Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وفرق آخر أن الصفات التي في هذه الأعيان مما تقصد باليمين منعا وحملا كالرطوبة التي هي في التمر والعنب فإن المرطوب تضربه الرطوبات فتعلقت اليمين بها والصبا والشباب مما لا يقصد بالمنع بل الذات هي التي تقصد فتعلقت اليمين بالذات دون هاتين الصفتين كما إذا حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ثم كلمه أنه يحنث لما قلنا كذا هذا وكذا إذا حلف لا يأكل من لحم هذا الحولي فأكله بعد ما صار كبشا أو من لحم هذا الجدي فأكله بعد ما صار تيسا يحنث لما قلنا وكذلك لو حلف لا يجامع هذه الصبية فجامعها بعد ما صارت امرأة يحنث لما قلنا ولو نوى في الفصول المتقدمة ما يكون من ذلك حنث لأنه شدد على نفسه ولو حلف لا يأكل من هذه الحد حبة فأكلها بعدما صارت بطيخا لا رواية فيه واختلف المشايخ فيه والله عز وجل أعلم قال بشر عن أبي يوسف في رجل حلف لا يذوق من هذا اللبن شيئا أو لا يشرب فصب فيه ماء فذاقه أو شربه أنه إن كان اللبن غالبا حنث لأنه إذا كان غالبا يسمى لبنا وكذلك لو حلف على نبيذ فصبه في خل أو على ماء ملح فصب على ماء عذب والأصل في هذا أن المحلوف عليه إذا اختلط بغير جنسه تعتبر فيه الغلبة بلا خلاف بين أبي يوسف ومحمد غير أن أبا يوسف اعتبر الغلبة في اللون أو الطعم لا في الأجزاء فقال إن كان المحلوف عليه يستبين لونه أو طعمه حنث وإن كان لا يستبين له لون ولا طعم لا يحنث سواء كانت أجزاؤه ( ( ( أجزاءه ) ) ) أكثر أو لم تكن واعتبر محمد غلبة الأجزاء فقال إن كانت أجزاء المحلوف عليه غالبا يحنث وإن كانت مغلوبة لا يحنث وجه قول محمد أن الحكم يتعلق بالأكثر والأقل يكون تبعا للأكثر فلا عبرة به ولأبي يوسف أن اللون والطعم إذا كانا باقيين كان الاسم باقيا ألا ترى أنه يقال لبن مغشوش وخل مغشوش وإذا لم يبق له لون ولا طعم لا يبقى الاسم ويقال ماء فيه لبن وماء فيه خل فلا يحنث وقال أبو يوسف فإن كان طعمهما واحدا أو لونهما واحدا فأشكل عليه تعتبر الغلبة من حيث الأجزاء فإن علم أن أجزاء المحلوف عليه هي الغالبة يحنث وإن علم أن أجزاء ( ( ( الجزاء ) ) ) المخالط له أكثر لا يحنث وإن وقع الشك فيه ولا يدري ذلك فالقياس أن لا يحنث لأنه وقع الشك في حكم الحنث فلا يثبت مع الشك وفي الاستحسان يحنث لأنه عند احتمال الوجود والعدم على السواء فالقول بالوجود ( ( ( بالجود ) ) ) أولى احتياطا لما فيه من براءة الذمة بيقين وهذا يستقيم في اليمين بالله تعالى لأن الكفارة حق الله تعالى فيحتاط في إيجابها فأما في اليمين بالطلاق والعتاق فلا يستقيم لأن ذلك حق العبد وحقوق العباد لا يجري فيها الاحتياط للتعارض فيعمل فيها بالقياس ولو حلف لا يأكل سمنا فأكل سويقا قد لت بسمن ولا نية له ذكر محمد في الأصل أن أجزاء السمن إذا كانت تستبين في السويق ويوجد طعمه يحنث وإن كان لا يوجد طعمه ولا يرى مكانه لم يحنث لأنها إذا استبانت لم تصر مستهلكة فكأنه أكل السمن بنفسه منفردا وإذا لم يستبن فقد صارت مستهلكة فلا يعتد بها وروى المعلى عن محمد أنه إن كان السمن مستبينا في السويق وكان إذا عصر سال السمن حنث وإن كان على غير ذلك لم يحنث وهذا لا يوجب اختلاف الرواية لإمكان التوفيق بين القولين لأنه إذا كان يحنث إذا عصر سال السمن لم يكن مستهلكا وإذا لم يسل كان مستهلكا وإذا اختلط المحلوف عليه بجنسه كاللبن المحلوف عليه إذا اختلط بلبن آخر
قال أبو يوسف هذا والأول سواء وتعتبر فيه الغلبة وإن كانت الغلبة لغير المحلوف عليه لم يحنث وقال محمد يحنث وإن كان مغلوبا فمن أصل محمد أن الشيء لا يصير مستهلكا بجنسه وإنما يصير مستهلكا بغير جنسه وإذا لم يصر مستهلكا بجنسه صار كأنه غير مغلوب وقال المعلى عن محمد في رجل حلف لا يشرب من هذه الخمر فصبها في ماء فغلب على الخمر حتى ذهب لونها وطعمها فشربه لم يحنث فقد قال مثل قول أبي يوسف ولو حلف على ماء من ماء زمزم لا يشرب منه شيئا فصب عليه ماء من غيره كثيرا حتى صار مغلوبا فشربه يحنث لما ذكرنا من أصله أن الشيء لا يصير مستهلكا بجنسه ولو صبه في بئر أو حوض عظيم لم يحنث قال لأني لا أدري لعل عيون البئر تغور بما صب فيها ولا أدري لعل اليسير من الماء الذي صب في الحوض العظيم لم يختلط به كله ولو حلف لا يشرب هذا الماء العذب فصبه في ماء مالح فغلب عليه ثم شربه لم يحنث فجعل الماء مستهلكا بجنسه إذا كان على غير صفته قال وكذلك إذا حلف لا يشرب لبن ضأن فخلطه بلبن معز فإنه تعتبر الغلبة لأنهما نوعان فكانا كالجنسين قال الكرخي ولو قال لا أشرب لبن هذه الشاة لشاة معز أو ضأن ثم خلطه بغيره من لبن ضأن أو معز حنث إذا شربه ولا تعتبر الكثرة والغلبة وعلل فقال لأنه ليس في يمينه ضأن ولو معز ومعناه أن يمينه وقعت على لبن واختلاطه بلبن آخر لا يخرجه من أن يكون لبنا واليمين في المسألة الأولى وقعت على لبن الضأن فإذا غلب عليه لبن المعز فقد استهلكت صفته واستشهد محمد للفرق بين المسألتين فقال ولا تشبه الشاة إذا حلف عليها بعينها حلفه على لبن المعز ألا يرى أنه لو قال والله لا أشتري رطبا فاشترى كباسة بسر فيها رطبتان أو ثلاث لم يحنث لأن هذا إنما هو الغالب ولو قال والله لا أشتري هذه الرطبة لرطبة في كباسة ثم اشترى الكباسة حنث ونظير هذا ما ذكر ابن سماعة عن محمد في رجل قال والله لا أكل ما يجيء به فلان يعني ما يجيء به من طعام أو لحم أو غيره ذلك ( ( ( لك ) ) ) مما يؤكل فدفع الحالف إلى المحلوف عليه لحما ليطبخه فطبخه وألقى فيه قطعة من كرش بقر ثم طبخ القدر به فأكل الحالف من المرق قال محمد لا أراه يحنث إذا ألقى فيه من اللحم ما لا يطبخ وحده ويتخذ منه مرقة لقلته وإن كان مثل ذلك يطبخ ويكون له مرقة فإنه يحنث لأنه جعل اليمين على اللحم الذي يأتي به فلان وعلى مرقته والمرقة لا تكون إلا بدسم اللحم الذي جاء به فإذا اختلط به لحم لا يكون له مرق لقلته فلم يأكل ما جاء به فلان وإذا كان مما يفرد بالطبخ ويكون له مرق والمرق جنس واحد فلم تعتبر فيه الغلبة وحنث وقد قال محمد فيمن قال لا آكل مما يجيء به فلان فجاء فلان بلحم فشواه وجعل تحته أرزا للحالف فأكل الحالف من جوانبه حنث وكذلك لو جاء المحلوف عليه بحمص فطبخه فأكل الحالف من مرقته وفيه طعم الحمص حنث وكذلك لو جاء برطب فسال منه رب فأكل منه أو جاء بزيتون فعصر فأكل من زيته حنث قال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل قال والله لا أكل من ثمرة هذا البستان وفيه نخل يحصى أو لا آكل من ثمرة هذا النخل وهي عشرة أو ثلاث أو لا آكل من ثمرة هاتين النخلتين أو من هاتين الرطبتين أو من هذه الثلاث التفاحات أو من هذين الرغيفين أو لا أشرب من لبن هاتين الشاتين فأكل بعض ذلك أو شرب بعضه فإنه يحنث لأنه منع نفسه من أكل بعض المذكور وشرب بعضه لأن كلمة من للتبعيض فإذا أكل البعض أو شرب حنث
قال أبو يوسف ولو قال والله لا أشرب لبن هاتين الشاتين ولم يقل من فإنه لا يحنث حتى يشرب من لبن كل شاة لأنه حلف على شرب لبنهما فلا يحنث بشرب لبن إحداهما وإذا شرب جزأ من لبن كل واحدة منهما حنث لأن الإنسان لا يمكنه أن يشرب جميع لبن الشاة فلا يقصد بيمي ( ( ( بيمينه ) ) ) منع نفسه عن ذلك فينعقد يمينه على البعض كما إذا حلف لا يشرب ماء البحر قال وإن كان لبن قد حلب فقال والله لا أشرب لبن هاتين الشاتين للبن بعينه فإن كان لبنا يقدر على شربه في مرة واحدة لم يحنث بشرب بعضه وإن كان لبنا لا يستطيع شربه في مرة واحدة يحنث بشرب بعضه لأن يمينه وقعت على شرب الكل حقيقة فإذا استطاع شربه دفعة واحدة أمكن العمل بالحقيقة وإذا لم يستطع شربه دفعة يحمل على الجزء كما في ماء البحر وعلى هذا إذا قال لا آكل هذا الطعام وهو لا يقدر على أكله دفعة واحدة ونظير هذا ما قالوا فيمن قبض من رجل دينا عليه فوجد فيه درهمين زائفين فقال والله لا آخذ منهما شيئا فأخذ أحدهما حنث لأن كلمة من للتبعيض وقال ابن رستم عن محمد إذا قال والله لا آكل لحم هذا الخروف فهذا على بعضه لأنه لا يمكن أكل كله مرة واحدة عادة وذكر في الأصل فيمن قال لا آكل هذه الرمانة فأكلها إلا حبة أو حبتين حنث في الاستحسان لأن ذلك القدر لا يعتد به فإنه يقال في العرف لمن أكل رمانة وترك منها حبة أو حبتين أنه أكل رمانة وإن ترك نصفها أو ثلثها أو ترك أكثر مما يجري في العرف أنه يسقط من الرمانة لم يحنث لأنه لا يسمى آكلا لجميعها ولو قال والله لا أبيعك لحم هذا الخروف أو خابية الزيت فباع بعضها لم يحنث لأنه يمكن حمل اليمين ههنا على الحقيقة لأن بيع الكل ممكن وقد قال ابن سماعة فيمن قال لا أشتري من هذين الرجلين أنه لا يحنث حتى يشتري منهما ولا يشبه هذا قوله لا آكل هذين الرغيفين لأن من للتبعيض ويمكن العمل بالتبعيض في الأكل ولا يمكن في الشراء لأن البيع لا يتبعض فيحمل على ابتداء الغاية فقد ذكر في الأصل والجامع فيمن حلف لا يتزوج النساء أو لم يكلم بني آدم أنه يقع على الواحد لتعذر الحمل على الكل فيحمل على بعض الجنس وقد ذكرناه فيما تقدم ولو ( ( ( حلف ) ) ) حلفت لا يأكل من كسب فلان فالكسب ما صار للإنسان أن يفعله كالإيجاب والقبول في البيع والإجارة والقبول في الهبة والصدقة والوصية والأخذ في المباحات فأما الميراث فلا يكون كسبا للوارث لأنه يملكه من غير صنعه ولو مات المحلوف عليه وقد كسب شيئا فورثه رجل فأكل الحالف منه حنث لأن ما في يد الوارث يسمى كسب الميت بمعنى مكسوبه عرفا فلو انتقل عنه إلى غيره بغير الميراث لم يحنث لأنه صار للثاني بفعله فبطلت الإضافة إلى الأول قال أبو يوسف وكذلك إذا قال لا آكل مما ملكت أو مما يملك له أو من ملكك فإذا خرج من ملك المحلوف عليه إلى ملك غيره فأكل منه الحالف لم يحنث لأنه إذا ملكه الثاني لم يبق ملك الأول فلم يبق مضافا إليه بالملك قال وكذلك إذا حلف لا يأكل مما اشترى فلان أو مما يشتري فاشترى المحلوف لنفسه أو لغيره فأكل منه الحالف حنث فإن باعه المحلوف عليه من غيره بأمر المشتري له ثم أكل منه الحالف لم يحنث لأن الشراء إذا طرأ على الشراء بطلت الإضافة الأولى وتجددت إضافة أخرى لم تتناولها اليمين وإنما كان الشراء لغيره ولنفسه سواء لأن حقوق العقد تتعلق بالمشتري فكانت الإضافة إليه لا إلى المشتري له
قال وكذلك لو حلف لا يأكل من ميراث فلان شيئا فمات فلان فأكل من ميراثه حنث فإن مات وارثه فأورث ذلك الميراث فأكل منه الحالف لم يحنث لنسخ الميراث الأخير الميراث الأول كذا ذكر لأن الميراث إذا طرأ على الميراث بطلت الإضافة الأولى ومن هذا القبيل ما قالوا فيمن حلف لا يأكل مما زرع فلان فباع فلان زرعه فأكله الحالف عند المشتري حنث لأن الإضافة إلى الأول لا تبطل بالبيع فإن بذره المشتري وزرعه فأكل الحالف من هذا الزرع فإنه لا يحنث لأن الإضافة بالزرع إنما تكون إلى الثاني دون الأول وعلى هذا لو حلف لا يأكل من طعام يصنعه فلان أو من خبز يخبزه فلان فتناسخته الباعة ثم أكل الحالف منه فإنه يحنث لأنه يقال هو من خبز فلان ومن طبيخه وإن باعه وكذلك لو حلف لا يلبس ثوبا من نسج فلان فنسج فلان ثوبا فباعه لأن البيع لا يبطل الإضافة ولو كان ثوب خز فنقض ونسجه آخر ثم لبسه الحالف لم يحنث لأن النسج الثاني أبطل الإضافة الأولى ولو حلف لا يشتري ثوبا مسه فلان فمس فلان ثوبا وتناسخته الباعة فإنه يحنث إذا اشتراه لأن الإضافة بالمس لا تبطل البيع فصار كأنه قال لا أشتري ثوبا كان فلان مسه وقال بشر عن أبي يوسف في رجل حلف أن لا يأكل من هذه الدراهم فاشترى بها طعاما فأكله حنث وإن بدلها بغيرها واشترى مما أبدل طعاما فأكله لم يحنث لأن الدراهم بعينها لا تحتمل الأكل وإنما أكلها في المتعارف أكل ما يشترى بها ولما اشترى ببدلها لم يوجد أكل ما اشترى بها فلا يحنث وكذلك لو حلف لا يأكل من ثمن هذا العبد فاشترى بثمنه طعاما فأكله ولو حلف لا يأكل من ميراث أبيه شيئا وأبوه حي فمات أبوه فورث من مالا فاشترى به طعاما فأكله ففي القياس ينبغي أن لا يحنث لأن الطعام المشتري ليس بميراث وفي الاستحسان يحنث لأن المواريث هكذا تؤكل ويسمى ذلك أكل الميراث عرفا وعادة فإن اشترى بالميراث شيئا فاشترى بذلك الشيء طعاما فأكله لم يحنث لأنه مشتر بكسبه وليس بمشتر بميراثه وقال أبو يوسف في الميراث بعينه إذا حلف عليه فغيره واشترى به لم يحنث لما قلنا قال فإن كان قال لا آكل ميراثا يكون لفلان فكيف ما غيره فأكله حنث لأن اليمين المطلقة تعتبر فيها الصفة المعتادة وفي العادة أنهم يقولون لما ورثه الإنسان أنه ميراث وإن غيره وقال المعلى عن أبي يوسف إذا حلف لا يطعم فلانا مما ورث من أبيه شيئا فإن كان ورث طعاما فأطعمه منه حنث فإن اشترى بذلك الطعام طعاما فأطعمه منه لم يحنث لأن اليمين وقعت على الطعام الموروث فإذا باعه بطعام آخر فالثاني ليس بموروث وقد أمكن حمل اليمين على الحقيقة فلا تحمل على المجاز وإن كان ورث دراهم فاشترى بها طعاما فأطعمه منه حنث لأنه لا يمكن حمل اليمين على الحقيقة فحملت على المجاز وقال هشام سمعت محمدا يقول في رجل معه دراهم حلف أن لا يأكلها فاشترى بها دنانير أو فلوسا ثم اشترى بالدنانير أو الفلوس طعاما فأكله لم يحنث فإن حلف لا يأكل هذه الدراهم فاشترى بها عرضا ثم باع ذلك العرض بطعام فأكله فإنه لا يحنث لأن العادة في قوله لا أشترى بهذه الدراهم الامتناع من إنفاقها في الطعام والنفقة تارة تكون بالابتياع وتارة بتصريفها بما ينفق فحملت اليمين على العادة فأما ابتياع العروض بالدراهم فليس بنفقة في الطعام في العادة فلا تحمل اليمين عليه وهذا خلاف ما حكاه عن أبي يوسف وقال ابن رستم فيمن قال والله لا آكل من طعامك وهو يبيع الطعام فاشترى منه فأكل حنث لأن مثل هذه اليمين يراد بها منع النفس عن الابتياع
قال محمد ولو قال والله لا أكل من طعامك هذا الطعام بعينه فأهداه له فأكله لا يحنث في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ويحنث في قول محمد وهذا فرع اختلافهم فيمن قال لا أدخل دار فلان هذه فباعها فلان ثم دخلها والمسألة تجيء فيما بعد إن شاء الله تعالى قال محمد ولو حلف لا يأكل من طعامه فأكل من طعام مشترك بينهما حنث لأن كل جزء من الطعام يسمى طعاما فقد أكل من طعام المحلوف عليه وقال علي بن الجعد وابن سماعة عن أبي يوسف في رجل حلف لا يأكل من غلة أرضه ولا نية له فأكل من ثمن الغلة حنث لأن هذا في العادة يراد به استغلال الأرض فإن نوى أكل نفس ما يخرج منه فأكل من ثمنه دينته فيما بينه وبين الله تعالى ولم أدينه في القضاء قال القدوري وهذا على أصله فيمن حلف لا يشرب الماء ونوى الجنس أنه لا يصدق في القضاء فأما على الرواية الظاهرة فيصدق لأنه نوى حقيقة كلامه وقال محمد في الجامع إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئا وأكل من ثمرها أو جمارها أو طلعها أو بسرها أو الدبس الذي يخرج من رطبها فإنه يحنث لأن النخلة لا يتأتى أكلها فحملت اليمين على ما يتولد منها والدبس اسم لما يسيل من الرطب لا المطبوخ منه ولو حلف لا يأكل من هذا الكرم شيئا فأكل من عنبه أو زبيبه أو عصيره حنث لأن المراد هو الخارج من الكرم إذ عين الكرم لا تحتمل الأكل كما في النخلة بخلاف ما إذا نظر إلى عنب فقال عبده حر إن أكل من هذا العنب فأكل من زبيبه أو عصيره أنه لا يحنث لأن العنب مما تؤكل عينه فلا ضرورة إلى الحمل على ما يتولد منه وكذلك لو حلف لا يأكل من هذه الشاة فأكل من لبنها أو زبدها أو سمنها لم يحنث لأن الشاة مأكولة في نفسها فأمكن حمل اليمين على أجزائها فيحمل عليها لا على ما يتولد منها قال محمد ولو أكل من ناطف جعل من ثمر النخلة أو نبيذ نبذ من ثمرها لم يحنث لأن كلمة من لابتداء الغاية وقد خرج هذا محذوف الصيغة عن حال الابتداء فلم يتناوله اليمين ولو حلف لا يأكل من هذا اللبن فأكل من زبده أو سمنه لم يحنث لأن اللبن مأكول بنفسه فتحمل اليمين على نفسه دون ما يتخذ منه والله عز وجل أعلم وأما الحلف على الشرب فقد ذكرنا معنى الشرب أنه إيصال ما لا يحتمله المضغ من المائعات إلى الجوف حتى لو حلف لا يشرب فأكل لا يحنث كما لو حلف لا يأكل فشرب لا يحنث لأن الأكل والشرب فعلان متغايران قال الله تبارك وتعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض عطف الشرب على الأكل والمعطوف غير المعطوف عليه وإذا حلف لا يشرب ولا نية له فأي شراب شرب من ماء أو غيره يحنث لأنه منع نفسه عن الشرب عاما وسواء شرب قليلا أو كثيرا لأن بعض الشراب يسمى شرابا وكذا لو حلف لا يأكل طعاما فأكل شيئا يسيرا يحنث لأن قليل الطعام طعام ولو حلف لا يشرب نبيذا فأي نبيذ شرب حنث لعموم اللفظ وإن شرب سكرا لا يحنث لأن السكر لا يسمى نبيذا لأنه اسم لخمر التمر وهو الذي من ماء التمر إذا غلا واشتد وقذف بالزبذ ( ( ( بالزبد ) ) ) أو لم يقذف على الاختلاف وكذا لو شرب فضيخا لأنه لا يسمى نبيذا إذ هو اسم للمثلث يصب فيه الماء وكذا لو شرب عصيرا لأنه لا يسمى نبيذا
وإن حلف لا يشرب مع فلان شرابا فشربا في مجلس واحد من شراب واحد حنث وإن كان الإناء الذي يشربان فيه مختلفا وكذا لو شرب الحالف من شراب وشرب الآخر من شراب غيره وقد ضمهما مجلس واحد لأن المفهوم من الشرب مع فلان في العرف هوأن يشربا في مجلس واحد اتحد الإناء والشراب أو اختلفا بعد أن ضمهما مجلس واحد يقال شربنا مع فلان وشربنا مع الملك وإن كان الملك يتفرد بالشرب من إناء فإن نوى شرابا واحدا ومن إناء واحد يصدق لأنه نوى ما يحتمله لفظه ولو حلف لا يشرب من دجلة أو من الفرات قال أبو حنيفة لا يحنث ما لم يشرب منه كرعا وهو أن يضع فاه عليه فيشرب منه فإن أخذ الماء بيده أو بإناء لم يحنث وعند أبي يوسف ومحمد يحنث شرب كرعا أو بإناء أو اغترف بيده وجه قولهما أن مطلق اللفظ يصرف إلى المتعارف عند أهل اللسان والمتعارف عندهم أن من رفع الماء من الفرات بيده أو بشيء من الأواني أنه يسمى شاربا من الفرات فيحمل مطلق الكلام على غلبة المتعارف وإن كان مجازا بعد أن كان متعارفا كما لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة أو من هذا القدر أنه ينصرف ذلك إلى ما يخرج من الشجرة من الثمر وإلى ما يطبخ في القدر من الطعام كذلك ههنا ولأبي حنيفة أن مطلق الكلام محمول على الحقيقة وحقيقة الشرب من الفرات هو أن يكرع منه كرعا لأن كلمة من ههنا استعملت لابتداء الغاية بلا خلاف لتعذر حملها على التبعيض إذ الفرات اسم للنهر المعروف والنهر اسم لما بين ضفتي الوادي لا للماء الجاري فيه فكانت كلمة من ههنا لابتداء الغاية فتقتضي أن يكون الشرب من هذا المكان ولن يكون شربه منه إلا وأن يضع فاه عليه فيشرب منه وهو تفسير الكرع كما لو حلف لا يشرب من هذا الكوز ألا ترى أنه لو شرب من إناء أخذ فيه الماء من الفرات كان شاربا من ذلك الإناء حقيقة لا من الفرات والماء الواحد لا يشرب من مكانين من كل واحد منهما حقيقة ولهذا لو قال شربت من الإناء لا من الفرات كان مصدقا ولو قال على القلب كان مكذبا فدل أن الشرب من الفرات هو الكرع منه وأنه ممكن ومستعمل في الجملة وقد روي أن رسول الله رأى قوما فقال هل عندكم من ماء بات في شن وإلا كرعنا ويستعمله كثير في زماننا من أهل الرساتيق على أنه إن لم يكن فعلا مستعملا فذا لا يوجب كون الاسم منقولا عن الحقيقة بعد أن كان الاسم مستعملا فيه تسمية ونطقا كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل لحم الخنزير إنه يحنث وإن كان لا يؤكل عادة لانطلاق الاسم عليه حقيقة تسمية ونطقا وبهذا تبين أن قلة الحقيقة وجودا لا يسلب اسم الحقيقة عن الحقيقة بخلاف ماإذا حلف لا يأكل من هذه الشجرة أو من هذا القدر لأن ههنا كما لا يمكن جعل هذه الكلمة لتبعيض مادخلت عليه بخروج الشجرة والقدر من أن يكون محلا للأكل لا يمكن جعلها ابتداءين لغاية الأكل لأن حقيقة الأكل لا تحصل ( ( ( يحصل ) ) ) من المكان بل من اليد لأن المأكول مستمسك في نفسه والأكل عبارة عن البلع عن مضغ ولا يتأتى فيه المضغ بنفسه فلم يمكن جعلها لابتداء الغاية فأضمر فيه ما يتأتى فيه الأكل وهو الثمرة في الشجرة والمطبوخ في القدر فكان من للتبعيض وههنا أمكن جعلها لابتداء الغاية لأن الماء يشرب من مكان لا محالة لانعدام استمساكه في نفسه إذ الشرب هو البلع من غير مضغ وما يمكن ابتلاعه من غير مضغ لا يكون له في نفسه استمساك فلا بد من حامل له يشرب منه والله عز وجل أعلم
ولو شرب من نهر يأخذ من الفرات لم يحنث في قولهم جميعا أما عنده فلا يشكل لأن هذا النهر ليس بفرات فصار كما لو شرب من آنية وأما عندهما فلأنهما يعتبران العرف والعادة ومن شرب من نهر يأخذ من الفرات لا يعرف شاربا من الفرات لأن الشرب من الفرات عندهما هو أخذ الماء المفضي إلى الشرب من الفرات ولم يوجد ههنا لأنه أخذ من نهر لا يسمى فراتا ولو حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر أخذ الماء من الفرات فإن شرب منه بالاغتراف بالآنية أو بالاستقاء براوية يحنث بالإجماع وإن كرع منه يحنث في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه لا يحنث ووجهه أن النهر لما أخذ الماء من الفرات فقد صار مضافا إليه فانقطعت الإضافة إلى الفرات ووجه ظاهر الرواية أنه منع نفسه عن شرب جزء من ماء الفرات لأن كلمة من دخلت في الماء صلة للشرب وهو قابل لفعل الشرب فكانت للتجزئة وبالدخول في نهر انشعب من الفرات لا تنقطع إليه النسبة كما لا تنقطع بالاغتراف بالآنية والاستقاء بالرواية ( ( ( بالراوية ) ) ) ألا ترى أن ماء زمزم ينقل إلينا ونتبرك به ونقول شربنا من ماء زمزم ولو حلف لا يشرب من ماء دجلة فهذا وقوله لا أشرب من دجلة سواء لأنه ذكر الشرب من النهر فكان على الاختلاف وروى المعلى عن محمد فيمن حلف لا يشرب من نهر يجري ذلك النهر إلى دجلة فأخذ من دجلة من ذلك الماء فشربه لم يحنث لأنه قد صار من ماء دجلة لزوال الإضافة إلى النهر الأول بحصوله في دجلة ولو حلف لا يشرب من هذا الجب فهو على الاختلاف حتى لو اغترف من مائه في إناء آخر فشرب لم يحنث حتى يضع فاه على الجب في قول أبي حنيفة وعندهما يحنث ومن مشايخنا من قسم الجواب في الجب فقال إن كان ملآن فهو على الاختلاف لأن الحقيقة مقصورة الوجود وإن كان غير ملآن فاغترف يحنث بالإجماع لعدم تصور الحقيقة فتنصرف يمينه إلى المجاز ولو حلف لا يشرب من هذا الكوز انصرفت يمينه إلى الحقيقة إجماعا لتصور الحقيقة عنده وعندهما للعرف فإن نقل الماء من كوز إلى كوز وشرب من الثاني لا يسمى شاربا من الكوز الأول وإن حلف لا يشرب من ماء هذا الجب فاغترف منه بإناء فشرب حنث بالإجماع لأنه عقد يمينه على ماء ذلك الجب وقد شرب من مائه فإن حول ماءه إلى جب آخر فشرب منه فالكلام فيه كالكلام فيمن حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ الماء من الفرات وقد مر ولو قال لا أشرب من ماء هذا الجب فالكلام فيه كالكلام في قوله لا أشرب من ماء دجلة وقد ذكرناه ولو حلف لا يشرب من هذه البئر أو من مائها فاستقى منها وشرب حنث لأن الحقيقة غير متصورة الوجود فيصرف إلى المجاز وقالوا فيمن حلف لا يشرب من ماء المطر فمدت الدجلة من المطر فشرب لم يحنث لأنه إذا حصل في الدجلة انقطعت الإضافة إلى المطر فإن شرب من ماء واد سال من المطر لم يكن فيه ماء قبل ذلك أو جاء من ماء مطر مستنقع في قاع حنث لأنه لما لم يضف إلى نهر ( ( ( النهر ) ) ) بقيت الإضافة إلى المطر كما كانت ولو حلف لا يشرب من ماء فرات فشرب من ماء دجلة أو نهر آخر أو بئر عذبة يحنث لأنه منع نفسه من شرب ماء عذب إذ الفرات في اللغة عبارة عن العذب قال الله عز وجل وأسقيناكم ماء فراتا ولما أطلق الماء ولم يضفه إلى الفرات فقد جعل الفرات نعتا للماء وقد شرب من الماء المنعوت فيحنث وفي الفصل الأول أضاف الماء إلى الفرات وعرف الفرات بحرف التعريف فيصرف إلى النهر المعروف المسمى بالفرات
وأما الحلف على الذوق فالذوق هو إيصال المذوق إلى الفم ابتلعه أو لا بعد إن وجد طعمه لأنه من أحد الحواس الخمس الموضوعة للعلم بالمذوقات كالسمع والبصر والشم واللمس للعلم بالمسموعات والمبصرات والمشمومات والملموسات والعلم بالطعم يحصل بحصول الذوق في فمه سواء ابتلعه أو مجه فكل أكل فيه ذوق وليس كل ذوق أكلا إذا عرف هذا فنقول إذاحلف لا يذوق طعاما أو شرابا فأدخله في فيه حنث لحصول الذوق لوجود معناه وهو ما ذكرنا فإن قال أردت بقولي لا أذوقه لا آكله ولا أشربه دين فيما بينه وبين الله عز وجل ولا يدين في القضاء لأنه قد يراد بالذوق الأكل والشرب يقال في العرف ما ذقت اليوم شيئا وما ذقت إلا الماء ويراد به الأكل والشرب فإذا نوى ذلك لا يحنث فيما بينه وبين الله تعالى حتى يأكل أو يشرب لأنه نوى ما يحتمله كلامه ولا يصدق في القضاء لعدوله عن الظاهر قال هشام وسألت محمدا عن رجل حلف لا يذوق في منزل فلان طعاما ولا شرابا فذاق منه شيئا أدخله فاه ولم يصل إلى جوفه فقال محمد هذا على الذوق إلا أن يكون تقدم كلام قلت فإن كان قال له المحلوف عليه تغد عندي اليوم فحلف لا يذوق في منزله طعاما ولا شرابا فقال محمد هذا على الأكل ليس على الذوق وإنما كان كذلك لما بينا أن حقيقة الذوق هي اكتساب سبب العلم بالمذوق وقد يستعمل ذلك في الأكل والشرب فإن تقدمت هناك دلالة حال خرج الكلام عليه حملت اليمين عليها وإلا عملت بحقيقة اللفظ ولو حلف لا يذوق الماء فتمضمض للصلاة لا يحنث وإن حصل له العلم بطعم الماء لأن ذلك لا يسمى ذوقا عرفا وعادة إذ المقصود منه التطهير لا معرفة طعم المذوق ولو حلف لا يأكل طعاما أو لا يشرب شرابا أو لا يذوق ونوى طعاما دون طعام أو شرابا دون شراب فجملة الكلام في هذا أن الحالف لا يخلو إما أن ينوي تخصيص ( ( ( تحصيص ) ) ) ما هو مذكور وأما إن نوى تخصيص ما ليس بمذكور فإن نوى تخصيص ما هو مذكور بأن ذكر لفظا عاما وأراد به بعض ما دخل تحت اللفظ العام من حيث الظاهر يصدق فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق في القضاء لأن التكلم بالعام على إرادة الخاص جائز إلا أنه خلاف الظاهر لأن اللفظ وضع دلالة على العموم والظاهر من اللفظ الموضوع دلالة على العموم في اللغة إرادة العموم فكان نية الخصوص خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء وإن نوى تخصيص ما ليس بمذكور لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله عز وجل سواء كان التخصيص راجعا إلى الذات أو إلى الصفة أو إلى الحال لأن الخصوص والعموم من صفات الألفاظ دون المعاني فغير الملفوظ لا يحتمل التعميم والتخصيص والتقييد فإذا نوى التخصيص فقد نوى ما لا يحتمله كلامه فلم تصح نيته رأسا وإذا عرف هذا فتخرج عليه مسائل إذا قال إن أكلت طعاما أو شربت شرابا أو إن ذقت طعاما أو شرابا فعبدي حر وقال عنيت اللحم أو الخبز فأكل غيره لا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى التخصيص من اللفظ المذكور في موضع العموم كما بينا فيما تقدم أن قوله إن أكلت طعاما بمعنى قوله لا آكل طعاما فيتناول بظاهره كل طعام فإذا نوى به بعض الأطعمة دون بعض فقد نوى الخصوص في اللفظ العام وأنه يحتمله لكنه خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل وإن قال إن أكلت أو ذقت أو شربت فعبدي حر وهو ينوي طعاما بعينه أو شرابا بعينه فأكل أو شرب غيره فإن عبده يعتق في القضاء وفيما بينه وبين الله عز وجل لأنه نوى التخصيص من غير المذكور إذ الطعام والشراب ليسا بمذكورين بل يثبتان بطريق الاقتضاء والمقتضى لا عموم له
وعند الشافعي يدين فيما بينه وبين الله عز وجل ويزعم أن للمقتضى عموما والصحيح قولنا لما ذكرنا أن العموم والخصوص من صفات الموجود دون المعدوم إذ المعدوم لا يحتمل الصفة حقيقة إلا أنه يجعل موجودا بطريق الضرورة لصحة الكلام فيبقى فيما وراءه على حكم العدم وأما التخصيص الراجع إلى الصفة والحال فنحو ما حكى بشر عن أبي يوسف في رجل قال والله لا أكلم هذا الرجل وهو قائم وعنى به ما ( ( ( وما ) ) ) دام قائما لكنه لم يتكلم بالقيام كانت نيته باطلة وحنث إن كلمه لأن الحال والصفة ليست بمذكورة فلا تحتمل التخصيص ولو حلف لا يكلم هذا القائم يعني به ما دام قائما وسعه فيما بينه وبين الله تعالى لورود التخصيص على الملفوظ وكذلك إذا قال والله لأضربن فلانا خمسين وهو ينوي بسوط بعينه فبأي سوط ضربه فقد خرج عن يمينه والنية باطلة لأن آلة الضرب ليست بمذكورة فبطلت نية التخصيص ونظير هذا ما حكى ابن سماعة عن محمد في رجل حلف وقال والله لا أتزوج امرأة وهو ينوي كوفية أو بصرية فقال ليس في هذا نية فلا يصدق فيما بينه وبين الله عز وجل ولا في القضاء ولو قال والله لا أتزوج امرأة يعني امرأة كان أبوها يعمل كذا وكذا فهذا كله لا تجوز فيه النية ولو قال والله لا أتزوج امرأة يعني امرأة عربية أو حبشية قال هذا جائز يدين فيما نواه فقد جعل قوله عربية أو حبشية بيان النوع وقوله كوفية أو بصرية وصفا فجوز تخصيص النوع ولم يجوز تخصيص الوصف لأن الصفة ليست بمذكورة والجنس مذكور وهو قول امرأة لأنه يتناول كل امرأة لأنه في موضع النفي فتعمل نيته في نوع دون نوع لاشتمال اسم الجنس على الأنواع وقال ابن سماعة عن محمد في رجل قال والله لا أتزوج امرأة على ظهر الأرض ينوي امرأة بعينها قال يصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأن اللفظ عام يحتمل تخصيص جنس أفراد العموم إلا أنه خلاف الظاهر فلا يصدق في القضاء قال ولو قال لا أشتري جارية ونوى مولدة فإن نيته باطلة لأنه ليس بتخصيص نوع من جنس وإنما هو تخصيص صفة فأشبه الكوفية والبصرية ولو قال والله لا آكل الطعام أو لا أشرب الماء أو لا أتزوج النساء فيمينه على بعض الجنس لما بينا فيما تقدم وإن أراد به الجنس صدق لأنه نوى حقيقة كلامه وأما الحلف على الغداء والعشاء فلا بد من معرفة معنى الغداء والعشاء ومعرفة وقتهما أما الأول فالغداء والعشاء كل واحد منهما عبارة عن أكل ما يقصد به الشبع عادة فيعتبر في ذلك العادة في كل بلد فما كان غداء عندهم حملت اليمين عليه ولهذا قالوا في أهل الحضر إذا حلفوا على ترك الغداء فشربوا اللبن لم يحنثوا لأنهم لا يتناولون ذلك للشبع عادة ولو حلف البدوي فشرب اللبن حنث لأن ذلك غداء في البادية وإذا حلف لا يتغدى فأكل غير الخبز من أرز أو تمر أو غيره حتى شبع لم يحنث ولم يكن ذلك غداء وكذلك إذا أكل لحما بغير خبز لم يحنث في قول أبي يوسف ومحمد كذا ذكر الكرخي قال وقالا ليس الغداء في مثل الكوفة والبصرة إلا على الخبز والمرجع في هذا إلى العادة فما كان غداء معتادا ( ( ( متعادا ) ) ) عند الحالف حنث وما لا فلا وروى هشام عن أبي حنيفة في أكل الهريسة والأرز أنه يحنث وروى عن أبي يوسف في الهريسة والفالوذج والخبيص أنه لا يحنث إلا أن يكون ذلك غداءه والأصل أن غداء كل بلد ما تعارفونه غداء فيعتبر عادة الحالف فيما يحلف عليه فإن كان الحالف كوفيا يقع على خبز الحنطة والشعير ولا يقع على اللبن والسويق وإن كان بدويا يقع على اللبن والسويق وإن كان حجازيا يقع على السويق وفي بلادنا يقع على خبز الحنطة
وأما الثاني فنقول وقت الغداء من طلوع الفجر إلى وقت الزوال لأن الغداء عبارة عن أكل الغدوة وما بعد نصف النهار لا يكون غدوة والعشاء من وقت الزوال إلى نصف الليل لأنه مأخوذ من أكل العشية وأول أوقات العشاء ما بعد الزوال وقد روي أن النبي صلى صلاتي العشاء ركعتين يريد الظهر والعصر وفي عرف ديارنا العشاء ما بعد وقت صلاة العصر وأما السحور فما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر لأنه مأخوذ من السحر وهو وقت السحر ولم يذكر في ظاهر الرواية مقدار الغداء والعشاء وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لأمته إن لم تتعشي ( ( ( تتعش ) ) ) الليلة فعبدي حر فأكلت لقمة واحدة لم تزد عليها فليس هذا بعشاء ولا يحنث حتى تأكل أكثر من نصف شبعها لأن من أكل لقمة يقول في العادة ما تغديت ولا تعشيت فإذا أكل أكثر أكله يسمى ذلك غداء في العادة وروى المعلى عن محمد فيمن حلف ليأتينه غدوة أنه إذا أتاه بعد طلوع الفجر إلى نصف النهار فقد بر وهو غدوة لما ذكرنا أن هذا وقت الغداء ولو قال ليأتينه ضحوة فهو من بعد طلوع الشمس من الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى نصف النهار لأن هذا وقت صلاة الضحى قال محمد إذا حلف لا يصبح فالتصبيح عندي ما بين طلوع الشمس وبين ارتفاع الضحى الأكبر فإذا ارتفع الضحى الأكبر ذهب وقت التصبيح لأن التصبيح تفعيل من الصباح ( ( ( الصبح ) ) ) والتفعيل للتكثير فيقتضي زيادة على ما يفيده الاصباح وروى المعلى عن محمد فيمن حلف لا يكلمه إلى السحر قال إذا دخل ثلث الليل الأخير فليكلمه لأن وقت السحر ما قرب من الفجر قال هشام عن محمد والمساء مساآن ( ( ( مساءان ) ) ) أحدهما إذا زالت الشمس ألا ترى أنك تقول إذا زالت الشمس كيف أمسيت والمساء الأخير إذا غربت الشمس فإذا حلف بعد الزوال لا يفعل كذا حتى يمسي كان ذلك على غيبوبة الشمس لأنه لا يمكن حمل اليمين على المساء الأول فيحمل على الثاني والله عز وجل أعلم فصل وأما الحلف على اللبس والكسوة إذا حلف لا يلبس قميصا أو سراويل أو رداء فاتزر بالسراويل أو القميص أو الرداء لم يحنث وكذا إذا اعتم بشيء من ذلك لأن المطلق تعتبر فيه العادة والاتزار والتعمم ليس بمعتاد في هذه الأشياء فلا يحنث ولو حلف لا يلبس هذا القميص أو هذا الرداء فعلى أي حال لبس ذلك حنث وإن اتزر بالرداء وارتدى بالقميص أو اغتسل فلف القميص على رأسه وكذلك إذا حلف لا يلبس هذه العمامة فألقاها على عاتقه لأن اليمين إذا تعلقت بعين اعتبر فيها وجود الاسم ولا تعتبر فيها الصفة المعتادة لأن الصفة في الحاضر غير معتبرة والاسم باق وهذا ليس بمعتاد فيحنث به ولو حلف لا يلبس حريرا فلبس مصمتا لم يحنث لأن الثوب ينسب إلى اللحمة دون السداء لأنها هي الظاهرة منه والسداء ليس بظاهر ونظير مسائل الباب ما قال في الجامع فيمن حلف لا يلبس قميصين فلبس قميصا ثم نزعه ثم لبس آخر فإنه لا يحنث حتى يلبسهما معا لأن المفهوم من لبس القميصين في العرف هو أن يجمع بينهما ولو قال والله لا ألبس هذين القميصين فلبس أحدهما ثم نزعه ولبس الآخر حنث لأن اليمين ههنا وقعت على عين فاعتبر فيها الاسم دون اللبس المعتاد وقالوا فيمن حلف لا يلبس شيئا ولا نية له فلبس درعا من حديد أو درع امرأة أو خفين أو قلنسوة أنه يحنث لأن ذلك كله يتناوله اسم اللبس
ولو حلف لا يلبس سلاحا فتقلد سيفا أو تنكب قوسا أو ترسا لم يحنث لأن هذا لا يسمى لبسا يقال تقلد السيف ولا يقال لبسه ولو لبس درعا من حديد أو غيره حنث لأن السلاح هكذا يلبس وقالوا فيمن حلف لا يلبس قطنا فلبس ثوب قطن يحنث لأن القطن لا يحتمل اللبس حقيقة فيحمل على لبس ما يتخذ منه فإن لبس قباء ليس بقطن وحشوه قطن لم يحنث إلا أن يعني الحشو لأن الحشو ليس بملبوس فلا تتناوله اليمين فإن لبس ثوبا من قطن وكتان حنث لأن اليمين على القطن تتناول ما يتخذ منه وبعض الثوب يتخذ منه وروى ( ( ( روى ) ) ) بشر عن أبي يوسف في رجل حلف ليقطعن من هذا الثوب قميصا وسراويل فقطعه قميصا فلبسه ما شاء ثم قطع من القميص سراويل فلبسه فإنه يبر في يمينه لأن القميص يسمى ثوبا فقد قطع الثوب سراويل واسم الثوب لم يزل فلا يحنث وإن حلف على قميص ليقطعن منه قباء وسراويل فقطع منه قباء فلبسه أو لم يلبسه ثم قطع من القباء سراويل فإنه قد حنث في يمينه حين قطع القميص قباء لأنه قطع السراويل مما لا يسمى قميصا ويمينه اقتضت أن يقطع السراويل من قميص لا من قباء وقال في الزيادات إذا قال عبده حر إن لم يجعل من هذا الثوب قباء وسراويل ولا نية له فجعله كله قباء وخاطه ثم نقض القباء وجعله سراويل فإنه لا يحنث إلا أن يكون عني أن يجعل من بعضه هذا أو بعضه هذا وهو على الحالة الأولى وقال عمرو عن محمد في رجل حلف لا يلبس هذا الثوب فقطعه سراويلين فلبس سراويل بعد سراويل لا يحنث وقال محمد إذا صار سراويلين خرج من أن يكون ثوبا لأن لبس الثوب المشار إليه يلبس جميعه دفعة واحدة وروي عن محمد أنه قال سمعت أبا يوسف فيمن حلف لا يلبس هذا الثوب فأخذ منه قلنسوات فلبسها لم يحنث لأنه لما قطعه قلنسوات لم يبق اسم الثوب لأن القلنسوة لا تسمى ثوبا وإن قطعه قميصا ففضل منه فضلة عن القميص رقعة صغيرة يتخذ منها لبنة أو ما أشبه ذلك فإنه يحنث لأن هذا القدر مما لا يعتد به فكان لابسا كمن حلف لا يأكل رمانة فأكلها إلا حبة وكذا لو اتخذ من الثوب جوارب فلبسها لا يحنث لأنه لما قطعه جوارب زال اسم الثوب عنها ولو حلف لا يلبس ثوبا من غزل فلانة فقطع بعضه فلبسه فإن كان لا يكون ما قطع إزارا أو رداء لم يحنث فإن بلغ ذلك حنث وإن قطعه سراويل فلبسه حنث لأن اسم الثوب إنما يقع على ما تستر به العورة وأدنى ذلك الإزار فما دونه ليس بلبس ثوب وكذا المرأة إذا حلفت لا تلبس ثوبا فلبست خمارا أو مقنعة لم تحنث والمراد بذلك الخمار الذي لم يبلغ مقدار الإزار فإذا بلغ ذلك الإزار حنث بلبسه وإن لم تستر به العورة وكذلك إذا لبس الحالف عمامة لم يحنث إلا أن يلف على رأسه ويكون قدر إزار أو رداء أو يقطع من مثلها قميصا أو درعا أو سراويل لأن العمامة إذا لم تبلغ مقدار الإزار فلابسها لا يسمى لابس ثوب فلم يحنث وإذا بلغت مقدار الإزار أو الرداء فقد لبس ما يسمى ثوبا إلا أنه ليس في موضع مخصوص من بدنه فهو كما لو لبس القميص على رأسه ولو حلف لا يلبس من غزل فلانة ولم يقل ثوبا لم يحنث في التكة والزر والعروة واللبنة روي ذلك عن محمد لأن هذا ليس بلبس في العادة ولا يقال لمن كان عليه لابس وقال أبو يوسف إن لبس رقعة في ثوب شبرا في شبر حنث لأن هذا عنده في حكم الكثير فصار لابسا له
وقال محمد إذا حلف لا يلبس ثوبا لا يحنث في العمامة والمقنعة ويحنث في السراويل وقد قالوا إذا حلف لا يلبس ثوبا من غزلها فلبس ثوب خز غزلته حنث لأن ذلك ينسب إلى الثوب فإنه كان كساء من غزلها سداه قطن فإن كان ذلك يسمى ثوبا حنث وإلا لم يحنث ولو حلف لا يلبس ثوبا من نسج فلان فنسجه غلمانه فإن كان فلان يعمل بيده لم يحنث إلا أن يلبس من عمله وإن كان فلان لا يعمل بيده حنث لأن حقيقة النسج ما فعله الإنسان بنفسه فإن أمكن الحمل على الحقيقة يحمل عليها وإن لم يكن ( ( ( يمكن ) ) ) يحمل على المجاز فإذا كان فلان لا ينسج بيده لم تكن الحقيقة مرادة باليمين فيحمل على المجاز وهو الأمر بالعمل وروى بشر عن أبي يوسف فيمن حلف لا يلبس شيئا من السواد قال هذا على ما يلبس مثله ولا يحنث في التكة والزر والعروة لأن ذلك ليس بلبس وإن حلف لا يكسو فلانا شيئا ولا نية له فكساه قلنسوة أو خفين أو جوربين حنث لأن الكسوة اسم لما يكسى به وذلك يوجد في القليل والكثير وروى عمرو عن محمد إذا حلف لا يكسو امرأة فبعث إليها مقنعة قال لا يحنث فجعل الكسوة عبارة عما يجزىء في كفارة اليمين وأجري ذلك مجرى قوله لا ألبس ثوبا ولو حلف لا يكسو فلانا ثوبا فأعطاه دراهم يشتري بها ثوبا لم يحنث لأنه لم يكسه وإنما وهب له دراهم وشاوره فيما يفعل بها ولو أرسل إليه بثوب كسوة حنث لأن الحقوق لا تتعلق بالرسول وإنما تتعلق بالمرسل فصل وأما الحلف على الركوب إذا حلف لا يركب دابة فهو على الدواب التي يركبها الناس في حوائجهم في مواضع إقامتهم فإن ركب بعيرا أو بقرة لم يحنث والقياس أن يحنث في ركوب كل حيوان لأن الدابة اسم لما يدب على وجه الأرض قال الله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقال عز وجل إن شر الدواب عند الله الذين كفروا إلا أنهم استحسنوا وحملوا اليمين على ما يركبه الناس في الأمصار ولقضاء الحوائج غالبا وهو الخيل والبغال والحمير تخصيصا للعموم بالعرف والعادة لأنا نعلم أنه ما أراد به كل حيوان فحملنا مطلق كلامه على العادة ومعلوم أن الفيل والبقرة والبعير لا يركب لقضاء الحوائج في الأمصار عادة فإن نوى في يمينه الخيل خاصة دين فيما بينه وبين الله عز وجل لأن اللفظ يحتمله ولا يدين في القضاء لأنه خلاف ظاهر العموم وإن حلف لا يركب فرسا فركب برذونا أو حلف لا يركب برذونا فركب فرسا لم يحنث لأن الفرس عبارة عن العربي والبرذون عن الشهري فصار كمن حلف لا يكلم رجلا عربيا فكلم عجميا ولو حلف لا يركب وقال نويت الخيل لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله عز وجل لأن الركوب ليس بمذكور فلا يحتمل التخصيص فإن حلف لا يركب الخيل فركب برذونا أو فرسا يحنث لأن الخيل اسم جنس قال الله عز وجل والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وقال صلى الله عليه وسلم الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة والمراد به الجنس فيعم جميع أنواعه ولو حلف لا يركب دابة وهو راكبها فمكث على حاله ساعة واقفا أو سائرا حنث لما ذكرنا أن الركوب يحتمل الابتداء ويتجدد أمثاله وكذلك لو حلف لا يلبس وهو لابس أو لا يجلس على هذا الفرش ( ( ( الفراش ) ) ) وهو جالس لما قلنا فإن نزل عقيب يمينه أو نزع أو قام لم يحنث عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم
ولو حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة لعبد فلان وعليه دين أو لا دين عليه لا يحنث في قول أبي حنيفة وعند محمد يحنث أما إذا كان عليه دين فلانة لا يملكها عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف هي مضافة إلى العبد دون المولى وأما إذا لم يكن عليه دين فهي مضافة إلى العبد فلم يحنث وعند محمد هي ملك المولى حقيقة فيحنث بركوبها ولو حلف لا يركب مركبا ولا نوى شيئا فركب سفينة أو محملا أو دابة بإكاف أو سرج حنث لوجود الركوب أما في الدابة بالسرج والاكاف فلا شك فيه وأما في السفينة فلان الله تعالى سمى ذلك ركوبا بقوله عز وجل وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها والله عز وجل أعلم فصل وأما الحلف على الجلوس فإذا حلف لا يجلس على الأرض فإنه لا يحنث إلا أن يجلس عليها وليس بينه وبينها غير ثيابه فإن كان بينه وبين الأرض حصير أو بوري أو بساط أو كرسي أو شيء بسطه لم يحنث لأن الجالس على الأرض من باشر الأرض ولم يحل بينه وبينها شيء هذا هو الجلوس على الأرض حقيقة إلا أن الجلوس عليها بما هو متصل به من ثيابه يسمى جلوسا على الأرض عرفا وإذا حال بينهما ما هو منفصل عنه من البساط والحصير لا يسمى جلوسا ألا ترى أنه يقال جلس على البساط والحصير لا على الأرض فإذا حلف لا يجلس على هذا الفراش أو هذا الحصير أو هذا البساط فجعل عليه مثله ثم جلس لم يحنث لأن الجلوس يضاف إلى الثاني دون الأول ألا ترى أن الطنفسة إذا جعلت على البورى لا يقال جلس على البورى بل يقال جلس على الطنفسة وكذلك إذا جعل الفراش على الفراش أو البساط على البساط وخالف أبو يوسف في الفراش خاصة فقال إذا حلف لا ينام على هذا الفراش فجعل فوقه فراشا آخر ونام عليه حنث لأنهما جميعا مقصودان بالنوم لأن ذلك إنما يجعل لزيادة التوطئة وأجمعوا على أنه لو حلف لا ينام على هذا الفراش فجعل فوقه قراما أو محبسا حنث لأن ذلك لا يمنع أن يقال نام على الفراش ولو حلف لا يجلس على هذا السرير أو على هذا الدكان أو لا ينام على هذا السطح فجعل فوقه مصلى أو فراشا ( ( ( فرشا ) ) ) أو بساطا ثم جلس عليه حنث لأنه يقال جلس الأمير على السرير وإن كان فوقه فراش ويقال نام على السطح وإن كان نام على فراش فلو جعل فوق السرير سريرا أو بنى فوق الدكان دكانا أو فوق السطح سطحا لم يحنث لأن الجلوس يضاف إلى الثاني دون الأول وقال محمد إذا كان نوى مباشرته وهي أن لا يكون فوقه شيء لم يدين في القضاء يعني به إذا حلف لا ينام على السرير فنام على فراش ( ( ( الفراش ) ) ) فوق السرير لأنه نوى غير ظاهر كلامه ولو قال والله لا أنام على ألواح هذا السرير أو ألواح هذه السفينة ففرش على ذلك فراشا لم يحنث لأنه ما نام على ألواح وذكر في الأصل إذا حلف لا يمشي على الأرض فمشى عليها وفي رجله خف أو نعل يحنث لأن المشي على الأرض هكذا يكون عادة ألا ترى أنه لم يجعل بينه وبينها ما هو منفصل عنه وإن مشى على بساط لم يحنث لأنه يقال مشى على البساط وجاء في الشعر نحن بنات طارق نمشي على النمارق ولو مشى على السطح حنث لأنه يقال هذه أرض السطح ويقال لمن على السطح لا تنم على الأرض فصل وأما الحلف على السكنى
والمساكنة والإيواء والبيتوتة أما السكنى فإذا حلف لا يسكن هذه الدار إما أن كان فيها ساكنا أو لم يكن فإن لم يكن فيها ساكنا فالسكنى فيها أن يسكنها بنفسه وينقل إليها من متاعه ما يتأثث به ويستعمله في منزله فإذا فعل ذلك فهو ساكن وحانث في يمينه لأن السكنى هي الكون في المكان على طريق الاستقرار فإن من جلس في المسجد وبات فيه لا يسمى ساكن المسجد ولو أقام فيه بما يتأثث به يسمى به فدل أن السكنى ما ذكرنا وذلك إنما يكون بما يسكن به في العادة وذلك ما قلنا وإن كان فيها ساكنا فحلف لا يسكنها فإنه لا يبر حتى ينتقل عنها بنفسه وأهله وولده الذين معه ومتاعه ومن كان يأويها لخدمته والقيام بأمره في منزله فإن لم يفعل ذلك ولم يأخذ في النقلة من ساعته وهي ممكنة حنث ههنا ثلاثة فصول أحدها إذا حلف لا يسكن فانتقل بأهله ومتاعه في الحال لم يحنث في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر يحنث وهو على الخلاف الذي ذكرنا في الراكب حلف لا يركب واللابس حلف لا يلبس فنزل ونزع في الحال وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم والثاني إذا انتقل بنفسه ولم ينتقل بأهله ومتاعه قال أصحابنا يحنث وقال الشافعي لا يحنث وجه قوله أن شرط حنثه سكناه ولم يسكن فلا يحنث كما لو حلف لا يسكن في بلد فخرج بنفسه وترك أهله فيه وقال الشافعي محتجا علينا إذا خرجت من مكة وخلفت دفيترات بها أفأكون ساكنا بمكة ولنا أن سكنى الدار إنما يكون بما يسكن به في العادة لما ذكرنا أنه اسم للكون على وجه الاستقرار ولا يكون الكون على هذا الوجه إلا بما يسكن به عادة فإذا حلف لا يسكنها وهو فيها فالبر في إزالة ما كان به ساكنا فإذا لم يفعل حنث وهذا لأنه بقوله لا أسكن هذه الدار فقد منع نفسه عن سكنى الدار وكره سكناها لمعنى يرجع إلى الدار والإنسان كما يصون نفسه عما يكره يصون أهله عنه عادة فكانت يمينه واقعة على السكنى وما يسكن به عادة فإذا خرج بنفسه وترك أهله ومتاعه فيه ولم يوجد شرط البر فيحنث والدفاتر لا يسكن بها في الدور عادة فبقاؤها لا يوجب بقاء السكنى فهذا كان تشنيعا في غير موضعه ولأن من حلف لا يسكن هذه الدار فخرج بنفسه وأهله ومتاعه فيها يسمى في العرف والعادة ساكن الدار ألا ترى أنه إذا قيل له وهو في السوق أين تسكن يقول في موضع كذا وإن لم يكن هو فيه وبهذا فارق البلد لأنه لا يقال لمن بالبصرة أنه ساكن بالكوفة والثالث أنه إذا انتقل بنفسه وأهله وماله ومتاعه وترك من أثاثه شيئا يسيرا قال أبو حنيفة يحنث وقال أبو يوسف إذا كان المتاع المتروك لا يشغل بيتا ولا بعض الدار لا يحنث ولست أجد في هذا حدا وإنما هو على الاستحسان وعلى ما يعرفه الناس وقيل معنى قول أبي حنيفة إذا ترك شيئا يسيرا يعني ما لا يعتد به ويسكن بمثله فأما إذا خلف فيها وتدا أو مكنسة لم يحنث لأبي يوسف أن اليسير من الأثاث لا يعتد به لأنه يسكن بمثله فصار كالوتد ولأبي حنيفة أن شرط البر إزالة ما به صار ساكنا فإذا بقي منه شيء لم يوجد شرط البر بكماله فيحنث فإن منع من الخروج والتحول بنفسه ومتاعه وأوقعوه وقهروه لا يحنث وإن أقام على ذلك أياما لأنه ما يسكنها بل أسكن فيها فلا يحنث ولأن البقاء على السكنى يجري مجرى الابتداء ومن حلف لا يسكن هذه الدار وهو خارج الدار فحمل إليها مكرها لم يحنث كذا البقاء إذا كان بإكراه
وقال محمد إذا خرج من ساعته وخلف متاعه كله في المسكن فمكث في طلب المنزل أياما ثلاثا فلم يجد ما يستأجره وكان يمكنه أن يخرج من المنزل ويضع متاعه خارج الدار لا يحنث لأن هذا من عمل النقلة إذ النقلة محمولة على العادة والمعتاد هو الانتقال من منزل إلى منزل ولأنه ما دام في طلب المنزل فهو متشاغل بالانتقال كما لو خرج يطلب من يحمل رحله وقال محمد إن كان الساكن موسرا وله متاع كثير وهو يقدر على أنه يستأجر من ينقل متاعه في يوم فلم يفعل وجعل ينقل بنفسه الأول فالأول فمكث في ذلك سنة قال إن كان النقلان لا يفتر انه لا يحنث لأن الحنث يقع بالاستقرار بالدار والمتشاغل بالانتقال غير مستقر ولأنه لا يلزمه الانتقال على أسرع الوجوه ألا يرى أنه بالانتقال المعتاد لا يحنث وإن كان غيره أسرع منه فإن تحول ببدنه وقال ذلك أردت فإن كان حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها لا يدين في القضاء لأنه خلاف الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل لأنه نوى ما يحتمله كلامه وإن كان حلف وهو غير ساكن وقال نويت الانتقال ببدني دين لأنه نوى ما يحتمله وفيه تشديد على نفسه وأما المساكنة فإذا كان رجل ساكنا مع رجل في دار فحلف أحدهما أن لا يساكن صاحبه فإن أخذ في النقلة وهي ممكنة وإلا حنث والنقلة على ما وصفت لك إذا كان ساكنا في الدار فحلف لا يسكنها لأن المساكنة هي أن يجمعهما منزل واحد فإذا لم ينتقل في الحال فالبقاء على المساكنة مساكنة فيحنث فإن وهب الحالف متاعه للمحلوف عليه أو أودعه أو أعاره ثم خرج في طلب منزل فلم يجد منزلا أياما ولم يأت الدار التي فيها صاحبه قال محمد إن كان وهب له المتاع وقبضه منه وخرج من ساعته وليس من رأيه العود إليه فليس بمساكن له فلا يحنث وكذلك أن أودعه المتاع ثم خرج لا يريد العود إلى ذلك المنزل وكذلك العارية لأنه إذا وهبه وأقبضه وخرج فليس بمساكن إياه بنفسه ولا بماله وإذا أودعه فليس بساكن به فلا يحنث وكذلك إن أودعه المتاع ثم خرج وإنما هو في يد المودع وكذلك إذا أعاره فلا يحنث ولو كان له في الدار زوجة فراودها على الخروج فأبت وامتنعت وحرص على خروجها واجتهد فلم تفعل فإنه لا يحنث إذا كانت هذه حالها لأنه لو بقي هو في الدار مكرها لم يحنث لعدم اختياره السكنى به فكذا إذا بقي ما يسكن به بغير اختياره وإذا حلف لا يساكن فلانا فساكنه في عرصة دار أو بيت أو غرفة حنث لأن المساكنة هي القرب والاختلاط فإذا سكنها في موضع يصلح للسكنى فقد وجد الفعل المحلوف عليه فيحنث فإن ساكنه في دار هذا في حجرة وهذا في حجرة أو هذا في منزل وهذا في منزل حنث إلا أن يكون دارا كبيرة قال أبو يوسف مثل دار الرقيق ونحوها ودار الوليد بالكوفة فإنه لا يحنث وكذا كل دار عظيمة فيها مقاصير ومنازل وقال هشام عن محمد إذا حلف لا يساكن فلانا ولم يسم دارا فسكن هذا في حجرة وهذا في حجرة لم يحنث إلا أن يساكنه في حجرة واحدة قال هشام قلت فإن حلف لا يساكنه في هذه الدار فسكن هذا في حجرة وهذا في حجرة قال يحنث لمحمد أن الحجرتين المختلفتين كالدارين بدليل أن السارق من إحداهما إذا نقل المسروق إلى الأخرى قطع وليس كذلك إذا حلف لا يساكنه في دار لأنه حلف على أن لا يجمعهما دار واحدة وقد جمعتهما وإن كانا في حجرها ولأبي يوسف أن المساكنة هي الاختلاط والقرب فإذا كانا في حجرتين في دار صغيرة فقد وجد القرب فهو كبيتين من دار وإن كانا في حجرتين من دار عظيمة فلا يوجد القرب فهو كدارين في محلة فإن سكن هذا في بيت من دار وهذا في بيت وقد حلف لا يساكنه ولم يسم دارا حنث في قولهم لأن بيوت الدار الواحدة كالبيت الواحد
ألا ترى أن السارق لو نقل المسروق من أحد البيتين إلى الآخر لم يقطع وقال أبو يوسف فإن ساكنه في حانوت في السوق يعملان فيه عملا أو يبيعان فيه تجارة فإنه لا يحنث وإنما اليمين على المنازل التي هي المأوى وفيها الأهل والعيال فأما حوانيت البيع والعمل فليس يقع اليمين عليها إلا أنه ينوي أو يكون بينهما قبل اليمين بدل يدل عليها فتكون اليمين على ما تقدم من كلامهما ومعانيهما لأن السكنى عبارة عن المكان الذي يأوي إليه الناس في العادة ألا ترى أنه لا يقال فلان يسكن السوق وإن كان يتجر فيها فإنه جعل السوق مأواه قيل أنه يسكن السوق فإن كان هناك دلالة تدل على أنه أراد باليمين ترك المساكنة في السوق حملت اليمين على ذلك وإن لم يكن هناك دلالة فقال نويت المساكنة في السوق أيضا فقد شدد على نفسه قالوا إذا حلف لا يساكن فلانا بالكوفة ولا نية له فسكن أحدهما في دار والآخر في دار أخرى في قبيلة واحدة أو محلة واحدة أو درب فإنه لا يحنث حتى تجمعهما السكنى في دار لأن المساكنة هي المقاربة والمخالطة ولا يوجد ذلك إذا كانا في دارين وذكر الكوفة لتخصيص اليمين بها حتى لا يحنث بمساكنته في غيرها فإن قال نويت أن لا أسكن الكوفة والمحلوف عليه بالكوفة صدق لأنه شدد على نفسه وكذلك إذا حلف لا يساكنه في الدار فاليمين على المساكنة في دار واحدة على ما بينا ولو أن ملاحا حلف لا يساكن فلانا في سفينة واحدة ومع كل واحد منهما أهله ومتاعه واتخذها منزله فإنه يحنث وكذلك أهل البادية إذا جمعتهم خيمة وإن تفرقت الخيام لم يحنث وإن تقاربت لأن السكنى محمولة على العادة وعادة الملاحين السكنى في السفن وعادة أهل البادية السكنى في الأخبية فتحمل يمينهم على عاداتهم وأما الإيواء فإذا حلف لا يأوي مع فلان أو لا يأوي في مكان أو دار أو في بيت فالإيواء الكون ساكنا في المكان فأوى مع فلان في مكان قليلا كان المكث أو كثيرا ليلا كان أو نهارا حنث وهو قول أبي يوسف الأخير وقول محمد إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك يوما أو أكثر فيكون على ما نوى وروى ابن رستم في رجل حلف بالطلاق لا يأويه وفلانا بيت وذلك لأن الإيواء عبارة عن المصير في الموضع قال الله عز وجل سآوي إلى جبل يعصمني من الماء أي ألتجىء ( ( ( ألتجئ ) ) ) وذلك موجود في قليل الوقت وكثيره وقد كان قول أبي يوسف الأول أن الإيواء مثل البيتوتة وأنه لا يحنث حتى يقيم في المكان أكثر الليل لأنهم يذكرون الإيواء كما يذكرون البيتوتة فيقولون فلان يأوي في هذه الدار كما يقولون يبيت فيها وأما إذا نوى أكثر من ذلك فالأمر على ما نوى لأن اللفظ محتمل فإنهم يذكرون الإيواء ويريدون به السكنى والمقام وقد روى ابن رستم عن محمد في رجل قال إن آواني وإياك بيت أبدا على طرفة عين في قول أبي يوسف الأخير وقولنا إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك يوما أو أكثر فالأمر على ما نوى لأن اللفظ يوما أو أكثر وقال ابن سماعة عن أبي يوسف إذا حلف لا يأوي فلانا وقد كان المحلوف عليه في عيال الحالف ومنزله لا يحنث إلا أن يعيد المحلوف عليه مثل ما كان عليه وإن لم يكن المحلوف عليه في عيال الحالف فهذا على نية الحالف إن نوى أن لا يعوله فهو كما نوى وكذلك إن نوى لا يدخله عليه بيته لأن قوله لا يأويه يذكر ويراد به ضمه إلى نفسه ومنزله وقد يراد به القيام بأمره فإن كان في اللفظ دليل على شيء وإلا يرجع إلى نيته ( ( ( بيته ) ) ) فإن دخل المحلوف عليه بغير إذنه فرآه فسكت لم يحنث لأنه حلف على فعل نفسه فإذا لم يأمره لم يوجد فعله
وقال عمرو ( ( ( عمر ) ) ) عن ( ( ( وعن ) ) ) محمد الإيواء عند البيتوتة والسكنى فإن نوى المبيت فهو على ذهاب الأكثر من الليل وإن لم ينو شيئا فهو على ذهاب ساعة وأما البيتوتة ( ( ( البيوتة ) ) ) فإذا حلف لا يبيت مع فلان أو لا يبيت في مكان كذا فالمبيت بالليل حتى يكون فيه أكثر من نصف الليل وإذا كان أقل لم يحنث وسواء نام في الموضع أو لم ينم لأن البيتوتة عبارة عن الكون في مكان أكثر من نصف الليل ألا يرى أن الإنسان يدخل على غيره ليلا يقيم عنده قطعة من الليل ولا يقال بات عنده وإذا أقام أكثر الليل يقال بات عنده ويقال فلان بائت في منزله وإن كان في أول الليل في غيره ولا يعتبر النوم لأن اللفظ لا يقتضيه لغة كما لا يقتضي اليقظة فلم يكن شرطا فيه وقال ابن رستم عن محمد في رجل حلف لا يبيت الليلة في هذه الدار وقد ذهب ثلثا الليل ثم بات بقية الليل قال لا يحنث لأن البيتوتة إذا كانت تقع على أكثر الليل فقد حلف على ما لا يتصور فلا تنعقد يمينه والله عز وجل أعلم فصل وأما الحلف على الاستخدام فإذا حلف الرجل لا يستخدم خادمة له قد كانت تخدمه ولا نية له فجعلت الخادمة تخدمه من غير أن يأمرها حنث لأنه لما مكنها من الخدمة فقد تركها على الاستخدام السابق ولأنه لما لم يمنعها فقد استخدمها دلالة وإن لم يستخدم نصا صريحا ولو كان الحالف على خادمة لا يملكها فخدمته بغير أمره لا يحنث لعدم سبق الاستخدام ليكون التمكين من الخدمة إبقاء لها على الاستخدام ولتعذر جعل التمكين دلالة الاستخدام لأن استخدام جارية الغير بغير إذنه محظور فلا يكون إذنا به من طريق الدلالة فهو الفرق حتى لو كان نهى خادمته التي كانت تخدمه عن خدمته ثم خدمته بغير أمره قيل لم يحنث لأنه بالتمكين قطع استخدامها السابق فقد وجد منها بغير استخدام فلا يحنث ولو حلف لا تخدمه فلانة فخدمته بغير أمره أو بأمره وهي خادمته أو خادمة غيره حنث لأنه عقد اليمين على فعلها وهو خدمتها لا على فعله وهو استخدامه وقد خدمته وكل شيء من عمل بيته فهو خدمته لأن الخدمة عبارة عن عمل البيت الذي يحتاج إليه في الغالب ولو حلف لا يستخدم خادمة لفلان فسألها وضوأ ( ( ( وضوءا ) ) ) أو شرابا أو أومأ إليها ولم يكن له نية حين حلف حنث إن فعلت ذلك أو لم تفعل إلا أن يكون نوى حين حلف أن لا يستعين بها فتعينه فلا يحنث حتى تعينه لأنه عقد ( ( ( عقه ) ) ) يمينه على فعله وهو الاستخدام وقد استخدم وإن لم تجبه فإن عنى أن تخدمه فقد نوى ما يحتمله كلامه فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى وإن حلف لا يخدمني خادم لفلان فهو على الجارية والغلام والصغير الذي يخدم والكبير في ذلك سواء لأن اسم الخادم يجمع الذكر والأنثى والصغير والكبير إذا كان الصغير ممن يقدر على الخدمة والله عز وجل أعلم فصل وأما الحلف على المعرفة فإذا حلف على إنسان أنه لا يعرفه وهو يعرفه بوجهه لكنه لا يعرف اسمه فقد بر في يمينه ولا يحنث لأنه إذا لم يعرف اسمه لم يعرفه بدليل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل رجلا عن رجل وقال له هل تعرفه فقال الرجل نعم فقال هل تدري ما اسمه فقال لا فقال إنك لم تعرفه ولأنه إذا لم يعرفه باسمه وإن عرفه بوجهه لم يكن عارفا به على الإطلاق بل من وجه دون وجه ومن شرط حنثه المعرفة على الإطلاق ولم توجد فلا يحنث
وقال خلف بن أيوب عن محمد في رجل تزوج امرأة ودخل بها ولا يدري ما اسمها فحلف أنه لا يعرفها قال لا يحنث لما بينا ولو أن رجلا ولد له مولود فأخرجه إلى جار له ولم يكن سماه بعد فحلف جاره هذا أنه لا يعرف هذا الصبي لا يحنث لأن معرفته بمعرفة اسمه فلا يعرف قبل التسمية فصل وأما الحلف على أخذ الحق وقبضه وقضائه واقتضائه إذا حلف الرجل ليأخذن من فلان حقه أو ليقبضن من فلان حقه فأخذ منه بنفسه أو أخذ منه وكيله أو أخذه من ضامن عنه أو محتال عليه بأمر المطلوب بر لأن حقوق القضاء لا ترجع إلى الفاعل فترجع إلى الآمر فكأن قبض وكيل الطالب قبضه معنى وكذا القبض من وكيل المطلوب أو كفيله أو المحتال بأمره عليه قبضا منه من حيث المعنى ولو قبض من رجل بغير أمر المطلوب أو كانت الكفالة أو الحوالة بغير أمره حنث في يمينه ولم يبر لأنه لم يقبض من المطلوب حقه حقيقة في الوجهين جميعا إلا أنه جعل قابضا عنه معنى في موضع الأمر وجعل القبض من الغير كالقبض منه فإذا لم يكن ذلك بأمره لم تكن إضافته إليه ولهذا لم يرجع إلى الدافع إليه بما أعطاه فلم يوجد منه قبض حقه فلم يبر وكذلك لو كان الحالف هو الذي عليه المال فحلف ليقضين فلانا حقه أو ليعطين فأعطاه بنفسه أو برسول أو بإحالة أو أمر من ضمنه له فأخذه الطالب بر الحالف في يمينه لأن حقوق القضاء لا تتعلق بالفاعل فتتعلق بالآمر فكان هو القاضي والمعطي من حيث المعنى ولو كان ذلك بغير أمره حنث الحالف لأنه لم يقض حقه ولا أعطاه أصلا ورأسا ألا ترى أنه لا يرجع الدافع إليه وإن قال الحالف في هذين الوجهين أردت أن يكون ذلك بنفسي كان كما قال فإن لم يفعل ذلك بنفسه حنث لأنه شدد على نفسه وإن كان المطلوب حلف أن لا يعطيه فأعطاه على أحد هذه الوجوه حنث فإن قال إنما أردت أن لا أعطيه أنا بنفسي لم يدين في القضاء ودين فيما بينه وبين الله تعالى لأن العطاء بفعله وبفعل غيره سواء في القصد فتناوله اليمين فإذا نوى أن لا يعطيه بنفسه فقد نوى خلاف الظاهر وأراد التخفيف على نفسه فلا يصدق في القضاء ولو أخذ به ثوبا أو عرضا فقبض العرض فهو بمنزلة القبض للمال لأنه يصير مستوفيا بأخذ العوض كما يصير مستوفيا بأخذ نفس الحق ولو حلف الطالب ليأخذن ماله منه أو ليقضينه أو ليستوفينه ولم يوقت وقتا فأبرأه من المال أو وهبه له حنث في يمينه لأن الإبراء ليس بقبض ولا استيفاء ففات شرط البر فحنث ولو كان وقت وقتا فقال اليوم أو إلى كذا وكذا فأبرأه قبل ذلك أو وهبه له لم يحنث عند أبي حنيفة ومحمد إذا جاوز ذلك الوقت وعند أبي يوسف يحنث بناء على أن اليمين الموقتة يتعلق انعقادها بآخر الوقت عندهما فكأنه قال في آخر الوقت لأقبضن منه ديني ولا دين عليه فلا تنعقد اليمين عندهما وتنعقد عند أبي يوسف فيحنث أصل المسألة إذا حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم فأهريق الماء قبل انقضاء اليوم وقد ذكرناها فيما تقدم فإن قبض الدين فوجده زيوفا أو نبهرجة فهو قبض وبر في يمينه سواء كان حلف ( ( ( الحلف ) ) ) على القبض أو على الدفع لأنها من جنس حقه من حيث الأصل
ألا ترى أنه يجوز أخذهما في ثمن الصرف فوقع بهما الاقتضاء وإن كانت ستوقة فليس هذا بقبض لأنها ليست من جنس الدراهم ولهذا لا يجوز التجوز بها في ثمن الصرف وكذلك لو رد الثوب الذي أخذ عن الدين بعيب أو استحق كان قد بر في يمينه وكان هذا قبضا لأن العيب لا يمنع صحة القبض وكذا المستحق يصح قبضه ثم يبطل لعدم الإجازة فانحلت اليمين فلا يتصور الحنث بعد ذلك وقد قالوا إذا اشترى بدينه بيعا فاسدا وقبضه فإن كان في قيمته وفاء بالحق فهو قابض لدينه ولا يحنث وإن لم يكن فيه وفاء حنث لأن المضمون في البيع الفاسد القيمة لا المسمى ولو غصب الحالف مالا مثل دينه بر لأنه وقع الاقتضاء به وكذلك لو استهلك له دنانير أو عروضا لأن القيمة تجب في ذمته فيصير قصاصا وقال محمد إذا قال إن لم أتزن من فلان مالي عليه أو لم أقبض مالي عليه في كيس أو قال إن لم أقبض مالي عليك دراهم أو بالميزان أو قال إن لم أقبض دراهم قضاء من الدراهم التي لي عليك فأخذ بذلك عرضا أو شيئا مما يوزن من الزعفران أو غيره فهو حانث لأنه لما ذكر الوزن والكيس والدراهم فقد وقعت يمينه على جنس حقه فإذا أخذ عوضا عنه حنث فصل وأما الحالف على الهدم قال ابن سماعة وسمعت أبا يوسف يقول في رجل قال والله لأهدمن هذه الدار فإن هدم سقوفها بر لأنه لا يقدر على أن يزيل اسم الدار بالهدم لأنه لو هدم جميع بنائها لكانت بذلك تسمى دارا ( ( ( دار ) ) ) لما ذكرنا أنها اسم للعرصة فحملت اليمين على الكسر قال محمد إذا حلف لينقضن هذا الحائط أو ليهدمنه اليوم فنقض بعضه أو هدم بعضه ولم يهدم ما بقي حتى مضى اليوم يحنث قال والهدم عندنا أن يهدم حتى يبقى منه ما لا يسمى حائطا لأن الحائط يمكن هدمه حتى يزيل الاسم عنه فوقعت اليمين على ذلك بخلاف الدار فإن نوى هدم بعضه صدق ديانة لأن ذلك يسمى هدما بمعنى الكسر ولو حلف ليكسرن هذا الحائط فكسر بعضه بر لأنه يقال له حائط مكسور فلا يعتبر ما يزيل به اسم الحائط فالحاصل أن ههنا ألفاظ ( ( ( ألفاظا ) ) ) ثلاثة الهدم والنقض والكسر والمسائل مبنية على معرفة معنى كل لفظ فالهدم اسم لإزالة البناء لأنه ضد البناء فإن فعل في الحائط فعلا ينظر إن بقي بعده ما يسمى مبنيا حنث لأنه لا وجود للشيء مع وجود ما يضاده وإن لم يبق ما يسمى مبنيا بر لتحققه ( ( ( لتحقيقه ) ) ) في نفسه قال الله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع والمراد منه استئصالها لا إحداث صدع أو وهن في أبنيتها وكذلك النقض يقال فلان نقض بينه ( ( ( بيته ) ) ) كذا أي أزالها ولو نقض بعض الحائط أو هدم بعضه وقال عنيت به بعضه يصدق فيما بينه وبين الله تعالى عز وجل لأنه نوى تخصيص العموم وأنه محتمل فلا يصدقه القاضي لأنه عدول عن الظاهر والكسر عبارة عن إحداث صدع أو شق فيما صلب من الأجسام بمنزلة الخرق فيما استرخى منها فإذا ثبت فيه هذا فقد بر في يمينه وإن بقي التركيب والله تعالى أعلم فصل وأما الحلف على الضرب والقتل قال المعلى سألت محمدا عن رجل حلف بطلاق امرأته ليضربنها حتى يقتلها أو حتى ترفع ميتة ولا نية له قال إن ضربها ضربا شديدا كأشد الضرب بر في يمينه لأنه يراد بمثل هذا القول في العادة شدة الضرب دون الموت قال فإن حلف ليضربنها حتى يغشى عليها أو حتى تبول فما لم يوجد ذلك لم يبر في يمينه لأن هذا يحدث عند شدة الضرب غالبا فيراعى وجوده للبر
ولو حلف ليضربن غلامه في كل حق وباطل فمعنى ذلك أن يضربه في كل ما شكى بحق أو بباطل لأنه لا يمكن حمله على الحقيقة وهو الضرب عند كل حق وباطل لأن العبد لا يخلو من ذلك فإذا يكون عند الشكاية فإذا يكون المولى في ضربه أبدا فحمل الضرب على الشكاية للعرف ولا يكون الضرب في هذا عند الشكاية أي لا يحمل الضرب على فور الشكاية لأن اليمين الواقعة على فعل مطلق عن زمان لا تتوقت بزمان دون زمان بل تقع على العمر إلا أن يعني به الحال فيكون قد شدد على نفسه فإن شكى إليه فضربه ثم شكى إليه في ذلك الشيء مرة أخرى والمولى يعلم أنه في ذلك الشيء أو لا يعلم فذلك سواء وليس عليه أن يضربه للشكاية الثانية لأنه قد ضربه فيها مرة واحدة ولا يتعلق بالفعل الواحد الذي وقعت الشكاية عليه أكثر من ضرب واحد في العرف كما لو قال إن أخبرتني بكذا فلك درهم فأخبره مرة بعد مرة أنه لا يجب إلا درهم واحد وإن كان الثاني إخبارا كالأول كذا هذا وقال المعلى سألت محمدا عن رجل حلف ليقتلن فلانا ألف مرة فقتله ثم قال إنما نويت أن آلي على نفسي بالقتل قال أدينه في القضاء لأن العادة أنهم يريدون بهذا تشديد القتل دون تكرره لعدم تصوره وقال ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته إن لم اضربك حتى أتركك لا حية ولا ميتة فهذا على أن يضربها ضربا شديدا يوجعها فإذا فعل ذلك فقد بر لأن المراد منه أن لا يتركها حية سليمة ولا ميتة وذلك بالضرب الشديد فينصرف إليه وقال محمد فيمن حلف بالطلاق لقد سمع فلانا يطلق امرأته ألف مرة وقد سمعه طلقها ثلاثا فإنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى لأن حكم الثلاث حكم الألف في الإيقاع ولأنه يراد بمثله أكثر عدد الطلاق في العادة وهو الثلاث ولو قال امرأته طالق إن لم يكن لقي فلانا ألف مرة وقد لقيه مرارا كثيرة لأن ذلك لا يكون ألف مرة وإنما أراد كثرة اللقاء ولم يرد العدد أني أدينه لأن مثل هذا يذكر في العادة والعرف للتكثير دون العدد المحصور وقد قال الله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وليس ذلك على عدد السبعين بل ذكره سبحانه وتعالى للتكثير كذا هذا ولو قال والله لا أقتل فلانا بالكوفة أو قال والله لا أتزوج فلانة بالكوفة فضربه الحالف ببغداد فمات بالكوفة أو زوجه الولي امرأة كبيرة ببغداد فبلغها الخبر بالكوفة فأجازت حنث في اليمينين جميعا وكذلك لو حلف على الزمان فقال لا أفعل ذلك يوم الجمعة فمات يوم الجمعة أو أجازت النكاح يوم الجمعة حنث الحالف ولو كان حلف ليفعلن ذلك بالكوفة أو يوم الجمعة فكان ما ذكرنا بر في يمينه وإنما كان ذلك لأن الفعل الذي هو قتل إن وجد ببغداد ويوم السبت لكنه موصوف بصفة الإضافة إلى المخاطب وإنما يصير موصوفا بالإضافة وقت ثبوت أثره وهو زهوق الروح وذلك وجد بالكوفة يوم الجمعة فيحنث في يمينه ونظيره لو قال إن خلق الله تعالى لفلان ابنا في هذه السنة فعبدي حر فحصل له ولد في هذه السنة يحنث وإن كان خلق الله أزليا لكن الإضافة إلى المخلوق إنما تثبت عند وجود أثره وهو وجود الولد كذا ههنا والنكاح في الشرع اسم لما بعد الحل وذلك إنما يوجد عند الإجازة وكذلك العبد إذا اشترى عبدا بغير إذن مولاه ثم بلغ المولى فأجاز فإنه مشترى يوم أجازه المولى لأنه يوم ثبوت الملك وقال محمد في البيع الموقوف والفاسد أنه بائع يوم باع ومشتر يوم اشترى وقال في القتل كما قال أبو يوسف لمحمد إن الملك عند الإجازة يتعلق بالعقد كما يتعلق به عند إسقاط الخيار