Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V04/P080–V04/P081

وجه قول زفر أنه أوقع العتق في وقت موصوف بكونه متقدما على هذه الحوادث بشهر فإذا وجدت بعد شهر متصلة به علم أن الشهر من أوله فإن موصوفا بالتقدم عليها لا محالة فتبين أن العتق كان واقعا في أول الشهر كما إذا قال أنت حر قبل رمضان بشهر ولا فرق سوى أن هناك يحكم بالعتق من أول هلال شعبان ولا يتوقف على مجيء شهر رمضان وههنا لا يحكم بالعتق من أول الشهر لأن ثمة رمضان يتصل بشعبان لا محالة وههنا وجود هذه الحوادث يحتمل أن يتصل بهذا الشهر ويحتمل أن لا يتصل لجواز أنها لا توجد أصلا فأما في ثبوت العتق في المسألتين من ابتداء الشهر فلا يختلفان ولهذا قال أبو حنيفة ثبوت العتق بطريق الظهور في الموت وجه قولهما أن هذا في الحقيقة تعليق العتق بهذه الحوادث لأنه أوقع العتق في شهر متصف بالتقدم على هذه الحوادث ولا يتصف بالتقدم عليها إلا باتصالها به ولا تتصل به إلا بعد وجودها فكان ثبوت العتق على هذا التدريج متعلقا بوجود هذه الحوادث فيقتصر على حال وجودها ولهذا قال أبو حنيفة هكذا في الدخول والقدوم كذا في الموت بخلاف شعبان لأن إتصاف شعبان بكونه متقدما على رمضان لا يقف على مجيء رمضان ووجه الفرق لأبي حنيفة بين الدخول والقدوم وبين الموت أن في مسألة القدوم والدخول بعد ما مضى شهر من وقت التكلم يبقى الشهر الذي أضيف إليه العتق هو موهوم الوجود قد يوجد وقد لا يوجد لأن قدوم فلان موهوم الوجود قد يوجد وقد لا يوجد فإن وجد يوجد هذا الشهر وإلا فلا لما ذكرنا أن هذا الشهر لا وجود له بدون الإنصاف ( ( ( الاتصاف ) ) ) ولا اتصاف بدون الاتصال ولا اتصال بدون القدوم إذ الاتصال إنما يتصور بين موجودين لا بين موجود ومعدوم فصار العتق وإن كان مضافا إلى الشهر متعلقا بوجود القدوم فكان هذا تعليقا ضرورة فيقتصر الحكم المتعلق به على حال وجود الشرط كما في سائر التعليقات فأما في مسألة الموت فبعد ما مضى شهر من زمن الكلام لم يبق ذات الشهر الذي أضيف إليه العتق موهوم الوجود بل هو كائن لا محالة لأن الموت كائن لا محالة فصار هذا الشهر متحقق الوجود بلا شك بخلاف الشهر المتقدم على الدخول والقدوم غير أنه مجهول الذات فلا يحكم بالعتق قبل وجود الموت وإذا وجد فقد وجد المعرف للشهر بخلاف الشهر المتقدم على شهر رمضان فإنه معلوم الذات لأنه كما وجد شعبان علم أنه موصوف بالتقدم على رمضان وههنا بخلافه وبخلاف القدوم والدخول فإن بعد مضي شهر من وقت الكلام بقي ذات الشهر الذي أضيف إليه العتق موهوم الوجود فلم يكن القدوم معرفا للشهر بل كان محصلا للشهر الموصوف بهذه الصفة بحيث لولا وجوده لما وجد هذا الشهر ألبتة فكان الموت مظهرا معينا للشهر فيظهر من الأصل من حين وجوده ثم اختلف مشايخنا في كيفية الظهور على مذهب أبي حنيفة قال بعضهم هو ظهور محض فتبين أن العتق كان واقعا من أول الشهر من غير اعتبار حالة الموت وهو أن يعتبر الوقوع أولا ثم يسري إلى أول الشهر لأن الأصل اعتبار التصرف على الوجه الذي أثبته المتصرف والمتصرف أضاف العتق إلى أول الشهر المتقدم على الموت فيقع في أول الشهر لا في آخره فكان وقت وقوع الطلاق أول الشهر فيظهر أن العتق وقع من ذلك الوقت كما إذا قال إن كان فلان في الدار فعبده حر فمضت مدة ثم علم أنه كان في الدار يوم التكلم يقع العتق من وقت التكلم لا من وقت الظهور

Section V04/P081

وهؤلاء قالوا لو كان مكان العتاق طلاق ثلاث فالعدة تعتبر من أول الشهر في قول أبي حنيفة حتى لو حاضت في الشهر حيضتين ثم مات فلان كانت الحيضتان محسوبتين من العدة ولو كان قال أنت طالق قبل موت فلان بشهرين أو ثلاثة أشهر ثم مات فلان لتمام المدة أو كانت المرأة رأت ثلاثة حيض في المدة تبين عند موته أن الطلاق كان واقعا وأن العدة قد انقضت كما لو قال إن كان زيد في الدار فامرأتي طالق ثم علم بعدما حاضت المرأة ثلاثة حيض أنه كان في الدار يوم التكلم به تبين أنها قد طلقت من ذلك الوقت وأنها منقضية العدة كذا هذا وكذلك لو قال إن كان حمل فلانة غلاما فأنت طالق فولدت غلاما يقع الطلاق على طريق التبيين كذا هذا والذي يؤيد ما قلنا أن رجلا لو قال آخر امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة ثم أخرى ثم ماتت طلقت الثانية على وجه التبيين المحض عند أبي حنيفة وإن كان لا يحكم بطلاقها ما لم يمت كذا ههنا وقالوا لو خالعها في وسط الشهر ثم مات فلان لتمام الشهر فالخلع باطل ويؤمر الزوج برد بدل الخلع سواء كانت عند الموت معتدة أو منقضية العدة أو كانت ممن لا عدة عليها بأن كانت غير مدخول بها وهؤلاء طعنوا فيما ذكر محمد في الكتاب لتخريج قول أبي حنيفة أنه إن مات فلان وهي في العدة بحكم ( ( ( يحكم ) ) ) يبطلان ( ( ( ببطلان ) ) ) الخلع ويؤمر الزوج برد بدل الخلع وإن كانت غير معتدة وقت موت فلان بإن كان بعد الخلع قبل موت فلان أسقطت سقطا أو كانت غير مدخول بها لا يبطل الخلع ولا يؤمر الزوج برد بدل الخلع وقالوا هذا التخريج لا يستقيم على قول على قول أبي حنيفة لأن هذا ظهور محض فتبين عند وجود الجزء الأخير أن هذا الشهر من ابتداء وجوده موصوف بالتقدم فتبين أن المطلقات ( ( ( الطلقات ) ) ) الثلاث كانت واقعة من ذلك الوقت سواء كانت معتدة أو غير معتدة كما لو قال إن كان فلان في الدار فامرأته طالق ثم خالعها ثم تبين أنه كان يوم الحلف في الدار أنه يتبين أن الخلع كان باطلا على الإطلاق سواء كانت معتدة أو لم تكن كذا ههنا والفقه أن وقت الموت إذا لم يكن وقت وقوع الطلاق لا يعتبر فيه قيام الملك والعدة وعامة مشايخنا قالوا إن العتق أو الطلاق يقع وقت الموت ثم يستند إلى أول الشهر إلا أنه يظهر أنه كان واقعا من أول الشهر ووجهه مما لا يمكن الوصول إليه إلا بمقدمة وهي أن ما كان الدليل على وجوده قائما يجعل موجودا في حق الأحكام لأن إقامة الدليل مقام المدلول أصل في الشرع والعقل ألا ترى أن الخطاب يدور مع دليل القدرة وسببها دون حقيقة القدرة ومع دليل العلم وسببه دون حقيقة العلم حتى لا يعذر الجاهل بالله عز وجل لقيام الآيات الدالة على وجود الصانع ولا بالشرائع عند إمكان الوصول إلى معرفتها بدليلها ثم الدليل وإن خفي بحيث يتعذر الوصول إليه يكتفي به إذا كان ممكن الحصول في الجملة إذ الدلائل تتفاوت في نفسها في الجلاء والخفاء والمستدلون أيضا يتفاوتون في الغباوة والذكاء فالشرع أسقط اعتبار هذا التفاوت فكانت العبرة لأصل الإمكان في هذا الباب وأما ما كان الدليل في حقه منعدما فهو في حق الأحكام ملحق بالعدم

Section V04/P081–V04/P082

وإذا عرف هذا فنقول الشهر الذي يموت فلان في آخره فإن اتصف بالتقدم من وقت وجوده لكن كان دليل اتصافه منعدما أصلا فلم يكن لهذا الاتصاف عدة ويبقى ملك النكاح إلى آخر جزء من أجزاء الشهر فيعلم كونه متقدما على موته ومن ضرورة اتصاف هذا الجزء بالتقدم إنصاف ( ( ( اتصاف ) ) ) جميع الأجزاء المتقدمة عليه إلى تمام الشهر ولا يظهر أن دليل الاتصاف كان موجودا في أول الشهر إذ الدليل هو آخر جزء من أجزاء الشهر ووجود الجزء الأخير من الشهر مقارنا لأول الشهر محال فلم يكن دليل اتصاف الشهر بكونه متقدما موجودا فلم يعتبر هذا الاتصاف فبقي ملك النكاح إلى وقت وجود الجزء الأخير فيحكم في هذا الجزء بكونها طالقا ومن ضرورة كونها طالقا في هذا الجزء ثبوت الانطلاق من الأصل لأنها تكون طالقا بذلك الطلاق المضاف إلى أول الشهر الموصوف بالتقدم على الموت فلأجل هذه الضرورة حكم بالطلاق من أول الشهر لكن بعدما كان النكاح إلى هذا الوقت قائما لعدم دليل الاتصاف بالتقدم على ما بينا ثم لما حكم بكونها طالقا للحال وثبت الانطلاق فيما مضى من أول الشهر ضرورة جعل كأن الطلاق يقع للحال ثم بعد وقوعه يسري إلى أول الشهر هكذا يوجب ضرورة ما بينا من الدليل وإذا جعل هكذا يخرج عليه المسائل أما العدة فإنها تجب في آخر جزء من أجزاء حياة فلان الميت لأنها مما يحتاط في إيجابها فوجبت للحال وجعل كأن الطلاق وقع للحال وأما الخلع فإن كانت العدة باقية وقت الموت لم يصح وإن كانت منقضية العدة صح لأنها إذا كانت باقية كان النكاح باقيا من وجه ويحكم ببقائه إلى هذه الحالة لضرورة عدم الدليل ثم يحكم للحال بكونها طالقا بذلك الطلاق المضاف وسرى واستند إلى أول الشهر علم أنه خالعها وهي بائنة عنه فلم يصح الخلع ويؤمر الزوج برد بدل الخلع وإذا كانت منقضية العدة وقت الموت فالنكاح الذي كان يبقى إلى آخر جزء من أجزاء حياته لضرورة عدم الدليل لا يبقى لارتفاعه بالخلع فبقي النكاح إلى وقت الخلع ولم يظهر أنه كان مرتفعا عند الخلع فحكم بصحة الخلع ولا يؤمر الزوج برد بدل الخلع بخلاف ما إذا قال إن كان زيد في الدار لأن دليل الوقوف على كون زيد في الدار موجود حالة التكلم فانعقد الطلاق تنجيزا لو كان هو في الدار لأن التعليق بالموجود تحقق وبخلاف ما إذا قال إن كان حمل فلانة غلاما لأن الولد في البطن يمكن الوقوف في الجملة على صفة الذكورة والأنوثة فإنه ما من ساعة إلا ويجوز أن يسقط الحمل فانعقد الطلاق تنجيزا ثم علمنا بعد ذلك وبخلاف ما إذا قال آخر امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة ثم أخرى ثم مات أنه يقع الطلاق على الثانية من طريق التبيين لأن هناك لما تزوج الثانية اتصفت بكونها آخر الوجود حد ( ( ( حدا ) ) ) الآخر ( ( ( لآخر ) ) ) وهو الفرد اللاحق وهي فرد وهي لاحقة ألا ترى أنه يقول امرأتي الأولى وامرأتي الأخيرة إلا أنه لا يحكم بوقوع الطلاق للحال لاحتمال أنه يتزوج بثالثة فتسلب صفة الآخرية عن الثانية فإذا مات قبل أن يتزوج بثالثة تقررت صفة الآخرية للثانية من الأصل فحكم بوقوع الطلاق من ذلك الوقت وههنا دليل اتصاف الشهر بالتقدم منعدم في أول الشهر وما لا دليل عليه يلحق بالعدم وهو هذا بخلاف ما إذا قال لامرأته إن لم أتزوج عليك فأنت طالق ولم يتزوج حتى مات أنه يقع الطلاق على امرأته مقتصرا على الحال لأن هناك علق الطلاق صريحا بعدم التزوج والعدم يستوعب العمر

Section V04/P082–V04/P083

ألا ترى أنه لو تزوج في العمر مرة لا يوصف بعدم التزوج لأن الوجود قد تحقق والعدم يقابل الوجود فلا يتحقق مع الوجود فيتم ثبوته عند الموت والمعلق بشرط ينزل عند تحقق الشرط بتمامه فوقع مقتصرا على حال وجود الشرط وأما هذا فليس بتعليق الطلاق بشرط بل وهو إضافة الطلاق إلى وقت موصوف بصفة فيتحقق الطلاق عند تحقق الصفة بدليله على التقدير الذي ذكرنا والله عز وجل الموفق ولو قال لامرأته أنت طالق قبل موتي بشهر أو قبل موتك بشهر فمات لتمام الشهر أو ماتت لا يقع الطلاق عندهما وعند أبي حنيفة يقع فهما فرقا بين الطلاق والعتاق فقالا العتاق يقع والطلاق لا يقع لأن عندهما هذا تصرف تعليق الطلاق والعتاق بالشرط والمعلق بالشرط ينزل بعد وجود الشرط والزوج بعد الموت ليس من أهل إيقاع الطلاق ولا المرأة بعد موتها محل لوقوع الطلاق عليها بخلاف العتق لأنه يقع بعد الموت كما في التدبير والله عز وجل أعلم ولو قال لعبده أنت حر قبل موت فلان وفلان بشهر أو قبل قدوم فلان وفلان بشهر فإن مات أحدهما أو قدم قبل مضي شهر لا يعتق أبدا لأنه أضاف العتق إلى شهر موصوف بالتقدم على موتيهما أو قدومهما ولم يوجد ولا يتصور وجوده بعد ذلك لأنه لو تم الشهر بعد موت أحدهما أو قدوم أحدهما كان موصوفا بالتقدم على موت أحدهما أو قدوم أحدهما وهو ما أضاف العتق إلى هذا الشهر بل إلى شهر موصوف بالتقدم على موتيهما أو قدومهما جميعا وهذا غير ذاك وإن مضى شهر ثم مات أحدهما عتق العبد وإن لم يمت الآخر يعد بخلاف ما إذا قال أنت حر قبل قدوم فلان وفلان بشهر ثم قدم أحدهما لتمام الشهر أنه لا يعتق ما لم يقدم الآخر ووجه الفرق على ما بينا فيما تقدم وهو أنه إذا مات أحدهما تحقق كون الشهر سابقا على موتهما وإذا قدم أحدهما لم يتحقق كون الأول سابقا على قدومهما وإنما يتحقق عند وجود قدومهما جميعا فكان القياس أن لا يعتق ما لم يموتا جميعا في لحظة واحدة بعد مضي شهر فكذا في القدوم وهو قول علي الرازي لأن العتق أضيف إلى شهر موصوف بالتقدم على موتهما أو قدومهما متصل بهما لأنه أضاف العتق إلى شهر متقدم على موتهما أو قدومها ( ( ( قدومهما ) ) ) ومن ضرورة ذلك وجود موتهما أو قدومهما جميعا وعند ثبوت التراخي فيما بين الموتين أو القدومين يكون العتق واقعا قبل موت أحدهما أو قدوم أحدهما بشهر وقبل موت الآخر أو قدوم الآخر بشهر وأنه خلاف ما أضاف فلا يقع بخلاف ما إذا قال أنت حر قبل يوم الفطر والأضحى بشهر حيث يعتق كما أهل هلال رمضان لأن وجود وقت متصف بالتقدم عليهما بشهر مستحيل والعاقل لا يقصد بكلامه المستحيل فعلم أنه أراد به إضافة العتق إلى وقت موصوف بالتقدم على أحد اليومين بشهر وعلى الآخر بمدة غير مقدرة وفيما نحن فيه لا استحالة فيراعى عين ما أضاف إليه وجوب الاستحالة عن هذا أن الأصل في أحكام الشرع أن المستحيل عادة يلحق بالمستحيل حقيقة وقدوم شخص في جزء لا يتجزأ من الزمان بحيث لا يتقدم أحدهما على صاحبه مستحيل عادة وكذا موت شخصين على هذا الوجه والجواب في المستحيل حقيقة وهو مسألة الفطر والأضحى هكذا فكذا في المستحيل عادة وكذا لو قال أنت حر قبل قدوم فلان وموت فلان بشهر فإن مات أحدهما أو قدم أحدهما قبل مضي الشهر لا يعتق أبدا لما قلنا وإن مات أحدهما لتمام الشهر لا يعتق حتى يقدم الآخر وإن قدم أحدهما بعد مضي الشهر عتق ولا ينتظر موت الآخر إلا أنه لا يستدل لما ذكرنا أن الموت كائن لا محالة والقدوم موهوم الوجود

Section V04/P083–V04/P084

ولو قال أنت حر الساعة إن كان في علم الله عز وجل أن فلانا يقدم إلى شهر فهذا وقوله قبل قدوم فلان بشهر سواء لأنه لا يراد بهذا علم الله تعالى الأزلي القائم بذاته عز وجل وإنما يراد به ظهور هذا القدوم المعلوم لنا وقد يظهر لنا وقد لا يظهر فكان شرطا فيقتصر العتق على حالة ( ( ( حال ) ) ) وجود الشرط كما في سائر التعليقات بشروطها والله عز وجل أعلم ولو قال أنت حر بعد موتي بشهر فكاتبه في نصف الشهر ثم مات لتمام الشهر فإن كان استوفى بدل الكتابة ثم مات لتمام الشهر كان العتق حاصلا بجهة الكتابة وإن كان لم يستوف بعد بدل الكتابة عتق بالإعتاق السابق وسقط اعتبار الكتابة عند أبي حنيفة وهذا يدل على أن العتق يثبت بطريق الاستناد عنده وقال أبو القاسم الصفار أنه تبطل الكتابة من الأصل سواء كان استوفى بدل الكتابة أو لم يستوف وهو قياس قول من يقول بثبوت العتق من طريق الظهور المحض لأنه تبين أن العتق يثبت من أول الشهر فيتبين أن الكتابة لم تصح وقد ذكرنا تصحيح ما ذكر في الكتاب وهو العتق بطريق الاستناد فيما تقدم فلا نعيده وعندهما إن استوفى بدل الكتابة فالأمر ماض لأن العتق عندهما يثبت مقتصرا على حال الموت وهو حر في هذه الحالة لوصوله إلى الحرية بسبب الكتابة عند أداء البدل وإن كان لم يستوف بعد بدل الكتابة فإن كان العبد يخرج من الثلث عتق من جميع المال وإن لم يكن له مال غيره عتق ثلثه بالتدبير لأنه مدبر مقيد لأن عتقه علق بموت موصوف بصفة قد يوجد على تلك الصفة وقد لا يوجد ويسعى في الأقل من ثلثي قيمته ومن جميع بدل الكتابة عند أبي يوسف وعند محمد يسعى في الأقل من ثلثي بدل الكتابة ومن ثلثي قيمته وأصل المسألة أن من دبر عبده ثم كاتبه ثم مات المولى ولا مال له غيره يعتق ثلثه مجانا بالتدبير ثم يسعى في الأقل من ثلثي قيمته ومن جميع بدل الكتابة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد في الأقل من ثلثي قيمته ومن ثلثي بدل الكتابة فهذا على ذاك إلا أن عند أبي حنيفة يخير بين أن يسعى في هذا وبين أن يسعى في ذاك وعندهما يسعى في الأقل منها بدون التخيير ثم عند أبي حنيفة في مسألة الكتابة يعتبر صحة المالك ومرضه في أول الشهر هكذا ذكر في النوادر لأنه يصير معتقا من ذلك الوقت وقيل هذا هو الحيلة لمن أراد أن يدبر عبده ويعتق من جميع المال وإن كان لا يخرج من الثلث بأن يقول أنت حر قبل موتي بشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر أو ما شاء من المدة ليعتق من ذلك الوقت وهو فيه صحيح فيعتق من جميع المال وعندهما كيف ما كان يعتبر عتقه من الثلث لأنه يصير عندهما معتقا بعد الموت والله عز وجل المستعان وأما الإضافة إلى وقتين فالأصل فيه أن المضاف إلى وقتين ينزل عند أولهما والمعلق بشرطين ينزل عند آخرهما والمضاف إلى أحد الوقتين غير عين فينزل عند أحدهما والمعلق بأحد شرطين غير عين ينزل عند أولهما ولو جمع بين فعل ووقت يعتبر فيه الفعل وينزل عند وجوده في ظاهر الرواية وروى عن أبي يوسف أنه ينزل عند أولهما أيهما كان وبيان هذه الجملة إذا قال لعبده أنت حر اليوم وغدا يعتق في اليوم لأنه جعل الوقتين جميعا ظرفا للعتق فلو توقف وقوعه على أحدهما لكان الظرف واحدا لوقتين لا كلاهما وأنه إيقاع تصرف العاقل لا على الوجه الذي أوقعه ولو قال أنت حر اليوم غدا أعتق في اليوم لأنه أضاف الإعتاق إلى اليوم ثم وصف اليوم بأنه غد وأنه محال ويبطل وصفه وبقيت الإضافة إلى اليوم

Section V04/P084–V04/P085

ولو قال أنت حر غدا اليوم يعتق في الغد لأنه أضاف العتق إلى الغد ووصف الغد باليوم وهو محال فلم يصح وصفه وبقيت إضافته للمعتق ( ( ( العتق ) ) ) إلى الغد فيعتق في الغد ولو قال أنت حر إن قدم فلان وفلان فما لم يقدما جميعا لا يعتق لأنه علق عتقه بشرطين فلا ينزل إلا عند آخرهما إذ لو نزل عند أولهما لبطل التعليق بهما ولكان ذلك تعليقا بأحدهما وهو علق بهما جميعا لا بأحدهما ولو قال أنت حر اليوم أو غدا يعتق في الغد لأنه جعل أحد الوقتين ظرفا فلو عتق في اليوم لكان الوقتان جميعا ظرفا وهذا خلاف تصرفه ولو قال أنت حر إن قدم فلان أو غدا فإن قدم فلان قبل مجىء ( ( ( مجيء ) ) ) الغد عتق وإن جاء الغد قبل قدوم فلان لا يعتق ما لم يقدم في جواب ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أن أيهما سبق مجيؤه ( ( ( مجيئه ) ) ) يعتق عند مجيئه والأصل فيه أنه ذكر شرطا ووقتا في تصرف واحد ولا يمكن الجمع بينهما لما بين التعليق بشرط وبين الإضافة إلى وقت من التنافي فلا بد من اعتبار أحدهما وترجيحه على الآخر فأبو يوسف رجح جانب الشرط لأن الشرط لا يصلح ظرفا والظرف قد يصلح شرطا فكان الرجحان لجانب الشرط فاعتبره تعليقا بأحد الشرطين فينزل عند وجود أولهما أنهما ( ( ( أيهما ) ) ) كان كما إذا نص على ذلك ونحن رجحنا السابق منهما في اعتبار التعليق والإضافة فإن كان الفعل هو السابق يعتبر التصرف تعليقا واعتباره تعليقا يقتضي نزول العتق عند أول الشرطين كما إذا علقه بأحد شرطين نصا وإن كان الوقت هو السابق يعتبر إضافته واعتبارها يقتضي نزول العتق عند آخر الوقتين كما إذا أضاف إلى آخر الوقتين نصا والله عز وجل أعلم وأما الذي يرجع إلى نفس الركن فهو ما ذكرنا في الطلاق وهو أن يكون الركن عاريا عن الاستثناء رأسا كيفما كان الاستثناء وضعيا كان أو عرفيا عند عامة العلماء والكلام في الاستثناء في العتاق وبيان أنواعه وماهية كل نوع وشرائط صحته على نحو الكلام في باب الطلاق وقد ذكرنا ذلك كله في كتاب الطلاق ولا يختلفان إلا في شيء واحد وهو أنه يتصور استثناء بعض العدد في الطلاق ولا يتصور في العتاق لأن الطلاق ذو عدد فيتصور فيه استثناء بعض العدد والعتق لا عدد له فلا يتصور فيه استثناء بعض العدد وإنما يتصور استثناء بعض الجملة الملفوظة نحو أن يقول لعبيده أنتم أحرار إلا سالما لأن نص الاستثناء مع نص المستثنى منه تكلم بالباقي ولو استثنى عتق بعض العبد يصح عند أبي حنيفة ولا يصح عندهما بناء على أن العتق يتجزأ عنده فيكون استثناء البعض من الكل فيصح وعندهما لا يتجزأ فيكون استثناء الكل من الكل فلا يصح وذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد فيمن قال غلاماي حران سالم وبريع إلا بريعا أن استثناءه جائز لأنه ذكر جملة ثم فصلها بقوله سالم وبريع فانصرف الاستثناء إلى الجملة الملفوظة ( ( ( الملفوظ ) ) ) بها فكان استثناء البعض من الجملة المفوظة ( ( ( الملفوظة ) ) ) فصح وليس كذلك ما إذا قال سالم حر وبريع إلا سالما لأنه لما ذكر كل واحد منهما بانفراده كان هذا استثناء عن كل واحد منهما فكان استثناء الكل من الكل فلا يصح ولو قال أنت حر وحر إن شاء الله تعالى بطل الاستثناء في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد الاستثناء جائز وجه قولهما أن هذا كلام واحد معطوف بعضه على بعض بحرف العطف فلا يقع به الفصل بين المستثنى والمستثنى منه كما لو قال أنت حر لله إن شاء الله تعالى

Section V04/P085

ولأبي حنيفة أن قوله حر وحر لغو لثبوت الحرية باللفظ الأول فكان فاصلا بمنزلة السكوت بخلاف قوله أنت حر لله إن شاء الله تعالى لأن قوله لله تعالى ليس بلغو فلا يكون فاصلا وروى ابن سماعة في نوادره عن محمد في رجل له خمسة من الرقيق فقال عشرة من مماليكي إلا واحدا أحرار أنه يعتق الخمسة جميعا لأنه لما قال عشرة من مماليكي أحرار إلا واحدا فقد استثنى الواحد من العشرة والاستثناء تكلم بالباقي فصار كأنه قال تسعة من مماليكي أحرار وله خمسة ولو قال ذلك عتقوا جميعا كذا هذا ولو قال مماليكي العشرة أحرار إلا واحدا عتق منهم أربعة لأن هذا رجل ذكر مماليكه وغلط في عددهم بقوله العشرة فيلغو هذا القول ويبقى قوله مماليكي أحرار إلا واحدا ولو قال ذلك وله خمسة مماليك يعتق أربعة منهم كذا هذا والله عز وجل أعلم فصل وأما صفة الإعتاق فهي أن الإعتاق هل يتجزأ أم لا وقد اختلف فيه قال أبو حنيفة يتجزأ سواء كان المعتق موسرا أو معسرا وقال أبو يوسف ومحمد لا يتجزأ كيفما كان المعتق وقال الشافعي إن كان معسرا يتجزأ وإن كان موسرا لا يتجزأ والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم قال بعضهم فيمن أعتق نصف عبد بينه وبين غيره أنه يعتق نصفه ويبقى الباقي رقيقا يجب تخريجه إلى العتاق وهو مذهب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال بعضهم يعتق كله وليس للشريك إلا الضمان وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما عتق ما عتق ورق ما رق هما احتجا بالنص والمعقول والأحكام أما النص فما روي عن رسول الله أنه قال من أعتق شقصا له من عبد عتق كله ليس لله فيه شريك وهذا نص على عدم التجزىء ( ( ( التجزي ) ) ) وفي رواية من أعتق شركا له في عبد فقد عتق كله ليس لله فيه شريك وأما المعقول فهو أن العتق في العرف اسم لقوة حكمية دافعة يد الاستيلاء والرق اسم لضعف حكمي يصير به الآدمي محلا للتملك فيعتبر الحكمي بالحقيقي وثبوت القوة الحقيقية والضعف الحقيقي في النصف شائعا مستحيل فكذا الحكمي ولأن للعتق آثارا من المالكية والولاية والشهادة والإرث ونحوها وثبوت هذه الآثار لا يحتمل التجزىء ( ( ( التجزي ) ) ) ولهذا لم يتجزأ في حال الثبوت حتى لا يضرب الإمام الرق في إنصاف السبايا ويمن عليهم بالإنصاف كذا في حالة البقاء وأما الأحكام فإن إعتاق النصف قد تعدى إلى النصف الباقي في الأحكام حتى امتنع جواز التصرفات الناقلة للملك فيه من البيع والهبة والصدقة والوصية عند أصحابنا وكذا يجب تخريجه إلى عتق الكل بالضمان أو بالسعاية حتى يجبره القاضي على ذلك وهذا من آثار عدم التجزىء ( ( ( التجزي ) ) ) وكذا الاستيلاد لا يتجزأ حتى لو استولد جارية بينه وبين شريكه وادعاه تصير كلها أم ولد له بالضمان ومعلوم أن الاستيلاد يوجب حق الحرية لا حقيقة الحرية فالحق إذا لم يتجزأ فالحقيقة أولى وكذا لو عتق نصف أم ولده أو أم ولد بينه وبين شريكه عتق كلها وإذا لم يكن الإعتاق متجزئا لم يكن المحل في حق العتق متجزئا وإضافة التصرف إلى بعض ما لا يتجزأ في حقه يكون إضافة إلى الكل كالطلاق والعفو عن القصاص والله أعلم ولأبي حنيفة النصوص والمعقول والحكم أما النص فما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه رسول الله أنه قال من أعتق نصيبا له من مملوك كلف عتق بقيته وإن لم يكن عنده ما يعتقه فيه جاز ما صنع وروي كلف عتق ما بقي وروي وجب عليه أن يعتق ما بقي وذلك كله نص على التجزي لأن تكليف عتق الباقي لا يتصور بعد ثبوت العتق في كله وقوله جاز ما صنع إشارة إلى عتق البعض إذ هو الذي صنعه لا غير

Section V04/P085–V04/P086

وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أيضا عن رسول الله أنه قال من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل وأعطي شركاؤه ( ( ( شركاءه ) ) ) حصصهم وعتق عليه العبد وإلا عتق ما عتق والحديث يدل على تعلق عتق الباقي بالضمان إذا كان المعتق موسرا وعلى عتق البعض إن كان معسرا فيدل على التجزيء ( ( ( التجزي ) ) ) في حالة اليسار والإعسار وروي عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال من كان له شقص في مملوك فأعتقه فعليه خلاصه من ماله إن كان له مال وإن لم يكن له مال استسعي العبد في رقبته غير مشقوق عليه وفي رواية من أعتق شقصا له من مملوك فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال وإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه وأما المعقول فهو أن الإعتاق إن كان تصرفا في الملك والمالية بالإزالة فالملك متجزىء وكذا المالية بلا شك حتى تجري فيه سهام الورثة ويكون مشتركا بين جماعة كثيرة من الغانمين وغيرهم وإن كان تصرفا في الرق فالرق متجزىء أيضا لأن محله متجزىء وهو العبد وإذا كان محله متجزئا كان هو متجزئا ضرورة وأما حكم الاثنين إذا أعتقا عبدا مشتركا بينهما كان الولاء بينهما نصفين الولاء ( ( ( والولاء ) ) ) من أحكام العتق فدل تجزؤه على تجزي ( ( ( تجزؤ ) ) ) العتق وأما الحديث فقد قيل أنه غير مرفوع بل هو موقوف على عمر رضي الله عنه وقد روي عنه خلافه فإنه روي أنه قال في عبد بين صبي وبالغ أعتق البالغ نصيبه قال ينتظر بلوغ الصبي فإذا بلغ إن شاء أعتق وإن شاء استسعى ولئن ثبت رفعه فتأويله من وجهين أحدهما أن معنى قوله عتق كله أي استحق عتق كله لأنه يجب تخريج الباقي إلى العتق لا محالة فيعتق الباقي لا محالة بالاستسعاء أو بالضمان وما كان مستحق الوجود يسمى باسم الكون والوجود قال الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون والثاني أنه يحتمل أن المراد منه عتق كله للحال ويحتمل أن المراد منه عتق كله عند الاستسعاء والضمان فنحمله على هذا عملا بالأحاديث كلها وأما قولهما إن العتق قوة حكمية فيعتبر بالقوة الحقيقية وثبوتها في البعض شائعا ممتنع فكذا الحكمية فنقول لم قلتم إن اعتبار الحكم بالحقيقة لازم أليس إن الملك عبارة عن القدرة الحكمية والقوة والقدرة سواء ثم الملك يثبت في النصف شائعا وهذا لأن الأمر الشرعي يعرف بدليل الشرع وهو النص والاستدلال لا بالحقائق وما ذكر من الآثار فليست من لوازم العتق ألا ترى أنه يتصور ثبوت العتق بدونها كما في الصبي والمجنون بل هي من الثمرات وفوات الثمرة لا يخل بالذات ثم إنها من ثمرات حرية كل الشخص لا من ثمرات حرية البعض فإن الولايات والشهادات شرعت قضاء حق العاجزين شكرا لنعمة القدرة وذلك عند كمال النعمة وهو أن ينقطع عنه حق المولى ليصل إلى إقامة حقوق الغير وقولهما لا يتجزأ ثبوته كذا زواله من مشايخنا من منع وقال إن الإمام إذا ظهر على جماعة من الكفرة وضرب الرق على أنصافهم ومن على الإنصاف جاز ويكون حكمهم حكم معتق البعض في حالة البقاء ثم إن سلمنا فالرق متجزىء في نفسه حالة الثبوت لكنه تكامل لتكامل سببه وهو الاستيلاء إذ لا يتصور وروده على بعض المحل دون بعض وفي حالة البقاء وجود سبب زواله كاملا وقاصرا فيثبت كاملا وقاصرا على حسب السبب وأما التخريج إلى الإعتاق وامتناع جواز التصرفات فليس لعدم التجزي ( ( ( التجزؤ ) ) ) بل لمعنى آخر نذكره إن شاء الله تعالى

Section V04/P086–V04/P087

وأما الاستيلاد فممنوع أنه لا يتجزأ بل هو متجزىء فإن الأمة للمشتركة ( ( ( المشتركة ) ) ) بين اثنين إذا جاءت بولد فادعياه جميعا صارت أم ولد لهما إلا أنه إذا ادعى أحدهما صارت كلها أم ولد له لوجود سبب التكامل وهو نسبة كل أم الولد إليه بواسطة الولد على ما نذكره في كتاب الاستيلاد وما من متجزىء إلا وله حال الكمال إذا وجد السبب بكمال يتكامل وإذا وجد قاصرا لا يتكامل بل يثبت بقدره وفي مسألتنا وجد قاصرا فلم يتكامل وكذا إعتاق أم الولد متجزىء والثابت له عتق النصف وإنما يثبت له العتق في النصف الباقي لا بإعتاقه بل لعدم الفائدة في بقاء نصيب الشريك كما في الطلاق والعفو على القصاص على ما عرف في مسائل الخلاف والله أعلم وإذا عرف هذا الأصل يبنى عليه مسائل عبد بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه يعتق نصيبه لا غير عند أبي حنيفة لأن الإعتاق عنده متجزىء ( ( ( متجرئ ) ) ) وإعتاق البعض لا يوجب إعتاق الكل بل يعتق بقدر ما أعتق ويبقى الباقي رقيقا وللشريك الساكت خمس خيارات إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء دبره وإن شاء كاتبه وإن شاء استسعاه معسرا كان المعتق أو موسرا ويسعى وهو رقيق وإن شاء ضمن المعتق قيمة نصيبه إن كان موسرا وليس له خيار الترك على حاله لأنه لا سبيل إلى الانتفاع به مع ثبوت الحرية في جزء منه وترك المال من غير انتفاع أحد به سيب ( ( ( سبب ) ) ) له وأنه حرام فلا بد من تخريجه إلى العتق وله الخيار في ذلك من الوجوه التي وصفنا أما خيار الإعتاق والتدبير والكتابة فلأن نصيبه باق على ملكه وأنه يحتمل لهذه التصرفات كما في حال الابتداء وأما خيار السعاية فلأن نصيبه صار محتسبا عند العبد لحقه لثبوت العتق له في نصفه فيصير مضمونا عليه كما إذا انصبغ ثوب إنسان بصبغ غيره من غير صنع أحد فاختار صاحب الثوب الثوب أنه يجب عليه ضمان الصبغ لصيرورة الصبغ محتسبا عنده لقيامه بثوب مملوك له لا يمكنه التمييز كذا ههنا ولأن في السعاية سلامة نفسه ورقبته له وإن لم تصر رقبته مملوكة له ويجوز إيجاب الضمان بمقابلة سلامة الرقبة من غير تملك كالمكاتب وشراء العبد نفسه من مولاه ولأن منفعة الإعتاق حصلت فكان عليه ضمانه لقوله الخراج بالضمان ثم خيار السعاية مذهبنا وقال الشافعي لا أعرف السعاية في الشريعة والوجه لقوله أن ضمان السعاية إما أن يكون ضمان إتلاف وإما أن يكون ضمان تملك ولا إتلاف من العبد بوجه إذ لا صنع له في الإعتاق رأسا ولا ملك يحصل للعبد في نفسه بالضمان ولأن المولى لا يجب له على عبده دين لما فيه من الاستحالة وهي كون الشيء الواحد واجبا عليه وله ولأن العبد معسر والضمان في هذا الباب لا يجب على المعسر ألا ترى أنه لا يجب على المعتق إذا كان معسرا مع وجود الإعتاق منه فالعبد أولى ولنا ما روينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وروى محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن الحجاج بن أرطاة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله أنه قال من أعتق عبدا بينه وبين شريكه يقوم نصيب شريكه قيمة عدل فإن كان موسرا ضمن نصيب شريكه وإن كان معسرا سعى العبد غير مشقوق عليه فدل أن القول بالسعاية لازم في الجملة عرفها الشافعي أو لم يعرفها وكذا ما ذكرنا من المعاني وبه يتبين أن ضمان السعاية ليس ضمان إتلاف ولا ضمان تملك بل هو ضمان احتباس وضمان سلامة النفس والرقبة وحصول المنفعة لأن كل ذلك من أسباب الضمان على ما بينا وقوله لا يجب للمولى على عبده دين

Section V04/P087

قلنا وقد يجب كالماكتب ( ( ( كالمكاتب ) ) ) والمستسعى في حكم المكاتب عنده إلى أن يؤدي السعاية إلى الشريك الساكت إذا اختار السعاية أو إلى المعتق إذا ضمنه الشريك الساكت لأنه يسعى لتخليص رقبته عن الرق كالمكاتب وتثبت فيه جميع أحكام المكاتب من الإرث والشهادة والنكاح فلا يرث ولا يورث ولا يشهد ولا يتزوج إلا اثنتين لا يفترقان إلا في وجه واحد وهو أن المكاتب إذا عجز يرد في الرق والمستسعى لا يرد في الرق إذا عجز لأن الموجب للسعاية موجود قبل العجز وبعده وهو ثبوت الحرية في جزء منه ولأن رده في الرق ههنا لا يفيد لأنا لو رددناه إلى الرق لاحتجنا إلى أن نجبره على السعاية عليه ثانيا فلا يفيد الرق فإن قيل بدل الكتابة لا يلزم العبد إلا برضاه والسعاية تلزمه من غير رضاه فأنى يستويان فالجواب أنه إنما كان كذلك لأن بدل الكتابة يجب بحقيقة العقد إذ المكاتبة معاوضة من وجه فافتقرت إلى التراضي والسعاية لا تجب بعقد الكتابة حقيقة بل بكتابة حكمية ثابتة بمقتضى اختيار السعاية فلا يقف وجوبها على الرضا لأن الرضا إنما شرط في الكتابة للمبتدأة ( ( ( المبتدأة ) ) ) لأنه يجوز أن يرضى بها العبد ويجوز أن لا يرضى بها ويختار البقاء على الرق فوقفت على الرضا وههنا لا سبيل إلى استبقائه على الرق شرعا إذ لا يجوز ذلك فلم يشرط رضاه للزوم السعاية ثم اختلف أصحابنا فقال أبو حنيفة هذا الخيار يثبت للشريك الذي لم يعتق سواء كان المعتق معسرا أو موسرا وقال أبو يوسف ومحمد لا يثبت إلا إذا كان معسرا لأن الإعتاق لما لم يكن متجزئا عندهما كان المعتق متلفا نصيب الشريك فوجب عليه الضمان ووجوب الضمان يمنع وجوب السعاية فكان ينبغي أن لا يجب حال الإعسار أيضا وأن لا يكون الواجب إلا الضمان في الحالين جميعا وهو قول بشر بن غياث المريسي وهو القياس لأن ضمان الإتلاف لا يختلف بالإعسار واليسار إلا أنا عرفنا وجوبها على خلاف القياس بالنص الذي روينا والنص ورد فيها في حال الإعسار فحال اليسار يقف على أصل القياس ولما كان متجزئا عنده لم يكن الإعتاق إتلافا لنصيب الشريك حتى يوجب ضمان الإتلاف لكن بقي نصيبه محتسبا عند العبد بحقه بحيث لا يمكن استخلاصه منه وهذا يوجب الضمان على ما بينا وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين حال اليسار وبين حال الإعسار فيثبت خيار السعاية في الحالين وإذا عتق بالإعتاق أو بالسعاية أو ببدل الكتابة فالولاء بينهما لأن الولاء للمعتق والإعتاق حصل منهما

Section V04/P087–V04/P088

وأما خيار التضمين حال يسار المعتق فأمر ثبت شرعا غير معقول المعنى بالأحاديث التي روينا لأن الإعتاق إذا كان متجزئا عنده فإن المعتق متصرفا في ملك نفسه على طريق الاقتصار ومن تصرف في ملك نفسه لا يؤاخذ بما حدث في ملك غيره عند تصرفه لا بتصرفه كمن أحرق دار نفسه فاحترقت دار جاره أو أسقى ( ( ( سقى ) ) ) أرض نفسه فنزت أرض جاره أو حفر بئرا في دار نفسه فوقع فيها إنسان ونحو ذلك إلا أن وجوب الضمان حالة اليسار ثبت بالنصوص تعبدا غير معقول فتبقى حالة الإعسار على أصل القياس أو ثبت معقولا بمعنى النظر للشريك كي لا يتلف ماله بمقابلة مال في ذمة المفلس من غير صنع من المعتق في نصيب شريكه فصلح أن يكون موجبا للضمان ومن غير أن يكون في مقابلته عوض فيكون ضمان صلة وتبرع كنفقة المحارم وضمان الصلة والتبرع إنما يجب حالة اليسار كما في نفقة الأقارب أو وجب نظرا للعبد لانه تبرع عليه بإعتاق نصفه فلم يتم غرضه في إيصال ثمرات العتق إلى العبد فوجب عليه الضمان تتميما لغرضه فيختص وجوبه بحالة اليسار ومن مشايخنا من سلك طريقة أخرى لأبي حنيفة في ضمان العتق فقال هذا ضمان إفساد عنده لأن المعتق بإعتاقه نصيبه أفسد نصيب شريكه حيث أخرجه من أن يكون منتفعا به في حقه حتى لا يملك فيه سائر التصرفات المزيلة للملك عقيب فعله وإنما يملك الإعتاق والسعاية والحكم متى ثبت عقيب وصف مؤثر يضاف إليه إلا أنه لا يجب على المعسر نصا بخلاف القياس ومنهم من قال هو ضمان تملك لأنه بوجوب الضمان على المعتق يصير نصيب شريكه ملكا له حتى كان له أن يعتق نصيبه مجانا بغير عوض وإن شاء استسعى العبد وهذا تفسير ضمان التملك أن يكون بمقابلة الضمان ملك العوض وهذا كذلك ولهذا كان ضمان الغصب ضمان تملك وضمان التملك لا يستدعي وجود الإتلاف كضمان الغصب فإن قيل كيف يكون ضمان التملك والمضمون وهو نصيب الشريك لا يحتمل النقل من ملك إلى ملك قيل يحتمل النقل إلى ملك المعتق بالضمان إن كان لا يحتمل النقل إلى ملك غيره ويجوز بيعه منه أيضا في القياس هكذا ذكر في الأصل وقال إن باع الذي لم يعتق نصيبه من المعتق أو وهبه له على عوض أخذه منه وهذا واختياره الضمان سواء في القياس غير أن هذا أفحشهما والبيع هو نقل الملك بعوض إلا أن في الاستحسان لا يجوز بيعه من المعتق كما لا يجوز من غيره لكن هذا لا ينفي جواز النقل لا على وجه البيع فإن الشيء قد يحتمل النقل إلى إنسان بالضمان وإن كان لا يحتمله بجهة البيع فإن الخمر تنتقل إلى المسلم بالضمان بأن أتلف على ذمي خمرة وإن كانت لا تنتقل إليه بالبيع على أن قبول المحل لانتقال الملك فيه بشرط حال انعقاد السبب لا حال أداء الضمان لأنه لا يملكه من ذلك الوقت فيراعى قبول المحل في ذلك الوقت ألا ترى أن من غصب من آخر عبدا فهلك في يده ثم أدى الضمان أنه يملكه ومعلوم أن الهالك لا يقبل الملك لكن لما كان قابلا وقت انعقاد السبب والملك يثبت من ذلك الوقت يعتبر قبول المحل فيه وكذا ههنا ثم إذا ضمن الذي أعتق فالمعتق بالخيار إن شاء أعتق ما بقي وإن شاء دبر وإن شاء كاتب وإن شاء استسعى لما ذكرنا في الشريك الذي لم يعتق لأن نصيبه انتقل إليه فقام مقامه وبأي وجه عتق من الإعتاق أو السعاية فولاء العبد كله له لأنه عتق كله على ملكه هذا إذا كان المعتق موسرا فأما إن كان معسرا فللشريك أربع خيارات إن شاء اعتق وإن شاء دبر وإن شاء كاتب وإن شاء استسعى لما ذكرنا

Section V04/P088–V04/P089

وأما على قول أبي يوسف ومحمد فيعتق كله لأن الإعتاق عندهما لا يتجزأ فكان إعتاق بعضه إعتاقا لكله ولا خيار للشريك عندهما وإنما له الضمان لا غير إن كان المعتق موسرا وإن كان معسرا فله السعاية لا غير لما ذكرنا أن المعتق صار متلفا نصيب الشريك فكان ينبغي أن يكون الواجب هو الضمان في حالة اليسار والأعسار آلا أن وجوب السعاية حال الإعسار ثبت بخلاف القياس بالنصر ( ( ( بالنص ) ) ) وأما على قول الشافعي إن كان المعتق موسرا عتق كله وللشريك أن يضمنه لا غير كما قالا وإن كان معسرا يعتق ما أعتق ويبقى الباقي محلا لجميع التصرفات المزيلة للملك من البيع والهبة وغير ذلك لأن الإعتاق عنده لا يتجزأ في حالة اليسار وفي حالة الإعسار يتجزأ لما ذكرنا من الدلائل لأبي حنيفة فيقتصر حكم تصرف المعتق على نصيبه فيبقي نصيبه على ما كان من مشايخنا من قال لا خلاف بين أصحابنا في أن العتق لا يتجزأ وإنما اختلفوا في الإعتاق وهذا غير سديد لأن الإعتاق لما كان متجزئا عند أبي حنيفة كان العتق متجزئا ضرورة إذ هو حكم الإعتاق والحكم يثبت على وفق العلة ولما لم يكن متجزئا عندهما لم يكن الإعتاق متجزئا أيضا لما قلنا ولأن القول بهذا قول بتخصيص العلة لأنه يوجد الإعتاق في النصف ويتأخر العتق فيه إلى وقت الضمان أو السعاية وأنه قول بوجود العلة ولا حكم وهو تفسير تخصيص العلة وأنه باطل ولنا أن العتق وإن ثبت في نصيب المعتق على طريق الاقتصار عليه لكن في الإعتاق حق الله عز وجل وحق العبد بالإجماع وإنما اختلفوا في الرجحان فالقول بالتمليك إبطال الحقين وهذا لا يجوز وكذا فيه إضرار بالمعتق بإهدار تصرفه من حيث الثمرة للحال وإضرار بالعبد من حيث إلحاق الذل به في استعمال النصف الحر والضرر منفي شرعا فإن قيل إن كان في التمليك إضرار بالمعتق ففي المنع من التمليك إضرار بالشريك الساكت لما فيه من منعه من التصرف في ملكه فوق ( ( ( فوقع ) ) ) التعارض فالجواب أنا لا نمنعه من التمليك أصلا ورأسا فإن له أن يضمن المعتق ويستسعى العبد ويكاتبه وفي التضمين تملكيه ( ( ( تمليكه ) ) ) من المعتق بالضمان وفي الاستسعاء والمكاتبة إزالة الملك إلى عوض وهو السعاية وبدل الكتابة فكان فيما قلنا رعاية الجانبين فكان أولى فإن اختار للتدبير ( ( ( التدبير ) ) ) فدبر نصيبه صار نصيبه مدبرا عند أبي حنيفة لأن نصيبه باق على ملكه فيحتمل التخريج إلى العتق والتدبير تخريج ( ( ( تخرج ) ) ) إلى العتق إلا أنه لا يجوز له أن يتركه على حاله ليعتق بعد الموت بل يجب عليه السعاية للحال فيؤدي فيعتق لأن تدبيره اختيار منه للسعاية وله أن يعتق لأن المدبر قابل للإعتاق وليس له أن يضمن المعتق لأن التضمين يقتضي تملك المضمون والمدبر لا يحتمل النقل من ملك إلى ملك لأن تدبيره اختيار منه للسعاية واختيار السعاية يسقط ولاية التضمين على ما نذكر إن شاء الله تعالى وإن اختار الكتابة فكاتب نصيبه يصير نصيبه مكاتبا عند أبي حنيفة لما ذكرنا وكانت مكاتبته اختيارا منه للسعاية حتى لا يملك تضمين المعتق بعد ذلك ولأن ملك المكاتب وهو مكاتب لا يحتمل النقل أيضا فتعذر التضمين ويملك إعتاقه لأن الكتابة لا تمنع من الإعتاق ثم معتق البعض إذا كوتب فالأمر لا يخلو إما أن كاتبه على الدراهم والدنانير وإما أن كاتبه على العروض وإما أن كاتبه على الحيوان فإن كاتبه على الدراهم والدنانير فإن كانت المكاتبة على قدر قيمته جازت لأنه قد ثبت له اختيار السعاية فإذا كاتبه على ذلك فقد اختار السعاية وتراضيا عليها وإن كاتبه على أقل من قيمته يجوز أيضا لأنه رضي بإسقاط بعض حقه وله أن يرضى بإسقاط الكل فهذا أولى

Section V04/P089–V04/P090

وإن كاتبه على أكثر من قيمته فإن كانت الزيادة مما يتغابن الناس في مثلها جازت أيضا لأنها ليست زيادة متحققة لدخولها تحت تقويم أحد المقومين وإن كانت مما لا يتغابن الناس في مثلها يطرح عنه الفضل لأن مكاتبته اختيار للسعاية والسعاية من جنس الدراهم والدنانير فلا يجوز أخذ الزيادة على القدر المستحق لأنه يكون ربا وإن كانت المكاتبة على العروض جازت بالقليل والكثير لأن الثابت له عليه وهو السعاية من جنس الدراهم والدنانير بالعروض جائز قلت العروض أو كثرت وإن كانت على الحيوان جازت لأن الحيوان يثبت دينا في الذمة عوضا عما ليس بمال ولهذا جاز ابتداء الكتابة على حيوان ويجب الوسط كذا هذا ولو صالح الذي لم يعتق العبد أو المعتق على مال فهذا لا يخلو عن الأقسام التي ذكرناها في المكاتبة فإن كان الصلح على الدراهم والدنانير على نصف قيمته لا شك أنه جائز وكذا إذا كان على أقل من نصف قيمته لأنه يستحق نصف القيمة فإذا رضي بدونه فقد أسقط بعض حقه فيجوز وكذا إن كان على أكثر من نصف قيمته مما يتغابن الناس في مثله لما قلنا فأما إذا كان على أكثر من نصف قيمته مما لا يتغابن الناس في مثله فالفضل باطل في قولهم جميعا أما على أصل أبي يوسف ومحمد فظاهر لأن نصف القيمة قد وجب على العبد أو على المعتق والقيمة من الدراهم والدنانير فالزيادة على القدر المستحق تكون فضل مال لا يقابله عوض في عقد المعاوضة فيكون ربا كمن كان له على آخر ألف درهم فصالحه على ألف وخمسمائة إن الصلح يكون باطلا كذا هذا وهذا على أصلهما مطرد لأن عندهما أن من أتلف على آخر ما لا مثل له أو غصب منه ما لا مثل له فهلك في يده فالثابت في ذمته القيمة حتى لو صالح على أكثر من قيمته لا يجوز عندهما فكذا ضمان المعتق ( ( ( العتق ) ) ) لأنه ضمان إتلاف عندهما وأما عند أبي حنيفة فالصلح عن المتلف أو المغصوب على أضعاف قيمته جائز وههنا نقول لا يجوز فيحتاج إلى الفرق بين المسألتين والفرق له من وجوه أحدها أن الواجب بالإتلاف والغصب فيما لا مثل له من جنسه في ذمة المتلف والغاصب هو المتلف لا قيمته فإذا صالح على أكثر من قيمة المتلف والمغصوب كان ذلك عوضا عن المتلف فجاز وضمان العتق ليس بضمان إتلاف ولا ضمان غصب عنده لثبوت المتلف والمغصوب في الذمة فكان الثابت في الذمة هو القيمة وهي دراهم ودنانير فلا يجوز الصلح على أكثر منها والثاني أن الغاصب إنما يملك المغصوب عند اختيار الضمان لا قبله بدليل أن له أن لا يضمنه ليهلك على ملكه فيثاب على ذلك ويخاصم الغاصب يوم القيامة فكان المغصوب قبل اختيار الضمان على ملك المغصوب منه فكان هذا صلحا عن العبد على هذا القدر من المالين فكأنه ملكه منه به وأنه محتمل للملك فصح ومعتق البعض لا يحتمل التمليك مقصودا فكان الصلح عن قيمته فلا يجوز لما بينا والثالث أن الضمان في باب الغصب يجب وقت الغصب لأنه هو السبب الموجب للضمان فيثبت الملك إلى الغاصب في المغصوب في ذلك الوقت وإنه في ذلك الوقت قابل للتمليك فيصح الصلح على القليل والكثير والضمان في باب العتق يجب وقت الإعتاق والعبد في ذلك الوقت لا يحتمل التمليك مقصودا فالصلح لا يقع عند العبد وإنما يقع قميته فلا تجوز الزيادة من قيمته وإن كان الصلح على عرض جاز بالقليل والكثير لأن ذلك بيع العرض بالدراهم والدنانير وذلك جائز كيفما كان

Section V04/P090–V04/P091

وإن صالحه على شيء من الحيوان كالعبد والفرس ونحوهما فإن صالح العبد جاز وعليه الوسط وإن صالح المعتق لم يجز لأن في الفصل الأول جعل الحيوان بدلا عن العتق وأنه ليس بمال والحيوان يثبت دينا في الذمة بدلا عما ليس بمال كالإعتاق على مال والكتابة والنكاح والصلح عن دم العمد ولأن الصلح مع العبد في معنى مكاتبته وإن كاتبه على عبد مطلق أو فرس يصح ويجب الوسط كذا هذا وأما في الفصل الثاني فإنما جعل الحيوان بدلا عن القيمة وإنها مال والحيوان لا يثبت دينا في الذمة بدلا عن المال كالبيع ونحوه ولو كان شريك المعتق في العبد صبيا أو مجنونا له أب أو جد أو وصي فوليه أو وصيه بالخيار إن شاء ضمن المعتق وإن شاء استسعى العبد وإن شاء كاتبه وليس له أن يعتق أو يدبر لأن التدبير إعتاق والصبي والمجنون لا يملكان الإعتاق فلا يمكله ( ( ( يملكه ) ) ) من يلي عليهما وإنما ملك الأب والوصي الاستسعاء والتضمين لأن الاستسعاء مكاتبة والأب والوصي يملكان مكاتبة عبد الصبي والمجنون والتضمين فيه نقل الملك إلى المعتق فيشبه البيع وهما يملكان بيع مال الصبي والمجنون وكذلك لو كان الشريك مكاتبا أو مأذونا عليه دين أنه يتخير بين الضمان والسعاية والمكاتبة إلا أنهما لا يملكان الإعتاق لانعدام ملك الرقبة أما ثبوت الخيار للمكاتب فلا شك فيه لأنه أخص بالتصرف فيما في يده من المولى وأما المأذون الذي ( ( ( والذي ) ) ) عليه دين فكذلك لأن المولى لا يملك ما في يده على أصل أبي حنيفة فيكون الخيار للعبد وعلى أصلهما إن كان يملك لكن العبد أخص بالتصرف فيما في يده من المولى فإن لم يكن عليه عين ( ( ( دين ) ) ) فالخيار للمولى كما في الحرية لأنه إذا لم يكن عليه دين فهو وما في يده ملك المولى فكان الخيار للمولى فإن اختار الشريك السعاية ففي الصبي والمجنون الولاء لهما لأنهما من أهل الولاء لكونهما حرين وفي المكاتب والمأذون الولاء للمولى لكونهما رقيقين والولاء لا يثبت إلا للحر وإن لم يكن للصغير والمجنون ولي ولا وصي فإن كان هناك حاكم نصب الحاكم من يختار لهما أصلح الأمور من التضمين والاستسعاء والمكاتبة وإن لم يكن هناك حاكم وقف الأمر حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون فيستوفيان حقوقهما من الخيارات الخمس ثم إذا اختلف حكم اليسار والإعسار في الضمان لا بد من معرفتهما فاليسار هو أن يملك المعتق قدر قيمة ما بقي من العبد قلت أو كثرت والإعسار هو أن لا يملك هذا القدر لا ما يتعلق به حرمة الصدقة وحلها حتى لو ملك هذا القدر كان للشريك ولاية تضمينه وإلا فلا إلى هذا وقعت الإشارة فيما روينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال من كان له شقص في مملوك فأعتقه فعليه خلاصة من ماله إن كان له مال وإن لم يكن له مال استسعى العبد في رقبته غير مشقوق عليه اعتبر مطلق المال لا النصاب وأشار النبي إلى أن الواجب تخليص العبد وبهذا القدر يحصل التخليص وبدونه لا يحصل ثم يسار المعتق وإعساره يعتبر وقت الإعتاق حتى لو كان معسرا وقت الإعتاق لا يضمن وإن أيسر بعد ذلك لأن ذلك وقت وجوب الضمان فيعتبر ذلك الوقت كضمان الاتلاف والغصب ولو اختلفا في اليسار والاعسار فإن كان اختلافهما حال الإعتاق فالقول قول المعتق لأن الأصل هو الفقر والغنا ( ( ( والغنى ) ) ) عارض فكان الظاهر شاهدا للمعتق والبينة بينة الآخر لأنها تثبت زيادة

Section V04/P091

وإن كان الإعتاق متقداما ( ( ( متقدما ) ) ) واختلفا فقال المعتق اعتقت عام الأول وأنا معسر ثم أيسرت فيعتبر ذاك ( ( ( ذلك ) ) ) الوقت وقال الآخر بل أعتقه ( ( ( أعتقته ) ) ) عام الأول وأنت موسر فالقول قول المعتق وعلى الشريك إقامة البينة لأن حالة اعتبار اليسار والإعسار شاهد للمعتق فيحكم الحال كما إذا اختلف صاحب الرحى والطجان ( ( ( والطحان ) ) ) في انقطاع الماء وجريانه أنه يحكم الحال كذا ههنا وقد قال أبو يوسف في عبدين بين رجلين قال أحدهما أحدكما حر وهو فقير ثم استغنى ثم اختار أن يوقع العتق على أحدهما ضمن نصف قيمته يوم العتق وكذلك لو كان مات قبل أن يختار وقد استغنى قبل موته ضمن ربع قيمة كل واحد منهما إنما أنظر إلى حاله يوم أوقع بمنزلة من كاتب نصيبه من العبد ثم أدى العبد فيعتق ثم إنما أنظر إلى حال مولاه يوم عتق المكاتب ولا أنظر إلى حاله يوم كاتب وهذا على أصله صحيح لأن إضافة العتق إلى المجهول تعليق لعتق عبده بشرط الاختيار كأنه علقه به نصا فيعتبر حاله يوم الاختيار لأنه يوم العتق كما لو قال لعبد مشترك بينه وبين غيره إن دخلت الدار فأنت حر فدخل أنه يضمن نصف قيمته يوم دخل الدار لا يوم اليمين لأن يوم الدخول هو يوم العتق وأما على أصل محمد فإضافة العتق إلى المجهول تنجيز وإنما الاختيار تعيين لمن وقع عليه العتق فيعتبر صفة العتق في يساره وإعساره يوم التكلم بالعتق وكذا يعتبر قيمة العبد في الضمان والسعاية يوم الإعتاق حتى لو علمت قيمته يوم أعتق ثم ازدادت أو انتقصت أو كاتب أمة فولدت لم يلتفت إلى ذلك ويضمنه قيمته يوم أعتقه لأنه يوم وجوب الضمان فيعتبر قيمته يومئذ كما في الغصب والإتلاف وان لم يعلما ذلك واختلفا فجملة الكلام فيه أن العبد لا يخلو إما أن يكون قائما وقت الخصومة وإما أن يكون هالكا اتفقا على حال المعتق أو اختلفا فيها والأصل في هذه الجملة أن الحال إن كانت تشهد لأحدهما فالقول قوله لأن الحال شاهد صادق أصله مسألة الطاحونة وإن كانت لا تشهد لأحدهما فالقول قول المعتق لأنه منكر فإن كان العبد قائما وقت الخصومة واتفقا على العتق في الحال واختلفا في قيمته بأن قال المعتق قد اعتقته اليوم وقيمته كذا وقال شريكه نعم أعتقه ( ( ( أعتقته ) ) ) اليوم إلا أن قيمته أكثر من ذلك يرجع إلى قيمته للحال ولا يعتبر التحالف والبينة لأن الحال أصدق وكذا لو اختلفا في حال العتق فقال المعتق أعتقه ( ( ( أعتقته ) ) ) قبل هذا وكانت قيمته كذا وقال الآخر أعتقته اليوم وقيمته أكثر أو قال المعتق أعتقته اليوم وقيمته كذا وقال الآخر بل أعتقته قبل ذلك وقيمته كانت أكثر رجع إلى قيمته في الحال لأن الحال إذا شهدت لأحدهما فالظاهر أن قيمته كانت كذلك وقت الإعتاق إذ الأصل دوام الحال والتغير خلاف الأصل فكان الظاهر شاهدا له فأشبه اختلاف صاحب الطاحونة مع الطحان في انقطاع الماء وجريانه أنه يحكم الحال فيه كذا هذا وإن اتفقا على أن العتق كان متقدما على زمان الخصومة لكن قال المعتق قيمته كانت كذا وقال الشريك بل كانت أكثر فههنا لا يمكن تحكيم الحال بالرجوع ( ( ( الرجوع ) ) ) إلى قيمة العبد في الحال لأنها تزيد وتنقص في المدة ويكون القول قول المعتق لأن الشريك يدعي عليه زيادة ضمان وهو ينكر فكان القول قوله كالمتلف والغاصب وقالوا في الشفعة إذا احترق البناء واختلف الشفيع والمشتري في قيمته وقيمة الأرض أن المرجع إلى قيمة الأرض في الحال والقول قول المشتري في البناء لأن الشفيع يريد أن يتملك عليه الأرض بالشفعة فلا يجوز أن يتملكها إلا بقوله فأما المعتق فلا يريد أن يتملك على شريكه وإنما شريكه يدعي عليه زيادة ضمان وهو ينكر

Section V04/P091–V04/P092

وكذلك إذا كان العبد هالكا فالقول قول المعتق لما قلنا إنه منكر للزيادة والله عز وجل أعلم فإن هلك العبد قبل أن يختار الشريك الذي لم يعتق شيئا هل له أن يضمن المعتق إذا كان موسرا اختلفت الرواية فيه عن أبي حنيفة روى محمد عنه وهو رواية الحسن وإحدى روايتي أبي يوسف أن له أن يضمن المعتق وروى أبو يوسف رواية أخرى عنه أنه لا ضمان على المعتق وجه هذه الرواية أن تضمين المعتق ثبت نصا بخلاف القياس لما بينا فيما تقدم أن الشريك بالإعتاق تصرف في نصيب نفسه على وجه الاقتصار عليه لبقاء نصيب الشريك على ملكه ويده بعد الإعتاق إلا أن ولاية التضمين ثبتت شرعا بشريطة نقل ملك المضمون إلى الضمان فإذا هلك لم يبق الملك فلا يتصور نقله فتبقى ولاية التضمين على أصل القياس وجه رواية محمد أن ولاية التضمين قد ثبتت بالإعتاق فلا تبطل بموت العبد كما إذا مات العبد المغصوب في يد الغاصب وأما قوله ملك الشريك بهلاك العبد خرج عن احتمال النقل فنقول الضمان يستند إلى وقت الإعتاق فيستند ملك المضمون إلى ذلك الوقت كما في باب الغصب وهو في ذلك الوقت كان محتملا للنقل فأمكن إيجاب الضمان وإذا ضمن المعتق يرجع المعتق بما ضمنه في تركة العبد إن كان له تركة وإن لم يكن فهو دين عليه لما ذكرنا من أصل أبي حنيفة أن نصيب الشريك يبقى على ملكه وله أن يضمن المعتق إن كان موسرا وإذا ضمنه ملك المعتق نصيبه بالسبب السابق وهو الإعتاق وكان له أن يرجع بذلك في تركة العبد كما كان له أن يأخذ منه لو كان حيا وإن كان معسرا فله أن يرجع في تركة العبد وإن لم يترك شيئا فلا شيء للشريك لأن حقه عليه وهو قد مات مفلسا هذا إذا مات العبد وأما إذا مات أحد الشريكين فإن مات المعتق فلا يخلو إما أن يكون الإعتاق منه في حال صحته وإما أن يكون في حال مرضه فإن كان في حال صحته يؤخذ نصف قيمة العبد من تركته بلا خلاف وإن كان في حال مرضه لم يضمن شيئا حتى لا يؤخذ من تركته وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يستوفي الشريك من ماله قيمة نصيبه وهذا مبني على الأصل الذي ذكرنا أن الإعتاق لا يتجزأ عندهما وعنده يتجزأ ووجه البناء على هذا الأصل أن الإعتاق لما لم يكن متجزئا عندهما كان ضمان العتق ضمان إتلاف وضمان الإتلاف لا يختلف بالصحة والمرض ولما كان متجزئا عنده كان المعتق متصرفا في ملك نفسه على طريق الاقتصار ومثل هذا لا يوجب الضمان في أصول الشرع ولهذا لو كان معسرا لا يجب الضمان ولو كان إعتاقه إتلافا أو إفسادا لنصيب شريكه معنى لوجب الضمان لأن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار والإعسار إلا أنا عرفنا وجوب الضمان بالنص وأنه ورد في حال اليسار المطلق وذاك ( ( ( وذلك ) ) ) في حالة الصحة لأنها حال خلوص أمواله وفي مرض الموت يتعلق بها حق الورثة حتى لا يصح إقراره للورثة أصلا ولا يصح تبرعه على الأجنبي إلا من الثلث ولا تصح كفالته ولا إعتاقه إلا من الثلث فلم يكن حال المرض حال يسار مطلق ولا ملك مطلق فبقي الأمر فيها على أصل القياس ولأن ضمان العتق ضمان صلة وتبرع لوجوبه من غير صنع من جهة المعتق في نصيب الشريك ألا ترى أنه لا يجب على المعسر والصلات إذا لم تكن مقبوضة تسقط بالموت كنفقة الأقارب والزكاة وغير ذلك وإلى هذا أشار محمد لأبي حنيفة أنه لو وجب الضمان على المريض ويؤخذ من تركته يكون هذا من مال الوارث والمعنى فيه أن الشرع جعل الثلث للمريض في حال مرض موته والثلثين للورثة

Section V04/P092–V04/P093

قال النبي إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة على أعمالكم وهكذا نقول في حالة الصحة أنه يجب صلة ثم قد ينقلب معاوضة في حالة البقاء فإنه يثبت به الملك في المضمون في حق الإعتاق والاستسعاء كالهبة بشرط العوض أنه ينعقد صلة ثم ينقلب معاوضة وكذا الكفالة تنعقد تبرعا حتى لا تصح إلا ممن هو أهل التبرع ثم تنقلب معاوضة وإنما انقلبت معاوضة لأنه يوجب الملك في رقبة الغير مجازاة لصلته أو تحملا عن العبد لأن الضمان عليه في الحقيقة لحصول النفع له ثم له حق الرجوع في مالية العبد بالسعاية كما في الكفالة أن الكفيل يكون متبرعا في التحمل عن المكفول عنه ثم إذا صح تحمله وملك ما في ذمته بالأداء إلى المكفول له انقلبت معاوضة ألا ترى أن من قال في حال الصحة ما كان لك على فلان فهو علي ثم كان له على فلان في مرضه فأخذ ذلك من المريض فإنه يعتبر من جميع المال لا من الثلث ويؤخذ من تركته ولو وجد ابتداء الكفالة في المرض يكون المؤدى معتبرا من الثلث فدل على التفرقة بين الفصلين وإن مات الشريك الذي لم يعتق ثبت الخيار لورثته فإن اجتمعوا على شيء من الإعتاق أو التضمين أو الاستسعاء وغير ذلك فلهم ذلك بلا خلاف لأنهم يخلفون الميت ويقومون مقامه وكان للمورث ذلك قبل موته فكذا لهم وإن انفردوا فأراد بعضهم الإعتاق وبعضهم التضمين ذكر في الأصل أن لهم ذلك وقال الحسن بن زياد أنه ليس لهم ذلك إلا أن يعتقوا أو يستسعوا أو يضمنوا والظاهر أنه رواية عن أبي حنيفة لأن الإعتاق عند الحسن لا يتجزأ كما لا يتجزأ عند أبي يوسف ومحمد فلا يصح هذا التفريع على مذهبه وجه ما ذكر في الأصل أن نصيب الشريك قد بقي على ملكه عند أبي حنيفة لتجزىء ( ( ( لتجزيء ) ) ) الإعتاق عنده وقد انتقل نصيبه إلى الورثة بموته فصاروا كالشركاء في الأصل في العبد أعتق أحدهم نصيبه أن للباقين أن يختار كل واحد منهم ما يشاء كذا هذا وجه رواية الحسن أن الورثة انتقل إليهم ما كان للميت وما كان له أن يختار الضمان في البعض والسعاية في البعض فكذا لهم ولأن المستسعى بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة ومن كاتب عبده ثم مات ليس لورثته أن ينفردوا بأن يختار بعضهم الإعتاق وبعضهم التضمين وبعضهم الاستسعاء بل ليس لهم إلا أن يجتمعوا على شيء واحد إما العتق وإما الضمان كذا هذا ثم على رواية الحسن لو أعتق بعضهم كان إعتاقه باطلا ما لم يجتمعوا على الإعتاق لأن المستسعى كالمكاتب على أصل أبي حنيفة ولو مات المولى فأعتق بعض الورثة المكاتب كان إعتاقه باطلا ما لم يجتمعوا عليه كذا هذا فإذا اجتمعوا على عتقه يعتق بلا خلاف والولاء يكون للميت حتى ينتقل إلى الذكور من ورثته دون الإناث وهو فائدة كونه للميت لأن من أصل أبي حنيفة أن المعتق بعضه في معنى المكاتب والمكاتب لا ينتقل فيه بالإرث فكان ولاؤه للميت كذا هذا وإذا كان المعتق موسرا يوم أعتقه فاختار الشريك تضمينه ثم أراد أن يرجع عن ذلك ويختار السعاية ذكر في الأصل أنه ليس له ذلك ولم يفصل بين ما إذا رضي المعتق بالضمان أو حكم به الحاكم أو لم يرض به المعتق ولا حكم به الحاكم وروى ابن سماعة عن محمد أن له ذلك ما لم يقبل المعتق منه التضمين أو يحكم به الحاكم فإن قبل أو حكم به الحاكم فليس له ذلك من المشايخ من لم يجعل في المسألة اختلاف الرواية وجعل ما ذكره ابن سماعة عن محمد من التفصيل تفسيرا لما ذكره في ظاهر الرواية وإليه ذهب الجصاص وقال أراد بما ذكر في الكتاب إذا قضى به القاضي أو رضي به الشريك

Section V04/P093–V04/P094

وحكى عن الكرخي والجصاص أنهما جعلا مسألة الغاصب وغاصب الغاصب على هذا أنه إذا اختار المغصوب منه تضمين أحدهما ثم بدا له واختار تضمين الآخر فله ذلك إلا أن يرضى به المضمن أو يقضي به القاضي ومنهم من جعل في المسألة روايتين وجه ما ذكر في الأصل أن له خيار التضمين وخيار السعاية والمخير بين شيئين إذا اختار أحدهما سقط حقه من الآخر فكان اختياره التضمين ( ( ( للتضمين ) ) ) إبراء للعبد عن السعاية ولهذا لو اختار السعاية لم يكن له أن يختار الضمان وكانت نفس اختيار السعاية إبراء له عن الضمان من غير قضاء ولا رضا كذا إذا اختار الضمان وجه رواية ابن سماعة أن اختيار الشريكين تضمين المعتق إيجاب الملك له في المضمون بعوض وهو الضمان وذلك لا يتم إلا بالرضا أو بالقضاء فما لم يوجد أحدهما لا يتم له الاختيار وكان له الرجوع عنه إلى السعاية بخلاف ما إذا اختار الشريك السعاية أنه لا يكون له خيار التضمين بعد ذلك رضي بذلك العبد أو لم يرض لأن اختيار السعاية على العبد ليس فيه إيجاب الملك للعبد بعوض حتى يقف ذلك على رضاه فلا يقف عليه فإن أعتق أحدهما نصيب صاحبه لم يعتق منه شيء أما على أصل أبي حنيفة فظاهر لأن العتق يتجزأ فيقتصر العتق على نصيب المعتق فإذا صادف ملك غيره لم ينفذ وأما على أصلهما فالعتق وإن كان لا يتجزأ لكن لا بد من ثبوت العتق في نصيبه ثم يسري إلى نصيب شريكه فإذا أضاف الإعتاق إلى نصيب شريكه لم يثبت العتق في نصيب نفسه فلا يتعدى إلى نصيب الشريك وإن كان المعتق جارية حاملا لا يضمن المعتق من قيمة الولد شيئا لأن الحمل بمنزلة طرف من أطرافها والأطراف بمنزلة الأوصاف والأوصاف لا تفرد بالضمان إلا بعد وجود سبب وجوب الضمان فيها مقصودا ولأن الحمل في الآدمية نقصان فكيف يلزمه بنقصان المتلف زيادة ضمان وكذلك كل حمل يعتق أمه إذا كان المعتق مالكهما كما في الرهن وإن لم يكن مالكا للولد كما في الجارية الموصى برقبتها لرجل وبحملها لآخر فأعتق صاحب الرقبة الأم يعتق الحمل ويضمن قيمته لصاحبه لأن الولد انفرد عن الأم في الملك فجاز أن يتفرد ( ( ( ينفرد ) ) ) بالضمان وإن كان العبد بين جماعة فأعتق أحدهما نصيبه فاختار بعض الشركاء الضمان وبعضهم السعاية وبعضهم العتق فذلك لهم ولكل واحد منهم ما اختار في قول أبي حنيفة لأن إعتاق نصيبه أوجب لكل واحد منهم الخيارات ونصيب كل واحد لا يتعلق بنصيب الآخر فكان لكل واحد منهم ما اختار وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة في عبد بين ثلاثة أعتق أحدهم نصيبه ثم أعتق الآخر بعده فللثالث أن يضمن المعتق الأول إن كان موسرا وإن شاء أعتق أو دبر أو كاتب أو استسعى لأن نصيبه بقي على ملكه فثبت له الخيارات للتخريج إلى الإعتاق وليس له أن يضمن المعتق الثاني وإن كان موسرا لأن تضمين الأول ثبت على مخالفة القياس لما ذكرنا أنه لا صنع للمعتق في نصيب الشريك بإتلاف نصيبه وإنما عرفناه بالنص نظرا للشريك وإنه يحصل بتضمين الأول ولأن ضمان العتق ضمان معاوضة في الأصل فإذا أعتق الأول فقد ثبت للشريك حق نقل الملك المضمون إليه باختيار الضمان وتعلق بذلك النقل حق الولاء والولاء لا يلحقه الفسخ فلا يملك نقل حق التضمين إلى غيره فإن اختار تضمين الأول فالأولى أن يعتق وإن شاء دبر وإن شاء كاتب وإن شاء استسعى لأنه قام مقام المضمن وليس له أن يضمن المعتق الثاني لأن الأول لم يكن له أن يضمنه فكذا من قام مقامه

Section V04/P094–V04/P095

وأما على أصلهما فلما أعتق الأول أعتق جميع العبد فلم يصح إعتاق الثاني وليس للثاني والثالث إلا التضمين إن كان المعتق موسرا والسعاية إن كان معسرا وعلى هذا من كان له عبد فأعتق نصفه فعلى قول أبي حنيفة يعتق نصفه ويبقى الباقي رقيقا يجب تخريجه إلى العتاق فإن شاء أعتق وإن شاء دبر وإن شاء كاتب وإن شاء استسعى وإذا أدى السعاية أو بدل الكتابة يعتق كله وليس له أن يتركه على حاله وعلى قولهما يعتق كله سواء كان المعتق موسرا أو معسرا من غير سعاية وكذا إذا أعتق جزءا من عبده أو شقصا منه يمضي منه ما شاء ويبقى الباقي رقيقا يخرج إلى العتاق بالخيارات التي وصفنا في قول أبي حنيفة لأن الإعتاق عنده متجزىء إلا أن ههنا أضاف العتق إلى مجهول فيرجع في البيان إليه كما لو قال أحد عبيدي حر وقيل ينبغي في قياس قول أبي حنيفة في السهم أن يعتق منه سدسه لأن السهم عبارة عن السدس في عرف الشرع لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أوصى في زمن النبي بسهم من ماله لرجل فأعطاه النبي سدس ماله وعن جماعة من أهل اللسان أن السهم عبارة عن السدس في اللغة وعندهما يعتق كله لأن العتق لا يتجزأ عبد بين رجلين دبره أحدهما صار نصيبه مدبرا ثم إن كان المدبر موسرا فللشريك ست خيارات إن شاء أعتق وإن شاء دبر وإن شاء كاتب وإن شاء ضمن وإن شاء استسعى وإن شاء تركه على حاله وإن كان معسرا فلشريكه خمس خيارات إن شاء أعتق وإن شاء دبر وإن شاء كاتب وإن شاء استسعى وإن شاء تركه على حاله وليس له أن يضمن وهذا قول أبي حنيفة لأن التدبير عنده متجزىء كالإعتاق فيثبت له الخيارات أما خيار العتق والتدبير والمكاتبة والسعاية فلأن نصيبه بقي على ملكه في حق التخريج إلى العتاق وأما خيار التضمين فلأنه بالتدبير أخرجه من أن يكون محلا للتمليك مطلقا بالبيع والهبة والرهن ونحو ذلك فقد أتلفه في حق هذه التصرفات فكان للشريك ولاية التضمين وأما خيار الترك على حاله فلأن الحرية لم تثبت في جزء منه فجاز بقاؤه على الرق وأنه مفيد لأن له أن ينتفع به منفعة الاستخدام فلا يكلف تخريجه إلى الحرية ما لم يمت المدبر فإن اختار تضمين المدبر فللمدبر أن يرجع بما ضمن على العبد لأن الشريك كان له أن يستسعيه فلما ضمن شريكه قام مقامه فيما كان له فإذا أدى عتق والولاء كله للمدبر لأن كله عتق على ملكه لانتقال نصيب شريكه إليه وإن اختار الاستسعاء أو الإعتاق كان الولاء بينهما لأن نصيب كل واحد منهما عتق على ملكه وأما إذا كان معسرا فلا حق له في الضمان لأن ضمان التدبير لا يجب مع الإعسار كما لا يجب ضمان الإعتاق فبقي أربع خيارات وأما على قول أبي يوسف ومحمد صار كله مدبرا لأن التدبير على أصلهما لا يتجزأ كالإعتاق المعجل وليس للشريك إلا التضمين موسرا كان المدبر أو معسرا على الرواية المشهورة عنهما لأن ضمان النقل والتمليك لا يختلف باليسار والإعسار كالبيع ولو كان العبد بين ثلاثة رهط دبره أحدهم وهو موسر ثم أعتقه الثاني وهو موسر فللشريك الثالث أن يضمن المدبر ثلث قيمته ويرجع به المدبر على العبد وليس له أن يضمن المعتق وللمدبر أن يضمن المعتق ثلث قيمته مدبرا وليس له أن يضمنه ما انتقل إليه من نصيب الثالث وهذا قول أبي حنيفة

Section V04/P095

وقال أبو يوسف ومحمد العبد كله مدبر للذي دبره ويضمن ثلثي قيمته لشريكه موسرا كان أو معسرا لأن التدبير لما كان متجزئا عند أبي حنيفة فلما دبره أحدهم فقد ثبت لكل واحد من الشريكين ست خيارات فلما أعتقه الثاني فقد استوفى ما كان له فلم تبق له ولاية تضمين المدبر وللساكت أن يضمنه لأنه أتلف عليه نصيبه فكان له ولاية التضمين وليس له أن يضمن المعتق لأن ضمان المعتق ضمان معاوضة في الأصل وهو ضمان التملك وهو أن يكون بمقابلة الضمان ملك المضمون كضمان الغاصب ولو ضمن المعتق لا يملك المعتق المضمون لأن التدبير انعقد سببا لوجوب الضمان على المدبر وإنه يوجب ملك المضمون فصار ذلك النصيب بحال لا يحتمل النقل إلى غير المدبر فتعذر تضمين المعتق ولأن المدبر بالتدبير قد ثبت له حق الولاء والولاء لا يلحقه الفسخ فلا يجوز أن ينقله إلى الغير وللمدبر أن يضمن المعتق لأنه بالإعتاق أتلف نصيبه بإخراجه من أن يكون منتفعا به منفعة الاستخدام فيضمن له قيمة نصيبه لكن مدبرا لأن المتلف مدبر ويرجع به المدبر على العبد لأن نصيب الساكت انتقل إليه فقام هو مقامه وكان له أن يستسعي العبد فكذا للمدبر ولأن الحرية لم تثبت في جزء منه فجاز إبقاؤه على الرق ولم يمكن أن يجعل هذا ضمان معاوضة لأن نصيبه مدبر والمدبر لا يحتمل النقل إلى ملك الغير فجعل ضمان جناية بطريق الضرورة وإن شاء المدبر أعتق نصيبه الذي دبره لأن بإعتاق شريكه لم يزل ملكه وإن شاء استسعى العبد كما في عتق أحد الشريكين فإن اختار الضمان كان للمعتق أن يستسعي العبد لأن المدبر أقامه مقام نفسه فكان له أن يستسعيه فكذا له وليس له أن يضمن المعتق قيمة الثلث الذي انتقل إليه من الثالث لأن المدبر إنما ملك ذلك الثلث عند القضاء بالضمان مستندا إلى وقت التدبير والمستند قبل ثبوته في المحل يكون ثابتا من وجه دون وجه فلا يظهر ملكه في حق المعتق فلا يضمن المعتق له ذلك وأما عندهما فالتدبير لما لم يكن متجزئا صار الكل مدبرا ويضمن ثلثي قيمته للشريكين لإتلاف نصيبهما عليهما سواء كان موسرا أو معسرا لا تجب السعاية هنا بخلاف الإعتاق لأن بالإعتاق يزول ملكه فيسعى وهو حر وههنا بالتدبير لا يزول ملكه بل يصير العبد كله مدبرا له وكسب المدبر للمولى فتعذر الاستسعاء وعلى هذا إذا شهد أحد الشريكين على الآخر بالإعتاق بأن كان العبد بين رجلين وشهد أحدهما على صاحبه أنه أعتقه وأنكر صاحبه لا تقبل شهادته على صاحبه ويجوز إقراره على نفسه ولم يجز على صاحبه ولا يعتق نصيب الشاهد ولا يضمن لصاحبه ويسعى العبد في قيمته بينهما موسرين كانا أو معسرين في قول أبي حنيفة وعندهما إن كان المشهود عليه موسرا فلا سعاية للشاهد على العبد وإن كان معسرا فله السعاية عليه أما عدم قبول شهادته فلأن شهادة الفرد في هذا الباب غير مقبولة ولو كانا اثنين لكان لا تقبل شهادتهما أيضا لأنهما بشهادتهما يجران المغنم إلى أنفسهما لأنهما يثبتان به حق التضمين لأنفسهما ولا شهادة لجار المغنم على لسان رسول الله إلا أنه بشهادته على صاحبه صار مقرا بفساد نصيبه بإقراره على صاحبه بإعتاق نصيبه فشهادته على صاحبه وإقراره عليه إن لم يجز فإقراره بفساد نصيب نفسه جائز لأن الإنسان يصدق بإقراره على نفسه خصوصا فيما يتضرر به ولا يعتق نصيب الشريك الشاهد لأنه لم يوجد منه الإقرار بعتق نصيبه بل بفساد نصيبه وإنما أقر بالعتق في نصيب شريكه إلا أن إقراره بالعتق في نصيب شريكه في حق شريكه لم ينفذ فينفذ إقراره بالعتق في نصيب شريكه في حقه ولا يضمن الشاهد لشريكه لأنه لم يعتق نصيب نفسه وأما السعاية فلأن فساد نصيبه يوجب التخريج إلى العتق بالسعاية ويسعى العبد لهما في قيمته بينهما فيسعى للشاهد في نصف قيمته ويسعى للمنكر في نصف قيمته سواء كان المنكر موسرا أو معسرا في قول أبي حنيفة لأن السعاية ثبتت مع اليسار والإعسار على أصله