النحر فيها وجه رواية أبي يوسف أن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقت الوقوف فلا يشغله عن الوقوف في وقته ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت وقت العمرة السنة كلها إلا يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق والظاهر أنها قالت سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه باب لا يدرك بالاجتهاد ولأن هذه الأيام أيام شغل الحاج بأداء الحج والعمرة فيها تشغلهم عن ذلك وربما يقع الخلل فيه فيكره ولا حجة له فيما ذكر لأن ذلك يدل على الجواز وبه نقول وإنما الكلام في الكراهة والجواز لا ينفيها وقد قام دليل الكراهة وهو ما ذكرنا وكذا يختلفان في الميقات في حق أهل مكة فميقاتهم للحج من دويرة أهلهم وللعمرة من الحل التنعيم أو غيره ومحظورات العمرة ما هو محظورات الحج وحكم ارتكابها في العمرة ما هو الحكم في الحج وقد مضى بيان ذلك كله في الحج

Section V02/P226–V02/P227

وأما واجباتها فشيئان السعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير فأما طواف الصدر فلا يجب على المعتمر وقال الحسن بن زياد يجب عليه كذا ذكر الكرخي وجه قوله إن طواف الصدر طواف الوداع والمعتمر يحتاج إلى الوداع كالحاج ولنا أن الشرع علق طواف الصدر بالحج بقول النبي صلى الله عليه وسلم من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف وأما سننها فما ذكرنا في الحج غير أنه إذا استلم الحجر يقطع التلبية عند أول شوط من الطواف عند عامة العلماء وقال مالك إن كان إحرامه للعمرة من المدينة يقطع التلبية إذا دخل الحرم وإن كان إحرامه لها من مكة يقطع إذا وقع بصره على البيت والصحيح قول العامة لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبي في العمرة حتى يستلم الحجر وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر في ذي القعدة وكان يلبي في ذلك حتى يستلم الحجر ولأن استلام الحجر نسك ودخول الحرم ووقوع البصر على البيت ليس بنسك فقطع التلبية عند ( ( ( عندنا ) ) ) ما هو نسك أولى ولهذا يقطع التلبية في الحج عند الرمي لأنه نسك كذا هذا والله أعلم وأما بيان ما يفسدها وبيان حكمها إذا فسدت فالذي يفسدها الجماع لكن عند وجود شرط كونه مفسدا وذلك شيئان أحدهما الجماع في الفرج لما ذكرنا في الحج والثاني أن يكون قبل الطواف كله أو أكثره وهو أربعة أشواط لأن ركنها الطواف فالجماع حصل قبل أداء الركن فيفسدها كما لو حصل قبل الوقوف بعرفة في الحج وإذا فسدت يمضي فيها ويقضيها وعليه شاة لأجل الفساد عندنا وقال الشافعي بدنة كما في الحج فإن جامع بعد ما طاف أربعة أشواط أو بعد ما طاف الطواف كله قبل السعي أو بعد الطواف والسعي قبل الحلق لا تفسد عمرته لأن الجماع حصل بعد أداء الركن وعليه دم لحصول الجماع في الإحرام وإن جامع بعد الحلق لا شيء عليه لخروجه عن الإحرام بالحلق فإن جامع ثم جامع فهو على التفصيل والاتفاق والاختلاف الذي ذكرنا في الحج والله الموفق كتاب النكاح الكلام في هذا الكتاب في الأصل في أربعة مواضع في بيان صفة النكاح المشروع وفي بيان ركن النكاح وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم النكاح أما الأول فنقول لا خلاف أن النكاح فرض حالة التوقان حتى أن من تاقت نفسه إلى النساء بحيث لا يمكنه الصبر عنهن وهو قادر على المهر والنفقة ولم يتزوج يأثم واختلف فيما إذا لم تتق نفسه إلى النساء على التفسير الذي ذكرنا قال نفاة القياس مثل داود بن علي الأصفهاني وغيره من أصحاب الظواهر أنه فرض عين بمنزلة الصوم والصلاة وغيرهما من فروض الأعيان حتى أن من تركه مع القدرة على المهر والنفقة والوطء يأثم وقال الشافعي إنه مباح كالبيع والشراء واختلف أصحابنا فيه قال بعضهم إنه مندوب ومستحب وإليه ذهب من أصحابنا الكرخي وقال بعضهم إنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين بمنزلة الجهاد وصلاة الجنازة وقال بعضهم إنه واجب ثم القائلون بالوجوب اختلفوا في كيفية الوجوب قال بعضهم إنه واجب على سبيل الكفاية كرد السلام وقال بعضهم إنه واجب عينا لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين كصدقة الفطر والأضحية والوتر احتج أصحاب الظواهر بظواهر النصوص من نحو قوله عز وجل فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقوله عز وجل وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم وقول النبي صلى الله عليه وسلم تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن وقوله صلى الله عليه وسلم تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة أمر الله عز وجل بالنكاح مطلقا والأمر المطلق للفرضية والوجوب قطعا إلا أن يقوم الدليل بخلافه ولأن الامتناع من الزنا واجب ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يكون واجبا

Section V02/P227–V02/P228

واحتج الشافعي بقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم أخبر عن إحلال النكاح والمحلل والمباح من الأسماء المترادفة ولأنه قال وأحل لكم ولفظ لكم يستعمل في المباحات ولأن النكاح سبب يتوصل به إلى قضاء الشهوة فيكون مباحا كشراء الجارية للتسري بها وهذا لأن قضاء الشهوة إيصال النفع إلى نفسه وليس يجب على الإنسان إيصال النفع إلى نفسه بل هو مباح في الأصل كالأكل والشرب وإذا كان مباحا لا يكون واجبا لما بينهما من التنافي والدليل على أن النكاح ليس بواجب قوله تعالى وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين وهذا خرج مخرج المدح ليحيي عليه الصلاة والسلام بكونه حصورا والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة ولو كان واجبا لما استحق المدح بتركه لأن ترك الواجب لأن يذم عليه أولى من أن يمدح واحتج من قال من أصحابنا أنه مندوب إليه ومستحب بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء أقام الصوم مقام النكاح والصوم ليس بواجب فدل أن النكاح ليس بواجب أيضا لأن غير الواجب لا يقوم مقام الواجب ولأن في الصحابة رضي الله عنهم من لم تكن له زوجة ورسول الله صلى الله عليه وسلم علم منه بذلك ولم ينكر عليه فدل أنه ليس بواجب ومن قال منهم إنه فرض أو واجب على سبيل الكفاية احتج بالأوامر الواردة في باب النكاح والأمر المطلق للفرضية والوجوب قطعا والنكاح لا يحتمل ذلك على طريق التعيين لأن كل واحد من آحاد الناس لو تركه لا يأثم فيحمل على الفرضية والوجوب على طريق الكفاية فأشبه الجهاد وصلاة الجنازة ورد السلام ومن قال منهم أنه واجب عينا لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين يقول صيغة الأمر المطلقة عن القرينة تحتمل الفرضية وتحتمل الندب لأن الأمر دعاء وطلب ومعنى الدعاء والطلب موجود في كل واحد منهما فيؤتى بالفعل لا محالة وهو تفسير وجوب العمل ويعتقد على الإبهام على أن ما أراد الله تعالى بالصيغة من الوجوب القطعي أو الندب فهو حق لأنه إن كان واجبا عند الله فخرج عن العهدة بالفعل فيأمن الضرر وإن كان مندوبا يحصل له الثواب فكان القول بالوجوب على هذا الوجه أخذا بالثقة والاحتياط واحترازا عن الضرر بالقدر الممكن وأنه واجب شرعا وعقلا وعلى هذا الأصل بنى أصحابنا من قال منهم إن النكاح فرض أو واجب لأن الاشتغال به مع أداء الفرائض والسنن أولى من التخلي لنوافل العبادات مع ترك النكاح وهو قول أصحاب الظواهر لأن الاشتغال بالفرض والواجب كيف ما كان أولى من الاشتغال بالتطوع ومن قال منهم أنه مندوب ومستحب فإنه يرجحه على النوافل من وجوه أخر أحدها أنه سنة قال النبي صلى الله عليه وسلم النكاح سنتي والسنن مقدمة على النوافل بالإجماع ولأنه أوعد على ترك السنة بقوله فمن رغب عن سنتي فليس مني ولا وعيد على ترك النوافل والثاني أنه فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظب عليه أي داوم وثبت عليه بحيث لم يخل عنه بل كان يزيد عليه حتى تزوج عددا مما أبيح له من النساء ولو كان التخلي للنوافل أفضل لما فعل لأن الظاهر أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يتركون الأفضل فيما له حد معلوم لأن ترك الأفضل فيما له حد معلوم عد زلة منهم وإذا ثبت أفضلية النكاح في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حق الأمة لأن الأصل في الشرائع هو العموم والخصوص بدليل

Section V02/P228–V02/P229

والثالث أنه سبب يتوصل به إلى مقصود هو مفضل على النوافل لأنه سبب لصيانة النفس عن الفاحشة وسبب لصيانة نفسها عن الهلاك بالنفقة والسكنى واللباس لعجزها عن الكسب وسبب لحصول الولد الموحد وكل واحد من هذه المقاصد مفضل على النوافل فكذا السبب الموصل إليه كالجهاد والقضاء وعند الشافعي التخلي أولى وتخريج المسألة على أصله ظاهر لأن النوافل مندوب إليها فكانت مقدمة على المباح وما ذكره من دلائل الإباحة والحل فنحن نقول بموجبها أن النكاح مباح وحلال في نفسه لكنه واجب لغيره أو مندوب ومستحب لغيره من حيث أنه صيانة للنفس من الزنا ونحو ذلك على ما بينا ويجوز أن يكون الفعل الواحد حلالا بجهة واجبا أو مندوبا إليه بجهة إذ لا تنافي عند اختلاف الجهتين وأما قوله عز وجل وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين فاحتمل أن التخلي للنوافل كان أفضل من النكاح في شريعته ثم نسخ ذلك في شريعتنا بما ذكرنا من الدلائل والله أعلم فصل وأما ركن النكاح فهو الإيجاب والقبول وذلك بألفاظ مخصوصة أو ما يقوم مقام اللفظ فيقع الكلام في هذا الفصل في أربعة مواضع أحدها في بيان اللفظ الذي ينعقد النكاح به بحروفه والثاني في بيان صيغة ذلك اللفظ والثالث في بيان أن النكاح هل ينعقد بعاقد واحد أو لا ينعقد إلا بعاقدين والرابع في بيان صفة الإيجاب والقبول أما بيان اللفظ الذي ينعقد به النكاح بحروفه فنقول وبالله التوفيق لا خلاف أن النكاح ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج وهل ينعقد بلفظ البيع والهبة والصدقة والتمليك قال أصحابنا رحمهم الله ينعقد وقال الشافعي لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان اتخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وكلمته التي أحل بها الفروج في كتابه الكريم لفظ الإنكاح والتزويج فقط قال الله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم وقال سبحانه وتعالى زوجناكها زوجناكها ولأن الحكم الأصلي للنكاح هو الازدواج والملك يثبت وسيلة إليه فوجب اختصاصه بلفظ يدل على الازدواج وهو لفظ التزويج والإنكاح لا غير ولنا أنه انعقد نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة فينعقد به نكاح أمته ودلالة الوصف قوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك معطوفا على قوله يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك أخبر الله تعالى أن المرأة المؤمنة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم عند استنكاحه إياها حلال له وما كان مشروعا في حق النبي صلى الله عليه وسلم يكون مشروعا في حق أمته هو الأصل حتى يقوم دليل الخصوص فإن قيل قد قام دليل الخصوص ههنا وهو قوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين فالجواب أن المراد منه خالصة لك من دون المؤمنين بغير أجر فالخلوص يرجع إلى الأجر لا إلى لفظ الهبة لوجوه أحدها ذكره عقيبه وهو قوله عز وجل قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم فدل أن خلوص تلك المرأة له كان بالنكاح بلا فرض منه والثاني أنه قال تعالى لكيلا ( ( ( لكي ) ) ) يكون عليك حرج ومعلوم أنه لا حرج كان يلحقه في نفس العبارة وإنما الحرج في إعطاء البدل والثالث أن هذا خرج مخرج الامتنان عليه وعلى أمته في لفظ الهبة ليست تلك في لفظة التزويج فدل أن المنة فيما صارت له بلا مهر فانصرف الخلوص إليه ولأن الانعقاد بلفظ النكاح والتزويج لكونه لفظا موضوعا لحكم أصل النكاح شرعا وهو الازدواج وأنه لم يشرع بدون الملك فإذا أتى به يثبت الازدواج باللفظ ويثبت الملك الذي يلازمه شرعا ولفظ التمليك موضوع لحكم آخر أصلي للنكاح وهو الملك وأنه غير مشروع في النكاح بدون الازدواج فإذا أتى به وجب أن يثبت به الملك ويثبت الازدواج الذي يلازمه شرعا استدلالا لأحد اللفظين بالآخر وهذا لأنهما حكمان متلازمان شرعا ولم يشرع أحدهما بدون الآخر فإذا ثبت أحدهما ثبت الآخر ضرورة ويكون الرضا بأحدهما رضا بالآخر وأما الحديث فنقول بموجبه

Section V02/P229–V02/P230

لكن لم قلتم أن استحلال الفروج بهذه الألفاظ استحلال بغير كلمة الله فيرجع الكلام إلى تفسير الكلمة المذكورة فنقول كلمة الله تعالى تحتمل حكم الله عز وجل كقوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك فلم قلتم بأن جواز النكاح بهذه الألفاظ ليس حكم الله تعالى والدليل على أنه حكم الله تعالى ما ذكرنا من الدلائل مع ما أن كل لفظ جعل علما على حكم شرعي فهو حكم الله تعالى وإضافة الكلمة إلى الله تعالى باعتبار أن الشارع هو الله تعالى فهو الجاعل اللفظ سببا لثبوت الحكم شرعا فكان كلمة الله تعالى فمن هذا الوجه على الاستحلال بكلمة الله لا ينفي الاستحلال لا بكلمة الله تعالى فكان مسكوتا عنه فلا يصح الاحتجاج به ولا ينعقد النكاح بلفظ الإجارة عند عامة مشايخنا والأصل عندهم أن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ موضوع لتمليك العين هكذا روي ابن رستم عن محمد أنه قال كل لفظ يكون في اللغة تمليكا للرقبة فهو في الحرة نكاح وحكي عن الكرخي أنه ينعقد بلفظ الإجارة لقوله تعالى فآتوهن أجورهن سمى الله تعالى المهر أجرا ولا أجر إلا بالإجارة فلو لم تكن الإجارة نكاحا لم يكن المهر أجرا وجه قول العامة أن الإجارة عقد موقت بدليل أن التأبيد يبطلها والنكاح عقد مؤبد بدليل أن التوقيت يبطله وانعقاد العقد بلفظ يتضمن المنع من الانعقاد ممتنع ولأن الإجارة تمليك المنفعة ومنافع البضع في حكم الأجزاء والأعيان فكيف يثبت ملك العين بتمليك المنفعة ولا ينعقد بلفظ الإعارة لأن الإعارة إن كانت إباحة المنفعة فالنكاح لا ينعقد بلفظ الإباحة لانعدام معنى التمليك أصلا وإن كانت تمليك المتعة فالنكاح لا ينعقد إلا بلفظ موضوع لتمليك الرقبة ولم يوجد واختلف المشايخ في لفظ القرض قال بعضهم لا ينعقد لأنه في معنى الإعارة وقال بعضهم ينعقد لأنه يثبت به الملك في العين لأن المستقرض يصير ملكا للمستقرض وكذا اختلفوا في لفظ السلم قال بعضهم لا ينعقد لأن السلم في الحيوان لا يصح وقال بعضهم ينعقد لأنه يثبت به ملك الرقبة والسلم في الحيوان ينعقد عندنا حتى لو اتصل به القبض يعد الملك ملكا فاسدا لكن ليس كل ما يفسد البيع يفسد النكاح واختلفوا أيضا في لفظ الصرف قال بعضهم لا ينعقد به لأنه وضع لإثبات الملك في الدراهم والدنانير التي لا تتعين بالتعيين والمعقود عليه ههنا يتعين بالتعيين وقال بعضهم ينعقد لأنه يثبت به ملك العين في الجملة وأما لفظ الوصية فلا ينعقد به عند عامة مشايخنا لأن الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت والنكاح المضاف إلى زمان في المستقبل لا يصح وحكي عن الطحاوي أنه ينعقد لأنه يثبت به ملك الرقبة في الجملة وحكى أبو عبد الله البصري عن الكرخي أن قيد الوصية بالحال بأن قال أوصيت لك بابنتي هذه الآن ينعقد لأنه إذا قيده بالحال صار مجازا عن التمليك ولا ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة لأنه لا يدل على الملك أصلا ألا ترى أن المباح له الطعام يتناوله على حكم ملك المبيح حتى كان له حق الحجر والمنع ولا ينعقد بلفظ المتعة لأنه لم يوضع للتمليك ولأن المتعة عقد مفسوخ لما نبين إن شاء الله في موضعه ولو أضاف الهبة إلى الأمة بأن قال رجل وهبت أمتي هذه منك فإن كان الحال يدل على النكاح من إحضار الشهود وتسمية المهر مؤجلا ومعجلا ونحو ذلك ينصرف إلى النكاح وإن لم يكن الحال دليلا على النكاح فإن نوى النكاح فصدقه الموهوب له فكذلك وينصرف إلى النكاح بقرينة النية وإن لم ينو ينصرف إلى ملك الرقبة والله عز وجل أعلم

Section V02/P230–V02/P231

ثم النكاح كما ينعقد بهذه الألفاظ بطريق الأصالة ينعقد بها بطريق النيابة بالوكالة والرسالة لأن تصرف الوكيل كتصرف الموكل وكلام الرسول كلام المرسل والأصل في جواز الوكالة في باب النكاح ما روي أن النجاشي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة رضي الله عنها فلا يخلو ذلك إما أن فعله بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو لا بأمره فإن فعله بأمره فهو وكيله وإن فعله بغير أمره فقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم عقده والإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة وكما ينعقد النكاح بالعبارة ينعقد بالإشارة من الأخرس إذا كانت إشارته معلومة وينعقد بالكتابة لأن الكتاب من الغائب خطابه والله تعالى أعلم وأما بيان صيغة اللفظ الذي ينعقد به النكاح فنقول لا خلاف في أن النكاح ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي كقوله زوجت وتزوجت وما يجري مجراه وإما بلفظين يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل كما إذا قال رجل لرجل زوجني بنتك أو قال جئتك خاطبا ابنتك أو قال جئتك لتزوجني بنتك فقال الأب قد زوجتك أو قال لامرأة أتزوجك على ألف درهم فقالت قد تزوجتك على ذلك أو قال لها زوجيني أو انكحيني نفسك فقالت زوجتك أو أنكحت ينعقد استحسانا والقياس أن لا ينعقد لأن لفظ الاستقبال عدة والأمر من فروع الاستقبال فلم يوجد الاستقبال فلم يوجد الإيجاب إلا أنهم تركوا القياس لما روي أن بلالا رضي الله عنه خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه فقال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أخطب إليكم لما خطبت فقالوا له ملكت ولم ينقل أن بلالا أعاد القول ولو فعل لنقل ولأن الظاهر أنه أراد الإيجاب لأن المساومة لا تتحقق في النكاح عادة فكان محمولا على الإيجاب بخلاف البيع فإن السوم معتاد فيه فيحمل اللفظ عليه فلا بد من لفظ آخر يتأدى به الإيجاب والله الموفق وأما بيان أن النكاح هل ينعقد بعاقد واحد أو لا ينعقد إلا بعاقدين فقد اختلف في هذا الفصل قال أصحابنا ينعقد بعاقد واحد إذا كانت له ولاية من الجانبين سواء كانت ولايته أصلية كالولاية الثابتة بالملك والقرابة أو دخيلة كالولاية الثابتة بالوكالة بأن كان العاقد مالكا من الجانبين كالمولى إذا زوج أمته من عبده أو كان وليا من الجانبين كالجد إذا زوج ابن ابنه الصغير من بنت ابنه الصغيرة والأخ إذا زوج بنت أخيه الصغيرة من ابن أخيه الصغير أو كان أصيلا ووليا كابن العم إذا زوج بنت عمه من نفسه أو كان وكيلا من الجانبين أو رسولا من الجانبين أو كان وليا من جانب ووكيلا من جانب آخر أو وكلت امرأة رجلا ليتزوجها من نفسه أو وكل رجل امرأة لتزوج نفسها منها وهذا مذهب أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا ينعقد النكاح بعاقد واحد أصلا وقال الشافعي لا ينعقد إلا إذا كان وليا من الجانبين ولقب المسألة أن الواحد هل يجوز أن يقوم بالنكاح من الجانبين أم لا وجه قول زفر والشافعي أن ركن النكاح اسم لشطرين مختلفين وهو الإيجاب والقبول فلا يقومان إلا بعاقدين كشطري البيع إلا أن الشافعي يقول في الولي ضرورة لأن النكاح لا ينعقد بلا ولي فإذا كان الولي متعينا فلو لم يجز نكاح المولية لامتنع نكاحها أصلا وهذا لا يجوز وهذه الضرورة منعدمة في الوكيل ونحوه ولنا قوله تعالى ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن قيل نزلت هذه الآية في يتيمة في حجر وليها وهي ذات مال

Section V02/P231–V02/P232

ووجه الاستدلال بالآية الكريمة أن قوله تعالى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن خرج مخرج العتاب فيدل على أن الولي يقوم بنكاح وليته وحده إذا لو لم يقم وحده به لم يكن للعتاب معنى لما فيه من إلحاق العتاب بأمر لا يتحقق وقوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم أمر سبحانه وتعالى بالإنكاح مطلقا من غير فصل بين الإنكاح من غيره أو من نفسه ولأن الوكيل في باب النكاح ليس بعاقد بل هو سفير عن العاقد ومعبر عنه بدليل أن حقوق النكاح والعقد لا ترجع إلى الوكيل وإذا كان معبرا عنه وله ولاية على الزوجين فكانت عبارته كعبارة الموكل فصار كلامه ككلام شخصين فيعتبر إيجابه كلاما للمرأة كأنها قالت زوجت نفسي من فلان وقبوله كلاما للزوج كأنه قال قبلت فيقوم العقد باثنين حكما والثابت بالحكم ملحق بالثابت حقيقة وأما البيع فالواحد فيه إذا كان وليا يقوم بطرفي العقد كالأب يشتري مال الصغير لنفسه أو يبيع مال نفسه من الصغير أو يبيع مال ابنه الصغير من ابنه الصغير أو يشتري إلا أنه إذا كان وكيلا لا يقوم بهما لأن حقوق العقد مقتصرة على العاقد فلا يصير كلام العاقد كلام الشخصين ولأن حقوق البيع إذا كانت مقتصرة على العاقد وللبيع أحكام متضادة من التسليم والقبض والمطالبة فلو تولى طرفي العقد لصار الشخص الواحد مطالبا ومطلوبا ومسلما ومتسلما وهذا ممتنع والله عز وجل أعلم وأما صفة الإيجاب والقبول فهي أن لا يكون أحدهما لازما قبل وجود الآخر حتى لو وجد الإيجاب من أحد المتعاقدين كان له أن يرجع قبل قبول الآخر كما في البيع لأنهما جميعا ركن واحد فكان أحدهما بعض الركن والمركب من شيئين لا وجود له بأحدهما فصل وأما شرائط الركن فأنواع بعضها شرط الانعقاد وبعضها شرط الجواز والنفاذ وبعضها شرط اللزوم أما شرط الانعقاد فنوعان نوع يرجع إلى العاقد ونوع يرجع إلى مكان العقد بالفعل فلا ينعقد نكاح المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن العقل من شرائط أهلية التصرف فأما البلوغ فشرط النفاذ عندنا لا شرط الانعقاد على ما نذكر إن شاء الله تعالى وأما تعذر العاقد فليس بشرط لانعقاد النكاح خلافا لزفر على ما مر وأما الذي يرجع إلى مكان العقد فهو اتحاد المجلس إذا كان العاقدان حاضرين وهو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد حتى لو اختلف المجلس لا ينعقد النكاح بأن كانا حاضرين فأوجب أحدهما فقام الآخر عن المجلس قبل القبول أو اشتغل بعمل يوجب اختلاف المجلس لا ينعقد لأن انعقاده عبارة عن ارتباط أحد الشطرين بالآخر فكان القياس وجودهما في مكان واحد إلا أن اعتبار ذلك يؤدي إلى سد باب العقود فجعل المجلس جامعا للشطرين حكما مع تفرقهما حقيقة للضرورة والضرورة تندفع عند اتحاد المجلس فإذا اختلف تفرق الشطران ( ( ( الشطرين ) ) ) حقيقة وحكما فلا ينتظم الركن وأما الفور فليس من شرائط الانعقاد عندنا وعند الشافعي هو شرط والمسألة ستأتي في كتاب البيوع ونذكر الفرق هناك وعلى هذا يخرج ما إذا تناكحا وهما يمشيان أو يسيران على الدابة وهو على التفصيل الذي نذكر إن شاء الله تعالى في كتاب البيوع ونذكر الفرق هناك بين المشي والسير على الدابة وبين جريان السفينة هذا إذا كان العاقدان حاضرين فأما إذا كان أحدهما غائبا لم ينعقد حتى لو قالت امرأة بحضرة شاهدين زوجت نفسي من فلان وهو غائب فبلغه الخبر فقال قبلت أو قال رجل بحضرة شاهدين تزوجت فلانة وهي غائبة فبلغها الخبر فقالت زوجت نفسي منه لم يجز وإن كان القبول بحضرة ذينك الشاهدين وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف ينعقد ويتوقف على إجازة الغائب وجه قول أبي يوسف أن كلام الواحد يصلح أن يكون عقدا في باب النكاح لأن الواحد في هذا الباب يقوم بالعقد من الجانبين وكما لو كان مالكا من الجانبين أو وليا أو وكيلا فكان كلامه عقدا لا شطرا فكان محتملا للتوقف كما في الخلع والطلاق والاعتاق على مال

Section V02/P232–V02/P233

وجه قولهما أن هذا شطر العقد حقيقة لا كله لأنه لا يملك كله لانعدام الولاية وشطر العقد لا يقف على غائب عن المجلس كالبيع وهذا لأن الشطر لا يحتمل التوقف حقيقة لأن التوقف في الأصل على خلاف الحقيقة لصدوره عن الولاء على الجانبين فيصير كلامه بمنزلة كلامين وشخصه كشخصين حكما فإذا انعدمت الولاية ولا ضرورة إلى تعيين الحقيقة فلا يقف بخلاف الخلع لأنه من جانب الزوج يمين لأنه تعليق الطلاق بقبول المرأة وأنه يمين فكان عقدا تاما ومن جانب المرأة معاوضة فلا يحتمل التوقف كالبيع وكذلك الطلاق والإعتاق على مال ولو أرسل إليها رسولا وكتب إليها بذلك كتابا فقبلت بحضرة شاهدين سمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب جاز ذلك لاتحاد المجلس من حيث المعنى لأن كلام الرسول كلام المرسل لأنه ينقل عبارة المرسل وكذا الكتاب بمنزلة الخطاب من الكاتب فكان سماع قول الرسول وقراءة الكتاب سماع قول المرسل وكلام الكاتب معنى وإن لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب لا يجوز عندهما وعند أبي يوسف إذا قالت زوجت نفسي يجوز وإن لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب بناء على أن قولها زوجت نفسي شطر العقد عندهما والشهادة في شطري العقد شرط لأنه يصير عقدا بالشطرين فإذا لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب فلم توجد الشهادة على العقد وقول الزوج بانفراده عقد عنده وقد حضر الشاهدان وعلى هذا الخلاف الفضولي الواحد من الجانبين بأن قال الرجل زوجت فلانة من فلان وهما غائبان لم ينعقد عندهما حتى لو بلغهما الخبر فأجازا لم يجز وعنده ينعقد ويجوز بالإجازة ولو قال فضولي زوجت فلانة من فلان وهما غائبان فقبل فضولي آخر عن الزوج ينعقد بلا خلاف بين أصحابنا حتى إذا بلغهما الخبر وأجازا جاز ولو فسخ الفضولي العقد قبل إجازة من وقف العقد على إجازته صح الفسخ في قول أبي يوسف وعند محمد لا يصح وجه قوله أنه بالفسخ متصرف في حق غيره فلا يصح ودلالة ذلك أن العقد قد انعقد في حق المتعاقدين وتعلق به حق من توقف على إجازته لأن الحكم عند الإجازة ثبت بالعقد السابق فكان هو بالفسخ متصرفا في محل تعلق به حق الغير فلا يصح فسخه بخلاف الفضولي إذا باع ثم فسخ قبل اتصال الإجازة به أنه يجوز لأن الفسخ هناك تصرف دفع الحقوق عن نفسه لأنه عند الإجازة تتعلق حقوق العقد بالوكيل فكان هو بالفسخ دافعا الحقوق عن نفسه فيصح كالمالك إذا أوجب النكاح أو البيع أنه يملك الرجوع قبل قبول الآخر لما قلنا كذا هذا وجه قول أبي يوسف أن العقد قبل الإجازة غير منعقد في حق الحكم وإنما انعقد في حق المتعاقدين فقط فكان الفسخ منه قبل الإجازة تصرفا في كلام نفسه بالنقض فجاز كما في البيع فصل وأما بيان شرائط الجواز والنفاذ فأنواع منها أن يكون العاقد بالغا فإن نكاح الصبي العاقل وإن كان منعقدا على أصل أصحابنا فهو غير نافذ بل نفاذه يتوقف على إجازة وليه لأن نفاذ التصرف لاشتماله على وجه المصلحة والصبي لقلة تأمله لاشتغاله باللهو واللعب لا يقف على ذلك فلا ينفذ تصرفه بل يتوقف على إجازة وليه فلا يتوقف على بلوغه حتى لو بلغ قبل أن يجيزه الولي لا ينفذ بالبلوغ لأن العقد انعقد موقوفا على إجازة الولي ورضاه لسقوط اعتبار رضا الصبي شرعا وبالبلوغ زالت ولاية الولي فلا ينفذ ما لم يجزه بنفسه وعند الشافعي لا تنعقد تصرفات الصبي أصلا بل هي باطلة وقد ذكرنا المسألة في كتاب المأذون ومنها أن يكون حرا فلا يجوز نكاح مملوك بالغ عاقل إلا بإذن سيده والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر والكلام في هذا الشرط يقع في مواضع في بيان أن إذن المولى شرط جواز نكاح المملوك لا يجوز من غير إذنه أو إجازته وفي بيان ما يكون إجازة له وفي بيان ما يملكه من النكاح بعد الإذن وفي بيان حكم المهر في نكاح المملوك

Section V02/P233

أما الأول فلا يجوز نكاح مملوك بغير إذن مولاه وإن كان عاقلا بالغا سواء كان قنا أو مدبرا أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة أو مكاتبا أما القن فإن كان أمة فلا يجوز نكاحها بغير إذن سيدها بلا خلاف لأن منافع البضع مملوكة لسيدها ولا يجوز التصرف في ملك الغير بغير إذنه وكذلك المدبرة وأم الولد لما قلنا وكذا المكاتبة لأنها ملك المولى رقبة وملك المتعة يتبع ملك الرقبة إلا أن منع من الاستمتاع بها لزوال ملك اليد وفي الاستمتاع إثبات ملك اليد ولأن من الجائز أنها تعجز فترد إلى الرق فتعود قنة كما كانت فتبين أن نكاحها صادف المولى فلا يصح وإن كان عبدا فلا يجوز نكاحه أيضا عند عامة العلماء وقال مالك يجوز وجه قوله إن منافع بضع العبد لا تدخل تحت ملك المولى فكان المولى فيها على أصل الحرية والمولى أجنبي عنها فيملك النكاح كالحر بخلاف الأمة لأن منافع بضعها ملك المولى فمنعت من التصرف بغير إذنه ولنا أن العبد بجميع أجزائه ملك المولى لقوله تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ( ( ( مما ) ) ) ما ملكت أيمانكم من شركاء في ( ( ( فيما ) ) ) ما رزقناكم فأنتم فيه سواء أخبر سبحانه وتعالى أن العبيد ليسوا شركاء فيما رزق السادات ولا هم بسواء في ذلك ومعلوم أنه ما أراد به نفي الشركة في المنافع لاشتراكهم فيها دل أنه أراد به حقيقة الملك ولقوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء والعبد اسم لجميع أجزائه ولأن سبب الملك أضيف إلى كله فيثبت الملك في كله إلا أنه منع من الانتفاع به ببعض أجزائه بنفسه وهذا لا يمنع ثبوت الملك له كالآمة المجوسية وغير ذلك وكذلك المأذون في التجارة لأنه عبد مملوك ولأنه كان محجورا قبل الإذن بالتجارة والنكاح ليس من التجارة لأن التجارة معاوضة المال بالمال والنكاح معاوضة البضع بالمال والدليل عليه أن المرأة إذا زوجت نفسها على عبد تنوي أن يكون العبد للتجارة لم يكن للتجارة ولو كان النكاح من التجارة لكان بدل البضع للتجارة كالبيع فكان هو بالنكاح متصرفا في ملك مولاه فلا يجوز كما لا يجوز نكاح الأمة والدليل عليه قوله تعالى لا يقدر على شيء وصف العبد المملوك بأنه لا يقدر على شيء ومعلوم أنه إنما أراد به القدرة الحقيقية لأنها ثابتة له فتعين القدرة الشرعية وهي إذن الشرع وإطلاقه فكان نفي القدرة الشرعية نفيا للإذن والإطلاق ولا يجوز إثبات التصرف الشرعي بغير إذن الشرع وكذلك المدبر لأنه عبد مملوك وكذلك المكاتب لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه كان محجورا عن التزوج قبل الكتابة وعند الكتابة ما أفاد له إلا الإذن بالتجارة والنكاح ليس من التجارة لأن التجارة معاوضة المال بالمال والنكاح معاوضة البضع بالمال والدليل عليه أن المرأة إذا زوجت نفسها على عبد تنوي أن العبد يكون للتجارة لم يكن للتجارة ولو كان النكاح من التجارة لكان بدل البضع للتجارة كالبيع وأما معتق البعض فلا يجوز نكاحه عند أبي حنيفة لأنه بمنزلة المكاتب عنده وعند أبي يوسف ومحمد يجوز لأنه بمنزلة حر عليه دين عندهما ولو تزوج بغير إذن المولى واحد ممن ذكرنا أنه لا يجوز تزويجه إلا بإذن المولى ثم إن أجاز المولى النكاح جاز لأن العقد صدر من الأهل في المحل إلا أنه امتنع النفاذ لحق المولى فإذا أجاز فقد زال المانع ولا يجوز للعبد أن يتسرى وإن أذن له مولاه لأن حل الوطء لا يثبت إلا بأحد الملكين قال الله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ولم يوجد أحدهما وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يتسرى العبد ولا يسريه مولاه ولا يملك العبد ولا المكاتب شيئا إلا الطلاق وهذا نص

Section V02/P233–V02/P234

وأما بيان ما يكون إجازة فالإجازة قد ثبتت بالنص وقد ثبتت بالدلالة وقد ثبتت بالضرورة أما النص فهو الصريح بالإجازة وما يجري مجراها نحو أن يقول أجزت أو رضيت أو أذنت ونحو ذلك وأما الدلالة فهي قول أو فعل يدل على الإجازة مثل أن يقول المولى إذا أخبر بالنكاح حسن أو صواب أو لا بأس به ونحو ذلك أو يسوق إلى المرأة المهر أو شيئا منه في نكاح العبد ونحو ذلك مما يدل على الرضا ولو قال له المولى طلقها أو فارقها لم يكن إجازة لأن قوله طلقها أو فارقها يحتمل حقيقة الطلاق والمفارقة ويحتمل المتاركة لأن النكاح الفاسد والنكاح الموقوف يسمى طلاقا ومفارقة فوقع الشك والاحتمال في ثبوت الإجازة فلا يثبت بالشك والاحتمال ولو قال له طلقها تطليقة تملك الرجعة فهو إجازة لارتفاع الترداد إذ لا رجعة في المتاركة للنكاح الموقوف وفسخه وأما الضرورة فنحو أن يعتق المولى العبد أو الأمة فيكون الإعتاق إجازة ولو أذن بالنكاح لم يكن الإذن بالنكاح إجازة ووجه الفرق بينهما من وجهين أحدهما أنه لو لم يجعل الإعتاق إجازة لكان لا يخلو إما أن يبطل بالنكاح الموقوف وإما أن يبقى موقوفا على الإجازة ولا سبيل إلى الأول لأن النكاح صدر من الأهل في المحل فلا يبطل إلا بإبطال من له ولاية الإبطال ولا سبيل إلى الثاني لأنه لو بقي موقوفا على الإجازة فأما إن بقي موقوفا على إجازة المولى أو على إجازة العبد لا وجه للأول لأن ولاية الإجازة لا تثبت إلا بالملك وقد زال بالاعتقاق ( ( ( بالإعتاق ) ) ) ولا وجه للثاني لأن العقد وجد من العبد فكيف يقف عقد الإنسان على إجازته وإذا بطلت هذه الاقسام وليس ههنا قسم آخر لزم أن يجعل الإعتاق إجازة ضرورة وهذه الضرورة لم توجد في الأذن بالنكاح وللثاني أن امتناع النفاذ مع صدور التصرف من الأهل في المحل لقيام حق المولى وهو الملك نظرا له دفعا للضرر عنه وقد زال ملكه بالإعتاق فزال المانع من النفوذ والإذن بالتزوج لا يوجب زوال المانع وهو الملك لكنه بالإذن أقامة مقام نفسه في النكاح كأنه هو ثم ثبوت ولاية الإجازة له لم تكن إجازة ما لم يجز فكذا العبد ثم إذا لم يكن نفس الإذن من المولى بالنكاح إجازة لذلك العقد فإن أجازه العبد جاز استحسانا والقياس أن لا يجوز وإن أجازه وجه القياس أنه مأذون بالعقد والإجازة مع العقد متغايران اسما وصورة وشرطا أما الاسم والصورة فلا شك في تغايرهما وأما الشرط فإن محل العقد عليه ومحل الإجازة نفس العقد وكذا الشهادة شرط العقد لا شرط الإجازة والإذن بأحد المتغايرين لا يكون إذنا بالآخر

Section V02/P234–V02/P235

وجه الاستحسان أن العبد أتى ببعض ما هو مأذون فيه فكان متصرفا عن إذن فيجوز تصرفه ودلالة ذلك أن المولى أذن له بعقد نافذ فكان مأذونا بتحصيل أصل العقد ووصفه وهو النفاذ وقد حصل النفاذ فيحصل ولهذا لو زوج فضولي هذا العبد امرأة بغير إذن المولى فأجاز العبد نفذ العقد دل أن تنفيذ العقد بالإجازة مأذون فيه من قبل المولى فينفذ بإجازته ثم إذا نفذ النكاح بالإعتاق وهي أمة فلا خيار لها لأن النكاح نفذ بعد العتق فالاعتاق لم يصادفها وهي منكوحة والمهر لها إن لم يكن الزوج دخل بها قبل الإعتاق وإن كان قد دخل بها قبل الإعتاق فالمهر للمولى هذا إذا أعتقها وهي كبيرة فأما إذا كانت صغيرة فأعتقها فإن الإعتاق لا يكون إجازة ويبطل العقد عند زفر وعندنا يبقى موقوفا على إجازة المولى إذا لم يكن لها عصبة فإن كان لها عصبة يتوقف على إجازة العصبة ويجوز بإجازة العصبة ثم إن كان المجيز غير الأب أو الجد فلها خيار الإدراك لأن العقد نفذ عليها في حالة الصغر وهي حرة وإن كان المجيز أبوها أو جدها فلا خيار لها ولو مات المولى قبل الإجازة فإن ورثها من يحل له وطؤها بطل النكاح الموقوف لأن الحل النافذ قد طرأ على الموقوف لوجود سبب الحل وهو الملك قال الله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ومن ضرورة ثبوت الحل له ارتفاع الموقوف وإن ورثها من لا يحل له وطؤها بأن كان الوارث ابن الميت وقد وطئها أبوه أو كانت الأمة أخته من الرضاع أو ورثها جماعة فللوارث الإجازة لأنه لم يوجد طريان الحل فبقي الموقوف على حاله وكذلك إذا باعها المولى قبل الإجازة فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الوارث وعلى هذا قالوا فيمن تزوج جارية غيره بغير إذن ( ( ( إذنه ) ) ) ووطئها ثم باعها المولى من رجل أن للمشتري الإجازة لأن وطء الزوج يمنع حل الوطء للمشتري وأما العبد إذا تزوج بغير إذن المولى فمات الولي أو باعه قبل الإجازة فللوارث والمشتري الإجازة لأنه لا يتصور حل الوطء ههنا فلم يوجد طريان حل الوطء فبقي الموقوف بحاله وهذا الذي ذكرنا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يجوز بإجازة الوارث والمشتري بل يبطل والأصل فيه أن العقد الموقوف على إجازة إنسان يحتمل الإجازة من قبل غيره عندنا وعنده لا يحتمل وجه قوله إن الإجازة إنما تلحق الموقوف لأنها تنفيذ الموقوف فإنما تلحقه على الوجه الذي وقف وإنما وقف على الأول لا على الثاني فلا يملك الثاني تنفيذه ولنا أنه إنما وقف على إجازة الأول لأن الملك له وقد صار الملك للثاني فتنتقل الإجازة إلى الثاني وهذا لأن المالك يملك إنشاء النكاح بأصله ووصفه وهو النفاذ فلأن يملك تنفيذ النكاح الموقوف وأنه إثبات الوصف دون الأصل أولى ولو زوجت المكاتبة نفسها بغير إذن المولى حتى وقف على إجازته فأعتقها نفذ العقد والإخبار فيه كما ذكرنا في الأمة القنة وكذلك إذا أدت فعتقت وإن عجزت فإن كان بضعها يحل للمولى يبطل العقد وإن كان لا يحل بأن كانت أخته من الرضاع أو كانت مجوسية توقف على إجازته ولو كان المولى هو الذي عقد عليها بغير رضاها حتى وقف على إجازتها فأجازت جاز العقد وإن أدت فعتقت أو أعتقها المولى توقف العقد على إجازتها إن كانت كبيرة وإن كانت صغيرة فهو على ما ذكرنا من الاختلاف في الأمة وتتوقف على إجازة المولى عندنا إذا لم يكن لها عصبة غير المولى فإن كان فأجازوا جاز وإذا أدركت فلها خيار الإدراك إذا كان المجبر غير الأب والجد على ما ذكرنا وإن لم يعتقها حتى عجزت بطل العقد وإن كان بضعها يحل للمولى وإن كان لا يحل له فلا يجوز إلا بإجازته

Section V02/P235–V02/P236

وأما بيان ما يملكه من النكاح بعد الإذن فنقول إذا أذن المولى للعبد بالتزويج فلا يخلو إما أن خص الإذن بالتزوج أو عمه فإن خص بأن قال له تزوج لم يجز له أن يتزوج إلا امرأة واحدة لأن الأمر المطلق بالفعل لا يقتضي التكرار وكذا إذا قال له تزوج امرأة لأن قوله امرأة اسم لواحدة من هذا الجنس وإن عم بأن قال تزوج ما شئت من النساء جاز له أن يتزوج ثنتين ولا يجوز له أن يتزوج أكثر من ذلك لأنه إذن له بنكاح ما شاء من النساء بلفظ الجمع فينصرف إلى جميع ما يملكه العبيد من النساء وهو التزوج باثنتين قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين وعليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم وروي عن الحكم أنه قال اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين ولأن مالكية النكاح تشعر بكمال الحال لأنها من باب الولاية والعبد أنقص حالا من الحر فيظهر أثر النقصان في عدد المملوك له في النكاح كما ظهر أثره في القسم والطلاق والعدة والحدود وغير ذلك وهل يدخل تحت الإذن بالتزوج النكاح الفاسد قال أبو حنيفة يدخل حتى لو تزوج العبد امرأة نكاحا فاسدا ودخل بها لزمه المهر في الحال وقال أبو يوسف ومحمد لا يدخل ويتبع بالمهر بعد العتق وجه قولهما أن غرض المولى من الإذن بالنكاح وهو حل الاستمتاع ليحصل به عفة العبد عن الزنا وهذا لا يحصل بالنكاح الفاسد لأنه لا يفيد الحل فلا يكون مرادا من الإذن بالتزوج ولهذا لو حلف لا يتزوج ينصرف إلى النكاح الصحيح حتى لو نكح نكاحا فاسدا لا يحنث كذا هذا ولأبي حنيفة أن الإذن بالتزوج مطلق فينصرف إلى الصحيح والفاسد كالإذن بالبيع مطلقا وفي مسألة اليمين إنما لم ينصرف لفظ النكاح إلى الفاسد لقرينة عرفية إلا أن الأيمان محمولة على العرف والعادة والمتعارف والمعتاد مما يقصد باليمين الامتناع عن الصحيح لا الفاسد لأن فساد المحلوف عليه يكفي مانعا من الإقدام عليه فلا حاجة إلى الامتناع باليمين والدليل على صحة هذا التخريج أن يمين الحالف لو كانت على الفعل الماضي ينصرف إلى الصحيح والفاسد جميعا ويتفرع على هذا أنه إذا تزوج امرأة نكاحا فاسدا ثم أراد أن يتزوج أخرى نكاحا صحيحا ليس له ذلك عند أبي حنيفة لأن الإذن انتهى بالنكاح وعندهما له ذلك لأن الإذن قد بقي ولو أذن له بنكاح فاسد نصا ودخل بها يلزمه المهر في الحال في قولهم جميعا أما على أصل أبي حنيفة فظاهر وأما على أصلهما فلأن الصرف إلى الصحيح لضرب دلالة أوجبت إليه فإذا جاء النص بخلافه بطلت الدلالة والله عز وجل الموفق وأما بيان حكم المهر في نكاح المملوك فنقول إذا كانت الإجازة قبل الدخول بالأمة لم يكن على الزوج إلا مهر واحد وإن كان بعد الدخول بها فالقياس أن يلزمه مهران مهر بالدخول قبل الإجازة ومهر بالإجازة وجه القياس أنه وجد سبب وجوب مهرين أحدهما الدخول لأن الدخول في النكاح الموقوف دخول في نكاح فاسد وهو بمنزلة الدخول في نكاح فاسد وذا يوجب المهر كذا هذا والثاني النكاح الصحيح لأن النكاح قد صح بالإجازة وللاستحسان وجهان أحدهما أن النكاح كان موقوفا على إذن المالك كنكاح الفضولي والعقد الموقوف إذا اتصلت به الإجازة تستند الإجازة إلى وقت العقد وإذا استندت الإجازة إليه صار كأنه عقده بإذنه إذ الإجازة اللاحقة كالإذن السابق فلا يجب إلا مهر واحد والثاني أن مهر المثل لو وجب لكان لوجوده تعلقا بالعقد لأنه لولاه لكان الفعل زنا ولكان الواجب هو الحد لا المهر وقد وجب المسمى بالعقد فلو وجب به مهر المثل أيضا لوجب بعقد واحد مهران وأنه ممتنع ثم كل ما وجب من مهر الأمة فهو للمولى سواء وجب بالعقد أو بالدخول وسواء كان المهر مسمى أو مهر المثل وسواء كانت الأمة قنة

Section V02/P236

أو مدبرة أو أم ولد إلا المكاتبة والمعتق بعضها فإن المهر لهما لأن المهر وجب عوضا عن المتعة وهي منافع البضع ثم إن كانت منافع البضع ملحقة بالأجزاء والأعيان فعوضها يكون للمولى كالأرش وإن كانت مبقاة على حقيقة المنفعة فبدلها يكون للمولى أيضا كالأجرة بخلاف المكاتبة لأن هناك الأرش والأجرة لها فكان المهر لها أيضا وكل مهر لزم العبد فإن كان قنا والنكاح بإذن المولى يتعلق بكسبه ورقبته تباع فيه إن لم يكن له كسب عندنا لأنه دين ثابت في حق العبد ظاهر في حق المولى ومثل هذا الدين يتعلق برقبة العبد على أصل أصحابنا والمسألة ستأتي في كتاب المأذون وإن كان مدبرا أو مكاتبا فإنهما يسعيان في المهر فيستوفي من كسبهما لتعذر الاستيفاء من رقبتهما بخروجهما عن احتمال البيع بالتدبير والكتابة وما لزم العبيد من ذلك بغير إذن الملوى ( ( ( المولى ) ) ) اتبعوا به بعد العتق لأنه دين تعلق بسبب لم يظهر في حق المولى فأشبه الدين الثابت بإقرار العبد المحجور أنه لا يلزمه للحال ويتبع به بعد العتاق لما قلنا كذا هذا والله أعلم ومنها الولاية في النكاح فلا ينعقد إنكاح من لا ولاية له والكلام في هذا الشرط يقع في مواضع في بيان أنواع الولاية وفي بيانه سبب ثبوت كل نوع وفي بيان شرط ثبوت كل نوع وما يتصل به أما الأول فالولاية في باب النكاح أنواع أربعة ولاية الملك وولاية القرابة وولاية الولاء وولاية الامامة أما ولاية الملك فسبب ثبوتها الملك لأن ولاية الإنكاح ولاية نظر والملك داعي ( ( ( داع ) ) ) إلى الشفقة والنظر في حق المملوك فكان سببا لثبوت الولاية ولا ولاية للمملوك لعدم الملك له إذ هو مملوك في نفسه فلا يكون مالكا وأما شرائط ثبوت هذه الولاية فمنها عقل المالك ومنها بلوغه فلا يجوز الإنكاح من المجنون والصبي الذي لا يعقل ولا من الصبي العاقل لأن هؤلاء ليسوا من أهل الولاية لأن أهلية الولاية بالقدرة على تحصيل النظر في حق المولى عليه وذلك بكمال الرأي والعقل ولم يوجد ألا ترى أنه لا ولاية لهم على أنفسهم فكيف يكون على غيرهم ومنها الملك المطلق وهو أن يكون المولى عليه مملوكا للمالك رقبة ويدا وعلى هذا يخرج إنكاح الرجل أمته أو مدبرته أو أم ولده أو عبده أو مدبره أنه جائز سواء رضي به المملوك أو لا ولا يجوز إنكاح المكاتب والمكاتبة إلا برضاهما أما إنكاح الأمة والمدبرة وأم الولد فلا خلاف في جوازه صغيرة كانت أو كبيرة وأما إنكاح العبد فإن كان صغيرا يجوز وإن كان كبيرا فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه يجوز من غير رضاه وروي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا برضاه وبه أخد ( ( ( أخذ ) ) ) الشافعي وجه هذه الرواية أن منافع بضع العبد لم تدخل تحت ملك المولى بل هو أجنبي عنها والإنسان لا يملك التصرف في ملك غيره من غير رضاه ولهذا لا يملك إنكاح المكاتب والمكاتبة بخلاف الأمة لأن منافع بضعها مملوكة للمولى ولأن نكاح المكره لا ينفذ ما وضع له من المقاصد المطلوبة منه لأن حصولها بالدوام على النكاح والقرار عليه ونكاح المكره لا يدوم بل يزيله العبد بالطلاق فلا يفيد فائدة

Section V02/P236–V02/P237

وجه ظاهر الرواية قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم أمر الله سبحانه وتعالى الموالي بإنكاح العبيد والإماء مطلقا عن شرط الرضا فمن شرطه يحتاج إلى الدليل ولأن إنكاح المملوك من المولى تصرف لنفسه لأن مقاصد النكاح ترجع إليه فإن الولد في إنكاح الأمة له وكذا في إنكاح أمته من عبده ومنفعة العقد عن الزنا الذي يوجب نقصان مالية مملوكه حصل له أيضا فكان هذا الإنكاح تصرفا لنفسه ومن تصرف في ملك نفسه لنفسه ينفذ ولا يشترط فيه رضا المتصرف فيه كما في البيع والإجارة وسائر التصرفات ولأن العبد ملكه بجميع أجزائه مطلقا لما ذكرنا من الدلائل فيما تقدم ولكل مالك ولاية التصرف في ملكه إذا كان التصرف مصلحة وإنكاح العبد مصلحة في حقه لما فيه من صيانة ملكه عن النقصان بواسطة الصيانة عن الزنا وقوله منافع البضع غير مملوكة لسيده ممنوع بل هي مملوكة إلا أن مولاها إذا كانت أمة منعت من استيفائها لما فيه من الفساد وهذا لا يمنع ثبوت الملك كالجارية المجوسية والأخت من الرضاعة أنه يمنع المولى من الاستمتاع بهما مع قيام الملك كذا هذا والملك المطلق لم يوجد في المكاتب لزوال ملك اليد بالكتابة حتى كان أحق بالكتابة ولهذا لم يدخل تحت مطلق اسم المملوك في قوله كل مملوك لي فهو حر إلا بالنية فقيام ملك الرقبة إن اقتضى ثبوت الولاية فانعدام ملك اليد يمنع من الثبوت فلا تثبت الولاية بالشك ولأن في التزويج من غير رضا المكاتب ضررا لأن المولى بعقد الكتابة جعله أحق بمكاسبه ليتوصل بها إلى شرف الحرية فالتزويج من غير رضاه يوجب تعلق المهر والنفقة بكسبه فلا يصل إلى الحرية فيتضرر به بشرط رضاه دفعا للضرر عنه وقوله لا فائدة في هذا النكاح ممنوع فإن في طبع كل فحل التوقان إلى النساء فالظاهر هو قضاء الشهوة خصوصا عند عدم المانع وهو الحرمة وكذا الظاهر من حال العبد الامتناع من بعض تصرف المولى احتراما له فيبقى النكاح فيفيد فائدة تامة والله الموفق وأما ولاية القرابة فسبب ثبوتها هو أصل القرابة وذاتها لا كمال القربة وإنما الكمال شرط التقدم على ما نذكر وهذا عند أصحابنا وعند الشافعي السبب هو القرابة القريبة وهي قرابة الولاد وعلى هذا يبني أن لغير الأب والجد كالأخ والعم ولاية الإنكاح عندنا خلافا له واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر وحقيقة اسم اليتيمة للصغيرة لغة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد الحلم نهى صلى الله عليه وسلم عن إنكاح اليتيمة ومده إلى غاية الاستئمار ولا تصير أهلا للاستئمار إلا بعد البلوغ فيتضمن البلوغ كأنه قال صلى الله عليه وسلم حتى تبلغ وتستأمر ولأن النكاح عقد إضرارا ( ( ( إضرار ) ) ) في جانب النساء لما نذكر إن شاء الله تعالى في مثله إنكاح البنت البالغة ومثل هذا التصرف لا يدخل تحت ولاية المولى كالطلاق والعتاق والهبة وغيرهما إلا أنه تثبت الولاية للأب والجد بالنص والإجماع لكمال شفقتهما وشفقة غير الأب والجد قاصرة وقد ظهر أثر القصور في سلب ولاية التصرف في الحال بالإجماع وسلب ولاية اللزوم عندكم فتعذر الالحاق

Section V02/P237–V02/P238

ولنا قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم هذا خطاب لعامة المؤمنين لأنه بنى على قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ثم خص منه الأجانب فبقيت الأقارب تحته إلا من خص بدليل ولأن سبب ولاية التنفيذ في الأب والجد هو مطلق القرابة لا القرابة القريبة وإنما قرب القرابة سبب زيادة الولاية وهي ولاية الإلزام لأن مطلق القرابة حاصل على أصل الشفقة أعني به شفقة زائدة على شفقة الجنس وشفقة الإسلام وهي داعية إلى تحصيل النظر في حق المولى عليه وشرطها عجز الملوى ( ( ( المولى ) ) ) عليه عن تحصيل النظر بنفسه مع حاجته إلى التحصيل لأن مصالح النكاح مضمنة تحت الكفاءة والكفء عزيز الوجود فيحتاج إلى إحرازه للحال لاستيفاء مصالح النكاح بعد البلوغ وفائدتها وقوعها وسيلة إلى ما وضع النكاح له وكل ذلك موجود في إنكاح الأخ والعم فينفذ إلا أنه لم يلزم تصرفه لانعدام شرط اللزوم وهو قرب القرابة ولم تثبت له ولاية التصرف في المال لعدم الفائدة لأنه لا سبيل إلى القول باللزوم لأن قرابة غير الأب والجد ليست بملزمة ولا سبيل إلى التولي بالنفاذ بدون اللزوم لأنه لا يفيد إذ المقصود من التصرف في المال وهو الربح لا يحصل إلا بتكرار التجارة ولا يحصل ذلك مع عدم اللزوم لأنه إذا اشترى شيئا يحتاج إلى أن يمسكه إلى وقت البلوغ فلا يحصل المقصود فسقطت ولاية التصرف في المال بطريق الضرورة وهذه الضرورة منعدمة في ولاية الإنكاح فثبتت ولاية الإنكاح وأما الحديث فالمراد منه اليتيمة البالغة بدلالة الاستئمار وهذا وإن كان مجازا لكن فيما ذكره أيضا إضمار فوقعت المعارضة فسقط الاحتجاج به أو نحمله على ما قلنا توفيقا بين الدليلين صيانة لهما عن التناقض ثم إذا زوج الصغير أو الصغيرة فلهما الخيار إذا بلغا عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا خيار لهما ونذكر المسئلة ( ( ( المسألة ) ) ) إن شاء الله تعالى في شرائط اللزوم وأما شرائط ثبوت هذه الولاية فنوعان في الأصل نوع هو شرط ثبوت أصل الولاية ونوع هو شرط التقدم أما شرط ثبوت أصل الولاية فأنواع بعضها يرجع إلى الولي وبعضها يرجع إلى المولى عليه وبعضها يرجع إلى نفس التصرف أما الذي يرجع إلى الولي فأنواع منها عقل الولي ومنها بلوغه فلا تثبت الولاية للمجنون والصبي لأنهما ليسا من أهل الولاية لما ذكرنا في ولاية الملك ولهذا لم تثبت لهما الولاية على أنفسهما مع أنهما أقرب إليهما فلأن تثبت على غيرهما أولى ومنها أن يكون ممن يرث الخروج لأن سبب ثبوت الولاية والوراثة واحد وهو القرابة وكل من يرثه يلي عليه ومن لا يرثه لا يلي عليه وهذا يطرد على أصل أبي حنيفة خاصة وينعكس عند الكل فيخرج عليه مسائل فنقول لا ولاية للمملوك على أحد لأنه لا يرث أحدا ولأن المملوك ليس من أهل الولاية ألا ترى أنه لا ولاية له على نفسه ولأن الولاية تنبىء عن المالكية والشخص الواحد كيف يكون مالكا ومملوكا في زمان واحد لأن هذه ولاية نظر ومصلحة ومصالح النكاح لا يتوقف عليها إلا بالتأمل والتدبر والمملوك لاشتغاله بخدمة مولاه لا يتفرغ للتأمل والتدبر فلا يعرف كون إنكاحه مصلحة والله عز وجل الموفق ولا ولاية للمرتد على أحد لا على مسلم ولا على كافر ولا على مرتد مثله لأنه لا يرث أحدا ولأنه لا ولاية له على نفسه حتى لا يجوز نكاحه أحدا لا مسلما ولا كافرا ولا مرتدا مثله فلا يكون له ولاية على غيره ولا ولاية للكافر على المسلم لأنه لا ميراث بينهما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتوارث أهل ملتين شيئا ولأن الكافر ليس من أهل الولاية على المسلم لأن الشرع قطع ولاية الكافر على المسلمين قال الله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وقال صلى الله عليه وسلم الإسلام يعلو ولا يعلى ولأن اثبات الولاية للكافر على المسلم تشعر بإذلال المسلم من جهة الكافر وهذا لا يجوز ولهذا صينت المسلمة عن نكاح الكافر