Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V06/P095–V06/P096

وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا ضمان على الأول حتى يعمل به الثاني وربح ( ( ( ويربح ) ) ) فإذا عمل به وربح كان ضامنا حين ربح وإن عمل في المال فلم يربح حتى ضاع من يده فلا ضمان عليه وروى محمد عن أبي يوسف أنه لا ضمان عليه حتى يعمل الثاني فإذا عمل ضمن ربح الثاني أو لم يربح وهكذا روى ابن سماعة والفضل بن غانم عن أبي يوسف وهو قول محمد رحمه الله وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن هذا ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وجه قولهما أنه لما عمل فقد تصرف في المال بغير إذن المالك فيتعين به الضمان سواء ربح أو لم يربح ولأبي حنيفة لا سبيل إلى التضمين بالدفع لأنه إيداع وإيضاع ( ( ( وإبضاع ) ) ) ولا بالعمل لأنه ما لم يربح فهو في حكم المبضع والمبضع لا يضمن بالعمل ولا يجوز أن يضمن بالشرط لأنه مجرد قول ومجرد القول في ملك الغير لا يتعلق به ضمان لكنه إذا ربح فقد ثبت له شركة في المال بإثبات المضارب الأول فصار الأول مخالفا فيضمن كما لو خلط مال المضاربة بغيره أو شارك به وإذا وجب الضمان بالعمل والربح أو بنفس العمل على اختلافهم في ذلك فرب المال بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني أما على أصل أبي يوسف ومحمد في المودع إذا أودع فظاهر لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما لأن الأول تعدى بالدفع والثاني تعدى بالقبض فصار عندهما كالمودع إذا أودع وأما على أصل أبي حنيفة في مسألة الوديعة فيحتاج إلى الفرق لأن الضمان عنده على المودع الأول لا على الثاني وفي مسألة المضاربة أثبت له خيار تضمين الثاني لأن المضارب الثاني يعمل في المال لمنفعة نفسه وهي الربح فكان عاملا لنفسه فجاز أن يضمن والمودع الثاني لم يقبض لمنفعة نفسه بل لمنفعة الأول لحفظ الوديعة فلم يضمن فإن ضمن المضارب الأول لا يرجع بما ضمن على الثاني وصحت المضاربة بين الأول والثاني والربح على ما شرطا لأنه لما تقرر الضمان على الأول فقد ملك المضمون وصار كأنه دفع مال نفسه مضاربة إلى الثاني فكان الربح على ما شرطا لأن الشرط قد صح وإن ضمن الثاني رجع بما ضمن على الأول وصار حاصل الضمان على الأول لأن الأول غره بالعقد فصار مغرورا من جهته فكان له أن يرجع عليه بما ضمن كمودع الغاصب وهو ضمان كفالة في الحقيقة لأن الأول التزم له سلامة المقبوض عن الضمان ولم يسلم له بخلاف الرهن وهو ما إذا غصب رجل شيئا فرهنه فملك ( ( ( فهلك ) ) ) في يد المرتهن فاختار المالك تضمين المرتهن أنه يرجع على الراهن بما ضمن ولا يصح عقد الرهن ووجه الفرق أن قبض المرهون شرط صحة الرهن ولما ضمن المرتهن تبين أن قبضه لم يصح فتبين أن الرهن لم يصح إذ لا صحة له بدون القبض فأما في المضاربة فيضمن الثاني إبطال القبض بعد وجوده لأن المضاربة عقد جائز فكان لبقائه حكم الابتداء كأنه ابتدأ العقد بعد أداء الضمان فكان التضمين إبطال القبض بعد وجوده وذلك لا يبطل المضاربة ألا ترى أن المضارب لو باع المال من رب المال لا تبطل المضاربة وإن بطل قبضه ولو رد المرتهن الرهن على الراهن يبطل الرهن لذلك افترقا وذكر ابن سماعة عن محمد أنه يطيب الربح للأسفل ولا يطيب للأعلى على قياس قول أبي حنيفة عليه الرحمة لأن استحقاق الأسفل بعمله ولا خطر في عمله فيطيب له الربح فأما الأعلى فإنما يستحق الربح برأس المال والملك في رأس المال إنما حصل له بالضمان فلا يخلو عن نوع خبث فلا يطيب له وإن كانتا فاسدتين فلا ضمان على واحد منهما لأن الأول أجير في مال المضاربة والثاني أجير الأول فصار كمن استأجر رجلا يعمل في ماله فاستأجر الأجير رجلا

Section V06/P096

وإن كانت إحداهما صحيحة والأخرى فاسدة فإن كانت الأولى صحيحة والأخرى فاسدة فكذلك لا ضمان على واحد منهما وإن عمل المضارب الثاني في المال لأن المضارب الثاني أجير الأول والأجير لا يستحق شيئا من الربح فلم يثبت له شركة في رأس المال فلا يجب الضمان على الأول ولا على الثاني لأنه لا ضمان على الأجير وله أجر مثل عمله على المضارب الأول وللمضارب الأول ما شرط له من الربح لوقوع المضاربة صحيحة وإن كانت الأولى فاسدة والثاني ( ( ( والثانية ) ) ) صحيحة فكذلك لأن الأول أجير في مال المضاربة فلا حق له في الربح فلم ينفذ شرطه فيه فلا يلزمه الضمان إذ الضمان إنما يجب بإثبات الشركة ويكون الربح كله لرب المال لأنه ربح حصل في مضاربة فاسدة وللمضارب الأول أجر مثله لأن عمل الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه وللثاني على الأول مثل ما شرط له من الربح لأنه عمل مضاربة صحيحة وقد سمي له أشياء فهو مستحق للغير فيضمن هذا إذا لم يقل له رب المال اعمل برأيك فأما إذا قال له اعمل برأيك فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره لأنه فوض الرأي إليه وقد رأى أن يدفعه مضاربة فكان له ذلك ثم إذا عمل الثاني وربح كيف يقسم الربح فنقول جملة الكلام فيه أن رب المال لا يخلو أما إن كان أطلق الربح في عقد المضاربة ولم يضفه إلى المضارب بأن قال على أن ما رزق الله تعالى من الربح فهو بيننا نصفان أو قال ما أطعم الله تعالى من ربح فهو بيننا نصفان وأما إن أضافه إلى المضارب بأن قال على أن ما رزقك الله تعالى من الربح أو ما أطعمك الله عز وجل من ربح أو على أن ما ربحت من شيء أو ما أصبت من ربح فإن أطلق الربح ولم يضفه إلى المضارب ثم دفع المضارب الأول المال إلى غيره مضاربة بالثلث فربح الثاني فثلث جميع الربح للثاني لأن شرط الأول للثاني قد صح لأنه يملك نصف الربح فكان ثلث جميع الربح بعض ما يستحقه الأول فجاز شرطه للثاني فكان ثلث جميع الربح للثاني ونصفه لرب المال لأن الأول لا يملك من نصيب رب المال شيئا فانصرف شرطه إلى نصيبه لا إلى نصيب رب المال فبقي نصيب رب المال على حاله وهو النصف وسدس الربح للمضارب الأول لأنه لم يجعله للثاني فبقي له بالعقد الأول ويطيب له ذلك لأن عمل المضارب الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه كمن استأجر إنسانا على خياطة ثوب بدرهم فاستأجر الأجير من خاطه بنصف درهم طاب له الفضل لأن عمل أجيره وقع له فكأنه عمل بنفسه كذا هذا ولو دفع إلى الثاني مضاربة بالنصف فنصف الربح للثاني ونصفه لرب المال ولا شيء للمضارب الأول لأنه جعل جميع ما يستحقه وهو نصف الربح للثاني وصح جعله لأنه مالك للنصف والنصف لرب المال بالعقد الأول وصار كمن استأجر رجلا على خياطة ثوب بدرهم فاستأجر الأجير من خاطه بدرهم ولو دفعه إليه مضاربة بالثلثين فنصف الربح لرب المال ونصفه للمضارب الثاني ويرجع الثاني على الأول بمثل سدس الربح الذي شرطه له لأن شرط الزيادة إن لم ينفذ في حق رب المال لما لم يرض لنفسه بأقل من نصف الربح فقد صح فيما بين الأول والثاني لأن الأول غر الثاني بتسمية الزيادة والغرور في العقود من أسباب وجوب الضمان وهو في الحقيقة ضمان الكفالة وهو أن الأول صار ملتزما سلامة هذا القدر للثاني ولم يسلم له فيغرم للثاني مثل سدس الربح ولا يصير بذلك مخالفا لأن شرطه لم ينفذ في حق رب المال فالتحق بالعدم في حقه فلا يضمن وصار كمن استأجر رجلا لخياطة ثوب بدرهم فاستأجر الأجير من يخيطه بدرهم ونصف أنه يضمن زيادة الأجرة كذا هذا

Section V06/P096–V06/P097

ولو أضافه إلى المضارب فدفعه الأول مضاربة إلى غيره بالثلث أو بالنصف أو بالثلثين فجميع ما شرط للثاني من الربح يسلم له وما شرط للمضارب الأول من الربح يكون بينه وبين رب المال نصفين بخلاف الفصل الأول ووجه الفرق أن هنا شرط رب المال لنفسه نصف ما رزق الله تعالى للمضارب أو نصف ما ربح المضارب فإذا دفع إلى الثاني مضاربة بالثلث كان الذي رزق الله عز وجل المضارب الأول الثلثين فكان الثلث للثاني والثلثان بين رب المال وبين المضارب الأول نصفين لكل واحد منهما الثلث وإذا دفع مضاربة بالنصف كان ما رزقه الله تعالى للمضارب الأول النصف فكان النصف للثاني والنصف بينهما نصفين وإذا دفعه مضاربة بالثلثين كان الذي رزقه الله تعالى الثلث والثلثان للثاني والثلث بينهما لكل واحد منهما السدس وفي الفصل الأول رب المال إنما شرط لنفسه نصف جميع ما رزق الله تعالى ونصف جميع الربح وذلك ينصرف إلى كل الربح وكذا له أن يخلط مال المضاربة بمال نفسه لأنه فرض ( ( ( فوض ) ) ) الرأي إليه وقد رأى الخلط وإذا ربح قسم الربح على المالين فربح ماله يكون له خاصة وربح مال المضاربة يكون بينهما على الشرط وكذا له أن يشارك غيره شركة عنان لما قلنا ويقسم الربح بينهما على الشرط لأن الشرط قد صح وإذا قسم الربح بينهما يكون مال المضاربة مع حصة المضارب من الربح فيستوفي منها رب المال رأس ماله وما فضل يكون بينهما على الشرط وأما القسم الذي ليس للمضارب أن يعمله أصلا ورأسا فشراء ما لا يملك بالقبض وما لا يجوز بيعه فيه إذا قبضه أما الأول فنحو شراء الميتة والدم والخمر والخنزير وأما ( ( ( وأم ) ) ) الولد والمكاتب والمدبر لأن المضاربة تتضمن الإذن بالتصرف الذي يحصل به الربح والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع فما لا يملك بالشراء لا يحصل فيه الربح وما يملك بالشراء لكن لا يقدر على بيعه لا يحصل فيه الربح أيضا فلا يدخل تحت الإذن فإن اشترى شيئا من ذلك كان مشتريا لنفسه لا للمضاربة فإن دفع فيه شيئا من مال المضاربة يضمن وإن اشترى ثوبا أو عبدا أو عرضا من العروض بشيء مما ذكرنا سوى الميتة والدم فالشراء على المضاربة لأن المبيع هنا مما يملك بالقبض ويجوز بيعه فكان هذا شراء فاسدا والإذن بالشراء المستفاد بعقد المضاربة يتناول الصحيح والفاسد وأما إذا كان الثمن ميتة أو دما فما اشترى به لا يكون على المضاربة لأن الميتة والدم لا تملك بالقبض أصلا أما الثاني فنحو أن يشتري ذا رحم محرم من رب المال فلا يكون المشتري للمضاربة بل يكون مشتريا لنفسه لأنه لو وقع شراؤه للمضاربة لعتق على رب المال فلا يقدر على بيعه بعد ذلك ولا يحصل المقصود من الإذن فلا يدخل تحت الإذن ولو اشترى ذا رحم محرم من نفسه فإن لم يكن في المال ربح فالشراء على المضاربة لأنه لا ملك له فيه فيقدر على بيعه فيحصل المقصود وإن كان في المال ربح لم يكن الشراء على المضاربة لأنه إذا كان في المضاربة ربح يملك قدر نصيبه من الربح فيعتق ذلك القدر عليه فلا يقدر على بيعه ولا على بيع الباقي لأنه معتق البعض وما لا يقدر على بيعه لا يكون للمضاربة لما قلنا وأما المضاربة المقيدة فحكمها حكم المضاربة المطلقة في جميع ما وصفنا لا تفارقها إلا في قدر القيد والأصل فيه أن القيد إن كان مفيدا يثبت لأن الأصل في الشروط اعتبارها ما أمكن وإذا كان القيد مفيدا كان يمكن الاعتبار فيعتبر لقول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام المسلمون عند شروطهم فيتقيد بالمذكور ويبقى مطلقا فيما وراءه على الأصل المعهود في المطلق إذا قيد ببعض المذكور إنه يبقى مطلقا فيما وراءه كالعام إذا خص منه بعضه إنه يبقى عاما فيما وراءه وإن لم يكن مفيدا لا يثبت بل يبقى مطلقا لأن ما لا فائدة فيه يلغو ويلحق بالعدم

Section V06/P097–V06/P098

إذا عرفنا هذا فنقول إذا دفع رجل إلى رجل مالا مضاربة على أن يعمل به في الكوفة فليس له أن يعمل في غير الكوفة لأن قوله على أن من ألفاظ الشرط وإنه شرط مفيد لأن الأماكن تختلف بالرخص والغلاء وكذا في السفر خطر فيعتبر وحقيقة الفقه في ذلك أن الأذى ( ( ( الإذن ) ) ) كان عدما وإنما يحدث بالعقد فيبقى فيما وراء ما تناوله العقد على أصل العدم وكذا لا يعطيها بضاعة لمن يخرج بها من الكوفة لأنه إذا لم يملك الإخراج بنفسه فلأن لا يملك الأمر بذلك أولى وإن أخرجها من الكوفة فإن اشترى بها وباع ضمن لأنه تصرف لا على الوجه المأذون فصار فيه مخالفا فيضمن وكأن المشتري لنفسه له ربحه وعليه وضيعته لكن لا يطيب له الربح عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يطيب وإن لم يشتر بها شيئا حتى ردها إلى الكوفة برىء من الضمان ورجع المال مضاربة على حاله لأنه عاد إلى الوفاق قبل تقرر الخلاف فيبرأ عن الضمان كالمودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق ولو لم يرده حتى هلك قبل التصرف لا ضمان عليه لأنه لما لم يتصرف لم يتقرر الخلاف فلا يضمن ولو اشترى ببعضه ورد بعضه فما اشتراه فهو له وما رد رجع على المضاربة لأنه تقرر الخلاف في القدر المشترى وزال عن القدر المردود ولو دفع إليه على أن يعمل في سوق الكوفة فعمل في الكوفة في غير سوقها فهو جائز على المضاربة استحسانا والقياس أن لا يجوز وجه القياس أنه شرط عليه العمل في مكان معين فلا يجوز في غيره كما لو شرط ذلك في بلد معين وجه الاستحسان أن التقييد بسوق الكوفة غير مفيد لأن البلد الواحد بمنزلة بقعة واحدة فلا فائدة في التعليق بهذا الشرط فيلغو الشرط ولو قال له اعمل به في سوق الكوفة أو لا تعمل به إلا في سوق الكوفة فعمل في غير سوق الكوفة يضمن لأن قوله لا تعمل إلا في سوق الكوفة حجر له فلا يجوز تصرفه بعد الحجر وفي الفصل الأول ما حجر عليه بل شرط عليه أن يكون عمله في السوق والشرط غير مفيد فلغا ولو قال له خذ هذا المال تعمل به في الكوفة لم يجز له العمل في غيرها لأن في كلمة ظرف فقد جعل الكوفة ظرفا للتصرف الذي أذن له فيه فلو جاز في غيرها لم تكن الكوفة ظرفا لتصرفه وكذلك إذا قال له فاعمل به في الكوفة لما قلنا ولأن الفاء من حروف التعليق فتوجب تعلق ما قبلها بما بعدها وإنما يتعلق إذا لم يجز التصرف في غيرها وكذلك إذا قال خذ هذا المال بالتصرف بالكوفة لأن الباء حرف إلصاق فتقتضي التصاق الصفة بالموصوف وهذا يمنع جواز التصرف في غيرها ولو قال خذ هذا المال مضاربة واعمل به في الكوفة فله أن يعمله بالكوفة وحيث ما بدا له لأن قوله خذ هذا المال مضاربة إذن له في التصرف مطلقا وقوله واعمل به في الكوفة إذن له بالعمل في الكوفة فكان له أن يعمل في أي موضع شاء كمن قال لغيره أعتق عبدا من عبيدي ثم قال له أعتق عبدي سالما أن له أن يعتق أي عبد شاء ولا يتقيد التوكيل بإعتاق سالم كذا هذا إذ المضاربة توكيل بالشراء والبيع ولو قال خذ هذا المال مضاربة إلى سنة جازت المضاربة عندنا وقال الشافعي رحمه الله المضاربة فاسدة وجه قوله أنه إذا وقت للمضاربة وقتا فيحتمل أنه لا يجوز كونها في الوقت فلا يفيد العقد فائدة ولنا أن المضاربة توكيل والتوكيل يحتمل التخصيص بوقت دون وقت

Section V06/P098–V06/P099

وذكر الطحاوي وقال لم يجز عند أصحابنا توقيت المضاربة وقياس قولهم في الوكالة إنها لا تختص بالوقت لأنهم قالوا لو وكل رجلا ببيع عبده اليوم فباعه غدا جاز كالوكالة المطلقة وما قاله ليس بسديد لأنهم قالوا في الوكيل إذا قيل له بعه اليوم ولا تبعه غدا جاز ذلك ولم يكن له أن يبيعه غدا وكذا إذا قيل له على أن تبيعه اليوم دون غد ولو قال خذ هذا المال مضاربة بالنصف على أن تشتري به الطعام أو قال فاشتري ( ( ( فاشتر ) ) ) به الطعام أو قال تشتري به الطعام أو قال خذ هذا المال مضاربة بالنصف في الطعام فذلك كله سواء وليس له أن يشتري سوى الطعام بالإجماع لما ذكرنا على أن أن للشرط والأصل في الشرط المذكور في الكلام اعتباره والفاء لتعليق ما قبلها بما بعدها وقوله يشتري به الطعام تفسير التصرف المأذون به وقوله في الطعام ففي كلمة ظرف فإذا دخلت على ما لا يصلح ظرفا تصير بمعنى الشرط وكل ذلك يقتضي التقييد بالشرط المذكور وإنه شرط مفيد لأن بعض أنواع التجارة يكون أقرب إلى المقصود من بعض وكذا الناس مختلفون في ذلك فقد يهدى ( ( ( يهتدي ) ) ) الإنسان إلى بعض التجارة دون بعض فكان الشرط مفيدا فيتقيد به ولا يملك أن يشتري غير الطعام والطعام هو الحنطة ودقيقها إذ لا يراد به كل ما يتطعم بل البعض دون البعض والأمر يختلف باختلاف عادة البلدان فاسم الطعام في عرفهم لا ينطلق إلا على الحنطة ودقيقها وكذلك لو ذكر جنسا آخر بأن قال له خذ هذا المال مضاربة بالنصف على أن تشتري به الدقيق أو الخبز أو البر أو غير ذلك ليس له أن يعمل من غير ذلك الجنس بلا خلاف لكن له أن يشتري ذلك الجنس في المصر وغيره وأن يبضع فيه وأن يعمل فيه جميع ما يعمله المضارب في المضاربة المطلقة لما ذكرنا أن اللفظ المطلق إذا قيد ببعض الأشياء يبقى على إطلاقه فيما وراءه وقال ابن سماعة سمعت محمدا قال في رجل دفع إلى رجل مالا مضاربة فقال له إن اشتريت به الحنطة فلك من الربح النصف ولي النصف وإن اشتريت به الدقيق فلك الثلث ولي الثلثان فقال هذا جائز وله أن يشتري أي ذلك شاء على ما سمى له رب المال لأنه خيره بين عملين مختلفين فيجوز كما لو خير الخياط بين الخياطة الرومية والفارسية ولو دفع إليه على أنه إن عمل في المصر فله ثلث الربح وإن سافر فله النصف جاز والربح بينهما على ما شرطا إن عمل في المصر فله الثلث وإن سافر فله النصف ولو اشترى في المصر وباع في السفر أو اشترى في السفر وباع في المصر فقد روي عن محمد أنه قال المضاربة في هذا على الشراء فإن اشترى في المصر فما ربح في ذلك المتاع فهو على ما شرط في المصر سواء باعه في المصر أو في غيره لأن المضارب إنما يستحق الربح بالعمل والعمل يحصل بالشراء فإذا اشترى في المصر تعين أحد العملين فلا يتغير بالسفر وإن عمل ببعض المال في السفر وبالبعض في الحضر فربح كل واحد من المالين على ما شرط ولو قال له على أن تشتري من فلان وتبيع منه جاز عندنا وهو على فلان خاصة ليس له أن يشتري ويبيع من غيره وقال الشافعي رحمه الله المضاربة فاسدة لأن في تعيين الشخص تضييق طريق الوصول إلى المقصود من التصرف وهو الربح وتغيير مقتضى العقد لأن مقتضى العقد التصرف مع من شاء ولنا أن هذا شرط مفيد لاختلاف الناس في الثقة والأمانة لأن الشراء من بعض الناس قد يكون أربح لكونه أسهل في البيع وقد يكون أوثق على المال فكان التقييد مفيدا كالتقييد بنوع دون نوع وقوله التعيين يغير مقتضى العقد قلنا ليس كذلك بل هو مباشرة العقد مفيدا من الابتداء وإنه قيد مفيد فوجب اعتباره

Section V06/P099–V06/P100

ولو قال على أن تشتري بها من أهل الكوفة وتبيع فاشترى وباع من رجال بالكوفة من غير أهلها فهو جائز لأن هذا الشرط لا يفيد إلا ترك السفر كأنه قال على أن تشتري ممن بالكوفة وكذلك إذا دفع إليه مالا مضاربة في الصرف على أن يشتري من الصيارفة ويبيع كان له أن يشتري من غير الصيارفة ما بدا له من الصرف لأن التقييد بالصيارفة لا يفيد إلا تخصيص البلد أو النوع فإذا حصل ذلك من صيرفي أو غيره فهو سواء ولو دفع إليه مالا مضاربة ثم قال له بعد ذلك اشتر به البز وبع فله أن يشتري البز وغيره لأنه أذن بالشراء مطلقا ثم أمره بشراء البز فكان له أن يشتري ما شاء وهذا كقوله خذ هذا المال مضاربة واعمل به بالكوفة إلا أن هناك القيد مقارن وههنا متراخ وقد ذكرناه وذكر القدوري رحمه الله إن هذا محمول على أنه نهاه بعد الشراء والحكم في التقييد الطارىء على مطلق العقد أنه إن كان ذلك قبل الشراء يعمل وإن كان بعدما اشترى به لا يعمل إلى أن يبيعه بمال عين فيعمل التقييد عند ذلك حتى لا يجوز أن يشتري إلا ما قال ولو دفع إليه مالا مضاربة على أن يبيع ويشتري بالنقد فليس له أن يشتري ويبيع إلا بالنقد لأن هذا التقييد مفيد فيتقيد بالمذكور ولو قال له بع بنسيئة ولا تبع بالنقد فباع بالنقد جاز لأن النقد أنفع من النسيئة فلم يكن التقييد بها مفيدا فلا يثبت القيد وصار كما لو قال للوكيل بع بعشرة فباع بأكثر منها جاز كذا هذا وأما الذي يرجع إلى عمل رب المال مما له أن يعمله وما ليس له أن يعمله فقد قال أصحابنا إذا باع رب المال مال المضاربة بمثل قيمته أو أكثر جاز بيعه وإذا باع بأقل من قيمته لم يجز إلا أن يجيزه المضارب سواء باع بأقل من قيمته مما لا يتغابن الناس فيه أو مما يتغابن الناس فيه لأن جواز بيع رب المال من طريق الإعانة للمضارب وليس من الإعانة إدخال النقص عليه بل هو استهلاك فلا يتحمل قل أو كثر وعلى هذا لو كان المضارب اثنين فباع أحدهما بإذن رب المال لم يجز أن يبيعه إلا بمثل القيمة أو أكثر إلا أن يجيزه المضارب الآخر لأن أحد المضاربين لا ينفرد بالتصرف بنفس العقد بل بإذن رب المال وهو لا يملك التصرف بنفسه إذا كان فيه غبن فلا يملك الأمر به وإذا اشترى المضارب بمال المضاربة متاعا وفيه فضل أو لا فضل فيه فأراد رب المال بيع ذلك فأبى المضارب وأراد إمساكه حتى يجد ربحا فإن المضارب يجبر على بيعه إلا أن يشاء أن يدفعه إلى رب المال لأن منع المالك عن تنفيذ إرادته في ملكه لحق يحتمل الثبوت والعدم وهو الربح لا سبيل إليه ولكن يقال له إن أردت الإمساك فرد عليه ماله وإن كان فيه ربح يقال له ادفع إليه رأس المال وحصته من الربح ويسلم المتاع إليك ولو أخذ رجل مالا ليعمل لأجل ابنه مضاربة فإن كان الابن صغيرا لا يعقل البيع فالمضاربة للأب ولا شيء للابن من الربح لأن الربح في باب المضاربة يستحق بالمال أو بالعمل وليس للابن واحد منهما فإن كان الابن يقدر على العمل فالمضاربة للابن والربح له إن عمل فإن عمل الأب بأمر الابن فهو متطوع وإن عمل بغير أمره صار بمنزلة الغاصب لأنه ليس له أن يعمل فيه بغير إذنه فصار كالأجنبي وقد قالوا في المضارب إذا اشترى جارية فليس لرب المال أن يطأها سواء كان فيه ربح أو لم يكن أما إذا كان فيه ربح فلا شك فيه لأن للمضارب فيه ملكا ولا يجوز وطء الجارية المشتركة وإن لم يكن فيها ربح فللمضارب فيها حق يشبه الملك بدليل أن رب المال لا يملك منعه من التصرف ولو مات كان للمضارب أن يبيعها فصارت كالجارية المشتركة

Section V06/P100

ويجوز شراء رب المال من المضارب ( ( ( المضاربة ) ) ) وشراء المضارب من رب المال وإن لم يكن في المضاربة ربح في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر رحمه الله لا يجوز الشراء بينهما في مال المضاربة وجه قول زفر أن هذا بيع ماله بماله وشراء ماله بماله إذ المالان جميعا لرب المال وهذا لا يجوز كالوكيل مع الموكل ولنا أن لرب المال في مال المضاربة ملك رقبة لا ملك تصرف وملكه في حق التصرف كملك الأجنبي وللمضارب فيه ملك التصرف لا الرقبة فكان في حق ملك الرقبة كملك الأجنبي حتى لا يملك رب المال منعه عن التصرف فكان مال المضاربة في حق كل واحد منهما كمال الأجنبي لذلك جاز الشراء بينهما ولو اشترى المضارب دارا ورب المال شفيعها بدار أخرى بجنبها فله أن يأخذ بالشفعة لأن المشتري وإن كان له في الحقيقة لكنه في الحكم كأنه ليس له بدليل أنه لا يملك انتزاعه من يد المضارب ولهذا جاز شراؤه من المضارب ولو باع المضارب دارا من المضاربة ورب المال شفيعها فلا شفعة له سواء كان في الدار المبيعة ربح وقت البيع أو لم يكن أما إذا لم يكن فيها ربح فلأن المضارب وكيله بالبيع والوكيل ببيع الدار إذا باع لا يكون للموكل الأخذ بالشفعة وإن كان فيها ربح فأما حصة رب المال فكذلك وهو وكيل بيعها وأما حصة المضارب فلأنا لو أوجبنا فيها الشفعة لتفرقت الصفقة على المشتري ولأن الربح تابع لرأس المال فإذا لم تجب الشفعة في المتبوع لا تجب في التابع ولو باع رب المال دارا لنفسه والمضارب شفيعها بدار أخرى من المضاربة فإن كان في يده من مال المضاربة وفاء بثمن الدار لم تجب الشفعة لأنه لو أخذ بالشفعة لوقع لرب المال والشفعة لا تجب لبائع الدار وإن لم يكن في يده وفاء فإن لم يكن في الدار ربح فلا شفعة لأنه أخذها لرب المال وإن كان فيه ربح فللمضارب أن يأخذها لنفسه بالشفعة لأن له نصيبا في ذلك فجاز أن يأخذها لنفسه ولو أن أجنبيا اشترى دارا إلى جانب دار المضاربة فإن كان في يد المضارب وفاء بالثمن فله أن يأخذها بالشفعة للمضاربة وإن سلم الشفعة بطلت وليس لرب المال أن يأخذها لنفسه لأن الشفعة وجبت للمضاربة وملك التصرف في المضاربة للمضارب فإذا سلم جاز بتسليمه على نفسه وعلى رب المال وإن لم يكن في يده وفاء فإن كان في الدار ربح فالشفعة للمضارب ولرب المال جميعا فإن سلم أحدهما فللآخر أن يأخذها جميعا لنفسه بالشفعة كدار بين اثنين وجبت الشفعة لهما وإن لم يكن في الدار ربح فالشفعة لرب المال خاصة لأنه لا نصيب للمضارب فيه قال أبو يوسف إذا استأجر الرجل أجيرا كل شهر بعشرة دراهم ليشتري له ويبيع ثم دفع المستأجر إلى الأجير دراهم مضاربة فالمضاربة فاسدة والربح كله للدافع ولا شيء للأجير سوى الأجرة وقال محمد المضاربة جائزة ولا شيء للأجير في الوقت الذي يكون مشغولا بعمل المضاربة وجه قول محمد إنه لما دفع إليه المضاربة فقد اتفقا على ترك الإجارة ونقضها فما دام يعمل بالمضاربة فلا أجر له ولأن الإجارة شركة لهذا لا تقبل التوقيت ولو شاركه بعدما استأجره جازت الشركة فكذا المضاربة ولأبي يوسف أنه لما استأجره فقد ملك عمله فإذا دفع إليه مضاربة فقد شرط للمضارب ربحا بعمل قد ملكه رب المال وهذا لا يجوز ولأن المضارب يعمل لنفسه فلا يجوز أن يستوجب الربح والأجر ولا يجوز أن ينقض الإجارة بالمضاربة لأن الإجارة أقوى من المضاربة لأنها لازمة والمضاربة ليست بلازمة والشيء لا ينتقض بما هو أضعف منه وما ذكر محمد أن المضاربة شركة فالجواب أن الشريك يستحق الربح بالمال والمضارب بالعمل ورب المال قد ملك العمل فلا يجوز أن يستحق المضارب الربح ولأن الشريك يعمل لنفسه فكأنه امتنع من عمل الإجارة فيسقط عنه الأجرة بحصته والمضارب يعمل لرب المال فبقي عمله على الإجارة

Section V06/P100–V06/P101

ولو اشترى المضارب بمال المضاربة وهو ألف عبدا قيمته ألف فقتل عمدا فلرب المال القصاص لأن العبد ملكه على الخصوص لا حق للمضارب فيه وإن كانت قيمته ألفين لم يكن فيه قصاص وإن اجتمعا لأن ملك كل واحد منهما لم يتعين أما رب المال فلأن رأس المال ليس هو العبد وإنما هو الدراهم ولو أراد أن يعين رأس ماله في العبد كان للمضارب أن يمنعه عن ذلك حتى يبيع ويدفع إليه من الثمن وإذا لم يتعين ملك رب المال لم يتعين ملك المضارب قبل استيفاء رأس المال وإذا لم يتعين ملكهما في العبد لم يجب القصاص لواحد منهما وإن اجتمعا وتؤخذ قيمة العبد من القاتل في ماله في ثلاث سنين لأن القصاص سقط في القتل العمد لمانع مع وجود السبب فتجب الدية في ماله ويكون المأخوذ على المضاربة يشتري به المضارب ويبيع لأنه بدل مال المضاربة فيكون على المضاربة كالثمن وذكر محمد في النوادر إذا كان في يد المضارب عبدان قيمة كل واحد منهما ألف فقتل رجل أحد العبدين عمدا لم يكن لرب المال عليه قصاص لأن ملك رب المال لم يتعين في العبد المقتول على ما بينا وعلى القاتل قيمته في ماله ويكون في المضاربة لما قلنا والأصل أن في كل موضع وجب بالقتل القصاص خرج العبد عن المضاربة وفي كل موضع وجب بالقتل مال فالمال على المضاربة لأن القصاص إذا استوفى فقد هلك مال المضاربة وهلاك مال المضاربة يوجب بطلان المضاربة والقيمة بدل مال المضاربة فكانت على المضاربة كالثمن وقال محمد وإذا اشترى المضارب ببعض مال المضاربة عبدا يساوي ألفا فقتله رجل عمدا فلا قصاص فيه لا لرب المال ولا للمضارب ولا لهما إذا اجتمعا أما رب المال فلأنه لو استوفى القصاص لا يصير مستوفيا لرأس المال بالقصاص لأن القصاص ليس بمال ولهذا لو عفا المريض عن القصاص كان من جميع المال وإذا لم يصر به مستوفيا رأس ماله يستوفي رأس المال من بقية المال وإذا استوفى تبين أن العبد كان ربحا فتبين أنه انفرد باستيفاء القصاص عن عبد مشترك وأما المضارب فلأنه لم يتعين له فيه ملك ولا يجوز لهما الاجتماع ( ( ( الإجماع ) ) ) على الاستيفاء لهذا المعنى وهو أن حق كل واحد منهما غير متعين واختلف أصحابنا في القتل العمد إذا ادعى على عبد المضاربة إنه هل يشترط حضور الولي لسماع البينة قال أبو حنيفة ومحمد عليهما الرحمة يشترط وقال أبو يوسف رحمه الله لا يشترط وجه قوله أن العبد في باب القصاص مبقى على أصل الحرية بدليل أنه لو أقر به يجوز إقراره وإن كذبه الولي فلا يقف سماع البينة عليه على حضور المولى كالحر ولهما إن هذه البينة يتعلق بها استحقاق رقبة العبد فلا تسمع مع غيبة المولى كالبينة القائمة على استحقاق الملك والبينة القائمة على جناية الخطأ وقد قالوا جميعا لو أقر العبد بقتل عمدا فكذبه المولى والمضارب لزمه القصاص لأن الإقرار بالقصاص مما لا يملكه المولى من عبده وهو مما يملك فيملكه العبد كالطلاق فإن كان الدم بين شريكين وقد أقر به العبد فعفا أحدهما فلا شيء للآخر لأن موجب الجناية انقلب مالا وإقرار العبد غير مقبول في حق المال فصار كأنه أقر بجناية الخطأ فإن كان رب المال صدقه في إقراره وكذبه المضارب قيل لرب المال ادفع نصف نصيبك أو افده وإن كان المضارب صدقه وكذبه رب المال قيل للمضارب ادفع نصيبك أو افده وصار كأحد الشريكين إذا أقر في العبد بجناية وكذبه الآخر

Section V06/P101–V06/P102

وأما وجوب القصاص على عبد المضاربة وإن لم يجب بقتله القصاص لأن عدم الوجوب بقتله لكون مستحق الدم غير متعين فإذا كان هو القاتل فالمستحق للقصاص هو ولي القتيل وإنه متعين وتجوز المرابحة بين رب المال والمضارب وهو أن يشتري رب المال من مضاربة فيبيعه مرابحة أو يشتري المضارب من رب المال فيبيعه مرابحة لكن يبيعه على أقل الثمنين إلا إذا بين الأمر على وجهه فيبيعه كيف شاء وإنما كان كذلك لأن جواز شراء رب المال من المضارب والمضارب من رب المال ثبت معدولا به عن القياس لما ذكرنا أن رب المال اشترى مال نفسه بمال نفسه والمضارب يبيع مال رب المال من رب المال إذ المالان ماله والقياس يأبى ذلك إلا أنا استحسنا الجواز لتعلق حق المضارب بالمال وهو ملك التصرف فجعل ذلك بيعا في حقهما لا في حق غيرهما بل جعل في حق غيرهما ملحقا بالعدم ولأن المرابحة بيع يجريه البائع من غير بينة واستخلاف فتجب صيانته عن الجناية وعن شبه الجناية ما أمكن وقد تمكنت التهمة في البيع بينهما لجواز أن رب المال باعه من المضارب أكثر ( ( ( بأكثر ) ) ) من قيمته ورضي به المضارب لأن الجود بمال الغير أمر سهل فكأن تهمة الجناية ثابتة والتهمة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة فلا يبيع مرابحة إلا على أقل الثمنين بيان ذلك في مسائل إذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى رب المال عبدا بخمسمائة فباعه من المضارب بألف فإن المضارب يبيعه مرابحة على خمسمائة لأنها أقل الثمنين إلا إذا بين الأمر على وجهه فيبيعه كيف شاء لأن المانع هو التهمة وقد زالت ولو اشترى المضارب عبدا بألف من المضاربة فباعه من رب المال بألف ومائتين باعه رب المال مرابحة بألف ومائة إن كانت المضاربة بالنصف لأن الربح ينقسم بين رب المال والمضارب ولا شبهة في حصة المضارب لأنه لا حق فيه لرب المال فصار كأن رب المال اشترى ذلك من أجنبي وتمكنت الشبهة في حصة رب المال لأنه ماله بعينه فكأنه اشترى من نفسه فتسقط حصته من الربح إلا إذا بين الأمر على وجهه فيبيعه كيف شاء ولو اشترى رب المال سلعة بألف درهم تساوي ألفا وخمسمائة فباعها من المضارب بألف وخمسمائة فإن المضارب يبيعها مرابحة بألف ومائتين وخمسين إلا إذا بين الأمر على وجهه لما ذكرنا قال ابن سماعة في نوادره عن محمد سمعت أبا يوسف يقول في مسألة المضاربة وهو آخر ما قال إذا اشترى رب المال عبدا بألف فباعه من المضارب بمائة ورأس المال ألف في يد المضارب فإن المضارب يبيعه على مائة وكذا لو اشترى المضارب بألف فباعه من رب المال بمائة باعه رب المال بمائة يبيعه أبدا على أقل الثمنين لأنه لا تهمة في الأقل وإنما التهمة في الزيادة فيثبت ما لا تهمة فيه ويسقط ما فيه تهمة ولو اشتراه رب المال بخمسمائة فباعه من المضارب بألف ومائة فإنه يبيعه مرابحة على خمسمائة وخمسين لأن المائة الزائدة الزيادة على الألف ربح فنصفها للمضارب وما اشتراه المضارب من رب المال لنفسه لا تهمة فيه فيضم حصته من الربح إلى القدر الذي اشترى رب المال به ويسقط خمسمائة لأنها نصيب رب المال ويسقط خمسون لأنها حق رب المال من الربح فيبيعه مرابحة على خمسمائة وخمسين ولو اشتراه المضارب بستمائة باعه مرابحة بخمسمائة لأنه لا فضل في ثمنه عن رأس المال فيسقط كل الربح ويباع على أقل الثمنين والأصل أن المضارب لا يحتسب شيئا من حصة نفسه حتى يكون ما نقد أكثر من ألف فيجب من حصته نصف ما زاد على الألف لأنه إذا لم يزد على ألف بأن اشترى بمثل رأس المال أو بأقل منه وله في المال ربح لم يتعين له في المشترى حق لكونه مشغولا برأس المال فلا يظهر له الربح كأنه اشترى ولا ربح في يده

Section V06/P102–V06/P103

وعلى هذا القياس تجري المسائل فمتى كان شراء المضارب بأقل الثمنين فإن كان للمضارب حصة ضمها إلى أقل الثمنين وإذا اشترى رب المال من المضارب يبيعه على أقل الثمنين ويضم إليه حصة المضارب ولو كان رب المال اشتراه بخمسمائة ثم باعه من المضارب بألفين فإن المضارب يبيعه بألف خمسمائة رأس المال وخمسمائة حصة المضارب من الألفين لأن نصيب رب المال من الثمن ألف وخمسمائة فتسقط الزيادة فيها على رأس المال وهو ألف ويبقى من نصيب رب المال خمسمائة ونصيب المضارب خمسمائة ورب المال فيها كالأجنبي فيبيعه مرابحة على ألف ولو كان المضارب اشتراه بألف ثم باعه من رب المال بألفين باعه رب المال بألف وخمسمائة لأن الألف رأس مال رب المال وخمسمائة نصيب المضارب ورب المال فيها كالأجنبي وخمسمائة نصيب رب المال فيجب إسقاطها قال ابن سماعة وروي عن أبي يوسف أنه قال وهو قوله الآخر إن رب المال إذا اشترى عبدا بعشرة آلاف ثم باعه من المضارب بمائة باعه المضارب مرابحة على مائة وكذلك لو اشترى المضارب بعشرة آلاف فباعه من رب المال بمائة باعه رب المال مرابحة على مائة لأن البيع على أقل الثمنين لا تهمة فيه ولأنه اشتراه بأقل الثمنين فلا يجوز أن يزيد على الثمن الذي اشتراه فإن قيل كيف يجوز للمضارب الحط على قول أبي يوسف فالجواب أنه إنما لا يجوز له حطه عند أبي يوسف ومحمد لحق رب المال فإذا باعه من رب المال وحط فقد رضي رب المال بذلك فجاز وأما على قول أبي يوسف الأول الذي أشار إليه ابن سماعة فهو أن الحظ ( ( ( الحط ) ) ) لا يجوز لأنه قال إذا كان رأس المال ألفا فربح فيه ألفا ثم اشترى بألفين جارية ثم باعها من رب المال بألف وخمسمائة فإن رب المال يبيعها مرابحة على ألف وسبعمائة وخمسين لأن المضارب حط من الثمن خمسمائة نصفها من نصيبه ونصفها من مال المضاربة وهو يملك الحط في حق نصيبه ولا يملك ذلك في مال المضاربة في قول أبي يوسف ومحمد فلم يصح حط نصيب رب المال فلذلك باع مرابحة على ألف وسبعمائة وخمسين فينبغي على هذا القول إذا باع مرابحة أن يقول قام علي بكذا ولا يقول اشتريته بكذا لأن الزيادة لحقت بالثمن حكما والشراء ينصرف إلى ما وقع العقد به والصحيح قوله الأخير لما ذكرنا أن عدم جواز الحط في مال المضاربة لحق رب المال فإذا اشترى هو فقد رضي بذلك فكأنه أذن للمضارب أن يبيعه بنقصان لأجنبي وذكر محمد في كتاب المضاربة لو اشترى رب المال عبدا بألف فباعه من المضارب بألفين ألف رأس المال وألف ربح فإن المضارب يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة يسقط من ذلك ربح رب المال ويبيع على رأس المال وربح المضارب لما بينا ولو كان رب المال اشترى العبد بخمسمائة والعبد يساوي ألفين فباعه من المضارب بألفين فإن المضارب يبيعه مرابحة على ألف لأن رأس المال خمسمائة ونصيب المضارب من المال خمسمائة وما سوى ذلك ربح رب المال فلا يثبت حكمه على ما بينا فيما تقدم إلا أن يبين الأمر على وجهه فيبيعه كيف شاء لأن المانع من البيع بجميع الثمن التهمة فإذا بين فقد زالت التهمة فيجوز البيع ولو اشتراه رب المال بألف وقيمته ألف فباعه من المضارب بألفين ألف مضاربة وألف ربح فإن المضارب يبيعه مرابحة على الألف لأنه لما اشترى ما قيمته ألف ذهب ربحه فلم يبق له في المال حصة وصار كأنه مال رب المال فباعه على رأس ماله

Section V06/P103

ولو كان رب المال اشتراه بخمسمائة والمسألة بحالها فإن المضارب يبيعه مرابحة على خمسمائة لأنه لم يبق للمضارب حصة فصارا ( ( ( فصار ) ) ) شراء مال رب المال بعضه ببعض فيبيعه على رأس المال الأول ولو كان رب المال اشتراه بألفين وقيمته ألف فباعه من المضارب بألفين فإن المضارب يبيعه بألف ولا يبيعه على أكثر من ذلك لأن قيمته ألف فليس فيه ربح للمضارب يبيعه عليه ولأن رب المال لما باعه بألفين ما يساوي ألفا وهما متهمان في حق الغير في العقد فصار كأنه أخذ ألفا لا على طريق البيع وباعه العبد بألف فلا يبيعه بأكثر من ذلك ولو كان العبد يساوي ألفا وخمسماية ( ( ( وخمسمائة ) ) ) والمسألة بحالها وقد اشتراه بألف وأراد المضارب أن يبيعه مرابحة باعه مرابحة على ألف ومائتين وخمسين لأن في العبد ربحا للمضارب ونصيبه من الربح هو مع رب المال فيه كالأجنبي فيبيعه على أقل الثمنين مع حصة المضارب من الربح وذكر محمد في الأصل إذا اشترى المضارب عبدا بألف درهم مضاربة فباعه من رب المال بألفين ثم إن رب المال باعه من أجنبي مساومة بثلاثة آلاف درهم ثم اشتراه المضارب من الأجنبي بألفي درهم فأراد أن يبيعه مرابحة لم يجز له ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله إلا أن يبين الأمر على وجهه وفي قول أبي يوسف ومحمد يبيعه مراحبة ( ( ( مرابحة ) ) ) على ألفين وهذه فريعة مسألة أخرى مذكورة في البيوع وهي ما إذا اشترى شيئا فربح فيه ثم ملكه بشراء آخر فأراد أن يبيعه مرابحة فإن عند أبي حنيفة يسقط الربح ويعتبر ما مضى من العقود وفي مسألتنا قد ربح فيه رب المال ألفي درهم لأن المضارب لما اشتراه بألف وباعه من رب المال بألفين فنصف ذلك الربح لرب المال وهو خمسمائة فلما باعه من رب المال بثلاثة آلاف فقد ربح فيه ألفا وخمسمائة لأنه قام عليه بألف وخمسمائة مقدار رأس المال ونصيب المضارب من الربح إذا ضم إلى ذلك فقد ربح ألفين فإذا اشتراه المضارب بألفين وجب أن يطرح الألفين من رأس المال فلا يبقى شيء ولهذا لم يجز البيع مرابحة إلا بعد أن يبين وأما على قولهما فإنما يعتبر العقد الأخير خاصة فالربح في العقد الأول لا يحط عن الثاني فيبيعه مرابحة على جميع الألفين ولو اشترى المضارب عبدا بألف فباعه من رب المال بألف وخمسمائة ثم باعه رب المال من أجنبي بألف وستماية ( ( ( وستمائة ) ) ) ثم إن المضارب اشتراه من الأجنبي بألفي درهم فأراد أن يبيعه مرابحة باعه على ألف وأربعمائة على قول أبي حنيفة لأن رب المال قد ربح فيه ستماية ( ( ( ستمائة ) ) ) ألا ترى أن المضارب لما اشتراه بألف باعه من رب المال بألف وخمسمائة فنصيب رب المال من الربح مائتان وخمسون وكان رب المال اشترى بألف ومايتين ( ( ( ومائتين ) ) ) وخمسين رأس المال وحصة المضارب فلما باعه بألف وستمائة فقد ربح ثلثماية وخمسين وقد كان ربح مايتين ( ( ( مائتين ) ) ) وخمسين بربح المضارب فوجب أن يحط ذلك المضارب من الثمن فيبقى ألف وأربعمائة ولو اشترى المضارب عبدا بألف فولاه رب المال ثم إن رب المال باعه من أجنبي بألف وخمسمائة ثم إن المضارب اشتراه من الأجنبي مرابحة بألفين ثم إن رب المال لما حط من الأجنبي ثلثماية فإن الأجنبي يحط من المضارب أربعمائة لأن رب المال لما حط من الأجنبي ثلثماية استند ذلك الحط إلى العقد فكأن ذلك المقدار لم يكن فيطرح من رأس المال وتطرح حصته من الربح وقد كان الأجنبي ربح مثل ثلث الثمن فيطرح مع الثلثماية ( ( ( الثلاثمائة ) ) ) ثلثها فيصير الحط عن المضارب أربعمائة فإن أراد المضارب أن يبيع هذا العبد مرابحة باعه على ألف ومايتين ( ( ( ومائتين ) ) ) لأن رب المال ربح أربعمائة

Section V06/P103–V06/P104

ألا ترى أنه لو باعه من الأجنبي فربح خمسمائة ثم حط عنه ثلثماية وهذا الحط من رأس المال والربح جميعا مايتين ( ( ( مائتين ) ) ) من رأس المال وماية ( ( ( ومائة ) ) ) من الربح فلما سقط من الربح ماية ( ( ( مائة ) ) ) يبقى الربح أربعماية ( ( ( أربعمائة ) ) ) فلما اشتراه المضارب بألفين ثم حط عنه أربعمائة صار شراؤه بألف وستمائة فيطرح عنه مقدار ما ربح فيه رب المال وهو أربعمائة فيبيعه على ما بقي وتجوز المرابحة بين المضاربين كما تجوز بين المضارب ورب المال قال محمد في الأصل إذا دفع الرجل إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ودفع إلى رجل آخر ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى أحد المضاربين عبدا بخمسمائة من المضاربة فباعه من المضارب الآخر بألف فأراد الثاني أن يبيعه مرابحة باعه على خمسمائة وهو أقل الثمنين لأن مال المضاربين لرجل واحد فصار بيع أحدهما من الآخر في حق الأجانب كبيع الإنسان ملكه بماله فيبيعه مرابحة على أقل الثمنين ولو باعه الأول من الثاني بألفين ألف من المضاربة وألف من مال نفسه فإن الثاني يبيعه مرابحة على ألف ومايتين ( ( ( ومائتين ) ) ) وخمسين لأن الثاني اشترى نصفه لنفسه وقد كان الأول اشترى ذلك النصف بمايتين ( ( ( بمائتين ) ) ) وخمسين فيبيعه الثاني مرابحة على ألف لأنه لا نصيب لواحد منهما في شراء صاحبه فصارا كالأجنبيين فأما النصف الذي اشترى الثاني بألف المضاربة فقد كان الأول اشتراه بمايتين ( ( ( بمائتين ) ) ) وخمسين وهو مال واحد فيبيعه على أقل الثمنين ولو كان الأول اشتراه بألف المضاربة فباعه من الثاني بألفين للمضاربة ألف رأس المال وألف ربح فإن الثاني يبيعه مرابحة بألف وخمسمائة لأنه يبيعه على أقل الثمنين وعلى حصته من الربح وأقل الثمنين ألف وحصة المضارب خمسمائة ولو كان الأول اشتراه بخمسمائة والمسألة بحالها باعه الثاني على ألف لأن أقل الثمنين خمسمائة وحصة المضارب خمسمائة فيبيعه مرابحة على أقل الثمنين وحصة من الربح والربح في المضاربة بينهما على الشرط والوضيعة على رب المال والقول قول المضارب في دعوى الهلاك لأن المال أمانة في يده وأما الذي يستحقه المضارب بالعمل فالذي يستحقه بعمله في مال المضاربة شيئان أحدهما النفقة والكلام في النفقة في مواضع في وجوبها وفي شرط الوجوب وفيما فيه النفقة وفي تفسير النفقة وفي قدرها وفيما تحتسب النفقة منه أما الوجوب فلأن الربح في باب المضاربة يحتمل الوجود والعدم والعاقل لا يسافر بمال غيره لفائدة تحتمل الوجود والعدم مع تعجيل النفقة من مال نفسه فلو لم تجعل نفقته من مال المضاربة لامتنع الناس من قبول المضاربات مع مساس الحاجة إليها فكان إقدامهما على هذا العقد والحال ما وصفنا إذنا من رب المال للمضارب بالإنفاق من مال المضاربة فكان مأذونا في الإنفاق دلالة فصار كما لو أذن له به نصا ولأنه يسافر لأجل المال لا على سبيل التبرع ولا ببدل واجب له لا محالة فتكون نفقته في المال بخلاف المبضع لا يسافر بمال الغير على وجه التبرع وبخلاف الأجير لأنه يعمل ببدل لازم في ذمة المستأجر لا محالة فلا يستحق النفقة وهكذا روى ابن سماعة عن محمد في الشريك إذا سافر بالمال أنه ينفق من المال كالمضارب وأما شرط الوجوب فخروج المضارب بالمال من المصر الذي أخذ المال منه مضاربة سواء كان المصر مصره أو لم يكن فما دام يعمل به في ذلك المصر فإن نفقته في مال نفسه لا في مال المضاربة وإن أنفق شيئا منه ضمن لأن دلالة الإذن لا تثبت في المصر وكذا إقامته في الحضر لا تكون لأجل المال لأنه كان مقيما قبل ذلك فلا يستحق النفقة ما لم يخرج من ذلك المصر سواء كان خروجه بالمال مدة سفر أو أقل من ذلك حتى لو خرج من المصر يوما أو يومين فله أن ينفق من مال المضاربة

Section V06/P104–V06/P105

كذا ذكر محمد عن نفسه وعن أبي يوسف من مكان المضاربة لوجود الخروج من المصر لأجل المال وإذا انتهى إلى المصر الذي قصده فإن كان ذلك مصر نفسه أو كان له في ذلك المصر أهل سقطت نفقته حين دخل لأنه يصير مقيما بدخوله فيه لا لأجل المال وإن لم يكن ذلك مصره ولا له فيه أهل لكنه أقام فيه للبيع والشراء لا تسقط نفقته ما أقام فيه وإن نوى الإقامة خمسة عشر يوما فصاعدا ما لم يتخذ ذلك المصر الذي هو فيه دار إقامة لأنه إذا لم يتخذه دار إقامة كانت إقامته فيه لأجل المال وإن اتخذه وطنا كانت إقامته للوطن لا للمال فصار كالوطن الأصلي فنقول الحاصل أنه لا تبطل نفقة المضاربة بعد المسافرة بالمال إلا بالإقامة في مصره أو في مصر يتخذه دار إقامة لما قلنا ولو خرج من المصر الذي دخله للبيع والشراء بنية العود إلى المصر الذي أخذ المال فيه مضاربة فإن نفقته من مال المضاربة حتى يدخله فإذا دخله فإن كان ذلك مصره أو كان له فيه أهل سقطت نفقته وإلا فلا حتي لو أخذ المضارب مالا بالكوفة وهو من أهل البصرة وكان قد قدم الكوفة مسافرا فلا نفقة له في المال ما دام بالكوفة لما قلنا فإذا خرج منها مسافرا فله النفقة حتى يأتي البصرة لأن خروجه لأجل المال ولا ينفق من المال ما دام بالبصرة لأن البصرة وطن أصلي له فكان إقامته فيها لأجل الوطن لا لأجل المال فإذا خرج من البصرة له أن ينفق من المال حتى يأتي الكوفة لأن خروجه من البصرة لأجل المال وله أن ينفق أيضا ما أقام بالكوفة حتى يعود إلى البصرة لأن وطنه بالكوفة كان وطن إقامة وأنه يبطل بالسفر فإذا عاد إليها وليس له وطن فكان إقامته فيها لأجل المال فكان نفقته فيه وكل من كان مع المضارب ممن يعينه على العمل فنفقته من مال المضاربة حرا كان أو عبدا أو أجيرا يخدمه أو يخدم دابته لأن نفقتهم كنفقة نفسه لأنه لا يتهيأ له السفر إلا بهم إلا أن يكون معه عبيد لرب المال بعثهم ليعاونوه فلا نفقة لهم في مال المضاربة ونفقتهم على رب المال خاصة لأن إعانة عبد رب المال كإعانة رب المال بنفسه ورب المال لو أعان المضارب بنفسه في العمل لم تكن نفقته في مال المضاربة كذا عبيده فأما عبد المضارب فهو كالمضارب والمضارب إذا عمل بنفسه في المال أنفق عليه منه كذا عبده وأما ما فيه النفقة فالنفقة في مال المضاربة وله أن ينفق من مال نفسه ما له أن ينفق من مال المضاربة على نفسه ويكون دينا في المضاربة حتى كان له أن يرجع فيها لأن الإنفاق من المال وتدبيره إليه فكان له أن ينفق من ماله ويرجع به على مال المضاربة كالوصي إذا أنفق على الصغير من مال نفسه أن له أن يرجع بما أنفق على مال الصغير لما قلنا كذا هذا له أن يرجع بما أنفق في مال المضاربة لكن بشرط بقاء المال حتى لو هلك المال لم يرجع على رب المال بشيء كذا ذكر محمد في المضاربة لأن نفقة المضارب من مال المضاربة فإذا هلك هلك بما فيه كالدين يسقط بهلاك الرهن والزكاة تسقط بهلاك النصاب وحكم الجناية يسقط بهلاك العبد الجاني وأما تفسير النفقة التي في مال المضاربة فالكسوة والطعام والإدام والشراب وأجر الأجير وفرا ( ( ( وفراش ) ) ) ينام عليه وعلف دابته التي يركبها في سفره ويتصرف عليها حوائجه وغسل ثيابه ودهن السراج والحطب ونحو ذلك ولا خلاف بين أصحابنا في هذه الجملة لأن المضارب لا بد له منها فكان الإذن ثابتا من رب المال دلالة وأما ثمن الدواء والحجامة والفصد والتنور والأدهان وما يرجع إلى التداوي وصلاح البدن ففي ماله خاصة لا في مال المضاربة

Section V06/P105–V06/P106

وذكر الكرخي رحمه الله في مختصره في الدهن خلاف محمد أنه في مال المضاربة عنده وذكر في الحجامة والإطلاء بالنورة والخضاب قول الحسن بن زياد أنه قال على قياس قول أبي حنيفة يكون في مال المضاربة والصحيح أنه يكون في ماله خاصة لأن وجوب النفقة للمضارب في المال لدلالة الأذن الثابت عادة وهذه الأشياء غير معتادة هذا إذا قضى القاضي بالنفقة يقضي بالطعام والكسوة ولا يقضي بهذه الأشياء وأما الفاكهة فالمعتاد منها يجري مجرى الطعام والإدام وقال بشر في نوادره سألت أبا يوسف عن اللحم فقال يأكل كما كان يأكل لأنه من المأكول المعتاد وأما قدر النفقة فهو أن يكون بالمعروف عند التجار من غير إسراف فإن جاوز ذلك ضمن الفضل لأن الإذن ثابت بالعادة فيعتبر القدر المعتاد وسواء سافر برأس المال أو بمتاع عن المضاربة لأن سفره في الحالين لأجل المال وكذا لو سافر فلم يتفق له شراء متاع من حيث قصد وعاد بالمال فنفقته ما دام مسافرا في مال المضاربة لأن عمل التجارة على هذا وهو أن يتفق الشراء في وقت دون وقت ومكان دون مكان وسواء سافر بمال المضاربة وحده أو بماله ومال المضاربة ومال المضاربة لرجل أو رجلين فله النفقة غير أنه إن سافر بماله ومال المضاربة أو بمالين لرجلين كانت النفقة من المالين بالحصص لأن السفر لأجل المالين فتكون النفقة فيهما وإن كان أخذ المالين مضاربة لرجل والآخر بضاعة لرجل آخر فنفقته في مال المضاربة لأن سفره لأجله لا لأجل البضاعة لأنه متبرع بالعمل بها إلا أن يتبرع بعمل البضاعة فينفق من مال نفسه لأنه بدل العمل في المضاربة وليس على رب البضاعة شيء إلا أن يكون أذن له في النفقة منها لأنه تبرع بأخذ البضاعة فلا يستحق النفقة كالمودع ولو خلط مال المضاربة بماله وقد أذن له في ذلك فالنفقة بالحصص لأن سفره لأجل المالين وأما ما تحتسب النفقة منه فالنفقة تحتسب من الربح أولا إن كان في المال ربح فإن لم يكن فهي من رأس المال لأن النفقة جزء هالك من المال والأصل أن الهلاك ينصرف إلى الربح ولأنا لو جعلناها من رأس المال خاصة أو في نصيب رب المال من الربح لازداد نصيب المضارب في الربح على نصيب رب المال فإذا رجع المضارب إلى مصره فما فضل عنده من الكسوة والطعام رده إلى المضاربة لأن الإذن له بالنفقة كان لأجل السفر فإذا انقطع السفر لم يبق الإذن فيجب رد ما بقي إلى المضاربة وروى المعلى عن أبي يوسف إذا كان مع الرجل ألف درهم مضاربة فاشترى عبدا بألفين فأنفق عليه فهو متطوع في النفقة لأنه لم يبق في يده شيء من رأس المال فالنفقة تكون استدانة على المال وهو لا يملك ذلك فصار كالأجنبي إذا أنفق على عبد غيره إلا أن يكون القاضي أمره بذلك فإن رفعه إلى القاضي فأمره القاضي بالنفقة عليه فما أنفق فهو عليهما على قدر رأس المال قال أبو يوسف رحمه الله وهذه قسمة من القاضي بين المضارب وبين رب المال إذا قضى بالنفقة وإنما صارت النفقة دينا بأمر القاضي لأن له ولاية على الغائب في حفظ ماله وهذا من باب الحفظ فيملك الأمر بالاستدانة عليه وإنما صار قضاء القاضي بالنفقة قسمة لوجود معنى القسمة وهو التعيين لأن القاضي لما ألزم المضارب النفقة لأجل نصيبه فقد عين نصيبه ولا يتحقق تعيين نصيب المضارب إلا بعد تعيين رأس المال وهذا معنى القسمة ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى بها جارية قيمتها ألفان فالنفقة على المضارب وعلى رب المال في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد النفقة على رب المال كذا حقق القدوري رحمه الله الاختلاف وجه قول محمد أن المضارب لم يتعين له ملك لأن رأس المال غير متعين فكانت الجارية على حكم رب المال فكانت نفقتها عليه ويحتسب بها في رأس ماله في رواية عنه وفي رواية أخرى عنه يقال لرب المال أنفق إن شئت

Section V06/P106–V06/P107

ولهما أن نصيب المضارب من العبد على ملكه بدليل أن إعتاقه ينفذ منه فلا يجوز إلزام رب المال الإنفاق على ملك غيره فإذا قضى على كل واحد منهما بنفقة نصيبه فقد تعين الربح ورأس المال فيكون قسمة لوجود معنى القسمة وعلى هذاالخلاف العبد الآبق من المضاربة إذا جاء به رجل وقيمته ألفان وليس في يده من المضاربة غير العبد أن الجعل عليهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف لأن العبد على ملكهما وعند محمد الجعل على رب المال يحسب في رأس ماله إذ هو زيادة في رأس المال فإذا بيع استوفى رب المال رأس ماله والجعل وما بقي يكون بينهما على ما اشترطا ( ( ( اشترط ) ) ) من الربح قال بشر عن أبي يوسف إن الجعل لا يحتسب به في مال المضاربة ويحتسب به فيما بين المضارب ورب المال فإن كان هناك ربح فالجعل منه وإلا فهو وضيعة من رأس المال وإنما لم يلحق الجعل برأس المال في باب المرابحة لأن الذي يلحق رأس المال في المرابحة ما جرت عادة التجار بإلحاقه به وما جرت عادتهم بإلحاق الجعل ولأنه نادر غير معتاد فلا يلحق بالعادة ما ليس بمعتاد وإنما احتسب به فيما بين المضارب ورب المال لأنه غرم لزم لأجل المال ويجوز أن يحتسب بالشيء فيما بين المضارب ورب المال ولا يلحق برأس المال في المضاربة كنفقة المضارب على نفسه والثاني ما يستحقه المضارب بعمله في المضاربة الصحيحة هو الربح المسمى إن كان في المضاربة ربح وإنما يظهر الربح بالقسمة وشرط جواز القسمة قبض رأس المال فلا تصح قسمة الربح قبل قبض رأس المال حتى لو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فربح ألفا فاقتسما الربح ورأس المال في يد المضارب لم يقبضه رب المال فهلكت الألف التي في يد المضارب بعد قسمتهما الربح فإن القسمة الأولى لم تصح وماقبض رب المال فهو محسوب عليه من رأس ماله وما قبضه المضارب دين عليه يرده إلى رب المال حتى يستوفي رب المال رأس ماله ولا تصح قسمة الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال والأصل في اعتبار هذا الشرط ما روي عن رسول الله أنه قال مثل المؤمن مثل التاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس ماله كذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه فدل الحديث على أن قسمة الربح قبل قبض رأس المال لا تصح ولأن الربح زيادة والزيادة على الشيء لا تكون إلا بعد سلامة الأصل ولأن المال إذا بقي في يد المضارب فحكم المضاربة بحالها فلو صححنا قسمة الربح لثبتت قسمة الفرع قبل الأصل فهذا لا يجوز وإذا لم تصح القسمة فإذا هلك ما في يد المضارب صار الذي اقتسماه هو رأس المال فوجب على المضارب أن يرد منه تمام رأس المال فإن قبض رب المال ألف درهم رأس ماله أولا ثم اقتسما الربح ثم رد الألف التي قبضها بعينها إلى يد المضارب على أن يعمل بها بالنصف فهذه مضاربة مستقبلة فإن هلكت في يده لم تنتقض القسمة الأولى لأن رب المال لما استوفي رأس المال فقد انتهت المضاربة وصحت القسمة فإذا رد المال فهذا عقد آخر فهلاك المال فيه لا يبطل القسمة في غيره ولو كان الربح في المضاربة الأولى ألفين واقتسما الربح فأخذ رب المال ألفا والمضارب ألفا ثم هلك ما في يد المضارب فإن القسمة باطلة وما قبضه رب المال محسوب من رأس المال ورد المضارب نصف الألف الذي قبض لأنه لما هلك ما في يد المضارب من رأس المال قبل صحة القسمة صار ما قبضه رب المال رأس ماله وإذا صار ذلك رأس المال تعين الربح فيما قبضه المضارب بالقسمة فيكون بينهما على الشرط فيجب عليه أن يرد نصفه وكذلك إن كان قد هلك ما قبضه المضارب من الربح يجب عليه أن يرد نصفه لأنه تبين أنه قبض نصيب رب المال من الربح لنفسه فصار ذلك مضمونا عليه

Section V06/P107–V06/P108

ولو هلك ما قبض رب المال لم يتعين بهلاكه شيء لأن ما هلك بعد القبض يهلك في ضمان القابض فبقاؤه وهلاكه سواء قالوا ولو اقتسما الربح ثم اختلفا فقال المضارب قد كنت دفعت إليك رأس المال قبل القسمة وقال رب المال لم أقبض رأس المال قبل ذلك فالقول قول رب المال ويرد المضارب ما قبضه لنفسه تمام رأس المال يحتسب على رأس رب المال بما قبض من رأس ماله ويتم له رأس المال بما يرده المضارب فإن بقي شيء بعد ذلك مما قبضه المضارب كان بينهما نصفين وإنما كان كذلك لأن المضارب يدعي أنها رأس المال ورب المال ينكر ذلك والمضارب وإن كان أمينا لكن القول قول الأمين في إسقاط الضمان عن نفسه لا في التسليم إلى غيره ولأن المضارب يدعي خلوص ما بقي من المال والربح ورب المال يجحد ذلك فلا يقبل قول المضارب في الاستحقاق فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب لأنها تثبت إيفاء رأس المال ولا يقال الظاهر شاهد للمضارب فيما ادعاه من إيفاء رأس المال إذ الربح لا يكون إلا بعد الإيفاء إذ هو شرط صحة قسمة الربح لأنا نقول قد جرت عادة التجار بالمقاسمة مع بقاء رأس المال في يد المضارب فلم يكن الظاهر شاهد ( ( ( شاهدا ) ) ) للمضارب وذكر ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة صحيحة ثم جعل رب المال يأخذ الخمسين والعشرين لنفقته والمضارب يعمل بالنفقة ويتربح فيما يشتري ويبيع ثم احتسبا فإنهما يحتسبان برأس المال ألف درهم يوم يحتسبان والربح بينهما نصفان ولا يكون ما أخذ رب المال من النفقة نقصانا من رأس المال ولكنهما يحتسبا رأس المال ألفا من جميع المال وما بقي من ذلك فهو بينهما نصفان لأنا لو جعلنا المقبوض من رأس المال بطلت المضاربة لأن استرجاع رب المال رأس ماله يوجب بطلان المضاربة وهما لم يقصدا إبطالها فيجعل رأس المال فيما بقي لئلا يبطل هذا إذا كان في المضاربة ربح فإن لم يكن فيها ربح فلا شيء للمضارب لأن الشرط قد صح فلا يستحق إلا ما شرط وهو الربح ولم يوجد وأما الذي يستحقه رب المال فالربح المسمى إذا كان في المال ربح وإن لم يكن فلا شيء له على المضارب هذا كله حكم المضاربة الصحيحة وأما حكم المضاربة الفاسدة فليس للمضارب أن يعمل شيئا مما ذكرنا أن له أن يعمل في المضاربة الصحيحة ولا يثبت بها شيء مما ذكرنا عن أحكام المضاربة الصحيحة ولا يستحق النفقة ولا الربح المسمى وإنما له أجر مثل عمله سواء كان في المضاربة ربح أو لم يكن لأن المضاربة الفاسدة في معنى الإجارة الفاسدة والأجير لا يستحق النفقة ولا المسمى في الإجارة الفاسدة وإنما يستحق أجر المثل والربح كله يكون لرب المال لأن الربح نماء ملكه وإنما يستحق المضارب شطرا منه بالشرط ولم يصح الشرط فكان كله لرب المال والخسران عليه والقول قول المضارب في دعوى الهلاك والضياع والهلاك في المضاربة الفاسدة مع يمينه هكذا ذكر في ظاهر الرواية وجعل المال في يده أمانة كما في المضاربة الصحيحة وذكر الطحاوي فيه اختلافا وقال لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة وعندهما يضمن كما في الأجير المشترك إذا هلك المال في يده فصل وأما صفة هذا العقد فهو أنه عقد غير لازم ولكل واحد منهما أعني رب المال والمضارب الفسخ لكن عند وجود شرطه وهو علم صاحبه لما ذكرنا في كتاب الشركة

Section V06/P108

ويشترط أيضا أن يكون رأس المال عينا وقت الفسخ دراهم أو دنانير حتى لو نهى رب المال المضارب عن التصرف ورأس المال عروض وقت النهي لم يصح نهيه وله أن يبيعها لأنه يحتاج إلى بيعها بالدراهم والدنانير ليظهر الربح فكان النهي والفسخ إبطالا لحقه في التصرف فلا يملك ذلك وإن كان رأس المال دراهم أو دنانير وقت الفسخ والنهي صح الفسخ والنهي لكن له أن يصرف الدراهم إلى الدنانير والدنانير إلى الدراهم لأن ذلك لا يعد بيعا لاتحادهما في الثمنية فصل وأما حكم اختلاف المضارب ورب المال فإن اختلفا في العموم والخصوص فالقول قول من يدعي العموم بأن ادعى أحدهما المضاربة في عموم التجارات أو في عموم الأمكنة أو مع عموم من الأشخاص وادعى الآخر نوعا دون نوع ومكانا دون مكان وشخصا دون شخص لأن قول من يدعي العموم موافق للمقصود بالعقد إذ المقصود من العقد هو الربح وهذا المقصود في العموم أوفر وكذلك لو اختلفا في الإطلاق والتقييد فالقول قول من يدعي الإطلاق حتى لو قال رب المال أذنت لك أن تتجر في الحنطة دون ما سواها وقال المضارب ما سميت لي تجارة بعينها فالقول قول المضارب مع يمينه لأن الإطلاق أقرب إلى المقصود بالعقد على ما بينا وقال الحسن بن زياد إن القول قول رب المال في الفصلين جميعا وقيل إنه قول زفر ووجهه أن الإذن يستفاد من رب المال فكان القول في ذلك قوله فإن قامت لهما بينة فالبينة بينة مدعي العموم في دعوى العموم والخصوص لأنها تثبت زيادة وفي دعوى التقييد والإطلاق البينة بينة مدعي التقييد لأنها تثبت زيادة فيه وبينة الإطلاق ساكتة ولو اتفقا على الخصوص لكنهما اختلفا في ذلك الخاص فقال رب المال دفعت المال إليك مضاربة في البز وقال المضارب في الطعام فالقول قول رب المال في قولهم جميعا لأنه لا يمكن الترجيح هنا بالمقصود من العقد لاستوائهما في ذلك فترجح بالإذن وإنه يستفاد من رب المال فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب لأن بينته مثبتة وبينة رب المال نافية لأنه لا يحتاج إلى الإثبات والمضارب يحتاج إلى الإثبات لدفع الضمان عن نفسه فالبينة المثبتة للزيادة أولى وقد قالوا في البينتين إذا تعارضتا في صفة الإذن وقد وقتتا إن الوقت الأخير أولى لأن الشرط الثاني ينقض الأول فكان الرجوع إليه أولى وإن اختلفا في قدر رأس المال والربح فقال رب المال كان رأس مالي ألفين وشرطت لك ثلث الربح وقال المضارب رأس المال ألف وشرطت لي نصف الربح فإن كان في يد المضارب ألف درهم يقر أنها مال المضاربة فالقول قول المضارب في أن رأس المال ألف والقول قول رب المال أنه شرط ثلث الربح وهذا قول أبي حنيفة الأخر وهو قول أبي يوسف ومحمد وكان قوله الأول أن القول قول رب المال في الأمرين جميعا وهو قول زفر وجه قوله الأول أن الربح يستفاد من أصل المال وقد اتفقا على أن جملة المال مضاربة وادعى المضارب استحقاقا فيها ورب المال ينكر ذلك فكان القول قوله بخلاف ما إذا قال المضارب بعض هذه الألفين خلطته بها أو بضاعة في يدي لأنهما ما اتفقا على أن الجميع مال المضاربة ومن كان في يده شيء فالقول قوله وجه قوله الآخر أن القول في مقدار رأس المال قول المضارب لأنهما اختلفا في مقدار المقبوض فكان القول قول القابض ألا ترى أنه لو أنكر القبض أصلا وقال لم أقبض منك شيئا كان القول قوله فكذا إذا أنكر البعض دون البعض وإنما كان القول قول رب المال في مقدار الربح لأن شرط الربح يستفاد من قبله فكان القول في مقدار المشروط قوله

Section V06/P108–V06/P109

ألا ترى أنه لو أنكر الشرط رأسا فقال لم أشرط لك ربحا وإنما دفعت إليك بضاعة كان القول قوله فكذا إذا أقر بالبعض دون البعض وإذا كان القول قول المضارب في قدر رأس المال في قوله الأخير فالقول قول رب المال في مقدار الربح في قولهم يجعل رأس المال ألف درهم ويجعل للمضارب ثلث الألف الأخرى فلا يقبل قول رب المال في زيادة رأس المال ولا يقبل قول المضارب في زيادة شرط الربح وعلى قوله الأول يأخذ رب المال الألفين جميعا وإن كان في يده ثلاثة آلاف درهم والمسألة بحالها أخذ رب المال ألف درهم على قوله الأخير واقتسما ما بقي من المال أثلاثا وعلى قوله الأول يأخذ رب المال ألفي درهم ويأخذ ثلثي الألف الأخرى لما بينا وإن كان في يد المضارب قدر ما ذكر أنه قبض من رأس المال أو أقل ولم يكن في يده أكثر مما أقر فالقول قول المضارب عندهم جميعا لأنه لا سبيل إلى قبول قول رب المال في إيجاب الضمان على المضارب فإن جاء المضارب بثلاثة آلاف فقال ألف رأس المال وألف ربح وألف وديعة لآخر أو مضاربة لآخر أو بضاعة لآخر أو شركة لآخر أو على ألف دين فالقول في الوديعة والشركة والبضاعة والدين قول المضارب في الأقاويل كلها لأن من في يده شيء فالظاهر أنه له إلا أن يعترف به لغيره ولم يعترف لرب المال بهذه الألف فكان القول قوله فيها وكل من جعلنا القول قوله في هذا الباب فهو مع يمينه ومن أقام منهما بينة على ما يدعي من فضل فالبينة بينة كل واحد منهما تثبت زيادة فبينة رب المال تثبت زيادة في رأس المال وبينة المضارب تثبت زيادة في الربح وقال محمد رحمه الله إذا قال رب المال شرطت لك ثلث الربح وزيادة عشرة دراهم وقال المضارب بل شرطت لي الثلث فالقول قول المضارب لأنهما اتفقا على شرط الثلث وادعى رب المال زيادة لا منفعة له فيها إلا فساد العقد فلا يقبل قوله وإن قامت لهما بينة فالبينة بينة رب المال لأنها تثبت زيادة شرط ولو قال رب المال شرطت لك الثلث إلا عشرة وقال المضارب بل شرطت لي الثلث فالقول قول رب المال لأنه أقر له ببعض الثلث والمضارب يدعي تمام الثلث فلا يقبل قوله في زيادة شرط الربح وفي هذا نوع إشكال وهو أن المضارب يدعي صحة العقد ورب المال يدعي فساده فينبغي أن يكون القول قول المضارب والجواب أن دعوى رب المال وإن تعلق به فساد العقد لكنه منكر لزيادة يدعيها المضارب فيعتبر إنكاره لأنه مفيد في الجملة ولو قال رب المال شرطت لك نصف الربح وقال المضارب شرطت لي مائة درهم أو لم تشترط لي شيئا ولي أجر المثل فالقول قول رب المال لأن المضارب يدعي أجرا واجبا في ذمة رب المال ورب المال ينكر ذلك فيكون القول قوله فإن أقام رب المال البينة على شرط النصف وأقام المضارب البينة على أنه لم يشترط له شيئا فالبينة بينة رب المال لأنها مثبتة للشرط وبينة المضارب نافية والمثبتة أولى ولو أقام المضارب البينة أنه شرط له مائة درهم فبينته أولى لأن البينتين استويا في إثبات الشرط وبينة المضارب أوجبت حكما زائدا وهو إيجاب الأجر على رب المال فكانت أولى وذكر الكرخي رحمه الله أنهم جعلوا حكم المزارعة في هذا الباب حكم المضاربة إلا في هذا الفصل خاصة وهو أنه إذا أقام رب الأرض والبذر البينة على أنه شرط للعامل نصف الخارج وقال العامل شرطت لي مائة قفيز فالبينة بينة الدافع وفي المضاربة البينة بينة المضارب والفرق بينهما أن المزارعة عقد لازم في جانب العامل بدليل أن من لا بذر له من جهته لو امتنع من العمل يجبر عليه فرجحنا بينة من يدعي الصحة والمضاربة ليست بلازمة فإن المضارب لو امتنع من العمل لا يجبر عليه فلم يقع الترجيح بالتصحيح فرجحنا بإيجاب الضمان وهو الأجر ولو قال رب المال دفعت إليك بضاعة

Section V06/P109–V06/P110

وقال المضارب مضاربة بالنصف أو مائة درهم فالقول قول رب المال لأن المضارب يستفيد الربح بشرطه وهو منكر فكان القول قوله إنه لم يشترط ولأن المضارب يدعي استحقاقا في مال الغير فالقول قول صاحب المال ولو قال المضارب أقرضتني المال والربح لي وقال رب المال دفعت إليك مضاربة أو بضاعة فالقول قول رب المال لأن المضارب يدعي عليه التمليك وهو منكر فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب لأنها تثبت التمليك ولأنه لا تنافي بين البينتين لجواز أن يكون أعطاه بضاعة أو مضاربة ثم أقرضه ولو قال المضارب دفعت إلي مضاربة وقال رب المال أقرضتك فالقول قول المضارب لأنهما اتفقا على أن الأخذ كان بإذن رب المال ورب المال يدعي على المضارب الضمان وهو ينكر فكان القول قوله فإن قامت لهما بينة فالبينة بينة رب المال لأنها تثبت أصل الضمان ولو جحد المضارب المضاربة أصلا ورب المال يدعي دفع المال إليه مضاربة فالقول قول المضارب لأن رب المال يدعي عليه قبض ماله وهو ينكر فكان القول قوله ولو جحد ثم أقر فقد قال ابن سماعة في نوادره سمعت أبا يوسف قال في رجل دفع إلى رجل مالا مضاربة ثم طلبه منه فقال لم تدفع إلي شيئا ثم قال بلى أستغفر الله العظيم قد دفعت إلي ألف درهم مضاربة فهو ضامن للمال لأنه أمين والأمين إذا جحد الأمانة ضمن كالمودع وهذا لأن عقد المضاربة ليس بعقد لازم بل هو عقد جائز محتمل للفسخ فكان جحوده فسخا له أو رفعا له وإذا ارتفع العقد صار المال مضمونا عليه كالوديعة فإن اشترى بها مع الجحود كان مشتريا لنفسه لأنه ضامن للمال فلا يبقى حكم المضاربة لأن من حكم المضارب أن يكون المال أمانة في يده فإذا صار ضمينا ( ( ( ضمنيا ) ) ) لم يبق أمينا فإن أقر بعد الجحود لا يرتفع الضمان لأن العقد قد ارتفع بالجحود فلا يعود إلا بسبب جديد فإن اشترى بها بعد الإقرار فالقياس أن يكون ما اشتراه لنفسه لأنه قد ضمن المال بجحوده فلا يبرأ منه بفعله وفي الاستحسان يكون ما اشتراه على المضاربة ويبرأ من الضمان لأن الأمر بالشراء لم يرتفع بالجحود ( ( ( مع ) ) ) بل هو قائم مع الجحود لأن الضمان لا ينافي الأمر بالشراء بدليل أن من غصب من آخر شيئا فأمر المغصوب منه الغاصب ببيع المغصوب أو بالشراء به صح الأمر وإن كان المغصوب مضمونا على الغاصب وإذا بقي الأمر بعد الجحود فإذا اشترى بموجب الأمر وقع الشراء للآمر ولن يقع الشراء له إلا بعد انتفاء الضمان وصار كالغاصب إذا باع المغصوب بأمر المالك وسلم أنه يبرأ من الضمان كذا هذا وقوله المال صار مضمونا عليه فلا يبرأ من الضمان بفعله قلنا العين المضمونة يجوز أن يبرأ الضامن منها بفعله كالمغصوب منه إذا أمر الغاصب أن يجعل المغصوب في موضع كذا أو يسلمه إلى فلان أنه يبرأ بذلك من الضمان وكذلك رجل دفع إلى رجل ألف درهم فأمر ( ( ( فأمره ) ) ) أن يشتري بها عبدا فجحده الألف ثم أقر بها ثم اشترى جاز الشراء ويكون للآمر وبرىء الجاحد من الضمان ولو اشترى بها عبدا ثم أقر لم يبرأ عن الضمان وكان الشراء له لما ذكرنا في المضارب ولو دفع إليه ألفا وأمره أن يشتري بها عبدا بعينه ثم جحد الألف ثم اشترى بها العبد ثم أقر بالألف فإن العبد للآمر لأن الوكيل بشراء العبد بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه فتعين أن يكون الشراء للآمر فصار كأنه أقر ثم اشترى بخلاف المضارب لأنه يملك أن يشتري لنفسه فلا يحمل على الشراء لرب المال إلا أن يقر بالمال قبل الشراء

Section V06/P110–V06/P111

وقال أبو يوسف في المأمور ببيع العبد إذا جحده إياه فادعاه لنفسه ثم أقر له به أن البيع جائز وهو بريء من ضمانه وكذلك لو دفع إليه عبدا فأمره أن يهبه لفلان فجحده وادعاه لنفسه ثم أقر له به فباعه أن البيع جائز وهو بريء من ضمانه وكذلك أن أمره بعتقه فجحده وادعاه لنفسه ثم أقر له به فأعتقه جاز عتقه لما ذكرنا أن الأمر بعد الجحود قائم فإذا جحد ثم أقر فقد تصرف بأمر رب المال فيبرأ من الضمان ولو باع العبد أو وهبه أو أعتقه ثم أقر بذلك بعد البيع قال ابن سماعة ينبغي في قياس ما إذا دفع إليه ألفا وأمره أن يشتري بها عبدا بعينه أنه يجوز ويلزم الآمر لأنه لا يملك أن يبيع العبد لنفسه وقال هشام سمعت محمدا قال في رجل دفع إلي رجل ألف درهم مضاربة فجاء بألف وخمسمائة فقال هذه الألف رأس المال وهذه الخمسمائة ربح وسكت ثم قال علي دين فيه لفلان كذا كذا قال محمد القول قول المضارب وقال الحسن بن زياد إذا أقر المضارب أنه عمل بالمال وإن في يده عشرة آلاف وعلي فيها دين ألف أو ألفان فقال ذلك في كلام متصل كان القول قوله مع يمينه يدفع الدين منه سمى صاحبه أو لم يسمه وإن سكت سكتة ثم أقر بذلك وسمى صاحبه أو لم يسمه لم يصدق قال وهذا قياس قول أبي حنيفة وهذا الذي ذكره الحسن يخالف ما قال محمد ووجهه أنه إذا قال في يدي عشرة آلاف وسكت فقد أقر بالربح فإذا قال علي دين ألف فقد رجع عما أقر به لأن الربح لا يكون إلا بعد قضاء الدين والإقرار إذا صح لا يحتمل الرجوع عنه بخلاف ما إذا قال ذلك متصلا لأن الإقرار لم يستقر بعد وكان بمنزلة الاستثناء وجه قول محمد أن أقر بالدين في حال يملك الإقرار به فينفذ إقراره كما إذا قال هذا ربح وعلي دين وقوله أن قوله علي دين بعدما سكت يكون رجوعا عما أقر به من الربح ممنوع فإنه يجوز أنه ربح ثم لزمه الدين ألا ترى أن الرجل يقول قد ربحت ولزمني دين وهو يملك الإقرار بالدين فإذا أقر به صح ولو جاء المضارب بألفين فقال ألف رأس المال وألف ربح ثم قال ما أربح إلا خمسمائة ثم هلك المال كله في يد المضارب فإن المضارب يضمن الخمسمائة التي جحدها ولا ضمان عليه في باقي المال لأن الربح أمانة في يده فإذا جحده فقد صار غاصبا بالجحود فيضمن إذا هلك ولو قال المضارب لرب المال قد دفعت إليك رأس مالك والذي بقي في يدي ربح ثم رجع فقال لم أدفعه إليك ولكن هلك فإنه يضمن ما ادعى دفعه إلى رب المال لأنه صار جاحدا بدعوى الدفع فيضمن بالجحود وكذلك لو اختلفا في الربح ثم رجع فقال لم أدفعه إليك ولكنه هلك فإنه يضمن ما ادعى دفعه إلى رب المال لما بينا ولو اختلفا في الربح فقال رب المال شرطت لك الثلث وقال المضارب شرطت لي النصف ثم هلك المال في يد المضارب قال محمد يضمن المضارب السدس من الربح يؤديه إلى رب المال من ماله خاصة ولا ضمان عليه فيما سوى ذلك لأنا قد بينا أن القول في شرط الربح قول رب المال وإذا كان كذلك فنصيب المضارب الثلث وقد ادعى النصف ومن ادعى أمانة في يده ضمنها لذلك يضمن سدس الربح والله عز وجل الموفق فصل وأما بيان ما يبطل به عقد المضاربة