Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وعلى هذا يخرج ما إذا رمى صيدا ولم يسم متعمدا ثم سمى بعد ذلك أو أرسل كلبا وترك التسمية متعمدا فلما مضى الكلب في تبع الصيد سمى أنه لا يؤكل لأن التسمية لم توجد وقت الرمي والإرسال وكذا لو مضى الكلب إلى الصيد فزجره وسمى وانزجر بزجره أنه لا يؤكل أيضا وفرق بين هذا وبين ما إذا تبع ( ( ( اتبع ) ) ) الكلب الصيد بنفسه من غير أن يرسله أحد ثم زجره مسلم أنه إن انزجر بزجره فأخذ الصيد فقتله يؤكل وإن لم ينزجر لا يؤكل ووجه الفرق نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى ولو رمى أو أرسل وهو مسلم ثم ارتد أو كان حلالا فأحرم قبل الإصابة وأخذ الصيد يحل ولو كان مرتدا ثم أسلم وسمى لا يحل لأن المعتبر وقت الرمي والإرسال كما بينا فتراعي الأهلية عند ذلك وعلى هذا الأصل ينبني شرط تعيين المحل بالتسمية في الذكاة الاختيارية وهو بيان القسم الثاني من الشرائط التي تخص أحد النوعين دون الآخر وهي أنواع يرجع بعضها إلى المذكي وبعضها يرجع إلى محل الذكاة وبعضها يرجع إلى آلة الذكاة أما الذي يرجع إلى المذكي فهو أن يكون حلالا وهذا في الذكاة الاضطرارية دون الاختيارية حتى أن المحرم إذا قتل صيد البر وسمى لا يؤكل لأنه ممنوع عن قتل الصيد لحق الإحرام لقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم أي وأنتم محرمون وقوله جل شأنه أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى آخره غير محلي الصيد وأنتم حرم لأنه استثنى سبحانه وتعالى الصيد بقوله تبارك وتعالى غير محلي الصيد وإنما يستثني الشيء من الجملة المذكورة فجعل مذكورا بطريق الإضمار والاستثناء من الإباحة تحريم فكان اصطياد المحرم محرما فكان صيده ميتة كصيد المجوسي سواء اصطاد بنفسه أو أصطيد له بأمره لأن ما صيد له بأمره فهو صيده معنى وتحل ذبيحة المستأنس لأن التحريم خص بالصيد فبقي غيره على عموم الإباحة ويحل له صيد البحر لقوله تبارك وتعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه وقد مر ذلك وأما الذي يرجع إلى محل الذكاة فمنها تعيين المحل بالتسمية في الذكاة الاختيارية ولا يشترط ذلك في الذكاة الاضطرارية وهي الرمي والإرسال إلى الصيد لأن الشرط في الذكاة الاختيارية ذكر اسم الله تبارك وتعالى على الذبيح لما تلونا من الآيات ولا يتحقق ذلك إلا بتعيين الذبيح بالتسمية ولأن ذكر الله تبارك وتعالى لما كان واجبا فلا بد وأن يكون مقدورا والتعيين في الصيد ليس بمقدور لأن الصائد قد يرمي ويرسل على قطيع من الصيد وقد يرمي ويرسل على حس الصيد فلا يكون التعيين واجبا والمستأمن مقدور فيكون واجبا وعلى هذا يخرج ما إذا ذبح شاة وسمى ثم ذبح شاة أخرى يظن أن التسمية الأولى تجزي عنهما لم تؤكل ولا بد من أن يجدد لكل ذبيحة تسمية على حدة ولو رمى سهما فقتل به من الصيد اثنين لا بأس بذلك وكذلك لو أرسل كلبا أو بازيا وسمي فقتل من الصيد اثنين فلا بأس بذلك لأن التسمية تجب عند الفعل وهو الذبح فإذا تجدد الفعل تجدد التسمية فأما الرمي والإرسال فهو فعل واحد وإن كان يتعدى إلى مفعولين فتجزي فيه تسمية واحدة ووزان الصيد من المستأنس ما لو أضجع شاتين وأمر السكين عليهما معا أنه تجزىء في ذلك تسمية واحدة كما في الصيد فإن قيل هلا جعل ظنه أن التسمية على الشاة الأولى تجزىء عن الثانية عذرا كنسيان التسمية فالجواب أن هذا ليس من باب النسيان بل من الجهل بحكم الشرع والجهل بحكم الشرع ليس بعذر والنسيان عذر
ألا ترى أن من ظن أن الأكل لا يفطر الصائم فأكل بطل صومه ولو أكل ناسيا لا يبطل فإن نظر إلى جماعة من الصيد فرمى بسهم وسمى وتعمدها ولم يتعمد واحدا بعينه فأصاب منها صيدا فقتله لا بأس بأكله وكذلك الكلب والبازي ولو أن رجلا نظر إلى غنمه فقال بسم الله ثم أخذ واحدة فأضجعها وذبحها وترك التسمية عامدا وظن أن تلك التسمية تجزيه لا توكل لأنه لم يسم عند الذبح والشرط هو التسمية على الذبيحة وذلك بالتسمية عند الذبح نفسه لا عند النظر وتعيين الذبيحة مقدور فيمكن أن يجعل شرطا وتعيين الصيد بالرمي والإرسال متعذر لما بينا فلم يمكن أن يجعل شرطا ولو رمى صيدا بعينه أو أرسل الكلب أو البازي على صيد بعينه فأخطأ فأصاب غيره يوكل وكذا لو رمى ظبيا فأصاب طيرا أو أرسل على ظبي فأخذ طيرا لأن التعيين في الصيد ليس بشرط ومنها قيام أصل الحياة في المستأمن وقت الذبح قلت أو كثرت في قول أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يكتفي بقيام أصل الحياة بل تعتبر حياة مقدورة كالشاة المريضة والوقيذة والنطيحة وجريحة السبع إذا لم يبق فيها إلا حياة قليلة عرف ذلك بالصياح أو بتحريك الذنب أو طرف العين أو التنفس وأما خروج الدم فلا يدل على الحياة إلا إذا كان يخرج كما يخرج من الحي المطلق فإذا ذبحها وفيها قليل حياة على الوجه الذي ذكرنا توكل عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعن أبي يوسف روايتان في ظاهر الرواية عنه أنه أن كان يعلم أنها لا تعيش مع ذلك فذبحها لا تؤكل وإن كان يعلم أنها تعيش مع ذلك فذبحها تؤكل وفي رواية قال إن كان لها من الحياة مقدار ما تعيش به أكثر من نصف يوم فذبحها تؤكل وإلا فلا وقال محمد رحمه الله إن كان لم يبق من حياتها إلا قدر حياة المذبوح بعد الذبح أو أقل فذبحها لا تؤكل وإن كان أكثر من ذلك تؤكل وذكر الطحاوي قول محمد مفسرا فقال أن على قول محمد إن لم يبق معها إلا الاضطراب للموت فذبحها فإنها لا تحل وإن كانت تعيش مدة كاليوم أو كنصفه حلت وجه قولهما أنه إذا لم يكن لها حياة مستقرة على الوجه الذي ذكرنا كانت ميتة معنى فلا تلحقها الذكاة كالميتة حقيقة ولأبي حنيفة رضي الله عنه قوله تعالى حرمت عليكم الميتة إلى قوله تعالى والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم استثنى سبحانه وتعالى المذكي من الجملة المحرمة والاستثناء من التحريم إباحة وهذه مذكاة لوجود فرى الأوداج مع قيام الحياة فدخلت تحت النص وأما الصيد إذا جرحه السهم أو الكلب فأدركه صاحبه حيا فإن ذكاه يؤكل بلا خلاف بين أصحابنا كيف ما كان سواء كانت فيه حياة مستقرة أو لم تكن وخرج الجرح من أن يكون ذكاة في حقه وصار ذكاته الذبح في الحياة المستقرة ذكاة مطلقة فيدخل تحت النص وإن لم يكن فيه حياة مستقرة فعلى أصل أبي حنيفة رحمه الله ذكاته الذبح وقد وجد لوجود أصل الحياة فصار مذكي وعلى أصلهما لا حاجة إلى الذبح لأنه صار مذكي بالجرح فالذبح بعد ذلك لا يضر إن كان لا ينفع وإن لم يذكه وهو قادر على ذبحه فتركه حتى مات فإن كانت فيه حياة مستقرة لا يؤكل لأن ذكاته تحولت من الجرح إلى الذبح فإذا لم يذبح كان ميتة وإن كانت حياته غير مستقرة يؤكل عند أبي حنيفة رضي الله عنه وإن قلت من غير ذكاة بخلاف المستأنس عنده والفرق له أن الرمي والإرسال إذا اتصل به الجرح كان ذكاة في الصيد فلا تعتبر هذه الحياة بعد وجود الذكاة ولم تتقوم ذكاة في المستأمن ( ( ( المستأنس ) ) ) فلا بد من اعتبار هذا القدر من الحياة لتحقق الذكاة
وأما عندهما فكذلك لكن على اختلاف تفسيرهما للحياة المستقرة وغير المستقرة على ما ذكرنا في المستأمن هكذا ذكر عامة المشايخ رحمهم الله وذكر الجصاص رحمه الله وقال يجب أن يكون قول أبي حنيفة رحمه الله في الصيد مثل قوله في المستأنس على أن قوله يجب الذبح في جميع الأحوال لا يحل بدونه سواء كانت الحياة مستقرة أو غير مستقرة وقد ذكرنا وجه الفرق له على قول عامة المشايخ رحمهم الله وإن مات قبل أن يقدر على ذبحه لضيق الوقت أو لعدم آلة الذكاة ذكر القدوري عليه الرحمة أنه لا يؤكل عندنا وعند محمد بن شجاع البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي رحمهما الله يؤكل استحسانا أشار إلى أن القول بالحرمة قياس ومن مشايخنا رحمهم الله من جعل جواب الاستحسان مذهبنا أيضا وتركوا القياس وجه القياس أنه لما ثبتت يده عليه فقد خرج من أن يكون صيد ( ( ( صيدا ) ) ) الزوال ( ( ( لزوال ) ) ) معنى الصيد وهو التوحش والامتناع فيزول الحكم المختص بالصيد وهو اعتبار الجرح ذكاة وصار كالشاة إذا مرضت وماتت في وقت لا يتسع لذبحها أنها لا تؤكل كذا هذا وجه الاستحسان أن الذبح هو الأصل في الذكاة وإنما يقام الجرح مقامه خلفا عنه وقد وجد شرط بخلافه وهو العجز عن الأصل فيقام الخلف مقامه كما في سائر الأخلاف مع أصولها وقال أصحابنا رحمهم الله لو جرحه السهم أو الكلب فأدركه لكن لم يأخذه حتى مات فإن كان في وقت لو أخذه يمكنه ذبحه فلم يأخذه حتى مات لم يؤكل لأن الذبح صار مقدورا عليه فخرج الجرح من أن يكون ذكاة وإن كان لا يمكنه ذبحه أكل لأنه إذا لم يأخذه ولا يتمكن من ذبحه لو أخذه بقي ذكاته الجرح السابق ودلت هذه المسألة على أن جواب الاستحسان في المسألة المتقدمة مذهب أصحابنا جميعا لأنه لا فرق بين المسألتين سوى أن هناك أخذ وههنا لم يأخذ وما يصنع بالأخذ إذا لم يقدر على ذكاته وجواب القياس عن هذا أن حقيقة القدرة والتمكن لا عبرة بها لأن الناس مختلفون في ذلك فإن منهم من يتمكن من الذبح في زمان قليل لهدايته في ذلك ومنهم من لا يتمكن إلا في زمان طويل لقلة هدايته فيه فلا يمكن بناء الحكم على حقيقة القدرة والتمكن فيقام السبب الظاهر وهو ثبوت اليد مقامها كما في السفر مع المشقة وغير ذلك وذكر ابن سماعة في نوادره رحمه الله عن أبي يوسف لو أن رجلا قطع شاة نصفين ثم أن رجلا فرى أوداجها والرأس يتحرك أو شق بطنها فأخرج ما في جوفها وفرى رجل آخر الأوداج فإن هذا لا يؤكل لأن الأول قاتل وذكر القدوري رحمه الله أن هذا على وجهين إن كانت الضربة مما يلي العجز لم تؤكل الشاة وإن كانت مما يلي الرأس أكلت لأن العروق المشروطة في الذبح متصلة من القلب إلى الدماغ فإذا كانت الضربة مما يلي الرأس فقد قطعها فحلت وإن كانت مما يلي العجز فلم يقطعها فلم تحل وأما خروج الدم بعد الذبح فيما لا يحل إلا بالذبح فهل هو من شرائط الحل فلا رواية فيه واختلف المشايخ على ما ذكرنا فيما تقدم وكذا التحرك بعد الذبح هل هو شرط ثبوت الحل فلا رواية فيه أيضا عن أصحابنا وذكر في بعض الفتاوى أنه لا بد من أحد شيئين إما التحرك وإما خروج الدم فإن لم يوجد لا يحل كأنه جعل وجود أحدهما بعد الذبح علامة الحياة وقت الذبح فإذا لم يوجد لم تعلم حياته وقت الذبح فلا يحل وقال بعضهم أن علم حياته وقت الذبح بغير التحرك يحل وإن لم يتحرك بعد الذبح ولا خرج منه الدم والله أعلم
ومنها ما يخص الذكاة الإضطرارية وهو أن لا يكون صيد الحرم فإن كان لا يوكل ويكون ميتة سواء كان المذكي محرما أو حلالا لأن التعرض لصيد الحرم بالقتل والدلالة والإشارة محرم حقا لله تعالى قال الله تعالى أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم وقال النبي عليه الصلاة والسلام في صفة الحرم ولا ينفر صيده والفعل في المحرم شرعا لا يكون ذكاة وسواء كان مولده الحرم أو دخل من الحل إليه لأنه يضاف إلى الحرم في الحالين فيكون صيد الحرم وأما الذي يرجع إلى آلة الذكاة فمنها أن يكون ما يصطاد به من الجوارح من الحيوانات من ذي الناب من الباع ( ( ( السباع ) ) ) وذي المخلب من الطير معلما لقوله تعالى وما علمتم من الجوارح معطوفا على قوله سبحانه وتعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات أي أحل لكم الطيبات وأحل لكم ما علمتم من الجوارح أي الاصطياد بما علمتم من الجوارح كأنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عما يحل لهم الاصطياد به من الجوارح أيضا مع ما ذكر في بعض القصة أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر بقتل الكلاب أتاه ناس فقالوا ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فنزل قوله تعالى يسألونك الآية ففي الآية الكريمة اعتبار الشرطين وهما الجرح والتعليم حيث قال عز شأنه وما علمتم من الجوارح لأن الجوارح هي التي تجرح مأخوذ من الجرح وقيل الجوارح الكواسب قال الله عز شأنه ويعلم ما جرحتم بالنهار أي كسبتم والحمل على الأول أولى لأنه حمل على المعنيين لأنها بالجراحة تكسب وقوله تعالى مكلبين قرىء ( ( ( قرئ ) ) ) بالخفض والنصب وقيل بالخفض صاحب الكلب يقال كلاب ومكلب وبالنصب الكلب المعلم وقيل المكلبين بالخفض الكلاب التي يكالبن الصيد أي يأخذنه عن شدة فالكلب هو الأخذ عن شدة ومنه الكلوب للآلة التي يؤخذ بها الحديد وقوله جلت عظمته تعلمونهن أي تعلمونهن ليمسكن الصيد لكم ولا يأكلن منه وهذا حد التعليم في الكلب عندنا على ما نذكره إن شاء الله تعالى فدلت الآية الكريمة على أن كون الكلب معلما شرط لإباحة أكل صيده فلا يباح أكل صيد غير المعلم وإذا ثبت هذا الشرط في الكلب بالنص ثبت في كل ما هو في معناه من كل ذي ناب من السباع كالفهد وغيره مما يحتمل التعلم بدلالة النص لأن فعل الكلب إنما يضاف إلى المرسل بالتعليم إذ المعلم هو الذي يعمل لصاحبه فيأخذ لصاحبه ويمسك على صاحبه فكان فعله مضافا إلى صاحبه فأما غير المعلم فإنما يعمل لنفسه لا لصاحبه فكان فعله مضافا إليه لا إلى المرسل لذلك شرط كونه معلما ثم لا بد من معرفة حد التعليم في الجوارح من ذي الناب كالكلب ونحوه وذي المخلب كالبازي ونحوه أما تعليم الكلب فهو أنه إذا أرسل اتبع الصيد وإذا أخذه أمسكه على صاحبه ولا يأكل منه شيئا وهذا قول عامة العلماء وقال مالك رحمه الله تعليمه أن يتبع الصيد إذا أرسل ويجيب إذا دعى وهو أحد قول ( ( ( قولي ) ) ) الشافعي رحمه الله حتى لو أخذ صيدا فأكل منه لا يؤكل عندنا وعنده يؤكل وجه قوله أن كونه معلما إنما شرط للاصطياد فيعتبر حالة الاصطياد وهي حالة الاتباع فأما الإمساك على صاحبه وترك الأكل يكون بعد الفراغ عن الاصطياد فلا يعتبر في الحد ولنا الكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله عز وجل تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم في الآية الكريمة إشارة إلى أن حد تعليم الكلب وما هو في معناه ما قلنا وهو الإمساك على صاحبه وترك الأكل منه لأنه شرط التعليم ثم أباح أكل ما أمسك علينا فكان هذا إشارة إلى أن التعليم هو أن يمسك علينا الصيد ولا يأكل منه
يقرره إن الله تعالى إنما أباح أكل صيد المعلم من الجوارح الممسك على صاحبه ولو لم يكن ترك الأكل من حد التعليم وكان ما أكل منه حلالا لاستوى فيه المعلم وغير المعلم والممسك على صاحبه وعلى نفسه لأن كل كلب يطلب الصيد ويمسكه لنفسه حتى يموت أن أرسلت عليه وأغريته إلا المعلم وأما السنة فما روي عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال قلت يا رسول الله إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب والبزاة فما يحل لنا منها فقال عليه الصلاة والسلام يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن ما ( ( ( مما ) ) ) علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم مما علمتموهن من كلب أو باز وذكرتم اسم الله عليه قلت فإن قتل قال عليه الصلاة والسلام إذا قتله ولم يأكل منه فكل فإنما أمسك عليك وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه فقلت يا رسول الله أرأيت إن خالط كلابنا كلاب أخرى قال عليه الصلاة والسلام إن خالطت كلابك كلاب أخرى فلا تأكل فإنك إنما ذكرت اسم الله تعالى على كلبك ولم تذكره كلب غيرك وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إذا أكل الكلب من الصيد فليس بمعلم وعنه أيضا أنه قال إذا أكل الكلب فلا تأكل وإذا أكل الصقر فكل لأن الكلب يستطيع ( ( ( تستطيع ) ) ) أن تضربه والصقر لا وعن ابن سيدنا عمر رضي الله عنهما أنه قال إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكل واضربه وأما المعقول فمن وجهين أحدهما أن أخذ الصيد وقتله مضاف إلى المرسل وإنما الكلب آلة الأخذ والقتل وإنما يكون مضافا إليه إذا أمسك لصاحبه لا لنفسه لأن العامل لنفسه يكون عمله مضافا إليه لا إلى غيره والإمساك على صاحبه أن يترك الأكل منه وهو حد التعليم والثاني أن تعليم الكلب ونحوه هو تبديل طبعه وفطامه عن العادة المألوفة ولا يتحقق ذلك إلا بإمساك الصيد لصاحبه وترك الأكل منه لأن الكلب ونحوه من السباع من طباعهم أنهم إذا أخذوا الصيد فإنما يأخذونه لأنفسهم ولا يصبرون على أن لا يتناولوا منه فإذا أخذ واحد منهم الصيد ولم يتناول منه دل أنه ترك عادته حيث أمسك لصاحبه ولم يأكل منه فإذا أكل منه دل أنه على عادته سواء اتبع الصيد إذا أغرى واستجاب إذا دعى أو لا لأنه ألوف في الأصل يجيب إذا دعى ويتبع إذا أغرى فلا يصلح ذلك دليلا على تعلمه فثبت أن معنى التعليم لا يتحقق إلا بما قلنا وهو أن يمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه ثم في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه لا توقيت في تعليمه أنه إذا أخذ صيدا ولم يأكل منه هل يصير معلما أم يحتاج فيه إلى التكرار وكان يقول إذا كان معلما فكل كذا ذكر في الأصل وهكذا روى بشر بن الوليد رحمه الله عن أبي يوسف قال سألت أبا حنيفة رحمه الله ما حد تعليم الكلب قال أن يقول أهل العلم بذلك أنه معلم وذكر الحسن بن زياد في المجرد عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال لا يأكل ما يصيد أولا ولا الثاني ولو أكل الثالث وما بعده وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قدراه بالثلاث فقالا إذا أخذ صيدا فلم يأكل ثم صاد ثانيا فلم يأكل ثم صاد ثالثا فلم يأكل فهذا معلم فأبو حنيفة رضي الله عنه على الرواية المشهورة عنه إنما رجع في ذلك إلى أهل الصناعة ولم يقدر فيه تقديرا لأن حال الكلب في الإمساك وترك الأكل يختلف فقد يمسك للتعليم وقد يمسك للشبع ففوض ذلك إلى أهل العلم بذلك
وعلى الرواية الأخرى جعل أصل التكرار دلالة التعلم لأن الشبع لا يتفق في كل مرة فدل تكرار الترك على التعليم وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قدرا التكرار بثلاث مرات لما أن الثلاث موضوعة لإبداء الأعذار أصله قضية سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مع العبد الصالح حيث قال له في المرة الثالثة إن سألتك على شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال من اتجر في شيء ثلاث مرات فلم يربح فلينتقل إلى غيره ثم إذا صار معلما في الظاهر على اختلاف الأقاويل وصاد به صاحبه ثم أكل بعد ذلك فما صاد قبل ذلك لا يؤكل شيء منه إن كان باقيا في قول أبي حنيفة رحمه الله وعن ( ( ( وعند ) ) ) أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يوكل كله وجه قولهما أن أكل الكلب يحتمل أن يكون لعدم التعلم ويحتمل أن يكون مع التعلم لفرط الجوع ويحتمل أن يكون للنسيان لأن المعلم قد ينسى فلا يحرم ما تقدم من الصيود بالشك والاحتمال ولأبي حنيفة رحمه الله أن علامة التعلم لما كانت ترك الأكل فإذا أكل بعد ذلك علم أنه لم يكن معلما وإن إمساكه لم يكن لصيرورته معلما بل لشبعه في الحال إذ غير المعلم قد يمسكه بشبعه للحال إلى وقت الحاجة فاستدللنا بأكله بعد ذلك على أن إمساكه في الوقت الذي قبله كان على غير حقيقة التعليم أو يحتمل ذلك فلا تحل مع الاحتمال احتياطا ومن المشايخ من حمل جواب أبي حنيفة رحمه الله على ما إذا كان زمان الأكل قريبا من زمان التعليم لأنه إذا كان كذلك فالأكل يدل على عدم التعلم وأنه إنما ترك الأكل فيما تقدم للشبع لا للتعليم لأن المدة القصيرة لا تتحمل النسيان في مثلها فإذا طالت المدة فيجوز أن يقال أنه يؤكل ما بقي من الصيود المتقدمة لأنه يحتمل أن يكون الأكل للنسيان لا لعدم التعلم لوجود مدة لا يندر النسيان في مثلها إلا أن ظاهر الرواية عنه مطلق عن هذا التفصيل وإطلاق الرواية يقتضي أنه لا يوكل على كل حال والوجه ما ذكرنا وأما قولهم أن النسيان لا يندر عند طول المدة فنقول من تعلم حرفة بتمامها وكمالها فالظاهر أنه لا ينساها بالكلية وإن طالت مدة عدم الاستعمال لكن ربما يدخلها خلل كصنعة الكتابة والخياطة والرمي إذا تركها صاحبها مدة طويلة فلما أكل وحرفته ترك الأكل دل أنه لم يكن تعلم الحرفة من الأصل وأنه إنما لم يأكل قبل ذلك لا للتعلم بل لشبعه في الحال فلا تحل صيوده المتقدمة وأما في المستقبل فلا يحل صيده إلا بتعليم مستأنف بلا خلاف فأما على قول أبي حنيفة رضي الله عنه فلأنه تبين بالأكل أنه لم يكن معلما وإن ترك الأكل لم يكن للتعلم بل لشبعه للحال وأما على قولهما فلأنه يحتمل أن يكون لم يتعلم كما قال أبو حنيفة رحمه الله ويحتمل أنه نسى وكيف ما كان لا يحل صيده في المستقبل إلا بتعليم مبتدأ وتعليمه في الثاني بما به تعليمه في الأول وقد ذكرنا الاختلاف فيه ولو جرح الكلب الصيد وولغ في دمه يوكل لأنه قد أمسك الصيد على صاحبه لكان لا يأكله صاحبه وذلك من غاية تعلمه حيث تناول الخبيث وأمسك الطيب على صاحبه
وذكر في الأصل في رجل أرسل كلبه على صيد وهو معلم فأخذ صيدا فقتله وأكل منه ثم اتبع آخر فقتله ولم يأكل منه قال لا يؤكل واحد منهما لأنه لما أكل دل على عدم التعلم أو على النسيان فلا يحل صيده بعد ذلك فإن أخذ الكلب المعلم صيدا فأخذه منه صاحبه وأخذ صاحب الكلب من الصيد قطعة فألقاها إلى الكلب فأكلها الكلب فهو على تعلمه لأن ترك الأكل إنما يعتبر حال أخذه الصيد فأكله بإطعام صاحبه بعد الأخذ لا يقدح في التعلم مع ما أن من عادة الصائد بالكلب أنه إذا أخذ الكلب الصيد أن يطعمه من لحمه ترغيبا له على الصيد فلا يكون أكله بإطعامه دليلا على عدم التعلم وكذلك لو كان صاحب الكلب أخذ الصيد من الكلب ثم وثب الكلب على الصيد فأخذ منه قطعة فأكلها وهو في يد صاحبه فإنه على تعلمه لأن الأكل بعد ثبوت يد الآدمي عليه بمنزلة الأكل من غيره فلا يقدح في التعليم وكذلك قالوا لو سرق الكلب من الصيد بعد دفعه إلى صاحبه لأنه إنما يفعل ذلك للجوع لأن هذا الأكل لم يدخل في التعليم وإن أرسل الكلب المعلم على صيد فتبعه فنهشه فقطع منه قطعة فأكلها ثم أخذ الصيد بعد ذلك فقتله ولم يأكل منه شيئا لا يؤكل لأن الأكل منه في حال الاصطياد دليل على عدم التعلم فإن نهشه فألقى منه بضعة والصيد حي ثم اتبع الصيد بعد ذلك فأخذه فقتله ولم يأكل منه شيئا يوكل لأنه لم يوجد منه ما يدل على عدم التعليم لأنه إنما قطع منه قطعة ليثخنه فيتوصل به إلى أخذه فكان بمنزلة الجرح وإن أخذ صاحب الكلب الصيد من الكلب بعدما قطعه ثم رجع الكلب بعد ذلك فمر بتلك القطعة فأكلها يوكل صيده لأنه لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لا يضر فإذا أكل مما بان منه أولى وإن اتبع الصيد فنهشه فأخذ منه بضعة فأكلها وهو حي فانفلت الصيد منه ثم أخذ الكلب صيدا آخر في فوره فقتله ولم يأكل منه ذكر في الأصل وقال أكره أكله لأن الأكل في حالة الاصطياد يدل على عدم التعليم فلا يوكل ما اصطاده بعده والله تعالى عز شأنه أعلم وأما تعليم ذي المخلب كالبازي أو نحوه فهو أن يجيب صاحبه إذا دعاه ولا يشترط فيه الإمساك على صاحبه حتى لو أخذ الصيد فأكل منه فلا بأس بأكل صيده بخلاف الكلب ونحوه والفرق من وجوه أحدها أن التعلم بترك العادة والطبع والبازي من عادته التوحش من الناس والتنفر منهم بطبعه فألفه بالناس وإجابته صاحبه إذا دعاه يكفي دليلا على تعلمه بخلاف الكلب فإنه ألوف بطبعه يألف بالناس ولا يتوحش منهم فلا يكفي هذا القدر دليل التعلم في حقه فلا بد من زيادة أمر وهو ترك الأكل والثاني أن البازي إنما يعلم بالأكل فلا يحتمل أن يخرج بالأكل عن جد ( ( ( حد ) ) ) التعليم بخلاف الكلب والثالث أن الكلب يمكن تعليمه بترك الأكل بالضرب لأن جثته تتحمل الضرب والبازي لا لأن جثته لا تتحمل وقد روي عن سيدنا علي وابن عباس وسلمان الفارسي رضي الله عنهم أنهم قالوا إذا أكل الصقر فكل وإن أكل الكلب فلا تأكل ومنها الأرسال أو الزجر عند عدمه على وجه ينزجر بالزجر فيما يحتمل ذلك وهو الكلب وما في معناه حتى لو ترسل بنفسه ولم يزجره صاحبه فيما ينزجر بالزجر لا يحل صيده الذي قتله لأن الإرسال في صيد الجوارح أصل ليكون القتل والجرح مضافا إلى المرسل إلا أن عند عدمه يقام الزجر مقام الانزجار فيما يحتمل قيام ذلك مقامه فإذا لم يوجد فلا تثبت الإضافة فلا يحل
ولو أرسل مسلم كلبه وسمى فزجره مجوسي فانزجر يؤكل صيده ولو أرسل مجوسي كلبه فزجره مسلم فانزجر لا يوكل صيده وكذلك لو أرسل مسلم كلبه وترك التسمية عمدا فاتبع الصيد ثم زجره فانزجر لا يوكل صيده ولو لم يرسله أحد وانبعث بنفسه فاتبع الصيد فزجره مسلم وسمى فانزجر يوكل صيده وإن لم ينزجر لا يوكل وإنما كان كذلك لأن الإرسال هو الأصل والزجر كالخلف عنه والخلف يعتبر حال عدم الأصل لا حال وجوده ففي المسائل الثلاث وجد الأصل فلا يعتبر الخلف إلا أن في المسألة الأولى المرسل من أهل الإرسال فيؤكل صيده وفي المسألة الثانية لا فلا يؤكل وفي المسألة الرابعة ( ( ( الثالثة ) ) ) لم يوجد الأصل فيعتبر الخلف فيؤكل صيده إن الزجر ( ( ( انزجر ) ) ) وإن لم ينزجر لا يوكل لأن الزجر بدون الانزجار لا يصلح خلفا عن الإرسال فكان ملحقا بالعدم فيصير كأنه يرسل بنفسه من غير إرسال ولا زجر ولو أرسله مسلم وسمى وزجره رجل ولم يسم على زجره فأخذ الصيد وقتله يوكل لما ذكرنا أن العبرة للإرسال فيعتبر وجود التسمية عند ( ( ( عنده ) ) ) وأصل آخر لتخريج هذه المسائل ما ذكره بعض مشايخنا أن الدلالة لا تعتبر إذا وجد الصريح وإذا لم يوجد تعتبر ففي المسال ( ( ( المسائل ) ) ) الثلاث وجد من الكلب صريح الطاعة بالإرسال حيث عدا بإرساله وانزجاره طاعة للزاجر بطريق الدلالة فلا يعتبر في مقابلة الصريح وفي المسألة الرابعة لم يوجد الصريح فاعتبرت الدلالة وعلى هذا يخرج بقية المسائل ومنها الإرسال وهو أن يكون أخذ الكلب أو البازي الصيد في حال فور الإرسال لا في حال انقطاعه حتى لو أرسل الكلب أو البازي على صيد وسمى فأخذ صيدا وقتله ثم أخذ آخر على فوره ذلك وقتله ثم وثم يؤكل ذلك كله لأن الإرسال لم ينقطع فكان الثاني كالأول مع ما بينا أن التعيين ليس بشرط في الصيد لأنه لا يمكن فكان أخذ الكلب أو البازي الصيد في فور الإرسال كوقوع السهم بصيدين فإن أخذ صيدا وجثم عليه طويلا ثم مر به آخر فأخذه وقتله لم يوكل إلا بإرسال مستقبل أو بزجره وتسمية على وجه ينزجر فيما يحتمل الزجر لبطلان الفور وكذلك إن أرسل كلبه أو بازه على صيد فعدل عن الصيد يمنة أو يسرة وتشاغل بغير طلب الصيد وفتر عن سننه ذلك ثم تبع صيدا آخر فأخذه وقتله لا يؤكل إلا بإرسال مستأنف أو أن يزجره صاحبه ويسمي فينزجر فيما يحتمل الزجر لأنه لما تشاغل بغير طلب الصيد فقد انقطع حكم الإرسال فإذا صاد صيدا بعد ذلك فقد ترسل بنفسه فلا يحل صيده إلا أن يزجره صاحبه فيما يحتمل الزجر لما بينا وإن كان الذي أرسل فهدا والفهد إذا أرسل كمن ولا يتبع حتى يستمكن فيمكث ساعة ثم يأخذ الصيد فيقتله فإنه يؤكل وكذلك الكلب إذا أرسل فصنع كما يصنع الفهد فلا بأس بأكل ما صاد لأن حكم الإرسال لم ينقطع بالكمون لأنه إنما يكمن ليتمكن من الصيد فكان ذلك من أسباب الاصطياد ووسيلة إليه فلا ينقطع به حكم الإرسال كالوثوب والعدو وكذلك البازي إذا أرسل فسقط على شيء ثم طار فأخذ الصيد فإنه يؤكل لأنه إنما يسقط على شيء ليتمكن من الصيد فكان سقوطه بمنزلة كمون الفهد وكذلك الرامي إذا رمى صيدا بسهم فما أصابه في سننه ذلك ووجهه أكل لأنه إذا مضى في سننه فلم ينقطع حكم الرمي فكان ذهابه بقوة الرامي فكان قتله مضافا إليه فيحل فإن أصاب واحدا ثم نفذ إلى آخر وآخر أكل الكل لما قلنا مع ما أن تعيين الصيد ليس بشرط فإن أمالت الريح السهم إلى ناحية أخرى يمينا أو شمالا فأصاب صيدا آخر لم يوكل لأن السهم إذا تحول عن سننه فقد انقطع حكم الرمي فصارت الأصابة بغير فعل الرامي فلا يحل كما لو كان على جبل سيف فألقته الريح على صيد فقتله أنه لا يوكل كذا هذا
فإن لم ترده الريح عن وجهه ذلك أكل الصيد لأنه إذا مضى في وجهه كان مضيه بقوة الرامي وإنما الريح إعانته ومعونة الريح السهم مما لا يمكن الاحتراز عنه فكان ملحقا بالعدم فإن أصابت الريح السهم وهي ريح شديدة فدفعته لكنه لم يتغير عن وجهه فأصاب السهم الصيد فإنه يوكل لأنه مضى في وجهه ومعونة الريح إذا لم تعدل السهم عن وجهه لا يمكن التحرز عنه فلا يعتبر ولو أصاب السهم حائطا أو صخرة فرجع فأصاب صيدا فإنه لا يوكل لأن فعل الرامي انقطع وصارت الإصابة في غير جهة الرمي فإن مر السهم بين الشجر فجعل يصيب الشجر في ذلك الوجه لكن السهم على سننه فأصاب صيدا فقتله فإنه يوكل فإن رده شيء من الشجر يمنة أو يسرة لا يوكل لما بينا فإن مر السهم فحجشه ( ( ( فجحشه ) ) ) حائط وهو على سننه ذلك فأصاب صيدا فقتله أكل لأن فعل الرامي لم ينقطع وإنما أصاب السهم الصيد والحائط وذلك لا يمنع الحل وروي عن أبي يوسف رحمه الله أن حكم الإرسال لا ينقطع بالتغير عن سننه يمينا وشمالا إلا إذا رجع من ورائه ولو أن رجلا رمى بسهم وسمى ثم رمى رجل آخر بسهم وسمى فأصاب السهم الأول السهم الثاني قبل أن يصيب الصيد فرده عن وجهه ذلك فأصاب صيدا فقتله فإنه لا يؤكل لأنه لما رده السهم الثاني عن سننه انقطع حكم الرمي فلا يتعلق به الحل قال القدوري وهذا محمول على أن الرامي الثاني لم يقصد الاصطياد لأن القتل حصل بفعله وهو لم يقصد الاصطياد فلا يحل فأما إذا كان الثاني رمى للاصطياد فيحل أكل الصيد وهو للثاني لأنه مات بفعله وإن لم يقصده بالرمي وتعيين المرمي إليه ليس بشرط ولو أن رجلين رمى كل واحد منهما صيدا بسهم فأصابا الصيد جميعا ووقعت الرميتان بالصيد معا فمات فإنه لهما ويؤكل أما حل الأكل فظاهر وأما كون الصيد لهما فلأنهما اشتركا في سبب الاستحقاق وتساويا فيه فيتساويان في الاستحقاق فإن أصابه سهم الأول فوقذه ثم أصابه سهم الآخر فقتله قال أبو يوسف رحمه الله يؤكل والصيد للأول وقال زفر رحمه الله لا يؤكل وهذا فرع اختلافهم في أن المعتبر في الرمي حال الرمي أو حال الإصابة فعند أصحابنا الثلاثة المعتبر حال الرمي وعند زفر حال الإصابة ووجه البناء على هذا الأصل أن المعتبر لما كان حال الرمى عندنا فقد وجد الرمي منهما والصيد ممتنع فلا يتعلق بالسهم الثاني حظر إلا أن الملك للأول لأن سهمه أخرجه من حيز الامتناع فصار السهم الثاني كأنه وقع بصد ( ( ( بصيد ) ) ) مملوك فلا يستحق به شيء فكان الاعتبار بحال الرمي في حق الحل والإصابة في حق الملك لأن الحل يتعلق بالفعل والملك يتعلق بالمحل ولما كان الاعتبار بحال الإصابة عنده فقد أصابه الثاني والصيد غير ممتنع فصار كمن رمي إلى شاة فقتلها وجه قول زفر رحمه الله الاعتبار حال الإصابة أن الملك يقف ثبوته على الإصابة فإنه لو لم يصب لا يملك فدل أن المعتبر هو وقت الإصابة ولنا أن حال الرمي هو الذي يفعله والتسمية معتبرة عند فعله فكان الاعتبار بحال الرمي وكذلك أن رمي أحدهما بعد الآخر قبل إصابة الأول فهو كرميهما معا في القولين لأن رمي الثاني وجد والصيد ممتنع فصار كما لو رميا معا فإن أصابه سهم الأول ولم يخرجه من الامتناع فأصابه الثاني فقتله فهو للثاني لأن الأول إذا لم يخرجه عن حد الامتناع ففعل الاصطياد وجد من الثاني وللأول تسبب في الصيد فصار كمن أثار صيدا وأخذه غيره أن الصيد يكون للآخذ لا للمثير كذا هذا وإن كان سهم الأول وقذه وأخرجه عن الامتناع ثم أصابه سهم الثاني فهذا على وجوه إن مات من الأول أكل وعلى الثاني ضمان ما نقصته جراحته لأن السهم الأول وقع به وهو صيد فإذا قتله حل وقد ملكه الأول بالإصابة فالجراحة الثانية نقص في ملك الأول فيضمنها الثاني
وإن مات من الجراحة الثانية لم يؤكل لأن الثاني رمي إليه وهو غير ممتنع فصار كالرمي إلى الشاة ويضمن الثاني ما نقصته جراحته لأنه نقص دخل في ملك الغير بفعله ثم يضمن قيمته مجروحا بجراحتين لأنه أتلف بفعله إلا أنه غرم نقصان الجرح الثاني فلا يضمنه ثانيا والجرح الأول نقص حصل بفعل المالك للصيد فلا يضمنه الثاني وإن مات من الجراحتين لم يؤكل لأن أحد الرميين حاظر والآخر مبيح فالحكم للحاظر احتياطا والصيد للأول لانفراده بسبب ملكه وهو الجراحة المخرجة له من الامتناع وعلى الثاني للأول نصف قيمته مجروحا بالجراحتين ويضمن نصف ما نقصته الجراحة الثانية لأنه مات بفعلهما ( ( ( بفعلها ) ) ) فسقط نصف الضمان وثبت نصفه والجراحة الثانية يضمنها الثاني لأنها حصلت في ملك غيره ولأنه أتلف على شريكه نصيبه حين أخرجه من الإباحة إلى الحظر فيلزمه الضمان وإن لم يعلم بأ ( ( ( بأي ) ) ) الجراحتن ( ( ( الجراحتين ) ) ) مات فهو كما لو علم أنه مات منهما لأن كل واحدة من الجراحتن ( ( ( الجراحتين ) ) ) سبب القتل في الظاهر والله عز ( ( ( جل ) ) ) وجل ( ( ( وعز ) ) ) أعلم ولو أرسل كلبا على صد ( ( ( صيد ) ) ) وسمى فأدرك الكلب الصد ( ( ( الصيد ) ) ) فضربه فوقذه ثم ضربه ثانيا فقتله أكل وكذلك لو أرسل كلبين على صيد فضربه أحدهما فوقذه ثم ضربه الكلب الآخر فقتله فإنه يؤكل لأن هذا لا يدخل في تعليم الكلب إذ لا يمكن أن يعلم بترك الجرح بعد الجرح الأول فلا يعتبر فكأنه قتله بجرح واحد ولو أرسل رجلان كل واحد منهما كلبه على صيد فضربه كلب أحدهما فوقذه ثم ضربه كلب الآخر فقتله فإنه يؤكل لما ذكرنا أن جرح الكلب بعد الجرح مما لا يمكن التحفظ عنه فلا يوجب الحظر فيؤكل ويكون الصيد لصاحب الأول لأن جراحة كلبه أخرجته عن حد الامتناع فصار ملكا له فجراحة كلب الثاني لا تزيل ملكه عنه ومنها أن يكون الإرسال والرمي على الصيد وإليه حتى لو أرسل على غير صيد أو رمى إلى غير صيد فأصاب صيدا لا يحل لأن الإرسل ( ( ( الإرسال ) ) ) إلى غير الصيد والرمي إلى غيره لا يكون اصطيادا فلا يكون قتل الصيد وجرحه مضافا إلى المرسل والرامي فلا تتعلق به الإباحة وعلى هذا يخرج ما إذا سمع حسا فظنه صيدا فأرسل عليه كلبه أو بازه أو رماه بسهم فأصاب صيدا أو بان له أن الحس الذي سمعه لم يكن حس صيد وإنما كان شاة أو بقرة أو آدميا أنه لا يؤكل الصيد الذي أصابه في قولهم جميعا لأنه تبين أنه أرسل على ما ليس بصيد ورمي إلى ما ليس بصيد فلا يتعلق به الحل لما بينا من الفقه وصار كأنه رمى إلى آدمي أو شاة أو بقرة وهو يعلم به فأصاب صيدا أنه لا يؤكل كذا هذا وإن كان الحس حس صيد فأصاب صيدا يؤكل سواء كان ذلك الحس حس صيد مأكول أو غير مأكول بعد أن كان المصاب صيدا مأكولا وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر إن كان ذلك الحس حس صيد لا يؤكل لحمه كالسباع ونحوها لا يؤكل وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه إن كان حس ضبع يؤكل الصيد وإن كان حس خنزير لا يؤكل الصيد وجه قول زفر أن السبع غير مأكول فالرمي إليه لا يثبت به حل الصيد المأكول كما لو كان حس آدمي فرمى إليه فأصاب صيدا
ولنا أن الإرسال إلى الصيد اصطياد مباح مأكولا كان الصيد أو غير مأكول فتتعلق به إباحة الصيد المأكول لأن حل الصيد المأكول يتعلق بالإرسال فإذا كان الإرسال حلالا يثبت حله إلا أنه لا يثبت بحل الإرسال حل حكم المرسل إليه لأن حرمته ثبتت لمعنى يرجع إلى المحل فلا تتبدل بالفعل ولأن المعتبر في الإرسال هو قصد الصيد فأما التعيين فليس بشرط لما بينا فيما تقدم وقد قصد الصيد حلالا كان أو حراما بخلاف ما إذا كان الحس حس آدمي لأن الإرسال على الآدمي ليس باصطياد فضلا عن أن يكون حلالا إذ لا يتعلق حل الصيد بما ليس باصطياد وعلى الوجه الثاني لم يوجد منه قصد الصيد فلا يتعلق به الحل وجه رواية أبي يوسف رحمه الله في فصله بين سائر السباع وبين الخنزير أن الخنزير محرم العين حتى لا يجوز الانتفاع به بوجه فسقط اعتبار الإرسال عليه والتحق بالعدم فأما سائر السباع فجائز الانتفاع بها في غير جهة الأكل فكان الإرسال إليها معتبرا وإن سمع حسا ولكنه لا يعلم أنه حس صيد أو غيره فأرسل فأصاب صيدا لم يؤكل لأنه إذا لم يعلم استوى الحظر والإباحة فكان الحكم للحظر احتياطا وذكر في الأصل فيمن رمى خنزيرا أهليا فأصاب صيدا قال لا يؤكل لأن الخنزير الأهلي ليس بصيد لعدم التوحش والامتناع فكان الرمي إليه كالرمي إلى الشاة فلا يتعلق به حل الصيد وإن أصاب صيدا مأكولا وقد قالوا فيمن سمع حسا فظنه آدميا فرماه فأصاب الحس نفسه فإذا هو صيد أكل لأنه رمي إلى المحسوس المعين وهو الصيد فصح ونظيره ما إذا قال لامرأته وأشار إليها هذه الكلبة طالق أنها تطلق وبطل الاسم وقالوا لو رمى طائرا فأصاب صيدا وذهب المرمى إليه ولم يعلم أوحشي أو مستأنس أكل الصيد لأن الأصل في الطير التوحش فيجب التمسك بالأصل حتى يعلم الاستئناس ولو علم أن المرمي إليه داجن تأوي البيوت لا يؤكل الصيد لأن الداجن يأويه البيت وتثبت اليد عليه فكان الرمي إليه كالرمي إلى الشاة وذلك لا يتعلق به الحل كذا هذا وقالوا لو رمى بعيرا فأصاب صيدا وذهب البعير فلم يعلم أناد أو غير ناد لم يؤكل الصيد حتى يعلم أن البعير كان نادا لأن الأصل في الإبل الاستئناس فيتمسك بالأصل حتى يظهر الأمر بخلافه واختلفت الرواية عن أبي يوسف رحمه الله فيمن رمى سمكة أو جرادة فأصاب صيدا فقال في رواية لا يؤكل لأن السمك والجراد لا ذكاة لهما وروي عنه أنه يؤكل لأن المرمي إليه من جملة الصيد وإن كان لا ذكاة له وقالوا لو أرسل كلبه على ظبي موثق فأصاب صيدا لم يؤكل لأن الموثق ليس بصيد لعدم معنى الصيد فيه وهو الامتناع فأشبه شاة ولو أرسل بازه على ظبي وهو لا يصيد الظبي فأصاب صيدا لم يؤكل لأن هذا إرسال لم يقصد به الاصطياد فصار كمن أرسل كلبا على قتل رجل فأصاب صيدا ومنها أن لا يكون ذو الناب الذي يصطاد به من الجوارح محرم العين فإن كان محرم العين وهو الخنزير فلا يؤكل صيده لأن محرم العين محرم الانتفاع به والاصطياد به انتفاع به فكان حراما فلا يتعلق به الحل وأما ما سواه من ذي الناب من السباع فقد قال أصحابنا جميعا كل ذي مخلب وذي ناب علم فتعلم ولم يكن محرم العين فصيد به كان صيده حلالا لعموم قوله عز شأنه وما علمتم من الجوارح وقالوا في الأسد والذئب أنه لا يجوز الصيد بهما لا لمعنى يرجع إلى ذاتهما بل لعدم احتمال التعلم لأن التعلم بترك العادة وذلك بترك الأكل وقيل إن من عادتهما أنهما إذا أخذا صيدا لا يأكلانه في الحال فلا يمكن الاستدلال بترك الأكل فيهما على التعلم حتى لو تصور تعليمهما يجوز
وذكر هشام وقال سألت محمدا عن الذئب إذا علم فصاد فقال هذا أرى أنه لا يكون فإن كان فلا بأس به وقال سألته عن صيد ابن عرس فأخبرني أن أبا حنيفة رحمه الله قال إذا علم فتعلم فكل مما صاد فصار ( ( ( فصاد ) ) ) الأصل ما ذكرنا أن ما لا يكون محرم العين من الجوارح إذا علم فتعلم يؤكل صيده والله جل شأنه أعلم ومنها أن يعلم أن تلف الصيد بإرسال أو رمي هو سبب الحل من حيث الظاهر فإن شاركهما معنى أو سبب يحتمل حصول التلف به والتلف به مما لا يفيد الحل لا يؤكل إلا إذا كان ذلك المعنى مما لا يمكن الاحتراز عنه لأنه إذا احتمل حصول التلف بما لا يثبت به الحل فقد احتمل الحل والحرمة فيرجح جانب الحرمة احتياطا لأنه إن أكل عسى أنه أكل الحرام فيأثم وإن لم يأكل فلا شيء عليه والتحرز عن الضرر واجب عقلا وشرعا والأصل فيه ما روي عن رسول الله أنه قال لوابصة بن معبد رضي الله عنه الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا وقد غلب الحرام الحلال وعلى هذا يخرج ما إذا رمى صيدا وهو يطير فأصابه فسقط على جبل ثم سقط منه على الأرض فمات أنه لا يؤكل وهو تفسير المتردي لأنه يحتمل أنه مات من الرمي ويحتمل أنه مات بسقوطه عن الجبل وكذلك لو كان على جبل فأصابه فسقط منه شيء على الجبل ثم سقط على الأرض فمات أو كان على سطح فأصابه فهوى فأصاب حائط السطح ثم سقط على الأرض فمات أو كان على نخلة أو شجرة فسقط منها على جذع النخلة أو ند من الشجرة ثم سقط على الأرض فمات أو وقع على رمح مركوز في الأرض وفيه سنان فوقع على السنان ثم وقع على الأرض فمات أو نشب فيه السنان فمات عليه أو أصاب سهمه صيدا فوقع في الماء فمات فيه لا يحل لأنه يحتمل أنه مات بالرمي ويحتمل أنه مات بهذه الأسباب الموجودة بعده وقد روي عن رسول الله أنه قال وإن وقع في الماء فلا تأكله فلعل الماء قتله بين عليه الصلاة والسلام الحكم وعلل بما ذكرنا من احتمال موته بسبب آخر وهو وقوعه في الماء والحكم المعلل بعلة يتعمم بعموم العلة ولو أصابه السهم فوقع على الأرض فمات فالقياس أن لا يؤكل لجواز موته بسبب وقوعه على الأرض وفي الاستحسان يؤكل لأنه لا يمكن الاحتراز عن وقوع المرمي إليه على الأرض فلو اعتبر هذا الاحتمال لوقع الناس في الحرج وذكر في المنتقى في الصيد إذا وقع على صخرة فانشق بطنه أو انقطع رأسه أنه لا يؤكل قال الحاكم الجليل الشهيد المروزي وهذا خلاف جواب الأصل قال القدوري رحمه الله وعني به أنه خلاف عموم جواب الأصل لأنه ذكر في الأصل لو وقع على أجرة موضوعة في الأرض أكل ولم يفصل بين أن يكون انشق بطنه أو لم ينشق فهذا يقتضي أن يؤكل في الحالين فيجوز أن يجعل في المسألة روايتان ويجوز أن يفرق بين الحالين من حيث أن لو انشق بطنه أو انقطع رأسه فالظاهر أن موته بهذا السبب لا بالرمي فكان احتمال موته بالرمي احتمال خلاف الظاهر فلا يعتبر وإذا لم ينشق ولم ينقطع فموته بكل واحد من السببين محتمل احتمالا على السواء إلا أن التحرز غير ممكن فسقط اعتبار موته بسبب العارض ويجوز أن يكون المذكور في المنتقى تفسيرا لما ذكر في الأصل فيكون معناه أنه يؤكل إذا لم ينشق بطنه أو لم ينقطع رأسه فيحمل المطلق على المقيد ويجعل المقيد بيانا للمطلق عند تعذر العمل بهما
ولو وقع على حرف آجرة أو حرف حجر ثم وقع على الأرض فمات لم يؤكل لما قلنا ولو كانت الآجرة منطرحة على الأرض فوقع عليها ثم مات أكل لأن الآجرة المنطرحة كالأرض فوقوعه عليها كوقوعه على الأرض ولو وقع على جبل فمات عليه أكل لأن استقراره على الجبل كاستقراره على الأرض وذكر في المنتقى عن أبي يوسف رحمه الله لو رمى صيدا على قلة ( ( ( قمة ) ) ) جبل فأثخنه حتى صار لا يتحرك ولم يستطع أن يأخذه فرماه فقتله ووقع لم يأكله لأنه خرج عن كونه صيدا بالرمي الأول لخروجه عن حد الامتناع فالرمي الثاني لم يصادف صيدا فلم يكن ذكاة له فلا يؤكل وعلى هذا يخرج ما إذا اجتمع على الصيد معلم وغير معلم أو مسمى عليه وغير مسمى أنه لا يؤكل لاجتماع سببي الحظر والإباحة ولم يعلم أيهما قتله ولو أرسل مسلم كلبه فاتبع الكلب كلب آخر غير معلم لكنه لم يرسله أحد ولم يزجره بعد انبعاثه أو سبع من السباع أو ذو مخلب من الطير مما يجوز أن يعلم فيصاد به فرد الصيد عليه ونهشه أو فعل ما يكون معونة للكلب المرسل فأخذه الكلب المرسل وقتله لا يؤكل لأن رد الكلب ونهشه مشاركة في الصيد فأشبه مشاركة المعلم وغير المعلم والمسمى عليه غير المسمى عليه بخلاف ما إذا رد عليه آدمي أو بقرة أو حمار أو فرس أو ضب لأن فعل هؤلاء ليس من باب الاصطياد فلا يزاحم الاصطياد في الإباحة فكان ملحقا بالعدم فإن تبع الكلب الأول كلب غير معلم ولم يرد عليه ولم يهيب الصيد ولكنه اشتد عليه وكان الذي أخذ وقتل الكلب المعلم لا بأس بأكله لأنهما ما اشتركا في الاصطياد لعدم المعاونة فيحل أكله والله جل شأنه أعلم ومنها أن يلحق المرسل أو الرامي الصيد أو من يقوم مقامه قبل التواري عن عينه أو قبل انقطاع الطلب منه إذا لم يدرك ذبحه فإن توارى عن عينه وقعد عن طلبه ثم وجده لم يؤكل فأما إذا لم يتوار عنه أو توارى لكنه لم يقعد عن الطلب حتى وجده يؤكل استحسانا والقياس أنه لا يؤكل وجه القياس أنه يحتمل أن الصيد مات من جراحة كلبه أو من سهمه ويحتمل أنه مات بسبب آخر فلا يحل أكله بالشك وجه الاستحسان ما روي أن رسول الله مر بالروحاء على حمار وحش عقير فتبادر أصحابه إليه فقال دعوه فسيأتي صاحبه فجاء رجل من فهر فقال هذه رميتي يا رسول الله وأنا في طلبها وقد جعلتها لك فأمر رسول الله سيدنا أبا بكر رضي الله عنه فقسمه بين الرفاق ولأن الضرورة توجب ذلك لأن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه في الصيد فإن العادة أن السهم إذا وقع بالصيد تحامل فغاب وإذا أصاب الكلب الخوف منه غاب فلو اعتبرنا ذلك لأدى ذلك إلى انسداد باب الصيد ووقوع الصيادين في الحرج فسقط اعتبار الغيبة التي لا يمكن التحرز عنها إذا لم يوجد من الصائد تفريط في الطلب لمكان الضرورة والحرج وعند قعوده عن الطلب لا ضرورة فيعمل بالقياس وقد روي أن رجلا أهدى إلى النبي عليه الصلاة والسلام صيدا فقال له من أين لك هذا فقال رميته بالأمس وكنت في طلبه حتى هجم علي الليل فقطعني عنه ثم وجدته اليوم ومزراقي فيه فقال عليه الصلاة والسلام أنه غاب عنك ولا أدري لعل بعض الهوام أعانك عليه لا حاجة لي فيه بين عليه الصلاة والسلام الحكم وعليه ( ( ( وعلة ) ) ) الحكم وهو ما ذكرنا من احتمال موته بسبب آخر وهذا المعنى لا يتحقق فيه إذا لم يقعد عن الطلب وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ذلك فقال كل ما أصميت ودع ما أنميت قال أبو يوسف رحمه الله الأصماء ما عاينه والإنماء ما توارى عنه
وقال هشام عن محمد رحمه الله الأصماء ما لم يتوار على بصرك والإنماء ما توارى عن بصرك إلا أنه أقيم الطلب مقام البصر للضرورة ولا ضرورة عند عدم الطلب ولأنه إذا قعد عن طلبه فمن الجائز أنه لو كان طلبه لأدركه حيا فيخرج من أن يكون ذكاة فلا يحل بالشك بخلاف ما إذا لم يقعد عن طلبه لأنه لم يدركه حيا فبقي الجرح ذكاة له والله تعالى أعلم وأما ما يستحب من الذكاة وما يكره منها فمنها أن المستحب أن يكون الذبح بالنهار ويكره بالليل والأصل فيه ما روي عن رسول الله أنه نهى عن الأضحى ليلا وعن الحصاد ليلا وهو كراهة تنزيه ومعنى الكراهة يحتمل أن يكون لوجوه أحدهما ( ( ( أحدها ) ) ) أن الليل وقت أمن وسكون وراحة فإيصال الألم في وقت الراحة يكون أشد والثاني أنه لا يأمن من أن يخطىء ( ( ( يخطئ ) ) ) فيقطع يده ولهذا كره الحصاد بالليل والثالث أن العروق المشروطة في الذبح لا تتبين في الليل فربما لا يستوفي قطعها ومنها أنه يستحب في الذبح حالة الاختيار أن يكون ذلك بآلة حادة من الحديد كالسكين والسيف ونحو ذلك ويكره بغير الحديد وبالكليل من الحديد لأن السنة في ذبح الحيوان ما كان أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته والأصل فيه ما روينا عن رسول الله أنه قال إن الله تعالى عز شأنه كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وفي بعض الروايات وليشد قوائمه وليلقه على شقه الأيسر وليوجهه نحو القبلة وليسم الله تعالى عليه والذبح بما قلنا أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته ومنها التذفيف في قطع الأوداج ويكره الإبطاء فيه لما روينا عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال وليرح ذبيحته والإسراع نوع راحة له ومنها الذبح في الشاة والبقرة والنحر في الإبل ويكره القلب من ذلك لما ذكرنا فيما تقدم والله عز شأنه أعلم ومنها أن يكون ذلك من قبل الحلقوم ويكره من قبل القفا لما مر ومنها قطع الأوداج كلها ويكره قطع البعض دون البعض لما فيه من إبطاء فوات حياته ومنها الاكتفاء بقطع الأوداج ولا يبلغ به النخاع وهو العرق الأبيض الذي يكون في عظم الرقبة ولا يبان الرأس ولو فعل ذلك يكره لما فيه من زيادة إيلام من غير حاجة إليها وفي الحديث ألا لا تنخعوا الذبيحة والنخع القتل الشديد حتى يبلغ النخاع ومنها أن يكون الذابح مستقبل القبلة والذبيحة موجهة إلى القبلة لما روينا ولما روي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا ذبحوا استقبلوا القبلة فإنه روي عن الشعبي أنه قال كانوا يستحبون أن يستقبلوا بالذبيحة القبلة وقوله كانوا كناية عن الصحابة رضي الله عنهم ومثله لا يكذب ولأن المشركين كانوا يستقبلون بذبائحهم إلى الأوثان فتستحب مخالفتهم في ذلك باستقبال القبلة التي هي جهة الرغبة إلى طاعة الله عز شأنه ويكره أن يقول عند الذبح اللهم تقبل من فلان وإنما يقول ذلك بعد الفراغ من الذبح أو قبل الاشتغال بالذبح هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله عن حماد عن إبراهيم وكذلك قال أبو يوسف ادع بالتقبل قبل الذبح إن شئت أو بعده وقد روينا عن رسول الله أنه قال موطنان لا أذكر فيهما عند العطاس وعند الذبح وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه قال جردوا التسمية عند الذبح ولو قال ذلك لا تحرم الذبيحة لأنه ما ذكر اسم غير الله عز شأنه على سبيل الاشراك لكنه يكره لتركه التجريد من حيث الصورة
فإن قيل أليس أنه روي أن رسول الله ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته فالجواب أنه ليس فيه أنه ذكر مع اسم الله تعالى جل شأنه نفسه عليه الصلاة والسلام أو أمته فيحتمل أنه ضحى أحدهما وذكر اسم الله تعالى ونوى بقلبه أن يكون عنه وضحى الآخر وذكر اسم الله تعالى ونوى بقلبه أن يكون عن أمته وهذا لا يوجب الكراهة ويكره له بعد الذبح قبل أن تبرد أن ينخعها أيضا وهو أن ينحرها حتى يبلغ النخاع وأن يسلخها قبل أن تبرد لأن فيه زيادة إيلام لا حاجة إليها فإن نخع أو سلخ قبل أن تبرد فلا بأس بأكلها لوجود الذبح بشرائطه ويكره جرها برجلها إلى المذبح لأنه الحاق زيادة ألم بها من غير حاجة إليها في الذكاة وروي عن ابن سيرين عن سيدنا عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يسوق شاة ليذبحها سوقا عنيفا فضربه بالدرة ثم قال له سقها إلى الموت سوقا جميلا لا أم لك ويكره أن يضجعها ويحد الشفرة بين يديها لما روي أن رسول الله رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد الشفرة وهي تلاحظه فقال عليه الصلاة والسلام أوددت أن تميتها موتات ألا حددت الشفرة قبل أن تضجعها وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلا وقد أضجع شاة ووضع رجله على صفحة وجهها وهو يحد الشفرة فضربه بالدرة فهرب الرجل وشردت الشاة ولأن البهيمة تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك فتتحرز عنها فإذا أحد الشفرة وقد أضجعها يزداد ألمها وهذا كله لا تحرم به الذبيحة لأن النهي عن ذلك ليس لمعنى في المنهي بل لما يلحق الحيوان من زيادة ألم لا حاجة إليه فكان النهي عنه لمعنى في غير المنهي وأنه لا يوجب الفساد كالذبح بسكين مغصوب والاصطياد بقوس مغصوب ونحو ذلك فصل وأما بيان ما يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول فالذي يحرم أكله منه سبعة الدم المسفوح والذكر والأنثييان ( ( ( والأنثيان ) ) ) والقبل والغدة والمثانة والمرارة لقوله عز شأنه ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وهذه الأشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة فكانت محرمة وروي عن مجاهد رضي الله عنه أنه قال كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة الذكر والأنثيين والقبل والغدة والمرارة والمثانة والدم فالمراد منه كراهة التحريم بدليل أنه جمع بين الأشياء الستة وبين الدم في الكراهة والدم المسفوح محرم والمروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال الدم حرام وأكره الستة أطلق اسم الحرام على الدم المسفوح وسمى ما سواه مكروها لأن الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به وحرمة الدم المسفوح قد ثبتت بدليل مقطوع به وهو النص المفسر من الكتاب العزيز قال الله تعالى عز شأنه قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما إلى قوله عز شأنه أو دما مسفوحا أو لحم خنزير وانعقاد الإجماع أيضا على حرمته فأما حرمة ما سواه من الأشياء الستة فما ثبتت بدليل مقطوع به بل بالاجتهاد أو بظاهر الكتاب العزيز المحتمل للتأويل أو الحديث لذلك فصل بينهما في الاسم فسمى ذلك حراما وذا مكروها والله عز اسمه أعلم كتاب الاصطياد قد بينا في كتاب الذبائح والصيود ما يؤكل من الحيوانات وما يحرم أكله منها وما يكره والآن نبين في كتاب الاصطياد ما يباح اصطياده وما لا يباح ومن يباح له الاصطياد ومن لا يباح له فقط أما الأول فيباح اصطياد ما في البحر والبر مما يحل أكله وما لا يحل أكله غير أن ما يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بلحمه وما لا يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بجلده وشعره وعظمه أو لدفع أذيته إلا صيد الحرم فإنه لا يباح اصطياده إلا المؤذي منه لقوله عز شأنه أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا وقول النبي عليه الصلاة والسلام في صيد الحرم في حديث فيه طول ولا ينفر صيده وخص منه المؤذيات بقوله عليه الصلاة والسلام خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم
وأما الثاني فيباح اصطياد ما في البحر للحلال والمحرم ولا يباح اصطياد ما في البر للمحرم خاصة لقوله تعالى أحل لكم صيد البحر إلى قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما والفصل بين صيد البر والبحر وغير ذلك من المسائل بيناه في كتاب الحج والله عز شأنه الموفق كتاب التضحية يحتاج لمعرفة مسائل هذا الكتاب إلى بيان صفة التضحية وإنها ( ( ( أنها ) ) ) واجبة أو لا وإلى بيان شرائط الوجوب لو كانت واجبة وإلى بيان وقت الوجوب وإلى بيان كيفية الوجوب وإلى بيان محل إقامة الواجب وإلى بيان شرائط جواز إقامة الواجب وإلى بيان ما يستحب أن يفعل قبل التضحية وعندها وبعدها وما يكره كراهة تحريم أو تنزيه أما صفة التضحية فالتضحية نوعان واجب وتطوع والواجب منها أنواع منها ما يجب على الغني والفقير ومنها ما يجب على الفقير دون الغني ومنها ما يجب على الغني دون الفقير أما الذي يجب على الغني والفقير فالمنذور به بأن قال لله علي أن أضحي شاة أو بدنه أو هذه الشاة أو هذه البدنة أو قال جعلت هذه الشاة ضحية أو أضحية وهو غني أو فقير لأن هذه قربة لله تعالى عز شأنه من جنسها إيجاب وهو هدي المتعة والقرآن والاحصار وفداء إسماعيل عليه الصلاة والسلام وقيل هذه القربة تلزم بالنذر كسائر القرب التي لله تعالى عز شأنه من جنسها إيجاب من الصلاة والصوم ونحوهما والوجوب بسبب النذر يستوي فيه الفقير والغني وإن كان الواجب يتعلق بالمال كالنذر بالحج أنه يصح من الغني والفقير جميعا وأما الذي يجب على الفقير دون الغني فالمشتري للأضحية إذا كان المشتري فقيرا بأن اشترى فقير شاة ينوي أن يضحي بها وقال الشافعي رحمه الله لا تجب وهو قول الزعفراني من أصحابنا وإن كان غنيا لا يجب عليه بالشراء شيء بالاتفاق وجه قول الشافعي رحمه الله أن الإيجاب من العبد يستدعي لفظا يدل على الوجوب والشراء بنية الأضحية لا يدل على الوجوب فلا يكون إيجابا ولهذا لم ين ( ( ( يكن ) ) ) إيجابا من الغني ولنا أن الشراء للأضحية ممن لا أضحية عليه يجري مجرى الإيجاب وهو النذر بالتضحية عرفا لأنه إذا اشترى للأضحية مع فقره فالظاهر أنه يضحي فيصير كأنه قال جعلت هذه الشاة أضحية بخلاف الغني لأن الأضحية واجبة عليه بإيجاب الشرع ابتداء فلا يكون شراؤه للأضحية إيجابا بل يكون قصد ( ( ( قصدا ) ) ) إلى تفريغ ما في ذمته ولو كان في ملك إنسان شاة فنوى أن يضحي بها أو اشترى شاة ولم ينو الأضحية وقت الشراء ثم نوى بعد ذلك أن يضحي بها لا يجب عليه سواء كان غنيا أو فقيرا لأن النية لم تقارن الشراء فلا تعتبر وأما الذي يجب على الغني دون الفقير فما يجب من غير نذر ولا شراء للأضحية بل شكرا لنعمة الحياة وإحياء لميراث الخليل عليه الصلاة والسلام حين أمره الله تعالى عز اسمه بذبح الكبش في هذه الأيام فداء عن ولده ومطية على الصراط ومغفرة للذنوب وتكفيرا للخطايا على ما نطقت بذلك الأحاديث وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن بن زياد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهم الله وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنها لا تجب وبه أخذ الشافعي رحمه الله وحجة هذه الرواية ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث كتبت على ولم تكتب عليكم والوتر ( ( ( الوتر ) ) ) والضحى والأضحى وروي ثلاث كتبت علي وهي لكم سنة وذكر عليه الصلاة والسلام الأضحية والسنة غير الواجب في العرف
وروي أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين وروي عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أنه قال قد يروح على ألف شاة ولا أضحى بواحدة مخافة أن يعتقد جاري أنها واجبة ولأنها لو كانت واجبة لكان لا فرق فيها بين المقيم والمسافر لأنهما لا يفترقان في الحقوق المتعلقة بالمال كالزكاة وصدقة الفطر ثم لا تجب على المسافر فلا تجب على المقيم ولنا قوله عز وجل فصل لربك وانحر قيل في التفسير صل صلاة العيد وانحر البدن بعدها وقيل صل الصبح بجمع وانحر بمنى ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل ومتى وجب على النبي عليه الصلاة والسلام يجب على الأمة لأنه قدوة للأمة فإن قيل قد قيل في بعض وجوه التأويل لقوله عز شأنه وانحر أي ضع يديك على نحرك في الصلاة وقيل استقبل القبلة بنحرك في الصلاة فالجواب أن الحمل على الأول أولى لأنه حمل اللفظ على فائدة جديدة والحمل على الثاني حمل على التكرار لأن وضع اليد على النحر من أفعال الصلاة عندكم يتعلق به كمال الصلاة واستقبال القبلة من شرائط الصلاة لا وجود للصلاة شرعا بدونه فيدخل تحت الأمر بالصلاة فكان الأمر بالصلاة أمرا به فحمل قوله عز شأنه وانحر عليه يكون تكرارا والحمل على ما قلناه يكون حملا على فائدة جديدة فكان أولى وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أمر عليه الصلاة والسلام بالتضحية والأمر المطلق عن القرينة يقتضي الوجوب في حق العمل وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال على أهل كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة وعلى كلمة إيجاب ثم نسخت العتيرة فثبتت الأضحاة وروى عنه عليه السلام أنه قال من لم يضح فلا يقربن مصلانا وهذا خرج مخرج الوعيد على ترك الأضحية ولا وعيد إلا بترك الواجب وقال عليه الصلاة والسلام من ذبح قبل الصلاة فليعد أضحيته ومن لم يذبح فليذبح بسم الله أمر عليه الصلاة والسلام بذبح الأضحية وإعادتها إذا ذبحت قبل الصلاة وكل ذلك دليل الوجوب ولأن إراقة الدم قربة والوجوب هو القربة في القربات وأما الحديث فنقول بموجبه أن الأضحية ليست بمكتوبة علينا ولكنها واجبة وفرق ما بين الواجب والفرض كفرق ما بين السماء والأرض على ما عرف في أصول الفقه وقوله هي لكن ( ( ( لكم ) ) ) سنة أن ثبت لا ينفي الوجوب إذ السنة تنبيء عن الطريقة أو السيرة وكل ذلك لا ينفي الوجوب وأما حديث سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما فيحتمل أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين لعدم غناهما لما كان لا يفضل رزقهما الذي كان في بيت المال عن كفايتهما والغني شرط الوجوب في هذا النوع وقول أبي مسعود رضي الله عنه لا يصلح معارضا للكتاب الكريم والسنة مع ما أنه يحتمل أنه كان عليه دين فخاف على جاره لو ضحى أن يعتقد وجوب الأضحية مع قيام الدين ويحتمل أنه أراد بالوجوب الفرض إذ هو الواجب المطلق فخاف على جاره اعتقاد الفرضية لو ضحى فصان اعتقاده بترك الأضحية فلا يكون حجة مع الاحتمال أو يحمل على ما قلنا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض والاستدلال بالمسافر غير سديد لأن فيه ضرورة لا توجد في حق المقيم على ما نذكر في بيان الشرائط إن شاء الله تعالى عز شأنه ولو نذر أن يضحي بشاة وذلك في أيام النحر وهو موسر فعليه أن يضحي بشاتين عندنا شاة لأجل النذر وشاة بإيجاب الشرع ابتداء إلا إذا عني به الأخبار عن الواجب عليه بإيجاب الشرع ابتداء فلا يلزمه إلا التضحية بشاة واحدة ومن المشايخ من قال لا يلزمه إلا التضحية بشاة واحدة لأن هذه الصيغة حقيقتها للإخبار فيكون اخبارا عما وجب عليه إيجاب ( ( ( بإيجاب ) ) ) الشرع فلا يلزمه التضحية بأخرى
ولنا أن هذه الصيغة في عرف الشرع جعلت إنشاء كصيغة الطلاق والعتاق لكنها تحتمل الأخبار فيصدق في حكم بينه وبين ربه عز شأنه ولو قال ذلك قبل أيام النحر يلزمه التضحية بشاتين بلا خلاف لأن الصيغة لا تحتمل الأخبار عن الواجب إذ لا وجوب قبل الوقت والأخبار عن الواجب ولا واجب يكون كذبا فتعين الإنشاء مرادا بها وكذلك لو قال ذلك وهو معسر ثم أيسر في أيام النحر فعليه أن يضحي بشاتين لأنه لم يكن وقت النذر أضحية واجبة عليه فلا يحتمل الأخبار فيحمل على الحقيقة الشرعية وهو الإنشاء فوجب عليه أضحية بنذره وأخرى بإيجاب الشرع ابتداء لوجود شرط الوجوب وهو الغنى وأما التطوع فأضحية المسافر والفقير الذي لم يوجد منه النذر بالتضحية ولا الشراء للأضحية لانعدام سبب الوجوب وشرطه فصل وأما شرائط الوجوب فأما في النوعين الأولين فشرائط أهلية النذر وقد ذكرناها في كتاب النذر وأما النوع الثالث فمنها الإسلام فلا تجب على الكافر لأنها قربة والكافر ليس من أهل القرب ولا يشترط وجود الإسلام في جميع الوقت من أوله إلى آخره حتى لو كان كافرا في أول الوقت ثم أسلم في آخره تجب عليه لأن وقت الوجوب يفضل عن أداء الواجب فيكفي في وجوبها بقاء جزء من الوقت كالصلاة ومنها الحرية فلا تجب على العبد وإن كان مأذونا في التجارة أو مكاتبا لأنه حق مالي متعلق بملك المال ولهذا لا تجب عليه زكاة ولا صدقة الفطر ولا يشترط أن يكون حرا من أول الوقت إلى آخره بل يكتفي بالحرية في آخر جزء من الوقت حتى لو أعتق في آخر الوقت وملك نصابا تجب عليه الأضحية لما قلنا في شرط الإسلام ومنها الإقامة فلا تجب على المسافر لأنها لا تتأدى بكل مال ولا في كل زمان بل بحيوان مخصوص في وقت مخصوص والمسافر لا يظفر به في كل مكان في وقت الأضحية فلو أوجبنا عليه لاحتاج إلى حمله مع نفسه وفيه من الحرج ما لا يخفى أو احتاج إلى ترك السفر وفيه ضرر فدعت الضرورة إلى امتناع الوجوب بخلاف الزكاة لأن الزكاة لا يتعلق وجوبها بوقت مخصوص بل جميع العمر وقتها فكان جميع الأوقات وقتا لادائها فإن لم يكن في يده شيء للحال يؤديها إذا وصل إلى المال وكذا تتأدى بكل مال فإيجابها عليه لا يوقعه في الحرج وكذلك صدقة الفطر لأنها تجب وجوبا موسعا كالزكاة وهو الصحيح وعند بعضهم وإن كانت تتوقف بيوم الفطر لكنها تتأدى بكل مال فلا يكون في الوجوب عليه حرج وذكر في الأصل وقال ولا تجب الأضحية على الحاج وأراد بالحاج المسافر فأما أهل مكة فتجب عليهم الأضحية وإن حجوا لما روي نافع عن ابن سيدنا عمر رضي الله عنهما أنه كان يخلف لمن لم يحج من أهله أثمان الضحايا ليضحوا عنه تطوعا ويحتمل أنه ليضحوا عن أنفسهم لا عنه فلا يثبت الوجوب مع الاحتمال ولا تشترط الإقامة في جميع الوقت حتى لو كان مسافرا في أول الوقت ثم أقام في آخره تجب عليه لما بينا في شرط الحرية والإسلام
ولو كان مقيما في أول الوقت ثم سافر في آخره لا تجب عليه لما ذكرنا هذا إذا سافر قبل أن يشتري أضحية فإن اشترى شاة للأضحية ثم سافر ذكر في المنتقى أن له بيعها ولا يضحى بها وهكذا روى عن محمد رحمه الله أنه يبيعها من المشايخ من فصل بين الموسر والمعسر فقال إن كان موسرا فالجواب كذلك لأنه ما أوجب بهذا الشراء شيئا على نفسه وإنما قصد به اسقاط الواجب عن نفسه فإذا سافر تبين أنه لا وجوب عليه فكان له أن يبيعها كما لو شرع في العبادة على ظن أنها عليه ثم تبين أنها ليست عليه أنه لا يلزمه الإتمام وإن كان معسرا ينبغي أن تجب عليه ولا تسقط عنه بالسفر لأن هذا إيجاب من الفقير بمنزلة النذر فلا يسقط بالسفر كما لو شرع في التطوع أنه يلزمه الإتمام والقضاء بالإفساد كذا ههنا وإن سافر بعد دخول الوقت قالوا ينبغي أن يكون الجواب كذلك لما ذكرنا ومنها الغنى لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من وجد سعة فليضح شرط عليه الصلاة والسلام السعة وهي الغنى ولأنا أوجبناها بمطلق المال ومن الجائز أن يستغرق الواجب جميع ماله فيؤدي إلى الحرج فلا بد من اعتبار الغني وهو أن يكون في ملكه مائتا درهم أو عشرون دينارا أو شيء تبلغ قيمته ذلك سوى مسكنه وما يتأثث به وكسوته وخادمه وفرسه وسلاحه وما لا يستغنى عنه وهو نصاب صدقة الفطر وقد ذكرناه وما يتصل به من المسائل في صدقة الفطر ولو كان عليه دين بحيث لو صرف إليه بعض نصابه لا ينقص نصابه لا تجب لأن الدين يمنع وجوب الزكاة فلأن يمنع وجوب الأضحية أولى لأن الزكاة فرض والأضحية واجبة والفرض فوق الواجب وكذا لو كان له مال غائب لا يصل إليه في أيام النحر لأنه فقير وقت غيبة المال حتى تحل له الصدقة بخلاف الزكاة فانها تجب عليه لأن جميع العمر وقت الزكاة وهذه قربة موقتة فيعتبر الغنى في وقتها ولا يشترط أن يكون غنيا في جميع الوقت حتى لو كان فقيرا في أول الوقت ثم أيسر في آخره يجب عليه لما ذكرنا ولو كان له مائتا درهم فحال عليها الحول فزكاها بخمسة دراهم ثم حضرت أيام النحر وماله مائة وخمسة وتسعون لا رواية فيه وذكر الزعفراني أنه تجب عليه الأضحية لأن النصاب وإن انتقص لكنه انتقص بالصرف إلى جهة هي قربة فيجعل قائما تقديرا حتى لو صرف خمسة منها إلى النفقة لا تجب لانعدام الصرف إلى جهة القرابة ( ( ( القربة ) ) ) فكان النصاب ناقصا حقيقة وتقديرا فلا يجب ولو اشترى الموسر شاة للأضحية فضاعت حتى انتقص نصابه وصار فقيرا فجاءت أيام النحر فليس عليه أن يشتري شاة أخرى لأن النصاب ناقص وقت الوجوب فلم يوجد شرط الوجوب وهو الغنى فلو أنه وجدها وهو معسر وذلك في أيام النحر فليس عليه أن يضحي بها لأنه معسر وقت الوجوب ولو ضاعت ثم اشترى أخرى وهو موسر فضحى بها ثم وجد الأولى وهو معسر لم يكن عليه أن يتصدق بشيء لما قلنا وجميع ما ذكرنا من الشروط يستوي فيها الرجل والمرأة لأن الدلائل لا تفصل بينهما وأما البلوغ والعقل فليسا من شرائط الوجوب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر هما من شرائط الوجوب حتى تجب الأضحية في مال الصبي والمجنون إذا كانا موسرين عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله حتى لو ضحى الأب أو الصبي من مالهما لا يضمن عندهما وعند محمد وزفر رحمهما الله يضمن وهو على الاختلاف الذي ذكرنا في صدقة الفطر والحج ذكرت هنالك
ومن المتأخرين من قال لا خلاف بينهم في الأضحية أنها لا تجب في مالهما لأن القربة في الأضحية هي إراقة الدم وإنها إتلاف ولا سبيل إلى إتلاف مال الصغير والتصدق باللحم تطوع ولا يجوز ذلك في مال الصغير والصغير في العادة لا يقدر على أن يأكل جميع اللحم ولا يجوز بيعه ولا سبيل للوجوب رأسا والصحيح أنه على الاختلاف وتجب الأضحية عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ولا يتصدق باللحم لما قلنا لكن يأكل منها الصغير ويدخر له قدر حاجته ويبتاع بالباقي ما ينتفع بعينه كابتياع البالغ بجلد الأضحية ما ينتفع بعينه والذي يجن ويفيق يعتبر حاله في الجنون والإفاقة فإن كان مجنونا في أيام النحر فهو على الاختلاف وإن كان مفيقا يجب بلا خلاف وقيل أن حكمه حكم الصحيح كيف ما كان ومن بلغ من الصغار في أيام النحر وهو موسر يجب عليه بإجماع بين أصحابنا لأن الأهلية من الحر في آخر الوقت لا في أوله كما لا يشترط إسلامه وحريته وإقامته في أول الوقت لما بينا ولا يجب على الرجل أن يضحي عن عبده ولا عن ولده الكبير في وجوبها عليه من ماله لولده الصغير روايتان كذا ذكره القدوري رحمه الله وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنها تجب في ظاهر الرواية ولكن الأفضل أن يفعل ذلك وأطلق الطحاوي رحمه الله ما يدل على الوجوب فإنه قال ويجب على الرجل أن يضحي عن أولاده الصغار وجه رواية الوجوب أن ولد الرجل جزؤه فإذا وجب عليه أن يضحي عن نفسه فكذا عن ولده ولهذا وجب عليه أن يؤدي عنه صدقة الفطر ولأن له على ولده الصغير ولاية كاملة فيجب كصدقة الفطر بخلاف الكبير فإنه لا ولاية له عليه وجه ظاهرة الرواية أن الأصل أن لا يجب على الإنسان شيء على غيره خصوصا في القربات لقول الله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقوله جل شأنه لها ما كسبت ولهذا لم تجب عليه عن عبده وعن ولده الكبير إلا أن صدقة الفطر خصت عن النصوص فبقيت الأضحية على عمومها ولأن سبب الوجوب هناك رأس يمونه ويلي عليه وقد وجد في الولد الصغير وليس السبب الرأس ههنا ألا ترى أنه يجب بدونه وكذا لا يجب بسبب العبد وأما الوجوب عليه من ماله لولد ولده إذا كان أبوه ميتا فقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أن يضحي عنه قال القدوري رحمه الله ويجب أن يكون هذا على روايتين كما قالوا في صدقة الفطر وقد مر وجه الروايتين في صدقة الفطر وأما المصر فليس بشرط الوجوب فتجب على المقيمين في الأمصار والقرى والبوادي لأن دلائل الوجوب لا توجب الفصل والله أعلم فصل وأما وقت الوجوب فأيام النحر فلا تجب قبل دخول الوقت لأن الواجبات الموقتة لا تجب قبل أوقاتها كالصلاة والصوم ونحوهما وأيام النحر ثلاثة يوم الأضحى وهو اليوم العاشر من ذي الحجة والحادي عشر والثاني عشر وذلك بعد طلوع الفجر من اليوم الأول إلى غروب الشمس من الثاني عشر وقال الشافعي رحمه الله تعالى أيام النحر أربعة أيام العاشر من ذي الحجة والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والصحيح قولنا لما روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي وابن عباس وسيدنا ( ( ( وابن ) ) ) عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهم أنهم قالوا أيام النحر ثلاثة أولها أفضلها والظاهر أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أوقات العبادات والقربات لا تعرف إلا بالسمع فإذا طلع الفجر من اليوم الأول فقد دخل وقت الوجوب فتجب عند استجماع شرائط الوجوب ثم لجواز الأداء بعد ذلك شرائط أخر نذكرها في موضعها إن شاءا ( ( ( شاء ) ) ) الله تعالى فإن وجدت يجوز وإلا فلا كما تجب الصلاة بدخول وقتها ثم إن وجدت شرائط جواز أدائها جازت وإلا فلا والله تعالى أعلم فصل وأما كيفية الوجوب فأنواع