Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V02/P305–V02/P306

ولنا الفرق بين البيع والنكاح وهو أنه لما سقط اعتبار التسمية في باب البيع يبقى البيع بلا ثمن والبيع بلا ثمن بيع فاسد واجب الرفع رفعا للفساد وذلك بالفسخ بخلاف النكاح فإن ترك التسمية أصلا في النكاح لا يوجب فساده فسقوط اعتباره بجهالة المسمى بالتعارض أولى فلا حاجة إلى الفسخ فهو الفرق هذا إذا لم يقم لأحدهما بينة فأما إذا قامت لأحدهما بينة فإنه يقضي ببينته لأنها قامت على أمر جائز الوجود ولا معارض لها فتقبل ولا يحكم مهر المثل لأنه تحكيمه ضروري ولا ضرورة عند قيام البينة ولا خيار للزوج لأن التسمية تثبت بالبينة وإنها تمنع الخيار وإن أقاما جميعا البينة فإن كان مهر مثلها ألف درهم يقضي ببينتها لأنها تظهر زيادة ألف فكانت مظهرة وبينة الزوج لم تظهر شيئا لأنها قامت على ألف والألف كان ظاهرا بتصادقهما أو نقول بينة المرأة أكثر إظهارا فكان القضاء بها أولى ولا خيار للزوج في الألفين لأن تسمية أحد الألفين تثبت بتصادقهما وتسمية الآخر تثبت بالبينة والتسمية تمنع الخيار وإن كان مهر مثلها ألفين فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يقضي ببينتها أيضا لأنها تظهر زيادة ألف لم تكن ظاهرة بتصادقهما وإن كانت ظاهرة بشهادة مهر المثل لكن هذا الظاهر لا يكون حجة على الغير ألا ترى أنه لا يقضي به بدون اليمين أو البينة وتصادقهما حجة بنفسه فكانت ببينتها ( ( ( بينتها ) ) ) هي المظهرة أو كانت أكثر إظهارا وبينة الزوج ليست بمظهرة لأن الألف كان ظاهرا بتصادقهما أو هي أقل إظهارا فكان القضاء ببينتها أولى وقال بعضهم يقضي ببينة الزوج لأن بينة الزوج تظهر حظ ( ( ( حط ) ) ) الألف عن مهر المثل وذلك ألفان لثبوت الألفين بشهادة مهر المثل فيظهر حط عن مهر المثل بشهادته وبينتها لا تظهر شيئا لأن أحد الألفين كان ظاهرا بتصادقهما والآخر كان ظاهرا بشهادة مهر المثل أو يظهر صفة التعيين للألفين لأن الثابت بشهادة مهر المثل أو يظهر صفة التعيين لهما وبينته مظهرة للأصل فكان القضاء ببينته أولى وإن كان مهر مثلها ألفا وخمسمائة بطلت البينتان للتعارض لأن مهر المثل لا يشهد لأحدهما فكانت كل واحدة منهما مظهرة وليس القضاء بإحداهما أولى من لأخرى ( ( ( الأخرى ) ) ) فبطلت فبقي الحكم بمهر المثل ولا خيار له في قدر الألف لأن البينتين التحقتا بالعدم للتعارض فبقي هذا القدر مسمى بتصادقهما وله خيار في قدر الخمسمائة لثبوته على وجه مهر المثل وكذلك إن كان دينا موصوفا في الذمة بأن تزوجها على مكيل موصوف أو موزون موصوف أو مذروع موصوف فاختلفا في قدر الكيل أو الوزن أو الذرع فالاختلاف فيه كالاختلاف في قدر الدراهم والدنانير ولهذا يتحالفان ويحكم مهر المثل في قول أبي حنيفة ومحمد لأن القدر في المكيل والموزون معقود عليه وكذا في المذروع إذا كان في الذمة وإن لم يكن معقودا عليه بل كان جاريا مجرى الصفة إذا كان عينا لأن ما في الذمة غائب مذكور يختلف أصله باختلاف وصفه فجرى الوصف فيما في الذمة مجرى الأصل ولهذا كان الاختلاف في صفة المسلم فيه موجبا للتحالف فكان اختلافهما في الوصف بمنزلة اختلافهما في الأصل وذلك يوجب التحالف كذا هذا

Section V02/P306

وعند أبي يوسف لا يتحالفان والقول قول الزوج مع يمينه وإن كان الاختلاف في جنس المسمى بأن قال الزوج تزوجتك على عبد فقالت على جارية أو قال الزوج تزوجتك على كر شعير فقالت على كر حنطة أو على ثياب هروية أو قال على ألف درهم وقالت على مائة دينارا ( ( ( دينار ) ) ) وفي نوعه كالتركي مع الرومي والدنانير المصرية مع الصورية أو في صفته من الجودة والرداءة فالاختلاف فيه كالاختلاف في العينين إلا الدراهم والدنانير فإن الاختلاف فيهما كالاختلاف في الألف والألفين وإنما كان كذلك لأن كل واحد من الجنسين والنوعين والموصوفين لا يملك إلا بالتراضي بخلاف الدراهم والدنانير فإنهما وإن كانا جنسين مختلفين لكنهما في باب مهر المثل يقضي من جنس الدراهم والدنانير فجاز أن يستحق المائة دينار من غير تراض بخلاف العبد لأن مهر المثل لا يقضي من جنسه فلم يجز أن يملك من غير تراض فيقضي بقدر قيمته هذا إذا كان المهر دينا فأما إذا كان عينا فإن اختلفا في قدره فإن كان مما يتعلق العقد بقدره بأن تزوجها على طعام بعينه فاختلفا في قدره فقال الزوج تزوجتك على هذا الطعام بشرط أنه كر وقالت المرأة تزوجتني عليه بشرط أنه كران فهي مثل الاختلاف في الألف والألفين وإن كان مما لا يتعلق العقد بقدره بأن تزوجها على ثوب بعينه كل ذراع منه يساوي عشرة دراهم فاختلفا فقال الزوج تزوجتك على هذا الثوب بشرط أنه ثمانية أذرع فقالت بشرط أنه عشرة أذرع لا يتحالفان ولا يحكم مهر المثل والقول قول الزوج بالإجماع ووجه الفرق بين الطعام والثوب أن القدر في باب الطعام معقود عليه حقيقة وشرعا أما الحقيقة فلأن المعقود عليه عين وذات حقيقة وأما الشرع فإنه إذا اشترى طعاما على أنه عشرة أقفزة فوجده أحد عشر لا يطيب له الفضل والاختلاف في المعقود عليه يوجب التحالف فأما القدر في باب الثوب وإن كان من أجزاء الثوب حقيقة لكنه جار مجرى الوصف وهو صفة الجودة شرعا لأنه يوجب صفة الجودة لغيره من الأجزاء ألا ترى أن من اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع فوجده أحد عشر طاب له للفضل ( ( ( الفضل ) ) ) والاختلاف في صفة المعقود عليه إذا كان عينا لا يوجب للتحالف ( ( ( التحالف ) ) ) كما إذا اختلفا في صفة الجودة في العين

Section V02/P306–V02/P307

والأصل أن ما يوجب فوات بعضه نقصانا في البقية فهو جار مجرى الصفة وما لا يوجب فوات بعضه نقصانا في الباقي لا يكون جاريا مجرى الصفة وإن اختلفا في جنسه وعينه كالعبد والجارية بأن قال الزوج تزوجتك على هذا العبد وقالت المرأة على هذه الجارية فهو مثل الاختلاف في الألف والألفين إلا في فصل واحد وهو ما إذا كان مهر مثلها مثل قيمة الجارية أو أكثر فلها قيمة الجارية لا عينها لأن تمليك الجارية لا يكون إلا بالتراضي ولم يتفقا على تمليكها فلم يوجد الرضا من صاحب الجارية بتمليكها فتعذر التسليم فيقضي بقيمتها بخلاف ما إذا اختلفا في الدراهم أو الدنانير فقال الزوج تزوجتك على ألف درهم وقالت المرأة على مائة دينار إن الاختلاف فيه كالاختلاف في الألف والألفين على معنى أن مهر مثلها إن كان مثل مائة دينار أو أكثر فلها المائة دينار لما مر أن مهر المثل يقضي من جنس الدراهم والدنانير فلا يشترط فيه التراضي بخلاف العبد فإن مهر المثل لا يقضي من جنسه فلا يجوز أن يملك من غير مرضاة ( ( ( مراضاة ) ) ) ولا يكون لها أكثر من قميتها ( ( ( قيمتها ) ) ) وإن كان مهر مثلها أكثر من قميتها ( ( ( قيمتها ) ) ) لأنها رضيت بهذا القدر وما كان القول فيه أي من العين قول الزوج فهلك فاختلفا في قدر قيمته فالقول فيه قول الزوج أيضا لأن المسمى مجمع عليه فكانت القيمة دينا عليه والاختلاف إذا وقع في قدر الدين فالقول قول المديون كما في سائر الديون هذا كله إذا اختلفا قبل الطلاق ولو اختلفا بعد الطلاق فإن كان بعد الدخول أو قبل الدخول بعد الخلوة فالجواب في الفصول كلها كالجواب فيما لو اختلفا حال قيام النكاح لأن الطلاق بعد الدخول أو قبل الدخول بعد الخلوة مما لا يوجب سقوط مهر المثل وإن كان قبل الدخول بها وقبل الخلوة فإن كان المهر دينا فاختلفا في الألف والألفين فالقول قول الزوج ويتنصف ما يقول الزوج كذا ذكر في كتاب النكاح والطلاق ولم يذكر الاختلاف كذا ذكر الطحاوي أنه يتنصف ما يقول الزوج ولم يذكر الخلاف وذكر الكرخي وحكى الإجماع فقال لها نصف الألف في قولهم وذكر محمد في الجامع الصغير وقال ينبغي أن يكون القول قول المرأة إلى متعة مثلها والقول قول الزوج في الزيادة على قياس قول أبي حنيفة ووجهه إن المسمى لم يثبت لوقوع الاختلاف فيه والطلاق قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه يوجب المتعة ويحكم متعة مثلها لأن المرأة ترضى بذلك والزوج لا يرضى بالزيادة فكان القول قوله في الزيادة والصحيح هو الأول لأنه لا سبيل إلى تحكيم مهر المثل ههنا لأن مهر المثل لا يثبت في الطلاق قبل الدخول فتعذر تحكيمه فوجب إثبات المتيقن وهو نصف الألف ومتعة مثلها لا تبلغ ذلك عادة فلا معنى لتحكيم المتعة على إقرار الزوج بالزيادة وقيل لا خلاف بين الروايتين في الحقيقة وإنما اختلف الجواب لاختلاف وضع المسألة فوضع المسألة في كتاب النكاح في الألف والألفين ولا وجه لتحكيم المتعة لأن الزوج أقر لها بخمسمائة وهي تزيد على متعة مثلها عادة فقد أقر الزوج لها بمتعة مثلها وزيادة فكان لها ذلك ووضعها في الجامع الكبير في العشرة والمائة بأن قال الزوج تزوجتك على عشرة دراهم وقالت المرأة تزوجتني على مائة درهم ومتعة مثلها عشرون ففي هذه الصورة يكون الزوج مقرا لها بخمسة دراهم وذلك أقل من متعة مثلها عادة فكان لها متعة مثلها

Section V02/P307–V02/P308

وإن كان المهر عينا كما في مسألة العبد والجارية فلها المتعة إلا أن يرضى الزوج أن يأخذ نصف الجارية بخلاف ما إذا اختلفا في الألف والألفين لأن نصف الألف هناك ثابتة بيقين لاتفاقهما على تسمية الألف فكان القضاء بنصفها حكما بالمتيقن والملك في نصف الجارية ليس بثابت بيقين لأنهما لم يتفقا على تسمية أحدهما فلم يمكن القضاء بنصف الجارية إلا باختيارهما فإذا لم يوجد سقط البدلان فوجب الرجوع إلى المتعة هذا إذا كان الاختلاف في حياة الزوجين فإن كان في حياة أحدهما بعد موت الآخر بينه وبين ورثة الميت فكذلك الجواب أن القول قول المرأة إلى تمام مهر مثلها إن كانت حية وقول ورثتها إن كانت ميتة والقول قول الزوج وورثته في الزيادة عندهما وعند أبي يوسف القول قول ورثة الزوج إلا أن يأتوا بشيء مستنكر وإن كان الاختلاف بين ورثة الزوجين فإن اختلفوا في أصل التسمية وكونها فقد قال أبو حنيفة لا أقضى بشيء حتى تقوم البينة على أصل التسمية وعندهما يقضي بمهر المثل كما في حال الحياة وجه قولهما أن التسمية إذا لم تثبت لاختلافهما وجب مهر المثل بالعقد فيبقى بعد موتهما كالمسمى وصار كأنه تزوجها ولم يسم لها مهرا ثم ماتا وجواب أبي حنيفة هناك أنه لا يقضي بشيء حتى تقوم البنية ( ( ( البينة ) ) ) على التسمية أما قولهما إن مهر المثل يجب بالعقد عند عدم التسمية فالجواب عنه من وجهين أحدهما أنه وجب لكنه لم يبق إذ المهر لا يبقى بعد موت الزوجين عادة وهذا قول أبي حنيفة في المسألة بل الظاهر هو الاستيفاء والإبراء هذا هو العادة بين الناس فلا يثبت البقاء إلا بالبينة والثاني لئن سلمنا أنه بقي لكنه تعذر القضاء به لأن موضوع المسألة عند التقادم وعند التقادم لا يدري ما حالها ومهر المثل يقدر بحالها فيتعذر التقدير على أن اعتبار مهرها بمهر مثل نساء عشيرتها فإذا ماتا فالظاهر موت نساء عشيرتها فلا يمكن التقدير وجه قول أبي حنيفة في هذه المسألة مشكل ولو اختلفت الورثة في قدر المهر فالقول قول ورثة الزوج عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف القول قول ورثة الزوج إلا أن يأتوا بشيء مستنكر جدا وعند محمد القول قول ورثة المرأة إلى قدر مهر مثلها كما في حال الحياة ولو بعث الزوج إلى امرأته شيئا فاختلفا فقالت المرأة هو هدية وقال الزوج هو من المهر فالقول قول الزوج إلا في الطعام الذي يؤكل لأن الزوج هو المملك فكان أعرف بجهة تمليكه فكان القول قوله إلا فيما يكذبه الظاهر وهو الطعام الذي يؤكل لأنه لا يبعث مهرا عادة فصل ومما يتصل بهذا اختلاف الزوجين في متاع البيت ولا بينة لأحدهما وجملة الكلام فيه أن الاختلاف في متاع البيت إما أن يكون بين الزوجين في حال حياتهما وإما أن يكون بين ورثتهما بعد وفاتهما وإما أن يكون في حال حياة أحدهما وموت الآخر فإن كان في حال حياتهما فإما أن يكون في حال قيام النكاح وإما أن يكون بعد زواله بالطلاق فإن كان في حال قيام النكاح فما كان يصلح للرجال كالعمامة والقلنسوة والسلاح وغيرها فالقول فيه قول الزوج لأن الظاهر شاهد له وما يصلح للنساء مثل الخمار والملحفة والمغزل ونحوها فالقول فيه قول الزوجة لأن الظاهر شاهد لها وما يصلح لهما جميعا كالدراهم والدنانير والعروض والبسط والحبوب ونحوها فالقول فيه قول الزوج وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف القول قول المرأة إلى قدر جهاز مثلها في الكل والقول قول الزوج في الباقي وقال زفر في قول المشكل بينهما نصفان وفي قول آخر وهو قول مالك والشافعي الكل بينهما نصفان وقال ابن أبي ليلى القول قول الزوج في الكل إلا في ثياب بدن المرأة وقال الحسن القول قول المرأة في الكل إلا في ثياب بدن الرجل

Section V02/P308

وجه قول الحسن أن يد المرأة على ما في داخل البيت أظهر منه في يد الرجل فكان الظاهر لها شاهدا إلا في ثياب بدن الرجل لأن الظاهر يكذبها في ذلك ويصدق الزوج وجه قول ابن أبي ليلى أن الزوج أخص بالتصرف فيما في البيت فكان الظاهر شاهدا له إلا في ثياب بدنها فإن الظاهر يصدقها فيه ويكذب الرجل وجه قول زفر أن يد كل واحد من الزوجين إذا كانا حرين ثابتة على ما في البيت فكان الكل بينهما نصفين وهو قياس قوله إلا أنه خص المشكل بذلك في قول لأن الظاهر يشهد لأحدهما في المشكل وجه قول أبي يوسف أن الظاهر يشهد للمرأة إلى قدر جهاز مثلها لأن المرأة لا تخلو عن الجهاز عادة فكان الظاهر شاهدا لها في ذلك القدر فكان القول في هذا القدر قولها والظاهر يشهد للرجل في الباقي فكان القول قوله في الباقي وجه قولهما إن يد الزوج على ما في البيت أقوى من يد المرأة لأن يده يد متصرفة ويدها يد حافظة ويد التصرف أقوى من يد الحفظ كاثنين يتنازعان في دابة وأحدهما راكبها والآخر متعلق بلجامها أن الراكب أولى ألا أن فيما يصلح لها عارض هذا الظاهر ما هو أظهر منه فسقط اعتباره وإن اختلفا بعد ما طلقها ثلاثا أو بائنا فالقول قول الزوج لأنها صارت أجنبية بالطلاق فزالت يدها والتحقت بسائر الأجانب هذا إذا اختلف الزوجان قبل الطلاق أو بعده فأما إذا ماتا فاختلف ورثتهما فالقول قول ورثة الزوج في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف القول قول ورثة المرأة إلى قدر جهاز مثلها وقول ورثة الزوج في الباقي لأن الوارث يقوم مقام المورث فصار كأن المورثين اختلفا بأنفسهما وهما حيان وإن مات أحدهما واختلف الحي وورثة الميت فإن كان الميت هو المرأة فالقول قول الزوج عند أبي حنيفة ومحمد لأنها لو كانت حية لكان القول قوله فبعد الموت أولى وعند أبي يوسف القول قول ورثتها إلى قدر جهاز مثلها وإن كان الميت هو الزوج فالقول قولها عند أبي حنيفة في المشكل وعند أبي يوسف في قدر جهاز مثلها وعند محمد القول قول ورثة الزوج وجه قولهما ظاهر لأن الوارث قائم مقام المورث ولأبي حنيفة أن المتاع كان في يدهما في حياتهما لأن الحرة من أهل الملك واليد فينبغي أن يكون بينهما نصفين كما قال زفر لأن يد الزوج كانت أقوى فسقطت يدها بيد الزوج فإذا مات الزوج فقد زال المانع فظهرت يدها على المتاع ولو طلقها في مرضه ثلاثا أو بائنا فمات ثم اختلفت هي وورثة الزوج فإن مات بعد انقضاء العدة فالقول قول ورثة الزوج لأن القول قول الزوج في المشكل بعد الطلاق فكان القول قول ورثته بعده أيضا وإن مات قبل انقضاء العدة فالقول قولها عند أبي حنيفة في المشكل وعند أبي يوسف في قدر جهاز مثلها وعند محمد القول قول ورثة الزوج لأن العدة إذا كانت قائمة كان النكاح قائما من وجه فصار كما لو مات الزوج قبل الطلاق وبقيت المرأة وهناك القول قولها عند أبي حنيفة في المشكل وعند أبي يوسف في قدر جهاز مثلها وعند محمد القول قول ورثة الزوج كذا ههنا هذا كله إذا كان الزوجان حرين أو مملوكين أو مكاتبين فأما إذا كان أحدهما حرا والآخر مملوكا أو مكاتبا فعند أبي حنيفة القول قول الحر وعندهما إن كان المملوك محجورا فكذلك وأما إذا كان مأذونا أو مكاتبا فالجواب فيه وفيما إذا كانا حرين سواء وجه قولهما أن المكاتب في ملك اليد بمنزلة الحر بل هو حر يدا ولهذا كان أحق بمكاسبة وكذا المأذون المديون فصار كما لو اختلفا وهما حران

Section V02/P308–V02/P309

ولأبي حنيفة أن كل واحد منهما مملوك أما المأذون فلا شك فيه وكذا المكاتب لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم والعبد اسم للمملوك والمملوك لا يكون من أهل الملك فلا تصلح يده دليلا على الملك فلا تصلح معارضة ليد الحر فبقيت يده دليل الملك من غير معارض بخلاف الحرين ولو كان الزوج حرا والمرأة أمة أو مكاتبة أو مدبرة أو أم ولد فأعتقت ثم اختلفا في متاع البيت فما أحدثا من الملك قبل العتق فهو للزوج لأنه حدث في وقت لم تكن المرأة فيه من أهل الملك وما أحدثا من الملك بعد العتق فالجواب فيه وفي الحرين سواء ولو كان الزوج مسلما والمرأة ذمية فالجواب فيه كالجواب في الزوجين المسلمين لأن الكفر لا ينافي أهلية الملك بخلاف الرق وكذا لو كان البيت ملكا لأحدهما لا يختلف الجواب لأن العبرة لليد لا للملك هذا كله إذا لم تقر المرأة أن هذا المتاع اشتراه لي زوجي فإن أقرت بذلك سقط قولها لأنها أقرت بالملك ( ( ( بذلك ) ) ) لزوجها ثم ادعت الانتقال فلا يثبت الانتقال إلا بدليل وقد مرت المسألة فصل ومنها الكفاءة في إنكاح غير الأب والجد من الأخ والعم ونحوهما الصغير والصغيرة وفي إنكاح الأب والجد اختلاف أبي حنيفة مع صاحبيه وأما الطوع فليس بشرط لجواز النكاح عندنا خلافا للشافعي فيجوز نكاح المكره عندنا وعنده لا يجوز وهذه من مسائل كتاب الإكراه وكذلك الجد ليس من شرائط جواز النكاح حتى يجوز نكاح الهازل لأن الشرع جعل الجد والهزل في باب النكاح سواء قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والعتاق والنكاح وكذلك العمد عندنا حتى يجوز نكاح الخاطىء وهو الذي يسبق على لسانه كلمة النكاح من غير قصده وعند الشافعي شرط والصحيح قولنا لأن الثابت بالخطأ ليس إلا القصد وأنه ليس بشرط لجواز النكاح بدليل نكاح الهازل وكذلك الحل أعنى كونه حلالا غير محرم أو كونها حلالا غير محرمة ليس بشرط لجواز النكاح عندنا وعند الشافعي شرط حتى يجوز نكاح المحرمة ( ( ( المحرم ) ) ) والمحرمة عندنا لكن لا يحل وطؤها في حال الإحرام وعنده لا يجوز وجه قوله إن الجماع من محظورات الإحرام فكذا النكاح لأنه سبب داع إلى الجماع ولهذا حرمت الدواعي على المحرم كما حرم عليه الجماع ولنا ما روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة رضي الله عنها وهو حرام وأدنى ما يستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم هو الجواز ولا يعارض هذا ما روى زيد بن الأصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال بسرف وأجمعوا على أنه ما تزوجها إلا مرة واحدة فيقع التعارض لأن الأخذ برواية ابن عباس رضي الله عنهما أولى لوجهين أحدهما أنه يثبت أمرا عارضا وهو الإحرام إذ الحل أصل والإحرام عارض فتحمل رواية زيد على أنه بني الأمر على الأصل وهو الحل تحسينا للظن بالروايتين فكان راوي الإحرام معتمدا على حقيقة الحال وراوي الحل بانيا الأمر على الظاهر فكانت رواية من اعتمد حقيقة الحال أولى ولهذا رجحنا قول الجارح على المزكي كذا هذا والثاني أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أفقه وأتقن من زيد والترجيح بفقه الراوي وإتقانه ترجيح صحيح على ما عرف في أصول الفقه ولأن المعاني التي لها حسن النكاح في غير حال الإحرام موجودة في حال الإحرام فكان الفرق بين الحالين في الحكم مع وجود المعنى الجامع بينهما مناقضة وما ذكره من المعنى يبطل بنكاح الحائض والنفساء فإنه جائز بالإجماع وإن كان النكاح سببا داعيا إلى الجماع والله عز وجل أعلم فصل ثم كل نكاح جاز بين المسلمين وهو الذي استجمع شرائط الجواز

Section V02/P309–V02/P310

التي وصفناها فهو جائز بين أهل الذمة وأما ما فسد بين المسلمين من الأنكحة فإنها منقسمة في حقهم منها ما يصح ومنها ما يفسد وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر كل نكاح فسد في حق المسلمين فسد في حق أهل الذمة حتى لو أظهروا النكاح بغير شهود يعترض عليهم ويحملون على أحكامنا وإن لم يرفعوا إلينا وكذا إذا أسلموا يفرق بينهما عنده وعندنا لا يفرق بينهما وإن تحاكما إلينا أو أسلما بل يقران عليه وجه قولهم أنهم لما قبلوا عقد الذمة فقد التزموا أحكامنا ورضوا بها ومن أحكامنا أنه لا يجوز النكاح بغير شهود ولهذا لم يجز نكاحهم المحارم في حكم الإسلام ولأن تحريم النكاح بغير شهود في شريعتنا ثبت بخطاب الشرع على سبيل العموم بقوله لا نكاح إلا بشهود والكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات في الصحيح من الأقوال فكانت حرمة النكاح بغير شهود ثابتة في حقهم ولنا أنهم كانوا يتدينون النكاح بغير شهود والكلام فيه ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون إلا ما استثنى من عقودهم كالزنا وهذا غير مستثنى منها فيصح في حقهم كما يصح منهم تملك الخمر والخنزير وتمليكهما فلا يعترض عليهم كما لا يعترض في الخمر والخنزير ولأن الشهادة ليست بشرط بقاء النكاح على الصحة بدليل أنه لا يبطل بموت الشهود فلا يجوز أن يكون شرط ابتداء العقد في حق الكافر لأن في الشهادة معنى العبادة قال الله تعالى وأقيموا الشهادة لله فلا يؤاخذ الكافر بمراعاة هذا الشرط في العقد ولأن نصوص الكتاب العزيز مطلقة عن شرط الشهادة والتقييد بالشهادة في نكاح المسلم ثبت بدليل فمن ادعى التقييد بها في حق الكافر يحتاج إلى الدليل وأما قوله أنهم بالذمة التزموا أحكام الإسلام فنعم لكن جواز أنكحتهم بغير شهود من أحكام الإسلام وقوله تحريم النكاح بغير شهود عام ممنوع بل هو خاص في حق المسلمين لوجود المخصص لأهل الذمة وهو عمومات الكتاب ولو تزوج ذمي ذمية في عدة من ذمي جاز النكاح في قول أبي حنيفة وهذا والنكاح بغير شهود سواء عندنا حتى لا يعترض عليهما بالتفريق وإن ترافعا إلينا ولو أسلما يقران على ذلك وقال أبو يوسف ومحمد وزفر والشافعي النكاح فاسد يفرق بينهما وجه قولهم على نحو ما ذكرنا لزفر في النكاح بغير شهود وهو أنهم بقبول الذمة التزموا أحكامنا ومن أحكامنا المجمع عليها فساد نكاح المعتدة ولأن الخطاب بتحريم نكاح المعتدة عام قال تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله والكفار مخاطبون بالحرمات وكلام أبي حنيفة على نحو ما تقدم أيضا لأن في ديانتهم عدم وجوب العدة والكلام فيه فلم يكن هذا نكاح المعتدة في اعتقادهم ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون وكذا عمومات النكاح من الكتاب العزيز والسنة مطلقة عن هذه الشريطة أعني الخلو عن العدة وإنما عرف شرطا في نكاح المسلمين بالإجماع وقوله عز وجل ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله خطاب للمسلمين أو يحمل عليه عملا بالدلائل كلها صيانة لها عن التناقض ولأن العدة فيها معنى العبادة وهي حق الزوج أيضا من وجه قال الله تعالى فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمن حيث هي عبادة لا يمكن إيجابها على الكافرة لأن الكفار لا يخاطبون بشرائع هي عبادات أو قربات وكذا من حيث هي حق الزوج لأن الكافر لا يعتقده حقا لنفسه بخلاف المسلم إذا تزوج كتابية في عدة من مسلم أنه لا يجوز لأن المسلم يعتقد العدة حقا واجبا فيمكن الإيجاب لحقه إن كان لا يمكن لحق الله تعالى من حيث هي عبادة ولهذا قلنا إنه ليس للزوج المسلم أن يجبر امرأته الكافرة على الغسل من الجنابة والحيض والنفاس لأن الغسل من باب القربة وهي ليست مخاطبة بالقربات وله أن يمنعها من الخروج من البيت لأن الإسكان حقه

Section V02/P310–V02/P311

وأما نكاح المحارم والجمع بين خمس نسوة والجمع بين الأختين فقد ذكر الكرخي أن ذلك كله فاسد في حكم الإسلام بالإجماع لأن فساد هذه الأنكحة في حق المسلمين ثبت لفساد قطيعة الرحم وخوف الجور في قضاء الحقوق من النفقة والسكنى والكسوة وغير ذلك وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم والكافر إلا أنه مع الحرمة والفساد لا يتعرض لهم قبل المرافعة وقبل الإسلام ولأنهم دانوا ذلك ونحن أمرنا أن نتركهم وما يدينون كما لا يتعرض لهم في عبادة غير الله تعالى وإن كانت محرمة وإذا ترافعا إلى القاضي فالقاضي يفرق بينهما كما يفرق بينهما بعد الإسلام لأنهما إذا ترافعا فقد تركا ما داناه ورضيا بحكم الإسلام ولقوله تعالى فإن جاؤوك ( ( ( جاءوك ) ) ) فاحكم بينهم وأما إذا لم يترافعا ولم يوجد الإسلام أيضا فقد قال أبو حنيفة ومحمد إنهما يقران على نكاحهما ولا يعترض عليهما بالتفريق وقال أبو يوسف يفرق بينهما الحاكم إذا علم ذلك سواء ترافعا إلينا أو لم يترافعا ولو رفع أحدهما دون الآخر قال أبو حنيفة لا يعترض عليهما ما لم يترافعا جميعا وقال محمد إذا رفع أحدهما يفرق بينهما أما الكلام في المسألة الأولى فوجه قول أبي يوسف ظاهر قوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم أمر رسول الله أن يحكم بينهم بما أنزله مطلقا عن شرط المرافعة وقد أنزل سبحانه وتعالى حرمة هذه الأنكحة فيلزم الحكم بها مطلقا ولأن الأصل في الشرائع هو العموم في حق الناس كافة إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية وأمكن في دار الإسلام فلزم التنفيذ فيها وكان النكاح فاسدا والنكاح الفاسد زنا من وجه فلا يمكنون منه كما لا يمكنون من الزنا في دار الإسلام ولأبي حنيفة ومحمد قوله تعالى فإن جاؤوك ( ( ( جاءوك ) ) ) فاحكم بينهم أو أعرض عنهم والآية حجة له في المسألتين جميعا أما في المسألة الأولى فلأنه شرط المجيء للحكم عليهم وأثبت سبحانه وتعالى التخيير بين الحكم والإعراض إلا أنه قام الدليل على نسخ التخيير ولا دليل على نسخ شرط المجيء فكان حكم الشرط باقيا ويحمل المطلق على المقيد لتعزر ( ( ( لتعذر ) ) ) العمل بهما وإمكان جعل المقيد بيانا للمطلق وأما في المسألة الثانية فلأنه سبحانه وتعالى شرط مجيئهم للحكم عليهم فإذا جاء أحدهما دون الآخر فلم يوجد الشرط وهو مجيئهم فلا يحكم بينهم وروى أن رسول الله كتب إلى مجوس هجر إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله ولم يكتب إليهم في أنكحتهم شيئا ولو كان التفريق مستحقا قبل المرافعة لكتب به كما كتب بترك الربا وروي أن المسلمين لما فتحوا بلا ( ( ( بلاد ) ) ) فارس لم ( ( ( ولم ) ) ) يتعرضوا لأنكحتهم وما روى أن عمر رضي الله عنه كتب أن يفرق بينهم وبين أمهاتهم لا يكاد يثبت لأنه لو ثبت لنقل على طريق الاستفاضة لتوفر الوداعي ( ( ( الدواعي ) ) ) إلى نقلها فلما لم ينقل دل أنه لم يثبت أو يحمل على أنه كتب ثم رجع عنه ولم يعمل به ولأن ترك التعرض والإعراض ثبت حقا لهما فإذا رفع أحدهما فقد أسقط حق نفسه فبقي حق الآخر

Section V02/P311

وجه قول محمد أنه لما رفع أحدهما فقد رضي بحكم الإسلام فيلزم إجراء حكم الإسلام في حقه فيتعدى إلى الآخر كما إذا أسلم أحدهما إلا أن أبا حنيفة يقول الرضا بالحكم ليس نظير الإسلام بدليل أنه لو رضي ثم رجع عنه قبل الحكم عليه لم يلزمه بحكم الإسلام وبعدما أسلم لا يمكنه أن يأبى الرضا بأحكام الإسلام وإذا لم يكن ذلك أمرا لازما ضروريا فلا يتعدى إلى غيره وجعل رضاه في حق الغير كالعدم بخلاف الإسلام وذكر القاضي الإمام أبو زيد أن نكاح ( ( ( إنكاح ) ) ) المحارم صحيح فيما بينهم في قول أبي حنيفة بدليل أن الذمي إذا تزوج بمحارمه ودخل بها لم يسقط إحصانه عنده حتى لو قذفه إنسان بالزنا بعدما أسلم يحد قاذفه عنده ولو كان النكاح فاسدا لسقط إحصائه ( ( ( إحصانه ) ) ) لأن الدخول في النكاح الفاسد يسقط الإحصان كما في سائر الأنكحة الفاسدة وكذلك لو ترافعا إلينا فطلبت المرأة النفقة فإن القاضي يقضي بالنفقة في قول أبي حنيفة فدل أن نكاح المحارم وقع صحيحا فيما بينهم في حكم الإسلام واتفقوا على أنه لو تزوج حربي أختين في عقدة واحدة أو على التعاقب ثم فارق إحداهما قبل الإسلام ثم أسلم أن نكاح الباقية صحيح ومعلوم أن الباقي غير الثابت ولو وقع نكاحها فاسدا حال وقوعه لما أقر عليه بعد الإسلام وكذلك لو تزوج خمسا في عقد متفرقة ثم فارق الأولى منهن ثم أسلم بقي نكاح الأربع على الصحة ولو وقع فاسدا من الأصل لما انقلب صحيحا بالإسلام بل كان يتأكد الفساد فثبت أن هذه الأنكحة وقعت صحيحة في حقهم في حكم الإسلام ثم يفرق بينهما بعد الإسلام لأنه لا صحة لها في حق المسلمين ولو طلق الذمي امرأته ثلاثا أو خالعها ثم قام عليها كقيامه عليها قبل الطلاق يفرق بينهما وإن لم يترافعا لأن العقد قد بطل بالطلقات الثلاث وبالخلع لأنه يدين بذلك فكان إقراره على قيامه عليها إقرارا على الزنا وهذا لا يجوز ولو تزوج ذمي ذمية على أن لا مهر لها وذلك في دينهم جائز صح ذلك ولا شيء لها في قول أبي حنيفة سواء دخل بها أو لم يدخل بها طلقها أو مات عنها أسلما أو أسلم أحدهما وعند أبي يوسف ومحمد لها مهر مثلها ثم إن طلقها بعد الدخول أو بعد الخلوة بها أو مات عنها تأكد ذلك وإن طلقها قبل الدخول بها أو قبل الخلوة سقط مهر المثل ولها المتعة كالمسلمة ولو تزوج حربي حربية في دار الحرب على أن لا مهر لها جاز ذلك ولا شيء لها في قولهم جميعا والكلام في الجانبين على نحو ما ذكرنا في المسائل المتقدمة هما يقولان إن حكم الإسلام قد لزم الزوجين الذميين لالتزامهما أحكامنا ومن أحكامنا أنه لا يجوز النكاح من غير مال بخلاف الحربيين لأنهما ما التزما أحكامنا وأبو حنيفة يقول إن في ديانتهم جواز النكاح بلا مهر ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون إلا فيما وقع الاستثناء في عقودهم كالربا وهذا لم يقع الاستثناء عنه فلا نتعرض لهم ويكون جائزا في حقهم في حكم الإسلام كما يجوز لهم في حكم الإسلام تملك الخمور والخنازير وتمليكها هذا إذا تزوجها وبقي المهر فأما إذا تزوجها وسكت عن تسميته بأن تزوجها ولم يسم لها مهرا فلها مهر المثل في ظاهر رواية الأصل فإنه ذكر في الأصل أن الذمي إذا تزوج ذمية بميتة أو دم أو بغير شيء أن النكاح جائز ولها مهر مثلها فظاهر قوله أو بغير شيء يشعر بالسكوت عن التسمية لا بالنفي فيدل على وجوب مهر المثل حال السكوت عن التسمية ففرق أبو حنيفة بين السكوت وبين النفي

Section V02/P311–V02/P312

وحكي عن الكرخي أنه قال قياس قول أبي حنيفة أنه لا فرق بين حالة السكوت وبين النفي ووجهه أنه لما جاز النكاح في ديانتهم بمهر وبغير مهر لم يكن في نفس العقد ما يدل على التزام المهر فلا بد لوجوبه من دليل وهو التسمية ولم توجد فلا يجب بخلاف نكاح المسلمين لأنه لا جواز له بدون المهر فكان ذلك العقد التزاما للمهر ووجه الفرق بين السكوت وبين النفي على ظاهر الرواية أنه لما سكت عن تسمية المهر لم تعرف ديانته النكاح بلا مهر فيجعل إقدامه على النكاح إلتزاما للمهر كما في حق المسلمين وإذا نفى المهر نصا دل أنه يدين النكاح ويعتقده جائزا بلا مهر فلا يلزمه حكم نكاح أهل الإسلام بل يترك وما يدينه فهو الفرق ثم ما صلح مهرا في نكاح المسلمين فإنه يصلح مهرا في نكاح أهل الذمة لا شك فيه لأنه لما جاز نكاحنا عليه كان نكاحهم عليه أجوز وما لا يصلح مهرا في نكاح المسلمين لا يصلح مهرا في نكاحهم أيضا إلا الخمر والخنزير لأن ذلك مال متقوم في حقهم بمنزلة الشاة والخل في حق المسلمين فيجوز أن يكون مهرا في حقهم في حكم الإسلام فإن تزوج ذمي ذمية على خمر أو خنزير ثم أسلما أو أسلم أحدهما فإن كان الخمر والخنزير بعينه ولم يقبض فليس لها إلا العين وإن كان بغير عينه بأن كان في الذمة فلها في الخمر القيمة وفي الخنزير مهر مثلها وهو قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف لها مهر مثلها سواء كان بعينه أو بغير عينه وقال محمد لها القيمة سواء كان بعينه أو بغير عينه ولا خلاف في أن الخمر والخنزير إذا كان دينا في الذمة ليس لها غير ذلك وجه قولهما في أنه لا يجوز أن يكون لها العين أن الملك في العين وإن ثبت لها قبل الإسلام لكن في القبض معنى التمليك لأنه مؤكد للملك لأن ملكها قبل القبض واه غير متأكد ألا ترى أنه لو هلك عند الزوج كان الهلاك عليه وكذا لو تعيب وبعد القبض كان ذلك كله عليها فثبت أن الملك قبل القبض غير متأكد فكان القبض مؤكد ( ( ( مؤكدا ) ) ) للملك والتأكيد إثبات من وجه فكان القبض تمليكا من وجه والمسلم منهي عن ذلك ولهذا لو اشترى ذمي من ذمي خمرا ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض ينتقض البيع ولأبي حنيفة أن المرأة تملك المهر قبل القبض ملكا تاما إذ الملك نوعان ملك رقبة وملك يد وهو ملك التصرف ولا شك أن ملك الرقبة ثابت لها قبل القبض وكذلك ملك التصرف لأنها تملك التصرف في المهر قبل القبض من كل وجه فلم يبق إلا صورة القبض والمسلم غير منهي عن صورة قبض الخمر والخنزير وإقباضهما كما إذا غصب مسلم من مسلم خمرا أن الغاصب يكون مأمورا بالتسليم والمغصوب منه يكون مأذونا له في القبض وكذا الذمي إذا غصب منه الخمر ثم أسلم وكمسلم أودعه الذمي خمرا ثم أسلم الذمي أن له أن يأخذ الخمر من المودع يبقى هذا القدر وهو أنه دخل المهر في ضمانها بالقبض لكن هذا لا يوجب ثبوت ملك لها لما ذكرنا أن ملكها تام قبل القبض مع ما أن دخوله في ضمانها أمر عليها فكيف يكون ملكا لها بخلاف المبيع فإن ملك الرقبة وإن كان ثابتا قبل القبض فملك التصرف لم يثبت وإنما يثبت بالقبض وفيه معنى التمليك والتملك والإسلام يمنع من ذلك هذا إذا كانا عينين فإن كانا دينين فليس لها إلا العين بالإجماع لأن الملك في هذه العين التي تأخذها ما كان ثابتا لها بالعقد بل كان ثابتا في الدين في الذمة وإنما يثبت الملك في هذا المعين بالقبض والقبض تملك من وجه والمسلم ممنوع من ذلك وجه قول أبي يوسف أن الإسلام لما منع القبض والقبض حكم العقد جعل كأن المنع كان ثابتا وقت العقد فيصار إلى مهر المثل كما لو كانا عند العقد مسلمين

Section V02/P312–V02/P313

وجه قول محمد أن العقد وقع صحيحا والتسمية في العقد قد صحت إلا أنه تعذر التسليم بسبب الإسلام لما في التسليم من التمليك من وجه على ما بينا والمسلم ممنوع من ذلك فيوجب القيمة كما لهو هلك المسمى قبل القبض وأبو حنيفة يوجب القيمة في الخمر لما قاله محمد وهو القياس في الخنزير أيضا إلا أنه استحسن في الخنزير أيضا وأوجب مهر المثل لأن الخنزير حيوان ومن تزوج امرأة على حيوان في الذمة يخير بين تسليمه وبين تسليم قيمة الوسط منه بل القيمة هي الأصل في التسليم لأن الوسط يعرف بها على ما ذكرنا فيما تقدم فكان إيفاء قيمة الخنزير بعد الإسلام حكم إيفاء الخنزير من وجه ولا سبيل إلى إيفاء العين بعد الإسلام فلا سبيل إلى إيفاء القيمة بخلاف الخمر لأن قيمتها لم تكن واجبة قبل الإسلام ألا ترى أنه لوجاء الزوج بالقيمة لا تجبر المرأة على القبول فلم يكن لبقائها حكم بقاء الخمر من وجه لذلك افترقا هذا كله إذا لم يكن المهر مقبوضا قبل الإسلام فإن كان مقبوضا فلا شيء للمرأة لأن الإسلام متى ورد والحرام مقبوض يلاقيه بالعفو لأن الملك قد ثبت على سبيل الكمال بالعقد والقبض في حال الكفر فلا يثبت بعد الإسلام ملك وإنما يوجد دوام الملك والإسلام لا ينافيه كمسلم تخمر عصيره أنه لا يؤمر بإبطال ملكه فيها وكما في نزول تحريم الربا وروى أن رسول الله لما دخل مكة أبطل من الربا ما لم يقبض ولم يتعرض لما قبض بالفسخ وهو أحد تأويلات قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين أمر سبحانه بترك ما بقي من الربا والأمر بترك ما بقي من الربا هو النهي عن قبضه والله عزوجل الموفق ولو تزوجها على ميتة أو دم ذكر في الأصل أن لها مهر مثلها وذكر في الجامع الصغير أنه لا شيء لها منهم ووفق بين الروايتين فحمل ما ذكره في الأصل على الذميين وما ذكره في الجامع على الحربيين ومنهم من جعل في المسألة روايتين وجه رواية الأصل أنه لما تزوجها على الميتة والدم فلم يرض باستحقاق بضعها إلا ببدل وقد تعذر استحقاق المسمى لأنه ليس بمال في حق أحد فكان لها مهر المثل كالمسلمة وجه رواية الجامع الصغير أنها لما رضيت بالميتة مع أنها ليست بمال كان ذلك منها دلالة الرضا باستحقاق بضعها بغير عوض أصلا كما إذا تزوجها على أن لا مهر لها والله عز وجل أعلم فصل ثم كل عقد إذا عقده الذمي كان فاسدا فإذا عقده الحربي كان فاسدا أيضا لأن المعنى المفسد لا يوجب الفصل بينهما وهو ما ذكرنا فيما تقدم ولو تزوج كافر بخمس نسوة أو بأختين ثم أسلم فإن كان تزوجهن في عقدة واحدة فرق بينه وبينهن وإن كان تزوجهن في عقد متفرقة صح نكاح الأربع وبطل نكاح الخامسة وكذا في الأختين يصح نكاح الأولى وبطل نكاح الثانية وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد يختار من الخمس أربعا ومن الأختين واحدة سواء تزوجهن في عقدة واحدة أو في عقد استحسانا وبه أخذ الشافعي احتج محمد بما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعا منهن وروي أن قيس بن الحارث أسلم وتحته ثمان نسوة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا وروى أن فيروز الديلمي أسلم وتحته أختان فخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستفسر أن نكاحهن كان دفعة واحدة أو على الترتيب ولو كان الحكم يختلف لاستفسر فدل أن حكم الشرع فيه هو التخيير مطلقا

Section V02/P313–V02/P314

ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن الجمع محرم على المسلم والكافر جميعا لأن حرمته ثبتت لمعنى معقول وهو خوف الجور في إيفاء حقوقهن والإفضاء إلى قطع الرحم على ما ذكرنا فيما تقدم وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم والكافر إلا أنه لا يتعرض لأهل الذمة مع قيام الحرمة لأن ذلك ديانتهم وهو غير مستثنى من عهودهم وقد نهينا عن التعرض لهم عن مثله بعد إعطاء الذمة وليس لنا ولاية التعرض لأهل الحرب فإذا أسلم فقد زال المانع فلا يمكن من استيفاء الجمع بعد الإسلام فإذا كان تزوج الخمس في عقدة واحدة فقد حصل نكاح كل واحدة منهن جميعا إذ ليست إحداهن بأولى من الأخرى والجمع محرم وقد زال المانع من التعرض فلا بد من الاعتراض بالتفريق وكذلك إذا تزوج الأختين في عقدة واحدة لأن نكاح واحدة منهما جعل جمعا إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى والإسلام يمنع من ذلك ولا مانع من التفريق فيفرق فأما إذا كان تزوجهن على الترتيب في عقد متفرقة فنكاح الأربع منهن وقع صحيحا لأن الحر يملك التزوج بأربع نسوة مسلما كان أو كافرا ولم يصح نكاح الخامسة لحصوله جمعا فيفرق بينهما بعد الإسلام وكذلك إذا كان تزوج الأختين في عقدتين فنكاح الأولى وقع صحيحا إذ لا مانع من الصحة وبطل نكاح الثانية لحصوله جمعا فلا بد من التفريق بعد الإسلام وأما الأحاديث ففيها إثبات الاختيار للزوج المسلم لكن ليس فيها أن له أن يختار ذلك بالنكاح الأول أو بنكاح جديد فاحتمل أنه أثبت له الاختيار لتجدد العقد عليهن ويحتمل أنه أثبت له الاختيار ليمسكهن بالعقد الأول فلا يكون حجة مع الاحتمال مع ما أنه قد روى أن ذلك قبل تحريم الجمع فإنه روى في الخبر أن غيلان أسلم وقد كان تزوج في الجاهلية وروي عن مكحول أنه قال كان ذلك قبل نزول الفرائض وتحريم الجمع ثبت بسورة النساء الكبرى وهي مدنية وروى أن فيروز لما هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له إن تحتي أختين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجع فطلق إحداهما ومعلوم أن الطلاق إنما يكون في النكاح الصحيح فدل أن ذلك العقد وقع صحيحا في الأصل فدل أنه كان قبل تحريم الجمع ولا كلام فيه وعلى هذا الخلاف إذا تزوج الحربي بأربع نسوة ثم سبى هو وسبين معه أن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق بينه وبين الكل سواء تزوجهن في عقدة واحدة أو في عقد متفرقة لأن نكاح الأربع وقع صحيحا لأنه كان حرا وقت النكاح والحر يملك التزوج بأربع نسوة مسلما كان أو كافرا إلا أنه تعذر الاستيفاء بعد الاسترقاق لحصول الجمع من العبد في حال البقاء بين أكثر من اثنتين والعبد لا يملك الاستيفاء فيقع جمعا بين الكل ففرق بينه وبين الكل ولا يخير فيه كما إذا تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة بطل نكاحهما ولا يخير كذا هذا وعند محمد يخير فيه فيختار اثنتين منهن كما يخير الحر في أربع نسوة من نسائه ولو كان الحربي تزوج أما وبنتا ثم أسلم فإن كان تزوجهما في عقدة واحدة فنكاحهما باطل وإن كان تزوجهما متفرقا فنكاح الأولى جائز ونكاح الأخرى باطل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف كما قالا في الجمع بين الخمس والجمع بين الأختين وقال محمد نكاح البنت هو الجائز سواء تزوجهما في عقدة واحدة أو في عقدتين ونكاح الأم باطل لأن مجرد عقد الأم لا يحرم البنت وهذا إذا لم يكن دخل بواحدة منهما ولو أنه كان دخل بهما جميعا فنكاحهما جميعا باطل بالإجماع لأن مجرد الدخول يوجب التحريم سواء دخل بالأم أو بالبنت ولو لم يدخل بالأولى ولكن دخل بالثانية فإن كانت الأولى بنتا والثانية أما فنكاحهما جميعا باطل بالإجماع لأن نكاح البنت يحرم الأم والدخول بالأم يحرم البنت ولو كان دخل بإحداهما فإن كان دخل بالأولى ثم تزوج الثانية فنكاح الأولى جائز ونكاح الثانية باطل بالإجماع

Section V02/P314–V02/P315

ولو تزوج الأم أولا ولم يدخل بها ثم تزوج البنت ودخل بها فنكاحهما جميعا باطل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أنه يحل له أن يتزوج بالبنت ولا يحل له أن يتزوج بالأم وعند محمد نكاح البنت هو الجائز وقد دخل بها وهي امرأته ونكاح الأم باطل فصل وأما شرائط اللزوم فنوعان في الأصل نوع هو شرط وقوع النكاح لازما ونوع هو شرط بقائه على اللزوم أما الأول فأنواع منها أن يكون الولي في إنكاح الصغير والصغيرة هو الأب أو ( ( ( والجد ) ) ) الجد فإن كان غير الأب والجد من الأولياء كالأخ والعم لا يلزم النكاح حتى يثبت لهما الخيار بعد البلوغ وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط ويلزم نكاح غير الأب والجد من الأولياء حتى لا يثبت لهما الخيار وجه قول أبي يوسف أن هذا النكاح صدر من ولي فيلزم كما إذا صدر عن الأب والجد وهذا لأن ولاية الإنكاح ولاية نظر في حق المولى عليه فيدل ثبوتها على حصول النظر وهذا يمنع ثبوت الخيار لأن الخيار لو ثبت إنما يثبت لنفي الضرر ولا ضرر فلا يثبت الخيار ولهذا لم يثبت في نكاح الأب والجد كذا هذا ولهما ما روي أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر رضي الله عنه فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد البلوغ فاختارت نفسها حتى روي أن ابن عمر قال إنها انتزعت مني بعدما ملكتها وهذا نص في الباب ولأن أصل القرابة إن كان يدل على أصل النظر لكونه دليلا على أصل الشفقة فقصورها يدل على قصور النظر لقصور الشفقة بسبب بعد القرابة فيجب اعتبار أصل القرابة بإثبات أصل الولاية واعتبار القصور بإثبات الخيار تكميلا للنظر وتوفيرا في حق الصغير بتلافي التقصير لو وقع ولا يتوهم التقصير في إنكاح الأب والجد لوفور شفقتهما لذلك لزم إنكاحهما ولم يلزم إنكاح الأخ والعم على أن القياس في إنكاح الأب والجد أن لا يلزم إلا أنهم استحسنوا في ذلك لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج عائشة رضي الله عنها وبلغت لم يعلمها بالخيار بعد البلوغ ولو كان الخيار ثابتا لها وذلك حقها لا علمها به وهل يلزم إذا زوجها الحاكم ذكر في الأصل ما يدل على أنه لا يلزم فإنه قال إذا زوجها غير الأب والجد فلها الخيار والحاكم غير الأب والجد هكذا قول محمد أن لها الخيار وروى خالد بن صبيح المروزي عن أبي حنيفة أنه لا خيار لها وجه هذه الرواية أن ولاية الحاكم أعم من ولاية الأخ والعم لأنه يملك التصرف في النفس والمال جميعا فكانت ولايته شبيهة بولاية الأب والجد وولايتهما ملزمة كذلك ولاية الحاكم وجه رواية الأصل أن ولاية الأخ والعم أقوى من ولاية الحاكم بدليل أنهما يتقدمان عليه حتى لا يزوج الحاكم مع وجودهما ثم ولايتهما غير ملزمة فولاية الحاكم أولى وإذا ثبت الخيار لكل واحد منهما وهو اختيار النكاح أو الفرقة فيقع الكلام بعد هذا في موضعين أحدهما في بيان وقت ثبوت الخيار والثاني في بيان ما يبطل به الخيار أما الأول فالخيار يثبت بعد البلوغ لا قبله حتى لو رضيت بالنكاح قبل البلوغ لا يعتبر ويثبت الخيار بعد البلوغ لأن أهلية الرضا تثبت بعد البلوغ لا قبله فيثبت الخيار بعد البلوغ لا قبله وأما الثاني فما يبطل به الخيار نوعان نص ودلالة أما النص فهو صريح الرضا بالنكاح نحو أن تقول رضيت بالنكاح واخترت النكاح أو أجزته وما يجري هذا المجرى فيبطل خيار الفرقة ويلزم النكاح وأما الدلالة فنحو السكوت من البكر عقيب البلوغ لأن سكوت البكر دليل الرضا بالنكاح لما ذكرنا فيما تقدم أن البكر لغلبة حيائها تستحي عن إظهار الرضا بالنكاح

Section V02/P315–V02/P316

فأما سكوت الثيب فإن كان وطئها قبل البلوغ فبلغت وهي ثيب فسكتت عقيب البلوغ فلا يبطل به الخيار لأنها لا تستحي عن إظهار الرضا بالنكاح عادة لأن بالثيابة قل حياؤها فلا يصح سكوتها دليلا على الرضا بالنكاح فلا يبطل خيارها إلا بصريح الرضا بالنكاح أو بفعل أو بقول يدل على الرضا نحو التمكين من الوطء وطلب المهر والنفقة وغير ذلك وكذا سكوت الغلام بعد البلوغ لأن الغلام لا يستحي عن إظهار الرضا بالنكاح إذ ذاك دليل الرجولية فلا يسقط خياره إلا بنص كلامه أو بما يدل على الرضا بالنكاح من الدخول بها وطلب التمكن منها وإدرار النفقة عليها ونحو ذلك ثم العلم بالنكاح شرط بطلان الخيار من طريق الدلالة حتى لو لم تكن عالمة بالنكاح لا يبطل الخيار لأن بطلان الخيار لوجود الرضا منها دلالة والرضا بالشيء قبل العلم به لا يتصور إذ هو استحسان الشيء ومن لم يعلم بشيء كيف يستحسنه فإذا كانت عالمة بالنكاح ووجد منها دليل الرضا بالنكاح بطل خيارها ولا يمتد هذا الخيار إلى آخر المجلس بل يبطل بالسكوت من البكر بخلاف خيار العتق وخيار المخيرة لأن التخيير هناك وجد من العبد وهو الزوج أو المولى أما في الزوج فظاهر وكذا في المولى لأن الخيار يثبت بالعتق والعتق حصل بإعتاقه والتخيير من العبد تمليك فيقتضي جوابا في المجلس فيمتد إلى آخر المجلس كخيار القبول في البيع بخلاف خيار البلوغ لأنه ما ثبت بصنع العبد بل بإثبات الشرع فلم يكن تمليكا فلا يمتد إلى آخر المجلس وإن لم تكن عالمة بالنكاح فلها الخيار حين تعلم بالنكاح ثم خيار البلوغ يثبت للذكر والأنثى وخيار العتق لا يثبت إلا للمعتقة لأن خيار البلوغ يثبت لقصور الولاية وذا لا يختلف بالذكورة والأنوثة وخيار العتق ثبت لزيادة الملك عليها بالعتق وذا يختص بها وكذا خيار البلوغ للذكر والأنثى إذا كانت الأنثى ثيبا لا يبطل بالقيام عن المجلس وخيار العتق والمخيرة يبطل والفرق على نحو ما ذكرنا من خيار البكر وخيار العتق وخيار المخيرة أن الأول يبطل بالسكوت والثاني لا يبطل وأما العلم بالخيار فليس بشرط والجهل به ليس بعذر لأن دار الإسلام دار العلم بالشرائع فيمكن الوصول إليها بالتعلم فكان الجهل بالخيار في غير موضعه فلا يعتبر ولهذا لا يعذر العوام في دار الإسلام بجهلهم بالشرائع بخلاف خيار العتق فإن العلم بالخيار هناك شرط والجهل به عذر وإن كان دار الإسلام دار العلم بالشرائع والأحكام لأن الوصول إليها ليس من طريق الضرورة بل بواسطة التعلم والأمة لا تتمكن من التعلم لأنها لا تتفرغ لذلك لاشتغالها بخدمة مولاها بخلاف الحرة ثم إذا اختار أحدهما الفرقة فهذه الفرقة لا تثبت إلا بقضاء القاضي بخلاف خيار العتق فإن المعتقة إذا اختارت نفسها تثبت الفرقة بغير قضاء القاضي وجه الفرق أن أصل النكاح ههنا ثابت وحكمه نافذ وإنما الغائب وصف الكمال وهو صفة اللزوم فكان الفسخ من أحد الزوجين رفع الأصل بفوات الوصف وفوات الوصف لا يوجب رفع الأصل لما فيه من جعل الأصل تبعا للوصف وليس له هذه الولاية وبه حاجة إلى ذلك فلا بد من رفعه إلى من له الولاية العامة وهو القاضي ليرفع النكاح دفعا لحاجة الصغير الذي بلغ ونظرا له بخلاف خيار العتق ( ( ( المعتق ) ) ) لأن الملك ازداد عليها بالعتق ولها أن لا ترضى بالزيادة فكان لها أن تدفع الزيادة ولا يمكن دفعها إلا باندفاع ما كان ثابتا فيندفع الثابت ضرورة دفع الزيادة وهذا يمكن إذ ليس بعض الملك تابعا لبعض فلا تقع الحاجة إلى قضاء القاضي ونظير الفصلين الرد بالعيب قبل القبض وبعده أن الأول يثبت بدون قضاء القاضي والثاني لا يثبت عند عدم التراضي منهما إلا بقضاء القاضي والله عز وجل أعلم ولو زوج ابنته ابن أخيه فلا خيار لها بالإجماع لأن النكاح صدر عن الأب وأما ابن الأخ فله الخيار في قول أبي حنيفة ومحمد لصدور النكاح عن العم وعند أبي يوسف لا خيار له والمسألة قد مرت

Section V02/P316

ولو أعتق أمته ثم زوجها وهي صغيرة فلها خيار البلوغ لأن ولاية الولاء دون ولاية القرابة فلما ثبت الخيار ثمة فلأن يثبت ههنا أولى ولو زوجها ثم أعتقها وهي صغيرة فلها إذا بلغت خيار العتق لا خيار البلوغ لأن النكاح صادفها وهي رقيقة فصل ومنها كفاءة الزوج في إنكاح المرأة الحرة البالغة العاقلة نفسها من غير رضا الأولياء بمهر مثلها فيقع الكلام في هذا الشرط في أربعة مواضع أحدها في بيان أن الكفاءة في باب النكاح هل هي شرط لزوم النكاح في الجملة أم لا والثاني في بيان النكاح الذي الكفاءة من شرط لزومه والثالث في بيان ما تعتبر فيه الكفاءة والرابع في بيان من يعتبر له الكفاءة أما الأول فقد قال عامة العلماء إنها شرط وقال الكرخي ليست بشرط أصلا وهو قول مالك وسفيان الثوري والحسن البصري واحتجوا بما روي أن أبا طيبة خطب إلى بني بياضة فأبوا أن يزوجوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكحوا أبا طيبة إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وروى أن بلالا رضي الله عنه خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتزويج عند عدم الكفاءة ولو كانت معتبرة لما أمر لأن التزويج من غير كفء غير مأمور به وقال صلى الله عليه وسلم ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى وهذا نص ولأن الكفاءة لو كانت معتبرة في الشرع كان ( ( ( لكان ) ) ) أولى الأبواب بالاعتبار بها باب الدماء لأنه يحتاط فيه ما لا يحتاط في سائر الأبواب ومع هذا لم يعتبر حتى يقتل الشريف بالوضيع فههنا أولى والدليل عليه أنها لم تعتبر في جانب المرأة فكذا في جانب الزوج ولنا ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يزوج النساء إلا الأولياء ولا يزوجن إلا من الأكفاء ولا مهر أقل من عشر دراهم ولأن مصالح النكاح تختل عند عدم الكفاءة لأنها لا تحصل إلا بالاستفراش والمرأة تستنكف عن استفراش غير الكفء وتعير بذلك فتختل المصالح ولأن الزوجين يجري بينهما مباسطات في النكاح لا يبقى النكاح بدون تحملها عادة والتحمل من غير الكفء أمر صعب يثقل على الطباع السليمة فلا يدوم النكاح مع عدم الكفاءة فلزم اعتبارها ولا حجة لهم في الحديثين لأن الأمر بالتزويج يحتمل أنه كان ندبا لهم إلى الأفضل وهو اختيار الدين وترك الكفاءة فيما سواه والاقتصار عليه وهذا لا يمنع جواز الامتناع وعندنا الأفضل اعتبار الدين والاقتصار عليه ويحتمل أنه كان أمر إيجاب أمرهم بالتزويج منهما مع عدم الكفاءة تخصيصا لهم بذلك كما خص أبا طيبة بالتمكين من شرب دمه صلى الله عليه وسلم وخص خزيمة بقبول شهادته وحده ونحو ذلك ولا شركة في موضع الخصوصية حملنا الحديثين على ما قلنا توفيقا بين الدلائل وأما الحديث الثالث فالمراد به أحكام الآخرة إذ لا يمكن حمله على أحكام الدنيا لظهور فضل العربي على العجمي في كثير من أحكام الدنيا فيحمل على أحكام الآخرة وبه نقول والقياس على القصاص غير سديد لأن القصاص شرع لمصلحة الحياة واعتبار الكفاءة فيه يؤدي إلى تفويت هذه المصلحة لأن كل أحد يقصد قتل عدوه الذي لا يكافئه فتفوت المصلحة المطلوبة من القصاص وفي اعتبار الكفاءة في باب النكاح تحقيق المصلحة المطلوبة من النكاح من الوجه الذي بينا فبطل الاعتبار وكذا الاعتبار بجانب المرأة لا يصح أيضا لأن الرجل لا يستنكف عن استفراش المرأة الدنيئة لأن الاستنكاف عن المستفرش لا عن المستفرش والزوج مستفرش فيستفرش الوطىء ( ( ( الوطيء ) ) ) والخشن فصل وأما الثاني فالنكاح الذي الكفاءة فيه شرط لزومه هو إنكاح المرأة نفسها

Section V02/P316–V02/P317

من غير رضا الأولياء لا يلزم حتى لو زوجت نفسها من غير كفء من غير رضا الأولياء لا يلزم وللأولياء حق الاعتراض لأن في الكفاءة حقا للأولياء لأنهم ينتفعون بذلك ألا ترى أنهم يتفاخرون بعلو نسب الختن ويتعيرون بدناءة نسبه فيتضررون بذلك فكان لهم أن يدفعوا الضرر عن أنفسهم بالاعتراض كالمشتري إذا باع الشقص المشفوع ثم جاء الشفيع كان له أن يفسخ البيع ويأخذ المبيع بالشفعة دفعا للضرر عن نفسه كذا هذا ولو كان التزويج برضاهم يلزم حتى لا يكون لهم حق الاعتراض لأن التزويج من المرأة تصرف من الأهل في محل هو خالص حقها وهو نفسها وامتناع اللزوم كان لحقهم المتعلق بالكفاءة فإذا رضوا فقد أسقطوا حق أنفسهم وهم من أهل الإسقاط والمحل قابل للسقوط فيسقط ولو رضي به بعض الأولياء سقط حق الباقين في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يسقط وجه قوله إن حقهم في الكفاءة ثبت مشتركا بين الكل فإذا رضي به أحدهم فقد أسقط حق نفسه فلا يسقط حق الباقين كالدين إذا وجب لجماعة فأبرأ بعضهم لا يسقط حق الباقين لما قلنا كذا هذا ولأن رضا أحدهم لا يكون أكثر من رضاها فإن زوجت نفسها من غير كفء بغير رضاهم لا يسقط حق الأولياء برضاها فلأن لا يسقط برضى ( ( ( برضا ) ) ) أحدهم أولى ولهما أن هذا حق واحد لا يتجزأ ثبت بسبب لا يتجزأ وهو القرابة وأسقاط بعض ما لا يتجزأ إسقاط لكله لأنه لا بعض له فإذا أسقط واحد منهم لا يتصور بقاؤه في حق الباقين كالقصاص إذا وجب لجماعة فعفا أحدهم عنه أنه يسقط حق الباقين كذا هذا ولأن حقهم في الكفاءة ما ثبت لعينه بل لدفع الضرر والتزويج من غير كفء وقع إضرارا بالأولياء من حيث الظاهر وهو ضرر عدم الكفاءة فالظاهر أنه لا يرضى به أحدهم إلا بعد علمه بمصلحة حقيقية هي أعظم من مصلحة الكفاءة وقف هو عليها وغفل عنها الباقون لولاها لما رضي وهي دفع ضرر الوقوع في الزنا على تقدير الفسخ وأما قوله الحق ثبت مشتركا بينهم فنقول على الوجه الأول ممنوع بل ثبت لكل واحد منهم على الكمال كأن ليس معه غيره لأن ما لا يتجزأ لا يتصور فيه الشركة كحق القصاص والأمان بخلاف الدين فإنه يتجزأ فتتصور فيه الشركة وبخلاف ما إذا زوجت نفسها من غير كفء بغير رضا الأولياء لأن هناك الحق متعدد فحقها خلاف جنس حقهم لأن حقها في نفسها وفي نفس العقد ولا حق لهم في نفسها ولا في نفس العقد وإنما حقهم في دفع الشين عن أنفسهم وإذا اختلف جنس الحق فسقوط أحدهما لا يوجب سقوط الآخر وأما على الوجه الثاني فمسلم لكن هذا الحق ما ثبت لعينه بل لدفع الضرر وفي إبقائه لزوم أعلى الضررين فسقط ضرورة وكذلك الأولياء لو زوجوها من غير كفء برضاها يلزم النكاح لما قلنا ولو زوجها أحد الأولياء من غير كفء برضاها من غير رضا الباقين يجوز عند عامة العلماء خلافا لمالك بناء على أن ولاية الإنكاح ولاية مستقلة لكل واحد منهم عندنا وعنده ولاية مشتركة وقد ذكرنا المسألة في شرائط الجواز وهل يلزم قال أبو حنيفة ومحمد يلزم وقال أبو يوسف وزفر والشافعي لا يلزم وجه قولهم على نحو ما ذكرنا فيما تقدم أن الكفاءة حق ثبت للكل على الشركة وأحد الشريكين إذا أسقط حق نفسه لا يسقط حق صاحبه كالدين المشترك وجه قولهما أن هذا حق واحد لا يتجزأ ثبت بسبب لا يتجزأ ومثل هذا الحق إذا ثبت لجماعة يثبت لكل واحد منهم على الكمال كأن ليس معه غيره كالقصاص والأمان ولأن إقدامه على النكاح مع كمال الرأي برضاها مع التزام ضرر ظاهر بالقبيلة وبنفسه وهو ضرر عدم الكفاءة بلحوق العار والشين دليل كونه مصلحة في الباطن وهو اشتماله على دفع ضرر أعظم من ضرر عدم الكفاءة وهو ضرر عار الزنا أو غيره لولاه لما فعل

Section V02/P317–V02/P318

وأما إنكاح الأب والجد الصغير والصغيرة فالكفاءة فيه ليست بشرط للزومه عند أبي حنيفة كما أنها ليست بشرط الجواز عنده فيجوز ذلك ويلزم لصدوره ممن له كمال نظر لكمال الشفقة بخلاف إنكاح الأخ والعم من غير الكفء أنه لا يجوز بالإجماع لأنه ضرر محض على ما بينا في شرائط الجواز وأما إنكاحهما من الكفء فجائز عندنا خلافا للشافعي لكنه غير لازم في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لازم والمسألة قد مرت فصل وأما الثالث في بيان ما تعتبر فيه الكفاءة فما تعتبر فيه الكفاءة أشياء منها النسب والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم قريش بعضهم أكفاء لبعض والعرب بعضهم أكفاء لبعض حي بحي وقبيلة بقبيلة والموالي بعضهم أكفاء لبعض رجل برجل لأن التفاخر والتعيير يقعان بالأنساب فتلحق النقيصة بدناءة النسب فتعتبر فيه الكفاءة فقريش بعضهم أكفاء لبعض على اختلاف قبائلهم حتى يكون القرشي الذي ليس بها شمي كالتيمي والأموي والعدوي ونحو ذلك كفأ للهاشمي لقوله صلى الله عليه وسلم قريش بعضهم أكفاء لبعض وقريش تشتمل على بني هاشم والعرب بعضهم أكفاء لبعض بالنص ولا تكون العرب كفأ لقريش لفضيلة قريش على سائر العرب ولذلك اختصت الإمامة بهم قال النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش بخلاف القرشي أنه يصلح كفأ للهاشمي وإن كان للهاشمي من الفضيلة ما ليس للقرشي لكن الشرع أسقط اعتبار تلك الفضيلة في باب النكاح عرفنا ذلك بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة رضي الله عنه ( ( ( عنهم ) ) ) فإنه روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنته من عثمان رضي الله عنه وكان أمويا لا هاشميا وزوج علي رضي الله عنه ابنته من عمر رضي الله عنه ولم يكن هاشميا بل عدويا فدل أن الكفاءة في قريش لا تختص ببطن دون بطن واستثنى محمد رضي الله عنه بيت الخلافة فلم يجعل القرشي الذي ليس بهاشمي كفأ له ولا تكون الموالي أكفاء للعرب لفضل العرب على العجم والموالي بعضهم أكفاء لبعض بالنص وموالي العرب أكفاء لموالي قريش لعموم قوله والموالي بعضهم أكفاء لبعض رجل برجل ثم مفاخرة العجم بالإسلام لا بالنسب ومن له أب واحد في الإسلام لا يكون كفأ لمن له آباء كثيرة في الإسلام لأن تمام التعريف بالجد والزيادة على ذلك لا نهاية لها وقيل هذا إذا كان في موضع قد طال عهد الإسلام وامتد فأما إذا كان في موضع كان عهد الإسلام قريبا بحيث لا يعير بذلك ولا يعد عيبا يكون بعضهم كفأ لبعضهم لأن التعيير إذا لم يجبر بذلك ولم يعد عيبا لم يلحق الشين والنقيصة فلا يتحقق الضرر فصل ومنها الحرية لأن النقص والشين بالرق فوق النقص والشين بدناءة النسب فلا يكون القن والمدبر والمكاتب كفأ للحرة بحال ولا يكون مولى العتاقة كفأ لحرة الأصل ويكون كفأ لمثله لأن التفاخر يقع بالحرة الأصلية والتعيير يجري في الحرية العارضة المستفادة بالإعتاق وكذا من له أب واحد في الحرية لا يكون كفأ لمن له أبوان فصاعدا في الحرية ومن له أبوان في الحرية لا يكون كفأ لمن له أباء كثيرة في الحرية كما في إسلام الآباء لأن أصل التعريف بالأب وتمامه بالجد وليس وراء التمام شيء وكذا مولى الوضيع لا يكون كفأ لمولاة الشريف حتى لا يكون مولى العرب كفأ لمولاة بني هاشم حتى لو زوجت مولاة بني هاشم نفسها من مولى العرب كان لمعتقها حق الاعتراض لأن الولاء بمنزلة النسب قال النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب فصل ومنها المال

Section V02/P318–V02/P319

فلا يكون الفقير كفأ للغنية لأن التفاخر بالمال أكثر من التفاخر بغيره عادة وخصوصا في زماننا هذا ولأن للنكاح تعلقا بالمهر والنفقة تعلقا لازما فإنه لا يجوز بدون المهر والنفقة لازمة ولا تعلق له بالنسب والحرية فلما اعتبرت الكفاءة ثمة فلأن تعتبر ههنا أولى والمعتبر فيه القدرة على مهر مثلها والنفقة ولا تعتبر الزيادة على ذلك حتى أن الزوج إذا كان قادرا على مهر مثلها ونفقتها يكون كفأ لها وإن كان لا يساويها في المال هكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في ظاهر الروايات وذكر في غير رواية الأصول أن تساويهما في الغنا شرط تحقق الكفاءة في قول أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف لأن التفاخر يقع في الغنا عادة والصحيح هو الأول لأن الغنا لا ثبات له لأن المال غاد ورائح فلا تعتبر المساواة في الغنا ومن لا يملك مهرا ولا نفقة لا يكون كفأ لأن المهر عوض ما يملك بهذا العقد فلا بد من القدرة عليه وقيام الازدواج بالنفقة فلا بد من القدرة عليها ولأن من لا قدرة له على المهر والنفقة يستحقر ويستهان في العادة كمن له نسب دنيء فتختل به المصالح كما تختل عند دناءة النسب وقيل المراد من المهر قدر المعجل عرفا وعادة دون ما في الذمة لأن ما في الذمة يسامح فيه بالتأخير إلى وقت اليسار فلا يطلب به للحال عادة والمال غاد ورائح وروي عن أبي يوسف أنه إذا ملك النفقة يكون كفأ وإن لم يملك المهر هكذا روى الحسن بن أبي مالك عنه فإنه روي عنه أنه قال سألت أبا يوسف عن الكفء فقال الذي يملك المهر والنفقة فقلت وإن كان يملك المهر دون النفقة فقال لا يكون كفأ فقلت فإن ملك النفقة دون المهر فقال يكون كفأ وإنما كان كذلك لأن المرء يعد قادرا على المهر بقدرة أبيه عادة ولهذا لم يجز دفع الزكاة إلى ولد الغني إذا كان صغيرا وإن كان فقيرا في نفسه لأنه يعد غنيا بمال أبيه ولا يعد قادرا على النفقة بغنا ( ( ( بغنى ) ) ) أبيه لأن الأب يتحمل المهر الذي على ابنه ولا يتحمل نفقة زوجته عادة وقال بعضهم إذا كان الرجل ذا جاه كالسلطان والعالم فإنه يكون كفأ وإن كان لا يملك من المال إلا قدر النفقة لما ذكرنا أن المهر تجري فيه المسامحة بالتأخير إلى وقت اليسار والمال يغدو ويروح وحاجة المعيشة تندفع بالنفقة فصل ومنها الدين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى لو أن امرأة من بنات الصالحين إذا زوجت نفسها من فاسق كان للأولياء حق الاعتراض عندهما لأن التفاخر بالدين أحق من التفاخر بالنسب والحرية والمال والتعيير بالفسق أشد وجوه التعيير وقال محمد لا تعتبر الكفاءة في الدين لأن هذا من أمور الآخرة والكفاءة من أحكام الدنيا فلا يقدح فيها الفسق إلا إذا كان شيئا فاحشا بأن كان الفاسق ممن يسخر منه ويضحك عليه ويصفع فإن كان ممن يهاب منه بأن كان أميرا قتالا يكون كفأ لأن هذا الفسق لا يعد شينا في العادة فلا يقدح في الكفاءة وعن أبي يوسف أن الفاسق إذا كان معلنا لا يكون كفأ وإن كان مستترا يكون كفأ فصل وأما الحرفة فقد ذكر الكرخي أن الكفاءة في الحرف والصناعات معتبرة عند أبي يوسف فلا يكون الحائك كفئا للجوهري والصيرفي وذكر أن أبا حنيفة بنى الأمر فيها على عادة العرب أن مواليهم يعملون هذه الأعمال لا يقصدون بها الحرف فلا يعيرون بها وأجاب أبو يوسف على عادة أهل البلاد أنهم يتخذون ذلك حرفة فيعيرون بالدنىء ( ( ( بالدنيء ) ) ) من الصنائع فلا يكون بينهم خلاف في الحقيقة

Section V02/P319–V02/P320

وكذا ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي اعتبار الكفاءة في الحرفة ولم يذكر الخلاف فتثبت الكفاءة بين الحرفتين في جنس واحد كالبزاز مع البزاز والحائك مع الحائك وتثبت عند اختلاف جنس الحرف إذا كان يقارب بعضها بعضا كالبزاز مع الصائغ والصائغ مع العطار والحائك مع الحجام والحجام مع الدباغ ولا تثبت فيما لا مقاربة بينهما كالعطار مع البيطار والبزار ( ( ( والبزاز ) ) ) مع الخراز وذكر في بعض نسخ الجامع الصغير أن الكفاءة في الحرف معتبرة في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف غير معتبرة إلا أن تكون فاحشة كالحياكة والحجامة والدباغة ونحو ذلك لأنها ليست بأمر لازم واجب الوجود ألا ترى أنه يقدر على تركها وهذا يشكل بالحياكة وأخواتها فإنه قادر على تركها ومع هذا يقدح في الكفاءة والله تعالى الموفق وأهل الكفر بعضهم أكفاء لبعض لأن اعتبار الكفاءة لدفع النقيصة ولا نقيصة أعظم من الكفر فصل وأما بيان من تعتبر له الكفاءة فالكفاءة تعتبر للنساء لا للرجال على معنى أنه تعتبر الكفاءة في جانب الرجال للنساء ولا تعتبر في جانب النساء للرجال لأن النصوص وردت بالاعتبار في جانب الرجال خاصة وكذا المعنى الذي شرعت له الكفاءة يوجب اختصاص اعتبارها بجانبهم لأن المرأة هي التي تستنكف لا الرجل لأنها هي المستفرشة فأما الزوج فهو المستفرش فلا تلحقه الأنفة من قبلها ومن مشايخنا من قال إن الكفاءة في جانب النساء معتبرة أيضا عند أبي يوسف ومحمد استدلالا بمسألة ذكرها في الجامع الصغير في باب الوكالة وهي أن أميرا أمر رجلا أن يزوجه امرأة فزوجه أمة لغيره قال جاز عند أبي حنيفة وعندهما لا يجوز ولا دلالة في هذه المسألة على ما زعموا لأن عدم الجواز عندهما يحتمل أن يكون لمعنى آخر وهو أن من أصلهما أن التوكيل المطلق يتقيد بالعرف والعادة فينصرف إلى المتعارف كما في الوكيل بالبيع المطلق ومن أصل أبي حنيفة أنه يجري على إطلاقه في غير موضع الضرورة والتهمة ويحتمل أن يكون عدم الجواز عندهما لاعتبار الكفاءة في تلك المسألة خاصة حملا للمطلق على المتعارف كما هو أصلهما إذ المتعارف هو التزويج بالكفء فاستحسنا اعتبار الكفاءة في جانبهن في مثل تلك الصورة لمكان العرف والعادة وقد نص محمد رحمه الله على القياس والاستحسان في تلك المسألة في وكالة الأصل فلم تكن هذه المسألة دليلا على اعتبار الكفاءة في جانبهن أصلا عندهما ولا تكون دليلا على ذلك على الإطلاق بل في تلك الصورة خاصة استحسانا للعرف ولو أظهر رجل نسبه لامرأة فزوجت نفسها منه ثم ظهر نسبه على خلاف ما أظهره فالأمر لا يخلو إما أن يكون المكتوم مثل المظهر وإما أن يكون أعلى منه وإما أن يكون أدون فإن كان مثله بأن أظهر أنه تيمي ثم ظهر أنه عدوي فلا خيار لها لأن الرضا بالشيء يكون رضا بمثله وإن كان أعلى منه بأن أظهر أنه عربي فظهر أنه قرشي فلا خيار لها أيضا لأن الرضا بالأدنى يكون رضا بالأعلى من طريق الأولى وعن الحسن بن زياد أن لها الخيار لأن الأعلى لا يحتمل منها ما يحتمل الأدنى فلا يكون الرضا منها بالمظهر رضا بالأعلى منه وهذا غير سديد لأن الظاهر أنها ترضى بالكفء وإن كان الكفء لا يحتمل منها ما يحتمل غير الكفء لأن غير الكفء ضرره أكثر من نفعه فكان الرضا بالمظهر رضا بالأعلى منه من طريق الأولى وإن كان أدون منه بأن أظهر أنه قرشي ثم ظهر أنه عربي فلها للخيار ( ( ( الخيار ) ) ) وإن كان كفئا لها بأن كانت المرأة عربية لأنها إنما رضيت بشرط الزيادة وهي زيادة مرغوب فيها ولم تحصل فلا تكون راضية بدونها فكان لها الخيار وروي أنه لا خيار لها لأن الخيار لدفع النقص ولا نقيصة لأنه كفء لها

Section V02/P320–V02/P321

هذا إذا فعل الرجل ذلك فأما إذا فعلت المرأة بأن أظهرت امرأة نسبها لرجل فتزوجها ثم ظهر بخلاف ما أظهرت فلا خيار للزوج سواء تبين أنها حرة أو أمة لأن الكفاءة في جانب النساء غير معتبرة ويتصل بهذا ما إذا تزوج رجل امرأة على أنها حرة فولدت منه ثم أقام رجل البينة على أنها أمته فإن المولى بالخيار إن شاء أجاز النكاح وإن شاء أبطله لأن النكاح حصل بغير إذن المولى فوقف على إجازته ويغرم العقر لأنه وطىء جارية غير مملوكة له حقيقة فلا يخلو عن عقوبة أو غرامة ولا سبيل إلى إيجاب العقوبة للشبهة فتجب الغرامة وأما الولد فإن كان المغرور حرا فالولد حر بالقيمة لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك فإنه روى عن عمر رضي الله عنه أنه قضى بذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد فيكون إجماعا لأن الاستيلاد حصل بناء على ظاهر النكاح إذ لا علم للمستولد بحقيقة الحال فكان المستولد مستحقا للنظر والمستحق مستحق ( ( ( مستحقا ) ) ) للنظر أيضا لأنه ظهر كون الجارية ملكا له فتجب مراعاة الحقين بقدر الإمكان فراعينا حق المستولد في صورة الأولاد وحق المستحق في معنى الأولاد رعاية للجانبين بقدر الإمكان وتعتبر قيمته يوم الخصومة لأنه وقت سبب وجوب الضمان وهو منع الولد عن المستحق له لأنه علق عبدا في حقه ومنع عنه يوم الخصومة ولو مات الولد قبل الخصومة لا يغرم قيمته لأن الضمان يجب بالمنع ولم يوجد المنع من المغرور ولأنه لا صنع له في موته وإن كان الابن ترك مالا فهو ميراث لأبيه لأنه ابنه وقد مات حرا فيرثه ولا يغرم للمستحق شيئا لأن الميراث ليس ببدل عن الميت وإن كان الابن قتله رجل وأخذ الأب الدية فإنه يغرم قيمته للمستحق لأن الدية بدل عن المقتول فتقوم مقامه كأنه حي وإن كان رجل ضرب بطن الجارية فألقت جنينا ميتا يغرم الضارب الغرة خمسمائة ثم يغرم المستولد للمستحق فإن كان الولد ذكرا فنصف عشر قيمته وإن كان أنثى فعشر قيمتها وإن كان المغرور عبدا فالأولاد يكونون أرقاء للمستحق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد يكونون أحرارا ويكونون أولاد المغرور وجه قول محمد أن هذا ولد المغرور حقيقة لانخلاقه من مائه وولد المغرور حر بالقيمة بإجماع الصحابة رضي الله عنهم ولهما أن القياس أن يكون الولد ملك المستحق لأن الجارية تبين أنها ملكه فيتبين أن الولد حدث على ملكه لأن الولد يتبع الأم في الحرية والرق إلا أنا تركنا القياس بإجماع الصحابة رضي الله عنهم وهم إنما قضوا بحرية الولد في المغرور الحر فبقي الأمر في غيره مردودا إلى أصل القياس ثم المغرور هل يرجع بما غرم على الغار والغار لا يخلو إما أن يكون أجنبيا وإما أن يكون مولى الجارية وإما أن يكون هي الجارية فإن كان أجنبيا فإن كان حرا فغره بأن قال تزوج بها فإنها حرة أو لم يأمره بالتزويج لكنه زوجها على أنها حرة أو قال هي حرة وزوجها منه فإنه يرجع إلى الغار بقيمة الأولاد لأنه صار ضامنا له ما يلحقه من الغرامة في ذلك النكاح فيرجع عليه بحكم الضمان ولا يرجع عليه بالعقر لأنه ضمنه بفعل نفسه فلا يرجع على أحد ولو قال هي حرة ولم يأمره بالتزويج ولم يزوجها منه لا يرجع على المخبر بشيء لأن معنى الضمان والالتزام لا يتحقق بهذا القدر وإن كان الغار عبدا لرجل ( ( ( الرجل ) ) ) فإن كان مولاه لم يأمره بذلك يرجع عليه بعد العتاق وإن كان أمره بذلك رجع عليه للحال إلا إذا كان مكاتبا أو مكاتبة فإنه يرجع عليه بعد العتاق لأن أمر المولى بذلك لا يصح وإن كان المولى هو الذي غره فلا يضمن المغرور من قيمة الأولاد شيئا لأنه لو ضمن للمولى لكان له أن يرجع على المولى بما ضمن فلا يفيد وجوب الضمان