Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه يكون احتكارا لأن كراهة الاحتكار بالشراء في المصر والامتناع عن البيع لمكان الإضرار بالعامة وقد وجد ههنا ولأبي حنيفة رضي الله عنه قول النبي عليه السلام الجالب مرزوق وهذا جالب ولأن حرمة الاحتكار بحبس المشتري في المصر لتعلق حق العامة به فيصير ظالما بمنع حقهم على ما نذكر ولم يوجد ذلك في المشتري خارج المصر من مكان بعيد لأنه متى اشتراه ولم يتعلق به حق أهل المصر فلا يتحقق الظلم ولكن مع هذا الأفضل له أن لا يفعل ويبيع لأن في الحبس ضررا بالمسلمين وكذلك ما حصل له من ضياعه بأن زرع أرضه فأمسك طعامه فليس ذلك باحتكار لأنه لم يتعلق به حق أهل المصر لكن الأفضل أن لا يفعل ويبيع لما قلنا ثم الاحتكار يجري في كل ما يضر بالعامة عند أبي يوسف رحمه الله قوتا كان أو لا وعند محمد رحمه الله لا يجري الاحتكار إلا في قوت الناس وعلف الدواب من الحنطة والشعير والتبن والقت وجه قول محمد رحمه الله أن الضرر في الأعم الأغلب إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف فلا يتحقق الاحتكار إلا به وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن الكراهة لمكان الإضرار بالعامة وهذا لا يختص بالقوت والعلف وأما حكم الاحتكار فنقول يتعلق بالاحتكار أحكام منها الحرمة لما روي عن رسول الله أنه قال المحتكر ملعون والجالب مرزوق ولا يلحق اللعن إلا بمباشرة المحرم وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد بريء من الله وبريء الله منه ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلا بارتكاب الحرام ولأن الاحتكار من باب الظلم لأن ما بيع في المصر فقد تعلق به حق العامة فإذا امتنع المشتري عن بيعه عند شدة حاجتهم إليه فقد منعهم حقهم ومنع الحق عن المستحق ظلم وإنه حرام وقليل مدة الحبس وكثيرها سواء في حق الحرمة لتحقق الظلم ومنها أن يؤمر المحتكر بالبيع إزالة للظلم لكن إنما يؤمر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله فإن لم يفعل وأصر على الاحتكار ورفع إلى الإمام مرة أخرى وهو مصر عليه فإن الإمام يعظه ويهدده فإن لم يفعل ورفع إليه مرة ثالثة يحبسه ويعزره زجرا له عن سوء صنعه ولا يجبر على البيع وقال محمد يجبر عليه وهذا يرجع إلى مسألة الحجر على الحر لأن الجبر على البيع في معنى الحجر وكذا لا يسعر لقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نفسه وروي أن السعر علا في المدينة وطلبوا التسعير من رسول الله فلم يسعر وقال إن الله تبارك وتعالى هو المسعر القابض الباسط ومنها أنه إذا خاف الإمام الهلاك على أهل المصر أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه عليهم فإذا وجدوا ردوا عليهم مثله لأنهم اضطروا إليه ومن اضطر إلى مال الغير في مخمصة كان له أن يتناوله بالضمان لقول ( ( ( لقوله ) ) ) الله فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم وكذا يكره تلقي الركبان إذا كان يضر بأهل المصر لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تلقي الركبان ولأن فيه إضرارا بالعامة فيكره كما يكره الاحتكار ويكره خرق الزق الذي فيه خمر لمسلم عند أبي حنيفة رحمه الله ولو خرق يضمن وعند أبي يوسف ومحمد لا يكره ولا يضمن
وعلى هذا الخلاف كسر آلات الملاهي من البربط والعود والزمارة ونحوها والمسألة تعرف في كتاب البيوع رجل ابتلع درة رجل فمات المبتلع فإن ترك مالا كانت قيمة الدرة في تركته وإن لم يترك مالا لا يشق بطنه لأن الشق حرام وحرمة النفس أعظم من حرمة المال وعليه قيمة الدرة لأنه استهلكها وهي ليست من ذوات الأمثال فكانت مضمونة بالقيمة فإن ظهر له مال في الدنيا قضي منه وإلا فهو مأخوذ به في الآخرة حامل ماتت فاضطرب في بطنها ولد فإن كان في أكبر الرأي أنه حي يشق بطنها لأنا ابتلينا ببليتين فنختار أهونهما وشق بطن الأم الميتة أهون من إهلاك الولد الحي رجل له ورثة صغار فأراد أن يوصي نظر في ذلك فإن كان أكبر رأيه أنه تقع الكفاية لهم بما سوى ثلث الوصية من المتروك فالوصية بالثلث أفضل لأن فيه رعاية الجانبين وإن كان أكبر رأيه أنه لا تقع الكفاية لهم إلا بكل المتروك فالمتروك لهم أفضل من الوصية لما روي أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سأل رسول الله فقال يوصي الرجل من ماله فقال عليه الصلاة والسلام بالثلث والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس رجل رأى رجلا قتل أباه وادعى القاتل أنه قتله بقصاص أو ردة ولم يعلم الابن من ذلك شيئا وسع الابن أن يقتله لأنه عاين السبب الموجب للقصاص في الأصل وهو القتل العمد لقوله عليه الصلاة والسلام العمد قود إلا أن يعفى أو يفادي والقاتل يدعي أمرا عارضا فلا يسمع إلا بحجة وكذلك إذا أقر بالقتل في السر ثم ادعى أنه قتله بقصاص أو بردة كان الابن في سعة من قتله لأن الإقرار بالقتل العمد إقرار بالسبب الموجب للقصاص في الأصل على ما بينا ولو لم يعاين القتل ولا أقر به عنده ولكن شهد عنده شاهدان عدلان على معاينة القتل أو على الإقرار به لم يسعه قتله حتى يقضي القاضي بشهادتهما فرقا بين الإقرار وبين الشهادة ووجه الفرق بينهما ظاهر لأن الشهادة ليست بحجة بنفسها بل بقضاء القاضي لما فيها من تهمة جر النفع فلا تندفع التهمة إلا بقضاء القاضي فأما الإقرار فحجة بنفسه إذ الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه فهو الفرق وكذلك يحل لمن عاين القتل أو سمع إقراره به أن يعين الولي على قتله لأنه إعانة لصاحب الحق على استيفاء حقه ظاهرا ولو شهد عند الابن اثنان بما يدعيه القاتل مما يحل دمه من القتل والردة فإن كانا ممن يقضي القاضي بشهادتهما لو شهدا عنده لا ينبغي لابن ( ( ( للابن ) ) ) أن يعجل بالقتل لجواز أن يتصل القضاء بشهادتهما فيتبين أنه قتله بغير حق والامتناع عن المباح أولى من ارتكاب المحظور وإن كانا ممن لا يقضي القاضي بشهادتهما لو شهدا عنده كالمحدودين في القذف والنساء وحدهن كان في سعة من قتله لما ذكرنا أن الشهادة ليست بحجة بنفسها بل بقضاء القاضي فإن كانت ممن لا يتصل بها القضاء كان وجودها وعدمها بمنزلة واحدة ولكن مع هذا إن توقف في ذلك فهو أفضل لاحتمال اتصال القضاء به في الجملة أو لاحتمال أن يكون صدقا حقيقة عند الله عز وجل ولو شهد عنده رجل واحد عدل غير محدود في القذف ينبغي أن يتوقف في القتل لجواز أن ينضم إليه شاهد آخر ولهذا لو شهد عند القاضي لتوقف أيضا فكان الانتظار أفضل ولو لم ينتظر واستعجل في قتله كان في سعة منه لأن الموجود أحد شطري الشهادة وأنه لا يعتبر بدون الشطر الآخر
ولو عاين الوارث رجلا أخذ مالا من أبيه أو أقر عنده أنه أخذ مالا من أبيه وادعى أنه كان وديعة له عند أبيه أو كان دينا له عليه اقتضاه منه وسعه أن يأخذه منه لأنه لما عاين أخذ المال منه فقد عاين السبب الموجب للضمان في الأصل وهو الأخذ لأن الأخذ في الأصل سبب لوجوب ضمان المأخوذ وهو رد عينه إن كان قائما ورد بدله إن كان هالكا لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترده ودعوى الإيداع والدين أمر عارض فلا يسمع إلا بحجة وله أن يأخذه ( ( ( يأخذ ) ) ) منه ولو امتنع عن الدفع يقاتله عليه لقوله عليه الصلاة والسلام قاتل دون مالك وكذا إذا أقر بذلك لأنه أقر بالسبب الموجب للضمان على ما بينا فله أن يأخذه ( ( ( يأخذ ) ) ) منه وكذلك يسع لمن عاين ذلك أو سمع إقراره أن يعينه على الأخذ منه لكونه إعانة على استيفاء الحق ظاهرا ولو لم يعاين ذلك ولا أقر به عنده ولكن شهد شاهدان عدلان عنده أن هذا الشيء الذي في يد فلان ملك ورثته عن أبيك لا يسعه أخذه منه حتى يقضي القاضي بخلاف الإقرار وقد مر الفرق بينهما في فصل القتل والله عز وجل أعلم وأما الذي ثبت حرمته في حق الرجال دون النساء فثلاثة أنواع منها لبس الحرير المصمت من الديباج والقز لما روي أن رسول الله خرج وبإحدى يديه حرير وبالأخرى ذهب فقال هذان حرامان على ذكور أمتى حل لأناثها وروي أن رسول الله أعطى سيدنا عمر رضي الله عنه حلة فقال يا رسول الله كسوتني حلة وقد قلت في حلة عطارد إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة فقال رسول الله إني لم أكسكها لتلبسها وفي رواية إنما أعطيتك لتكسو بعض نسائك فإن قيل أليس روي أن رسول الله خرج وعليه قباء من ديباج قيل نعم ثم نسخ لما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال لبس رسول الله جبة حرير ( ( ( حريرا ) ) ) أهداها له أكيدر رومة ( ( ( دومة ) ) ) وذلك قبل أن ينهى عنه كذا قال أنس وهذا في غير حال الحرب وأما في حال الحرب فكذلك عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يكره لبس الحرير في حال الحرب وجه قولهما أن في لبس الحرير في حال الحرب ضرورة لأنه يحتاج إلى دفع ضرر السلاح عنه والحرير أدفع له وأهيب للعدو وأيضا فرخص للضرورة ولأبي حنيفة رضي الله عنه إطلاق التحريم الذي روينا من غير فصل بين حال الحرب وغيرها وما ذكراه من الضرورة يندفع بلبس ما لحمته حرير وسداه غير حرير لأن دفع ضرر السلاح وتهيب العدو يحصل به فلا ضرورة إلى لبس الحرير الخالص فلا تسقط الحرمة من غير ضرورة ولا فرق بين الكبير والصغير في الحرمة بعد أن كان ذكرا لأن النبي عليه الصلاة والسلام أدار هذا الحكم على الذكورة بقوله عليه الصلاة والسلام هذان حرامان على ذكور أمتي إلا أن اللابس إذا كان صغيرا فالإثم على من ألبسه لا عليه لأنه ليس من أهل التحريم عليه كما إذا سقى خمرا فشربها كان الإثم على الساقي لا عليه كذا ههنا
هذا إذا كان كله حريرا وهو المصمت فإن كانت لحمته حريرا وسداه غير حرير لا يكره لبسه في حال الحرب بالإجماع لما ذكرنا من ضرورة دفع مضرة السلاح وتهييب ( ( ( وتهيب ) ) ) العدو فأما في غير حال الحرب فمكروه لانعدام الضرروة ( ( ( الضرورة ) ) ) وإن كان سداه حريرا ولحمته غير حرير لا يكره في حال الحرب وغيرها وههنا نكتتان إحداهما أن الثوب يصير ثوبا للحمة لأنه إنما يصير ثوبا بالنسج والنسج تركيب اللحمة بالسدى فكانت اللحمة كالوصف الأخير فيضاف الحكم إليه وهذه النكتة تقتضي إباحة لبس الثياب العتابي والنكتة الثانية وهي نكتة الشيخ أبي منصور أن السدى إذا كان حريرا واللحمة غير حرير يصير السدى مستورا باللحمة فأشبه الحشو وهذه النكتة تقتضي أن لا يباح لبس العتابي لأن سداه ظاهر عير مستور والصحيح هو النكتة الأولى لأن رواية الإباحة في لبس مطلق ثوب سداه حرير ولحمته غير حرير منصوصة فتجري على إطلاقها فلا تناسبها إلا النكتة الأولى ولو جعل حشو القباء حريرا أو قزا لا يكره لأنه مستور بالظهارة فلم يحصل معنى التزين والتنعم ألا يرى أن لابس هذا الثوب لا يسمى لابس الحرير والقز ولو جعل الحرير بطانة يكره لأنه لابس الحرير حقيقة وكذا معنى التنعم حاصل للتزين بالحرير ولطفه هذا إذا كان الحرير كثيرا فإن كان قليلا كأعلام الثياب والعمائم قدر أربعة أصابع فما دونها لا يكره وكذا العلم المنسوج بالذهب لأنه تابع والعبرة للمتبوع ألا ترى أن لابسه لا يسمى لابس الحرير والذهب وكذا جرت العادة بتعمم العمائم ولبس الثياب المعلمة بهذا القدر في سائر الأعصار من غير نكير فيكون إجماعا وكذا الثوب والقلنسوة الذي جعل على أطرافها حرير لا يكره إذا كان قدر أربعة أصابع فما دونها لما قلنا وروي أن النبي لبس فروة وعلى أطرافها حرير وعن محمد أنه لا يسغ ( ( ( يسع ) ) ) ذلك في القلنسوة وإن كان أقل من أربعة أصابع وإنما رخص أبو حنيفة رضي الله عنه إذا كان في عرض الثوب وذكر في نوادر هشام عن محمد رحمه الله أنه يكره تكة الديباج والإبريسم لأنه استعمال الحرير مقصودا لا بطريق التبعية فيكره وإن قل بخلاف العلم ونحوه هذا الذي ذكرنا حكم لبس الحرير فأما حكم التوسد به والجلوس والنوم عليه فغير مكروه عند أبي حنيفة عليه الرحمة وعند أبي يوسف ومحمد مكروه لهما إطلاق التحريم الذي روينا من غير فصل بين اللبس وغيره ولأن معنى التزين والتنعم كما يحصل باللبس يحصل بالتوسد والجلوس والنوم ولأبي حنيفة ما روي أنه كان على بساط عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مرفقة من حرير وروي أن أنسا رضي الله عنه حضر وليمة فجلس على وسادة حرير عليها طيور فدل فعله رضي الله عنه على رخصة الجلوس على الحرير وعلى الوسادة الصغيرة التي عليها صورة وبه تبين أن المراد من التحريم في الحديث تحريم اللبس فيكون فعل الصحابي مبينا لقول النبي لا مخالفا له والقياس باللبس غير سديد لأن التزين بهذه الجهات دون التزين باللبس لأنه استعمال فيه إهانة المستعمل بخلاف اللبس فيبطل الاستدلال به وأما المرأة فيحل لها لبس الحرير المصمت والديباج والقز لأن النبي أحل هذا للأناث بقوله عليه الصلاة والسلام حل لإناثها ومنها الذهب لأن النبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الذهب وبين الحرير في التحريم على الذكور بقوله عليه الصلاة والسلام هذان حرامان على ذكور أمتي فيكره للرجل التزين بالذهب كالتختم ونحوه ولا يكره للمرأة لقوله عليه الصلاة والسلام حل لإناثها
وروي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال اتخذت خاتما من ذهب فدخلت على سيدنا رسول الله فقال مالك اتخذت حلي أهل الجنة قبل أن تدخلها فرميت ذلك واتخذت خاتما من حديد فدخلت عليه فقال مالك اتخذت حلي أهل النار فاتخذت خاتما من نحاس فدخلت عليه فقال إني أجد منك ريح الأصنام فقلت كيف أصنع يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام اتخذه من الورق ولا تزد على المثقال والأصل أن استعمال الذهب فيما يرجع إلى التزين مكروه في حق الرجل دون المرأة لما قلنا واستعماله فيما ترجع منفعته إلى البدن مكروه في حق الرجل والمرأة جميعا حتى يكره الأكل والشرب والادهان والتطيب من مجامر الذهب للرجل والمرأة لقول النبي عليه الصلاة والسلام إن الذي يشرب من آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ومعلوم أن الذهب أشد حرمة من الفضة ألا يرى أنه رخص عليه الصلاة والسلام التختم بالفضة للرجال ولا رخصة في الذهب أصلا فكان النص الوارد في الفضة واردا في الذهب دلالة من طريق الأولى كتحريم التأفيف مع تحريم الضرب والشتم وكذلك الاكتحال بمكحلة الذهب أو بميل من ذهب مكروه للرجل والمرأة جميعا لأن منفعته عائدة إلى البدن فأشبه الأكل والشرب وأما الإناء المضبب بالذهب فلا بأس بالأكل والشرب فيه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول محمد ذكره في الموطأ وعند أبي يوسف يكره وجه قول أبي يوسف أن استعمال الذهب حرام بالنص وقد حصل باستعمال الإناء فيكره وجه قولهما أن هذا القدر من الذهب الذي عليه هو تابع له والعبرة للمتبوع دون التابع كالثوب المعلم والجبة المكفوفة بالحرير وعلى هذا الخلاف الجلوس على السرير المضبب والكرسي والسرج واللجام والركاب والتفر ( ( ( والثفر ) ) ) المضببة وكذا المصحف المضبب على هذا الخلاف وكذا حلقة المرأة إذا كانت من الذهب ولبس ثوب فيه كتابة بذهب على هذا الاختلاف وأما السيف المضبب والسكين فلا بأس به بالإجماع وكذلك المنطقة المضببة لورود الآثار بالرخصة بذلك في السلاح ولا بأس بشد الفص بمسمار الذهب لأنه تبع للفص والعبرة للأصل دون التبع كالعلم للثوب ونحوه وأما شد السن المتحرك بالذهب فقد ذكر الكرخي رحمه الله أنه يجوز ولم يذكر خلافا وذكر في الجامع الصغير أنه يكره عند أبي حنيفة وعند محمد رحمهما الله لا يكره ولو شدها بالفضة لا يكره بالإجماع وكذا لو جدع أنفه فاتخذ أنفا من ذهب لا يكره بالاتفاق لأن الأنف ينتن بالفضة فلا بد من اتخاذه من ذهب فكان فيه ضرورة فسقط اعتبار حرمته وقد روي أن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن فأمره سيدنا رسول الله أن يتخذ أنفا من ذهب وبهذا الحديث يحتج محمد على ما ذكر في الجامع لجواز تضبيب السن بالذهب ولأنه يباح له أن يشده بالفضة فكذا بالذهب لأنهما في حرمة الاستعمال على السواء ولأنه تبع للسن والتبع حكمه حكم الأصل وهذا يوافق أصل أبي حنيفة رضي الله عنه وحجة ما ذكر أبو حنيفة رضي الله عنه في الجامع إطلاق التحريم من غير فصل ولا يرخص مباشرة المحرم إلا لضرورة وهي تندفع بالأدنى وهو الفضة فبقي الذهب على أصل التحريم والاستدلال بالفضة غير سديد لتفاوت بين الحرمتين على ما مر ولو سقط سنه يكره أن يأخذ سن ميت فيشدها مكان الأولى بالإجماع وكذا يكره أن يعيد تلك السن الساقطة مكانها عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ولكن يأخذ سن شاة ذكية فيشدها مكانها وقال أبو يوسف رحمه الله لا بأس بسنه ويكره سن غيره قال ولا يشبه سنه سن ميت استحسن ذلك وبينهما عندي فصل ولكن لم يحضرني
ووجه الفصل له من وجهين أحدهما أن سن نفسه جزء منفصل للحال عنه لكنه يحتمل أن يصير متصلا في الثاني بأن يلتئم فيشتد بنفسه فيعود إلى حالته الأولى وإعادة جزء منفصل إلى مكانه ليلتئم جائز كما إذا قطع شيء من عضوه فأعاده إلى مكانه فأما سن غيره فلا يحتمل ذلك والثاني أن استعمال جزء منفصل عن غيره من بني آدم إهانة بذلك الغير والآدمي بجميع أجزائه مكرم ولا إهانة في استعمال جزء نفسه في الإعادة إلى مكانه وجه قولهما أن السن من الآدمي جزء منه فإذا انفصل استحق الدفن ككله ( ( ( كله ) ) ) والإعادة صرف له عن جهة الاستحقاق فلا تجوز وهذا لا يوجب الفصل بين سنه وسن وغيره ( ( ( غيره ) ) ) ومنها الفضة لأن النص الوارد بتحريم الذهب على الرجال يكون واردا بتحريم الفضة دلالة فيكره للرجال استعمالها في جميع ما يكره استعمال الذهب فيه إلا التختم به إذا ضرب على صيغة ما يلبسه الرجال ولا يزيد على المثقال لما روينا من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وكذا المنطقة وحلية السيف والسكين من الفضة لما مر وما لا يكره استعمال الذهب فيه لا يكره استعمال الفضة من طريق الأولى لأنها أخف حرمة من الذهب وقد ذكرنا جميع ذلك على الاتفاق والاختلاف فلا نعيده وأما التختم بما سوى الذهب والفضة من الحديد والنحاس والصفر فمكروه للرجال والنساء جميعا لأنه زي أهل النار لما روينا من الحديث وأما الأواني المموهة بماء الذهب والفضة الذي لا يخلص منه شيء فلا بأس بالانتفاع بها في الأكل والشرب وغير ذلك بالإجماع وكذا لا بأس بالانتفاع بالسرج والركاب والسلاح والسرير والسقف المموه لأن التمويه ليس بشيء ألا يرى أنه لا يخلص والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب كتاب البيوع الكلام في هذا الكتاب في الأصل في مواضع في بيان ركن البيع وفي بيان شرائط الركن وفي بيان أقسام البيع وفي بيان ما يكره من البياعات وما يتصل بها وفي بيان حكم البيع وفي بيان ما يرفع حكم البيع أما ركن البيع فهو مبادلة شيء مرغوب وذلك قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل أما القول فهو المسمى بالإيجاب والقبول في عرف الفقهاء والكلام في الإيجاب والقبول في موضعين أحدهما في صيغة الإيجاب والقبول والثاني في صفة الإيجاب والقبول أما الأول فنقول وبالله التوفيق الإيجاب والقبول قد يكون بصيغة الماضي وقد يكون بصيغة الحال أما بصيغة الماضي فهي أن يقول البائع بعت ويقول المشتري اشتريت فيتم الركن لأن هذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعا لكنها جعلت إيجابا للحال في عرف أهل اللغة والشرع والعرف قاض على الوضع وكذا إذا قال البائع خذ هذا الشيء بكذا أو أعطيتكه بكذا أو هو لك بكذا أو بذلتكه بكذا وقال المشتري قبلت أو أخذت أو رضيت أو هويت ونحو ذلك فإنه يتم الركن لأن كل واحد من هذه الألفاظ يؤدي معنى البيع وهو المبادلة والعبرة للمعنى لا للصورة وأما صيغة الحال فهي أن يقول البائع للمشتري أبيع منك هذا الشيء بكذا ونوى الإيجاب فقال المشتري اشتريت أو قال المشتري أشتري منك هذا الشيء بكذا ونوى الإيجاب وقال البائع أبيعه منك بكذا وقال المشتري اشتريه ونويا الإيجاب يتم الركن وينعقد وإنما اعتبرنا النية ههنا وإن كانت صيغة أفعل للحال هو الصحيح لأنه غلب استعمالها للاستقبال إما حقيقة أو مجازا فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية ولا ينعقد بصيغة الاستفهام بالاتفاق بأن يقول المشتري للبائع أتبيع مني هذا الشيء بكذا أو أبعته مني بكذا فقال البائع بعت لا ينعقد ما لم يقل المشتري اشتريت
وكذا إذا قال البائع للمشتري اشتر مني هذا الشيء بكذا فقال اشتريت لا ينعقد ما لم يقل البائع بعت وهل ينعقد بصيغة الاستقبال وهي صيغة الأمر بأن يقول المشتري للبائع بع عبدك هذا مني بكذا فيقول البائع بعت قال أصحابنا رحمهم الله لا ينعقد ما لم يقل المشتري اشتريت وكذا إذا قال البائع للمشتري اشتر مني هذا الشيء بكذا فقال اشتريت لا ينعقد ما لم يقل البائع بعت عندنا وقال الشافعي رحمه الله ينعقد وجه قوله أن هذه الصيغة تصلح شطر العقد في الجملة ألا ترى أن من قال لآخر تزوج ابنتي فقال المخاطب تزوجت أو قال زوج ابنتك مني فقال زوجت ينعقد النكاح فإذا صلحت هذه الصيغة شطرا في النكاح صلحت شطرا في البيع لأن الركن في كل واحد منهما هو الإيجاب والقبول ولنا أن قوله بع أو اشتر طلب الإيجاب والقبول وطلب الإيجاب والقبول لا يكون إيجابا وقبولا فلم يوجد إلا أحد الشطرين فلا يتم الركن ولهذا لا ينعقد بلفظ الاستفهام لكون الاستفهام سؤال الإيجاب والقبول لا إيجابا وقبولا كذا هذا وهذا هو القياس في النكاح إلا أنا استحسنا في النكاح بنص خاص وهو ما روى أبو يوسف أن بلالا خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه فقال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أخطب إليكم لم أخطب فقالوا له أملكت ولم ينقل أن بلالا رضي الله عنه قال قبلت فتركنا القياس هناك بالنص ولا نص في البيع فوجب العمل بالقياس ولأن هذه الصيغة مساومة حقيقة فلا تكون إيجابا وقبولا حقيقة بل هي طلب الإيجاب والقبول فلا بد للإيجاب والقبول من لفظ آخر يدل عليهما ولا يمكن حمل هذه الصيغة على المساومة في باب النكاح لأن المساومة لا توجد في النكاح عادة فحملت على الإيجاب والقبول على أن الضرورة توجب أن يكون قول القائل زوج ابنتك مني شطر العقد فلو لم تجعل شطر العقد لتضرر به الولي لجواز أن يزوج ولا يقبل المخاطب فيلحقه الشين فجعلت شطرا لضرورة دفع الضرر عن الأولياء وهذا المعنى في باب البيع منعدم فبقيت سؤالا فلا يتم به الركن ما لم يوجد الشطر الآخر وأما صفة الإيجاب والقبول فهو أن أحدهما لا يكون لازما قبل وجود الآخر فأحد الشطرين بعد وجوده لا يلزم قبل وجود الشطر الآخر حتى إذا وجد أحد الشطرين من أحد المتبايعين فللآخر خيار القبول وله خيار الرجوع قبل قبول الآخر لما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال البيعان بالخيار ما لم يفترقا عن بيعهما والخيار الثابت لهما قبل التفرق عن بيعهما هو خيار القبول وخيار الرجوع ولأن أحد الشطرين لو لزم قبل وجود الآخر لكان صاحبه مجبورا على ذلك الشطر وهذا لا يجوز وأما المبادلة بالفعل فهي التعاطي ويسمى هذا البيع بيع المراوضة وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز البيع بالتعاطي لأن البيع في عرف الشرع كلام إيجاب وقبول فأما التعاطي فلم يعرف في عرف الشرع بيعا وذكر القدوري أن التعاطي يجوز في الأشياء الخسيسة ولا يجوز في الأشياء النفيسة ورواية الجواز في الأصل مطلق عن هذا التفصيل وهي الصحيحة لأن البيع في اللغة والشرع اسم للمبادلة وهي مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب وحقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الأخذ والإعطاء وإنما قول البيع والشراء دليل عليهما والدليل عليه قوله عز وجل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم والتجارة عبارة عن جعل الشيء للغير ببدل وهو تفسير التعاطي وقال سبحانه وتعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين أطلق سبحانه وتعالى اسم التجارة على تبادل ليس فيه قول البيع وقال الله عز وجل إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة سمى سبحانه وتعالى مبادلة الجنة بالقتال في سبيل الله تعالى اشتراء وبيعا لقوله تعالى في آخر الآية فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وإن لم يوجد لفظ البيع
وإذا ثبت أن حقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الأخذ والإعطاء فهذا يوجد في الأشياء الخسيسة والنفيسة جميعا فكان التعاطي في كل ذلك بيعا فكان جائزا فصل وأما شرائط الركن فلا يمكن الوصول إلى معرفتها إلا بعد معرفة أقسام البياعات لأن منها ما يعم البياعات كلها ومنها ما يخص البعض دون البعض فنقول البيع في القسمة الأولى ينقسم قسمين قسم يرجع إلى البدل وقسم يرجع إلى الحكم أما الذي يرجع إلى البدل فينقسم قسمين آخرين أحدهما يرجع إلى البدلين والآخر يرجع إلى أحدهما وهو الثمن أما الأول فنقول البيع في حق البدلين ينقسم أربعة أقسام بيع العين بالعين وهو بيع السلع بالسلع ويسمى بيع المقايضة وبيع العين بالدين وهو بيع السلع بالأثمان المطلقة وهي الدراهم والدنانير وبيعها بالفلوس النافقة وبالمكيل الموصوف في الذمة والموزون الموصوف والعددي المتقارب الموصوف وبيع الدين بالعين وهو السلم وبيع الدين بالدين وهو بيع الثمن المطلق بالثمن المطلق وهو الصرف فأما الذي يرجع إلى أحد البدلين وهو الثمن فينقسم في حق البدل وهو الثمن خمسة أقسام بيع المساومة وهو مبادلة المبيع بأي ثمن اتفق وبيع المرابحة وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول وزيادة ربح وبيع التولية وهو المبادلة بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان وبيع الاشتراك وهو التولية لكن في بعض المبيع ببعض الثمن وبيع الوضيعة وهو المبادلة بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء منه وأما القسم الذي يرجع إلى الحكم فنذكره في باب حكم البيع إن شاء الله تعالى وإذا عرفت أقسام البياعات فنذكر شرائطها وهي أنواع بعضها شرط الانعقاد وبعضها شرط النفاذ وهو ما لا يثبت الحكم بدونه وإن كان قد ينعقد التصرف بدونه وبعضها شرط الصحة وهو ما لا صحة له بدونه وإن كان قد ينعقد وينفذ بدونه وبعضها شرط اللزوم وهو ما لا يلزم البيع بدونه وإن كان قد ينعقد وينفذ بدونه أما شرائط الانعقاد فأنواع بعضها يرجع إلى العاقد وبعضها يرجع إلى نفس العقد وبعضها يرجع إلى مكان العقد وبعضها يرجع إلى المعقود عليه أما الذي يرجع إلى العاقد فنوعان أحدهما أن يكون عاقلا فلا ينعقد بيع المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن أهلية المتصرف شرط انعقاد التصرف والأهلية لا تثبت بدون العقل فلا يثبت الانعقاد بدونه فأما البلوغ فليس بشرط لانعقاد البيع عندنا حتى لو باع الصبي العاقل مال نفسه ينعقد عندنا موقوفا على إجازة وليه وعلى إجازة نفسه بعد البلوغ وعند الشافعي شرط فلا تنعقد تصرفات الصبي عنده أصلا وكذا ليس بشرط النفاذ في الجملة حتى لو توكل عن غيره بالبيع والشراء ينفذ تصرفه وعنده لا ينفذ وهي مسألة كتاب المأذون وكذا الحرية ليست بشرط لانعقاد البيع ولا لنفاذه حتى ينفذ بيع العبد المأذون بالإجماع وينعقد بيع العبد المحجور إذا باع مال مولاه موقوفا على إجازته عندنا وكذا الملك أو الولاية ليس بشرط لانعقاد البيع عندنا بل هو شرط النفاذ حتى يتوقف بيع الفضولي وعنده شرط حتى لا يتوقف أصلا والمسألة تأتي في موضعها وكذا إسلام البائع ليس بشرط لانعقاد البيع ولا لنفاذه ولا لصحته بالإجماع فيجوز بيع الكافر وشراؤه وقال الشافعي إسلام المشتري شرط جواز شراء الرقيق المسلم والمصحف حتى لا يجوز ذلك من الكافر وجه قوله أن في تملك الكافر المسلم إذلالا بالمسلم وهذا لا يجوز ولهذا يجبر على بيعه عندكم ولنا عمومات البيع من غير فصل بين بيع العبد المسلم من المسلم وبين بيعه من الكافر فهو على العموم إلا حيث ما خص بدليل ولأن الثابت للكافر بالشراء ليس إلا الملك في المسلم والكافر من أهل أن يثبت الملك له على المسلم ألا ترى أن الكافر يرث العبد المسلم من أبيه وكذا إذا كان له عبد كافر فأسلم بقي ملكه فيه وهو الحقيقة ملك مبتدأ لأن الملك عرض لا بقاء له فدل أن الكافر من أهل ثبوت الملك له في المسلم
وقوله فيه إذلال بالمسلم قلنا الملك عندنا لا يظهر فيما فيه إذلال بالمسلم فإنه لا يظهر في حق الاستخدام والوطء والاستمتاع بالجارية المسلمة وإنما يظهر فيما لا ذل فيه من الإعتاق والتدبير والكتابة والبيع وبه تبين أن الجبر على البيع ليس لدفع الذل إذ لا ذل على ما بينا ولكن لاحتمال وجوده ( ( ( وجود ) ) ) فعل لا يحل ذلك في الإسلام لعداوة بين المسلم والكافر وإذا جاز شراء الذمي العبد المسلم فيجوز إعتاقه وتدبيره واستيلاده وكتابه ( ( ( وكتابته ) ) ) لأن جواز هذه التصرفات مبني على الملك وقد وجد إلا أنه دبره يسعى العبد في قيمته لأنه لا سبيل إلى إبقائه على ملكه ولا سبيل إلى الإزالة بالبيع لأنه بيع المدبر وأنه لا يجوز فتعينت الإزالة بالسعاية وكذا إذا كانت أمة فاستولدها فإنها تسعى في قيمتها لما قلنا ويوجع الذمي ضربا لوطئه المسلمة لأنه حرام عليه فيستحق التعزير وإذا كاتبه لا يعترض عليه لأنه أزال يده عنه حتى لو عجز ورد في الرق يجبر على بيعه وكذا الذمي إذا ملك شقصا فالحكم في البعض كالحكم في الكل ولو اشتراه مسلم من الكافر شراء فاسدا فإنه يجبر على الرد لأن رد الفساد واجب حقا للشرع ثم يجبر الكافر على بيعه والله سبحانه وتعالى أعلم وكذا النطق ليس بشرط لانعقاد البيع والشراء ولا لنفاذهما وصحتهما فيجوز بيع الأخرس وشراؤه إذا كانت الإشارة مفهومة في ذلك لأنه إذا كانت الإشارة مفهومة في ذلك قامت الإشارة مقام عبارته هذا إذا كان الخرس أصليا بأن ولد أخرس فأما إذا كان عارضا بأن طرأ عليه الخرس فلا إلا إذا دام به حتى وقع اليأس من كلامه وصارت الإشارة مفهومة فيلحق بالأخرس الأصلي والثاني العدد في العاقد فلا يصلح الواحد عاقدا من الجانبين في باب البيع إلا الأب فيما يبيع مال نفسه من ابنه الصغير بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس فيه عادة أو يشتري مال الصغير لنفسه بذلك عند أصحابنا الثلاثة استحسانا والقياس أن لا يجوز ذلك أيضا وهو قول زفر رحمه الله وجه القياس أن الحقوق في باب البيع ترجع إلى العاقد وللبيع حقوق متضادة مثل التسليم والتسلم والمطالبة فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلما ومتسلما طالبا ومطالبا وهذا محال ولهذا لم يجز أن يكون الواحد وكيلا من الجانبين في باب البيع لما ذكرنا من الاستحالة ويصلح رسولا من الجانبين لأن الرسول لا تلزمه الحقوق فلا يؤدي إلى الاستحالة وكذا ( ( ( وكدا ) ) ) القاضي يتولى العقد من الجانبين لأن الحقوق لا ترجع إليه فكان بمنزلة الرسول وبخلاف الوكيل في باب النكاح لأن الحقوق لا ترجع إليه فكان سفيرا محضا بمنزلة الرسول وجه الاستحسان قوله تبارك وتعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن فيملكه الأب وكذا البيع والشراء بمثل قيمته وبما يتغابن الناس فيه عادة قد يكون قربانا على وجه الأحسن بحكم الحال والظاهر أن الأب لا يفعل ذلك إلا في تلك الحال لكمال شفقته فكان البيع والشراء بذلك قربانا على وجه الأحسن وقوله يؤدي إلى الاستحالة قلنا ممنوع فإنه يجعل كأن الصبي باع أو اشترى بنفسه وهو بالغ فتعدد العاقد حكما فلا يؤدي إلى الاستحالة وأما الوصي إذا باع مال نفسه من الصغير أو اشترى مال الصغير لنفسه فإن لم يكن فيه نفع ظاهر لا يجوز بالإجماع وإن كان فيه نفع ظاهر جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يجوز لأن القياس يأبى جوازه أصلا من الأب والوصي جميعا لما ذكرنا من الاستحالة إلا أن الأب لكمال شفقته جعل شخصه المتحد حقيقة متعددا ذاتا ورأيا وعبارة والوصي لا يساويه في الشفقة فبقي الأمر فيه على أصل القياس ولأبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما أن تصرف الوصي إذا كان فيه نفع ظاهر لليتيم قربان ماله على وجه الأحسن فيملكه بالنص
قوله لا يمكن إلحاق الوصي بالأب لقصور شفقته قلنا الوصي له شبهان شبه بالأب وشبه بالوكيل أما شبهه بالوكيل فلكونه أجنبيا وشبهه بالأب لكونه مرضي الأب فالظاهر أنه ما رضي به إلا لوفور شفقته على الصغير فأثبتنا له الولاية عند ظهور النفع عملا بشبه الأب وقطعنا ولايته عند عدمه عملا بشبه الوكيل عملا بالشبهين بقدر الإمكان فصل وأما الذي يرجع إلى نفس العقد فهو أن يكون القبول موافقا للإيجاب بأن يقبل المشتري ما أوجبه البائع وبما أوجبه فإن خالفه بأن قبل غير ما أوجبه أو بعض ما أوجبه أو بغير ما أوجبه أو ببعض ما أوجبه لا ينعقد من غير إيجاب مبتدأ موافق بيان هذه الجملة إذا أوجب البيع في العبد فقبل في الجارية لا ينعقد وكذا إذا أوجب في العبدين فقبل في أحدهما بأن قال بعت منك هذين العبدين بألف درهم فقال المشتري قبلت في هذا العبد وأشار إلى واحد معين لا ينعقد لأن القبول في أحدهما تفريق الصفقة على البائع والصفقة إذا وقعت مجتمعة من البائع لا يملك المشتري تفريقها قبل التمام لأن من عادة التجار ضم الرديء إلى الجيد ترويجا للرديء بواسطة الجيد فلو ثبت للمشتري ولاية التفريق لقبل في الجيد دون الرديء فيتضرر به البائع والضرر منفي ولأن غرض الترويج لا يحصل إلا بالقبول فيهما جميعا فلا يكون راضيا بالقبول في أحدهما ولأن القبول في أحدهما يكون إعراضا عن الجواب بمنزلة القيام عن المجلس وكذا لو أوجب البيع في كل العبد فقبل المشتري في نصفه لا ينعقد لأن البائع يتضرر بالتفريق لأنه يلزمه عيب الشركة ثم إذا قبل المشتري بعض ما أوجبه البائع كان هذا شراء مبتدأ من البائع فإن اتصل به الإيجاب من البائع في المجلس فينظر إن كان للبعض الذي قبله المشتري حصة معلومة من الثمن جاز وإلا فلا بيانه إذا قال بعت منك هذين الكرين بعشرين درهما فقبل المشتري في أحدهما وأوجب البائع جاز لأن الثمن ينقسم على المبيع باعتبار الأجزاء فيما له مثل فكان بيع الكرين بعشرين بيع كل كر بعشرة لتماثل قفزان الكرين وكذلك إذا قال بعت منك هذين العبدين بألف درهم فقبل المشتري في أحدهما وبين ثمنه فقال البائع بعت يجوز فأما إذا لم يبين ثمنه لا يجوز وإن ابتدأ البائع الإيجاب بخلاف مسألة الكرين وسائر الأشياء المتماثلة لما ذكرنا أن الثمن في المثليات ينقسم على المبيع باعتبار الأجزاء فكان حصة كل واحد معلوما وفيما لا مثل له لا ينقسم الثمن على المبيع باعتبار الأجزاء لانعدام تماثل الأجزاء وإذا لم ينقسم بقيت حصة كل واحد منهما من الثمن مجهولة وجهالة الثمن تمنع صحة البيع هذا إذا لم يبين البائع حصة كل واحد من العبدين بأن قال بعت منك هذين العبدين بألف درهم فأما إذا بين بأن قال بعت منك هذين العبدين هذا بألف وهذا بخمسمائة فقبل المشتري في أحدهما دون الآخر جاز البيع لانعدام تفريق الصفقة من المشتري بل البائع هو الذي فرق الصفقة حيث سمى لكل واحد منهما ثمنا على حدة وعلم أنه لا ضرر له فيه ولو كان فهو ضرر مرضي به وأنه غير مدفوع وكذا إذا أوجب البيع في شيء بألف فقبل فيه بخمسمائة لا ينعقد وكذا لو أوجب بجنس ثمن فقبل بجنس آخر إلا إذا رضي البائع به في المجلس وعلى هذا إذا خاطب البائع رجلين فقال بعتكما هذا العبد أو هذين العبدين فقبل أحدهما دون الآخر لا ينعقد لأنه أضاف الإيجاب في العبدين أو عبد واحد إليهما جميعا فلا يصلح جواب أحدهما جوابا للإيجاب وكذا لو خاطب المشتري رجلين فقال اشتريت منكما هذا العبد بكذا فأوجب في أحدهما لم ينعقد لما قلنا فصل وأما الذي يرجع إلى مكان العقد
فواحد وهو اتحاد المجلس بأن كان الإيجاب والقبول في مجلس واحد فإن اختلف المجلس لا ينعقد حتى لو أوجب أحدهما البيع فقام الآخر عن المجلس قبل القبول أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس ثم قبل لا ينعقد لأن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر في المجلس لأنه كما وجد أحدهما انعدم في الثاني من زمان وجوده فوجد الثاني والأول منعدم فلا ينتظم الركن إلا أن اعتبار ذلك يؤدي إلى انسداد باب البيع فتوقف أحد الشطرين على الآخر حكما وجعل المجلس جامعا للشطرين مع تفرقهما للضرورة وحق الضرورة يصير مقتضيا ( ( ( مقضيا ) ) ) عند اتحاد المجلس فإذا اختلف لا يتوقف وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله الفور مع ذلك شرط لا ينعقد الركن بدونه وجه قوله ما ذكرنا أن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر والتأخر ( ( ( والتأخير ) ) ) لمكان الضرورة وإنها تندفع بالفور ولنا أن في ترك اعتبار الفور ضرورة لأن القابل يحتاج إلى التأمل ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل وعلى هذا إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابتين أو دابة واحدة في محمل واحد فإن خرج الإيجاب والقبول منهما متصلين انعقد وإن كان بينهما فصل وسكوت وإن قل لا ينعقد لأن المجلس تبدل بالمشي والسير وإن قل ألا ترى أنه لو قرأ آية سجدة وهو يمشي على الأرض أو يسير على دابة لا يصلي عليها مرارا يلزمه لكل قراءة سجدة وكذا لو خير امرأته وهي تمشي على الأرض أو تسير على دابة لا يصلي عليها فمشت أو سارت يبطل خيارها لتبدل المجلس وإن اختارت نفسها متصلا بتغيير ( ( ( بتخيير ) ) ) الزوج صح اختيارها لأن المجلس لم يتبدل فكذا ههنا ولو تبايعا وهما واقفان انعقد لاتحاد المجلس ولو أوجب أحدهما وهما واقفان فسار الآخر قبل القبول أو سارا جميعا ثم قبل لا ينعقد لأنه لما سارا وسارا فقد تبدل المجلس قبل القبول فلم يجتمع الشطران في مجلس واحد ولو وقفا فخير امرأته ثم سار الزوج وهي واقفة فالخيار في يدها ولو سارت هي والزوج واقف بطل خيارها فالعبرة لمجلسها لا لمجلس الزوج وفي باب البيع يعتبر مجلسهما جميعا لأن التخيير من قبل الزوج لازم ألا ترى أنه لا يملك الرجوع عنه فلا يبطل بالإعراض وأحد الشطرين في باب البيع لا يلزم قبل قبول الآخر فاحتمل البطلان بالإعراض ولو تبايعا وهما في سفينة ينعقد سواء كانت واقفة أو جارية خرج الشطران متصلين أو منفصلين بخلاف المشي على الأرض والسير على الدابة لأن جريان السفينة بجريان الماء لا بإجرائه ألا ترى أن راكب السفينة لا يملك وقفها فلم يكن جريانها مضافا إليه فلم يختلف المجلس فأشبه البيت بخلاف المشي والسير أما المشي فظاهر لأنه فعله وكذا سير الدابة مضاف إليه ألا ترى أنه لو سيرها سارت ولو وقفها وقفت فاختلف المجلس بسيرها ولهذا لو كرر آية السجدة في السفينة وهي جارية لا يلزمه إلا سجدة واحدة كما لو كررها في بيت واحد وكذا لو خير امرأته في السفينة وهي جارية فهي على خيارها ما لم يوجد منها دليل الإعراض وعلى هذا إذا أوجب أحدهما البيع والآخر غائب فبلغه فقبل لا ينعقد بأن قال بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا فبلغه فقبل ولو قبل عنه قابل ينعقد والأصل في هذا أن أحد الشطرين من أحد العاقدين في باب البيع يتوقف على الآخر في المجلس ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالإجماع إلا إذا كان عنه قابل أو كان بالرسالة أو بالكتابة
أما الرسالة فهي أن يرسل رسولا إلى رجل ويقول للرسول إني بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا فاذهب إليه وقل له إن فلانا أرسلني إليك وقال لي قل له إني قد بعت عبدي هذا من فلان بكذا فذهب الرسول وبلغ الرسالة فقال المشتري في مجلسه ذلك قبلت انعقد البيع لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل ناقل كلامه إلى المرسل إليه فكأنه حضر بنفسه فأوجب البيع وقبل الآخر في المجلس وأما الكتابة فهي أن يكتب الرجل إلى رجل أما بعد فقد بعت عبدي فلانا منك بكذا فبلغه الكتاب فقال في مجلسه اشتريت لأن خطاب الغائب كتابه فكأنه حضر بنفسه وخاطب بالإيجاب وقبل الآخر في المجلس ولو كتب شطر العقد ثم رجع صح رجوعه لأن الكتاب لا يكون فوق الخطاب ولو خاطب ثم رجع قبل قبول الآخر صح رجوعه فههنا أولى وكذا لو أرسل رسولا ثم رجع لأن الخطاب بالرسالة لا يكون فوق المشافهة وذا محتمل للرجوع فههنا أولى وسواء علم الرسول رجوع المرسل أو لم يعلم به بخلاف ما إذا وكل إنسانا ثم عزله بغير علمه لا يصح عزله لأن الرسول يحكي كلام المرسل وينقله إلى المرسل إليه فكان سفيرا ومعبرا محضا فلم يشترط علم الرسول بذلك فأما الوكيل فإنما يتصرف عن تفويض الموكل إليه فشرط علمه بالعزل صيانة له عن التعزير على ما نذكره في كتاب الوكالة وكذا هذا في الإجارة والكتابة إن اتحاد المجلس شرط للانعقاد ولا يتوقف أحد الشطرين من أحد العاقدين على وجود الشطر الآخر إذا كان غائبا لأن كل واحد منهما عقد معاوضة إلا إذا كان عن الغائب قابل أو بالرسالة أو بالكتابة كما في البيع وأما في النكاح فهل يتوقف بأن يقول رجل للشهود اشهدوا أني قد تزوجت فلانة بكذا وبلغها فأجازت أو قالت امرأة اشهدوا أني زوجت نفسي من فلان بكذا فبلغه فأجاز عند أبي حنيفة ومحمد لا يتوقف أيضا إلا إذا كان عن الغائب قابل وعند أبي يوسف يتوقف وإن لم يقبل عنه أحد وكذا الفضولي من الجانبين بأن قال زوجت فلانة من فلان وهما غائبان فبلغهما فأجازا لم يجز عندهما وعند أبي يوسف يجوز وهذه مسألة كتاب النكاح والفضولي من الجانبين في باب البيع إذا بلغهما فأجازا لم يجز بالإجماع والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الشطر في باب الخلع فمن جانب الزوج يتوقف بالإجماع حتى لو قال خالعت امرأتي الغائبة على كذا فبلغها الخبر فقبلت جاز وأما من جانب المرأة فلا يتوقف بالإجماع حتى لو قالت اختلعت من زوجي فلان الغائب على كذا فبلغه الخبر فأجاز لم يجز ووجه الفرق أن الخلع في جانب الزوج يمين لأنه تعليق الطلاق بقبول المال فكان يمينا ولهذا لا يملك الرجوع عنه وتصح فيه الإضافة إلى الوقت والتعليق بالشرط بأن يقول الزوج خالعتك غدا وإن قدم فلان فقد خالعتك على كذا وإذا كان يمينا فغيبة المرأة لا تمنع صحة اليمين كما في التعليق بدخول الدار وغير ذلك وأما من جانب المرأة فهو معاوضة ولهذا لا يصح تعليقه بالشرط من جانبها ولاتصح إضافته إلى وقت وتملك الرجوع قبل إجازة الزوج وإذا كان معاوضة فالشطر في المعاوضات لا يتوقف كما في البيع وغيره وكذا الشطر في إعتاق العبيد على مال من جانب المولى يتوقف إذا كان العبد غائبا ومن جانب العبد لا يتوقف إذا كان المولى غائبا لأنه من جانبه تعليق العتق بالشرط ومن جانب العبد معاوضة والأصل أن في كل موضع لا يتوقف الشطر على ما وراء المجلس يصح الرجوع عنه ولا يصح تعليقه بالشرط وإضافته إلى الوقت كما في البيع والإجارة والكتابة وفي كل موضع يتوقف الشطر على ما وراء المجلس لا يصح الرجوع عنه ويصح تعليقه بالشرط وإضافته إلى الوقت كما في الخلع من جانب الزوج والإعتاق على مال من جانب المولى والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع
منها أن يكون موجودا فلا ينعقد بيع المعدوم وماله خطر العدم كبيع نتاج النتاج بأن قال بعت ولد ولد هذه الناقة وكذا بيع الحمل لأنه إن باع الولد فهو بيع المعدوم وإن باع الحمل فله خطر المعدوم وكذا بيع اللبن في الضرع لأنه له خطر لاحتمال انتفاخ الضرع وكذا بيع الثمر والزرع قبل ظهوره لأنهما معدوم وإن كان بعد الطلوع جاز وإن كان قبل بدو صلاحهما إذا لم يشترط الترك ومن مشايخنا من قال لا يجوز إلا إذا صار بحال ينتفع به بوجه من الوجوه فإن كان بحيث لا ينتفع به أصلا لا ينعقد واحتجوا بما روي عن النبي أنه نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ولأنه إذا لم يبد صلاحها لم تكن منتفعا بها فلا تكون مالا فلا يجوز بيعها وهذا خلاف الرواية فإن محمدا ذكر في كتاب الزكاة في باب العشر أنه لو باع الثمار في أول ما تطلع وتركها بأمر البائع حتى أدركت فالعشر على المشتري ولو لم يجز بيعها حين ما طلعت لما وجب عشرها على المشتري والدليل على جواز بيعه ما روي عن النبي أنه قال من باع نخلا مؤبرة فثمرته للبائع إلا أن يشترطها المبتاع جعل الثمرة للمشتري بالشرط من غير فصل بين ما إذا بدا صلاحها أو لا دل أنها محل البيع كيف ما كان والمعنى فيه وهو أنه باع ثمرة موجودة وهي بعرض أن تصير منتفعا بها في الثاني وإن لم يكن منتفعا بها في الحال فيجوز بيعها كبيع جرو الكلب على أصلنا وبيع المهر والجحش والأرض السبخة والنهي محمول على بيع الثمار مدركة قبل إدراكها بأن باعها ثمرا وهي بسر أو باعها عنبا وهي حصرم دليل صحة هذا التأويل قوله عليه السلام في سياق الحديث أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال صاحبه ولفظة المنع تقتضي أن لا يكون ما وقع عليه البيع موجودا لأن المنع منع الوجود وما يوجد من الزرع بعضه بعد بعض كالبطيخ والباذنجان فيجوز بيع ما ظهر منه ولا يجوز بيع ما لم يظهر وهذا قول عامة العلماء رضي الله عنهم وقال مالك رحمه الله إذا ظهر فيه الخارج الأول يجوز بيعه لأن فيه ضرورة لأنه لا يظهر الكل دفعة واحدة بل على التعاقب بعضها بعد بعض فلو لم يجز بيع الكل عند ظهور البعض لوقع الناس في الحرج ولنا أن ما لم يظهر منه معدوم فلا يحتمل البيع ودعوى الضرورة والحرج ممنوعة فإنه يمكنه أن يبيع الأصل بما فيه من الثمر وما يحدث منه بعد ذلك يكون ملك المشتري وقد روي أن رسول الله نهى عن بيع الحبل وحبل الحبل وروي حبل الحبلة وهو ( ( ( وهي ) ) ) بمعنى الأول وإنما زيادة الهاء للتأكيد والمبالغة وروى حبل الحبلة بحفظ الهاء من الكلمة الأخيرة والحبلة هي الحبلى فكان نهيا عن بيع ولد الحبلى وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع اللبن في الضرع وبيع عسب الفحل لأن عسب الفحل ضرابه وهو عند العقد معدوم وقد روي أن رسول الله نهى عن عسب الفحل ولا يمكن حمل النهي على نفس العسب وهو الضراب لأن ذلك جائز بالإعارة فيحمل على البيع والإجارة إلا أنه حذف ذلك واضمره فيه كما في قوله تعالى واسأل القرية وغير ذلك ولا يجوز بيع الدقيق في الحنطة والزيت في الزيوت ( ( ( الزيتون ) ) ) والدهن في السمسم والعصير في العنب والسمن في اللبن
ويجوز بيع الحنطة وسائر الحبوب في سنابلها لأن بيع الدقيق في الحنطة والزيت في الزيتون ونحو ذلك بيع المعدوم لأنه لا دقيق في الحنطة ولا زيت في الزيتون لأن الحنطة اسم للمركب والدقيق اسم للمتفرق فلا دقيق في حال كونه حنطة ولا زيت حال كونه زيتونا فكان هذا بيع المعدوم فلا ينعقد بخلاف بيع الحنطة في سنبلها لأن ما في السنبل حنطة إذ هي اسم للمركب وهي في سنبلها على تركيبها فكان بيع الموجود حتى لو باع تبن الحنطة في سنبلها دون الحنطة لا ينعقد لأنه لا يصير تبنا إلا بالعلاج وهو الدق فلم يكن تبنا قبله فكان بيع المعدوم فلا ينعقد وبخلاف بيع الجذع في السقف والآجر في الحائط وذراع من كرباس أو ديباج أنه ينعقد حتى لو نزع وقطع وسلم إلى المشتري يجبر على الأخذ وههنا لا ينعقد أصلا حتى لو طحن أو عصر وسلم لا يجبر المشتري على القبول لأن عدم النفاذ هناك ليس لخلل في الركن ولا في العاقد والمعقود عليه بل لمضرة تلحق العاقد بالنزع والقطع فإذا نزع وقطع فقد زال المانع فنفذ أما ههنا فالمعقود عليه معدوم حالة العقد ولا يتصور انعقاد العقد بدونه فلم ينعقد أصلا فلا يحتمل النفاذ فهو الفرق وكذا بيع البزر في البطيخ غير ( ( ( الصحيح ) ) ) غير صحيح لأنه بمنزلة الزيت في الزيتون وبيع النوى في التمر وكذلك بيع اللحم في الشاة الحية لأنها إنما تصير لحما بالذبح والسلخ فكان بيع المعدوم فلا ينعقد وكذا بيع الشحم الذي فيها واليتها وأكارعها ورأسها لما قلنا وكذا بيع البحير في السمسم لأنه إنما يصير بحيرا بعد العصر وعلى هذا يخرج ما إذا قال بعتك هذا الياقوت بكذا فإذا هو زجاج أو قال بعتك هذا الفص على أنه ياقوت بكذا فإذا هو زجاج أو قال بعتك هذا الثوب الهروي بكذا فإذا هو مروي أو قال بعتك هذا الثوب على أنه مروي فإذا هو هروي لا ينعقد البيع في هذه المواضع لأن المبيع معدوم والأصل في هذا أن الإشارة مع التسمية إذا اجتمعتا في باب البيع فيما يصلح محل البيع ينظر إن كان المشار إليه من خلاف الجنس ( ( ( جنس ) ) ) المسمى فالعبرة للتسمية ويتعلق العقد بالمسمى وإن كان من جنسه لكن يخالفه في الصفة فإن تفاحش التفاوت بينهما فالعبرة للتسمية أيضا عندنا ويلحقان بمختلفي الجنس وإن قل التفاوت فالعبرة للمشار إليه ويتعلق العقد به وإذا عرف هذا فنقول الياقوت مع الزجاج جنسان مختلفان وكذا الهروي مع المروي نوعان مختلفان فيتعلق العقد فيه بالمسمى وهو معدوم فيبطل ولا ينعقد ولو قال بعتك هذا العبد فإذا هو جارية لا ينعقد عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وعند زفر رحمه الله يجوز وجه قوله أن المسمى ههنا من جنس المشار إليه أعني العبد والجارية وإنما يختلفان في صفة الذكورة والأنوثة وهذا لا يمنع تعلق العقد بالمشار إليه كما إذا قال بعتك هذه الشاة على أنها نعجة فإذا هي كبش ولنا أنهما جنسان مختلفان في المعنى لاختلاف جنس المنفعة المطلوبة اختلافا فاحشا فالتحقا بمختلفي الجنس حقيقة بخلاف النعجة مع الكبش لأنهما اتفقا جنسا ذاتا ومعنى إما ذاتا فظاهر لأن اسم الشاة يتناولهما وأما معنى فلأن المطلوب من كل واحد منهما منفعة الأكل فتجانسا ذاتا ومنفعة فتعلق العقد بالمشار إليه وهو موجود محل للبيع فجاز بيعه ولكن المشتري بالخيار لأنه فاتته صفة مرغوبة فأوجب ذلك خللا في الرضا فيثبت له الخيار وكذا لو باع دارا على أن بناءها آجر فإذا هو لبن لا ينعقد لأنهما يتفاوتان في المنفعة تفاوتا فاحشا فكانا كالجنسين المختلفين وكذا لو باع ثوبا على أنه مصبوغ بعصفر فإذا هو مصبوغ بزعفران لا ينعقد لأن العصفر مع الزعفراني ( ( ( الزعفران ) ) ) يختلفان في اللون اختلافا فاحشا وكذا لو باع حنطة في جولق فإذا هو دقيق أو شرط الدقيق فإذا هو خبز لا ينعقد لأن الحنطة مع الدقيق جنسان مختلفان وكذا الدقيق مع الخبز
ألا ترى إن من غصب من آخر حنطة وطحنها ينقطع حق الملك دل أنها تصير بالطحن شيئا آخر فكان بيع المعدوم فلا ينعقد وإن قال بعتك هذه الشاة على أنها ميتة فإذا هي ذكية جاز بالإجماع لأن الميتة ليست بمحل للبيع فلغت التسمية وبقيت الإشارة إلى الذكية ولو قال بعتك هذا الثوب القز فإذا هو ملحم ينظر إن كان سداه من القز ولحمته من غيره لا ينعقد وإن كان لحمته من القز فالبيع جائز لأن الأصل في الثوب هو اللحمة لأنه إنما يصير ثوبا بها فإذا كانت لحمته من غير القز فقد اختلف الجنس فكانت العبرة للتسمية والمسمى معدوم فلم ينعقد البيع وإذا كانت من القز فالجنس لم يختلف فنعتبر ( ( ( فتعتبر ) ) ) الإشارة والمشار إليه موجود فكان محلا للبيع إلا أنه يثبت الخيار للمشتري لأن كون السدي منه أمر مرغوب فيه وقد فات فوجب الخيار وكذلك إذا قال بعتك هذا الثوب الخز بكذا فإذا هو ملحم فهو على التفصيل إلا أن لحمته إذا كانت خزا وسداه من غيره حتى جاز البيع فقد قيل إنه ينبغي أن لا يثبت الخيار للمشتري ههنا لأن الخز هكذا ينسج بخلاف القز ولو باع جبة على أن بطانتها وظهارتها كذا وحشوها كذا فإن كانت الظهارة من غير ما شرط لا ينعقد البيع وإن كانت البطانة والحشو مما شرط وإن كانت الظهارة مما شرط جاز البيع وإن كانت البطانة والحشو من غير ما شرط لأن الأصل هو الظهارة ألا ترى أنه ينسب الثوب إليها ويختلف الاسم باختلافها وإنما البطانة تجري مجرى التابع لها وكذا الحشو فكان المعقود عليه هو الظهارة وما سواها جاريا مجرى الوصف لها ففواته لا يمنع الجواز ولكنه يوجب الخيار لأنه فات شيء مرغوب فيه ولو قال بعتك هذه الدار على أن فيها بناء فإذا لا بناء فيها فالبيع جائز والمشتري بالخيار إن شاء أخذ بجميع الثمن وإن شاء ترك فرق بين هذا وبين ما إذا قال بعتك هذه الدار على أن بناءها آجر فإذا هو لبن أنه لا ينعقد ووجه الفرق أن الآجر مع اللبن يتفاوتان في المنفعة تفاوتا فاحشا فالتحقا بمختلفي الجنس على ما بينا فيما تقدم ومنها أن يكون مالا لأن البيع مبادلة المال بالمال فلا ينعقد بيع الحر لأنه ليس بمال وكذا بيع أم الولد لأنها حرة من وجه لما روي عن رسول الله أنه قال أعتقها ولدها وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في أم الولد لا تباع ولا توهب وهي حرة من الثلث نفى عليه الصلاة والسلام جواز بيعها مطلقا وسماها حرة فلا تكون مالا على الإطلاق خصوصا على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه لأن الاستيلاد يوجب سقوط المالية عنده حتى لا تضمن بالغصب والبيع الفاسد والإعتاق وإنما تضمن بالقتل لا غير لأن ضمان القتل ضمان الدم لا ضمان المال والمسألة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى ولا بيع المدبر المطلق عندنا وقال الشافعي عليه الرحمة بيع المدبر جائز واحتج بما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز بيع المدبر وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها دبرت مملوكة لها فغضبت عليها فباعتها ولأن التدبير تعليق العتق بالموت والمعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط فلم يكن العتق ثابتا أصلا قبل الموت فيجوز بيعه كما إذا علق عتق عبده بدخول الدار ونحو ذلك ثم باعه قبل أن يدخل الدار وكما في المدبر المقيد ولنا ما روى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع المدبر ومطلق النهي محمول على التحريم وروي عن عبد الله بن سيدنا عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث وهذا نص في الباب ولأنه حر من وجه فلا يجوز بيعه كأم الولد
والدليل على أنه حر من وجه الاستدلال بضرورة الإجماع وهو أنه يعتق بعد الموت بالإجماع والحرية لا بد لها من سبب وليس ذلك إلا الكلام السابق وليس هو بتحرير بعد الموت لأن التحرير فعل اختياري وأنه لا يتحقق من الميت فكان تحريرا من حين وجوده فكان ينبغي أن تثبت به الحرية من كل وجه للحال إلا أنها تأخرت من وجه إلى آخر جزء من أجزاء حياته بالإجماع ولا إجماع على التأخير من وجه فبقيت الحرية من وجه ثابتة للحال فلا يكون مالا مطلقا فلا يجوز بيعه وحديث جابر وسيدتنا عائشة رضي الله عنهما حكاية فعل يحتمل أنه أجاز عليه الصلاة والسلام بيع مدبر ( ( ( مد ) ) ) مقيد ( ( ( مقيدا ) ) ) أو باع مدبرا مقيدا ويحتمل أن يكون المراد منه الإجارة لأن الإجارة بلغة أهل المدينة تسمى بيعا ويحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حين كان بيع المدبر مشروعا ثم نسخ فلا يكون حجة مع الاحتمال وأما المدبر المقيد فهناك لا يمكن أن يجعل الكلام السابق إيجابا من حين وجوده لأنه علق عتقه بموت موصوف بصفة واحتمل أن يموت من ذلك المرض والسفر أو لا فكان الحظر ( ( ( الخطر ) ) ) قائما فكان تعليقا فلم يكن إيجابا ما دام الحظر ( ( ( الخطر ) ) ) قائما ومتى اتصل به الموت يظهر أنه كان تحريرا من وجه من حين وجوده لكن لا يتعلق به حكم والله سبحانه وتعالى أعلم ولا بيع المكاتب لأنه حر يدا فلا تثبت يد تصرف الغير عليه ولا بيع معتق البعض موسرا كان المعتق أو معسرا عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم لأنه بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما هو حر عليه دين وأما عند الشافعي رضي الله عنه فإن كان المعتق معسرا فلشريكه الساكت أن يبيع نصيبه بناء على أصله أن المعتق إن كان معسرا فالإعتاق منجز فبقي نصيب شريكه على ملكه فيجوز له بيعه وكل جواب عرفته في هؤلاء فهو الجواب في الأولاد من هؤلاء لأن الولد يحدث على وصف الأم ولهذا كان ولد الحرة حرا وولد الأمة رقيقا وكما لا ينعقد بيع المكاتب وولده المولود في الكتابة لا ينعقد بيع ولده المشتري في الكتابة ووالدته لأنهم تكاتبوا بالشراء وأما من سواهم من ذوي الأرحام إذا اشتراهم يجوز بيعهم عند أبي حنيفة رضي الله عنه لأنهم لم يتكاتبوا بالشراء وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز لأنهم تكاتبوا وهي مسألة كتاب المكاتب ولا ينعقد بيع الميتة والدم لأنه ليس بمال وكذلك ذبيحة المجوسي والمرتد والمشرك لأنها ميتة وكذا متروك التسمية عمدا عندنا خلافا للشافعي وهي مسألة كتاب الذبائح وكذا ذبيحة المجنون والصبي الذي لا يعقل لأنها في معنى الميتة وكذا ما ذبح من صيد الحرم محرما كان الذابح أو حلالا وما ذبحه المحرم من الصيد سواء كان صيد الحرم أو الحل لأن ذلك ميتة ولا ينعقد بيع صيد الحرم محرما كان البائع أو حلالا لأنه حرام الانتفاع به شرعا فلم يكن مالا ولا بيع صيد المحرم سواء كان صيد الحرم أو الحل لأنه حرام الانتفاع به في حقه فلا يكون مالا في حقه ولو وكل محرم حلالا ببيع صيد فباعه فالبيع جائز عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد باطل وهو على اختلافهم في مسلم وكل ذميا ببيع خمر فباعها وجه قولهما أن البائع هو الموكل معنى لأن حكم البيع يقع له والمحرم ممنوع عن تمليك الصيد وتملكه
وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن البائع في الحقيقة هو الوكيل لأن بيعه كلامه القائم به حقيقة ولهذا ترجع حقوق العقد إليه إلا أن الموكل يقوم مقامه شرعا في نفس الحكم مع اقتصار نفس التصرف على مباشرته حقيقة والمحرم من أهل ثبوت الملك له في الصيد حكما لا يتملكه حقيقة ألا يرى أنه يرثه وهذا لأن المنع إنما يكون عما للعبد فيه صنع ولا صنع له فيما يثبت حكما فلا يحتمل المنع ولو باع حلال حلالا صيدا ثم أحرم أحدهما قبل القبض يفسخ البيع لأن الإحرام كما يمنع البيع والشراء يمنع التسليم والقبض لأنه عقد من وجه على ما عرف فيلحق به في حق الحرمة احتياطا ولو وكل حلال حلالا ببيع صيد فباعه ثم أحرم الموكل قبل قبض المشتري فعلى قياس قول أبي حنيفة رحمه الله جاز البيع وعلى قياس قولهما يبطل لأن الإحرام القائم لا يمنع من جواز التوكيل عنده فالطاريء ( ( ( فالطارئ ) ) ) لا يبطله وعندهما القائم يمنع فالطاريء ( ( ( فالطارئ ) ) ) يبطله حلالان تبايعا صيدا في الحل وهما في الحرم جاز عند أبي حنيفة وعند محمد لا يجوز وجه قول محمد أن كون الحرم مأمنا يمنع من التعرض للصيد سواء كان المتعرض في الحرم أو الحل بعد أن كان المتعرض في الحرم ألا ترى أنه لا يحل للحلال الذي في الحرم أن يرمي إلى الصيد الذي في الحل كما لا يحل له أن يرمي إليه إذا كان في الحرم وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن كونه في الحرم يمنع من التعرض لصيد الحل لكن حسا لا شرعا بدليل أن الحلال في الحرم إذا أمر حلالا آخر بذبح صيد في الحل جاز ولو ذبح حل أكله ومعلوم أن الأمر بالذبح في معنى التعرض للصيد فوق البيع والشراء فلما لم يمنع من ذلك فلأن لا يمنع من هذا أولى وهذا لأن المنع من التعرض إنما كان احتراما للحرم فكل ما فيه ترك احترامه يجب صيانة الحرم عنه وذلك بمباشرة سبب الإيذاء في الحرم ولم يوجد في البيع والله سبحانه وتعالى أعلم ولا بيع لحم السبع لأنه لا يباح الانتفاع به شرعا فلم يكن مالا وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يجوز بيعه إذا ذبح لأنه صار طاهرا بالذبح وأما جلد السبع والحمار والبغل فإن كان مدبوغا أو مذبوحا يجوز بيعه لأنه مباح الانتفاع به شرعا فكان مالا وإن لم يكن مدبوغا ولا مذبوحا لا ينعقد بيعه لأنه إذا لم يدبغ ولم يذبح بقيت رطوبات الميتة فيه فكان حكمه حكم الميتة ولا ينعقد بيع جلد الخنزير كيف ما كان لأنه نجس العين بجميع أجزائه وقيل إن جلده لا يحتمل الدباغ وأما عظم الميتة وعصبها وشعرها وصوفها ووبرها وريشها وخفها وظلفها وحافرها فيجوز بيعها والانتفاع بها عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز بناء على أن هذه الأشياء طاهرة عندنا وعنده نجسة واحتج بقوله سبحانه وتعالى حرمت عليكم الميتة وهذه من أجزاء الميتة فتكون حراما فلا يجوز بيعها وقال عليه الصلاة والسلام لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ولنا قوله سبحانه وتعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا إلى قوله عز وجل ومن أصوافها وأوبارها الآية أخبر سبحانه وتعالى أنه جعل هذه الأشياء لنا ومن علينا بذلك من غير فصل بين الذكية والميتة فيدل على تأكد الإباحة ولأن حرمة الميتة ليست لموتها فإن الموت موجود في السمك والجراد وهما حلالان قال عليه الصلاة والسلام أحل لنا ميتتان ودمان بل لما فيها من الرطوبات السيالة والدماء النجسة لانجمادها بالموت ولهذا يطهر الجلد بالدباغ حتى يجوز بيعه لزوال الرطوبة عنه ولا رطوبة في هذه الأشياء فلا تكون حراما ولا حجة له في هذا الحديث لأن الإهاب اسم لغير المدبوغ لغة والمراد من العصب حال الرطوبة يحمل عليه توفيقا بين الدلائل
وأما عظم الخنزير وعصبه فلا يجوز بيعه لأنه نجس العين وأما شعره فقد روي أنه طاهر يجوز بيعه والصحيح أنه نجس لا يجوز بيعه لأنه جزء منه إلا أنه رخص في استعماله للخرازين للضرورة وأما عظم الآدمي وشعره فلا يجوز بيعه لا لنجاسته لأنه طاهر في الصحيح من الرواية لكن احتراما له والابتذال بالبيع يشعر بالإهانة وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لعن الله الواصلة والمستوصلة وأما عظم الكلب وشعره فقد اختلف المشايخ فيه على الأصل الذي ذكرنا وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه لا بأس ببيع عظم الفيل والانتفاع به وقال محمد رحمه الله عظم الفيل نجس لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به ذكره في العيون ويجوز بيع كل ذي مخلب من الطير معلما كان أو غير معلم بلا خلاف وأما بيع كل ذي ناب من السباع سوى الخنزير كالكلب والفهد والأسد والنمر والذئب والهر ونحوها فجائز عند أصحابنا وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز ثم عندنا لا فرق بين المعلم وغير المعلم في رواية الأصل فيجوز بيعه كيف ما كان وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يجوز بيع الكلب العقور واحتج الشافعي رحمه الله بما روي عن النبي أنه قال ومن السحت مهر البغي وثمن الكلب ولو جاز بيعه لما كان ثمنه سحتا ولأنه نجس العين فلا يجوز بيعه كالخنزير إلا أنه رخص الانتفاع به بجهة الحراسة والاصطياد للحاجة والضرورة وهذا لا يدل على جواز البيع كما في شعر الخنزير ولنا أن الكلب مال فكان محلا للبيع كالصقر والبازي والدليل على أنه مال أنه منتفع به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق فكان مالا ولا شك أنه منتفع به حقيقة والدليل على أنه مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق أن الانتفاع به بجهة الحراسة والاصطياد مطلق شرعا في الأحوال كلها فكان محلا للبيع لأن البيع إذا صادف محلا منتفعا به حقيقة مباح الانتفاع به على الإطلاق مست الحاجة إلى شرعه لأن شرعه يقع سببا ووسيلة للاختصاص القاطع للمنازعة إذ الحاجة إلى قطع المنازعة فيما يباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق لا فيما يجوز وأما الحديث فيحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام لأنهم كانوا ألفوا اقتناء الكلاب فأمر بقتلها ونهى عن بيعها مبالغة في الزجر أو يحمل على هذا توفيقا بين الدلائل قوله أنه نجس العين قلنا هذا ممنوع فإنه يباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق اصطيادا وحراسة ونجس العين لا يباح الانتفاع به شرعا إلا في حالة الضرورة كالخنزير ولا ينعقد بيع الخنزير من المسلم لأنه ليس بمال في حق المسلمين فأما أهل الذمة فلا يمنعون من بيع الخمر والخنزير أما على قول بعض مشايخنا فلأنه مباح الانتفاع به شرعا لهم كالخل وكالشاة لنا فكان مالا في حقهم فيجوز بيعه وروي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عشاره بالشام أن ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها ولو لم يجز بيع الخمر منهم لما أمرهم بتوليتهم البيع وعن بعض مشايخنا حرمة الخمر والخنزير ثابتة على العموم في حق المسلم والكافر لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات هو الصحيح من مذهب أصحابنا فكانت الحرمة ثابتة في حقهم لكنهم لا يمنعون عن بيعها لأنهم لا يعتقدون حرمتها ويتمولونها ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون ولو باع ذمي من ذمي خمرا أو خنزيرا ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض يفسخ البيع لأنه بالإسلام حرم البيع والشراء فيحرم القبض والتسليم أيضا لأنه يشبه الإنشاء أو إنشاء من وجه فيلحق به في باب الحرمات احتياطا وأصله قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين والأمر بترك ما بقي من الربا هو النهي عن قبضته يؤيده قوله تعالى في آخر الآية الشريفة وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإذا حرم القبض والتسليم لم يكن في بقاء العقد فائدة فيبطله القاضي كمن باع عبدا فأبق قبل القبض
ولو كان إسلامهما أو إسلام أحدهما بعد القبض مضى البيع لأن الملك قد ثبت على الكمال بالعقد والقبض في حالة الكفر وإنما يوجد بعد الإسلام دوام الملك والإسلام لا ينافي ذلك فإن من تخمر عصيره لا يؤمر بإبطال ملكه فيها ولو أقرض الذمي ذميا خمرا ثم أسلم أحدهما فإن أسلم المقرض سقطت الخمر ولا شيء له من قيمة الخمر على المستقرض أما سقوط قيمة الخمر فلأن العجز عن قبض المثل جاء من قبله فلا شيء له وإن أسلم المستقرض روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله أنه تسقط الخمر وليس عليه قيمة الخمر أيضا كما لو أسلم المقرض وروى محمد وزفر وعافية بن زياد القاضي عن أبي حنيفة رضي الله عنهم أن عليه قيمة الخمر وهو قول محمد رحمه الله وجه هذه الرواية أن امتناع التسليم من المستقرض إنما جاء لمعنى من قبله وهو إسلامه فكأنه استهلك عليه خمره والمسلم إذا استهلك خمر الذمي يضمن قيمته وجه رواية أبي يوسف رحمه الله أنه لا سبيل إلى تسليم المثل لأنه يمنع منه ولا إلى القيمة لأن ذلك يوجب ملك المستقرض والإسلام يمنع منه والله سبحانه وتعالى أعلم وأما القرد فعن أبي حنيفة رضي الله عنه روايتان وجه رواية عدم الجواز أنه غير منتفع به شرعا فلا يكون مالا كالخنزير وجه رواية الجواز أنه إن لم يكن منتفعا به بذاته يمكن الانتفاع بجلده والصحيح هو الأول لأنه لا يشتري للانتفاع بجلده عادة بل للهو به وهو حرام فكان هذا بيع الحرام للحرام وأنه لا يجوز ويجوز بيع الفيل بالإجماع لأنه منتفع به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق فكان مالا ولا ينعقد بيع الحية والعقرب وجميع هوام الأرض كالوزغة والضب والسلحفاة والقنفذ ونحو ذلك لأنها محرمة الانتفاع بها شرعا لكونها من الخبائث فلم تكن أموالا فلم يجز بيعها وذكر في الفتاوي أنه يجوز بيع الحياة ( ( ( الحية ) ) ) التي ينتفع بها للأدوية وهذا غير سديد لأن المحرم شرعا لا يجوز الانتفاع به للتداوي كالخمر والخنزير وقال النبي عليه الصلاة والسلام لم يجعل شفاؤكم فيما حرم عليكم فلا تقع الحاجة إلى شرع البيع ولا ينعقد بيع شيء مما يكون في البحر كالضفدع والسرطان إلا السمك وما يجوز الانتفاع بجلده أو عظمه لأن ما لا يجوز الانتفاع بجلده ولا به ولا بعظمه لا يكون مالا فلا يكون محلا للبيع وقد روي أن النبي سئل عن الضفدع يجعل في دواء فنهى عنه وقال خبيثة من الخبائث وذكر أبو بكر الإسكاف ( ( ( الإسكافي ) ) ) رحمه الله أنه لا يجوز وذكر في الفتاوى بأنه يجوز لأن الناس ينتفعون به ولا ينعقد بيع النحل إلا إذا كان في كوارته عسل فباع الكوارة بما فيها من العسل والنحل وروى هشام عن محمد أنه يجوز بيعه منفردا من غير كوارته إذا كان مجموعا وهو قول الشافعي رحمه الله لأن النحل حيوان منتفع به فيجوز بيعه ولنا أنه ليس بمنتفع به فلم يكن مالا بنفسه بل بما يحدث منه وهو معدوم حتى لو باعه مع الكوارة وفيها عسل يجوز بيعه تبعا للعسل ويجوز أن لا يكون الشيء محلا للبيع بنفسه مفردا ويكون محلا للبيع مع غيره كالشرب وأنكر الكرخي رحمه الله هذا فقال إنما يدخل فيه تبعا إذا كان من حقوقه كما في الشرب مع الأرض وهذا ليس من حقوقه وعلى هذا بيع دود القز لا ينعقد إلا إذا كان معه قز وروى محمد أنه يجوز بيعه مفردا والحجج على نحو ما ذكرنا في النحل ولا ينعقد بيع بذر الدود عند أبي حنيفة رحمه الله كما لا ينعقد بيع الدود وعندهما يجوز بيعه
ووجه الكلام فيه على نحو ما ذكرنا في بيع النحل والدود ويجوز بيع السرقين والبعر لأنه مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق فكان مالا ولا ينعقد بيع العذرة الخالصة لأنه لا يباح الانتفاع بها بحال فلا تكون مالا إلا إذا كان مخلوطا بالتراب والتراب غالب فيجوز بيعه لأنه يجوز الانتفاع به وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال كل شيء أفسده الحرام والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه ونبين ذلك وما كان الغالب عليه الحرام لم يجز بيعه ولا هبته كالفأرة إذا وقعت في العجين والسمن المائع وكذلك قال محمد في الزيت إذا وقع فيه ودك الميتة أنه إن كان الزيت غالبا يجوز بيعه وإن كان الودك غالبا لا يجوز بيعه لأن الحلال إذا كان هو الغالب يجوز الانتفاع به استصباحا ( ( ( استصحابا ) ) ) ودبغا على ما ذكرنا في كتاب الطهارات فكان مالا فيجوز بيعه وإذا كان الحرام هو الغالب لم يجز الانتفاع به بوجه فلم يكن مالا فلا يجوز بيعه ويجوز بيع آلات الملاهي من البربط والطبل والمزمار والدف ونحو ذلك عند أبي حنيفة لكنه يكره وعند أبي يوسف ومحمد لا ينعقد بيع هذه الأشياء لأنها آلات معدة للتلهي بها موضوعة للفسق والفساد فلا تكون أموالا فلا يجوز بيعها ولأبي حنيفة رحمه الله أنه يمكن الانتفاع بها شرعا من جهة أخرى بأن تجعل ظروفا لأشياء ونحو ذلك من المصالح فلا تخرج عن كونها أموالا وقولهما أنها آلات التلهي والفسق بها قلنا نعم لكن هذا لا يوجب سقوط ماليتها كالمغنيات والقيان وبدن الفاسق وحياته وماله وهذا لأنها كما تصلح للتلهي تصلح لغيره على ماليتها بجهة إطلاق الانتفاع بها لا بجهة الحرمة ولو كسرها إنسان ضمن عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يضمن وعلى هذا الخلاف بيع النرد والشطرنج والصحيح قول أبي حنيفة رضي الله عنه لأن كل واحد منهما منتفع به شرعا من وجه آخر بأن يجعل صنجات الميزان فكان مالا من هذا الوجه فكان محلا للبيع مضمونا بالإتلاف ويجوز بيع ما سوى الخمر من الأشربة المحرمة كالسكر ونقيع الزبيب والمنصف ونحوها عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز لأنه إذا حرم شربها لم تكن مالا فلا تكون محلا للبيع كالخمر ولأن ما حرم شربه لا يجوز بيعه لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوعا ( ( ( وباعوها ) ) ) وإن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم بيعه وأكل ثمنه ولأبي حنيفة رحمه الله أن حرمة هذه الأشربة ما ثبتت بدليل متيقن مقطوع به لكونها محل الاجتهاد والمالية قبل حدوث الشدة كانت ثابتة بيقين فلا تبطل بحرمة ثابتة بالاجتهاد فبقيت أموالا وبه تبين أن المراد من الحديث محرم ثبتت حرمته بدليل مقطوع به ولم يوجد ههنا بخلاف الخمر لأن حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به فبطلت ماليتها والله سبحانه وتعالى أعلم ولا ينعقد بيع الملاقيح والمضامين الذي ورد النهي عنه لأن المضمون ما في صلب الذكر والملقوح ما في رحم الأنثى وذلك ليس بمال وعلى هذا أيضا يخرج بيع عسب الفحل لأن العسب هو الضرب ( ( ( الضراب ) ) ) وأنه ليس بمال وقد يخرج على هذا بيع الحمل أنه لا ينعقد لأن الحمل ليس بمال ولا ينعقد بيع لبن المرأة في قدح عندنا وقال الشافعي رحمه الله يجوز بيعه وجه قوله أن هذا مشروب طاهر فيجوز بيعه كلبن البهائم والماء