Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
ولو قال أنت طالق واحدة ومائة أو واحدة وألفا كان واحدة كذا روي الحسن عن أبي حنيفة لأنه كان يمكنه أن يتكلم به على غير هذا الوجه وهو أن يقول مائة وواحدة وألفا وواحدة لأن هذا هو المعتاد فإذا قدم الواحدة فقد خالف المعتاد فلا يمكن أن يجعل الكل عددا واحدا فيجعل عطفا فيمتنع وقوع ما زال ( ( ( زاد ) ) ) على الواحدة وقال أبو يوسف إذا قال واحدة ومائة تقع ثلاثا لأن التقديم والتأخير في ذلك معتاد ألا ترى أنهم يقولون في العادة مائة واحدة ( ( ( وواحدة ) ) ) وواحدة ومائة على السواء ولو قال أنت طالق واحدة ونصفا يقع اثنتان في قولهم لأن هذه جملة واحدة ألا ترى أنه لا يمكنه أن يتكلم بها إلا على هذا الوجه فكان هذا اسما لمسمى واحد والطلاق لا يتجزأ فكان ذكر بعضه ذكرا للكل فكان هذا إيقاع تطليقتين كأنه قال لها أنت طالق ثنتين ولو قال أنت طالق نصفا وواحدة يقع عليها ثنتان عند أبي يوسف وعند محمد واحدة له أن التكلم على هذا الوجه غير معتاد بل العادة قولهم واحدة ونصفا فإذا عدل عن المعتاد لم يمكن أن يجعل الكل عددا واحدا فيجعل عطفا وأبو يوسف يقول الاستعمال على هذا الوجه معتاد فإنه يقال واحدة ونصفا وواحدة على السواء ومنها الإضافة إلى المرأة في صريح الطلاق حتى لو أضاف الزوج صريح الطلاق إلى نفسه بأن قال أنا منك طالق لا يقع الطلاق وإن نوى وهذا عندنا وقال الشافعي الإضافة إلى المرأة في صريح الطلاق حتى لو قال أنا منك بائن أو أنا عليك حرام ونوى الطلاق يصح وجه قوله أن الزوج أضاف الطلاق إلى محله فيصح كما إذا قال لها أنا منك بائن أو أنا عليك حرام ودلالة الوصف أن محل الطلاق المقيد لأن التطليق رفع القيد والرجل مقيد إذ المقيد هو الممنوع والزوج ممنوع عن التزوج بأختها وعن التزوج بأربع سواها فكان مقيدا فكان محلا لإضافة الكناية المبينة إليه لما أن الإبانة قطع الوصلة وإنها ثابت ( ( ( ثابتة ) ) ) من جانبه كذا هذا ولنا الكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله عز وجل فطلقوهن لعدتهن أمر سبحانه وتعالى بتطليقهن والأمر بالفعل نهي عن تركه وتطليق نفسه ترك لتطليق امرأته حقيقة لأنه أضاف الطلاق إلى نفسه لا إلى امرأته حقيقة فيكون منهيا والمنهي غير المشروع والتصرف الذي ليس بمشروع لا يعتبر شرعا وهو تفسير عدم الصحة وأما السنة فما روى أبو داود في سننه بإسناده عن رسول الله أنه قال تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن نهى عن التطليق مطلقا سواء كان مضافا إلى الزوج أو إلى الزوجة وأكد النهي بقوله فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن فظاهر الحديث يقتضي أن يكون التطليق منهيا سواء أضيف إلى الزوج أو إليها ثم جاءت الرخصة في التطليق المضاف إلى الزوجة في نصوص الكتاب من قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن وقوله تعالى فإن طلقها وقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ونحو ذلك فبقي التطليق المضاف إلى الزوج على أصل النهي والمنهي غير مشروع والتصرف الشرعي إذا خرج من أن يكون مشروعا ( ( ( مروعا ) ) ) لا وجود له شرعا فلا يصح ضرورة
وأما المعقول فهو أن قوله أنا منك طالق إما أن يعتبر إخبارا عن كونه طالقا كما يقتضيه ظاهر الصيغة وإما أن يعتبر إنشاء وهو إثبات الانطلاق ولا سبيل إلى الثاني لأنه منطلق وليس عليه قيد النكاح وإثبات الثابت محال فتعين الأول وهو أن يكون إخبارا عن كونه طالقا وهو صادق في هذه الاخبار والدليل على أنه ليس عليه قيد النكاح وجهان أحدهما أن قيد النكاح في جانب المرأة إنما ثبت لضرورة تحقيق ما هو من مقاصد النكاح وهو السكن والنسب لأن الخروج والبروز يريب فلا يطمئن قلبه إليها وإذا جاءت بولد لا يثق بكونه منه وهذه الضرورة منعدمة في جانب الزوج فلا يثبت عليه قيد النكاح والثاني أن قيد النكاح هو ملك النكاح وهو الاختصاص الحاجز والزوج مالك لأن المرأة مملوكة ملك النكاح والمملوك لا بد له من مالك ولا ملك لغير الزوج فيها فعلم أن الزوج مالكها فاستحال أن يكون مملوكا بخلاف ما إذا أضاف الطلاق إليها فإن قال لها أنت طالق أنه لا يمكن حمل هذه الصيغة على الإخبار لأنه يكون كذبا لكونها غير منطلقة لثبوت قيد النكاح فيحمل على الإنشاء أنه ممكن لعدم الانطلاق قبله بخلاف الكناية المبينة لأن الإبانة قطع الوصلة وإنها ثابتة في الطرفين فإذا زالت من أحد الطرفين تزول من الطرف الآخر ضرورة لاستحالة اتصال شيء بما هو منفصل عنه والتحريم إثبات الحرمة وأنها لا تثبت من أحد الجانبين لاستحالة أن يكون الشخص حلالا لمن هو حرام بخلاف الطلاق لأنه إثبات الانطلاق ورفع القيد والقيد لم يثبت إلا من جانب واحد وأنه قائم وأما قوله الزوج ممنوع عن التزوج بأختها وأربع سواها فنعم لكن ذلك لم يثبت إلا من جانب واحد وأنه قائم لأن المنع من ذلك كونه ( ( ( لكونه ) ) ) جمعا بين الأختين في النكاح وهذا كان ثابتا قبل النكاح ألا ترى لو تزوجهما جميعا لم يجز وسواء كانت الإضافة إلى امرأة معينة أو مبهمة عند عامة العلماء حتى لو قال لامرأتيه إحداكما طالق أو قال لأربع نسوة له إحداكن طالق ولم ينو واحدة بعينها صحت الإضافة وقال نفاة القياس لا تصح إضافة الطلاق إلى المعينة وجه قولهم لم يصلح محلا للنكاح فلا يصلح محلا للطلاق إذ الطلاق يرفع ما ثبت بالنكاح وكذا لم يصلح محلا للبيع والهبة والإجارة وسائر التصرفات فكذا الطلاق وأما عمومات الطلاق من الكتاب والسنة من نحو قوله عز وجل فطلقوهن لعدتهن وقوله الطلاق مرتان وقوله سبحانه فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وقوله لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن وقول النبي كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه من غير فصل بين طلاق وطلاق بين ( ( ( وبين ) ) ) الطلاق المضاف إلى المعين والمجهول ولأن هذا ليس بتنجيز الطلاق في الحقيقة بل هو تعليق من حيث المعنى بشرط البيان لما نذكر والطلاق مما يحتمل التعليق بالشرط ألا ترى أنه يصح تعليقه بسائر الشروط فكذا بهذا الشرط بخلاف النكاح فإنه لا يحتمل التعليق بالشرط فلا تكون المجهولة محلا للنكاح وكذا الإجارة والبيع وسائر التصرفات وعلى هذا الوجه لا يكون هذا إيقاع الطلاق في المجهولة لأنه تعليق بشرط البيان فيقع الطلاق في المبينة لا في المجهولة على إنا إن قلنا بالوقوع كما قال بعضهم فهذه جهالة يمكن رفعها بالبيان فالطلاق يحتمل خطر ( ( ( خطرا ) ) ) الجهالة ( ( ( لجهالة ) ) ) ألا ترى أنه يحتمل خطر التعليق والإضافة بحقيقة أن البيع يحتمل جريان الجهالة فإنه إذا باع قفيزا من صبرة جاز وكذا إذا باع أحد شيئين على أن المشتري بالخيار يأخذ أيهما شاء ويرد الآخر جاز فالطلاق أولى لأنه في احتمال الخطر فوق البيع
ألا ترى أنه يحتمل خطر التعليق والإضافة والبيع لا يحتمل ذلك فلما جاز بيع المجهول فالطلاق أولى وسواء كانت الجهالة مقارنة أو طارئة بأن طلق واحدة من نسائه عينا ثم نسي المطلقة حتى لا يحل له وطء واحدة منهن لأن المقارن لما لم يمنع صحة الإضافة فالطارىء ( ( ( فالطارئ ) ) ) لأن لا يرفع الإضافة الصحيحة أولى لأن المنع أسهل من الرفع والله عز وجل أعلم ومنها الإضافة إلى جميع أجزائها أو إلى جزء جامع منها أو شائع وجملة الكلام أنه لا خلاف أنه إذا أضاف الطلاق إلى جزء جامع منها كالرأس والوجه والرقبة والفرج أنه يقع الطلاق لأن هذه الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن يقال فلان يملك كذا وكذا رأسا من الرقيق وكذا وكذا رقبة وقال الله تعالى أو تحرير رقبة والمراد بها الجملة وفي الخبر لعن الله الفروج على السروج والوجه يذكر ويراد به الذات قال الله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه أي إلا هو ومن كفل بوجه فلان يصير كفيلا بنفسه فيثبت أن هذه الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن فكان ذكرها ذكرا للبدن كأنه قال أنت طالق وكذا إذا أضاف إلى وجهها لأن قوام النفس بها ولأن الروح تسمى نفسا قال الله سبحانه تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ولو أضاف الطلاق إلى دبرها لا يقع لأن الدبر لا يعبر به عن جميع البدن بخلاف الفرج ولا خلاف أيضا في أنه إذا أضاف الطلاق إلى جزء شائع منها بأن قال نصفك طالق أو ثلثك طالق أو ربعك طالق أو جزء منك أنه يقع الطلاق لأن الجزء الشائع محل للنكاح حتى تصح إضافة النكاح إليه فيكون محلا للطلاق ولأن الإضافة إلى الجزء الشائع يقتضي ( ( ( تقتضي ) ) ) ثبوت حكم الطلاق فيه وأنه شائع في جملة الأجزاء بعذر الاستمتاع بجميع البدن لما في الاستمتاع به استمتاع بالجزء الحرام فلم يكن في إبقاء النكاح فائدة فيزول ضرورة واختلف فيما إذا أضاف الطلاق إلى الجزء المعين الذي لا يعبر به عن جميع البدن كاليد والرجل والأصبع ونحوها قال أصحابنا لا يقع الطلاق وقال زفر يقع وبه أخذ الشافعي وجه قولهما أن اليد جزء من البدن فيصح إضافة الطلاق إليها كما لو أضاف إلى الجزء الشائع منها والدليل على أن اليد جزء من البدن أن البدن عبارة عن جملة أجزاء مركبة منها اليد فكانت اليد بعض الجملة المركبة والإضافة إلى بعض البدن إضافة إلى الكل كما في الجزء الشائع ولنا قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن أمر الله تعالى بتطليق النساء والنساء جمع المرأة والمرأة اسم لجميع أجزائها والأمر بتطليق الجملة يكون نهيا عن تطليق جزء منها لا يعبر به عن جميع البدن لأنه ترك لتطليق جملة البدن والأمر بالفعل نهى عن تركه والمنهي لا يكون مشروعا فلا يصح شرعا ولأن قوله يدك طالق إضافة الطلاق إلى ما ليس محل الطلاق فلا يصح كما لو أضاف الطلاق إلى خمارها ودلالة الوصف أنه أضاف الطلاق إلى يدها ويدها ليست بمحل للطلاق لوجهين أحدهما أنها ليست بمحل للنكاح حتى لا تصح إضافة النكاح إليها فلا تكون محلا للطلاق لأن الطلاق رفع ما يثبت بالنكاح ألا ترى أنها لما لم تكن محلا للإقالة لأنها فسخ ما ثبت بالبيع كذا هذا
والثاني أن محل الطلاق محل حكم في عرف الفقهاء وحكم الطلاق زوال قيد النكاح وقيد النكاح ثبت في جملة البدن لا في اليد وحدها لأن النكاح أضيف إلى جملة البدن ولا يتصور القيد الثابت في جملة البدن في اليد وحدها فكانت الإضافة إلى اليد وحدها إضافة إلى ما ليس محل الطلاق فلا يصح وكذا يقال في الجزء الشائع لأنه لا يثبت الحكم في البدن بالإضافة إلى الجزء الشائع بل لمعنى آخر وهو عدم الفائدة في بقاء النكاح على ما مر بيانه أو يضاف إليه لأنه من ضرورات الإضافة إلى الجزء الشائع كمن قطع حبلا مملوكا له تعلق به قنديل غيره وههنا لا ضرورة لو تثبت الحرمة في الجزء المعين مقصورا عليه لإمكان الانتفاع بباقي البدن فكان بقاء النكاح مفيدا لكن لا قائل به على ما عرف في الخلافيات وأما قوله اليد جزء من البدن فنقول إن سلم ذلك لكنه جزء معين فلم يكن محلا للطلاق بخلاف الجزء الشائع فإنه غير معين وهذا لأن الجزء إذا كان شائعا فما من جزء يشار إليه إلا ويحتمل أن يكون هو المضاف إليه الطلاق فتعذر الاستمتاع بالبدن فلم يكن في بقاء النكاح فائدة بخلاف المعين على ما مر ومنها قبول العوض من المرأة في أحد نوعي الخلع وفي الطلاق على مال إذا لم يكن هناك قائل آخر سواها أما الخلع فجملة الكلام فيه أن الخلع نوعان خلع بعوض وخلع بغير عوض أما الذي هو بغير عوض فنحو إن قال لامرأته خالعتك ولم يذكر العوض فإن نوى به الطلاق كان طلاقا وإلا فلا لأنه من كنايات الطلاق عندنا ولو نوى ثلاثا كان ثلاثا وإن نوى اثنتين فهي واحدة عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر بمنزلة قوله أنت بائن ونحو ذلك على ما مر وأما الثاني وهو أن يكون مقرونا بالعوض لما ذكرنا بأن قال خالعتك على كذا وذكر عوضا واسم الخلع يقع عليهما إلا أنه عند الإطلاق ينصرف إلى النوع الثاني في عرف اللغة والشرع فيكون حقيقة عرفية وشرعية حتى لو قال لأجنبي اخلع امرأتي فخلعها بغير عوض لم يصلح وكذا لو خالعها على ألف درهم فقبلت ثم قال الزوج لم أتو ( ( ( أنو ) ) ) به الطلاق لا يصدق في القضاء لأن ذكر العوض دليل إرادة الطلاق ظاهرا فلا يصدق في العدول عن الظاهر بخلاف ما إذا قال لها خالعتك ولم يذكر العوض ثم قال ما أردت به الطلاق أنه يصدق إذا لم يكن هناك دلالة حال تدل على إرادة الطلاق من غضب أو ذكر طلاق على ما ذكرنا في الكنايات لأن هذا اللفظ عند عدم ذكر التعويض يستعمل في الطلاق وفي غيره فلا بد من النية لينصرف إلى الطلاق بخلاف ما إذا ذكر العوض لأنه مع ذكر العوض لا يستعمل في العرف والشرع إلا للطلاق ثم الكلام في هذا النوع يقع في مواضع في بيان ماهيته وفي بيان كيفيته وفي بيان شرط صحته وفي بيان شرط وجوب العوض وفي بيان قدر ما يحل للزوج أخذه منها من العوض وما لا يحل وفي بيان حكمه أما الأول فقد اختلف في ماهية الخلع قال أصحابنا هو طلاق وهو مروي عن عمر وعثمان رضي الله عنهما وللشافعي قولان في قول مثل قولنا وفي قول ليس بطلاق بل هو فسخ وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وفائدة الاختلاف أنه إذا خالع امرأته ثم تزوجها تعود إليه بطلاقين عندنا وعنده بثلاث تطليقات حتى لو طلقها بعد ذلك تطليقتين حرمت عليه حرمة غليظة عندنا وعنده لا تحرم إلا بثلاث
احتج الشافعي بظاهر قوله عز وجل الطلاق مرتان إلى قوله فإن طلقها ذكر سبحانه الطلاق مرتين ثم ذكر الخلع بقوله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ثم ذكر الطلاق أيضا بقوله عزو ( ( ( عز ) ) ) جل ( ( ( وجل ) ) ) فإن طلقها فلو جعل الخلع طلاقا لازداد عدد الطلاق على الثلاث وهذا لا يجوز لأن الفرقة في النكاح قد تكون بالطلاق وقد تكون بالفسخ كالفرقة بعدم الكفاءة وخيار العتاقة والردة وأباه ( ( ( وإباء ) ) ) الإسلام ولفظ الخلع دليل الفسخ وفسخ العقد رفعه من الأصل فلا يكون طلاقا كما لو قال طلقتك على ألف درهم فقبلت ولنا أن هذه فرقة بعوض حصلت من جهة الزوج فتكون طلاقا وقوله الفرقة في النكاح قد تكون من طريق الفسخ مسلم لكن ضرورة لا مقصودا إذ النكاح لا يحتمل الفسخ مقصودا عندنا لأن جوازه ثبت مع قيام المنافي للجواز وهو الحرية في الحرة وقيام ملك اليمين في الأمة على ما عرف إلا أن الشرع أسقط اعتبار المنافي وألحقه بالعدم لحاجة الناس وحاجتهم تندفع بالطلاق بعوض وغير عوض وانفساخه ضرورة فلا حاجة إلى الفسخ مقصودا فلا يسقط اعتبار المنافي في حق الفسخ مقصودا والانفساخ فيما ذكرنا من المواضع ما ثبت مقصودا بل ضرورة ولا كلام فيه ولأن لفظ الخلع يدل على الطلاق لا على الفسخ لأنه مأخوذ من الخلع وهو النزع والنزع إخراج الشيء من الشيء في اللغة قال الله عز وجل ونزعنا ما في صدورهم من غل أي أخرجنا وقال سبحانه وتعالى ونزع يده أي أخرجها من جيبه فكان معنى قوله خلعها أي أخرجها عن ملك النكاح وهذا معنى الطلاق البائن وفسخ النكاح رفعه من الأصل وجعله كأن لم يكن رأسا فلا يتحقق فيه معنى الإخراج وإثبات حكم اللفظ على وجه يدل عليه اللفظ لغة أولى ولأن فسخ العقد لا يكون إلا بالعوض الذي وقع عليه العقد كالإقالة في باب البيع والخلع على ما وقع عليه النكاح وعلى غيره جائز فلم يكن فسخا وأما الآية فلا حجة له فيها لأن ذكر الخلع يرجع إلى الطلاقين المذكورين إلا أنه ذكرهما بغير عوض ثم ذكر بعوض ثم ذكر سبحانه وتعالى الثالثة بقوله تعالى فإن طلقها فلم تلزم الزيادة على الثلاث بل يجب حمله على هذا لئلا يلزمنا القول بتغيير المشروع مع ما أنه قد قيل أن معنى قوله تعالى فإن طلقها أي ثلاثا وبين حكم الطلقات الثلاث بقوله سبحانه فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فلا يلزم من جعل الخلع طلاقا شرع الطلقة الرابعة والله عز وجل أعلم
وأما بيان كيفية هذا النوع فنقول له كيفيتان إحداهما أنه طلاق بائن لأنه من كنايات الطلاق وأنها بوائن عندنا ولأنه طلاق بعوض وقد ملك الزوج العوض بقبولها فلا بد وإن تملك هي نفسها تحقيقا للمعاوضة ولا تملك نفسها إلا بالبائن فيكون طلاقا بائنا ولأنها إنما بذلت العوض لتخليص نفسها عن حبالة الزوج ولا تتخلص إلا بالبائن لأن الزوج يراجعها في الطلاق الرجعي فلا تتخلص ويذهب مالها بغير شيء وهذا لا يجوز فكان الواقع بائنا والثانية أنه من جانب الزوج يمين وتعليق الطلاق بشرط وهو قبولها العوض ومن جانبها معاوضة المال وهو تمليك المال بعوض حتى لو ابتدأ الزوج الخلع فقال خالعتك على ألف درهم لا يملك الزوج الرجوع عنه ولا فسخه ولا نهى المرأة عن القبول ولا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبولها ولا بشرط حضور المرأة بل يتوقف على ما وراء المجلس حتى لو كانت غائبة فبلغها فلها القبول لكن في مجلسها لأنه في جانبها معاوضة لما نذكر وله أن يعلقه بشرط ويضيفه إلى وقت نحو أن يقول إذا قدم زيد فقد خالعتك على ألف درهم أو يقول خالعتك على ألف درهم غدا أو رأس شهر كذا والقبول إليها بعد قدوم زيد وبعد مجيء الوقت حتى لو قبلت قبل ذلك لا يصح لأن التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت تطليق عند وجود الشرط والوقت فكان قبولها قبل ذلك هدرا ولو شرط الخيار لنفسه بأن قال خالعتك على ألف درهم على أني بالخيار ثلاثة أيام لم يصح الشرط ويصح الخلع إذا قبلت وإن كان الابتداء من المرأة بأن قالت اختلعت نفسي منك بألف درهم فلها أن ترجع عنه قبل قبول الزوج ويبطل بقيامها عن المجلس وبقيامه أيضا ولا يقف على ما وراء المجلس بأن كان الزوج غائبا حتى لو بلغه وقبل لم يصح ولا يتعلق بشرط ولا ينضاف إلى وقت ولو شرط الخيار لها بأن قال خالعتك على ألف درهم على أنك بالخيار ثلاثة أيام فقبلت جاز الشرط عند أبي حنيفة وثبت لها الخيار حتى أنها إذا اختارت في المدة وقع الطلاق ووجب المال وإن ردت لا يقع الطلاق ولا يلزمها المال وعند أبي يوسف ومحمد شرط الخيار باطل والطلاق واقع والمال لازم وإنما اختلف الجانبان في كيفية هذا النوع لأنه طلاق عندنا ومعلوم أن المرأة لا تملك الطلاق بل هو ملك الزوج لا ملك المرأة فإنما يقع بقول الزوج وهو قوله خالعتك فكان ذلك منه تطليقا إلا أنه علقه بالشرط والطلاق يحتمل التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت لا تحتمل الرجوع والفسخ ولا يتقيد بالمجلس ويقف الغائب عن المجلس ولا يحتمل شرط الخيار بل يبطل الشرط ويصح الطلاق وأما في جانبها فإنه معاوضة المال لأنه تمليك المال بعوض وهذا معنى معاوضة المال فتراعى فيه أحكام معاوضة المال كالبيع ونحوه وما ذكرنا من أحكامها إلا أن أبا يوسف ومحمدا يقولان في مسألة الخيار أن الخيار إنما شرع الفسخ ( ( ( للفسخ ) ) ) والخلع لا يحتمل الفسخ لأنه طلاق عندنا وجواب أبي حنيفة عن هذا أن يحمل الخيار في منع انعقاد العقد في حق الحكم على أصل أصحابنا فلم يكن العقد منعقدا في حق الحكم للحال بل هو موقوف في علمنا إلى وقت سقوط الخيار فحينئذ يعلم على ما عرف في مسائل البيوع والله الموفق وأما ركنه فهو الإيجاب والقبول لأنه عقد على الطلاق بعوض فلا تقع الفرقة ولا يستحق العوض بدون القبول بخلاف النوع الأول فإنه إذا قال خالعتك ولم يذكر الأعواض ( ( ( العوض ) ) ) ونوى الطلاق فإنه يقع الطلاق عليها سواء قبلت أو لم تقبل لأن ذلك طلاق بغير عوض فلا يفتقر إلى القبول وحضرة السلطان ليست بشرط لجواز الخلع عند عامة العلماء فيجوز عند غير السلطان
وروي عن الحسن وابن سيرين أنه لا يجوز إلا عند السلطان والصحيح قول العامة لما روي أن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم جوزوا الخلع بدون السلطان ولأن النكاح جائز عند غير السلطان فكذ ( ( ( فكذا ) ) ) الخلع ثم الخلع ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي في اللغة وهل ينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل وهو الأمر والاستفهام فجملة الكلام فيه أن العقد لا يخلو إما أن يكون بلفظه الخلع وإما أن يكون بلفظه البيع والشراء وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون بصيغة الأمر أو بصيغة الاستفهام فإن كان بلفظة الخلع على صيغة الأمر يتم إذا كان البدل معلوما مذكورا بلا خلاف بأن قال لها اخلعي نفسك مني بألف درهم فتقول خلعت وإن لم يكن البدل مذكورا من جهة الزوج بأن قال لها اخلعي نفسك مني فقالت خلعت بألف درهم لا يتم الخلع حتى يقول الزوج خلعت والفرق أن الأمر بالخلع ببدل متقوم توكيل لها والواحد يتولى الخلع من الجانبين وإن كان هذا النوع معاوضة والواحد لا يتولى عقد المعاوضة من الجانبين كالبيع لأن الامتناع للتنافي في الحقوق المتعلقة ولا تنافي ههنا لأن الحقوق في باب الخلع ترجع إلى الوكيل ولهذا جاز أن يكون الواحد وكيلا من الجانبين في باب النكاح وفي المسألة الأولى لا يمكن جعل الأمر بالخلع توكيلا لجهالة البدل فلم يصح التوكيل فلو تم العقد بالواحد لصار الواحد مستزيدا ومستنقصا وهذا لا يجوز وإن كان بصيغة الاستفهام بأن قال الزوج لها أخلعت نفسك مني بألف درهم فقالت خلعت اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يتم العقد وقال بعضهم لا يتم ما لم يقبل الزوج وبعضهم فصل فقال إن نوى به التحقيق يتم وإن نوى به السوم لا يتم لأن قوله أخلعت نفسك مني يحتمل السوم بل ظاهره السوم لأن معناه أطلب منك أن تخلعي نفسك مني فلا يصرف إلى التحقيق إلا بالنية فإذا نوى يصير بمعنى التوكيل والأمر وإن كان بلفظ البيع والشراء بأن قال الزوج لها اشتري نفسك مني فإن ذكر بدلا معلوما بأن قال بألف درهم ونحو ذلك فقالت اشتريت اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يتم العقد وقال بعضهم لا يتم ولا يقع الطلاق ما لم يقل الزوج بعت والأول أصح لأنه إذا ذكر بدلا معلوما صح الأمر والتوكيل والواحد يصلح وكيلا من الجانبين في الخلع لما بينا وكذا إذا قال لها بالفارسية ( خويشتن ازمن نجر بهزاردرم ( ( ( بهزاردم ) ) ) با ( ( ( يابكابين ) ) ) بكابين ( ( ( وهر ) ) ) وهرنيه ( ( ( نيه ) ) ) وعدت له واجب شودا ازبس ) طلاق فقالت ( خريدم ) فهو على هذا وإن لم يذكر البدل بأن قال لها اشتري نفسك مني فقالت اشتريت لا يتم الخلع ولا يقع الطلاق ما لم يقل الزوج بعت وكذلك إذا قال بالفارسية ( خويشتن ازمن ( ( ( ارمننجر ) ) ) نجر ) فقالت ( خريدم ) ولم يقل الزوج ( فروختم ) لا يتم الخلع ولا تطلق حتى يقول الزوج ( فروختم ) فرق بين هذا وبين ما إذا قال لها بلفظة الخلع إخلعي نفسك مني ونوى الطلاق فقالت خلعت إنها لا تطلق لأن قوله لها اخلعي مع نية الطلاق أمر لها بالطلاق بلفظة الخلع وأنها تملك الطلاق بأمر الزوج وتوكيله فيصح التوكيل والأمر فيتولى الخلع من الجانبين وقوله لها اشتري نفسك ( خويشتن ازمن نجر ) أمر بالخلع بعوض والعوض غير مقدر فلم يصح الأمر وإن كان بلفظ الاستفهام بأن قال لها ابتعت نفسك مني فإن ذكر بدلا معلوما بأن قال بألف درهم أو قال بمهرك ونفقة عدتك فقالت ابتعت اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يتم العقد وقال بعضهم لا يتم ولا يقع الطلاق ما لم يقل الزوج بعت وبه أخذ الفقيه أبو الليث وقال أبو بكر الإسكاف يتم ويقع الطلاق
وقال بعضهم لا يتم إلا إذا أراد به التحقيق دون المساومة على ما ذكرنا في لفظ العربية والفرق بين الاستفهام والأمر على نحو ما بينا أنها بالأمر صارت وكيلة إذ الأمر بالخلع توكيل به إذا كان البدل مقدرا والواحد يصلح وكيلا من الجانبين في الخلع ولم يوجد الامر ههنا فلم يوجد التوكيل فيبقى الشخص الواحد في عقد المعاوضة مستزيدا ومستنقصا وهذا لا يجوز وإن لم يذكر البدل بأن قال لها ابتعت نفسك مني فقالت ابتعت لا يتم ما لم يقل الزوج بعت لأنه لا يتم في الأمر فلأن لا يتم في الاستفهام أولى وسواء كان القبول منها أو من أجنبي بعد أن كان من أهل القبول لأنها لو قبلت بنفسها يلزمها البدل من غير أن تملك بمقابلته شيئا بخلاف ما إذا اشترى لإنسان شيئا على أن البدل عليه أن ذلك لا يجوز لأن هناك الأجنبي ليس في معنى المشتري لأن المشتري يملك بمقابلة البدل شيئا والأجنبي لا فلا يجوز إيجابه على من لا يملك بمقابلته شيئا والحاصل أن الأجنبي إذا قال للزوج اخلع امرأتك على أني ضامن لك ألفا أو قال علي ألف هو على أو قال على ألفي هذه أو عبدي هذا أو على هذه الألف أو على هذا العبد ففعل صح الخلع واستحق المال ولو قال علي ألف درهم ولم يزد عليه وقف على قبول المرأة ولو خلع ابنته وهي صغيرة على مالها ذكر في الجامع الصغير أنه لا يجوز ولم يبين أنه لا يجوز الخلع رأسا أو لا يجب البدل على الصغيرة واختلف مشايخنا منهم من قال معناه أنه لا يجب عليها البدل فأما الطلاق فواقع ومنهم من قال معناه أنه لا يقع الطلاق ولا يجب المال عليها وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء أنه غير واقع في الخلاف ابتداء أنه لا يقع الطلاق عند أصحابنا وقيل في المسألة روايتان والحاصل أنه لا خلاف في أنه لا يجب المال عليها لأن الخلع في جانبها معاوضة المال بما ليس بمال والصغيرة تتضرر بها وتصرف الإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي كالهبة والصدقة ونحو ذلك وإنما الاختلاف في وقوع الطلاق وجه القول الأول أن صحة الخلع لا تقف على وجوب العوض فإن الخلع يصح على ما لا يصح ( ( ( يصلح ) ) ) عوضا كالميتة والدم والخنزير والخمر ونحو ذلك فلم يكن من ضرورة عدم وجوب المال عدم وقوع الطلاق وجه الثاني أن الخلع متى وقع على بدل هو مال يتعلق وقوع الطلاق بقبول يجب به المال وقبول الأب لا يجب به المال لأنه ليس له ولاية للقبول ( ( ( القبول ) ) ) على الصغيرة لكونه ضررا بها فإن خلعها الأب على ألف على أنه ضامن فالخلع واقع والألف عليه لما ذكرنا أن من شرط صحة الخلع في حق وقوع الطلاق ووجوب البدل قبول ما يصلح بدلا ممن هو أهل القبول والمرأة والأب والأجنبي في هذا سواء لما بينا وأما شرط وجوب العوض وهو المسمى في عقد الخلع فله شرطان أحدهما قبول العوض لأن قبول العوض كما هو شرط وقوع الفرقة من جانبه فهو شرط لزوم العوض من جانبها لما ذكرنا سواء كان العوض المذكور في الخلع من مهرها الذي استحقته بعقد النكاح من المسمى ومهر المثل أو ما لا آخر وهو المسمى بالجعل فهذا الشرط يعم العوضين جميعا
والثاني يخص الجعل لأن ما يصلح عوضا في النكاح يصلح عوضا في الخلع من طريق الأولى وليس كل ما يصلح عوضا في الخلع يصلح عوضا في النكاح لأن باب الخلع أوسع إذ هو يتحمل جهالة لا يتحملها النكاح على ما نذكر لذلك اختص وجوب المسمى فيه بشرط لم يشترط في النكاح لوجوب المسمى وهو تسمية مال متقوم موجود وقت الخلع معلوم أو مجهول جهالة قليلة أو كثيرة وإذا لم تكن متفاحشة فإن وجد هذا الشرط وجب الجعل ( ( ( العمل ) ) ) وإلا فلا يجب وهل يجب عليها رد ما استحقته من المسمى أو مهر المثل بعقد النكاح ينظر إن كان المسمى مالا متقوما يجب وإن كان معدوما وقت الخلع أو مجهولا جهالة متفاحشة كجهالة الجنس وما يجري مجراها وإن لم يكن المسمى مالا متقوما فلا شيء عليها أصلا وتقع الفرقة ثم الجعل في الخلع إن كان مما يصح تسميته مهرا في النكاح فحكمه حكم المهر أعني أن المسمى في النكاح إن كان مما يجبر الزوج على تسليم عينه إلى المرأة ففي الخلع تجبر المرأة على تسليم عينه إلى الزوج وإن كان مما يتخير الزوج بين تسليم الوسط منه وبين تسليم قيمته ففي الخلع تتخير المرأة كالعبد والفرس ونحو ذلك لأن المسمى في العقدين جميعا عوض عن ملك النكاح إلا أنه في أحدهما عوض عنه ثبوتا وفي الآخر سقوطا فيعتبر أحد العقدين بالآخر في هذا الحكم والقيمة فيما يوجب الوسط منه أصل لأن كونه وسطا يعرف بها على ما مر في كتاب النكاح وبيان هذه الشرائط في مسائل إذا خلع امرأته على ميتة أو دم أو خمر أو خنزير وقعت الفرقة ولا شيء له على المرأة من الجعل ولا يرد من مهرها شيئا أما وقوع الفرقة فلأن الخلع بعوض معلق بقبول المرأة ما جعل عوضا ذكرا وتسمية سواء كان المسمى مما يصلح عوضا أو لا لأنه من جانب الزوج تعليق الطلاق بشرط القبول وقد قبلت فصار كأنه صرح بتعليق الطلاق بقبولها العوض المذكور فقبلت ولو كان كذلك لوقع الطلاق إذا قبلت كذا هذا وأما عدم وجوب شيء له على المرأة فلأن الخلع طلاق والطلاق قد يكون بعوض وقد يكون بغير عوض والميتة والدم ليست بمال في حق أحد فلا تصلح عوضا والخمر والخنزير لا قيمة لهما في حق المسلمين فلم يصلحا عوضا في حقهم فلم تصح تسمية شيء من ذلك فإذا خلعها عليه فقد رضي بالفرقة بغير عوض فلا يلزمها شيء ولأن الخلع من جانب الزوج إسقاط الملك وإسقاط الملك قد يكون بعوض وقد يكون بغير عوض كالاعتاق فإذا ذكر ما لا يصلح عوضا أصلا أو ما لا يصلح عوضا في حق المسلمين فقد رضي بالإسقاط بغير عوض فلا يستحق عليها شيئا ولأن منافع البضع عند الخروج عن ملك الزوج غير متقومة لأن المنافع في الأصل ليست بأموال متقومة إلا أنها جعلت متقومة عند المقابلة بالمال المتقوم فعند المقابلة بما ليس بمال متقوم يبقى ( ( ( تبقى ) ) ) على الأصل ولأنها إنما أخذت حكم التقوم في باب النكاح عند الدخول في ملك الزوج احتراما لها تعظيما للآدمي لكونها سببا لحصوله فجعلت متقومة شرعا صيانة لها عن الابتذال والحاجة إلى الصيانة عند الدخول في الملك لا عند الخروج عن الملك لأن بالخروج يزول الابتذال فلا حاجة إلى التقوم فبقيت على الأصل وجعل الفرق بما ذكرنا بين الخلع على هذه الأشياء وبين النكاح عليها لأن هناك يجب مهر المثل لأن النكاح لم يشرع إلا بعوض لما ذكرنا في مسائل النكاح والمذكور لا يصلح عوضا فالتحق ذلك بالعدم ووجب العوض الأصلي وهو مهر المثل فأما الخلع فالعوض فيه غير لازم بل هو مشروع بعوض وبغير عوض فلم يكن من ضرورة صحته لزوم العوض
وكذا النكاح تمليك البضع بعوض والخلع إسقاط الملك بعوض وبغير عوض وكذا منافع البضع عند الدخول أعطى لها حكم التقوم شرعا لكونها وسيلة إلى حصول الآدمي المكرم والخلع إبطال معنى التوسل فلا يظهر معنى التقوم فيه ولو خلعها على شيء أشارت إليه مجهول فقالت على ما في بطون غنمي أو نعمي من ولد أو على ما في ضروعها من لبن أو على ما في بطن جاريتي من ولد أو على ما في نخلي أو شجري من ثمر فإن كان هناك شيء فهو له عندنا وقال الشافعي لا شيء له وجه قوله أن الجنين في البطن واللبن في الضرع لا يصلح عوضا في الخلع لأنه غير مقدور التسليم ولهذا لم يصلح ( ( ( يصح ) ) ) عوضا في النكاح وكذا في الخلع والدليل عليه أنه لا يجوز بيعه والأصل عنده أن كل ما لا يجوز بيعه لا يصلح عوضا في الخلع ولنا الفرق بين الخلع وبين النكاح وهو أن باب الخلع أوسع من باب النكاح ألا ترى لو خلعها على عبد له آبق صحت التسمية ولو زوجها عليه لم تصح التسمية فتصح إضافته إلى ما هو مال متقوم موجود كما تصح إضافته إلى العبد الآبق بل أولى لأن ذاك له خطر الوجود والعدم وهذا موجود وبهذا تبين أن القدرة على تسليم البدل ليست بشرط في الخلع فإنه حائز ( ( ( جائز ) ) ) على العبد الآبق والقدرة على تسليمه غير ثابتة بخلاف البيع فإن القدرة على تسليم المبيع شرط وإن لم يكن هناك شيء ردت عليه ما استحقت بعقد النكاح لأنها لما سمت مالا متقوما فقد غرته بتسمية الحال ( ( ( المال ) ) ) المتقوم فصارت ملتزمة تسليم مال متقوم ضامنة له ذلك والزوج لم يرضى ( ( ( يرض ) ) ) بزوال ملكه إلا بعوض هو مال متقوم وقد تعذر عليه الوصول إليه لعدمه ولا سبيل إلى الرجوع إلى القيمة المذكورة لجهالتها ولا إلى قيمة البضع لما أنه لا قيمة للبضع عند الخروج عن الملك لما ذكرنا فوجب الرجوع إلى ما قوم البضع على الزوج عند الدخول وهو ما استحقته المرأة من المسمى أو مهر المثل وكذلك إذا قالت على ما في بيتي من متاع أنه إن كان هناك متاع فهو له وإن لم يكن يرجع عليها بالمهر لأنها غرته بتسمية مال متقوم فيلزمها ضمان الغرور وهو رد المهر المستحق لما قلنا ولو قالت على ما في بطن غنمي أو ضروعها أو على ما في نخلي أو شجري ولم تزد على ذلك فإن كان هناك شيء أخذه لأن التسمية وقعت على مال متقوم موجود لكنه مجهول لكن الجهالة ليست بمتفاحشة فلا تمنع استحقاق الشيء ولو لم يكن هناك شيء فلا شيء له لانعدام تسمية مال متقوم لأنها ذكرت ما في بطنها وقد يكون في بطنها مال متقوم وقد لا يكون فلم نصر ( ( ( تصر ) ) ) بذكره غارة لزوجها بل الزوج هو الذي غر نفسه والرجوع بحكم الغرور ولا غرور منها فلا يرجع عليها بشيء وإن قالت اختلعت منك على ما تلد غنمي أو تحلب أو بثمر نخلي أو شجري أو على ما أرثه العام أو أكسبه أو ما أستغل من عقاري فقبل الزوج وقعت الفرقة وعليها أن ترد ما استحقت من المهر وإن ولدت الغنم وأثمر النخل والشجر أما وقوع الفرقة فلما ذكرنا أن ذلك يقف على قبول ما يصلح عوضا صحت تسميته عوضا وأما وجوب رد المستحق فلأنه لا سبيل إلى استحقاق المسمى لكونه معدوما وقت الخلع ويجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد واستحقاق المعدوم الذي له خطر الوجود والعدم في عقد المعاوضة لم يرد الشرع به وورد بتحمل الجهالة إذا لم يختلف المعقود في قدر ما يتحمل لاختلافهما في احتمال السعة والضيق ولا سبيل إلى إهدار التسمية رأسا لأنها سمت مالا متقوما فلزم الرجوع إلى المهر المستحق بعقد النكاح
ولو قالت اخلعني على ما في يدي من دراهم أو دنانير أو فلوس فإن كان في يدها شيء من ذلك فهو له قل أو كثر لأنها سمت مالا متقوما والمسمى موجود فصحت التسمية وإن كان المسمى مجهول القيمة وله ما في يدها من الجنس المذكور قل أو كثر لأنه ذكر باسم الجمع فيتناول الثلاث فصاعدا وإن لم يكن في يدها شيء أو كان أقل من ثلاثة فعليها من كل صنف سمته ثلاثة وزنا في الدراهم والدنانير وعددا في الفلوس لوجود تسمية المال المتقوم لأن الدراهم والدنانير والفلوس أموال متقومة والمذكور بلفظ الجمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة فينصرف إليها ويتعين المسمى كما في الوصية بالدراهم بخلاف النكاح والعتق فإنه إذا تزوج امرأة على ما في يده من الدراهم وليس في يده من الدراهم شيء يجب عليه مهر المثل ولو أعتق عبده على ما في يده من الدراهم وليس في يده شيء يجب عليه قيمة نفسه لأن منافع البضع ليست بمتقومة عند الخروج عن الملك فلا يشترط كون المسمى معلوما واعتبر المسمى مع جهالته في نفسه وحمل على المتيقن بخلاف النكاح لأن منافع البضع عند الدخول في الملك متقومة وكذا العبد متقوم في نفسه فلا ضرورة إلى اعتبار المسمى المجهول ولو قالت على ما في يدي ولم تزد عليه فإن كان في يدها شيء فهو له لأن التسمية وقعت على مال متقوم موجود فصحت واستحق عليها ما في يدها قل أو كثر لأن كلمة ما عامة فيما لا يعلم وإن لم يكن في يدها شيء فلا شيء لأنه إذا لم يكن في يدها شيء فلم توجد تسمية مال متقوم لأنها سمت ما في يدها وقد يكون في يدها شيء متقوم وقد لا يكون فلم يوجد شرط وجوب شيء فلا يلزمها شيء ولو اختلعت الأمة من زوجها على جعل بغير أمر مولاها وقع الطلاق ولا شيء عليها من الجعل حتى تعتق أما وقوع الطلاق فلأنه يقف على قبول ما جعل عوضا وقد وجد وأما وجوب الجعل بعد العتق فلأنها سمت مالا متقوما موجودا وهو معلوم أيضا وهي من أهل التسمية فصحت التسمية إلا أنه تعذر الوجوب للحال لحق المولى فيتأخر إلى ما بعد العتق وإن كان بإذن المولى لزمها الجعل وتباع فيه لأنه دين ظهر في حق المولى فتباع فيه كسائر الديون وكذلك المكاتبة إذا اختلعت من زوجها على جعل يجوز الخلع ويقع الطلاق ويتأخر الجعل إلى ما بعد العتاق وإن أذن المولى لأن رقبتها لا تحتمل البيع فلا تحتمل تعلق الدين بها ولو خلع امرأته على رضاع ابنه منها سنتين جاز الخلع وعليها أن ترضعه سنتين فإن مات ابنها قبل أن ترضعه شيئا يرجع عليها بقيمة الرضاع للمدة وإن مات في بعض المدة رجع عليها بقيمة ما بقي لأن الرضاع مما يصح الاستئجار عليه قال الله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن فيصح أن يجعل جعلا في الخلع وهلاك الولد قبل الرضاع كهلاك عوض اختلعت عليه فهلك في يدها قبل التسليم فيرجع إلى قيمته ولو شرط عليها نفقة الولد بعد الحولين وضرب لذلك أجلا أربع سنين أو ثلاث سنين فذلك باطل وإن هلك الولد قبل تمام الرضاع فلا شيء عليها لأن النفقة ليس لها مقدار معلوم فكانت الجهالة متفاحشة فلا يلزمها شيء ولكن الطلاق واقع لما ذكرنا
ولو اختلعت في مرضها فهو من الثلث لأنها متبرعة في قبول البدل فيعتبر من الثلث فإن ماتت في العدة فلها الأقل من ذلك ومن ميراثه منها ولو خالعها على حكمه أو حكمها أو حكم أجنبي فعليها المهر الذي استحقته بعد النكاح لأن الخلع على الحكم خلع بتسمية فاسدة لتفاحش الجهالة والخطر أيضا فلم تصح التسمية فلا تستحق المسمى فيرجع عليها بالمهر لأن الخلع على الحكم خلع على ما يقع به الحكم ولا يقع إلا بمال متقوم عادة فكان الخلع على الحكم خلعا على مال متقوم فقد غرته بتسمية مال متقوم إلا أنه لا سبيل إلى استحقاق ما يقع به الحكم لكونه مجهولا جهالة متفاحشة كجهالة الجنس فترجع إلى ما استحقته من المهر ثم ينظر إن كان الحكم إلى الزوج فإن حكم بمقدار المهر تجبر المرأة على تسليم ذلك لأنه حكم بالقدر المستحق وكذلك إن حكم بأقل من مقدار المهر لأنه حط بعضه فهو تملك حط بعضه لأنه تملك حط الكل فالبعض أولى وإن حكم بأكثر من المهر لم تلزمها الزيادة لأنه حكم لنفسه بأكثر من القدر المستحق فلا يصح إلا برضاها وإن كان الحكم إليها فإن حكمت بقدر المهر جاز ذلك لأنها حكمت بالقدر المستحق وكذلك إن حكمت بأكثر من قدر المهر لأنها حكمت لنفسها بالزيادة وهي تملك بذل الزيادة وإن حكمت بأقل من المهر لم يجز إلا برضا الزوج لأنها حطت بعض ما عليها وهي لا تملك حط ما عليها وإن كان الحكم إلى الأجنبي فإن حكم بقدر المهر جاز وإن حكم بزيادة أو نقصان لم تجز الزيادة إلا برضا المرأة والنقصان إلا برضا الزوج لأن في الزيادة إبطال حق المرأة وفي النقصان إبطال حق الزوج فلا يجوز من غير رضا صاحب الحق ولو اختلفا في جنس ما وقع عليه الطلاق أو نوعه أو قدره فالقول قول المرأة وعلى الزوج البينة لأن قبول البدل إلى المرأة والزوج يدعي عليها شيئا وهي تنكر فكان القول قولها ولو قال لها طلقتك أمس على ألف درهم أو بألف درهم فلم تقبلي فقالت لا بل كنت قبلت فالقول قول الزوج فرق بين هذا وبين ما إذا قال لإنسان بعتك هذا العبد أمس بألف درهم فلم تقبل فقال لا بل قبلت إن القول قول المشتري ووجه الفرق أن الزوج في مسألة الطلاق لم يصر مناقضا في قوله فلم تقبلي لأن قول الرجل لامرأته طلقتك أمس على ألف يسمى طلاقا على ألف قبلته المرأة أو لم تقبل فلم يكن الزوج في قوله فلم تقبلي مناقضا بخلاف البيع لأن الإيجاب بدون القبول لا يسمى بيعا فكان الإقرار بالإيجاب إقرارا بالقبول فصار البائع مناقضا في قوله فلم تقبل ولأن المرأة في باب الطلاق تدعي وقوع الطلاق لأنها تدعي وجود شرط الوقوع والزوج ينكر الوقوع لإنكاره شرط الوقوع فكان القول قول المنكر والله الموفق وأما بيان قدر ما يحل للزوج من أخذ العوض وما لا يحل فجملة الكلام فيه إن النشوز لا يخلو إن كان من قبل الزوج وأما إن كان من قبل المرأة فإن كان من قبل الزوج فلا يحل له أخذ شيء من العوض على المخلع لقوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا نهى عن أخذ شيء مما أتاها من المهر وأكد النهي بقوله أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا
وقوله ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن أي لا تضيقوا عليهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي إلا أن ينشزن نهى الأزواج عن أخذ شيء مما أعطوهن واستثنى حال نشوزهن وحكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه فيقتضي حرمة أخذ شيء مما أعطوهن عند عدم النشوز منهن وهذا في حكم الديانة فإن أخذ جاز ذلك في الحكم ولزم حتى لا يملك استرداده لأن الزوج أسقط ملكه عنها بعوض رضيت به والزوج من أهل الإسقاط والمرأة من أهل المعاوضة والرضا فيجوز في الحكم والقضاء وإن كان النشوز من قبلها فلا بأس بأن يأخذ منها شيئا قدر المهر قوله ( ( ( لقوله ) ) ) تعالى إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي إلا أن ينشزن والاستثناء من النهي إباحة من حيث الظاهر وقوله فلا جناح عليهما فيما افتدت به قيل أي لا جناح على الزوج في الأخذ وعلى المرأة في الإعطاء وأما الزيادة على قدر المهر ففيها روايتان ذكر في كتاب الطلاق أنها مكروهة وهكذا روي عن علي رضي الله عنه أنه كره للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وهو قول الحسن البصري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاوس وذكر في الجامع الصغير أنها غير مكروهة وهو قول عثمان البتي وبه أخذ الشافعي وجه هذه الرواية ظاهر قوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به رفع الجناح عنهما في الأخذ والعطاء من الفداء من غير فصل بين ما إذا كان مهر المثل أو زيادة عليه فيجب العمل بإطلاق النص ولأنها أعطت مال نفسها بطيبة من نفسها وقد قال الله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا بخلاف ما إذا كان النشوز من قبله لأن النشوز إذا كان من قبل الزوج كانت هي مجبورة في دفع المال لأن الظاهر أنها مع رغبتها في الزوج لا تعطي إلا إذا كانت مضطرة من جهته بأسباب أو مغترة بأنواع التغرير والتزوير فكره الأخذ وجه رواية الأصل قوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله إلى قوله فلا جناح عليهما فيما افتدت به نهى عن أخذ شيء مما أعطاها من المهر واستثنى القدر الذي أعطاها من المهر عند خوفهما ترك إقامة حدود الله على ما نذكر والنهي عن أخذ شيء من المهر نهى عن أخذ الزيادة على المهر من طريق الأولى كالنهي عن التأفيف أنه يكون نهيا عن الضرب الذي هو فوقه بالطريق الأولى وروي أن رسول الله لما قال لامرأة ثابت بن قيس بن شماس أتردين عليه حديقته فقالت نعم وزيادة قال أما الزيادة فلا نهى عن الزيادة مع كون النشوز من قبلها وبه تبين أن المراد من قوله فيما افتدت قدر المهر لا الزيادة عليه وإن كان ظاهره عاما عرفنا ببيان النبي الذي هو وحي غير متلو والدليل عليه أيضا قوله تعالى في صدر الآية ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ذكر في أول الآية ما آتاها فكان المذكور في آخرها وهو قوله فيما افتدت به مردودا إلى أولها فكان المراد من قوله فيما افتدت أي بما آتاها ونحن به نقول أنه يحل له قدر ما آتاها وأما قوله أنها أعطته مال نفسها بطيبة من نفسها فنعم لكن ذاك دليل الجواز وبه نقول أن الزيادة جائزة في الحكم والقضاء ولأن الخلع من جانبها معاوضة حالة عن الطلاق وإسقاط ما عليها من الملك ودفع المال عوضا عما ليس بمال جائز في الحكم إذا كان ذلك مما يرغب فيه
ألا ترى أنه جاز العتق على قليل المال وكثيره وأخذ المال بدلا عن إسقاط الملك والرق وكذلك الصلح عن دم العمد وكذلك النكاح لما جاز على أكثر من مهر مثلها وهو بدل البضع فكذا جاز إن تضمنه المرأة بأكثر من مهر مثلها لأنه بدل من سلامة البضع في الحالين جميعا إلا أنه نهى عن الزيادة على قدر المهر لا لمعنى في نفس العقد بل لمعنى ( ( ( المعنى ) ) ) في غيره وهو شبهة الربا والإضرار بها ولا يوجد ذلك في قدر المهر فحل له أخذ قدر المهر والله أعلم فصل وأما حكم الخلع فنقول وبالله التوفيق يتعلق بالخلع أحكام بعضها يعم كل طلاق بائن وبعضها يخص الخلع أما الذي يعم كل طلاق بائن فنذكره في بيان حكم الطلاق إن شاء الله تعالى وأما الذي يخص الخلع فالخلع لا يخلو إما إن كان بغير بدل وإما إن كان ببدل فإن كان بغير بدل بأن قال خالعتك ونوى الطلاق فحكمه أنه يقع الطلاق ولا يسقط شيء من المهر وإن كان ببدل فإن كان البدل هو المهر بأن خلعها على المهر فحكمه أن المهر إن كان غير مقبوض أنه يسقط المهر عن الزوج وتسقط عنه النفقة الماضية وإن كان مقبوضا فعليها أن ترده على الزوج وإن كان البدل مالا آخر سوى المهر فحكمه حكم سقوط كل حكم وجب بالنكاح قبل الخلع من المهر والنفقة الماضية ووجوب البدل حتى لو خلعها على عبد أو على مائة درهم ولم يذكر شيئا آخر فله ذلك ثم إن كان لم يعطها المهر برىء ولم يكن لها عليه شيء سواء كان لم يدخل بها أو كان قد دخل بها وإن كان قد أعطاها المهر لم يرجع عليها بشيء سواء كان بعد الدخول بها أو قبل الدخول بها وكذلك إذا بارأها على عبد أو على مائة درهم فهو مثل الخلع في جميع ما وصفنا وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف في المبارأة مثل قول أبي حنيفة وقال في الخلع أنه لا يسقط به إلا ما سميا وقال محمد لا يسقط في الخلع والمبارأة جميعا إلا ما سميا حتى أنه لو طلقها على مائة درهم ومهرها ألف درهم فإن كان المهر غير مقبوض فإنها لا ترجع عليه بشيء سواء كان الزوج لم يدخل بها أو كان قد دخل بها في قول أبي حنيفة وله عليها مائة درهم وعندهما إن كان قبل الدخول بها فلها أن ترجع عليه بنصف المهر وذلك خمسمائة وله عليها مائة درهم فيصير قدر المائة قصاصا فيرجع عليه بأربعمائة وإن كان بعد الدخول فلها أن ترجع عليه بكل المهر إلا قدر المائة فترجع عليه بتسعمائة وإن كان المهر مقبوضا فله عليها المائة لا غير وليس له أن يرجع عليها بشيء من المهر سواء كان قبل الدخول بها أو بعده في قول أبي حنيفة وعندهما إن كان قبل الدخول يرجع إلى الزوج عليها بنصف المهر وإن كان بعده لا يرجع عليها بشيء وهكذا الجواب في المبارأة عند محمد والحاصل أن ههنا ثلاث مسائل الخلع والمبارأة والطلاق على مال ولا خلاف بينهم في الطلاق على مال أنه لا يبرأ به من سائر الحقوق التي وجبت لها بسبب النكاح ولا خلاف أيضا في سائر الديون التي وجبت لا بسبب النكاح وإنها لا تسقط بهذه التصرفات وإنما الخلاف بينهم في الخلع والمبارأة واتفق جواب أبي حنيفة وأبي يوسف في المبارأة واختلف جوابهما في الخلع واتفق جواب أبي يوسف ومحمد في الخلع واختلف في المبارأة فأبو يوسف مع أبي حنيفة في المبارأة ومع محمد في الخلع وجه قول محمد أن الخلع طلاق بعوض فأشبه الطلاق على مال والجامع بينهما أن حق الإنسان لا يسقط من غير إسقاطه ولم يوجد في الموضعين إلا إسقاط ما سميا فلا يسقط ما لم تجز به التسمية ولهذا لم يسقط به سائر الديون التي لم تجب بسبب النكاح وكذا لا تسقط نفقة العدة إلا بالتسمية وإن كانت من أحكام النكاح كذا هذا
وجه قول أبي يوسف وهو الفرق بين الخلع والمبارأة أن المبارأة صريح في إيجاب البراءة لأنها إثبات البراءة نصا فيقتضي ثبوت البراءة مطلقا فيظهر في جميع الحقوق الثابتة بينهما بسبب النكاح فأما الخلع فليس نصا في إيجاب البراءة لأنه ليس في لفظه ما ينبىء عن البراءة وإنما تثبت البراءة مقتضاة والثابت بطريق الاقتضاء لا يكون ثابتا من جميع الوجوه فثبتت البراءة بقدر ما وقعت التسمية لا غير ولأبي حنيفة أن الخلع في معنى المبارأة لأن المبارأة مفاعلة من البراءة والإبراء إسقاط فكان إسقاطا من كل واحد من الزوجين الحقوق المتعلقة بالعقد المتنازع فيه كالمتخاصمين في الديون إذا اصطلحا على مال سقط بالصلح جميع ما تنازعا كذا بالمبارأة والخلع مأخوذ من الخلع وهو النزع والنزع إخراج الشيء من الشيء فمعنى قولنا خلعها أي أخرجها من النكاح وذلك بإخراجها من سائر الأحكام بالنكاح وذلك إنما يكون بسقوط الأحكام الثابتة بالنكاح وهو معنى البراءة فكان الخلع في معنى البراءة والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ وقد خرج الجواب عما ذكره أبو يوسف وأما قول محمد أنه لم يوجد منها إسقاط غير المسمى فنقول إن لم يوجد نصا فقد وجد دلالة لما ذكرنا أن لفظ الخلع دليل عليه ولأن قصدهما من الخلع قطع المنازعة وإزالة الخلف بينهما والمنازعة والخلف إنما وقعا في حقوق النكاح ولا تندفع المنازعة والخلف إلا بإسقاط حقوقه فكان ذلك تسمية منها لسائر الحقوق المتعلقة بالنكاح دلالة بخلاف سائر الديون لأنه لا تعلق لها بالنكاح ولم تقع المنازعة فيها ولا في سببها فلا ينصرف الإسقاط إليها بخلاف الطلاق على مال لأنه لا يدل على إسقاط الحقوق الواجبة بالنكاح لا نصا ولا دلالة وأما نفقة العدة فلأنها لم تكن واجبة قبل الخلع فلا يتصور إسقاطها بالخلع بخلاف النفقة الماضية لأنها كانت واجبة قبل الخلع بفرض القاضي أو بالتراضي فكان الخلع إسقاطا بعد الوجوب فصح ولو خلعها على نفقة العدة صح ولا تجب النفقة ولو أبرأت الزوج عن النفقة في حال قيام النكاح لا يصح الإبراء وتجب النفقة لأن النفقة في النكاح تجب شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان يوما فيوما فكان الإبراء عنها إبراء قبل الوجوب فلم يصح فأما نفقة العدة فإنما تجب عند الخلع فكان الخلع على النفقة مانعا من وجوبها ولا يصح الخلع على السكنى والإبراء عنه لأن السكنى تجب حقا لله تعالى قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فلا يملك العبد إسقاطه والله تعالى أعلم فصل وأما الطلاق على مال فهو في أحكامه كالخلع لأن كل واحد طلاق بعوض فيعتبر في أحدهما ما يعتبر في الآخر إلا أنهما يختلفان من وجه وهو أن العوض إذا أبطل في الخلع بأن وقع الخلع على ما ليس بمال متقوم يبقى الطلاق بائنا وفي الطلاق على مال إذا أبطل العوض بأن سميا ما ليس بمال متقوم فالطلاق يكون رجعيا لأن الخلع كناية والكنايات مبينات عندنا فأما الطلاق على مال فصريح وإنما تثبت البينونة بتسمية العوض إذا صحت التسمية فإذا لم تصح التحقت بالعدم فبقي صريح الطلاق فيكون رجعيا ولو قال لها أنت طالق بألف درهم فقبلت طلقت وعليها ألف لأن حرف الباء حرف الصاق فيقتضي إلصاق البدل بالمبدل وكذلك لو قال أنت طالق على ألف درهم لأن على كلمة شرط يقال زرتك على أن تزورني أي بشرط أن تزورني وكذا قال لامرأته أنت طالق على أن تدخلين ( ( ( تدخلي ) ) ) الدار كان دخول الدار شرطا كما لو قال إن دخلت الدار وهي كلمة إلزام أيضا فكان هذا إيقاع الطلاق بشرط أن تعطيه الألف عقيب وقوع الطلاق ويلزمها الألف فيقع الطلاق بقبولها وتجب عليها الألف ولو قال أنت طالق وعليك ألف درهم طلقت المرأة الرجعية ولا شيء عليها من الألف سواء قبلت أو لم تقبل في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد إذا قبلت طلقت بائنة وعليها الألف
وعلى هذا الخلاف إذا قالت المرأة لزوجها طلقني ولك ألف درهم فطلقها أنه يقع طلقة رجعية ولا يلزمها البدل في قول أبي حنيفة وعندهما يقع الطلاق وعليها الألف وعلى هذا الخلاف إذا قال لعبده أنت حر وعليك ألف درهم أنه يعتق سواء قبل أو لم يقبل في قول أبي حنيفة وعندهما إذا قبل يعتق وعليه الألف وجه قولهما أن هذه الواو واو حال فيقتضي أن وجوب الألف حال وقوع الطلاق والعتاق ولأن هذه اللفظة تستعمل في الأبدال فإن من قال لآخر احمل هذا الشيء إلى مكان كذا ولك درهم فحمل يستحق الأجرة كما لو قال له احمل بدرهم ولأبي حنيفة أن كل واحدة من الكلامين كلام تام بنفسه أعني قوله أنت طالق وقوله وعليك ألف درهم لأن كل واحد منهما مبتدأ وخبر فلا يجعل الثاني متصلا بالأول إلا لضرورة والضرورة فيما كان الغالب فيه أن يكون بعوض كما في قوله إحمل هذا إلى بيتي ولك ألف ولا ضرورة في الطلاق والعتاق لأن الغالب وجودهما بغير عوض فلا يجعل الثاني متصلا بالأول من غير ضرورة وأما قولهما الواو واو حال فممنوع بل واو عطف في الإخبار معناه أخبرك أنك طالق وأخبرك أن عليك ألف درهم ولو قالت المرأة لزوجها طلقني ثلاثا على ألف درهم فطلقها ثلاثا يقع عليها ثلاث تطليقات بألف وهذا مما لا إشكال فيه ولو طلقها واحدة وقعت واحدة رجعية بغير شيء في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يقع واحدة بائنة بثلث الألف ولو قالت طلقني ثلاثا بألف درهم فطلقها ثلاثا يقع ثلاثة بألف درهم لا شك فيه ولو طلقها واحدة وقعت واحدة بائنة بثلث الألف في قولهم جميعا وجه قولهما أن كلمة على في المعاملات وحرف الباء سواء يقال بعت عنك بألف وبعت منك على ألف ويفهم من كل واحدة منهما كون الألف بدلا وكذا قول الرجل لغيره أحمل هذا الشيء إلى بيتي على درهم وقوله بدرهم سواء حتى يستحق البدل فيهما جميعا والأصل أن أجزاء البدل تنقسم على أجزاء المبدل إذا كان متعددا في نفسه فتنقسم الألف على الثلاث فيقع واحدة بثلث الألف كما لو ذكرت بحرف الباء فكانت بائنة لأنها طلاق بعوض ولأبي حنيفة أن كلمة على كلمة شرط فكان وجود الطلقات الثلاث شرطا لوجوب الألف فكانت الطلقة الواحدة بعض الشرط والحكم لا يثبت بوجود بعض الشرط فلما لم يطلقها ثلاثا لا يستحق شيئا من الألف بخلاف حرف الباء فإنه حرف مبادلة فيقتضي انقسام البدل على المبدل فتنقسم الألف على التطليقات الثلاث فكان بمقابلة كل واحدة ثلث الألف ولا يشكل هذا القدر بما إذا قال لها طلقي نفسك ثلاثا بألف فطلقت نفسها واحدة أنه لا يقع شيء لأن الزوج لم يرض بالبينونة إلا بكل الألف فلا يجوز وقوع البينونة ببعضها فإذا أمرته بالطلاق فقالت طلقني ثلاثا بألف درهم فقد سألت الزوج أن يبينها بألف وقد أبانها بأقل من ذلك فقد زادها خيرا والإشكال أنها سألته الإبانة الغليظة بألف ولم يأت بها بل أتى بالخفيفة ولعل لها غرضا في الغليظة والجواب أن غرضها في استيفاء مالها مع حصول البينونة التي وضع لها الطلاق أشد وأما قولهما أن كلمة على تستعمل في الأبدال فنعم لكن مجازا لا حقيقة ولا تترك الحقيقة إلا لضرورة وفي البيع ونحوه ضرورة ولا ضرورة في الطلاق على ما بينا على أن اعتبار الشرط يمنع الوجوب لما بينا واعتبار البدل يوجب فيقع الشك في الوجوب فلا يجب مع الشك ولو قالت امرأتان له طلقنا بألف درهم أو على درهم فطلقهما يقع الطلاق ثلاثا عليهما بالألف وهذا لا يشكل ولو طلق إحداهما وقع الطلاق عليها بحصتها من الألف بالإجماع والفرق لأبي حنيفة بين هذه المسألة وبين مسألة الخلاف أنه لا غرض لكل واحدة من المرأتين في طلاق الأخرى فلم يعتبر معنى الشرط وللمرأة غرض في اجتماع تطليقاتها لأن ذلك أقوى للتحريم لثبوت البينونة الغليظة بها فاعتبر معنى الشرط
ولو قالت طلقني واحدة بألف فقال أنت طالق ثلاثا وقع الثلاث مجانا بغير شيء في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يقع ثلاث تطليقات كل واحدة منها بألف وهذه فريعة أصل ذكرناه فيما تقدم وهو أن من أصل أبي حنيفة أن الثلاث لا تصلح جوابا للواحدة فإذا قال ثلاثا فقد عدل عما سألته فصار مبتدئا بالطلاق فتقع الثلاث بغير شيء ومن أصلهما أن في الثلاث ما يصلح جوابا للواحدة لأن الواحدة توجد في الثلاث فقد أتى بما سألته وزيادة فيلزمها الألف كأنه قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة ولو قالت طلقني واحدة بألف فقال أنت طالق ثلاثا بألف وقف على قبولها عند أبي حنيفة إن قبلت جاز وإلا بطل لأنه عدل عما سألته فصار مبتدئا طلاقا بعوض فيقف على قبولها وعند أبي يوسف ومحمد يقع الثلاث واحدة منها بألف كما سألت واثنتان بغير شيء وحكى الجصاص عن الكرخي أنه قال رجع أبو يوسف في هذه المسألة إلى قول أبي حنيفة وذكر أبو يوسف في الأمالي أن الثلاث يقع واحدة منها بثلث الألف والاثنتان تقفان على قبول المرأة قال القدوري وهذا صحيح على أصلهما لأنها جعلت في مقابلة الواحدة ألفا فإذا أوقعها بثلث الألف فقد زادها خيرا وابتدأ تطليقتين بثلثي الألف فوقف ذلك على قبولها والله أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى نفس الركن فمنها أن لا يلحقه استثناء أصلا ورأسا سواء كان وضعيا أو عرفيا عند عامة العلماء وعند مالك الاستثناء العرفي لا يمنع وقوع الطلاق وسنذكر المسألة إن شاء الله تعالى والكلام في هذا الشرط يقع في مواضع في بيان أنواع الاستثناء وفي بيان ماهية كل نوع وفي بيان شرائط صحته أما الأول فالاستثناء في الأصل نوعان استثناء وضعي واستثناء عرفي أما الوضعي فهو أن يكون بلفظ موضوع للاستثناء وهو كلمة إلا وما يجري مجراها نحو سوى وغير وأشباه ذلك وأما العرفي فهو تعليق بمشيئة الله تعالى وأنه ليس باستثناء في الوضع لانعدام كلمة الاستثناء بل الموجود كلمة الشرط إلا أنهم تعارفوا إطلاق اسم الاستثناء على هذا النوع قال الله تعالى إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون أي لا يقولون إن شاء الله تعالى وبينه وبين الأول مناسبة في معنى ظاهر لفظ الاستثناء وهو المنع والصرف دون الحقيقة فأطلق اسم الاستثناء عليه وبعض مشايخنا قال الاستثناء نوعان استثناء تحصيل واستثناء تعطيل فسمى الأول استثناء تحصيل لأنه تكلم بالحاصل بعد الثنيا والثاني تعطيلا لما أنه يتعطل الكلام به وأما الكلام في بيان ماهية كل نوع أما النوع الأول فهو تكلم بالباقي بعد الثنيا وهذه العبارة هي المختارة دون قولهم استخراج بعض الجملة الملفوظة لأن القدر المستثنى إما أن يدخل بعد نص المستثنى منه وإماأن لا يدخل فإن لم يدخل لا يتصور الإخراج وإن دخل يتناقض الكلام لأن نص المستثنى منه يثبت ونص الاستثناء ينفي ويستحيل أن يكون الحكم الواحد في زمان مثبتا ومنفيا ولهذا فهم من قوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ما ذكرنا حتى يصير في التقدير كأنه قال فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لا معنى الإخراج لئلا يؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى وأما النوع الثاني فهو تعليق بالشرط إلا أن الشرط إذا كان مما يتوقف عليه ويعلم وجوده ينزل المعلق عند وجوده وإن كان مما لا يعلم لا ينزل وهذا النوع من التعليق من هذا القبيل لما نذكره إن شاء الله تعالى وأما شرط صحته فلصحة الاستثناء شرائط بعضها يعم النوعين وبعضها يخص أحدهما أما الذي يعمهما جميعا فهو أن يكون الاستثناء موصولا بما قبله من الكلام عند عدم الضرورة حتى لو حصل الفصل بينهما بسكوت أو غير ذلك من غير ضرورة لا يصح وهذا قول عامة الصحابة رضي الله عنهم وعامة العلماء إلا شيئا روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن هذا ليس بشرط ويصح متصلا ومنفصلا
واحتج بما روي عن رسول الله أنه قال لأغزون قريشا ثم قال بعد سنة إن شاء الله تعالى ولو لم يصح لما قال ولأن الاستثناء في معنى التخصيص لأن كل واحد منهما بيان ثم التخصيص يصح مقارنا ومتراخيا فكذا الاستثناء يجب أن يكون متصلا ومنفصلا ولنا أن الأصل في كل كلام تام بنفسه فإن كان مبتدأ وخبرا أن لا يقف حكمه على غيره والوقف عند الوصل لضرورة وهي ضرورة استدراك الغلط والضرورة تندفع بالموصول فلا يقف عند عدم الوصل ولهذا لم يقف على الشرط المنقطع فكذا على الاستثناء المنقطع ولأنه عند عدم الوصول ليس باستثناء لغة لأن العرب لم تتكلم به ومن تكلم به لا يعدونه استثناء بل يسخرون منه وبهذا تبين أن الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما لا تكاد تصح لأنه كان إماما في اللغة كما كان إماما في الشريعة وأما التخصيص المتراخي فعند بعض مشايخنا ليس ببيان بل هو فسخ فلا يلزم وعند بعضهم بيان لكن إلحاق البيان بالمجمل والعام الذي يمكن العمل بظاهره متراخيا مشهور عندهم وأنه كثير النظير في كتاب الله عز وجل وأما الحديث ففيه أنه قال بعد تلك المقابلة ( ( ( المقالة ) ) ) بسنة إن شاء الله تعالى وليس فيه أنه قصد به تصحيح الاستثناء فيحمل أنه أراد به استدراك الاستثناء المأمور به في الكتاب الكتاب العزيز قال عز وجل ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله أي إلا أن تقول إن شاء الله فنسي ذلك فتذكره بعد سنة فأمر باستدراكه بقوله سبحانه وتعالى واذكر ربك إذا نسيت ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام أضمر في نفسه أمرا وأراد في قلبه وعزم عليه فأظهر الاستثناء بلسانه فقال إن شاء الله ومثل هذا معتاد فيما بين الناس فلا يصح الاحتجاج به مع الاحتمال هذا الذي ذكرنا إذا كان الفصل من غير ضرورة فأما إذا كان لضرورة التنفس فلا يمنع الصحة ولا يعد ذلك فصلا إلا أن يكون سكتة هكذا روي هشام عن أبي يوسف لأن هذا النوع من الفصل مما لا يمكن التحرز عنه فلا يعتبر فصلا ويعطى له حكم الوصل للضرورة وأما كون الاستثناء مسموعا فهل هو شرط ذكر الكرخي أنه ليس بشرط حتى لو حرك لسانه وأتى بحروف الاستثناء يصح وإن لم يكن مسموعا وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أنه شرط ولا يصح الاستثناء بدونه وجه ما ذكره الكرخي أن الكلام هو الحروف المنظومة وقد وجدت فأما السماع فليس بشرط لكونه كلاما فإن الأصم يصح استثناؤه وإن كان لا يسمع والصحيح ما ذكره الفقيه أبو جعفر لأن الحروف المنظومة وإن كانت كلاما عند الكرخي وعندنا هي دلالة على الكلام وعبارة عنه لا نفس الكلام في الغائب والشاهد جميعا فلم توجد الحروف المنظومة ههنا لأن الحروف لا تتحقق بدون الصوت فالحروف المنظومة لا تتحقق بدون الأصوات المتقطعة بتقطيع خاص فإذا لم يوجد الصوت لم توجد الحروف فلم يوجد الكلام عنده ولا دلالة الكلام عندنا فلم يكن استثناء والله الموفق وأما الذي يخص أحد النوعين وهو الاستثناء الوضعي فهو أن يكون المستثنى بعض المستثنى منه لا كله لما ذكرنا أن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا ولا يكون تكلما بالباقي إلا أن يكون المستثنى بعض المستثنى منه لا كله ولأن الاستثناء يجري مجرى التخصيص والتخصيص يرد على بعض أفراد العموم لا على الكل لأن ذلك يكون نسخا لا تخصيصا وكذا الاستثناء نسخ الحكم ونسخ الحكم يكون بعد ثبوته والطلاق بعد وقوعه لا يحتمل النسخ فبطل الاستثناء
ومن مشايخنا من قال إن استثناء الكل من الكل إنما يصح لأنه رجوع والطلاق مما لا يحتمل الرجوع عنه وكذا العتاق وكذا الإعتاق وكذا الإقرار وهذا غير سديد لأنه لو كان كذلك لصح فيما يحتمل الرجوع وهو الوصية ومع هذا لا يصح حتى لو قال أوصيت لفلان بثلث مالي إلا ثلث مالي لم يصح الاستثناء وتصح الوصية فدل أن عدم الصحة ليس لمكان الرجوع بل لما قلنا إنه ليس باستثناء ويصح استثناء البعض من الكل سواء كان المستثنى أقل من المستثنى منه أو أكثر عند عامة العلماء وعامة أهل اللغة وروي عن أبي يوسف أنه لا يصح استثناء الأكثر من الأقل وهو قول الفراء وجه قولهما إن الاستثناء من باب اللغة وأهل اللغة لم يتكلموا باستثناء الأكثر من الأقل ولأن الاستثناء وضع في الأصل لاستدراك الغلط والغلط يجري في الأقل لا في الأكثر ولنا أن أهل اللغة قالوا الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا من غير فصل بين الأقل والأكثر إلا أنه قل استعمالهم الاستثناء في مثله لقلة حاجتهم إليه لقلة وقوع الغلط فيه وهذا لا يكون منهم إخراجا للفظ من أن يكون استثناء حقيقة كمن أكل لحم الخنزير لا يمتنع أحد من أهل اللسان من إطلاق القول بأن ( ( ( بأنه ) ) ) أكل لحم الخنزير وإن كان يقل استعمال هذه اللفظة لكن قلة استعمالها لقلة وجود الأكل لا لانعدام معنى اللفظ حقيقة كذا هذا وعلى هذا تخرج مسائل هذا النوع إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة يقع ثنتان لأن هذا استثناء صحيح لكونه تكلما بالباقي بعد الثنيا والباقي بعد استثناء الواحدة من الثلاث ثنتان إلا أن للثنتين اسمين أحدهما ثنتان والآخر ثلاث إلا واحدة ولو قال إلا اثنتين يقع واحدة لأن استثناء الأكثر من الأقل استثناء صحيح أيضا لما ذكرنا ولو قال إلا ثلاثا وقع الثلاث لأن الاستثناء لم يصح لأنه استثناء الكل من الكل ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة وواحدة وقع الثلاث وبطل الاستثناء في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف جاز استثناء الأولى والثانية وبطل استثناء الثالثة وتلزمه واحدة وجه قوله إن استثناء الأولى والثانية استثناء البعض من الكل فصح إلا أنه لو سكت عليه لجاز فأما استثناء الثالثة فاستثناء الكل من الكل فلم يصح فالتحق بالعدم فيقع واحدة ولأبي حنيفة ومحمد أن أول الكلام في الاستثناء يقف على آخره فكان استثناء الكل من الكل فلا يصح كما لو قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا ولأنه لما قال إلا واحدة وواحدة وواحدة فقد جمع بين الكل بحرف الجمع فصار كأنه قال إلا ثلاثا ولو قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ثلاثا يقع الثلاث ويبطل الاستثناء في قولهم جميعا لأن الاستثناء إذا كان موصولا يقف أول الكلام على آخره فكان الاستثناء راجعا إلى الكل فبطل ولأنه ذكر جملتين وجمع بين كل جملة بحرف الجمع فكان استثناء الجملة من الجملة فلا يصح وإذا قال أنت طالق اثنتين واثنتين ( ( ( اثنتين ) ) ) إلا اثنتين يقع ثنتان في قول أبي يوسف ومحمد وقال زفر يقع ثلاث كذا ذكر القدوري ولم يذكر قول أبي حنيفة وجه قول زفر أن الأصل في الاستثناء أنه ينصرف إلى ما يليه لأنه أقرب إليه وهو متصل به أيضا ولا ينصرف إلى غيره إلا بدليل ومتى انصرف إلى ما يليه كان استثناء الكل من الكل فلا يصح ولهما أن الاستثناء يصحح ما أمكن ولو جعلناه مما يليه لبطل ولو صرف إلى الجملتين يصح لأنه يصير مستثنيا من كل اثنتين واحدة فبقي من كل جملة واحدة وروى هشام بن عبد الله الرازي عن محمد فيمن قال أنت طالق اثنتين واثنتين إلا ثلاثا أنه يقع ثلاث لأنه لا يمكن تصحيح الاستثناء ههنا لأن أول الكلام في كل واحدة من الجملتين وقف على آخره فصار كأنه قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا لأنه لا يمكن أن يجعل الاستثناء في الجملتين على السواء
لأنه يصير مستثنيا من كل جملة تطليقة ونصفا وهذا استثناء جميع الجملة لأن استثناء واحدة ونصف استثناء ثنتين لأن ذكر البعض فيما لا يتبعض ذكر لكله فكان استثناء الكل من الكل ولا يمكن أن يجعل من إحدى الجملتين لأنه يكون استثناء الكل من الكل وزيادة ولا يمكن أن يصرف اثنتان من الثلاث أو جملة واحدة إلى جملة أخرى لأن هذا خلاف تصرفه وإنشاء تصرف آخر لم يوجد منه فتعذر تصحيح هذا الاستثناء من جميع الوجوه فبطل والإشكال على القسم الأول أن ذكر البعض فيما لا يتبعض لا يكون ذكرا للكل في الاستثناء بل هو ملحق بالعدم بدليل أنه لو قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ونصفا يقع عليها ثنتان ولو كان ذكر بعض الطلاق ذكرا لكله في الاستثناء لوقع عليها واحدة لأنه يصير كأنه قال أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين وكان الفقه في ذلك أن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا فينظر إلى الباقي والباقي ههنا تطليقة ونصف ونصف تطليقة تطليقة كاملة فيقع ثنتان كأنه قال أنت طالق اثنتين وإذا لم يصر ذكر البعض ذكرا للكل في الاستثناء يصير ( ( ( يصر ) ) ) مستثنيا من كل جملة تطليقة واحدة وتلغو واحدة من الاستثناء وهذا أولى من إلغاء الكل فيجب أن يقع ثنتان كما في المسألة الأولى عندهما وفي هذه المسألة إشكال على ما روى هشام عن محمد وروى هشام أيضا عن محمد فيمن قال أنت طالق اثنتين وأربعا إلا خمسا أنها تطلق ثلاثا لأنه لا يمكن تصحيح الاستثناء بالصرف إلى الجملتين على الشيوع ولا بالصرف إلى واحدة منهما ولا يصرف البعض عينا إلى جملة والبعض إلى جملة أخرى لما قلنا والإشكال على القسم الأول على ما بينا وقال بشر عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته أنت طالق واحدة واثنتين إلا اثنتين أنه ثلاث وهو قول محمد والوجه فيه ما ذكرنا والإشكال على نحو ما بينا هذا إذا كان لفظ الاستثناء من جنس المستثنى منه فإن كان شيئا خلاف جنسه يصح الاستثناء ولا تطلق وإن أتى على جميع المسمى نحو إن يقول نسائي طوالق إلا هؤلاء وليس له نساء غيرهن فإنه يصح الاستثناء ولا تطلق واحدة منهن لأن الاستثناء يعتبر فيه اللفظ والإشارة مع التسمية مختلفان لفظا فصح الاستثناء بخلاف قوله نسائي طوالق إلا نسائي ولأن عند اختلاف اللفظين يكون معناه نسائي غير هؤلاء طوالق وهذا إضافة الطلاق إلى غير هؤلاء وقيل هذا إذا كان الأربع ما دون هؤلاء فإذا كن أربعا لا يصح الاستثناء ويطلقن كلهن لأنه لا يتصور استثناء غيرهن فصار كما لو قال نسائي طوالق ولا نساء له وهناك لا يصح الاستثناء ويطلقن كلهن فيصير التقدير كأنه قال نسائي إلا نسائي طوالق ولو قال ذلك طلقن كذا هذا وكذا هذا في العتاق إذا قال عبيدي كلهم أحرار إلا عبيدي لم يصح الاستثناء وعتقوا جميعا ولو قال عبيدي أحرار إلا هؤلاء وليس له عبيد غير هؤلاء لم يعتق واحد منهم وكذلك هذا في الوصية إذا قال أوصيت بثلث مالي لفلان أو أوصيت لفلان بثلث مالي إلا ألف درهم ومات وثلث ماله ألف درهم صح الاستثناء وبطلت الوصية ولو قال أوصيت بثلث مالي إلا ثلث مالي لم يصح الاستثناء وكان للموصي له ثلث ماله ولو قال أنت طالق عشرا إلا تسعا يقع واحدة والأصل أنه إذا تكلم بالطلاق بأكثر من الثلاث ثم استثنى منه فالاستثناء يرجع إلى جملة الكلام لا إلى القدر الذي يصح وقوعه وهو الثلاث خاصة فيتبع اللفظ لا الحكم فلا يثبت الحكم في القدر المستثنى ويثبت فيما بقي قدر ما يصح ثبوته لأنه تكلم بالباقي بعد الثنيا فإذا قال أنت طالق عشرا إلا تسعا يقع واحدة