Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V02/P273

فلا جواز للنكاح بدون المهر عندنا والكلام في هذا الشرط في مواضع في بيان أن المهر هل هو شرط جواز النكاح أم لا وفي بيان أدنى المقدار الذي يصلح مهرا وفي بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح وبيان حكم صحة التسمية وفسادها وفي بيان ما يجب به المهر وبيان وقت وجوبه وكيفية وجوبه وما يتعلق بذلك من الأحكام وفي بيان ما يتأكد به كل المهر وفي بيان ما يسقط به الكل وفي بيان ما يسقط به النصف وفي بيان حكم اختلاف الزوجين في المهر أما الأول فقد اختلف فيه قال أصحابنا إن المهر شرط جواز نكاح المسلم وقال الشافعي ليس بشرط ويجوز النكاح بدون المهر حتى أن من تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا بأن سكت عن ذكر المهر أو تزوجها على أن لا مهر لها ورضيت المرأة بذلك يجب مهر المثل بنفس العقد عندنا حتى يثبت لها ولاية المطالبة بالتسليم ولو ماتت المرأة قبل الدخول يؤخذ مهر المثل من الزوج ولو مات الزوج قبل الدخول تستحق مهر المثل من تركته وعنده لا يجب مهر المثل بنفس العقد وإنما يجب بالفرض على الزوج أو بالدخول حتى لو دخل بها قبل الفرض يجب مهر المثل ولو طلقها قبل الدخول بها وقبل الفرض لا يجب مهر المثل بلا خلاف وإنما تجب المتعة ولو مات الزوجان لا يقضي بشيء في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد يقضي لورثتها بمهر مثلها ويستوفي من تركة الزوج ولا خلاف في أن النكاح يصح من غير ذكر المهر ومع نفيه لقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة رفع سبحانه الجناح عمن طلق في نكاح لا تسمية فيه والطلاق لا يكون إلا بعد النكاح فدل على جواز النكاح بلا تسمية وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن والمراد منه الطلاق في نكاح لا تسمية فيه بدليل أنه أوجب المتعة بقوله فمتعوهن والمتعة إنما تجب في نكاح لا تسمية فيه فدل على جواز النكاح من غير تسمية ولأنه متى قام الدليل على أنه لا جواز للنكاح بدون المهر كان ذكره ذكرا للمهر ضرورة احتج الشافعي بقوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة سمى الصداق نحلة والنحلة هي العطية والعطية هي الصلة فدل أن المهر صلة زائدة في باب النكاح فلا يجب بنفس العقد ولأن النكاح عقد ازدواج لأن اللفظ لا ينبى إلا عنه فيقتضي ثبوت الزوجية بينهما وحل الاستمتاع لكل واحد منهما بصاحبه تحقيقا لمقاصد النكاح إلا أنه ثبت عليها نوع مالك ( ( ( ملك ) ) ) في منافع البضع ضرورة تحقق المقاصد ولا ضرورة في إثبات ملك المهر لها عليه فكان المهر عهدة زائدة في حق الزوج صلة لها فلا يصير عوضا إلا بالتسمية والدليل على جواز النكاح من غير مهر أن المولى إذا زوج أمته من عبده يصح النكاح ولا يجب المهر لأنه لو وجب عليه لوجب للمولى ولا يجب للمولى على عبده دين وكذا الذمي إذا تزوج ذمية بغير مهر جاز النكاح ولا يجب المهر وكذا إذا ماتا في هذه المسألة قبل الفرض لا يجب شيء عند أبي حنيفة ولنا قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم أخبر سبحانه وتعالى أنه أحل ما وراء ذلك بشرط الابتغاء بالمال دل أنه لا جواز للنكاح بدون المال فإن قيل الإحلال بشرط ابتغاء المال لا ينفي الإحلال بدون هذا الشرط خصوصا على أصلكم أن تعليق الحكم بشرط لا ينفي وجوده عند عدم الشرط فالجواب أن الأصل في الأبضاع والنفوس هو الحرمة والإباحة تثبت بهذا الشرط فعند عدم الشرط تبقى الحرمة على الأصل لا حكما للتعليق بالشرط فلم يتناقض أصلنا بحمد الله تعالى

Section V02/P273–V02/P274

وروي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رجلا كان يختلف إليه شهرا يسأله عن امرأة مات عنها زوجها ولم يكن فرض لها شيئا وكان يتردد في الجواب فلما تم الشهر قال للسائل لم أجد ذلك في كتاب الله ولا فيما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن اجتهد برأيي فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن أم عبد وفي رواية فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان أرى لها مثل نسائها لا وكس ولا شطط فقام رجل يقال له معقل بن سنان وقال إني أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق الأشجعية مثل قضائك هذا ثم قام أناس من أشجع وقالوا إنا نشهد بمثل شهادته ففرح عبد الله رضي الله عنه فرحا لم يفرح مثله في الإسلام لموافقة قضائه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن ملك النكاح لم يشرع لعينه بل لمقاصد لا حصول لها إلا بالدوام على النكاح والقرار عليه ولا يدوم إلا بوجوب المهر بنفس العقد لما يجري بين الزوجين من الأسباب التي تحمل الزوج على الطلاق من الوحشة والخشونة فلو لم يجب المهر بنفس العقد لا يبالي الزوج عن إزالة هذا الملك بأدنى خشونة تحدث بينهما لأنه لا يشق عليه إزالته لما لم يخف لزوم المهر فلا تحصل المقاصد المطلوبة من النكاح ولأن مصالح النكاح ومقاصده لا تحصل إلا بالموافقة ولا تحصل الموافقة إلا إذا كانت المرأة عزيزة مكرمة عند الزوج ولا عزة إلا بانسداد طريق الوصول إليها إلا بمال له خطر عنده لأن ما ضاق طريق إصابته يعز في الأعين فيعز به إمساكه وما يتيسر طريق إصابته يهون في الأعين فيهون إمساكه ومتى هانت في أعين الزوج تلحقها الوحشة فلا تقع الموافقة فلا تحصل مقاصد النكاح ولأن الملك ثابت في جانبها إما في نفسها وإما في المتعة وأحكام الملك في الحرة تشعر بالذل والهوان فلا بد وأن يقابله مال له خطر لينجبر الذل من حيث المعنى والدليل على صحة ما قلنا وفساد ما قال أنها إذا طلبت الفرض من الزوج يجب عليه الفرض حتى لو امتنع فالقاضي يجبره على ذلك ولو لم يفعل ناب القاضي منابه في الفرض وهذا دليل الوجوب قبل الفرض لأن الفرض تقدير ومن المحال وجوب تقدير ما ليس بواجب وكذا لها أن تحبس نفسها حتى يفرض لها المهر ويسلم اليها بعد الفرض وذلك كله دليل الوجوب بنفس العقد وأما الآية فالنحلة كما تذكر بمعنى العطية تذكر بمعنى الدين يقال ما نحلتك أي ما دينك فكان معنى قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة أي دينا أي انتحلوا ذلك وعلى هذا كانت الآية حجة عليه لأنها تقتضي أن يكون وجوب المهر في النكاح دينا فيقع الاحتمال في المراد بالآية فلا تكون حجة مع الاحتمال وأما قوله النكاح ينبىء عن الازدواج فقط فنعم لكنه شرع لمصالح لا تصلح إلا بالمهر فيجب المهر ألا ترى أنه لا ينبىء عن الملك أيضا لكن لما كان مصالح النكاح لا تحصل بدونه ثبت تحصيلا للمصالح كذا المهر وأما المولى إذا زوج أمته من عبده فقد قيل إن المهر يجب ثم يسقط وفائدة الوجوب هو جواز النكاح وأما الذمي إذا تزوج ذمية من غير مهر فعلى قولهما يجب المهر وأما على قول أبي حنيفة فيجب أيضا إلا أنا لا نتعرض لهم لأنهم يدينون ذلك وقد أمرنا بتركهم وما يدينون حتى أنهما لو ترافعا إلى القاضي فرض القاضي لها المهر

Section V02/P274–V02/P275

وكذا إذا مات الزوجان يقضي بمهر المثل لورثة المرأة عندهما وعند أبي حنيفة إنما لا يقضي لوجود الاستيفاء دلالة لأن موتهما معا في زمان واحد نادر وإنما الغالب موتهما على التعاقب فإذا لم تجز المطالبة بالمهر دل ذلك على الاستيفاء أو على استيفاء البعض والإبراء عن البعض مع ما أنه قد قيل أن قول أبي حنيفة محمول على ما إذا تقادم العهد حتى لم يبق من نسائها من يعتبر به مهر مثلها كذا ذكره أبو الحسن الكرخي وأبو بكر الرازي وعند ذلك يتعذر القضاء بمهر المثل وإلى هذا أشار محمد لأبي حنيفة أرأيت لو أن ورثة علي ادعوا على ورثة عمر مهر أم كلثوم رضي الله عنهم أكنت أقضي به وهذا المنع ( ( ( المعنى ) ) ) لم يوجد في موت أحدهما فيجب مهر المثل فصل وأما بيان أدنى المقدار الذي يصلح مهرا فأدناه عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم وهذا عندنا وعند الشافعي المهر غير مقدر يستوي فيه القليل والكثير وتصلح الدانق والحبة مهرا واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أعطى في نكاح ملء كفيه طعاما أو دقيقا أو سويقا فقد استحل وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال تزوج عبد الرحمن بن عوف امرأة على وزن نواة من ذهب وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فدل أن التقدير في المهر ليس بلازم ولأن المهر ثبت حقا للعبد وهو حق المرأة بدليل أنها تملك التصرف فيه استيفاء واسقاطا فكان التقدير فيه إلى العاقدين ولنا قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم شرط سبحانه وتعالى أن يكون المهر مالا والحبة والدانق ونحوهما لا يعدان مالا فلا يصلح مهرا وروي عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا مهر دون عشرة دراهم وعن عمر وعلي وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنهم قالوا لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم والظاهر أنهم قالوا ذلك توقيفا لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس ولأنه لما وقع الاختلاف في المقدار يجب الأخذ بالمتيقن وهو العشرة وأما الحديث ففيه إثبات الاستحلال إذا ذكر فيه مال قليل لا تبلغ قيمته عشرة وعندنا الاستحلال صحيح ثابت لأن النكاح صحيح ثابت ألا ترى أنه يصح من غير تسمية شيء أصلا فعند تسمية مال قليل أولى إلا أن المسمى إذا كان دون العشرة تكمل عشرة وليس في الحديث نفي الزيادة على القدر وعندنا قام دليل الزيادة إلى العشرة لما نذكر فيكمل عشرة ولا حجة له فيما روي من الأثر لأن فيه وزن نواة من ذهب وقد تكون مثل وزن دينار بل تكون أكثر في العادة فإن قيل روي أن قيمة النواة كانت ثلاثة دراهم فالجواب أن المقوم غير معلوم أنه من كان فلا يصلح أن يجعل قول ذلك حجة على الغير حتى يعلم أنه من هو مع ما أنه قد قال قوم إن النواة كان بلغ وزنها قيمة عشرة دراهم وبه قال إبراهيم النخعي على أن القدر المذكور في الخبر والأثر كان يحتمل أن يكون معجلا في المهر لا أصل المهر على ما جرت العادة بتعجيل شيء من المهر قبل الدخول ويحتمل أن يكون ذلك كله في حال جواز النكاح بغير مهر على ما قيل إن النكاح كان جائزا بغير مهر إلى أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشغار وأما قوله أن المهر حق العبد فكان التقدير فيه إلى العبد فنقول نعم هو في حالة البقاء حقها على الخلوص فأما في حالة الثبوت فحق الشرع متعلق به إبانة لخطر البضع صيانة له عن شبهة الابتذال بإيجاب مال له خطر في الشرع كما في نصاب السرقة فإن كان المسمى أقل من عشرة يكمل عشرة عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر لها مهر المثل وجه قوله أن ما دون العشرة لا يصلح مهرا ففسدت التسمية كما لو سمي خمرا أو خنزيرا فيجب مهر المثل

Section V02/P275–V02/P276

ولنا أنه لما كان أدنى المقدار الذي يصلح مهرا في الشرع هو العشرة كان ذكر بعض العشرة ذكرا للكل لأن العشرة في كونها مهرا لا يتجزأ وذكر البعض فيما لا يتبعض يكون ذكرا لكله كما في الطلاق والعفو عن القصاص وأما قوله إن ما دون العشرة لا يصلح مهرا فتفسد التسمية فنقول التسمية إنما تفسد إذا لم يكن المسمى مالا أو كان مجهولا وههنا المسمى مال وإن قل فهو معلوم إلا أنه لا يصلح مهرا بنفسه إلا بغيره فكان ذكره ذكرا لما هو الأدنى من المصلح بنفسه وفيه تصحيح تصرفه بالقدر الممكن فكان أولى من إلحاقه بالعدم وفيه أخذ باليقين أيضا فكان أحق بخلاف ما إذا ذكر خمرا أو خنزيرا لأن المسمى ليس بمال فلم يصلح مهرا بنفسه ولا بغيره ففسدت التسمية فوجب الموجب الأصلي وهو مهر المثل ولو تزوجها على ثوب معين أو على موصوف أو على مكيل أو موزون معين فذلك مهرها إذا بلغت قيمته عشرة وتعتبر قيمته يوم العقد لا يوم التسليم حتى لو كانت قيمته يوم العقد عشرة فلم يسلمه إليها حتى صارت قيمته ثمانية فليس لها إلا ذلك ولو كانت قيمته يوم العقد ثمانية فلم يسلمه إليها حتى صارت قيمته عشرة فلها ذلك ودرهمان وذكر الحسين عن أبي حنيفة أنه فرق بين الثوب وبين المكيل والموزون فقال في الثوب تعتبر قيمته يوم التسليم وفي المكيل والموزون يوم العقد وهذا الفرق لا يعقل له وجه في المعين لأن الزوج يجبر على تسليم المعين فيهما جميعا ووجه الفرق بينهما في الموصوف أن المكيل والموزون إذا كان موصوفا في الذمة فالزوج مجبور على دفعه ولا يجوز دفع غيره من غير رضاها فكان مستقرا مهرا بنفسه في ذمته فتعتبر قيمته يوم الاستقرار وهو يوم العقد فأما الثوب وإن وصف فلم يتقرر مهرا في الذمة بنفسه بل الزوج مخير في تسليمه وتسليم قيمته في إحدى الروايتين على ما نذكر إن شاء الله تعالى وإنما يتقرر مهرا بالتسليم فتعتبر قيمته يوم التسليم وجه ظاهر الرواية أن ما جعل مهرا لم يتغير في نفسه وإنما التغير في رغبات الناس بحدوث فتور فيها ولهذا لو غصب شيئا قيمته عشرة فيعتبر سعره وصار يساوي خمسة فزده ( ( ( فرده ) ) ) على المالك لا يضمن شيئا ولأنه لما سمى ما هو أدنى مالية من العشرة كان ذلك تسمية للعشرة لأن ذكر البعض فيما لا يتجزأ ذكر لكله فصار كأنه سمي ذلك درهمين ثم ازدادات ( ( ( ازدادت ) ) ) قيمته والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح وبيانه ( ( ( وبيان ) ) ) حكم صحة التسمية وفسادها فنقول لصحة التسمية شرائط منها أن يكون المسمى مالا متقوما وهذا عندنا وعند الشافعي هذا ليس بشرط ويصح التسمية سواء كان المسمى مالا أو لم يكن بعد أن يكون مما يجوز أخذ العوض عنه واحتج بما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله وقالت يا رسول الله إني وهبت نفسي لك فقال عليه الصلاة والسلام ما بي في النساء من حاجة فقام رجل وقال زوجنيها يا رسول الله فقال رسول الله ما عندك فقال ما عندي شيء أعطيها فقال أعطها ولو خاتما من حديد فقال ما عندي فقال هل معك شيء من القرآن قال نعم سورة كذا فقال زوجتكها بما معك من القرآن ومعلوم أن المسمى وهو السورة من القرآن لا يوصف بالمالية فدل أن كون التسمية مالا ليس بشرط لصحة التسمية ولنا قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم شرط أن يكون المهر مالا فما لا يكون مالا لا يكون مهرا فلا تصح تسميته مهرا وقوله تعالى فنصف ما فرضتم أمر بتنصيف المفروض في الطلاق قبل الدخول فيقتضي كون المفروض محتملا للتنصيف وهو المال

Section V02/P276–V02/P277

وأما الحديث فهو في حد الآحاد ولا يترك نص الكتاب بخبر الواحد مع ما أن ظاهره متروك لأن السورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع وليس فيه ذكر تعليم القرآن ولا ما يدل عليه ثم تأويلها زوجتكها بسبب ما معك من القرآن وبحرمته وبركته لا أنه كان ذلك النكاح بغير تسمية مال وعلى هذا الأصل مسائل إذا تزوج على تعليم القرآن أو على تعليم الحلال والحرام من الأحكام أو على الحج والعمرة ونحوها من الطاعات لا تصح التسمية عندنا لأن المسمى ليس بمال فلا يصير شيء من ذلك مهرا ثم الأصل في التسمية أنها إذا صحت وتقررت يجب المسمى ثم ينظر إن كان المسمى عشرة فصاعدا فليس لها إلا ذلك وإن كان دون العشرة تكمل العشرة عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر والمسألة قد مرت وإذا فسدت التسمية أو تزلزلت يجب مهر المثل لأن العوض الأصلي في هذا الباب هو مهر المثل لأنه قيمة البضع وإنما يعدل عنه إلى المسمى إذا صحت التسمية وكانت التسمية تقديرا لتلك القيمة فإذا لم تصح التسمية أو تزلزلت لم يصح التقدير فإذا لم يصح التقدير فوجب المصير إلى الفرض الأصلي ولهذا كان المبيع بيعا فاسدا مضمونا بالقيمة في ذوات القيم لا بالثمن كذا هذا والنكاح جائز لأن جوازه لا يقف على التسمية أصلا فإنه جائز عند عدم التسمية رأسا فعدم التسمية إذا لم يمنع جواز النكاح ففسادها أولى أن لا يمنع ولأن التسمية إذا فسدت التحقت بالعدم فصار كأنه تزوجها ولم يسم شيئا وهناك النكاح صحيح كذا هذا ولأن تسمية ما ليس بمال بشرط ( ( ( شرط ) ) ) فاسد والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة بخلاف البيع والفرق أن الفساد في باب البيع لمكان الربا والربا لا يتحقق في النكاح فيبطل الشرط ويبقى النكاح صحيحا وعنده تصح التسمية ويصير المذكور مهرا لأنه يجوز أخذ العوض عنه بالاستئجار عليه عنده فتصح تسميته مهرا وكذلك إذا تزوج امرأة على طلاق امرأة أخرى أو على العفو عن القصاص عندنا لأن الطلاق ليس بمال وكذا القصاص وعنده تصح التسمية لأنه يجوز أخذ العوض عن الطلاق والقصاص وكذلك إذا تزوجها على أن لا يخرجها من بلدها أو على أن لا يتزوج عليها فإن المذكور ليس بمال وكذا لو تزوج المسلم المسلمة على ميتة أو دم أو خمر أو خنزير لم تصح التسمية لأن الميتة والدم ليسا بمال في حق أحد والخمر والخنزير ليسا بمال متقوم في حق المسلم فلا تصح تسمية شيء من ذلك مهرا وعلى هذا يخرج نكاح الشغار وهو أن يزوج الرجل أخته لآخر على أن يزوجه الآخر أخته أو يزوجه ابنته أو يزوجه أمته وهذه التسمية فاسدة لأن كل واحد منهما جعل بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى والبضع ليس بمال ففسدت التسيمة ( ( ( التسمية ) ) ) ولكل واحدة منهما مهر المثل لما قلنا والنكاح صحيح عندنا وعند الشافعي فاسد واحتج بما روي عن النبي أنه نهى عن نكاح الشغار والنهي يوجب فساد المنهى عنه ولأن كل واحد منهما جعل بضع كل واحدة من المرأتين نكاحا وصداقا وهذا لا يصح ولنا أن هذا النكاح مؤبد أدخل فيه شرطا فاسدا حيث شرط فيه أن يكون بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى والبضع لا يصلح مهرا والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة كما إذا تزوجها على أن يطلقها وعلى أن ينقلها من منزلها ونحو ذلك وبه تبين أنه لم يجتمع النكاح والصداق في بضع واحد لأن جعل البضع صداقا لم يصح فأما النهي عن نكاح الشغار فنكاح الشغار هو النكاح الخالي عن العوض مأخوذ من قولهم شغر البلد إذا خلا عن السلطان وشغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه وعندنا هو نكاح بعوض وهو مهر المثل فلا يكون شغارا على أن النهي ليس عن عين النكاح لأنه تصرف مشروع مشتمل على مصالح الدين والدنيا فلا يحتمل النهي عن إخلاء النكاح عن تسمية المهر

Section V02/P277–V02/P278

والدليل عليه ما روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال نهى رسول الله أن تنكح المرأة بالمرأة ليس لواحدة منهما مهر وهو إشارة إلى أن النهي لمكان تسمية المهر لا لعين النكاح فبقي النكاح صحيحا ولو تزوج حر امرأة على أن يخدمها سنة فالتسمية فاسدة ولها مهر مثلها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد التسمية صحيحة ولها قيمة خدمة سنة وعند الشافعي التسمية صحيحة ولها خدمة سنة وذكر ابن سماعة في نوادره أنه إذا تزوجها على أن يرعى غنمها سنة أن التسمية صحيحة ولها رعي غنمها سنة ولفظ رواية الأصل يدل على أنها لا تصح في رعي الغنم كما لا تصح في الخدمة لأن رعي غنمها خدمتها من مشايخنا من جعل في رعي غنمها روايتين ومنهم من قال يصح في رعي الغنم بالإجماع وإنما الخلاف في خدمته لها ولا خلاف في أن العبد إذا تزوج بإذن المولى امرأة على أن يخدمها سنة أن تصح التسمية ولها المسمى أما الشافعي فقد مر على أصله أن كل ما يجوز أخذ العوض عنه يصح تسميته مهرا ومنافع الحر يجوز أخذ العوض عنها لأن إجارة الحر جائزة بلا خلاف فتصح تسميتها كما تصح تسمية منافع العبد وأما الكلام مع أصحابنا فوجه قول محمد أن منافع الحر مال لأنها مال في سائر العقود حتى يجوز أخذ العوض عنها فكذا في النكاح وإذا كانت مالا صحت التسمية إلا أنه تعذر التسليم لما في التسليم من استخدام الحرة زوجها وأنه حرام لما نذكر فيجب الرجوع إلى قيمة الخدمة كما لو تزوجها على عبد فاستحق العبد أنه يجب عليه قيمة العبد لأن تسمية العبد قد صحت لكونه مالا لكن تعذر تسليمه بالاستحقاق فوجبت عليه قيمته لا مهر المثل لما قلنا كذا هذا وجه قولهما أن المنافع ليست بأموال متقومة على أصل أصحابنا ولهذا لم تكن مضمونة بالغصب والإتلاف وإنما يثبت لها حكم التقوم في سائر العقود شرعا ضرورة دفعا للحاجة بها ولا يمكن دفع الحاجة بها ههنا لأن الحاجة لا تندفع إلا بالتسليم وأنه ممنوع عنه شرعا لأن استخدام الحرة زوجها الحر حرام لكونه استهانة وإذلالا وهذا لا يجوز ولهذا لا يجوز للابن أن يستأجر أباه للخدمة فلا تسلم خدمته لها شرعا فلا يمكن دفع الحاجة بها فلم يثبت لها التقوم فبقيت على الأصل فصار كما لو سمى ما لا قيمة له كالخمر والخنزير وهناك لا تصح التسمية ويجب مهر المثل كذا ههنا حتى لو كان المسمى فعلا لا استهانة فيه ولا مذلة على الرجل كرعي دوابها وزراعة أرضها والأعمال التي خارج البيت تصح بالتسمية لأن ذلك من باب القيام بأمرها لا من باب الخدمة بخلاف العبد لأن استخدام زوجته إياه ليس بحرام لأنه عرضة للاستخدام والإبتذال لكونه مملوكا ملحقا بالبهائم ولأن مبنى النكاح على الاشتراك في القيام بمصالح المعاش فكان لها في خدمته حق فإذا جعل خدمته لها مهرها فكأنه جعل ما هو لها مهرها فلم يجز كالأب إذا استأجر ابنه بخدمته أنه لا يجوز لأن خدمة الأب مستحقة عليه كذا هذا بخلاف العبد لأن خدمته خالص ملك المولى فصحت التسمية ولو تزوجها على منافع سائر الأعيان من سكنى داره وخدمة عبيده وركوب دابته والحمل عليها وزراعة أرضه ونحو ذلك من منافع الأعيان مدة معلومة صحت التسمية لأن هذه المنافع أموال أو التحقت بالأموال شرعا في سائر العقود لمكان الحاجة والحاجة في النكاح متحققة وإمكان الدفع بالتسليم ثابت بتسليم محالها إذ ليس فيه استخدام المرأة زوجها فجعلت أموالا والتحقت بالأعيان فحصت ( ( ( فصحت ) ) ) تسميتها

Section V02/P278–V02/P279

وعلى هذا يخرج ما إذا قال تزوجتك على هذا العبد فإذا هو حر وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو إما أن سمي ما يصلح مهرا وأشار إلى ما لا يصلح مهرا وإما أن سمى ما لا يصلح مهرا فأشار إلى ما يصلح مهرا فإن سمى ما يصلح مهرا وأشار إلى ما لا يصلح مهرا بأن قال تزوجتك على هذا العبد فإذا هو حر أو على هذه الشاة الذكية فإذا هي ميتة أو على هذا الزق الخل فإذا هو خمر فالتسمية فاسدة في جميع ذلك ولها مهر المثل في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف تصح التسمية في الكل وعليه في الحر قيمة الحر لو كان عبدا وفي الشاة قيمة الشاة لو كانت ذكية وفي الخمر مثل ذلك الدن من خل وسط ومحمد فرق فقال مثل قول أبي حنيفة في الحر والميتة ومثل قول أبي يوسف في الخمر وجه قول أبي يوسف أن المسمى مال لأن المسمى هو العبد والشاة الذكية والخل وكل ذلك مال فصحت التسمية إلا أنه إذا ظهر أن المشار إليه خلاف جنس المسمى في صلاحية المهر تعذر التسليم فتجب القيمة في الحر والشاة لأنهما ليسا من المثليات وفي الخمر يجب مثله خلا لأنه مثلي كما لو هلك المسمى أو استحق وجه قول محمد في الفرق أن الإشارة مع التسمية إذا اجتمعتا في العقود فإن كان المشار إليه من جنس المسمى يتعلق العقد بالمشار إليه وإن كان من خلاف جنسه يتعلق العقد بالمسمى هذا أصل مجمع عليه في البيع على ما نذكر في البيوع والحر من جنس العبد لاتحاد جنس المنفعة وكذا الشاة الميتة من جنس الشاة الذكية فكانت العبرة للإشارة والتحقت التسمية بالعدم والمشار إليه لا يصلح مهرا فصار كأنه اقتصر على الإشارة ولم يسم بأن قال تزوجتك على هذا وسكت فأما الخل مع الخمر فجنسان مختلفان لاختلاف جنس المنفعة فتعلق العقد بالمسمى لكن تعذر تسليمه وهو مثلي فيجب مثله خلا ولأبي حنيفة أن الإشارة والتسمية كل واحد منهما وضعت للتعيرف ( ( ( للتعريف ) ) ) إلا أن الإشارة أبلغ في التعريف لأنها تحضر العين وتقطع الشركة والتسمية لا توجب إحضار العين ولا تقطع الشركة فسقط اعتبار التسمية عند الإشارة وبقيت الإشارة والمشار إليه لا يصلح مهرا لأنه ليس بمال فيجب مهر المثل كما لو أشار إلى الميتة والدم والخمر والخنزير ولم يسم وحقيقة الفقه لأبي حنيفة أن هذا حر سمي عبدا وتسمية الحر عبدا باطل لأنه كذب فالتحقت التسمية بالعدم وبقيت الإشارة والمشار إليه لا يصلح مهرا لأنه ليس بمال فالتحقت الإشارة بالعدم أيضا فصار كأنه تزوجها ولم يسم لها مهرا وهذا فقه واضح بحمد الله تعالى هذا إذا سمى ما يصلح مهرا وأشار إلى ما لا يصلح مهرا فأما إذا سمى ما لا يصلح مهرا وأشار إلى ما يصلح مهرا بأن قال تزوجتك على هذا الحر فإذا هو عبدا وعلى هذه الميتة فإذا هي ذكية أو على هذا الدن الخمر فإذا هو خل فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن التسمية فاسدة ولها المشار إليه وروى محمد عنه أن لها مهر المثل ورواية أبي يوسف أصح الروايتين لأن الأصل عند أبي حنيفة أن التسمية لا حكم لها مع الإشارة في باب النكاح فكانت العبرة للإشارة والمشار إليه يصلح مهرا لأنه مال فكان لها المشار إليه ووجه ( ( ( وجه ) ) ) ما روي محمد عنه أنه لما سمى مالا يصلح مهرا وأشار إلى ما يصلح مهرا فقد هزل بالتسمية والهازل لا يتعلق بتسميته حكم فبطل كلامه رأسا ولو تزوجها على هذا الدن الخمر وقيمة الظرف عشرة دراهم فصاعدا روى ابن سماعة عن محمد في هذه المسألة روايتين روى عنه أن لها الدن لا غير وروى عنه أيضا أن لها مهر المثل

Section V02/P279

وجه الرواية الأولى أنه سمى ما يصلح مهرا وهو الظرف وما لا يصلح مهرا وهو الخمر فيلغو ما لا يصلح مهرا كما لو تزوجها على الخل والخمر وقيمة الخل عشرة أنه يكون لها الخل لا غير لما قلنا كذا هذا وجه الرواية الأخرى أن الظرف لا يقصد بالعقد عادة بل هو تابع وإنما المقصود هو المظروف فإذا بطلت التسمية في المقصود تبطل فيما هو تبع له والله تعالى أعلم ولو تزوجها على هذين العبدين فإذا أحدهما حر فليس لها إلا العبد الباقي إذا كانت قيمته عشرة دراهم في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف لها العبد وقيمة الحر لو كان عبدا وقال محمد ينظر إلى العبد إن بلغت قيمته مهر مثلها فليس لها إلا العبد وإن كانت قميته ( ( ( قيمته ) ) ) أقل من مهر مثلها تبلغ إلى ثمن مهر مثلها وهو قول زفر وهذا بناء على الأصول التي ذكرناها لهم فمن أصل أبي يوسف أن جعل الحر مهرا صحيح إذا سمى عبدا ويتعلق بقيمته أن لو كان عبدا فيتعلق العقد بالمسميين جميعا بقدر ما يحتمل كل واحد منهما التعليق به فيتعلق بالعبد بعينه لأنه ممكن ويتعلق بالحر بقيمته لو كان عبدا لأنه لا يحتمل التعليق بعينه ومن أصل محمد أن المشار إليه إذا كان من جنس المسمى فالعقد يتعلق بالمشار إليه والحر من جنس العبد لاتحاد جنس المنفعة فيتعلق العقد بهما إلا أنه لا سبيل إلى الجمع بين المسمى وبين مهر المثل فيجب مهر المثل ألا ترى أنه لو كانا حرين يجب مهر المثل عنده ومتى وجب مهر المثل امتنع وجوب المسمى ولأبي حنيفة أصلان أحدهما ما ذكرنا أن الحر إذا جعل مهرا وسمي عبدا لا يتعلق بتسميته شيء وجعل ذكره والعدم بمنزلة واحدة والثاني أن العقد إذا أضيف إلى ما لا يصلح يلغو ما لا يصلح ويستقر ما يصلح كمن جمع بين امرأة تحل له وامرأة لا تحل له وتزوجهما في عقدة واحدة بمسمى يجب كل المسمى بمقابلة الحلال وانعقاد نكاحها صحيحا للعقد والتسمية بقدر الإمكان وتقريرا للعقد فيما أمكن تقريره وإلغاؤه فيما لا يمكن تصحيحه فيه والعبد هو الصالح لكونه مهرا فصحت تسميته ويصير مهرا لها إذا بلغت قيمته عشرة فصاعدا وعلى هذا الخلاف إذا تزوجها على بيت وخادم والخادم حر ولو تزوجها على هذين الدنين من الخل فإذا أحدهما خمر لها الباقي لا غير في قول أبي حنيفة إذا كان يساوي عشرة دراهم كما في العبدين وعندهما لها الباقي ومثل هذا الدن من الخل وقد ذكرنا الأصل ولو سمي مالا وضم إليه ما ليس بمال لكن لها فيه منفعة مثل طلاق امرأة أخرى وإمساكها في بلدها أو العفو عن القصاص فإن وفى بالمنفعة فليس لها إلا ما سمى إذا كان يساوي عشرة فصاعدا لأنه سمى ما يصلح مهرا بنفسه وشرط لها منفعة وقد وفى بما شرط لها فصحت التسمية وصارت العشرة مهرا وإن لم يف بالمنفعة فلها مهر مثلها ثم ينظر إن كان ما سمى لها من المال مثل مهر مثلها أو أكثر فلا شيء لها إلا ذلك وإن كان ما سمى لها أقل من مهر مثلها تمم لها مهر مثلها عندنا وقال زفر إن كان المضموم مالا كما إذا شرط أن يهدي لها هدية فلم يف لها تمم لها مهر المثل وإن كان غير مال كطلاق امرأة أخرى وأن لا يخرجها من بلدها فليس لها إلا ما سمى وجه قول زفر أن ما ليس بمال لا يتقوم فلا يكون فواته مضمونا بعوض وما هو مال يتقوم فإذا لم يسلم لها جاز لها الرجوع إلى تمام العوض

Section V02/P279–V02/P280

ولنا أن الموجب الأصلي في هذا الباب هو مهر المثل فلا يعدل عنه إلا عند استحكام التسمية فإذا وفى بالمنفعة فقد تقررت التسمية فوجب المسمى وإذا لم يف بها لم تتقرر لأنها ما رضيت بالمسمى من المال عوضا بنفسه بل بمنفعة أخرى مضمومة إليه وهي منفعة أخرى مرغوب فيها خلال الاستيفاء شرعا فإذا لم يسلم لها تتقرر التسمية فبقي حقها في العوض الأصلي وهو مهر المثل فإن كان أقل من مهر مثلها أو أكثر فليس لها إلا ذلك لأنه وصل إليها قدر حقها وإن كان أقل من مهر مثلها يكمل لها مهر مثلها أيضا لا إلى الحق المستحق فرق بين هذا وبين ما إذا تزوجها على مهر صحيح وأرطال من خمر أن المهر ما يسمى لها إذا كان عشرة فصاعدا ويبطل الحرام وليس لها تمام مهر مثلها أو أكثر فليس لها إلا ذلك لأنه وصل إليها قدر حقها وإن كان أقل من مهر مثلها يكمل لها مهر مثلها أيضا لأن تسمية الخمر لم تصح في حق الانتفاع بها في حق المسلم إذ لا منفعة للمسلم فيها لحرمة الانتفاع بها في حق المسلم فلا يجوز أن يجب بفواتها عوض فالتحقت تسميتها بالعدم وصار كأنه لم يسم إلا المهر الصحيح فلا يجب لها إلا المهر الصحيح بخلاف المسألة الأولى وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق أمته على أن تزوج نفسها منه فقبلت عتقت لأنه أعتقها بعوض فنزول ( ( ( فيزول ) ) ) ملكه بقبول العوض كما لو باعها وكما إذا قال لها أنت حرة على ألف درهم بخلاف ما إذا قال لعبده إن أديت إلي ألفا فأنت حر أنه لا يعتق بالقبول ما لم يؤد لأن ذلك ليس بمعاوضة بل هو تعليق وهو تعليق الحرية بشرط الأداء إليه ولم يوجد الشرط ثم إذا أعتقت بالقبول فبعد ذلك لا يخلو إما أن زوجت نفسها منه وإما أن أبت التزويج فإن زوجت نفسها منه ينظر إن كان قد سمى لها مهرا آخر وهو مال سوى الإعتاق فلها المسمى إذا كان عشرة دراهم فصاعدا وإن كان دون العشرة تكمل عشرة وإن لم يسم لها سوى الإعتاق فلها مهر مثلها في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف صداقها إعتاقها ليس لها غير ذلك وجه قوله أن العتق بمعنى المال وبدليل أنه يجوز أخذ العوض عنه بأن أعتق عبده على مال فجاز أن يكون مهرا ولهما أن العتق ليس بمال حقيقة لأن الإعتاق إبطال المالكية فكيف يكون العتق مالا إلا أنه يجوز أخذ عوض هو مال عنه وهذا لا يدل على كونه مالا بنفسه ألا ترى أن الطلاق ليس بمال ولا يجوز أخذ العوض عنه وكذا القصاص وأخذ البدل عنه جائز ونفس الحر ليست بمال وإن أبت أن تزوج نفسها منه لا تجبر على ذلك لأنها حرة ملكت نفسها فلا تجبر على النكاح لكنها تسعى في قيمتها للمولى عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا سعاية عليها وجه قوله أن السعاية إنما تجب لتخلص ( ( ( لتخليص ) ) ) الرقبة وهذه حرة خالصة فلا تلزمها السعاية ولنا أن المولى ما رضي بزوال ملكه عن رقبتها لا بنفع يقابله وهو تزويج نفسها منه وهذه منفعة مرغوب فيها وقد تعذر عليه استيفاء هذه المنفعة بمعنى من جهتها وهو إباؤها فيقام بدل قيمتها مقامها دفعا للضرر عنه وأما قوله السعاية إنما تجب لفكاك الرقبة وتخليصها وهي حرة خالصة فنقول السعاية قد تكون لتخليص الرقبة وهذا المستسعى يكون في حكم المكاتب على أصل أبي حنيفة وقد تكون لحق في الرقبة لا لفكاك الرقبة كالعبد المرهون إذا أعتقه الراهن وهو معسر كما إذا قال لعبده أنت حر على قيمة رقبتك فقبل حتى عتق كذا هذا

Section V02/P280–V02/P281

ولو تزوج امرأة على عتق أبيها أو ذي رحم محرم منها أو على عتق عبد أجنبي عنها فهذا لا يخلو إما أن ذكر فيه كلمة عنها بأن قال أتزوجك على عتق أبيك عنك أو على عتق هذا العبد عنك وأشار إلى عبد أجنبي عنها وأما أن يذكر فإن لم يذكر وقبلت عتق البعد ( ( ( العبد ) ) ) والولاء للزوج لا لها لأن المعتق هو الزوج والولاء لمن أعتق على لسان رسول الله ولها مهر مثلها إن لم يكن سمى لها مهرا آخر هو مال وإن كان قد سمى فلها المسمى لأنه علق العتق بقبولها النكاح فإذا قبلت عتق والعبد لا يصلح مهرا لأنه ليس بمال فإن كان هناك مال مسمى وجب ذلك لأنه صحت تسميته مهرا فوجب المسمى وإن لم يكن فتسميته العتق مهرا لم يصح لأنه ليس بمال فيجب مهر المثل هذا إذا لم يذكر عنها فأما إذا ذكرت فقبلت عتق العبد عنها وثبت الولاء لها وصار ذلك مهرا لأنه لما ذكر العتق عنها ولا يكون العتق عنها إلا بعد سبق الملك لها فملكته أولا ثم عتق عنها كمن قال لآخر أعتق عبدك عني عن كفارة يميني على ألف درهم يجوز ويقع العتق عن الآمر ( ( ( الآخر ) ) ) وحال ما ملكته كان مالا فصلح أن يكون مهرا وهذا إذا تزوجها على العتق فأما إذا تزوجها على الإعتاق بأن تزوجها على أن يعتق هذا العبد فهذا أيضا لا يخلو من أحد وجهين إما أن ذكر فيه عنها وإما أن لم يذكر فإن لم يذكر فقبلت صح النكاح ولا يعتق العبد ههنا بقبولها لأنه وعد أن يعتق والعتق لا يثبت بوعد الإعتاق وإنما يثبت بالإعتاق فما لم يعتق لا يعتق بخلاف الفصل الأول لأن الزواج هناك كان على العتق لا على الإعتاق ثم إذا أعتقه فعتق فلا يخلو إما أن ذكر كلمة عنها أو لم يذكر فإن كان لم يذكر ثبت الولاء منه لا منها لأن الإعتاق منه لا منها والولاء للمعتق ولها مهر مثلها إن لم يكن هناك مهر آخر مسمى وهو مال وإن كان فلها ذلك المسمى لأن الإعتاق ليس بمال بل هو إبطال المالية سواء كان العبد أجنبيا أو ذا رحم محرم منها وإن ذكر كلمة عنها ثبت الولاء منها لأن الإعتاق منها لأنه أعتق عنها ويصير العبد ملكا لها بمقتضى الإعتاق ثم إن كان ذا رحم محرم منها عتق عليها كما ملكته فتملكه فيعتق عليها وإن كان أجنبيا يصير الزوج وكيلا عنها في الإعتاق ومنها إذا أعتق كما وعد فإن أبى لا يجبر على ذلك لأنه حر مالك إلا أنه ينظر إن لم يكن ثمة مسمى هو مال فلها مهر مثلها لما ذكرنا أن تسمية الإعتاق مهرا لم يصح ولم يوجد تسمية شيء آخر هو مال فتعين مهر المثل موجبا وإن كان قد سمى لها شيئا آخر هو مال فإن كان المسمى مثل مهر المثل أو أكثر فلها ذلك المسمى لأن الزوج رضي بالزيادة وإن كان أقل من مهر مثلها فإن كان العبد أجنبيا فلها ذلك المسمى لا غير لأنه شرط لها شرطا لا منفعة لها فيه فلا يكون غارا لها بترك الوفاء بما شرط لها وإن كان ذا رحم محرم منها يبلغ به تمام مهر مثلها لأنها إنما رضيت بدون مهر مثلها بما شرط ولم تكن راضية فصار غارا لها وهذا إذا لم يقل عنها فأما إذا قال ذلك بأن تزوجها على أن يعتق هذا العبد عنها فقبلت صح النكاح وصار العبد ملكا ثم إن كان ذا رحم محرم منها عتق عليها لأنها ملكت ذا رحم محرم منها وكان ذلك مهرا لها لأنها تملكه ثم يعتق عليها وإن كان أجنبيا يكون الزوج وكيلا عنها بالإعتاق فإن أعتق قبل العزل فقد وقع العتق عنها وإن عزلته في ذلك صح العزل والله أعلم فصل ومنها أن لا يكون مجهولا جهالة تزيد على جهالة مهر المثل

Section V02/P281–V02/P282

وجملة الكلام فيه أن المهر في الأصل لا يخلو إما أن يكون معينا مشارا إليه وإما أن يكون مسمى غير معين مشارا إليه فإن كان معينا مشارا إليه صحت تسميته سواء كان مما يتعين بالتعيين في عقود المعاوضات من العروض والعقار والحيوان وسائر المكيلات والموزونات سوى الدراهم والدنانير أو كان مما لا يتعين بالتعيين في عقود المعاوضات كالدراهم لأنه مال لا جهالة فيه إلا أنه كان مما يتعين بالتعيين ليس للزوج أن يحبس العين ويدفع غيرها من غير رضا المرأة لأن المشار إليه قد تعين للعقد فتعلق حقها بالعين فوجب عليه تسليم عينه وإن كان مما لا يتعين له أن يحبسه ويدفع مثله جنسا ونوعا وقدرا وصفة لأن التعيين إذا لم يصح صار مجازا عوضا من الجنس والنوع والقدر والصفة وإن كان تبرا مجهولا أو نقرة ذهبا وفضة يجبر على تسليم عينه في رواية لأنه يتعين بالتعيين كالعروض ولا يجبر في رواية لأنه لا يتعين بالتعيين كالمضروب وإن كان المسمى غير عين فالمسمى لا يخلو إما أن يكون مجهول الجنس والنوع والقدر والصفة وإما أن يكون معلوم الجنس والنوع والقدر والصفة فإن كان مجهولا كالحيوان والدابة والثوب والدار بأن تزوج امرأة على حيوان أو دابة أو ثوب أو دار ولم يعين لم تصح التسمية وللمرأة مهر مثلها بالغا ما بلغ لأن جهالة الجنس متفاحشة لأن الحيوان اسم جنس تحته أنواع مختلفة وتحت كل نوع أشخاص مختلفة وكذا الدابة وكذا الثوب لأن اسم الثوب يقع على ثوب القطن والكتان والحرير والخز والبز وتحت كل واحد من ذلك أنواع كثيرة مختلفة وكذا الدار لأنها تختلف في الصغر والكبر والهيئة والتقطيع وتختلف قيمتها باختلاف البلاد والمحال والسكك اختلافا فاحشا فتفاحشت الجهالة فالتحقت بجهالة الجنس والأصل أن جهالة العوض تمنع صحة تسميته كما في البيع والإجارة لكونها مفضية إلى المنازعة إلا أنه يتحمل ضرب من الجهالة في المهر بالإجماع فإن مهر المثل قد يجب في النكاح الصحيح ومعلوم أن مهر المثل مجهول ضربا من الجهالة فكل جهالة في المسمى مهرا مثل جهالة مهر المثل أو أقل من ذلك يتحمل ولا يمنع صحة التسمية استدلالا بمهر المثل وكل جهالة تزيد على جهالة مهر المثل يبقى الأمر فيها على الأصل فيمنع صحة التسمية كما في سائر الأعواض إذا ثبت هذا فنقول لا شك إن جهالة الحيوان والدابة والثوب والدار أكثر من جهالة مهر المثل لأن بعد اعتبار تساوي المرأتين في المال والجمال والسن والعقل والدين والبلد والعفة يقل التفاوت بينهما فتقل الجهالة فأما جهالة الجنس والنوع فجهالة متفاحشة فكانت أكثر جهالة من مهر المثل فتمنع صحة التسمية وإن كان المسمى معلوم الجنس والنوع مجهول الصفة والقدر كما إذا تزوجها على عبد أو أمة أو فرس أو جمل أو حمار أو ثوب مروي أو هروي صحت التسمية ولها الوسط من ذلك وللزوج الخيار إن شاء أعطاها الوسط وإن شاء أعطاها قيمته وهذا عندنا وقال الشافعي لا تصح التسمية وجه قوله أن المسمى مجهول الوصف فلا تصح تسميته كما في البيع وهذا لأن جهالة الوصف تفضي إلى المنازعة كجهالة الجنس ثم جهالة الجنس تمنع صحة التسمية فكذا جهالة الوصف ولنا أن النكاح معاوضة المال بما ليس بمال والحيوان الذي هو معلوم الجنس والنوع مجهول الصفة يجوز أن يثبت دينا في الذمة بدلا عما ليس بمال كما في الذمة قال النبي في النفس المؤمنة مائة من الإبل والبضع ليس بمال فجاز أن يثبت الحيوان دينا في الذمة بدلا عنه ولأن جهالة الوسط من هذه الأصناف مثل جهالة مهر المثل أو أقل فتلك الجهالة لما لم تمنع صحة تسمية البدل فكذا هذه إلا أنه لا تصح تسميته ثمنا في البيع لأن البيع لا يحتمل جهالة البدل أصلا قلت أو كثرت والنكاح يحتمل الجهالة اليسيرة مثل جهالة مهر المثل وإنما كان كذلك لأن مبنى البيع على المضايقة والمماكسة فالجهالة فيه وإن قلت تفضي إلى المنازعة ومبنى النكاح على المسامحة والمروءة فجهالة مهر المثل فيه لا تفضي إلى المنازعة فهو الفرق

Section V02/P282–V02/P283

وأما وجوب الوسط فلأن الوسط هو العدل لما فيه من مراعاة الجانبين لأن الزوج يتضرر بإيجاب الجيد والمرأة تتضرر بإيجاب الرديء فكان العدل في إيجاب الوسط وهذا معنى قول النبي خير الأمور أوساطها والأصل في اعتبار الوسط في هذا الباب ما روي عن رسول الله أنه قال أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مواليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثل نسائها لا وكس ولا شطط وكذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في المفوضة أرى لها مهر مثل نسائها لا وكس ولا شطط والمعنى ما ذكرنا وأما ثبوت الخيار بين الوسط وبين قيمته فلأن الحيوان لا يثبت في الذمة ثبوتا مطلقا ألا ترى أنه لايثبت دينا في الذمة في معاوضة المال بالمال ولا يثبت في الذمة في ضمان الإتلاف حتى لا يكون مضمونا بالمثل في الاستهلاك بل بالقيمة فمن حيث أنه يثبت في الذمة في الجملة قلنا بوجوب الوسط منه ومن حيث أنه لا يثبت ثبوتا مطلقا قلنا يثبت الخيار بين تسليمه وبين تسليم قيمته عملا بالشبهين جميعا ولأن الوسط لا يعرف إلا بواسطة القيمة فكانت القيمة أصلا في الاستحقاق فكانت أصلا في التسليم وأما ثبوت الخيار للزوج لا للمرأة فلأنه المستحق عليه فكان الخيار له وكذلك إن تزوجها على بيت وخادم فلها بيت وسط مما يجهز به النساء وهو بيت الثوب ( ( ( النوب ) ) ) لا المبني فينصرف إلى فرش البيت في أهل الأمصار وفي أهل البادية إلى بيت الشعر ولها خادم وسط لأن المطلق من هذه الأصناف ينصرف إلى الوسط لأن الوسط منها معلوم بالعادة وجهالته مثل جهالة مهر المثل أو أقل فلا تمنع صحة التسمية كما لو نص على الوسط ولو وصف شيئا من ذلك بأن قال جيد أو وسط أو رديء فلها الموصوف ولو جاء بالقيمة تجبر على القبول لأن القيمة هي الأصل ألا ترى أنه لا يعرف الجيد والوسط والرديء إلا باعتبار القيمة فكانت القيمة هي المعرفة بهذه الصفات فكانت أصلا في الوجوب فكانت أصلا في التسليم فإذا جاء بها تجبر على قبولها ولو تزوجها على وصيف صحت التسمية ولها الوسط من ذلك ولو تزوجها على وصيف أبيض لا شك أنه تصح التسمية لأنها تصح بدون الوصف فإذا وصف أولى ولها الوصيف الجيد لأن الأبيض عندهم اسم للجيد ثم الجيد عندهم هو الرومي والوسط السندي والردىء ( ( ( والرديء ) ) ) الهندي وأما عندنا فالجيد هو التركي والوسط الرومي والرديء الهندي وقد قال أبو حنيفة قيمة الخادم الجيد خمسون دينارا وقيمة الوسط أربعون وقيمة الرديء ثلاثون وقيمة البيت الوسط أربعون دينارا وقال أبو يوسف ومحمد إن زاد السعر أو نقص فبحسب الغلاء والرخص وهذا ليس باختلاف في الحقيقة ففي زمن أبي حنيفة كانت القيم مسعرة وفي زمانهما تغيرت القيمة فأجاب كل على عرف زمانه والمعتبر في ذكر القيمة بلا خلاف ولو تزوجها على بيت وخادم حتى وجب الوسط من كل واحد منهما ثم صالحت من ذلك زوجها على أقل من قيمة الوسط ستين دينارا أو سبعين دينارا جاز الصلح لأنها بهذا الصلح أسقطت بعض حقها لأن الواجب فيهما ثمانون فإذا صالحت على أقل من ذلك فقد أسقطت البعض ومن له الحق إذا أسقط بعض حقه واستوفى الباقي جاز ويجوز ذلك بالنقد والنسيئة لما ذكرنا أن الصلح وقع على عين الحق بإسقاط البعض فكان الباقي عين الواجب فجاز فيه التأجيل فإن صالحت على مائة دينار فالفضل باطل لأن المسمى إذا لم يكن مسعرا فالقيمة واجبة بالعقد ومن وجب له حق فصالح على أكثر من حقه لم يجز وإن كان المسم ( ( ( المسمى ) ) ) معلوم الجنس والنوع والقدر والصفة كما إذا تزوجها على مكيل موصوف أو موزون موصوف سوى الدراهم والدنانير صحت التسمية لأن المسم ( ( ( المسمى ) ) ) مال معلوم لا جهالة فيه بوجه

Section V02/P283–V02/P284

ألا ترى أنه ثبت دينا في الذمة ثبوتا مطلقا فإنه يجوز البيع به والسلم فيه ويضمن بالمثل فيجبر الزوج على دفعه ولا يجوز دفع عوضه إلا برضا المرأة ولو تزوجها على مكيل أو موزون ولم يصف صحت التسمية لأنه مال معلوم الجنس والنوع فتصح تسميته فإن شاء الزوج أعطاها الوسط من ذلك وإن شاء أعطاها قيمته كذا ذكر الكرخي في جامعه وذكر الحسن عن أبي حنيفة أنه يجبر على تسليم الوسط وجه ما ذكره الكرخي أن القيمة أصل في إيجاب الوسط لأن بها يعرف كونه وسطا فكان أصلا في التسليم كما في العبد وجه رواية الحسن أن الشرع لما أوجب الوسط فقد تعين الوسط بتعيين الشرع فصار كما لو عينه بالتسمية ولو سمى الوسط يجبر على تسليمه كذا هذا بخلاف العبد فإن هناك لو سمى الوسط ونص عليه لا يجبر على تسليمه فكذا إذا أوجبه الشرع والله أعلم وأما الثياب فقد ذكر في الأصل أنه إذا تزوجها على ثياب موصوفة أنه بالخيار إن شاء سلمها وإن شاء سلم قيمتها ولم يفصل بين ما إذا سمى لها أجلا أو لم يسم وقال أبو يوسف أن أجلها يجبر على دفعها وإن لم يؤجلها فلها القيمة وروى عن أبي حنيفة أنه يجبر على تسليمها من غير هذا التفصيل وهو قول زفر وجه ما ذكر في الأصل أن الثياب لا تثبت في الذمة ثبوتا مطلقا لأنها ليست من ذوات الأمثال ألا ترى أنها مضمونة بالقيمة لا بالمثل في ضمان العدوان ولا تثبت في الذمة بنفسها في عقود المعاوضات بل بواسطة الأجل فكانت كالعبيد وهناك لا يجبر على دفع العبد وله أن يسلم القيمة كذا ههنا وأبو يوسف يقول إذا أجلها فقد صارت بحيث تثبت في الذمة ثبوتا مطلقا ألا ترى أنها تثبت في الذمة في السلم فيجبر على الدفع بل أولى لأن البدل في البيع لا يحتمل الجهالة رأسا والمهر في النكاح يحتمل ضربا من الجهالة فلما ثبتت في الذمة في البيع فلأن تثبت في النكاح أولى وجه الرواية الأخرى لأبي حنيفة أن امتناع ثبوتها في الذمة لمكان الجهالة فإذا وصفت فقد زالت الجهالة فيصح ثبوتها في الذمة مهرا في النكاح وإنما لا يصح السلم فيها إلا مؤجلا لأن العلم بها يقف على التأجيل بل لأن السلم لم يشرع إلا مؤجلا والأجل ليس بشرط في المهر فكان ثبوتها في المهر غير مؤجلة كثبوتها في السلم مؤجلة فيجبر على تسليمها ولو قال تزوجتك على هذا العبد أو على ألف على ألفين فالتسمية فاسدة في قول أبي حنيفة ويحكم مهر مثلها فإن كان مهر مثلها مثل الأدون أو أقل فلها الأدون إلا أن يرضى الزوج بالأرفع وأن كان مهر مثلها مثل الأرفع فلها الأرفع إلا أن ترضى المرأة بالأدون وإن كان مهر مثلها فوق الأدون أو أقل من الأرفع فلها مهر مثلها وقال أبو يوسف ومحمد التسمية صحيحة ولها الأدون على كل حال وجه قولهما أن المصير إلى مهر المثل عند تعذر إيجاب المسمى ولا تعذر ههنا لأنه يمكن إيجاب الأقل لكونه متيقنا وفي الزيادة شك فيجب المتيقن به وصار كما إذا أعتق عبده على ألف أو ألفين أو خالع امرأته على ألف أو ألفين أنه تصح التسمية وتجب الألف كذا هذا ولأبي حنيفة أنه جعل المهر أحد المذكورين غير عين لأن كلمة أو تتناول أحد المذكورين غير عين وأحدهما غير عين مجهول فكان المسمى مجهولا وهذه الجهالة أكثر من جهالة مهر المثل

Section V02/P284

ألا ترى أن كلمة أو تدخل بين أقل الأشياء وأكثرها فتمنع صحة التسمية فيحكم مهر المثل لأنه الموجب الأصلي في هذا الباب فلا يعدل عنه إلا عند صحة التسمية ولا صحة إلا بتعيين المسمى ولم يوجد فيجب مهر المثل لأنه لا ينقص عن الأدون لأن الزوج رضي بذلك القدر ولا يزاد على الأرفع لرضا المرأة بذلك القدر ولا يلزم على هذا ما إذا تزوجها على هذا العبد أو على هذا العبد أن الزوج بالخيار في أن يدفع أيهما شاء أو على أن المرأة بالخيار في ذلك تأخذ أيهما شاءت أنه تصح التسمية وإن كان المسمى مجهولا لأن تلك الجهالة يمكن رفعها ألا ترى أنها ترتفع باختيار من له الخيار فقلت الجهالة فكانت كجهالة مهر المثل أو أقل من ذلك فلا تمنع صحة التسمية ههنا لا سبيل إلى إزالة هذه الجهالة لأنه إذا لم يكن فيه خيار كان لكل واحد منهما أن يختار غير ما يختاره صاحبه ففحشت الجهالة فمنعت صحة التسمية بخلاف الأعتاق والخلع لأنه ليس لهما موجب أصلي يصار إليه عند وقوع الشك في المسمى فوجب المتيقن من المسمى لأن إيجابه أولى من الإيقاع مجانا بلا عوض أصلا لعدم رضا المولى والزوج بذلك وفيما نحن فيه له موجب أصلي فلا يعدل عنه إلا عند تعين المسمى ولا تعين مع الشك بإدخال كلمة الشك فالتحقت التسمية بالعدم فبقي الموجب الأصلي واجب المصير إليه ولو تزوج امرأة على ألف إن لم يكن له امرأة وعلى ألفين إن كانت له امرأة أو تزوجها على ألف إن لم يخرجها من بلدها وعلى ألفين إن أخرجها من بلدها أو تزوجها على ألف إن كانت مولاة وعلى ألفين إن كانت عربية وما أشبه ذلك فلا شك أن النكاح جائز لأن النكاح المؤبد الذي لا توقيت فيه لا تبطله الشروط الفاسدة لما قلنا أن الشروط لو أثرت لأثرت في المهر بفساد التسمية وفساد التسمية لا يكون فوق العدم ثم عدم التسمية رأسا لا يوجب فساد النكاح ففسادها أولى وأما المهر فالشرط الأول جائز بلا خلاف فإن وقع الوفاء به فلها ما سمى على ذلك الشرط وإن لم يقع الوفاء به فإن كان على خلاف ذلك أو فعل خلاف ما شرط لها فلها مهر مثلها لا ينقص من الأصل ولا يزاد على الأكثر وهذا قول أبي حنيفة وقالأبو يوسف ومحمد الشرطان جائزان وقال زفر الشرطان فاسدان وهذه فريعة مسألة مشهورة في الإجارات وهو أن يدفع رجل ثوبا إلى الخياط فيقول إن خيطته اليوم فلك درهم وإن خيطته غدا فلك نصف درهم وجه قول زفر أن كل واحد من الشرطين يخالف الآخر فأوجب ذلك جهالة التسمية فتصح التسميتان كما إذا قال للخياط إن خيطته روميا فبدرهم وإن خيطته فارسيا فبنصف درهم

Section V02/P284–V02/P285

ولأبي حنيفة أن الشرط الأول وقع صحيحا بالإجماع وموجبه رد مهر المثل إن لم يقع الوفاء به فكانت التسمية الأولى صحيحة فلو صح الشرط الثاني لكان نافيا موجب الشرط الأول والتسمية الأولى والتسمية بعدما صحت لا يجوز نفي موجبها فبطل الشرط الثاني ضرورة وقال إن ما شرط الزوج من طلاق المرأة وترك الخروج من البلد لا يلزمه في الحكم لأن ذلك وعد وعد لها فلا يكلف به وعلى هذا يخرج ما إذا تزوجها على حكمه أو حكم أجنبي أن التسمية فاسدة لأن المحكوم به مجهول وجهالته أكثر من جهالة مهر المثل فيمنع صحة التسليم ثم إن كان التزوج على حكم الزوج ينظر إن حكم بمهر مثلها أو أكثر فلها ذلك لأنه رضي ببذل الزيادة وإن حكم بأقل من مهر مثلها فلها مهر مثلها إلا أن ترضى بالأقل وإن كان التزوج على حكمها فإن حكمت بمهر مثلها أو أقل فلها ذلك لأنها رضيت بإسقاط حقها وإن حكمت بأكثر من مهر مثلها لم تجز الزيادة لأن المستحق هو مهر المثل إلا إذا رضي الزوج بالزيادة وإن كان التزوج على حكم أجنبي فإن حكم بمهر المثل جاز وإن حكم بأكثر من مهر المثل يتوقف على رضا الزوج وإن حكم بأقل من مهر المثل يتوقف على رضا المرأة لأن المستحق هو مهر المثل والزوج لا يرضى بالزيادة والمرأة لا ترضى بالنقصان فلذلك توقف الأمر في الزيادة والنقصان على رضاهما فإن تزوجها على ما يكسب العام أو يرث فهذه تسمية فاسدة لأن جهالة هذا أكثر من جهالة مهر المثل وقد انضم إلى الجهالة الخطر لأنه قد يكسب وقد لا يكسب ثم الجهالة بنفسها تمنع صحة التسمية فمع الخطر أولى ولو تزوج امرأتين على صداق واحد يجوز إلا أن يقول تزوجتكما على ألف درهم فقبلتا فالنكاح جائز لا شك فيه ويقسم الألف بينهما على قدر مهر مثليهما لأنه جعل الألف بدلا عن بضعيهما والبدل يقسم على قدر قيمة المبدل والمبدل هو البضع فيقسم البدل على قدر قيمته وقيمته مهر المثل كما لو اشترى عبدين بألف درهم أنه يقسم الثمن على قدر قيمتهما كذا هذا فإن قبلت إحداهما دون الأخرى جاز النكاح في التي قبلت بخلاف البيع فإنه إذا قال بعت هذا العبد منكما فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر لم يجز البيع أصلا والفرق أنه لما قال تزوجتكما فقد جعل قبول كل واحدة منهما شرطا لقبول الأخرى والنكاح لا يحتمل التعليق بالشرط فكان إدخال الشرط فيه فاسدا والنكاح لا يفسد بالشرط الفاسد والبيع يفسد به وإذا جاز النكاح تقسم الألف على قدر مهر مثلهما لما قلنا فما أصاب حصة التي قبلت فلها ذلك القدر والباقي يعود إلى الزوج وإن كانت إحداهما ذات زوج أو في عدة من زوج أو كانت ممن لا يحل له نكاحها فإن جميع الألف التي يصح نكاحها في قول أبي حنيفة وعندهما تقسم الألف على قدر مهر مثليهما فما أصاب حصة التي تصح ( ( ( صح ) ) ) نكاحها فلها ذلك والباقي يعود إلى الزوج وجه قولهما أنه جعل الألف مهرا لهما جميعا وكل واحدة منهما صالح للنكاح حقيقة لكونها قابلة للمقاصد المطلوبة منه حقيقة إلا أن المحرمة منهما لا تزاحم صاحبتها في الاستحقاق لخروجها من أن تكون محلا لذلك شرعا مع قيام المحلية حقيقة فيجب إظهار أثر المحلية الحقيقية في الانقسام ولأبي حنيفة أن المهر يقابل ما يستوفي بالوطء وهو منافع البضع وهذا العقد في حق المحرمة لا يمكن من استيفاء المنافع لخروجها من أن تكون محلا للعقد شرعا والموجود الذي لا ينتفع به والعدم الأصلي سواء فيجعل ذلك المهر بمقابلة الأجنبية كما إذا جمع بين المرأة والأتان وقال تزوجتكما على ألف درهم فإن دخل الزوج بالتي فسد نكاحها ففي قياس قول أبي حنيفة لها مهر مثلها بالغا ما بلغ لأنه لا تعتبر التسمية حقها فالتحقت التسمية بالعدم

Section V02/P285–V02/P286

وفي قياس قول أبي يوسف ومحمد لها مهر مثلها لا يجاوز حصتها من الألف لأنهما لا يعتبران التسمية في حق الانقسام والله عز وجل أعلم وعلى هذا تخرج تسمية المهر على السمعة والرياء أنها تصح أو لا تصح وجملة الكلام فيه أن السمعة في المهر إما أن تكون في قدر المهر وإما أن تكون في جنسه فإن كانت في قدر المهر بأن تواضعا في السر والباطن واتفقا على أن يكون المهر ألف درهم لكنهما يظهران في العقد ألفين لأمر حملهما على ذلك فإن لم يقولا ألف منهما سمعة فالمهر ما ذكراه في العلانية وذلك ألفان لأن المهر ما يكون مذكورا في العقد والألفان مذكورتان في العقد فإذا لم يجعلا الألف منهما سمعة صحت تسمية الألفين وإن قالا الألف منهما سمعة فالمهر ما ذكراه في السر وهو الألف في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف ومحمد وروى عن أبي حنيفة أن المهر ما أظهره ( ( ( أظهراه ) ) ) وهو الألفان وجه هذه الرواية أن المهر هو المذكور في العقد لأنه اسم لما يملك به البضع والذي يملك به البضع هو المذكور في العقد وأنه يصلح أن يكون مهرا لأنه مال معلوم فتصح تسميته ويصير مهرا ولا تعتبر المواضع ( ( ( المواضعة ) ) ) السابقة وجه ظاهر الرواية أنهما لما قالا الألف منهما سمعة فقد هزلا بذلك قدر الألف حيث لم يقصدا به مهرا والمهر مما يدخله الجد والهزل ففسدت تسميته قدر الألف والتحقت بالعدم فبقي العقد على ألف وإن كانت السمعة من جنس المهريات تواضعا واتفقا في السر والباطن على أن يكون المهر ألف درهم ولكنهما يظهران في العقد مائة دينار فإن لم يقولا رياء وسمعة فالمهر ما تعاقدا عليه لما قلنا وإن قالا رياء وسمعة فتعاقدا على ذلك فلها مهر مثلها في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة ورواية عنه أن لها مهر العلانية مائة دينار وجه هذه الرواية على نحو ما ذكرنا أن المائة دينار هي المذكورة في العقد والمهر اسم للمذكور في العقد لما بينا فيعتبر المذكور ولا تعتبر المواضعة السابقة وجه ظاهر الرواية أن ما تواضعا عليه وهو الألف لم يذكراه في العقد وما ذكراه وهو المائة دينار ما تواضعا عليه فلم توجد التسمية فيجب مهر المثل كما لو تزوجها ولم يسم لها مهرا هذا الذي ذكرنا إذا لم يتعاقدا في السر والباطن على أن يكون للمهر قدرا ( ( ( قدر ) ) ) وجنس ثم يتعاقدا على ما تواضعا واتفقا عليه فأما إذا تعاقدا في السر على قدر من مهر ( ( ( المهر ) ) ) أو جنس منه ثم اتفقا وتواضعا في السر على أن يظهرا في عقد العلانية أكثر من ذلك جنسا آخر فإن لم يذكرا في المواضعة السابقة أن ذلك سمعة فالمهر ما ذكراه في العلانية في قول أبي حنيفة ومحمد ويكون ذلك زيادة على المهر الأول سواء كان من جنسه أو من خلاف جنسه فإن كان من خلاف جنسه فجميعه يكون زيادة على المهر الأول وإن كان من جنسه فقدر الزيادة على المهر الأول يكون زيادة وروى عن أبي يوسف أنه قال المهر مهر السر وجه قوله أن المهر ما يكون مذكورا في العقد والعقد هو الأول لأن النكاح لا يحتمل الفسخ والإقالة فالثاني لا يرفع الأول فلم يكن الثاني عقدا في الحقيقة فلا يعتبر المذكور عنده فكان المهر هو المذكور في العقد الأول وجه قولهما أنهما قصدا شيئين استئناف العقد والزيادة ( ( ( وزيادة ) ) ) في المهر واستئناف العقد لا يصح لأن النكاح لا يحتمل الفسخ والزيادة صحيحة فصار كأنه زاد ألفا أخرى أو مائة دينار وإن ذكرا في المواضعة السابقة أن الزيادة أو الجنس الآخر سمعة فالمهر هو المذكور في العقد الأول المذكور ( ( ( والمذكور ) ) ) في العقد الثاني لغو لأنهما هزلا به حيث جعلاه سمعة والهزل يعمل في المهر فيبطله والله أعلم

Section V02/P286–V02/P287

فصل ومنها أن يكون النكاح صحيحا فلا تصح التسمية في النكاح الفاسد حتى لا يلزم المسمى لأن ذلك ليس بنكاح لما نذكر إن شاء الله تعالى إلا أنه إذا وجد الدخول يجب مهر المثل لكن بالوطء لا بالعقد على ما نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى ولو تزوج امرأة على جارية بعينها واستثنى ما في بطنها فلها الجارية وما في بطنها ذكره الكرخي والطحاوي من غير خلاف لأن تسمية الجارية مهرا قد صحت لأنها مال معلوم واستثناء ما في بطنها لم يصح لأن الجنين في حكم جزء من أجزائها فإطلاق العقد على الأم يتناوله فاستثناؤه يكون بمنزلة شرط فاسد والنكاح لا يحتمل شرطا فاسدا فيلغو الاستثناء ويلتحق بالعدم كأنه لم يستثن رأسا وكذلك إذا وهب جارية واستثنى ما في بطنها أو خالع أو صالح من دم العمد لأن هذه التصرفات لا تبطلها الشروط الفاسدة ولو تزوج امرأة على جارية فاستحقت وهلكت قبل التسليم فلها قيمتها لأن التسمية قد صحت لكون المسمى مالا متقوما معلوما فالعقد انعقد موجب التسليم بالاستحقاق والهلاك لأنه عجز عن تسليمها فتجب قيمتها بخلاف البيع إذا هلك المبيع قبل التسليم إلى المشتري أنه لا يغرم البائع قيمته وإنما يسقط الثمن لا غير لأن هلاك المبيع يوجب بطلان البيع وإذا بطل البيع لم يبق وجوب التسليم فلا تجب القيمة ثم تفسير مهر المثل هو أن يعتبر مهرها بمهر مثل نسائها من أخواتها لأبيها وأمها أو لأبيها وعماتها وبنات أعمامها في بلدها وعصرها على مالها وجمالها وسنها وعقلها ودينها لأن الصداق يختلف باختلاف البلدان وكذا يختلف باختلاف المال والجمال والسن والعقل والدين فيزداد مهر المرأة لزيادة مالها وجمالها وعقلها ودينها وحداثة سنها فلا بد من المماثلة بين المرأتين في هذه الأشياء ليكون الواجب لها مهر مثل نسائها إذ لا يكون مهر المثل بدون المماثلة بينهما ولا يعتبر مهرها بمهر أمها ولا بمهر خالتها إلا أن تكون من قبيلتها من بنات أعمامها لأن المهر يختلف بشرف النسب والنسب من الآباء لا من الأمهات فإنما يحصل لها شرف النسب من قبيل أبيها أو قبيلته لا من قبل أمها وعشيرتها والله أعلم فصل وأما بيان ما يجب به المهر وبيان وقت وجوبه وكيفية وجوبه وما يتعلق بذلك من الأحكام فنقول وبالله التوفيق المهر في النكاح الصحيح يجب بالعقد لأنه أحداث الملك والمهر يجب بمقابلة إحداث الملك ولأنه عقد معاوضة وهو معاوضة البضع بالمهر فيقتضي وجوب العوض كالبيع سواء كان المهر مفروضا في العقد أو لم يكن عندنا وعند الشافعي إن كان مفروضا لا يجب بنفس العقد وإنما يجب بالفرض أو بالدخول على ما ذكرنا فيما تقدم وفي النكاح الفاسد يجب المهر لكن لا بنفس العقد بل بواسطة الدخول لعدم حدوث الملك قبل الدخول أصلا وعدم حدوثه بعد الدخول مطلقا ولانعدام المعاوضة قبل الدخول رأسا وانعدامها بعد الدخول مطقلا ( ( ( مطلقا ) ) ) لما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه ويجب عقيب العقد بلا فصل لما ذكرنا أنه يجب بإحداث الملك والملك يحدث عقيب العقد بلا فصل ولأن المعاوضة المطلقة تقتضي ثبوت الملك في العوضين في وقت واحد وقد ثبت الملك في أحد العوضين وهو البضع عقيب العقد فيثبت في العوض الآخر عقيبه تحقيقا للمعاوضة المطلقة إلا أنه يجب بنفس العقد وجوبا موسعا وإنما يتضيق عند المطالبة كالثمن في باب البيع أنه يجب بنفس البيع وجوبا موسعا وإنما يتضيق عند مطالبة البائع وإذا طالبت المرأة بالمهر يجب على الزوج تسليمه أولا لأن حق الزوج في المرأة متعين وحق المرأة في المهر لم يتعين بالعقد وإنما يتعين بالقبض فوجب على الزوج التسليم عند المطالبة ليتعين كما في البيع أن المشتري يسلم الثمن أولا ثم يسلم البائع المبيع إلا أن الثمن في باب البيع إذا كان دينا يقدم تسليمه على تسليم المبيع ليتعين وإن كان عينا يسلمان معا وههنا يقدم تسليم المهر على كل حال سواء كان دينا أو عينا لأن القبض والتسلم ههنا معا متعذر ولا تعذر في البيع

Section V02/P287–V02/P288

وإذا ثبت هذا فنقول للمرأة قبل دخول الزوج بها أن تمنع الزوج عن الدخول حتى يعطيها جميع المهر ثم تسلم نفسها إلى زوجها وإن كانت قد انتقلت إلى بيت زوجها لما ذكرنا أن بذلك يتعين حقها فيكون تسليما بتسليم ولأن المهر عوض عن بضعها كالثمن عوض عن المبيع وللبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن فكان للمرأة حق حبس نفسها لاستيفاء المهر وليس للزوج منعها عن السفر والخروج من منزله وزيارة أهلها قبل إيفاء المهر لأن حق الحبس إنما يثبت لاستيفاء المستحق فإذا لم يجب عليها تسليم النفس قبل إيفاء المهر لم يثبت للزوج حق الاستيفاء فلا يثبت له حق الحبس وإذا أوفاها المهر فله أن يمنعها من ذلك كله إلا من سفر الحج إذا كان عليها حجة الإسلام ووجدت محرما وله أن يدخل بها لأنه إذا أوفاها حقها يثبت له حق الحبس لاستيفاء المعقود عليه فإن أعطاها المهر إلا درهما واحدا فلها أن تمنع نفسها وأن تخرج من مصرها حتى تقبضه لأن حق الحبس لا يتجزأ فلا يبطل إلا بتسليم كل البدل كما في البيع ولو خرجت لم يكن للزوج أن يسترد منها ما قبضت لأنها قبضته بحق لكون المقبوض حقا لها والمقبوض بحق لا يحتمل النقض هذا إذا كان المهر معجلا بأن تزوجها على صداق عاجل أو كان مسكوتا عن التعجيل والتأجيل لأن حكم المسكوت حكم المعجل لأن هذا عقد معاوضة فيقتضي المساواة من الجانبين والمرأة عنيت ( ( ( عينت ) ) ) حق الزوج فيجب أن يعين الزوج حقها وإنما يتعين بالتسليم فإما إذا كان مؤجلا بأن تزوجها على مهر آجل فإن لم يذكر الوقت لشيء من المهر أصلا بأن قال تزوجتك على ألف مؤجلة أو ذكر وقتا مجهولا جهالة متفاحشة بأن قال تزوجتك على ألف إلى وقت الميسرة أو هبوب الرياح أو إلى أن تمطر السماء فكذلك لأن التأجيل لم يصح لتفاحش الجهالة فلم يثبت الأجل ولو قال نصفه معجل ونصفه مؤجل كما جرت العادة في ديارنا ولم يذكر الوقت للمؤجل اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجوز الأجل ويجب حالا كما إذا قال تزوجتك على ألف مؤجلة وقال بعضهم يجوز ويقع ذلك على وقت وقوع الفرقة بالطلاق أو الموت وروي عن أبي يوسف ما يؤيد هذا القول وهو أن رجلا كفل لامرأة عن زوجها نفقة كل شهر ذكر في كتاب النكاح أنه يلزمه نفقة شهر واحد في الاستحسان وذكر عن أبي يوسف أنه يلزمه نفقة كل شهر ما دام النكاح قائما بينهما فكذلك ههنا وإن ذكر وقتا معلوما للمهر فليس لها أن تمنع نفسها في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف أخيرا لها أن تمنع نفسها سواء كانت المدة قصيرة أو طويلة بعد أن كانت معلومة أو مجهولة جهالة متقاربة كجهالة الحصاد والدياس وجه قول أبي يوسف أن من حكم المهر أن يتقدم تسليمه على تسليم النفس بكل حال ألا ترى أنه لو كان معينا أو غير معين وجب تقديمه فلما قبل الزوج التأجيل كان ذلك رضا بتأخير حقه في القبض بخلاف البائع إذا أجل الثمن أنه ليس له أن يحبس المبيع ويبطل حقه في الحبس بتأجيل الثمن لأنه ليس من حكم الثمن تقديم تسليمه على تسليم المبيع لا محالة ألا ترى أن الثمن إذا كان عينا يسلمان معا فلم يكن قبول المشتري التأجيل رضا منه بإسقاط حقه في القبض وجه قولهما أن المرأة بالتأجيل رضيت بإسقاط حق نفسها فلا يسقط حق الزوج كالبائع إذا أجل الثمن أنه يسقط حق حبس المبيع بخلاف ما إذا كان التأجيل إلى مدة مجهولة جهالة متفاحشة لأن التأجيل ثمة لم يصح فلم يثبت الأجل فبقي المهر حالا

Section V02/P288

وأما قوله من شأن المهر أن يتقدم تسليمه على تسليم النفس فنقول نعم إذا كان معجلا أو مسكوتا عن الوقت فأما إذا كان مؤجلا تأجيلا صحيحا فمن حكمه أن يتأخر تسليمه عن تسليم النفس لأن تقديم تسليمه ثبت حقا لها لأنه ثبت تحقيقا للمعاوضة المقتضية للمساواة حقا لها فإذا أجلته فقد أسقطت حق نفسها فلا يسقط حق زوجها لانعدام الإسقاط منه والرضا بالسقوط لهذا المعنى سقط حق البائع في الحبس بتأجيل الثمن كذا هذا ولو كان بعضه حالا وبعضه مؤجلا أجلا معلوما فله أن يدخل بها إذا أعطاها الحال بالإجماع أما عندهما فلأن الكل لو كان مؤجلا لكان له أن يدخل بها فإذا كان البعض معجلا وأعطاها ذلك أولى والفقه ما ذكرنا أن الزوج ما رضي بإسقاط حقه فلا يسقط حقه وأما عند أبي يوسف فلأنه لما عجل البعض فلم يرض بتأخير حقه عن القبض لأنه لو رضي بذلك لم يكن لشرط التعجيل فائدة بخلاف ما إذا كان الكل مؤجلا لأنه لما قبل التأجيل فقد رضي بتأخير حقه ولو لم يدخل بها حتى حل أجل الباقي فله أن يدخل بها إذا أعطاها الحال لما قلنا ولو كان الكل مؤجلا أجلا معلوما وشرط أن يدخل بها قبل أن يعطيها كله فله ذلك عنه أبي يوسف أيضا لأنه لما شرط الدخول لم يرض بتأخير حقه في الاستمتاع ولو كان المهر مؤجلا أجلا معلوما فحل الأجل ليس لها أن تمنع نفسها لتستوفي المهر على أصل أبي حنيفة ومحمد لأن حق الحبس قد سقط بالتأجيل والساقط لا يحتمل العود كالثمن في المبيع وعلى أصل أبي يوسف لها أن تمنع نفسه ( ( ( نفسها ) ) ) لأن لها أن تمنع قبل حلول الأجل فبعده أولى ولو كان المهر حالا فأخرته شهرا ليس لها أن تمنع عندهما وعنده لها ذلك لأن هذا تأجيل طارىء ( ( ( طارئ ) ) ) فكان حكمه حكم التأجيل المقارن وقد مر الكلام فيه ولو دخل الزوج بها برضاها وهي مكلفة فلها أن تمنع نفسها حتى تأخذ المهر ولها أن تمنعه أن يخرجها من بلدها في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد ليس لها ذلك وعلى هذا الخلاف إذا خلا بها وجه قولهما أنها بالوطء مرة واحدة أو بالخلوة الصحيحة سلمت جميع المعقود عليه برضاها وهي من أهل التسليم فبطل حقها في المنع كالبائع إذا سلم المبيع ولا شك في الرضا وأهلية التسليم

Section V02/P288–V02/P289

والدليل على أنها سلمت جميع المعقود عليه أن المعقود عليه في هذا الباب في حكم العين ولهذا يتأكد جميع المهر بالوطء مرة واحدة ومعلوم أن جميع البدل لا يتأكد بتسليم بعض المعقود عليه وما يتكرر من الوطآت ملتحق بالاستخدام فلا يقابله شيء من المهر ولأبي حنيفة أن المهر مقابل بجميع ما يستوفي من منافع البضع في جميع الوطآت التي توجد في هذا الملك لا بالمستوفى بالوطأة الأولى خاصة لأنه لا يجوز إخلاء شيء من منافع البضع عن بدل يقابله احتراما للبضع وإبانة لخطره فكانت هي بالمنع ممتنعة عن تسليم ما يقابله بدل فكان لها ذلك بالوطء في المرة الأولى فكان لها أن تمنعه عن الأول حتى تأخذ مهرها فكذا عن الثاني والثالث إلا أن المهر يتأكد بالوطء مرة واحدة لأنه موجود معلوم وما وراءه معدوم مجهول فلا يزاحمه في الإنقسام ثم عند الوجود يتعين قطعا فيصير مزاحما فيأخذ قسطا من البدل كالعبد إذا جنى جناية يجب دفعه بها فإن جنى جناية أخرى فالثانية تزاحم الأولى عند وجودها في وجوب الدفع بها وكذا الثالثة والرابعة إلى ما لا يتناهى بخلاف البائع إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن أو بعدما قبض شيئا منه ثم أراد أن يسترد أنه ليس له ذلك لأنه سلم كل المبيع فلا يملك الرجوع فيما سلم وههنا ما سلمت كل المعقود عليه بل البعض دون البعض لأن المعقود عليه منافع البضع وما سلمت كل المنافع بل بعضها دون البعض فهي بالمنع تمتنع عن تسليم ما لم يحصل مسلما بعد فكان لها ذلك كالبائع إذا سلم بعض المبيع قبل استيفاء الثمن كان له حق حبس الباقي ليستوفي الثمن كذا هذا وكان أبو القاسم الصفار يفتي في منعها نفسها بقول أبي يوسف ومحمد في السفر بقول أبي حنيفة وبعد إيفاء المهر كان له أن ينقلها حيث شاء وحكى الفقيه أبو جعفر الهندواني عن محمد بن سلمة أنه كان يفتي أن بعد تسليم المهر ليس لزوجها أن يسافر بها قال أبو يوسف ولو وجدت المرأة المهر زيوفا أو ستوقا فردت أو كان المقبوض عرضا اشترته من الزوج بالمهر فاستحق بعد القبض وقد كان دخل بها فليس لها أن تمنع نفسها في جميع ذلك وهذا على أصلهما مستقيم لأن من أصلهما أن التسليم من غير قبض المهر يبطل حق المنع وهذا تسليم من غير قبض لأن ذلك القبض بالرد والاستحقاق انتقض والتحق بالعدم فصار كأنها لم تقبضه وقبل القبض الجواب هكذا عندهما وأما عند أبي حنيفة فينبغي أن يكون لها أن تمنع نفسها ثم فرق أبو يوسف بين هذا وبين المنع أنه إذا استحق الثمن من يد البائع أو وجده زيوفا أو ستوقا فرده له أن يسترد المبيع فيحبسه لأن البائع بعد الاسترداد يمكنه الحبس على الوجه الذي كان قبل ذلك وأما ههنا لا يمكنه لأنه استوفى بعض منافع البضع فلا يكون هذا الحبس مثل الأول فلا يعود حقها في الحبس ومما يلتحق بهذا الفصل أن للمرأة أن تهب مهرها للزوج دخل بها أو لم يدخل لقوله عز وجل فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وليس لأحد من أوليائها الاعتراض عليها سواء كان أبا أو غيره لأنها وهبت خالص ملكها وليس لأحد في عين المهر حق فيجوز ويلزم بخلاف ما إذا زوجت نفسها وقصرت عن مهر مثلها أن للأولياء حق الاعتراض في قول أبي حنيفة لأن الأمهار حق الأولياء فقد تصرفت في خالص حقهم ولأنها ألحقت الضرر بالأولياء بإلحاق العار والشنار بهم فلهم دفع هذا الضرر بالاعتراض والفسخ وليس للأب أن يهب مهر ابنته عند عامة العلماء وقال بعضهم له ذلك وتمسكوا بقوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح والأب بيده عقدة النكاح ولنا أن المهر ملك المرأة وحقها لأنه بدل بضعها وبضعها حقها وملكها والدليل عليه قوله عز وجل وآتوا النساء صدقاتهن نحلة أضاف المهر إليها فدل أن المهر حقها وملكها وقوله عز وجل فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا