Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V03/P030–V03/P031

لأنه علقهما بهما فلو نزل عند وجود أحدهما لنزل من غير صنعه وهذا لا يجوز سواء قدم الشرطين على الجزاء في الذكر أو أخرهما أو وسط الجزاء بأن قال لها إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار وهذه الدار أو قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وهذه الدار لا يقع الطلاق إلا عند دخول الدارين جميعا أما إذا قدم الشرطين على الجزاء أو أخرهما عنه فلأنه جمع بين الشرطين بحرف الجمع والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع ولو جمع بينهما بلفظ الجمع بأن قال إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق أو أنت طالق إن دخلت هاتين الدارين لا يقع الطلاق إلا عند دخول الدارين جميعا كذا هذا وإنما استوى فيه تقديم الشرطين وتأخيرهما لأن الجزاء يتعلق بالشرط كيفما كان فكان التقديم والتأخير فيه سواء وأما إذا وسط الجزاء فلأن الشيء يعطف على جنسه لا على غير جنسه فلا يصح عطف الشرط على الجزاء فيجعل معطوفا على الشرط وكذلك إذا كان العطف بحرف الفاء بأن قال إن دخلت هذه الدار فهذه الدار أنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار فهذه الدار أو قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فهذه الدار فهذا كله سواء ولا يقع الطلاق إلا عند دخول هذين الدارين جميعا كما في الفصل الأول إلا أن هناك لا يراعى الترتيب في دخول الدارين وههنا يراعى وهو أن تدخل الدار الثانية بعد دخولها الأولى وإلا فلا يقع الطلاق لأن الواو والفاء وإن كانت كل واحدة منهما حرف عطف وجمع لكن الواو للجمع المطلق والفاء للجمع المقيد وهو الجمع على سبيل التعقيب لذلك لزم مراعاة الترتيب في الثاني دون الأول وكذلك إن كان العطف بكلمة ثم بأن قال إن دخلت هذه الدار ثم هذه الدار فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار ثم هذه الدار أو قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثم هذه الدار فهذه والفاء سواء في أنه يراعى الترتيب في الدخول في كل واحدة منهما إلا أن ههنا لا بد وأن يكون دخول الدار الثانية متراخيا عن دخول الأولى لأن كلمة ثم للترتيب والتعقيب مع التراخي هذا إذا كرر حرف العطف بدون الفعل فإن كرر مع الفعل فإن كان بالواو بأن قال إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار فهذا وما إذا كرر حرف العطف بدون الفعل سواء لأن الواو للجمع المطلق فيقتضي اجتماع الشرطين فيستوي فيه إعادة الفعل وعدم الإعادة وإن كانت بالفاء فقال إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى فقد ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف أنه فرق بين الفاء وبين الواو في هذه الأوجه فقال في الأول يقع الطلاق عند دخول الدارين من غير مراعاة الترتيب وفي الثاني لا يقع إلا أن يكون المذكور بالفاء آخرا حتى لو دخلت الدار الثانية قبل الأولى ثم دخلت الأولى لا يحنث ووجه الفرق ما ذكرنا أن الواو تقتضي الجمع المطلق من غير شرط الترتيب والفاء تقتضي التعقيب فيستدعي تأخر الفعل الثاني عن الأول وقد ذكر ابن سماعة عن محمد في هذا زيادة تفصيل فقال في رجل قال لامرأته إن دخلت دار فلان فدخلت هذه الدار فأنت طالق ولم يدخل بها ثم طلقها فدخلت دار فلان ثم تزوجها فدخلت الدار الثانية لم تطلق كأنه جعل دخول دار فلان شرطا لانعقاد اليمين فإنما يصير حالفا حين دخلت الدار الأولى ولا ملك له في ذلك الوقت فيصير حالفا بطلاق امرأة لا يملكها فلا تطلق وإن دخلت الدار الثانية وهي امرأته لما لم تنعقد اليمين

Section V03/P031–V03/P032

وقد روي عن أبي يوسف مثل هذه في مسألة أخرى فقال إذا قال لامرأتين له إذا غشيت هذه فإذا غشيت هذه الأخرى فعبدي حر فليس الحلف على الأولى إنما تنعقد عليه اليمين في الثانية إذا غشي الأولى ويكون موليا من الثانية إذا غشى الأولى والفاء في هذه المواضع لا تشبه الواو فدل ذلك على أنه جعل غشيان الأولى شرطا لانعقاد اليمين في الثانية ولو قال لامرأته قبل الدخول بها أنت طالق إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار أو وسط الجزاء بأن قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وإن دخلت هذه الدار فإن أبا يوسف ومحمدا قالا أي الدارين دخلت طلقت وسقطت اليمين ولا تطلق بدخول الدار الأخرى لأنه لما أعاد حرف الشرط مع الفعل فلم يكن عطفا على الأولى في الشرط بل صار ذلك يمينا أخرى أضمر فيها الجزاء فأيهما وجد نزل الجزاء وانحلت اليمين لأن جزاء الثاني لم يبق وإن قدم الشرطين على الجواء ( ( ( الجزاء ) ) ) فقال إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق حتى تدخل الدارين جميعا وهو قول محمد روى ابن سماعة عنه وذكر محمد في الجامع وقال هو إحدى الروايتين عن أبي يوسف وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه سوى بين ذلك فقال أي الدارين دخلت طلقت كما في الأولى وجه قول محمد أنه لما عطف الشرط على الشرط قبل الجزاء دل ذلك على أنها يمين واحدة لأن الكلام الأول وهو قوله إن دخلت هذه الدار ليس بتام لأنه لا جزاء له فقوله بعد ذلك وإن دخلت هذه الدار يكون شرطا على حدة إلا أنه لم يذكر له جزاء فكان جزاء الأول جزاء الثاني فأيهما وجد نزل الجزاء وتبطل اليمين الأخرى لأنه لم يبق لها جزاء بخلاف الفصل الأول لأن هناك اليمين قد تمت بذكر الجزاء فلما أعاد حرف الشرط مع الفعل دل ذلك على أنه كلام مبتدأ وجه قول أبي يوسف أن تقديم الشرط على الجزاء وتأخيره عنه في باب اليمين سواء ولو قدمه كان الجواب هكذا فكذا إذا أخر والله عز وجل أعلم ولو كرر الشرط وعلق به جزاء واحدا فإن كرر بدون حرف العطف بأن قال إن تزوجت فلانة إن تزوجت فلانة فهي طالق فاليمين انعقدت بالقول الثاني والقول الأول لغو وكذلك إذا متى وإن إذا وإن متى وكذلك إن بدأ بإذا وأخر إن أو قال إذا ثم قال متى لأن الشرط لا يتعلق به حكم إلا بانضمام الجزاء إليه وقد ضم الجزاء إلى الشرط الثاني لأنه موصول به حقيقة فيقطع عن الأول فبقي الأول من غير جزاء فلغا وإن قدم الجزاء فقال أنت طالق إن تزوجتك انعقدت اليمين بالكلام الأول والكلام الثاني لغو لأن الجزاء تعلق بالشرط الأول والثاني غير معطوف عليه فبقى شرطا لا جزاء له فلغا ولو قال إذا تزوجتك فأنت طالق إن تزوجتك فإنما انعقدت اليمن ( ( ( اليمين ) ) ) بالكلام الأخر والكلام الأول لغو لأن إن شرط محض ألا ترى أنه لا يستعمل إلا في الشرط وإذ قد يستعمل في الوقت ولا بد من تعليق الطلاق بأحدهما فتعليقه بالشرط المحض أولى وذكر محمد في الجامع في رجل قال لدار واحدة إن دخلت هذه الدار فعبدي حر إن دخلت هذه الدار فدخلها دخلة واحدة فإنه ينبغي في القياس أن لا يحنث حتى يدخل الدار دخلتين ولكنا نستحسن ونجعله حانثا بالدخلة الأولى وجه القياس أن تكرار الشرط يمكن أن يحمل على فائدة وهو أنه أراد به العطف إلا أنه حذف حرف العطف فصار الشرط دخولها مرتين وجه الاستحسان أن التكرار يجعل ردا للكلام الأول لأن الغرض من هذه اليمين المنع والظاهر أن الإنسان يمنع نفسه من أصل الدخول دون التكرار إلا أن يعني دخلتين فيكون على ما عني لأن الظاهر أن الإنسان لا يتكلم بشيء إلا لفائدة تتعلق به فقد نوى ظاهر كلامه فيصدق

Section V03/P032

وإن كرر بحرف العطف فقال إن تزوجتك وإن تزوجتك أو قال إن تزوجتك فإن تزوجتك أو إذا تزوجتك ومتى تزوجتك لا يقع الطلاق حتى يتزوجها مرتين لأنه لما عطف أحد الشرطين على الآخرفقد علق الجزاء بهما فيتعلق بهما ولو قدم الطلاق فقال أنت طالق إن تزوجتك فإن تزوجتك فهذا على تزويج واحد وهو مخالف للباب الأول لأن الكلام الأول تم بالجزاء والشرط فإذا أعاد الشرط بعد تمام الكلام لم يتعلق به حكم ولو قال إن تزوجتك فأنت طالق وإن تزوجتك طلقت بكل واحد من التزويجين لأنه عطف التزويج على الجزاء فصار الجزاء مضمرا فيه كأنه قال ان تزوجتك فأنت طالق والله عز وجل أعلم ولو قال كلما دخلت هذه الدار وكلمت فلانا فعبد من عبيدي حر فدخلت الدار دخلات وكلمت فلانا مرة واحدة لا يعتق إلا عبد واحد لأنه جعل شرط العتق دخول الدار وكلام فلان فإذا تكرر أحد الشرطين ولم يوجد الآخر إلا مرة واحدة فقد تم شرط يمين واحدة ووجد بعض شرط يمين أخرى فلا يعتق إلا عبد واحد ولو قال كلما دخلت هذه الدار فإن كلمت فلانا فأنت طالق فدخلت الدار ثلاث دخلات ثم كلمت فلانا مرة طلقت امرأته ثلاثا لأنه جعل الجملة المذكورة بعد حرف الفاء من ذكر الشرط والجزاء جزاء الدخول والجزاء يتكرر بتكرر الشرط إذا كان الشرط مذكورا بكملة ( ( ( بكلمة ) ) ) كلما ويصير كأنه علق عند كل دخول طلاقها بكلامها فإذا كلمت فلانا مرة تطلق ثلاثا إذ الفعل الواحد يصلح شرطا في أيمان كثيرة فيحنث في جميعها وروي ابن سماعة عن أبي يوسف ما يجري مجرى الشرح للمسألة الأولى أنه قال لو قال كلما دخلت هذه الدار وكلمت فلانا فأنت طالق فهذا عليهما جميعا فإن دخلت الدار ثلاث دخلات ثم كلمت فلانا مرة طلقت واحدة لأن الواو للجمع فيصير الدخول والكلام جميعا شرطا وتكرار بعض الشرط لا يتعلق به حنث فإن عادت فكلمت فلانا قبل إن تدخل الدار الرابعة طلقت أخرى لأنه تم شرط يمين أخرى فإن عادت فكلمت فلانا الثالثة طلقت أخرى لتمام شرط اليمين الثالثة قال وكذلك لو بدأت بكلام فلان فكلمته ثلاث مرات ثم دخلت الدار دخلة طلقت واحدة فإن عادت فدخلتها الثانية قبل الكلام طلقت أخرى فإن عادت فدخلت الثالثة طلقت أيضا اثنتين لأنه لا يراعى فيه الترتيب وأنه لا فرق بين تقديم أحد الشرطين على الآخر وبين تأخيره وقال ابن سماعة عن أبي يوسف ما يجري مجرى شرح المسألة الثانية أنه قال لو قال كلما دخلت هذه الدار فإن كلمت فلانا فأنت طالق فإن اليمين في هذا كله إنما تنعقد بدخول الدار فكلما دخلت دخلة انعقدت يمين فإن كلمت فلانا طلقت فإن عادت فدخلت الدار ثم كلمت فلانا طلقت أخرى فإن عادت فدخلت الدار ثم كلمت فلانا طلقت أخرى ولو بدأت فدخلت الدار ثلاث دخلات ثم كلمت فلانا مرة طلقت ثلاث مرات لأنه جعل دخول الدار شرط انعقاد اليمين فينعقد عند كل دخلة يمين لمكان كلمة كلما فقد انعقدت عليها إيمان فانحلت بشرط واحد قال ولو بدأت بكلام فلان لم ينعقد به يمين ولم يقع به طلاق حتى تكلم فلانا بعد دخول الدار لأنه جعل الدخول شرط انعقاد اليمين فما لم تدخل لا ينعقد فلا يقع بالكلام طلاق قال وسمعت أبا يوسف قال ولو قال كلما دخلت هذه الدار فكلما كلمت فلانا فأنت طالق قال فهذا عليها ويكون الفاء جزاء فإن بدأت فدخلت الدار ثلاث دخلات ثم كلمت فلانا مرة طلقت ثلاثا ولو دخلت الدار ثم كلمت فلانا ثلاث مرات طلقت ثلاثا لأن اليمين قد انعقدت بدخول الدار فإذا تكرر شرطها يتكرر الحنث لأن كلما للتكرار والله عز وجل أعلم

Section V03/P032–V03/P033

ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق وفلانة لامرأته طلقت امرأته الساعة ولا ينتظر به التزويج لأن كلمة كل ليست كلمة شرط لما قلنا لكن فيها معنى الشرط من حيث إنه يتوقف نزول الجزاء على امرأة موصوفة بصفة أنها متزوجة وفلانة غير موصوفة بهذه الصفة فلا يقف طلاقها عليها ولو قال كل امرأة من نسائي تدخل الدار فهي طالق وفلانة سمى بعض نسائه فإن الطلاق يقع عليها الساعة قبل أن دخل الدار لما ذكرنا فإن دخلت الدار وهي في العدة طلقت أخرى لأنها قد دخلت في عموم قوله كل امرأة من نسائي تدخل الدار ولو قال أنت ومن دخل الدار من نسائي طالق كانت طالقا ساعة سكت لما ذكرنا أنه أوقع الطلاق على الموصوف وهذه غير موصوفة ولو دخلت هي في هذه العدة طلقت أخرى لما بينا ولو قال لامرأته أنت طالق وفلانة إن تزوجتها لم يقع الطلاق على امرأته حتى يتزوج بالأخرى لأنه علق طلاقها بالشرط وهو التزوج لإتيانه بكلمة الشرط نصا فيتعلق به بخلاف الفصل الأول ولو قال لعبده أنت حر ومن دخل الدار من عبيدي عتق الأول للحال لما ذكرنا فإن عنى أن عتقه معلق بدخول الدار لم يدين في القضاء لأنه خلاف الظاهر لانعدام التعليق بالشرط حقيقة وهو متهم فيه لما فيه من التخفيف عليه فلا يصدقه القاضي والله تعالى الموفق وذكر محمد في الجامع في رجل له امرأتان فقال لإحداهما أنت طالق إن دخلت هذه الدار لا بل هذه فإن دخلت الأولى الدار طلقتا ولا تطلق الثانية قبل ذلك لأن قوله لإحداهما أنت طالق إن دخلت هذه الدار تعليق طلاقها بشرط الدخول وقوله لا رجوع عن تعليق طلاقها بالشرط وقوله بل إثبات تعليق طلاق هذه بالشرط والرجوع لا يصح والإثبات صحيح فبقيت فيتعلق طلاقها بالشرط ولو قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لا بل غلامي فلان حر عتق عبده الساعة لأن قوله لا بل غلامي فلان حر جملة تامة لكونها مبتدأ وخبرا فلا تفتقر إلى ما تقدم من الشرط فلا يتعلق به بخلاف ما إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لا بل فلانة وهي امرأته أن امرأته لا تطلق الساعة لأن قوله لا بل فلانة غير مستقل بنفسه بل هو مفتقر إلى الكلام الأول وذلك متعلق بالشرط فيتعلق هذا أيضا ولو قال لعبده أنت حر إن دخلت الدار لا بل فلان لعبد له آخر لا يعتق الثاني إلا بعد دخول الدار لأنه استدرك بكلام غير مستقل فتعلق بالشرط وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره لو أن رجلا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق لا بل هذه فدخلت الأولى الدار طلقتا ثلاثا لأن قوله لا بل هذه غير مستقل فأضمر فيه الشرط فصار طلاقها جزاء الدخول كطلاق الأولى والجزاء في حق الأولى ثلاث تطليقات كذا في حق الثانية ولو قال أنت طالق وطالق وطالق لا بل هذه وقع على الثانية واحدة وعلى الأولى ثلاث لأنه يضمر في حق الثانية ما يستقل به الكلام والكلام يستقل بإضمار تطليقة واحدة ألا ترى أن التطليقات ههنا متفرقة فصار كأنه قال لا بل هذه طالق بخلاف الفصل الأول لأن هناك علق الثلاث جملة بالدخول فلا بد من اعتبارها جملة واحدة على حسب التعليق فصارت تلك الكلمة مستدركة في حق الثانية ولو قال لامرأته أنت طالق إن كلمت فلانا لا بل هذه فكان على الكلام لا على الطلاق وهذا خلاف ما ذكره محمد في الجامع ويجوز أن يكون قول أبي يوسف لأنه نسقها على الكلام فتعلق طلاقها بكلام فلان فإن قال إن كلمت فلانا فأنت طالق لا بل هذه فقوله لا بل هذه على الطلاق لأنه نسقها على الجزاء فتعلق طلاقها بما تعلق به طلاق الأخرى قال بشر عن أبي يوسف فيمن قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن دخلت الدار فتزوج امرأة ثم دخل الدار ثم تزوج أخرى فإن الطلاق يقع على التي تزوج قبل الدخول ولا يقع على التي تزوج بعد الدخول

Section V03/P033–V03/P034

وكذلك ذكر محمد في الجامع لأنه أوقع الطلاق على امرأة موصوفة بأنه تزوجها قبل الدخول والموصوفة بهذه الصفة التي تزوجها قبل الدخول لا بعد الدخول فلا تطلق المتزوجة بعد الدخول ونظيره إذا قال كل امرأة لي عمياء طالق إن دخلت الدار فدخل ثم عميت امرأته لا تطلق كذا هذا ولو بدأ بالدخول فقال إن دخلت الدار فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة ثم دخل الدار ثم تزوج أخرى فإن الطلاق يقع على التي تزوج بعد الدخول ولا يقع على التي تزوج قبل الدخول لأنه جعل دخول الدار شرط انعقاد اليمين الثانية فصار كأنه قال عند الدخول كل امرأة أتزوجها فهي طالق فلا يدخل في ذلك ما تزوج من قبل قال أبو يوسف فإن نوى ما تزوج قبل أو بعد في المسألتين جميعا فليس يقع على ما نوى ولا يلزمه ذلك لأنه نوى ما لا يحتمله لفظه قال بشر ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن دخلت الدار فدخل الدار ثم تزوج لا يقع الطلاق فإن دخل الدار ثانيا وقع الطلاق لأنه عقد اليمين على دخول بعد التزوج لا على دخول قبله فلم يكن الدخول قبل التزوج معقودا عليه فلا تنحل به اليمين فإذا وجد الدخول الثاني وهو المعقود عليه وقع به الطلاق ولو قال كل امرأة أتزوجها إلى سنة فهي طالق إن كلمت فلانا فهو على ما يتزوج في الوقت سواء كان قبل الكلام أو بعده كذا ذكر محمد في الجامع لأنه لما قال كل امرأة أتزوجها إلى سنة فلا بد وأن يكون للتوقيت فائدة فلو اختصت اليمين بما يتزوج قبل الكلام بطل معنى التوقيت فيصير الكلام شرطا لوقوع الطلاق المعلق بالتزوج ولو بدأ بالكلام فقال إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها إلى سنة فهي طالق فهذا يقع على ما بعد الكلام والتوقيت وعدم التوقيت فيه سواء لأنه لما بدأ بالكلام فقد جعل الكلام شرطه انعقاد اليمين فلا يدخل فيه المزوجة قبل الكلام ويكون فائدة التوقيت تخصيص العقد بمن تزوج في المدة دون ما بعدها والله عز وجل أعلم ولو عطف الحالف على يمينه بعد السكوت فالأصل فيه ما روي عن أبي يوسف أنه قال إذا عطف على يمينه بعد السكوت ما يوسع على نفسه لم يقبل قوله كما لا يقبل في الاستثناء بعد السكوت وإن عطف بما شدد على نفسه جاز وإذا ثبت هذا الأصل فقال ابن سماعة سمعت أبا يوسف قال في رجل قال إن دخلت فلانة الدار فهي طالق ثم سكت سكتة ثم قال وهذه يعني امرأة له أخرى فإنها تدخل في اليمين لأن الواو للجمع فكأنه قال وهذه طالق إن دخلت تلك الدار وفي هذا تشديد على نفسه وكذلك إن قال إن دخلت هذه الدار لأنه عطف على الشرط وفيه تشديد لأن هذا يقتضي وقوع الطلاق على الأولى بدخول كل واحدة من الدارين وفي هذا تشديد على نفسه وكذلك لو نجز فقال هذه طالق ثم سكت ثم قال وهذه طلقت الثانية لأنه جمع بينهما في الإيقاع وهذا تشديد على نفسه ولو قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار ثم سكت ثم قال وهذه يعني دارا أخرى فليس له ذلك فإن دخلت الأولى طلقت لأن قوله وهذه يعني دارا أخرى يقتضي زيادة في شرط اليمين الأولى لأنه إذا علق الطلاق بدخول دارين لا يقع بإحداهما وهو لا يملك تغيير شرط اليمين بعد السكوت ولأن في هذا توسيعا على نفسه فلا يجوز بعد السكوت كالاستثناء والله عز وجل أعلم وأما بيان أعيان الشروط التي تعلق بها الطلاق والعتاق فالشروط التي تعلق بها الطلاق والعتاق لا سبيل إلى حصرها لكثرتها لتعلقها باختيار الفاعل فنذكر القدر الذي ذكره أصحابنا في كتبهم والمذكور من الشروط في كتبهم نوعان أفعال حسية وأمور شرعية أما النوع الأول فالدخول والخروج والكلام والإظهار والإفشاء والإعلام والكتم والإسرار والإخفاء والبشارة والقراءة ونحوها والأكل والشرب والذوق والغداء والعشاء واللبس والسكنى والمساكنة والإيواء والبيتوتة والاستخدام والمعرفة وقبض الحق والاقتضاء والهدم والضرب والقتل وغيرها

Section V03/P034–V03/P035

والنوع الثاني وهو الحلف على أمور شرعية وما يقع منها على الصحيح والفاسد وعلى الصحيح دون الفاسد كالعطية والهبة والكسوة والركوب والجلوس والصدقة والإعارة والقرض والبيع والإجارة والشراء والتزوج والصلاة والصوم وأشياء أخر متفرقة نجمعها في فصل واحد في آخر الكتاب والأصل في هذه الشروط أن يراعى فيها لفظ الحالف في دلالته على المعنى لغة وما يقتضيه من الإطلاق والتقييد والتعميم والتخصيص إلا أن يكون معاني كلام الناس بخلافه فيحمل اللفظ عليه ويكون ذلك حقيقة عرفية وأنها تقضي على الحقيقة الوضعية والأصل فيه ما روي أن رجلا جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما وقال إن صاحبا لنا مات وأوصى ببدنة أفتجزى ( ( ( أفتجزئ ) ) ) عنه البقرة فقال ابن عباس رضي الله عنهما ممن صاحبكم فقال السائل من بني رباح فقال ابن عباس رضي الله عنهما متى اقتنت بنو رباح البقر إنما البقر للأزد وذهب وهم صاحبكم إلى الإبل فهذا الحديث أصل أصيل في حمل مطلق الكلام على ما يذهب إليه أوهام الناس ولأن العرف وضع طارىء ( ( ( طارئ ) ) ) على الوضع الأصلي والاصطلاح جار من أهل اللغة فالظاهر أن المتكلم يقصد بكلامه ذلك فيحمل عليه مطلق اللفظ وبهذا يبطل قول الشافعي أن الأيمان محمولة على الحقائق يؤيد ما قلنا أن الغريم يقول لغريمه والله لأجرنك في الشوك يريد به شدة المطل دون الحقيقة وقول مالك الأيمان محمولة على ألفاظ القرآن غير سديد أيضا بدليل أن من حلف لا يجلس في سراج فجلس في الشمس لا يحنث وإن سمى الله تعالى الشمس سراجا بقوله عز وجل وجعل ( ( ( وجعلنا ) ) ) الشمس سراجا وكذا من حلف لا يجلس على بساط فجلس على الأرض لا يحنث وإن سماها الله سبحانه وتعالى في القرآن العظيم بساطا بقوله عز وجل والله جعل لكم الأرض بساطا وكذا من حلف لا يمس وتدا فمس جبلا لا يحنث وإن سمى الله عز وجل الجبل وتدا بقوله تعالى والجبال أوتادا فثبت أن ما قاله مالك غير صحيح والله أعلم فصل أما الحلف على الدخول فالدخول اسم للانفصال من العورة إلى الحصن فإن حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها فمكث بعد يمينه لا يحنث استحسانا والقياس أن يحنث ذكر القياس والاستحسان في الأصل وجه القياس أن المداومة على الفعل حكم إنشائه كما في الركوب واللبس بأن حلف لا يركب ولا يلبس وهو راكب ولابس فمكث ساعة أنه يحنث لما قلنا كذا هذا وجه الاستحسان الفرق بين الفصلين وهو أن الدوام على الفعل لا يتصور حقيقة لأن الدوام هو البقاء والفعل المحدث عرض والعرض مستحيل البقاء فيستحيل دوامه وإنما يراد بالدوام تجدد أمثاله وهذا يوجد في الركوب واللبس ولا يوجد في الدخول لأن اسم للانتقال من العورة إلى الحصن والمكث قرار فيستحيل أن يكون انتقالا يحققه أن الانتقال حركة والمكث سكون وهما ضدان والدليل على التفرقة بين الفصلين أنه يقال ركبت أمس واليوم ولبست أمس واليوم من غير ركوب ولبس مبتدأ ولا يقال دخلت أمس واليوم إلا لدخول مبتدأ وكذا من دخل دارا يوم الخميس ومكث فيها إلى يوم الجمعة فقال والله ما دخلت هذه الدار يوم الجمعة بر في يمينه لذلك افترقا ولو حلف لا يركب أو لا يلبس وهو راكب أو لابس فنزل من ساعته أو نزع من ساعته لا يحنث عندنا خلافا لزفر وجه قوله أن شرط حنثه الركوب واللبس وقد وجد منه بعد يمينه وإن قل ولنا أن ما لا يقدر الحالف على الامتناع من يمينه فهو مستثنى منه دلالة لأن قصد الحالف من الحلف البر والبر لا يحصل إلا باستثناء ذلك القدر وسواء دخل تلك الدار ماشيا أو راكبا لأن اسم الدخول ينطلق على الكل

Section V03/P035–V03/P036

ألا ترى أنه يقال دخلت الدار ماشيا ودخلتها راكبا ولو أمر غيره فحمله فأدخله حنث لأن الدخول فعل لا حقوق له فكان فعل المأمور مضافا إليه كالذبح والضرب ونحو ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه وإن احتمله غيره فأدخله بغير أمره لم يحنث لأن هذا يسمى إدخالا لا دخولا لما ذكرنا أن الدخول انتقال والإدخال نقل ولم يوجد ما يوجب الإضافة إليه وهو الأمر وسواء كان راضيا بنقله أو ساخطا لأن الرضا لا يجعل الفعل مضافا إليه فلم يوجد منه الشرط وهو الدخول وسواء كان قادرا على الامتناع أو لم يكن قادرا عليه عند عامة مشايخنا وقال بعضهم إن كان يقدر على الامتناع فلم يمتنع يحنث لأنه لما لم يمتنع مع القدرة كان الدخول مضافا إليه والصحيح قول العامة لأنه لم يوجد منه الدخول حقيقة وامتناعه مع القدرة إن جاز أن يستدل به على رضاه بالدخول لكن الرضا يكون بالأمر وبدون الأمر لا يكفي لإضافة الفعل إليه فانعدم الدخول حقيقة وتقديرا وسواء دخلها من بابه أو من غيره لأنه جعل شرط الحنث مطلق الدخول وقد وجد ولو نزل على سطحها حنث لأن سطح الدار من الدار إذ الدار اسم لما أحاط به الدائرة والدائرة أحاطت بالسطح وكذا لو أقام على حائط من حيطانها لأن الحائط مما تدور عليه الدائرة فكان كسطحها ولو قام على ظلة لها شارعة أو كنيف شارع فإن كان مفتح ذلك إلى الدار يحنث وإلا فلا لأنه إذا كان مفتحه إلى الدار يكون منسوبا إلى الدار فيكون من جملة الدار وإلا فلا وإن قام على أسكفة الباب فإن كان الباب إذا أغلق كانت الاسكفة خارجة عن الباب لم يحنث لأنه خارج وإن كان أغلق الباب كانت الأسكفة داخلة الباب حنث لأنه داخل لأن الباب يغلق على ما في داخل الدار لا على ما في الخارج وإن أدخل الحالف إحدى رجليه ولم يدخل الأخرى لم يحنث لأنه لم ينتقل كله بل بعضه وقد روي عن بريدة رضي الله عنه أنه قال كنت مع النبي في المسجد فقال لي إني لأعلم آية لم تنزل على نبي بعد سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام إلا علي فقلت وما هي يا رسول الله فقال لا أخرج من المسجد حتى أعلمكها فلما أخرج إحدى رجليه فقلت في نفسي لعله قد نسي فقال لي بم نفتتح ( ( ( تفتتح ) ) ) القراءة فقلت ببسم الله الرحمن الرحيم فقال هي هي فلو كان هذا القدر خروجا لكان تأخير التعليم إليه خلفا في الوعد ولا يتوهم ذلك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ودل الحديث على أن التسمية آية من القرآن لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها آية ومن أصحابنا من قال موضوع هذه المسألة في دار داخلها وخارجها سطح واحد فإن كانت الدار منهبطة فأدخل إليها إحدى رجليه حنث لأن أكثره حصل فيها وللأكثر حكم الكل فإن أدخل رأسه ولم يدخل قدميه أو تناول منها لم يحنث لأن ذلك ليس بدخول ألا ترى أن السارق لو فعل ذلك لا يقطع ولو حلف لا يدخل دارا فدخل خرابا قد كان دارا وذهب بناؤها لا يحنث ولو كانت حيطانها قائمة فدخل يحنث ولو عين فقال أدخل هذه الدار فذهب بناؤها لا يحنث ولو كانت حيطانها قائمة ودخل يحنث ولو عين فقال لا أدخل هذه الدار فذهب بناؤها بعد يمينه ثم دخلها يحنث في قولهم لأن قوله دارا وإن ذكر مطلقا لكن المطلق ينصرف إلى المتعارف وهي الدار المبنية فيراعى فيه الاسم والصفة وهي البناء لأنه جار مجرى الصفة فما لم يوجد لا يحنث

Section V03/P036–V03/P037

وقوله هذه الدار إشارة إلى المعين الحاضر فيراعى فيه ذات المعين لا صفته لأن الوصف للتعريف والإشارة كافية للتعريف وذات الدار قائمة بعد الانهدام لأن الدار في اللغة اسم للعرصة والعرصة قائمة والدليل على أن الدار اسم للعرصة بدون البناء قول النابغة يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت فطال عليها سالف الأبد ألا أواري ( ( ( الأواري ) ) ) لأياما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد سماها دارا بعدما خلت من أهلها وخربت ولم يبق فيها الأواري والنؤى ولو أعيد البناء فدخلها يحنث أما في المعين فلا شك فيه لأنه لو دخلها بدون البناء يحنث فمع البناء أولى وأما في المنكر فلوجود الاسم والصفة وهي البناء وإن بنيت مسجدا أو حماما أو بستانا فدخله لا يحنث لأن اسم الدار قد بطل ألا ترى أنه لا يسمى دارا فبطلت اليمين ولو أعادها دارا فدخلها لا يحنث لأنها غير الدار الأولى وعن أبي يوسف إذا قال والله لا أدخل هذا المسجد فهدم فصار صحراء ثم دخله فإنه يحنث قال هو مسجد وإن لم يكن مبنيا ولأن المسجد عبارة عن موضع السجود وذلك موجود في الخراب ولهذا قال أبو يوسف أن المسجد إذا خرب واستغنى الناس عنه أنه يبقى مسجدا إلى يوم القيامة ولو حلف لا يدخل هذا البيت أو بيتا فدخله بعدما انهدم ولا بناء فيه لا يحنث لأن البيت اسم مشتق من البيتوتة سمي بيتا لأنه يبات فيه ولا يبات إلا في البناء ولهذا تسمي العرب الأخبية بيوتا فصار البناء فيه في حق استحقاق الاسم ملتحقا بذات المسمى كاسم الطعام للمائدة والشراب للكأس والعروس للأريكة فيزول الاسم بزواله ولو بنى بيتا آخر فدخله لا يحنث أيضا في المعين لأن المعاد عين أخرى غير الأول فلا يحنث بالدخول فيه وفي غير المعين يحنث ( ( ( حنث ) ) ) لوجود الشرط وهو دخول البيت ولو انهدم السقف وحيطانه قائمة فدخله يحنث في المعين ولا يحنث في المنكر لأن السقف بمنزلة الصفة فيه وهي في الحاضر لغو وفي الغائب معتبرة ولو حلف لا يدخل في هذا الفسطاط وهو مضروب في موضع فقلع وضرب في موضع آخر فدخل فيه يحنث وكذلك القبة من العيدان ونحوه وكذلك درج من عيدان بدار أو منبر لأن الاسم في هذه الأشياء لا يزول بنقلها من مكان إلى مكان ومن هذا الجنس من حيث المعنى إذا حلف لا يجلس إلى هذه الأسطوانة أو إلى هذا الحائط فهدما ثم بنيا بنقضهما لم يحنث لأن الحائط إذا هدم زال الاسم عنه وكذا الأسطوانة فبطلت اليمين وكذا إذا حلف لا يكتب بهذا القلم فكسره ثم براه فكتب به لأن غير المبرى لا يسمى قلما وإنما يسمى أنبوبا فإذا كسر فقد زال الاسم فبطلت اليمين وكذلك إذا حلف على مقص فكسره ثم جعله مقصا غير ذلك لأن الاسم قد زال بالكسر وكذلك كل سكين وسيف وقدر كسر ثم صنع مثله ولو نزع مسمار المقص ولم يكسره ثم أعاد فيه مسمارا آخر حنث لأن الاسم لم يزل بزوال المسمار وكذلك إذا نزع نصاب السكين وجعل عليه نصابا آخر لأن السكين اسم للحديد ولو حلف على قميص لا يلبسه أو قباء محشوا أو مبطنا أو جبة مبطنة أو محشوة أو قلنسوة أو خفين فنقض ذلك كله ثم أعاده يحنث لأن الاسم بقي بعد النقض يقال قميص منقوض وجبة منقوضة واليمين المنعقدة على العين لا تبطل بتغير الصفة مع بقاء اسم العين وكذلك لو حلف لا يركب هذا السرج ففتقه ثم أعاده ولو حلف لا يركب هذه السفينة فنقضها ثم استأنف بذلك الخشب فركبها لا يحنث لأنها لا تسمى سفينة بعد النقض وزوال الاسم يبطل اليمين ولو حلف لا ينام على هذا الفراش ففتقه وغسله ثم حشاه بحشو وخاطه ونام عليه حنث لأن فتق الفراش لا يزيل الاسم عنه ولو حلف لا يلبس شقة خز بعينها فنقضها وغزلت وجعلت شقة أخرى لم يحنث لأنها إذا نقضت صارت خيوطا وزال الاسم عن المحلوف عليه

Section V03/P037

ولو حلف على قميص لا يلبسه فقطعه جبة محشوة فلبسه لا يحنث لأن الاسم قد زال فزالت اليمين ولو حلف لا يقرأ في هذا المصحف فخلعه ثم لف ورقه وغرز دفتيه ثم قرأ فيه يحنث لأن اسم المصحف باق وإن فرق ولو حلف على نعل لا يلبسها فقطع شراكها وشركها بغيره ثم لبسها حنث لأن اسم النعل يتناولها بعد قطع الشراك ولو حلفت امرأة لا تلبس هذه الملحفة فخيط جانباها فجعلت درعا وجعل لها جيبا ثم لبستها لم تحنث لأنها درع وليست بملحفة فإن أعيدت ملحفة فلبستها حنثت لأنها عادت ملحفة بغير تأليف ولا زيادة ولا نقصان فهي على ما كانت عليه وقال ابن سماعة عن محمد في رجل حلف لا يدخل هذا المسجد فزيد فيه طائفة فدخلها لم يحنث لأن اليمين وقعت على بقعة معينة فلا يحنث بغيرها ولو قال مسجد بني فلان ثم زيد فيه فدخل ذلك الموضع الذي زيد فيه حنث وكذلك الدار لأنه عقد يمينه على الإضافة وذلك موجود في الزيادة ولو حلف لا يدخل بيتا فدخل مسجدا أو بيعة أو كنيسة أو بيت نار أو دخل الكعبة أو حماما أو دهليزا أو ظلة باب دار لا يحنث لأن هذه الأشياء لا تسمى بيتا على الإطلاق عرفا وعادة وإن سمى الله عز وجل الكعبة بيتا في كتابه في قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة وسمى المساجد بيوتا حيث قال تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه لأن مبنى الإيمان على العرف والعادة لا على نفس إطلاق الاسم ألا ترى أن من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لا يحنث وإن سماه الله تعالى لحما في كتابه الكريم بقوله عز وجل لتأكلوا منه لحما طريا لما لم يسم لحما في عرف الناس وعاداتهم كذا هذا وقيل الجواب المذكور في مثل الدهليز في دهليز يكون خارج باب الدار لأنه لا يبات فيه فإن كان داخل البيت وتمكن فيه البيتوتة يحنث والصحيح ما أطلق في الكتاب لأن الدهليز لا يبات فيه عادة سواء كان خارج الباب أو داخله ولو دخل صفة يحنث كذا ذكر في الكتاب وقيل إنما وضع المسألة على عادة أهل الكوفة لأن صفافهم تغلق عليها الأبواب فكانت بيوتا لوجود معنى البيت وهو ما يبات فيه عادة ولذا سمي ذلك بيتا عرفا وعادة فأما على عادة أهل بلادنا فلا يحنث لانعدام معنى البيت وانعدام العرف والعادة والتسمية أيضا ولو حلف لا يدخل من باب هذه الدار فدخلها من غير الباب لم يحنث لعدم الشرط وهو الدخول من الباب فإن نقب للدار بابا آخر فدخل يحنث لأنه عقد يمينه على الدخول من باب منسوب إلى الدار وقد وجد والباب الحادث كذلك فيحنث وإن عنى به الباب الأول يدين فيما بينه وبين الله تعالى لأن لفظه يحتمله ولا يدين في القضاء لأنه خلاف الظاهر حيث أراد بالمطلق المقيد وإن عين الباب فقال لا أدخل من هذا الباب فدخل من باب آخر لا يحنث وهذا مما لا شك فيه لأنه لم يوجد الشرط ولو حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا يسكنها فلان بملك أو إجارة أو إعارة فهو سواء يحنث في يمينه ذكر ذلك أبو يوسف وذكر محمد في الأصل وضع المسألة في المستأجر وهذا قول أصحابنا وقال الشافعي لا يحنث وجه قوله أن قوله دار فلان إضافة ملك إذ الملك في الدار للآجر وإنما المستأجر ملك المنفعة فلا يتناوله اليمين ولنا أن الدار المسكونة بالإجارة والإعارة تضاف إلى المستأجر والمستعير عرفا وعادة والدليل عليه أيضا ما روي عن رسول الله أنه مر بحائط فأعجبه فقال لمن هذا فقال رافع بن خديج لي يا رسول الله استأجرته أضافه إلى نفسه ولم ينكر عليه رسول الله فقد ثبتت الإضافة عرفا وشرعا فأما إذا حلف لا يدخل دارا لفلان فدخل دارا له قد آجرها لغيره قال محمد يحنث لأنه حلف على دار يملكها فلان والملك له سواء كان يسكنها أو لا يسكنها

Section V03/P037–V03/P038

وروى هشام عن محمد أنه لا يحنث لأنها تضاف إلى الساكن بالسكنى فسقط إضافة الملك والجواب أنه غير ممتنع أن تضاف دار واحدة إلى المالك بجهة الملك وإلى الساكن بجهة السكنى لأن عند اختلاف الجهة تذهب الاستحالة فإن قال لا أدخل حانوتا لفلان فدخل حانوتا له قد آجره فإن كان فلان ممن له حانوت يسكنه فإنه لا يحنث بدخول هذا الحانوت لأنه يضاف إلى ساكنه ولا يضاف إلى مالكه وإن كان المحلوف عليه لا يعرف بسكنى حانوت يحنث لأنا نعلم أنه أراد به إضافة الملك لا إضافة السكنى كما يقال حانوت الأمير وإن كان لا يسكنها الأمير وإن حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا بين فلان وبين آخر فإن كان فلان فيها ساكنا حنث وإن لم يكن ساكنا لا يحنث لأنه إذا كان ساكنا فيها كانت مضافة إليه بالسكنى وإن لم يملك شيئا منها فإذا ملك نصفها أولى وإذا لم يسكن فيها كانت الإضافة إضافة الملك والكل غير مضاف إليه وفرق بين هذا وبين ما إذا حلف لا يزرع أرضا لفلان فزرع أرضا بينه وبين غيره أنه يحنث لأن كل جزء من الأرض يسمى أرضا وبعض الدار لا يسمى دارا ولو حلف لا يدخل بيت فلان ولا نية له فدخل داره وفلان فيها ساكن لا يحنث حتى يدخل البيت لأن البيت اسم لموضع يبات فيه عادة ولا يبات في صحن الدار عادة فإن نواه يصدق لأنه شدد ( ( ( تشدد ) ) ) على نفسه وقال ابن رستم قال محمد في رجل حلف لا يدخل دار رجل بعينه مثل دار عمرو بن حريث وغيرها من الدور المشهورة بأربابها فدخل الرجل وقد كان باعها عمرو بن حريث أو غيره ممن تنسب قبل اليمين إليه ثم دخلها الحالف بعد ذلك حنث لأن الدور المشهورة إنما تضاف إلى أربابها على طريق النسبة لا على طريق الملك وزوال الملك لا يوجب بطلان اليمين وإن كانت هذه اليمين على دار من هذه الدور التي ليست لها نسبة تعرف بها لم يحنث في يمينه لأنه يراد بهذه الإضافة الملك لا النسبة فإذا زال الملك زالت الإضافة وقال ابن رستم عن محمد في رجل حلف لا يدخل هذه الحجرة فكسرت الحجرة فدخلها بعدما كسرت لا يحنث وليست الحجرة كالدار لأن الحجرة اسم لما حجر بالبناء فكان كالبيت فإذا انهدمت فقد زال الاسم وقال ابن رستم عن محمد في رجل حلف لا يدخل دار فلان فصعد السطح يحنث لأن سطح الدار منها إلا أن يكون نوى صحن الدار فلا يحنث فيما بينه وبين الله لأنهم قد يذكرون الدار ويريدون به الصحن دون غيره فقد نوى ما يحتمله كلامه ولو حلف لا يدخل هذا المسجد فصعد فوقه حنث لأن سطح المسجد من المسجد ألا ترى لو انتقل المعتكف إليه لا يبطل اعتكافه فإن كان فوق المسجد مسكن لا يحنث لأن ذلك ليس بمسجد ولو انتقل المعتكف إليه بطل اعتكافه ولو حلف لا يدخل هذه الدار إلا مجتازا

Section V03/P038–V03/P039

قال ابن سماعة روى عن أبي يوسف أنه إن دخل وهو لا يريد الجلوس فإنه لا يحنث لأنه عقد يمينه على كل دخول واستثنى دخولا بصفة وهو ما يقصد به الاجتياز وقد دخل على الصفة المستثناة فإن دخل يعود مريضا ومن رأيه الجلوس عنده حنث لأنه دخل لا على الصفة المستثناة فإن دخل لا يريد الجلوس ثم بدا له بعد ما دخل فجلس لا يحنث لأنه لم يحنث حين دخوله لوجوده على الوصف المستثنى ولم يوجد الدخول بعد ذلك إذ المكث ليس بدخول فلا يحنث وذكر في الأصل إذا حلف لا يدخل هذه الدار إلا عابر سبيل فدخلها ليقعد فيها أو ليعود مريضا فيها أو ليطعم فيها ولم يكن له نية حين حلف فإنه يحنث ولكن إن دخلها مجتازا ثم بدا له فقعد فيها لم يحنث لأن عابر السبيل هو المجتاز فإذا دخلها لغير اجتياز حنث قال إلا أن ينوي لا يدخلها يريد النزول فيها فإن نوى ذلك فإنه يسعه لأنه قد يقال دخلت عابر سبيل بمعنى أني لم أدم على الدخول ولم أستقر ( ( ( أستتر ) ) ) فقد نوى ما يحتمله كلامه ولو حلف لا يطأ هذه الدار بقدمه فدخلها راكبا يحنث لأنه قد يراد به الدخول في العرف لا مباشرة قدمه الأرض ألا ترى أنه لو كان في رجله حذاء نعل يحنث فعلم أن المراد منه الدخول وإن حلف لا يضع قدمه في هذه الدار فدخلها راكبا حنث لأن وضع القدم في عرف الاستعمال صار عبارة عن الدخول فإن كان نوى أن لا يضع قدمه ماشيا فهو على ما نوى لأنه نوى حقيقة كلامه فيصدق وكذلك إذا دخلها ماشيا وعليه حذاء أو لا حذاء عليه لما قلنا وروى هشام عن محمد فيمن حلف لا يدخل هذه الدار فدخل حانوتا مشرعا من هذه الدار إلى الطريق وليس له باب في الدار فإنه يحنث لأنه من جملة ما أحاطت به الدائرة قال هشام وسألت أبا يوسف إن دخل بستانا في تلك الدار قال لا يحنث وهذا محمول على بستان متصل بالدار فإن كان في وسط الدار يحنث لإحاطة الدائرة به هكذا روي عن محمد وقال ابن سماعة في نوادرهعن محمد في رجل حلف لا يدخل دار فلان فحفر سربا فبلغ داره وحفر تحت دار فلان حتى جاوزها فدخل الحالف ذلك السرب حتى مضى فيه تحت دار فلان فإنه لا يحنث إلا أن يكون من هذه القناة مكان مكشوف إلى الدار يستقي منه أهل الدار فدخل الحالف القناة فبلغ ذلك المكشوف فيحنث وإن لم يبلغ لم يحنث وإن كان المكشوف شيئا قليلا لا ينتفع به أهل الدار وإنما هو للضوء فمر الحالف بالقناة حتى بلغ الموضع فليس بحانث لأن القناة تحت الدار إذا لم يكن منفذ لا تعد من الدار لأن المقصود من دخول داره إما كرامة وإما هتك حرمة وذاك لا يوجد فيما لا منفذ له وإذا كان لها منفذ يستقي منه الماء فإنه يعد من مرافق الدار بمنزلته بئر الماء فإذا بلغ إليه كان كمن دخل في بئر داره وإذا كان لا ينتفع به إلا للضوء لا يكون من مرافق الدار فلا يصير بدخوله داخلا في الدار فلا يحنث ولو دخل فلان سربا تحت داره وجعله بيوتا وجعل له أبوابا إلى الطريق فدخلها رجل حلف لا يدخل دار فلان فهو حانث لأن السرب تحت الدار من بيوت الدار ولو عمد فلان إلى بيت من داره أو بيتين فسد أبوابهما من قبل داره وجعل أبوابهما ( ( ( أبوابها ) ) ) إلى دار الحالف فدخل الحالف هذين البيتين فإنه لا يحنث لأنه لما جعل أبوابهما إلى دار الحالف فقد صارت منسوبة إلى الدار الأخرى وقال ابن سماعة في السرب إذا كان بابه إلى الدار ومحتفره في دار أخرى أنه من الدار التي مدخله إليها وبابه إليها لأنه بيت من بيوتها

Section V03/P039–V03/P040

وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل حلف لا يدخل بغداد فانحدر من الموصل في سفينة فمر بدجلة لا يحنث فإن خرج فمضى فمشى على الجسر حنث وإن قدم إلى الشط ولم يخرج لم يحنث ولم يكن مقيما إن كان أهله ببغداد وإن خرج إلى الشط حنث وقال ابن سماعة عن محمد إذا انحدر في سفينة من الموصل إلى البصرة فمر في شط الدجلة فهو حانث فصارت المسألة مختلفة بينهما وجه قول محمد أن الدجلة من البلد بدليل أنه لو عقد عليها جسر كانت من البلد فكذا إذا حصل في هذا الموضع في سفينة ولأبي يوسف أن موضع الدجلة ليس موضع قرار فلا يكون مقصودا بعقد اليمين على الدخول فلا تنصرف اليمين إليه قال بشر عن أبي يوسف في رجل قال لامرأته إن دخلت هذه الدار ولم تعطيني ( ( ( تعطني ) ) ) ثوب كذا فأنت طالق فدخلت الدار ثم أعطته الثوب بعد ذلك فإن الطلاق يقع عليها وإن كانت أعطته الثوب قبل أن تدخل لم يقع عليها الطلاق لأنه جعل شرط وقوع الطلاق دخولها الدار لا على صفة الإعطاء وهو أن لا يكون الزوج معطي حال الدخول لأن هذه الواو للحال بمنزلة قوله إن دخلت الدار وأنت راكبة أنه يعتبر كونها راكبة حال الدخول ولا يعتبر الركوب بعده كذا هذا وكذلك لو قال إن خرجت ولم تأكلي أو خرجت وليس عليك إزار أو خرجت ولم تتخمري لما قلنا ولو قال لها إن لم تعطني هذا الثوب ودخلت هذه الدار فأنت طالق ولا نية له فإن الطلاق لا يقع عليها حتى يجتمع الأمران جميعا وهو أن لا تعطيه الثوب إلى أن يموت أحدهما أو يهلك الثوب ويدخل الدار فإذا اجتمع هذان وقع الطلاق وإلا فلا لأنه جعل ترك العطية والدخول جميعا شرطا لوقوع الطلاق لأن قوله ودخلت الدار شرط معطوف على ترك العطية وليس بوصف له فيتعلق وقوع الطلاق بوجودهما ثم لا يتحقق الترك إلا بموت أحدهما أو بهلاك الثوب فإذا مات أحدهما أو هلك الثوب ودخلت الدار فقد وجد الشرطان فيحنث ولو قال والله لا تدخلين هذه الدار ولا تعطيني هذا الثوب فأيهما فعلت حنث لأن كلمة النفي دخلت على كل واحد منهما على الانفراد فيقتضي انتفاء كل واحد منهما على الانفراد كما في قوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ومن هذا الجنس ما روى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال والله لا أشتري بهذا الدرهم غير لحم فاشترى بنصفه لحما وبنصفه خبزا يحنث استحسانا ولا يحنث في القياس وجه القياس أنه جعل شرط حنثه أن يشتري بجميع الدرهم غير اللحم وما اشترى بجميعه بل ببعضه فلم يوجد شرط الحنث فلا يحنث وجه الاستحسان أن مبنى الأيمان على العادة وعادة الناس أنهم يريدون بمثل هذا الكلام أن يشتري الحالف بجميع الدرهم اللحم ولم يشتر بجميعه اللحم فيحنث فإن كان نوى أن لا يشتري به كله غير اللحم لم يحنث ويدين في القضاء لأنه نوى ظاهر كلامه فيصدق ولو قال والله لا أشتري بهذا الدرهم إلا لحما فلا يحنث حتى يشتري بالدرهم كله غير لحم وهذا يؤيد وجه القياس في المسألة الأولى لأن إلا وغير كلاهما من ألفاظ الاستثناء وأنا نقول قضية القياس هذا في المسألة الأولى ألا يرى أنه لو نوى أن يشتري به كله غير اللحم صدق في القضاء لأنا تركنا هذا القياس هناك للعرف والعادة ولا عرف ههنا يخالف القياس فعمدنا للقياس فيه

Section V03/P040

ولو قال والله لا أشتري بهذا الدرهم إلا ثلاثة أرطال لحم فاشترى ببعض الدرهم لحما أقل من ثلاثة أرطال وببقيته غير لحم حنث لأن قوله والله لا أشتري بهذا الدرهم يقع على كل شراء بهذا الدرهم ثم استثنى من هذه الجملة شراء بصفة وهو أن يشتري به ثلاثة أرطال ولم يوجد فلم يوجد المستثنى فبقي ما شراه داخلا في اليمين فيحنث به ومن هذا القبيل ما إذا قال لرجلين والله لا تبيتان إلا في بيت فبات أحدهما في بيت والآخر في بيت آخر حنث لأنه جعل شرط حنثه بيتوتتهما جميعا في غير بيت واحد وقد باتا في غير بيت واحد لأنهما باتا في بيتين فوجد شرط الحنث فهو الفرق وذكر محمد في الجامع في رجل قال إن كنت ضربت هذين الرجلين إلا في دار فلان فعبدي حر وقد ضرب واحدا منهما في دار فلان وواحدا في غيرها فإنه لا يحنث لأنه جعل شرط حنثه ضربهما في غير دار فلان ولم يوجد ولو قال إن لم أكن ضربته هذين السوطين في دار فلان فعبدي حر والمسألة بحالها حنث لأن شرط الحنث أن يجتمع الشرطان في دار فلان ولم يجتمعا فيحنث ولو حلف لا يدخل على فلان فدخل عليه بيته فإن قصده بالدخول يحنث وإن لم يقصده لا يحنث وكذلك إذا دخل عليه بيت غيره وإنما اعتبر القصد ليكون داخلا عليه لأن الإنسان إنما يحلف أن لا يدخل على غيره استخفافا به وتركا لإكرامه عادة وذا لا يكون إلا مع القصد وذكر الكرخي عن ابن سماعة في نوادره خلاف هذا فقال في رجل قال والله لا أدخل على فلان بيتا فدخل بيتا على قوم وفيهم فلان ولم يعلم به الحالف فإنه حانث بدخوله فلم يعتبر القصد للدخول على فلان لاستحالة القصد بدون العلم ووجهه أنه جعل شرط الحنث الدخول على فلان والعلم بشرط الحنث ليس بشرط في الحنث كمن حلف لا يكلم زيدا فكلمه وهو لا يعرف أنه زيد وظاهر المذهب ما تقدم ولو علم أنه فيهم فدخل ينوي الدخول على القوم لا عليه لا يحنث فيما بينه وبين الله عز وجل لأنه إذا قصد غيره لم يكن داخلا عليه ولا يصدق في القضاء لأن الظاهر دخوله على الجماعة وما في اعتقاده لا يعرفه القاضي فإن دخل عليه في مسجد أو ظلة أو سقيفة أو دهليز دار لم يحنث لأن ذلك يقع على الدخول المعتاد وهو الذي يدخل الناس بعضهم على بعض ولا يكون ذلك إلا في البيوت فإن دخل عليه في فسطاط أو خيمة أو بيت شعر لم يحنث إلا أن يكون الحالف من أهل البادية لأنهم يسمون ذلك بيتا والتعويل في هذا الباب على العرف والعادة وقال ابن سماعة عن محمد إذا حلف لا يدخل على فلان هذه الدار فدخل الدار وفلان في بيت من الدار لا يحنث وإن كان في صحن الدار يحنث لأنه لا يكون داخلا عليه إلا إذا شاهده ألا ترى أن السقا ( ( ( السقاء ) ) ) يدخل دار الأمير ولا يقال أنه دخل على الأمير وفي الأول شاهده وفي الثاني لم يشاهده وكذا لو حلف لا يدخل على فلان هذه القرية أنه لا يكون داخلا عليه إلا إذا دخل في بيته وتخصيص القرية يمنع وقوع الحنث بالدخول في غيرها وقال ابن رستم عن محمد إذا قال والله لا أدخل على فلان ولم يذكر بيتا ولا غيره فدخل عليه فسطاطا أو دارا حنث وهذا محمول على أن من عادة فلان أن يدخل عليه في الفساطيط وإن دخل عليه في المسجد أو الكعبة أو الحمام لا يحنث لأن المقصود بهذه اليمين الامتناع من الدخول في المواضع التي يكرم الناس بالدخول عليه فيها وهذا لا يوجد في الحمام والكعبة والمسجد

Section V03/P040–V03/P041

قال محمد ولو دخل على فلان بيته وهو يريد رجلا غيره يزوره لم يحنث لأنه لم يدخل على فلان لما لم يقصده وإن لم يكن له نية حنث لأنه يكون داخلا على كل من في الدار فيحنث كمن حلف لا يسلم على رجل فسلم على جماعة وهو فيهم ولا نية له قال بشر سمعت أبا يوسف يقول فيمن قال لامرأته إن دخلت هذه الدار وخرجت منها فأنت طالق فاحتملها إنسان وهي كارهة فأدخلها ثم خرجت من قبل نفسها ثم دخلتها ولم تخرج وقع الطلاق لأن الواو لا تقتضي الترتيب لأنها للجمع المطلق ولا عادة في تقدم أحد الشرطين على الآخر فيتعلق الطلاق بوجودهما من غير مراعاة الترتيب وكذلك القيام والقعود والسكوت والكلام والصوم والإفطار ونحو ذلك لما قلنا ولو قال لها إن حضت وطهرت فأنت طالق فطهرت من هذا الحيض ثم حاضت لم يقع الطلاق حتى تطهر ولا يقع الطلاق في هذا الموضع حتى يتقدم الحيض الطهر وكذلك إذا قال لها إذا حبلت وولدت وهي حبلى وكذلك إذا قال إذا زرعت وحصدت لا بد من تقدم الزرع الحصاد والحمل الولادة والحيض الطهر لأن أحد الأمرين يتعقب الآخر عادة فلزم مراعاة الترتيب بالعادة ولو قال لامرأته إن تزوجتك وطلقتك فعبدي حر ولا نية له فطلقها واحدة بائنة ثم تزوجها عتق عبده لأنها لا تحتمل التزوج للحال لكونها زوجة له وتحتمل الطلاق فيراعى فيه معنى الجمع المطلق لا الترتيب ومتى طلقها وتزوجها فقد جمع بينهما فوجد الشرط فصل وأما الحلف على الخروج فالخروج هو الانفصال من الحصن إلى العورة على مضادة الدخول فلا يكون المكث بعد الخروج خروجا كما لا يكون المكث بعد الدخول دخولا لانعدام حده وحقيقته ثم الخروج كما يكون من البلدان والدور والمنازل والبيوت يكون من الأخبية والفساطيط والخيم والسفن لوجود حده كالدخول والخروج من الدور المسكونة أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله كما إذا حلف لا يسكن والخروج من البلدان والقرى أن يخرج الحالف ببدنه خاصة وهذا يشهد لقول من قال من أصحابنا أن من حلف لا يسكن في بلد فخرج بنفسه دون عياله لا يحنث والتعويل في هذا على العرف فإن من خرج من الدار وأهله ومتاعه فيها لا يعد خارجا من الدار ويقال لم يخرج فلان من الدار إذا كان أهله ومتاعه فيها ومن خرج من البلد يعد خارجا من الدار وإن كان أهله ومتاعه فيه وقال هشام سمعت أبا يوسف قال إذا قال والله لا أخرج وهو في بيت من الدار فخرج إلى صحن الدار لم يحنث لأن الدار والبيت في حكم بقعة واحدة فالحلف على الخروج المطلق يقتضي الخروج منهما جميعا فما لم يوجد لا يحنث إلا أن تكون نيته أن لا يخرج من البيت فإذا خرج إلى صحن الدار حنث لأنه نوى ما يحتمله لفظه وهو الانفصال من داخل إلى خارج وفيه تشديد على نفسه فإن قال نويت الخروج إلى مكة أو خروجا من البلد فإنه لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى تخصيص المكان وهو ليس بمذكور وغير المذكور لا يحتمل نية التخصيص وكذلك قال محمد في الجامع لو قال إن خرجت فعبدي حر وقال عنيت به السفر إلى بغداد دون ما سواها لم يدين في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى لما قلنا وقال هشام سألت محمدا عن رجل حلف لا يخرج من الري إلى الكوفة فخرج من الري يريد مكة وطريقه على الكوفة

Section V03/P041–V03/P042

قال محمد إن كان حين خرج من الري نوى أن يمر بالكوفة فهو حانث وإن كان حين خرج من الري نوى أن لا يمر بها ثم بدا له بعد ما خرج وصار من الري إلى الموضع الذي تقصر فيه الصلاة أن يمر بالكوفة فمر بها لم يحنث لأن النية تعتبر حين الخروج وفي الفصل الأول وجدت نية الخروج إلى الكوفة لأنه لما نوى أن يخرج إلى مكة ويمر فقد نوى الخروج إلى الكوفة وإلى غيرها فيحنث وفي الفصل الثاني لم توجد النية وقت الخروج فلا يحنث وإن كان نيته أن لا يخرج إلى الكوفة خاصة ليست إلى غيرها ثم بدا له الحج فخرج ونوى أن يمر بالكوفة قال محمد هذا لا يحنث فيما بينه وبين الله عز وجل لأنه نوى تخصيص ما في لفظه وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل قال لامرأته إن خرجت من هذه الدار إلا إلى المسجد فأنت طالق فخرجت تريد المسجد ثم بدا لها فذهبت إلى غير المسجد لم تطلق لأنه جعل الخروج إلى المسجد مستثنى من اليمين ولما خرجت تريد المسجد فقد تحقق الخروج إلى المسجد فوجد الخروج المستثنى فبعد ذلك وإن قصدت غير المسجد لكن لا يوجد الخروج بل المكث في الخارج وأنه ليس بخروج لعدم حده فلا يحنث وقال عمر بن أسد سألت محمدا عن رجل حلف ليخرجن من البلدة ما الخروج قال إذا جعل البيوت خلف ظهره لأن من حصل في هذه المواضع جاز له القصر ولا يجوز له القصر إلا بالخروج من البلد فعلم أنه خرج من البلد قال عمر سألت محمدا عن رجل قال لامرأته إن خرجت في غير حق فأنت طالق فخرجت في جنازة والدها أو أخ لا تطلق وكذلك كل ذي رحم محرم وكذلك خروجها إلى العرس أو خروجها فيما يجب عليها لأن الحق المذكور في هذا الموضع لا يراد به الواجب عادة وإنما يراد به المباح الذي لا مأثم فيه ولو قال لها إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق فخرجت منها من الباب أي باب كان ومن أي موضع كان من فوق حائط أو سطح أو نقب حنث لوجود الشرط وهو الخروج من الدار ولو قال إن خرجت من باب هذه الدار فخرجت من أي باب كان من الباب القديم أو الحادث بعد اليمين حنث لوجود الشرط وهو الخروج من باب الدار ولا يحنث بالخروج من السطح أو فوق الحائط أو النقب لعدم الشرط ولو عين بابا في اليمين يتعين ولا يحنث بالخروج من غيره لأن التعيين مقيد في الجملة فيعتبر ولو قال إن خرجت من هذه الدار إلا في أمر كذا فهذا وقوله إلا بإذني واحد وسنذكره إن شاء الله تعالى ولو قال إن خرجت من هذه الدار مع فلان فأنت طالق فخرجت وحدها أو مع فلان آخر ثم خرج فلان ولحقها لم يحنث لأن كلمة مع للقران فيقتضي مقارنتها في الخروج ولم يوجد لأن المكث بعد الخروج ليس بخروج لانعدام حده ولو قال إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق فصعدت الصحراء إلى بيت علو أو كنيف شارع إلى الطريق الأعظم لا يحنث لأن هذا في العرف لا يسمى خروجا من الدار ولو حلف لا يخرج من هذه الدار فخرج منها ماشيا أو راكبا أو أخرجه رجل بأمره أو بغير أمره أو أخرج إحدى رجليه فالجواب فيه كالجواب في الدخول وقد ذكرناه ولو حلف لا يخرج إلى مكة فخرج من بلده يريد مكة حنث لأن خروجه من بيته هو انفصال من داخل بلده إلى خارجه على نية الحج وقد وجد وقد ذكرنا تفسير خروجه من بلده وهو أن يجعل بيوت بلده خلف ظهره ولو قال لا آتي مكة فخرج إليها لا يحنث ما لم يدخلها لأن إتيان الشيء هو الوصول إليه ولو قال لا يذهب إلى مكة فلا رواية فيه واختلف المشايخ قال بعضهم هو والخروج سواء

Section V03/P042–V03/P043

وقال بعضهم هو والإتيان سواء ولو قال أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني أو بأمري أو برضائي أو بعلمي أو قال إن خرجت من هذه الدار بغير إذني أو أمري أو رضائي أو علمي فهو على كل مرة عندهم جميعا وههنا ثلاث مسائل إحداها هذه والثانية أن يقول أنت طالق إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو آمر أو أرضى أو أعلم والثالثة أن يقول أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك أو آمر أو أعلم أو أرضى أما المسألة الأولى فالجواب ما ذكرنا إن ذلك يقع على الإذن في كل مرة حتى لو أذن لها مرة فخرجت ثم عادت ثم خرجت بغير إذن حنث وكذلك لو أذن لها مرة فقبل أن يخرج نهاها عن الخروج ثم خرجت بعد ذلك يحنث وإنما كان كذلك لأنه جعل كل خروج شرطا لوقوع الطلاق واستثنى خروجا موصوفا بكونه ملتصقا بالإذن لأن الباء في قوله إلا بإذني حرف إلصاق هكذا قال أهل اللغة ولا بد من شيئين يلتصقان بآلة الإلصاق كما في قولك كتبت بالقلم وضربت بالسيف التصق الضرب بالسيف والكتابة بالقلم وليس ههنا شيء مظهر يلتصق به الإذن فلا بد من أن يضمر كما في قوله بسم الله أنه يضمر فيه ابتدىء ( ( ( أبتدئ ) ) ) وفي باب الحلف قوله بالله لأفعلن كذا أنه يضمر فيه أقسم لتكون الباء ملصقة للاسم بقوله ابتدىء ( ( ( أبتدئ ) ) ) واسم الله في باب الحلف بقوله أقسم بالله ولا بد لكل مضمر من دليل عليه إما حال وإما لفظ مذكور لأن الوصول إلى ما خفى غير ممكن إلا بواسطة الحال ولا حال ههنا ( ( ( هنا ) ) ) يدل على إضمار شيء فأضمرنا ما دل عليه اللفظ المذكور في صدر الكلام وهو قوله إن خرجت وليس ذلك إلا الخروج فصار تقدير الكلام إن خرج فلان من هذه الدار خروجا إلا خروجا بإذني والمصدر الأول في موضع النفي فيعم فيصح استثناء الثاني منه لأنه بعض المستثنى منه وهو خروج موصوف بصفة الالتصاق بالإذن فقد نفى كل خروج واستثنى خروجا موصوفا بكونه ملتصقا بالإذن فبقي كل خروج غير موصوف بهذه الصفة تحت المستثنى منه وهو الخروج العام الذي هو شرط وقوع الطلاق فإذا وجد خروج اتصل به الإذن لم يكن شرطا لوقوع الطلاق وإذا وجد خروج غير متصل به الإذن كان شرطا لوقوع الطلاق كما إذا قال لها أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا بملحفة إن كل خروج يوصف بهذه الصفة وهو أن يكون بملحفة يكون مستثنى من اليمين فلا يحنث به وكل خروج لا يكون بهذه الصفة يبقى تحت عموم اسم الخروج فيحنث به كذا هذا فإن أراد بقوله إلا بإذني مرة واحدة يدين فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء إيضا في قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف وروى أيضا عنه أنه لا يدين في القضاء لأنه نوى خلاف الظاهر لأن ظاهر هذا الكلام يقتضي تكرار الإذن في كل مرة لما بينا وجه ظاهر الرواية أن تكرار الإذن ما ثبت بظاهر اللفظ وإنما ثبت بإضمار الخروج فإذا نوى مرة واحدة فقد نوى ما يقتضيه ظاهر كلامه فيصدق ثم في قوله إلا بإذني لو أراد الخروج لا يحنث وتقدر المرأة على الخروج في كل وقت من غير حنث فالحيلة فيه أن يقول الزوج لها أذنت لك أبدا أو أذنت لك الدهر كله أو كلما شئت الخروج فقد أذنت لك وكذلك لو قال أذنت لك عشرة أيام فدخلت مرارا في العشرة لا يحنث فلو أنه أذن لها إذنا عاما ثم نهاها عن الخروج هل يعمل نهيه قال محمد يعمل نهيه ويبطل إذنه حتى أنها لو خرجت بعد ذلك بغير إذنه يحنث وقال أبو يوسف لا يعمل فيه نهيه ورجوعه عن الإذن

Section V03/P043

وجه قول محمد أنه لو أذن لها مرة ثم نهاها صح نهيه حتى لو خرجت بعد النهي يحنث فكذا إذا أذن لها في كل مرة وجب أن يعمل نهيه ويرتفع الإذن بالنهي وجه قول أبي يوسف إن الإذن الموجود على طريق العموم في الخرجات كلها مما يبطل الشرط لأن شرط وقوع الطلاق الخروج الذي ليس بموصوف بكونه ملتصقا بالإذن وهذا لا يتصور بعد الإذن العام لأن كل خروج يوجد بعده لا يوجد إلا ملتصقا بالإذن فخرج الشرط من أن يكون متصور الوجود ولا بقاء لليمين بدون الشرط كما لا بقاء لها بدون الجزاء لأنها تتركب من الشرط والجزاء فلم يبق اليمين فوجد النهي العام ولا يمين فلم يعمل بخلاف الإذن الخاص بمرة واحدة ثم النهي عنها لأن هناك بالإذن بالخروج مرة لم ترتفع اليمين فجاء النهي واليمين باقية فصح النهي وأما المسألة الثانية فجوابها إن ذلك على الإذن مرة واحدة حتى لو أذن لها مرة فخرجت ثم عادت ثم خرجت بغير إذن لا يحنث وكذا إذا أذن لها مرة ثم نهاها قبل أن تخرج ثم خرجت بعد ذلك لا يحنث لأن كلمة حتى كلمة غاية وهي بمعنى إلى وكلمة إلى كلمة انتهاء الغاية فكذا كلمة حتى ألا ترى أنه لا فرق بين قوله حتى آذن وبين قوله إلى أن آذن ومعنى قوله حتى أن آذن وكلمة إن مضمرة لأن حتى لما كانت من عوامل الأسماء وما كان من عوامل الأسماء لا يدخل الأفعال البتة فلم يكن بد من إضمار إن لتصير هي بالفعل الذي هو صلتها بمنزلة المصدر تقول أحب أن تقوم أي أحب قيامك فيكون قوله حتى آذن أي حتى اذني وهو قوله إلى إذني ولهذا ادخلوا كلمة إن بعد إلى فقالوا إلى أن آذن إلا أن هناك اعتادوا الإظهار مع إلى وههنا مع حتى اعتادوا الإضمار وإذا كان كذلك صار وجود الإذن منه غاية لحظر الخروج والمضروب له الغاية ينتهي عند وجود الغاية فينتهي حظر الخروج ومنعه باليمين عند وجود الإذن مرة واحدة بخلاف الأول فإن أراد بقوله حتى آذن في كل مرة فهو على ما نوى في قولهم جميعا ويجعل حتى مجازا عن إلى لوجود معنى الانتهاء في الاستثناء على ما بينا وفيه تشديد على نفسه فيصدق وأما المسألة الثالثة فلا يجوز فيها فالجواب في قوله حتى آذن في قول العامة وقال الفراء الجواب فيها كالجواب في قوله إلا بإذني وجه قوله إن كلمة إلا استثناء فلا بد من تقديم المستثنى منه عليها وتأخير المستثني عنها وإن مع الفعل المستقبل بمنزلة المصدر على ما مر فصار تقدير الكلام إن خرجت من الدار إلا خروجا بإذني وهذا ليس بكلام مستقيم فلا بد من إدراج حتى يصح الكلام فندرج الباء ويجعل معناه إلا خروجا بإذني وإسقاط الباء في اللفظ مع ثبوتها في التقدير جائز في اللغة كما روى عن رؤبة بن العجاج أنه قيل له كيف أصبحت فقال خير عافاك الله أي بخير وكذا يحذفون الباء في القسم فيقولون الله مكان قولهم بالله وإنما اختلفوا في الخفض والنصب وإذا كان هذا جائزا أدرجت لضرورة ( ( ( لضروة ) ) ) تصحيح الكلام والدليل عليه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم أي إلا بإذن لكم حتى كان محتاجا إلى الإذن في كل مرة فكذا فيما نحن فيه

Section V03/P043–V03/P044

ولنا أن هذا الكلام لما لم يكن بنفسه صحيحا لما قاله الفراء ولا بد من القول بتصحيحه ولكن تصحيحه على التقدير الذي قاله الفراء وأمكن تصحيحه أيضا بجعله إلا بمعنى حتى وإلى لأن كلمة إلا كلمة استثناء وما وراء كلمة الاستثناء وهو المستثنى منه ينتهي عند كلمة الاستثناء وعند وجود المستثنى فصارت كلمة الاستثناء على هذا التقدير للغاية فأقيم مقام الغاية فصار كأنه قال إن خرجت من هذه الدار إلى إذني أو حتى إذني وهذا أولى مما قاله الفراء لأن تصحيح الكلام بجعل كلمة قائمة مقام أخرى أولى من التصحيح بطريق الإضمار لأن جعل الكلمة قائمة مقام أخرى وإن كان فيه ضرب تغيير لكن التغيير تصرف في الوصف والإضمار إثبات أصل الكلام والتصرف في الوصف بالتغيير والتبديل أولى من إثبات الأصل بلا شك فكان هذا أولى على أن فيما قاله إضمار شيئين أحدهما الباء والآخر الجالب للباء وهو قوله إلا خروجا وليس فيما ذهبنا إليه إدراج شيء بل إقامة ما فيه معنى الغاية مقام الغاية ولا شك أن هذا أدون فكان التصحيح به أولى ولهذا كان معنى قوله تعالى لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم أي إلى أن تقطع قلوبهم والله عز وجل أعلم أي إلى وقت تقطع قلوبهم وهو حالة الموت وفي قوله عز وجل إلا أن يؤذن لكم إنما احتيج إلى الإذن في كل مرة لا بمقتضى اللفظ بل بدليل آخر وهو أن دخول دار الغير بغير إذنه حرام ألا يرى أنه قال عز وجل في آخر قوله تعالى إن ذلكم كان يؤذي النبي ومعنى الأذى موجود في كل ساعة فشرط الإذن في كل مرة والله عز وجل أعلم فإن قال إلا بإذن فلان فمات المحلوف على إذنه بطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف هي على حالها وهذا فرع اختلافهم فيمن حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز وليس في الكوز ماء أنه لا تنعقد اليمين في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف تنعقد بناء على أصل ذكرناه فيما تقدم أن تصور وجود المحلوف عليه حقيقة في المستقبل شرط انعقاد اليمين وبقاؤه متصور الوجود حقيقة شرط بقاء اليمين عندهما وعنده ليس بشرط فإن أذن لها بالخروج من حيث لا تسمع فخرجت بغير الإذن يحنث عند أبي حنيفة ومحمد ولا يحنث عند أبي يوسف وجه قوله أن الإذن يتعلق بالإذن لأنه كلامه وقد وجد فأما السماع فإنما يتعلق بالمأذون فلا يعتبر لوجود الإذن كما لو وقع الإذن بحيث يجوز أن تسمع وهي نائمة لأنه كلامه ولأن شرط الحنث خروج غير مأذون فيه مطلقا وهذا مأذون فيه من وجه لوجود كلام الإذن فلم يوجد شرط الحنث ولأن المقصود من الإذن أن لا تخرج وهو كاره وقد زالت الكراهة بقوله أذنت وإن لم تسمع ولهما أن الإذن إعلام قال الله تعالى وأذان من الله ورسوله أي إعلام وقوله أذنت لك بحيث لا تسمع لا يكون إعلاما فلا يكون إذنا فلم يوجد خروج مأذون فيه فلم يوجد الخروج المستثنى فيحنث ولأن هذه اليمين اشتملت على الحظر والإطلاق فإن قوله إن خرجت من هذه الدار يجري مجرى الحظر والمنع وقوله إلا بإذني يجري مجرى الإطلاق وحكم الحظر والإطلاق من الشارع والشرائع لا تثبت بدون البلوغ كذا من الحالف ألا ترى أنه قيل في قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات أنه نزل في قوم شربوا الخمر بعد نزول تحريم الخمر قبل علمهم به

Section V03/P044–V03/P045

وذكر محمد في الزيادات أن الوكيل لا يصير وكيلا قبل علمه بالوكالة حتى يقف تصرفه على إجازة الموكل والتوكيل إذن وإطلاق ولهما أن الإذن إعلام قال الله تعالى وأذان من الله ورسوله أي إعلام وقوله أذنت لك بحيث لا تسمع لا يكون إعلاما فلا يكون إذنا فلم يوجد خروج مأذون فيه فلم يوجد الخروج المستثنى فيحنث ولأن الخروج مذكور في محل النفي فيعم كل خروج إلا الخروج المستثنى وهو الخروج المأذون فيه مطلقا وهو أن يكون مأذونا فيه من كل وجه ولم يوجد فلم يكن هذا خروجا مستثنى فبقي داخلا تحت عموم الخروج فيحنث بخلاف ما إذا كانت نائمة فأذن لها بحيث يجوز أن تسمع لأن مثل هذا يعد سماعا عرفا وعادة كما إذا أذن لها وهي تسمع إلا أنها غافلة ومسألتنا مفروضة فيما إذا أذن لها من حيث لا تسمع عادة ومثل هذا لا يعد سماعا في العرف فهو الفرق بين الفصلين وقيل إن النائم يسمع لأن ذلك بوصول الصوت إلى صماخ أذنه والنوم لا يمنع منه وإنما يمنع من فهم المسموع فصار كما لو كلمه وهو يقظان لكنه غافل وحكي ابن شجاع أنه لا خلاف في هذه المسألة أنه لا يحنث لأنه قد عقد على نفسه بالإذن وقد أذن قال وإنما الخلاف بينهم في الأمر وروى نصر بن يحيى عن أبي مطيع عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف إلا أن أبا سليمان حكى الخلاف في الإذن والله عز وجل أعلم وقال ابن سماعة عن محمد لو أن رجلا قال لعبده إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فأنت حر ثم قال له أطع فلانا في جميع ما يأمرك به فأمره فلان بالخروج فخرج فالمولى حانث لوجود شرط الحنث وهو الخروج بغير إذن المولى لأن المولى لم يأذن له بالخروج وإنما أمره بطاعة فلان وكذلك لو قال المولى لرجل إئذن له في الخروج فأذن له الرجل فخرج لأنه لم يأذن له بالخروج وإنما أمر فلانا بالإذن وكذلك لو قال له قل يا فلان مولاك قد أذن لك في الخروج فقال له فخرج فإن المولى حانث لأنه لم يأذن له وإنما أمر فلانا بالإذن ولو قال المولى لعبده بعد يمينه ما أمرك به فلان فقد أمرتك به فأمره الرجل بالخروج فخرج فالمولى حانث لأن مقصود المولى من هذا أنه لا يخرج إلا برضاه فإذا قال ما أمرك به فلان فقد أمرتك به فهو لا يعلم أن فلانا يأمره بالخروج والرضا بالشيء بدون العلم به لا يتصور فلم يعلم كون هذا الخروج مرضيا به فلم يعلم كونه مستثنى فبقي تحت المستثنى منه ولو قال المولى للرجل قد أذنت له في الخروج فأخبر الرجل به العبد لم يحنث المولى لأن الإذن من المولى قد وجد إلا أنه لم يبلغ العبد فإذا أخبره به فقد بلغه فلا يحنث ولو قال لامرأته إن خرجت إلا بإذني ثم قال لها إن بعت خادمك فقد أذنت لك لم يكن منه هذا إذنا لأنه مخاطرة يجوز أن تبيع ويجوز أن لا تبيع فلا يعد ذلك رضا وقال ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال لهاإن خرجت إلا بأمري فالأمر على أن يأمرها ويسمعها أو يرسل بذلك رسوله إليها فإن أشهد قوما أنه قد أمرها ثم خرجت فهو حانث فقد فرق أبو يوسف بين الأمر وبين الإذن حيث لم يشترط في الإذن إسماعها وإرسال الرسول به وشرط ذلك في الأمر ووجه الفرق له أن حكم الأمر لا يتوجه على المأمور بدون العلم به كما في أمر الشرع والمقصود من الإذن هو الرضا وهو أن لا تخرج مع كراهته وهذا يحصل بنفس الإذن بدون العلم به قال محمد ولو غضبت وتهيأت للخروج فقال دعوها تخرج ولا نية له فلا يكون هذا إذنا إلا أن ينوي الإذن لأن قوله دعوها ليس بإذن نصا بل هو أمر بترك التعرض لها وذلك بأن لا تمنع من الخروج أو بتخلية سبيلها فلا يحصل إذنا بدون النية

Section V03/P045–V03/P046

ولو قال لها في غضبه اخرجي ولا نية له كان على الإذن لأنه نص على الأمر إلا أن ينوي به أخرجي حتى تطلقي فيكون تهديدا والأمر يحتمل التهديد كما في أمر الشرع قال الله تعالى اعملوا ما شئتم فإذا نوى التهديد وفيه تشديد عليه صحت نيته ولو قال عبده حر إن دخل هذه الدار إلا إن نسي فدخلها ناسيا ثم دخل بعد ذلك ذاكرا لم يحنث وهذا على ما ذكرنا من قول العامة في قوله أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك أن قوله إلا أن لانتهاء الغاية بمنزلة قوله حتى فلما دخلها ناسيا فقد انتهت اليمين فلا يتصور الحنث بدخول هذه الدار بهذه اليمين بحال ولو قال إن دخل هذه الدار إلا ناسيا فدخلها ناسيا ثم دخلها ذاكرا حنث لأنه عقد يمينه على كل دخول وحظر على نفسه ومنعها منه واستثنى منه دخولا بصفة وهو أنه يكون عن نسيان فبقي ما سواه داخلا تحت اليمين فيحنث به قال ابن سماعة عن محمد في رجل قال عبدي حر إن دخلت هذه الدار دخلة إلا أن يأمرني فلان فأمره فلان مرة واحدة فإنه لا يحنث إن دخل هذه الدخلة ولا بعدها وقد سقطت اليمين وهذا على أن الأمر واحد لما ذكرنا أن إلا أن لانتهاء الغاية كحتى فإذا وجد الأمر مرة واحدة انحلت اليمين ولو قال إن دخلت هذه الدار دخلة إلا أن يأمرني بها فلان فأمره فدخل ثم دخل بعد ذلك بغير أمره فإنه يحنث ولا بد ههنا من الأمر في كل مرة لأنه وصل الأمر بالدخلة بحرف الوصف ( ( ( الوصل ) ) ) وهي حرف الباء فلا بد من الأمر في كل دخلة كما لو قال إلا بأمر فلان قال هشام عن محمد في رجل حلف لا تخرج امرأته إلا بعلمه فأذن لها أن تخرج فخرجت بعد ذلك وهو لا يعلم فهو جائز لأن قوله إلا بعلمي أي إلا بإذني وقد خرجت فكان خروجا مستثنى فلا يحنث وإذا حلف رجل على زوجته أو مولى على عبده أن لا يخرج من داره إلا بإذنه أو سلطان حلف رجلا أن لا يخرج من كورة إلا بإذنه ثم بانت المرأة من الزوج أو خرج العبد من ملك المولى أو عزل السلطان عن عمله فكان الخروج بغير إذن من واحد منهم فلا حنث على الحالف وتقع اليمين على الحال التي يملك الحالف فيها الإذن فإن زالت تلك الحالة سقطت اليمين وإنما كان كذلك لأن غرض المستحلف من ذلك تنفيذ ولايته وهو أن لا يخرج من له عليه ولاية إلا بأمره فيتقيد بحال قيام الولاية فإذا زالت زالت اليمين فإن عادت المرأة إلى ملك الزوج أو العبد إلى ملك المولى أو أعيد السلطان إلى ولايته لا تعد ( ( ( تعاد ) ) ) اليمين لأنها قد سقطت لما بينا فلا تحتمل العود وكذلك الغريم إذا حلف المطلوب أن لا يخرج من بلده إلا بإذنه فاليمين مقيدة بحال قيام الدين فإن قضاه المطلوب أو أبرأ الطالب سقطت اليمين فإن عاد عليه ذلك الدين أو غيره لم تعد اليمين لأن غرض المستحلف أن لا يخرج لأجل ذلك الدين الذي له عليه وقت الحلف فإذا أسقط ذلك بطل اليمين فلا يحتمل العود