Qur'an&Sunnah

Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)

Section V02/P147–V02/P149

قال فأما ذكر الله تعالى في الخمس فإنه لافتتاح الكلام تبركا باسمه وسهم النبي عليه الصلاة والسلام سقط بموته كا سقط الصفي لأنه عليه الصلاة والسلام كان يستحقه برسالته ولا رسول بعده والصفي شيء كان عليه الصلاة والسلام يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع أو سيف أو جارية وقال الشافعي رحمه الله يصرف سهم الرسول إلى الخليفة والحجة عليه ما قدمناه وسهم ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمن النبي عليه الصلاة والسلام بالنصرة لما روينا قال وبعده بالفقر قال العبد الضعيف عصمه الله هذا الذي ذكره قول الكرخي وقال الطحاوي رحمه الله سهم الفقير منهم ساقط أيضا لما روينا من الإجماع ولأن فيه معنى الصدقة نظرا إلى المصرف فيحرمه كما يحرم العمالة وجه الأول وقيل هو الأصح ما روي أن عمر رضي الله عنه أعطى الفقراء منهم والإجماع انعقد على سقوط حق الأغنياء أما فقراؤهم فيدخلون في الأصناف الثلاثة وإذا دخل الواحد أو الاثنان دار الحرب مغيرين بغير إذن الإمام فأخذوا شيئا لم يخمس لأن الغنيمة هو المأخوذ قهرا وغلبة لا اختلاسا وسرقة والخمس وظيفتها ولو دخل الواحد أو الاثنان بإذن الإمام ففيه روايتان والمشهور أنه يخمس لأنه لما أذن لهم الإمام فقد التزم نصرتهم بالإمداد فصار كالمنعة فإن دخلت جماعة لها منعة فأخذوا شيئا خمس وإن لم يأذن لهم الإمام لأنه مأخوذ قهرا وغلبة فكان غنيمة ولأنه يجب على الإمام أن ينصرهم إذ لو خذلهم كان فيه وهن المسلمين بخلاف الواحد والاثنين لأنه لا يجب عليه نصرتهم والله أعلم بالصواب فصل في التنفيل قال ولا بأس بأن ينفل الإمام في حالة القتال ويحرض به على القتال فيقول من قتل قتيلا فله سلبه ويقول للسرية قد حعلت لكم الربع بعد الخمس معناه بعد ما رفع الخمس لأن التحريض مندوب إليه قال الله تعالى يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال وهذا نوع تحريض ثم قد يكون التنفيل بما ذكر وقد يكون بغيره إلا أنه لا ينبغي للإمام أن ينفل بكل المأخوذ لأن فيه إبطال حق الكل فإن فعله مع السرية جاز لأن التصرف إليه وقد تكون المصلحة فيه ولا ينفل بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام لأن حق الغير قد تأكد فيه بالإحراز قال إلا من الخمس لأنه لا حق للغانمين في الخمس وإذا لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنيمة والقاتل وغيره ذلك سواء وقال الشافعي رحمه الله السلب للقاتل إذا كان من أهل أن يسهم له وقد قتله مقبلا لقوله عليه الصلاة والسلام من قتل قتيلا فله سلبه والظاهر أنه نصب شرع لأنه بعث له ولأن القاتل مقبلا أكثر غناء فيختص بسلبه إظهارا للتفاوت بينه وبين غيره ولنا أنه مأخوذ بقوة الجيش فيكون غنيمة فيقسم قسمة الغنائم كما نطق به النص وقال عليه الصلاة والسلام لحبيب بن أبي سلمة ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك وما رواه يحتمل نصب الشرع ويحتمل التنفيل فنحمله على الثاني لما رويناه وزيادة الغناء لا تعتبر في جنس واحد كما ذكرناه والسلب ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه وكذا ما كان على مركبه من السرج والآلة وكذا ما معه على الدابة من ماله في حقيبته أو على وسطه وما عدا ذلك فليس بسلب وما كان مع غلامه على دابة أخرى فليس بسلبه ثم حكم التنفيل قطع حق الباقين فأما الملك فإنما يثبت بعد الإحراز بدار الإسلام لم مر من قبل حتى لو قال الإمام من أصاب جارية فهي له فأصابها مسلم واستبرأها لم يحل له وطؤها وكذا لا يبيعها وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله له أن يطأها ويبيعها لأن التنفيل يثبت به الملك عنده كما يثبت بالقسمة في دار الحرب وبالشراء من الحربي ووجوب الضمان بالإتلاف قد قيل على هذا الاختلاف والله أعلم بالصواب 2 باب استيلاء الكفار 2

Section V02/P149–V02/P150

وإذا غلب الترك على الروم فسبوهم وأخذوا أموالهم ملكوها لأن الاستيلاء قد تحقق في مال مباح وهو السبب على ما نبينه إن شاء الله تعالى فإن غلبنا على الترك حل لنا ما نجده من ذلك اعتبارا بسائر أملاكهم وإذا غلبوا على أموالنا والعياذ بالله وأحرزوها بدارهم ملكوها وقال الشافعي رحمه الله لا يملكونها لأن الاستيلاء محظور ابتداء وانتهاء والمحظور لا ينتهض سببا للملك على ما عرف من قاعدة الخصم ولنا أن الاستيلاء ورد على مال مباح فينعقد سببا للملك دفعا لحاجة المكلف كاستيلائنا على أموالهم وهذا لأن العصمة تثبت على منافاة الدليل ضرورة تمكن المالك من الانتفاع فإذا زالت المكنة عاد مباحا كما كان غير أن الاستيلاء لا يتحقق إلا بالإحراز بالدار لأنه عبارة عن الاقتدار على المحل حالا ومآلا والمحظور لغيره إذا صلح سببا لكرامة تفوق الملك وهو الثواب الآجل فما ظنك بالملك العاجل فإن ظهر عليها المسلمون فوجدها المالكون قبل القسمة فهي لهم بغير شيء وإن وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة إن أحبوا لقوله عليه الصلاة والسلام فيه إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة ولأن المالك القديم زال ملكه بغير رضاه فكان له حق الأخذ نظرا له إلا أن في الأخذ بعد القسمة ضررا بالمأخوذ منه بإزالة ملكه الخاص فيأخذه بالقيمة ليعتدل النظر من الجانبين والشركة قبل القسمة عامة فيقل الضرر فيأخذه بغير قيمة وإن دخل دار الحرب تاجر فاشترى ذلك وأخرجه إلى دار الإسلام فمالكه الأول بالخيار إن شاء أخذه بالثمن الذي اشتراه به وإن شاء تركه لأنه يتضرر بالأخذ مجانا ألا ترى أنه قد دفع العوض بمقابلته فكان اعتدال النظر فيما قلناه ولو اشتراه بعرض يأخذه بقيمة العرض ولو وهبوه لمسلم يأخذه بقيمته لأنه ثبت له ملك خاص فلا يزال إلا بالقيمة ولو كان مغنوما وهو يأخذه قبل القسمة ولا يأخذه بعدها لأن الأخذ بالمثل غير مفيد وكذا إذا كان موهوبا لا يأخذه لما بينا وكذا إذا كان مشترى بمثله قدرا ووصفا قال فإن أسروا عبدا فاشتراه رجل وأخرجه إلى دار الإسلام ففقئت عينه وأخذ أرشها فإن المولى يأخذه بالثمن الذي أخذ به من العدو أما الأخذ بالثمن فلما قلنا ولا يأخذ الأرش لأن الملك فيه صحيح فلو أخذه أخذه بمثله وهو لا يفيد ولا يحط شيء من الثمن لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن بخلاف الشفعة لأن الصفقة لما تحولت إلى الشفيع صار المشترى في يد المشتري بمنزلة المشترى شراء فاسدا والأوصاف تضمن فيه كما في الغصب أما ههنا الملك صحيح فافترقا وإن أسروا عبدا فاشتراه رجل بألف درهم فأسروه ثانيا وأدخلوه دار الحرب فاشتراه رجل آخر بألف درهم فليس للمولى الأول أن يأخذه من الثاني بالثمن لأن الأسر ما ورد على ملكه وللمشتري الأول أن يأخذه من الثاني بالثمن لأن الأسر ورد على ملكه ثم يأخذه المالك القديم بألفين إن شاء لأنه قام عليه بالثمنين فيأخذه بهما وكذا إذا كان المأسور منه الثاني غائبا ليس للأول أن يأخذه اعتبارا بحال حضرته ولا يملك علينا أهل الحرب بالغلبة مدبرينا وأمهات أولادنا ومكاتبينا وأحرارنا ونملك عليهم جميع ذلك لأن السبب إنما يفيد الملك في محله والمحل المال المباح والحر معصوم بنفسه وكذا من سواه لأنه تثبت الحرية فيه من وجه بخلاف رقابهم لأن الشرع أسقط عصمتهم جزاء على جنايتهم وجعلهم أرقاء ولا جناية من هؤلاء

Section V02/P150–V02/P152

وإذا أبق عبد لمسلم فدخل إليهم فأخذوه لم يملكوه عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يملكونه لأن العصمة لحق المالك لقيام يده وقد زالت ولهذا لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه وله أنه ظهرت يده على نفسه بالخروج من دارنا لأن سقوط اعتباره لتحقق يد المولى عليه تمكينا له من الانتفاع وقد زالت يد المولى فظهرت يده على نفسه وصار معصوما بنفسه فلم يبق محلا للملك بخلاف المتردد لأن يد المولى باقية عليه لقيام يد أهل الدار فمنع ظهور يده وإذا لم يثبت الملك لهم عند أبي حنيفة رحمه الله يأخذه المالك القديم بغير شيء موهوبا كان أو مشترى أو مغنوما قبل القسمة وبعد القسمة يؤدى عوضه من بيت المال لأنه لا يمكن إعادة القسمة لتفرق الغانمين وتعذر اجتماعهم وليس له على المالك جعل الآبق لأنه عامل لنفسه إذ في زعمه أنه ملكه وإن ند بعير إليهم فأخذوه ملكوه لتحقق الاستيلاء إذ لا بد للعجماء لتظهر عند الخروج من دارنا بخلاف العبد على ما ذكرنا وإن اشتراه رجل وأدخله دار الإسلام فصاحبه يأخذه بالثمن إن شاء لما بينا فإن أبق عبد إليهم وذهب معه بفرس ومتاع فأخذ المشركون ذلك كله واشترى رجل ذلك كله وأخرجه إلى دار الإسلام فإن المولى يأخذ العبد بغير شيء والفرس والمتاع بالثمن وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يأخذ العبد وما معه بالثمن إن شاء اعتبارا لحالة الاجتماع بحالة الانفراد وقد بينا الحكم في كل فرد وإذا دخل الحربي دارنا بأمان واشترى عبدا مسلما وأدخله دار الحرب عتق عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يعتق لأن الإزالة كانت مستحقة بطريق معين وهو البيع وقد انقطعت ولاية الجبر عليه فبقي في يده عبدا ولأبي حنيفة رحمه الله أن تخليص المسلم عن ذل الكافر واجب فيقام الشرط وهو تباين الدارين مقام العلة وهو الإعتاق تخليصا له كما يقام مضي ثلاث حيض مقام التفريق فيما إذا أسلم أحد الزوجين في دار الحرب وإذا أسلم عبد لحربي ثم خرج إلينا أو ظهر على الدار فهو حر وكذلك إذا خرج عبيدهم إلى عسكر المسلمين فهم أحرار لما روي أن عبيدا من عبيد الطائف أسلموا وخرجوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقضى بعتقهم وقال هم عتقاء الله ولأنه أحرز نفسه بالخروج إلينا مراغما لمولاه أو بالالتحاق بمنعة المسلمين إذا ظهر على الدار واعتبار يده أولى من اعتبار يد المسلمين لأنها أسبق ثبوتا على نفسه فالحاجة في حقه إلى زيادة توكيد وفي حقهم إلى إثبات اليد ابتداء فلهذا كان أولى والله أعلم بالصواب 2 باب المستأمن 2 وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرا فلا يحل له أن يتعرض لشيء من أموالهم ولا من دمائهم لأنه ضمن أن لا يتعرض لهم بالاستئمان فالتعرض بعد ذلك يكون غدرا والغدر حرام إلا إذا غدر بهم ملكهم فأخذ أموالهم أو حبسهم أو فعل غيره بعلم الملك ولم يمنعه لأنهم هم الذين نقضوا العهد بخلاف الأسير لأنه غير مستأمن فيباح له التعرض وإن أطلقوه طوعا فإن غدر بهم أعني التاجر فأخذ شيئا وخرج به ملكه ملكا محظورا لورود الاستيلاء على مال مباح إلا أنه حصل بسبب الغدر فأوجب ذلك خبثا فيه فيؤمر بالتصدق به وهذا لأن الحظر لغيره لا يمنع انعقاد السبب على ما بيناه

Section V02/P152–V02/P153

وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فأدانه حربي أو أدان هو حربيا أو غصب أحدهما صاحبه ثم خرج إلينا واستأمن الحربي لم يقض لواحد منهما على صاحبه بشيء أما الإدانة فلأن القضاء يعتمد الولاية ولا ولاية وقت الإدانة أصلا ولا وقت القضاء على المستأمن لأنه ما التزم حكم الإسلام فيما مضى من أفعاله وإنما التزم ذلك في المستقبل وأما الغصب فلأنه صار ملكا للذي غصبه واستولى عليه لمصادفته مالا غير معصوم على ما بيناه وكذلك لو كانا حربيين فعلا ذلك ثم خرجا مستأمنين لما قلنا ولو خرجا مسلمين قضي بالدين بينهما ولم يقض بالغصب أما المداينة فلأنها وقعت صحيحة لوقوعها بالتراضي والولاية ثابتة حالة القضاء لالتزامهما الأحكام بالإسلام وأما الغصب فلما بينا أنه ملكه ولا خبث في ملك الحربي حتى يؤمر بالرد وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فغصب حربيا ثم خرجا مسلمين أمر برد الغصب ولم يقض عليه أما عدم القضاء فلما بينا أنه ملكه وأما الأمر بالرد ومراده الفتوى به فلأنه فسد الملك لما يقارنه من المحرم وهو نقض العهد وإذا دخل مسلمان دار الحرب بأمان فقتل أحدهما صاحبه عمدا أو خطأ فعلى القاتل الدية في ماله وعليه الكفارة في الخطأ أما الكفارة فلإطلاق الكتاب وأما الدية فلأن العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإسلام لا تبطل بعارض الدخول بالأمان وإنما لا يجب القصاص لأنه لا يمكن استيفاؤه إلا بمنعة ولا منعة بدون الإمام وجماعة المسلمين ولم يوجد ذلك في دار الحرب وإنما تجب الدية في ماله في العمد لأن العواقل لا تعقل العمد وفي الخطألأنه لا قدرة لهم على الصيانة مع تباين الدارين والوجوب عليهم على اعتبار تركها وإن كانا أسيرين فقتل أحدهما صاحبه أو قتل مسلم تاجر أسيرا فلا شيء على القاتل لا الكفارة في الخطأ عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا في الأسيرين الدية في الخطأ والعمد لأن العصمة لا تبطل بعارض الأسر كما لا تبطل بعارض الاستئمان على ما بيناه وامتناع القصاص لعدم المنعة وتجب الدية في ماله لما قلنا ولأبي حنيفة رحمه الله أن بالأسر صار تبعا لهم لصيرورته مقهورا في أيديهم ولهذا يصير مقيما بإقامتهم ومسافرا بسفرهم فيبطل به الإحراز أصلا وصار كالمسلم الذي لم يهاجر إلينا وخص الخطأ بالكفارة لأنه لا كفارة في العمد عندنا والله أعلم بالصواب فصل قال وإذا دخل الحربي إلينا مستأمنا لم يمكن أن يقيم في دارنا سنة ويقول له الإمام إن أقمت تمام السنة وضعت عليك الجزية والأصل أن الحربي لا يمكن من إقامة دائمة في دارنا إلا بالاسترقاق أو الجزية لأنه يصير عينا لهم وعونا علينا فتلتحق المضرة بالمسلمين ويمكن من الإقامة اليسيرة لأن في منعها قطع الميرة والجلب وسد باب التجارة ففصلنا بينهما بسنة لأنها مدة تجب فيها الجزية فتكون الإقامة لمصلحة الجزية ثم إن رجع بعد مقالة الإمام قبل تمام السنة إلى وطنه فلا سبيل عليه وإذا مكث سنة فهو ذمي لأنه لما أقام سنة بعد تقدم الإمام إليه صار ملتزما للجزية فيصير ذميا وللإمام أن يؤقت في ذلك ما دون السنة كالشهر والشهرين وإذا أقامها بعد مقالة الإمام يصير ذميا لما قلنا ثم لا يترك أن يرجع إلى دار الحرب لأن عقد الذمة لا ينقض كيف وأن فيه قطع الجزية وجعل ولده حربا علينا وفيه مضرة بالمسلمين فإن دخل الحربي دارنا بأمان فاشترى أرض خراج فإذا وضع عليه الخراج فهو ذمي لأن خراج الأرض بمنزلة خراج الرأس فإذا التزمه صار ملتزما المقام في دارنا أما بمجرد الشراء فلا يصير ذميا لأنه قد يشتريها للتجارة وإذا لزمه خراج الأرض فبعد ذلك تلزمه الجزية لسنة مستقبلة لأنه يصير ذميا بلزوم الخراج فتعتبر المدة من وقت وجوبه وقوله في الكتاب فإذا وضع عليه الخراج فهو ذمي تصريح بشرط الوضع فيتخرج عليه أحكام جمة فلا تغفل عنه

Section V02/P153–V02/P155

وإذا دخلت حربية بأمان فتزوجت ذميا صارت ذمية لأنها التزمت المقام تبعا للزوج وإذا دخل حربي بأمان فتزوج ذمية لم يصر ذميا لأنه يمكنه أن يطلقها فيرجع إلى بلده فلم يكن ملتزما المقام ولو أن حربيا دخل دارنا بأمان ثم عاد إلى دار الحرب وترك وديعة عند مسلم أو ذمي أو دينا في ذمتهم فقد صار دمه مباحا بالعود لأنه أبطل أمانه وما في دار الإسلام من ماله على خطر فإن أسر أو ظهر على الدار فقتل سقطت ديونه وصارت الوديعة فيئا أما الوديعة فلأنها في يده تقديرا لأن يد المودع كيده فيصير فيئا تبعا لنفسه وأما الدين فلأن إثبات اليد عليه بواسطة المطالبة وقد سقطت ويد من عليه أسبق إليه من يد العامة فيختص به فيسقط وإن قتل ولم يظهر على الدار فالقرض والوديعة لورثته وكذلك إذا مات لأن نفسه لم تصر مغنومة فكذلك ماله وهذا لأن حكم الأمان باق في ماله عليه أو على ورثته من بعده قال وما أوجف المسلمون عليه من أموال أهل الحرب بغير قتال يصرف في مصالح المسلمين كما يصرف الخراج قالوا هو مثل الأراضي التي أجلوا أهلها عنها والجزية ولا خمس في ذلك وقال الشافعي رحمه الله فيها الخمس اعتبارا بالغنيمة ولنا ما روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ الجزية وكذا عمر ومعاذ رضي الله عنهما ووضع في بيت المال ولم يخمس ولأنه مال مأخوذ بقوة المسلمين من غير قتال بخلاف الغنيمة لأنه مملوك بمباشرة الغانمين وبقوة المسلمين فاستحق الخمس بمعنى واستحتقه الغانمون بمعنى وفي هذا السبب واحد وهو ما ذكرناه فلا معنى لإيجاب الخمس وإذا دخل الحربي دارنا بأمان وله امرأة في دار الحرب وأولاد صغار وكبار ومال أودع بعضه ذميا وبعضه حربيا وبعضه مسلما فأسلم ههنا ثم ظهر على الدار فذلك كله فيء أما المرأة وأولاده الكبار فظاهر لأنهم حربيون كبار وليسوا بأتباع وكذلك ما في بطنها لو كانت حاملا لما قلنا من قبل وأما أولاده الصغار فلأن الصغير إنما يصير مسلما تبعا لإسلام أبيه إذا كان في يده وتحت ولايته ومع تباين الدارين لا يتحقق ذلك وكذا أمواله لا تصير محرزة بإحرازه نفسه لاختلاف الدارين فبقي الكل فيئا وغنيمة وإن اسلم في دار الحرب ثم جاء فظهر على الدار فأولاده الصغار أحرار مسلمون تبعا لأبيهم لأنهم كانوا تحت ولايته حين أسلم إذ الدار واحدة وما كان من مال أودعه مسلما أو ذميا فهو له لأنه في يد محترمة ويده كيده وما سوى ذلك فيء أما المرأة وأولاده الكبار فلما قلنا وأما المال الذي في يد الحربي فلأنه لم يصر معصوما لأن يد الحربي ليست يدا محترمة وإذا أسلم الحربي في دار الحرب فقتله مسلم عمدا أو خطأ وله ورثة مسلمون هناك فلا شيء عليه إلا الكفارة في الخطأ وقال الشافعي رحمه الله تجب الدية في الخطأ والقصاص في العمد لأنه أراق دما معصوما لوجود العاصم وهو الإسلام لكونه مستجلبا للكرامة وهذا لأن العصمة أصلها المؤثمة لحصول أصل الزجر بها وهي ثابتة إجماعا والمقومة كمال فيه لكمال الامتناع به فيكون وصفا فيه فتتعلق بما علق به الأصل ولنا قوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة الآية جعل التحرير كل الموجب رجوعا إلى حرف الفاء أو إلى كونه كل المذكور فينتفي غيره ولأن العصمة المؤثمة بالآدمية لأن الآدمي خلق متحملا أعباء التكليف والقيام بها بحرمة التعرض والأموال تابعة لها أما المقومة فالأصل فيها الأموال لأن التقوم يؤذن بجبر الفائت وذلك في الأموال دون النفوس لأن من شرطه التماثل وهو في المال دون النفس فكانت النفوس تابعة ثم العصمة المقومة في الأموال بالإحراز بالدار لأن العزة بالمنعة فكذلك في النفوس إلا أن الشرع أسقط اعتبار منعة الكفرة لما أنه أوجب إبطالها والمرتد والمستأمن في دارنا من أهل دارهم حكما لقصدهما الانتقال إليها

Section V02/P155–V02/P156

ومن قتل مسلما خطألا ولي له أو قتل حربيا دخل إلينا بأمان فأسلم الدية على عاقلته للإمام وعليه الكفارة لأنه قتل نفسا معصومة خطأ فتعتبر بسائر النفوس المعصومة ومعنى قوله للإمام أن حق الأخذ له لأنه لا وارث له وإن كان عمدا فإن شاء الإمام قتله وإن شاء أخذ الدية لأن النفس معصومة والقتل عمد والولي معلوم وهو العامة أو السلطان قال عليه الصلاة والسلام السلطان ولي من لا ولي له وقوله وإن شاء أخذ الدية معناه بطريق الصلح لأن موجب العمد هو القود عينا وهذا لأن الدية أنفع في هذه المسألة من القود فلهذا كان له ولاية الصلح على المال وليس له أن يعفو لأن الحق للعامة وولايته نظرية وليس من النظر إسقاط حقهم من غير عوض والله أعلم بالصواب 2 باب العشر والخراج 2 قال أرض العرب كلها أرض عشر وهي ما بين العذيب إلى أقصى حجر باليمن بمهرة إلى حد الشام والسواد أرض خراج وهو ما بين العذيب إلى عقبة حلوان ومن الثعلبية ويقال من العلث إلى عبادان لأن النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لم يأخذوا الخراج من أراضي العرب ولأنه بمنزلة الفيء فلا يثبت في أراضيهم كما لا يثبت في رقابهم وهذا لأن وضع الخراج من شرطه أن يقر أهلها على الكفر كما في سواد العراق ومشركو العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وعمر رضي الله عنه حين فتح السواد وضع الخراج عليها بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ووضع على مصر حين افتتحها عمرو بن العاص وكذا اجتمعت الصحابة رضي الله عنهم على وضع الخراج على الشام قال وأرض السواد مملوكة لأهلها يجوز بيعهم لها وتصرفهم فيها لأن الإمام إذا فتح أرضا عنوة وقهرا له أن يقر أهلها عليها ويضع عليها وعلى رءوسهم الخراج فتبقى الأراضي مملوكة لأهلها وقد قدمناه من قبل قال وكل أرض أسلم أهلها أو فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين فهي أرض عشر لأن الحاجة إلى ابتداء التوظيف على المسلم والعشر أليق به لما فيه من معنى العبادة وكذا هو أخف حيث يتعلق بنفس الخارج وكل أرض فتحت عنوة فأقر أهلها عليها فهي أرض خراج وكذا إذا صالحهم لأن الحاجة إلى ابتداء التوظيف على الكافر والخراج أليق به ومكة مخصوصة من هذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحها عنوة وتركها لأهلها ولم يوظف الخراج وفي الجامع الصغير كل أرض فتحت عنوة فوصل إليها ماء الأنهار فهي أرض خراج ومالم يصل إليها ماء الأنهار واستخرج منها عين فهي أرض عشر لأن العشر يتعلق بالأرض النامية ونماؤها بمائها فيعتبر السقي بماء العشر أو بماء الخراج قال ومن أحيا أرضا مواتا فهي عند أبي يوسف رحمه الله تعالى معتبرة بحيزها فإن كانت من حيز أرض الخراج ومعناه بقربه فهي خراجية وإن كانت من حيز أرض العشر فهي عشرية والبصرة عنده عشرية بإجماع الصحابة رضي الله عنهم لأن حيز الشيء يعطي له حكمه كفناء الدار يعطى له حكم الدار حتى يجوز لصاحبها الانتفاع به وكذا لا يجوز أخذ ما قرب من العامر وكان القياس في البصرة أن تكون خراجية لأنها من حيز أرض الخراج إلا أن الصحابة رضي الله عنهم وظفوا عليها العشر فترك القياس لإجماعهم وقال محمد رحمه الله إن أحياها ببئر حفرها أو بعين استخرجها أو ماء دجلة أو الفرات أو الأنهار العظام التي لا يملكها أحد فهي عشرية وكذا إن أحياها بماء السماء وإن أحياها بماء الأنهار التي احتفرها الأعاجم مثل نهر الملك ونهر يزدجرد فهي خراجية لما ذكرنا من اعتبار الماء إذ هو السبب للنماء ولأنه لا يمكن توظيف الخراج ابتداء على المسلم كرها فيعتبر في ذلك الماء لأن السقي بماء الخراج دلالة التزامية

Section V02/P156–V02/P158

قال والخراج الذي وضعه عمر رضي الله عنه على أهل السواد من كل جريب يبلغه الماء قفيز هاشمي وهو الصاع ودرهم ومن جريب الرطبة خمسة دراهم ومن جريب الكرم المتصل والنخيل المتصل عشرة دراهم وهذا هو المنقول عن عمر رضي الله عنه فإنه بعث عثمان بن حنيف حتى يمسح سواد العراق وجعل حذيفة مشرفا عليه فمسح فبلغ ستا وثلاثين ألف ألف جريب ووضع على ذلك ما قلنا وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم من غير نكير فكان إجماعا منهم ولأن المؤن متفاوتة فالكرم أخفها مؤنة والمزارع أكثرها مؤنة والرطاب بينهما والوظيفة تتفاوت بتفاوتها فجعل الواجب في الكرم أعلاها وفي الزرع أدناها وفي الرطبة أوسطها قال وما سوى ذلك من الأصناف كالزعفران والبستان وغيره يوضع عليها بحسب الطاقة لأنه ليس فيه توظيف عمر رضي الله عنه وقد اعتبر الطاقة في ذلك فنعتبرها فيما لا توظيف فيه قالوا ونهاية الطاقة أن يبلغ الواجب نصف الخارج لا يزاد عليه لأن التنصيف عين الإنصاف لما كان لنا أن نقسم الكل بين الغانمين والبستان كل أرض يحوطها حائط وفيها نخيل متفرقة وأشجار أخر وفي ديارنا وظفوا من الدراهم في الأراضي كلها وترك كذلك لأن التقدير يجب أن يكون بقدر الطاقة من أي شيء كان قال فإن لم تطق ما وضع عليها نقصهم الإمام والنقصان عند قلة الريع جائز بالإجماع ألا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه لعلكما حملتما الأرض مالا تطيق فقالا لا بل حملناها ما تطيق ولو زدنا لأطاقت وهذا يدل على جواز النقصان وأما الزيادة عند زيادة الريع يجوز عند محمد رحمه الله اعتبارا بالنقصان وعند أبي يوسف رحمه الله لا يجوز لأن عمر رضي الله عنه لم يزد حين أخبر بزيادة الطاقة وإن غلب على أرض الخراج الماء أو انقطع الماء عنها أو اصطلم الزرع آفة فلا خراج عليه لأنه فات التمكن من الزراعة وهو النماء التقديري المعتبر في الخراج وفيما إذا اصطلم الزرع آفة فات النماء بالتقديري في بعض الحول وكونه ناميا في جميع الحول شرط كما في مال الزكاة أو يدار الحكم على الحقيقة عند خروج الخارج قال وإن عطلها صاحبها فعليه الخراج لأن التمكن كان ثابتا وهو الذي فوته قالوا من انتقل إلى أخس الأمرين من غير عذر فعليه خراج الأعلى لأنه هو الذي ضيع الزيادة وهذا يعرف ولا يفتى به كيلا يتجرأ الظلمة على أخذ أموال الناس ومن أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله لأن فيه معنى المؤنة فيعتبر مؤنة في حالة البقاء فأمكن إبقاؤه على المسلم ويجوز أن يشتري المسلم أرض الخراج من الذمي ويؤخذ منه الخراج لما قلنا وقد صح أن الصحابة رضي الله عنهم اشتروا أراضي الخراج وكانوا يؤدون خراجها فدل على جواز الشراء وأخذ الخراج وأدائه للمسلم عن غير كراهة ولا عشر في الخارج من أرض الخراج وقال الشافعي رحمه الله يجمع بينهما لأنهما حقان مختلفان وجبا في محلين بسببين مختلفين فلا يتنافيان ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم ولأن أحدا من أئمة العدل والجور لم يجمع بينهما وكفى بإجماعهم حجة ولأن الخراج يجب في أرض فتحت عنوة وقهرا والعشر في أرض أسلم أهلها طوعا والوصفان لا يجتمعان في ارض واحدة وسبب الحقين واحد وهو الأرض النامية إلا أنه يعتبر في العشر تحقيقا وفي الخراج تقديرا ولهذا يضافان إلى الأرض وعلى هذا الخلاف الزكاة مع أحدهما ولا يتكرر الخراج بتكرر الخارج في سنة لأن عمر رضي الله عنه لم يوظفه مكررا بخلاف العشر لأنه لا يتحقق عشرا إلا بوجوبه في كل خارج والله أعلم بالصواب 2 باب الجزية 2

Section V02/P158–V02/P159

وهي على ضربين جزية توضع بالتراضي والصلح فتتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق كما صالح رسول الله عليه الصلاة والسلام أهل نجران على ألف ومائتي حلة ولأن الموجب هو التراضي فلا يجوز التعدي إلى غير ما وقع عليه الاتفاق وجزية يبتدئ الإمام وضعها إذا غلب الإمام على الكفار وأقرهم على أملاكهم فيضع على الغني للظاهر الغني في كل سنة ثمانية وأربعين درهما يأخذ منهم في كل شهر أربعة دراهم وعلى وسط الحال أربعة وعشرين درهما في كل شهر درهمين وعلى الفقير المعتمل اثني عشر درهما في كل شهر درهما وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله يضع على كل حالم دينارا أو ما يعدل الدينار الغني والفقير في ذلك سواء لقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ رضي الله عنه خذ من كل حالم وحالمة دينارا أو عدله معافر من غير فصل ولأن الجزية إنما وجبت بدلا عن القتل حتى لا تجب على من لا يجوز قتله بسبب الكفر كالذراري والنسوان وهذا المعنى ينتظم الفقير والغني ومذهبنا منقول عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ولم ينكر عليهم أحد من المهاجرين والأنصار ولأنه وجب نصرة للمقاتلة فتجب على التفاوت بمنزلة خراج الأرض وهذا لأنه وجب بدلا عن النصرة بالنفس والمال وذلك يتفاوت بكثرة الوفر وقلته فكذا ما هو بدله وما رواه محمول على أنه كان ذلك صلحا ولهذا أمره بالأخذ من الحالمة وإن كانت لا يؤخذ منها الجزية قال وتوضع الجزية على أهل الكتاب والمجوس لقوله تعالى من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية الآية ووضع رسول الله عليه الصلاة والسلام الجزية على المجوس قال وعبدة الأوثان من العجم وفيه خلاف الشافعي رحمه الله هو يقول إن القتال واجب لقوله تعالى وقاتلوهم إلا أنا عرفنا جواز تركه في حق أهل الكتاب بالكتاب وفي حق المجوس بالخبر فبقي من وراءهم على الأصل ولنا أنه يجوز استرقاقهم فيجوز ضرب الجزية عليهم إذ كل واحد منهما يشتمل على سلب النفس منهم فإنه يكتسب ويؤدى إلى المسلمين ونفقته في كسبه وإن ظهر عليهم قبل ذلك فهم ونساؤهم وصبيانهم فيء لجواز استرقاقهم ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب ولا المرتدين لأن كفرهما قد تغلظ أما مشركو العرب فلأن النبي عليه الصلاة والسلام نشأ بين أظهرهم والقرآن نزل بلغتهم فالمعجزة في حقهم أظهر وأما المرتد فلأنه كفر بربه بعد ما هدى للإسلام ووقف على محاسنه فلا يقبل من الفريقين إلا الإسلام أو السيف زيادة في العقوبة وعند الشافعي رحمه الله يسترق مشركو العرب وجوابه ما قلنا وإذا ظهر عليهم فنساؤهم وصبيانهم فيء لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه استرق نسوان بني حنيفة وصبيانهم لما ارتدوا وقسمهم بين الغانمين ومن لم يسلم من رجالهم قتل لما ذكرنا ولا جزية على امرأة ولا صبي لأنها وجبت بدلا عن القتل أو عن القتال وهما لا يقتلان ولا يقاتلان لعدم الأهلية قال ولا زمن ولا أعمى وكذا المفلوج والشيخ الكبير لما بينا وعن أبي يوسف رحمه الله أنه تجب إذا كان له مال لأنه يقتل في الجملة إذا كان له رأي ولا على فقير غير معتمل خلافا للشافعي رحمه الله له إطلاق حديث معاذ رضي الله عنه ولنا أن عثمان رضي الله عنه لم يوظفها على فقير غير معتمل وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولأن خراج الأرض لا يوظف على أرض لا طاقة لها فكذا هذا الخراج والحديث محمول على المعتمل

Section V02/P159–V02/P161

ولا توضع على المملوك والمكاتب والمدبر وأم الولد لأنه بدل عن القتل في حقهم وعن النصرة في حقنا وعلى اعتبار الثاني لا تجب فلا تجب بالشك ولا يؤدى عنهم مواليهم لأنهم تحملوا الزيادة بسببهم ولا توضع على الرهبان الذين لا يخالطون الناس كذا ذكر ههنا وذكر محمد عن أبي حنيفة رحمهم الله أنه يوضع عليهم إذا كانوا يقدرون على العمل وهو قول أبي يوسف رحمه الله وجه الوضع عليهم أن القدرة على العمل هو الذي ضيعها فصار كتعطيل الأرض الخراجية ووجه الوضع عنهم أنه لاقتل عليهم إذا كانوا لا يخالطون الناس والجزية في حقهم لإسقاط القتل ولا بد أن يكون المعتمل صحيحا ويكتفى بصحته في أكثر السنة ومن أسلم وعليه جزية سقطت عنه وكذلك إذا مات كافرا خلافا للشافعي رحمه الله فيهما له أنها وجبت بدلا عن العصمة أو عن السكنى وقد وصل إليه المعوض فلا يسقط عنه العوض بهذا العارض كما في الأجرة والصلح عن دم العمد ولنا قوله عليه الصلاة والسلام ليس على مسلم جزية ولأنها وجبت عقوبة على الكفر ولهذا تسمى جزية وهي والجزاء واحد وعقوبة الكفر تسقط بالإسلام ولا تقام بعد ا لموت ولأن شرع العقوبة في الدنيا لا يكون إلا لدفع لاشر وقد اندفع بالموت والإسلام ولأنها وجبت بدلا عن النصرة في حقنا وقد قدر عليها بنفسه بعد الإسلام والعصمة تثبت بكونه آدميا والذمي يسكن ملك نفسه فلا معنى لإيجاب بدل العصمة والسكنى وإن اجتمعت عليه الحولان تداخلت وفي الجامع الصغير ومن لم يؤخذ منه خراج رأسه حتى مضت السنة وجاءت سنة أخرى لم يؤخذ وهذا عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يؤخذ منه وهو قول الشافعي رحمه الله وإن مات عند تمام السنة لم يؤخذ منه في قولهم جميعا وكذلك إن مات في بعض السنة أما مسئلة الموت فقد ذكرناها وقيل خراج الأرض على هذا الخلاف وقيل لا تداخل فيه بالاتفاق لهما في الخلافية أن الخراج وجب عوضا والأعواض إذا اجتمعت وأمكن استيفاؤها تستوفى وقد أمكن فيما نحن فيه بعد توالي السنين بخلاف ما إذا أسلم لأنه تعذر استيفاؤه ولأبي حنيفة رحمه الله أنها وجبت عقوبة على الإصرار على الكفر على ما بيناه ولهذا لا تقبل منه لو بعث على يد نائبه في أصح الروايات بل يكلف أن يأتي به بنفسه فيعطي قائما والقابض منه قاعد وفي رواية يأخذ بتلبيبه ويهزه هزا ويقول أعط الجزية يا ذمي فثبت أنه عقوبة والعقوبات إذا اجتمعت تداخلت كالحدود ولأنها وجبت بدلا عن القتل في حقهم وعن النصرة في حقنا كما ذكرنا لكن في المستقبل لا في الماضي لأن القتل إنما يستوفى لحراب قائم في الحال لا لحراب ماض وكذا النصرة في المستقبل لأن الماضي وقعت الغنية عنه ثم قول محمد رحمه الله في الجزية في الجامع الصغير وجاءت سنة أخرى حمله بعض المشايخ رحمهم الله على المضي مجازا وقال الوجوب بآخر السنة فلا بد من المضي ليتحقق الاجتماع فتتداخل وعند البعض هو مجرى على حقيقته والوجوب عند أبي حنيفة رحمه الله بأول الحول فيتحقق الاجتماع بمجرد المجيء والأصح أن الوجوب عندنا في ابتداء الحول وعند الشافعي رحمه الله في آخر اعتبارا بالزكاة ولنا أن ما وجب بدلا عنه لا يتحقق إلا في المستقبل على ما قررناه فتعذر إيجابه بعد مضي الحول فأوجبناه في أوله والله أعلم بالصواب فصل

Section V02/P161–V02/P162

ولا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة والمراد إحداثها وإن انهدمت البيع والكنائس القديمة أعادوها لأن الأبنية لا تبقى دائما ولما أقرهم الإمام فقد عهد إليهم الإعادة إلا أنهم لا يمكنون من نقلها لأنه إحداث في الحقيقة والصومعة للتخلي فيها بمنزلة البيعة بخلاف موضع الصلاة في البيت لأنه تبع للسكنى وهذا في الأمصار دون القرى لأن الأمصار هي التي تقام فيها الشعائر فلا تعارض بإظهار ما يخالفها وقيل في ديارنا يمنعون من ذلك في القرى أيضا لأن فيها بعض الشعائر والمروي عن صاحب المذهب في قرى الكوفة لأن أكثر أهلها أهل الذمة وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارها وقراها لقوله عليه الصلاة والسلام لا يجتمع دينان في جزيرة العرب قال ويؤخذ أهل الذمة بالتميز عن المسلمين في زيهم ومراكبهم وسروجهم وقلانسهم فلا يركبون الخيل ولا يعملون بالسلاح وفي الجامع الصغير ويؤخذ أهل الذمة بإظهار الكستيجات والركوب على السروج التي هي كهيئة الأكف وإنما يؤخذون بذلك إظهارا للصغار عليهم وصيانة لضعفة المسلمين ولأن المسلم يكرم والذمي يهان ولا يبتدأ بالسلام ويضيق عليه الطريق فلو لم تكن علامة مميزة فلعله يعامل معاملة المسلمين وذلك لا يجوز والعلامة يجب أن تكون خيطا غليظا من الصوف يشده على وسطه دون الزنار من الإبريسم فإنه جفاء في حق أهل الإسلام ويجب أن يتميز نساؤهم عن نسائنا في الطرقات والحمامات ويجعل على دورهم علامات كيلا يقف عليها سائل يدعو لهم بالمغفرة قالوا الأحق أن لا يتركوا أن يركبوا إلا للضرورة وإذا ركبوا للضرورة فلينزلوا في مجامع المسلمين فإن لزمت الضرورة اتخذوا سروجا بالصفة التي تقدمت ويمنعون من لباس يختص به أهل العلم والزهد والشرف ومن امتنع من الجزية أو قتل مسلما أو سب النبي عليه الصلاة والسلام أو زنى بمسلمة لم ينتقض عهده لأن الغاية التي ينتهي بها القتال التزام الجزية لا أداؤها والالتزام باق وقال الشافعي رحمه الله سب النبي عليه الصلاة والسلام يكون نقضا لأنه لو كان مسلما ينقض إيمانه فكذا ينقض أمانه إذ عقد الذمة خلف عنه ولنا أن سب النبي عليه الصلاة والسلام كفر منه والكفر المقارن لا يمنعه فالطارئ لا يرفعه قال ولا ينقض العهد إلا أن يلتحق بدار الحرب أو يغلبوا على موضع فيحاربوننا لأنهم صاروا حربا علينا فيعرى عقد الذمة عن الفائدة وهو دفع شر الحراب وإذا نقض الذمي العهد فهو بمنزلة المرتد معناه في الحكم بموته باللحاق لأنه التحق بالأموات وكذا في حكم ما حمله من ماله إلا أنه لو أسر يسترق بخلاف المرتد والله أعلم بالصواب فصل

Section V02/P162–V02/P164

ونصارى بني تغلب يؤخذ من أموالهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة لأن عمر رضي الله عنه صالحهم على ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ويؤخذ من نسائهم ولا يؤخذ من صبيانهم لأن الصلح وقع على الصدقة المضاعفة والصدقة تجب عليهن دون الصبيان فكذا المضاعف وقال زفر رحمه الله لا يؤخذ من نسائهم أيضا وهو قول الشافعي رحمه الله لأنه جزية في الحقيقة على ما قال عمر رضي الله عنه هذه جزية فسموها ما شئتم ولهذا تصرف مصارف الجزية ولا جزية على النسوان ولنا أنه مال وجب بالصلح والمرأة من أهل وجوب مثله عليها والمصرف مصالح المسلمين لأنه مال بيت المال وذلك لا يختص بالجزية ألا ترى أنه لا يراعى فيه شرائطها ويوضع على مولى التغلبي الخراج أي الجزية وخراج الأرض بمنزلة مولى القرشي وقال زفر رحمه الله يضاعف لقوله عليه الصلاة والسلام إن مولى القوم منهم ألا ترى أن مولى الهاشمي يلحق في حق حرمة الصدقة ولنا أن هذا تخفيف والمولى لا يلحق بالأصل فيه ولهذا توضع الجزية على مولى المسلم إذا كان نصرانيا بخلاف حرمة الصدقة لأن الحرمات تثبت بالشبهات فألحق المولى بالهاشمي في حقه ولا يلزم مولى الغني حيث لا تحرم عليه الصدقة لأن الغني من أهلها وإنما الغني مانع ولم يوجد في حق المولى أما الهاشمي فليس بأهل لهذه الصلة أصلا لأنه صين لشرفه وكرامته عن أوساخ الناس فألحق به مولاه قال وما جباه الإمام من الخراج ومن أموال بني تغلب وما أهداه أهل الحرب إلى الإمام والجزية يصرف في مصالح المسلمين كسد الثغور وبناء القناطر إلا الجسور ويعطى قضاة المسلمين وعمالهم وعلماؤهم منه ما يكفيهم ويدفع منه أرزاق المقاتلة وذراريهم لأنه مال بيت المال فإنه وصل إلى المسلمين من غير قتال وهو معد لمصالح المسلمين وهؤلاء عملتهم ونفقة الذراري على الآباء فلو لم يعطوا كفايتهم لاحتاجوا إلى الاكتساب فلا يتفرغون للقتال ومن مات في نصف السنة فلا شيء له من العطاء لأنه نوع صلة وليس بدين ولهذا سمي عطاء فلا يملك قبل القبض ويسقط بالموت وأهل العطاء في زماننا مثل القاضي والمدرس والمفتي والله أعلم 2 باب أحكام المرتدين 2 قال وإذا ارتد المسلم عن الإسلام والعياذ بالله عرض عليه الإسلام فإن كانت له شبهة كشفت عنه لأنه عساه اعترته شبهة فتزاح وفيه دفع شره بأحسن الأمرين إلا أن العرض على ما قالوا غير واجب لأن الدعوة بلغته قال ويحبس ثلاثة أيام فإن أسلم وإلا قتل وفي الجامع الصغير المرتد يعرض عليه الإسلام حرا كان أو عبدا فإن أبى قتل وتأويل الأول أنه يستمهل فيمهل ثلاثة أيام لأنها مدة ضربت لإبلاء الأعذار وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه يستحب أن يؤجله ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب وعن الشافعي رحمه الله أن على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك لأن ارتداد المسلم يكون عن شبهة ظاهرا فلا بد من مدة يمكنه التأمل فقدرناها بالثلاثة ولنا قوله تعالى فاقتلوا المشركين من غير قيد الإمهال وكذا قوله عليه الصلاة والسلام من بدل دينه فاقتلوه ولأنه كافر حربي بلغته الدعوة فيقتل للحال من غير استمهال وهذا لأنه لا يجوز تأخير الواجب لأمر موهوم ولا فرق بين الحر والعبد لإطلاق الدلائل وكيفية توبته أن يتبرأعن الأديان كلها سوى الإسلام لأنه لا دين له ولو تبرأعما انتقل إليه كفاه لحصول المقصود قال فإن قتله قاتل قبل عرض الإسلام عليه كره ولا شيء على القاتل ومعنى الكراهية ههنا ترك المستحب وانتفاء الضمان لأن الكفر مبيح للقتل والعرض بعد بلوغ الدعوة غير واجب

Section V02/P164–V02/P165

وأما المرتدة فلا تقتل وقال الشافعي رحمه الله تقتل لما روينا ولأن ردة الرجل مبيحة للقتل من حيث إنه جناية مغلظة فتناط بها عقوبة مغلظة وردة المرأة تشاركها فيها فتشاركها في موجبها ولنا أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل النساء ولأن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء وإنما عدل عنه دفعا لشر ناجز وهو الحراب ولا يتوجه ذلك من النساء لعدم صلاحية البنية بخلاف الرجال فصارت المرتدة كالأصلية قال ولكن تحبس حتى تسلم لأنها امتنعت عن إيفاء حق الله تعالى بعد الإقرار فتجبر على إيفائه بالحبس كما في حقوق العباد وفي الجامع الصغير وتجبر المرأة على الإسلام حرة كانت أو أمة والأمة يجبرها مولاها أما الجبر فلما ذكرنا ومن المولى لما فيه من الجمع بين الحقين ويروى تضرب في كل أيام مبالغة في الحمل على الإسلام قال ويزول ملك المرتد عن أمواله بردته زوالا مراعى فإن أسلم عادت إلى حالها قالوا هذا عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يزول ملكه لأنه مكلف محتاج فإلى أن يقتل يبقى ملكه كالمحكوم عليه بالرجم والقصاص وله أنه حربي مقهور تحت أيدينا حتى يقتل ولا قتل إلا بالحراب وهذا يوجب زوال ملكه ومالكيته غير أنه مدعو إلى الإسلام بالإجبار عليه ويرجى عوده إليه فتوقفنا في أمره فإن أسلم جعل العارض كأن لم يكن في حق هذا الحكم وصار كأن لم يزل مسلما ولم يعمل السبب وإن مات أو قتل على ردته أو لحق بدار الحرب وحكم بلحاقه استقر كفره فيعمل السبب عمله وزال ملكه قال وإن مات أو قتل على ردته انتقل ما اكتسبه في إسلامه إلى ورثته المسلمين وكان ما اكتسبه في حال ردته فيئا وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله كلاهما لورثته وقال الشافعي رحمه الله كلاهما فيء لأنه مات كافرا والمسلم لا يرث الكافر ثم هو مال حربي لا أمان له فيكون فيئا ولهما أن ملكه في الكسبين بعد الردة باق على ما بيناه فينتقل بموته إلى ورثته ويستند إلى ما قبيل ردته إذ الردة سبب الموت فيكون توريث المسلم من المسلم ولأبي حنيفة رحمه الله أنه يمكن الاستناد في كسب الإسلام لوجوده قبل الردة ولا يمكن الاستناد في كسب الردة لعدمه قبلها ومن شرطه وجوده ثم إنما يرثه من كان وارثا له حالة الردة وبقي وارثا إلى وقت موته في رواية عن أبي حنيفة رحمه الله اعتبارا للاستناد وعنه أنه يرثه من كان وارثا له عند الردة ولا يبطل استحقاقه بموته بل يخلفه وارثه لأن الردة بمنزلة الموت وعنه أنه يعتبر وجود الوارث عند الموت لأن الحادث بعد انعقاد السبب قبل تمامه كالحادث قبل ا نعقاده بمنزلة الولد الحادث من المبيع قبل القبض وترثه امرأته المسلمة إذا مات أو قتل على ردته وهي في العدة لأنه يصير فارا وإن كان صحيحا وقت الردة والمرتدة كسبها لورثتها لأنه لا حراب منها فلم يوجد سبب الفيء بخلاف المرتد عند أبي حنيفة رحمه الله ويرثها زوجها المسلم إن ارتدت وهي مريضة لقصدها إبطال حقه وإن كانت صحيحة لا يرثها لأنها لا تقتل فلم يتعلق حقه بمالها بالردة بخلاف المرتد

Section V02/P165–V02/P166

قال وإن لحق بدار الحرب مرتدا وحكم الحاكم بلحاقه عتق مدبروه وأمهات أولاده وحلت الديون التي عليه ونقل ما اكتسبه في حال الإسلام إلى ورثته من المسلمين وقال الشافعي رحمه الله يبقى ماله موقوفا كما كان لأنه نوع غيبة فأشبه الغيبة في دار الإسلام ولنا أنه باللحاق صار من أهل الحرب وهم أموات في حق أحكام الإسلام لانقطاع ولاية الإلزام كما هي منقطعة عن الموتى فصار كالموت إلا أنه لا يستقر لحاقه إلا بقضاء القاضي لاحتمال العود إلينا فلا بد من القضاء وإذا تقرر موته ثبتت الأحكام المتعلقة به وهي ما ذكرناها كما في الموت الحقيقي ثم يعتبر كونه وارثا عند لحاقه في قول محمد رحمه الله لأن اللحاق هو السبب والقضاء لتقرره بقطع الاحتمال وقال أبو يوسف رحمه الله وقت القضاء لأنه يصير موتا بالقضاء والمرتدة إذا لحقت بدار الحرب فهي على هذا الخلاف وتقضى الديون التي لزمته في حال الإسلام مما اكتسبه في حال الإسلام وما لزمه في حال ردته من الديون يقضى مما اكتسبه في حال ردته قال العبد الضعيف عصمه الله هذه رواية عن أبي حنيفة رحمه الله وعنه أنه يبدأ بكسب الإسلام وإن لم يف بذلك يقضى من كسب الردة وعنه على عكسه وجه الأول أن المستحق بالسببين مختلف وحصول كل واحد من الكسبين باعتبار السبب الذي وجب به الدين فيقضى كل دين من الكسب المكتسب في تلك الحالة ليكون الغرم بالغنم وجه الثاني أن كسب الإسلام ملكه حتى يخلفه الوارث فيه ومن شرط هذه الخلافة الفراغ عن حق المورث فيقدم الدين عليه أما كسب الردة فليس بمملوك له لبطلان أهلية الملك بالردة عنده فلا يقضى دينه منه إلا إذا تعذر قضاؤه من محل آخر فحينئذ يقضى منه كالذمي إذا مات ولا وارث له يكون ماله لجماعة المسلمين ولو كان عليه دين يقضى منه كذلك ههنا وجه الثالث أن كسب الإسلام حق الورثة وكسب الردة خالص حقه فكان قضاء الدين منه أولى إلا إذا تعذر بأن لم يف به فحينئذ يقضى من كسب الإسلام تقديما لحقه وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تقضى ديونه من الكسبين لأنهما جميعا ملكه حتى يجري الإرث فيهما والله أعلم قال وما باعه أو اشتراه أو أعتقه أو وهبه أو رهنه أو تصرف فيه من أمواله في حال ردته فهو موقوف فإن أسلم صحت عقوده وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطلت وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد يجوز ما صنع في الوجهين اعلم أن تصرفات المرتد على أقسام نافذ بالاتفاق كالاستيلاد والطلاق لأنه لا يفتقر إلى حقيقة الملك وتمام الولاية وباطل بالاتفاق كالنكاح والذبيحة لأنه يعتمد الملة ولا ملة له وموقوف بالاتفاق كالمفاوضة لأنها تعتمد المساواة ولا مساواة بين المسلم والمرتد مالم يسلم

Section V02/P166–V02/P168

ومختلف في توقفه وهو ما عددناه لهما أن الصحة تعتمد الأهلية والنفاذ يعتمد الملك ولا خفاء في وجود الأهلية لكونه مخاطبا وكذا الملك لقيامه قبل موته على ما قررناه من قبل ولهذا لو ولد له ولد بعد الردة لستة أشهر من امرأة مسلمة يرثه ولو مات ولده بعد الردة قبل الموت لا يرثه فيصح تصرفاته قبل المدة إلا أن عند أبي يوسف رحمه الله تصح كما تصح من الصحيح لأن الظاهر عوده إلى الإسلام إذ الشبهة تزاح فلا يقتل وصار كالمرتدة وعند محمد رحمه الله تصح كما تصح من المريض لأن من انتحل إلى نحلة لا سيما معرضا عما نشأ عليه قلما يتركه فيفضي إلى القتل ظاهرا بخلاف المرتدة لأنها لا تقتل ولأبي حنيفة رحمه الله أنه حربي مقهور تحت أيدينا على ما قررناه في توقف الملك وتوقف التصرفات بناء عليه وصار كالحربي يدخل دارنا بغير أمان فيؤخذ ويقهر وتتوقف تصرفاته لتوقف حاله فكذا المرتد واستحقاقه القتل لبطلان سبب العصمة في الفصلين فأوجب خللا في الأهلية بخلاف الزاني وقاتل العمد لأن الاستحقاق في ذلك جزاء على الجناية وبخلاف المرأة لأنها ليست حربية ولهذا لا تقتل فإن عاد المرتد بعد الحكم بلحاقه بدار الحرب إلى دار الإسلام مسلما فما وجده في يد ورثته من ماله بعينه أخذه لأن الوارث إنما يخلفه فيه لاستغنائه وإذا عاد مسلما احتاج إليه فيقدم عليه بخلاف ما إذا أزاله الوارث عن ملكه وبخلاف أمهات أولاده ومدبريه لأن القضاء قد صح بدليل مصحح فلا ينقض ولو جاء مسلما قبل أن يقضي القاضي بذلك فكأنه لم يزل مسلما لما ذكرنا وإذا وطئ المرتد جارية نصرانية كانت له في حالة الإسلام فجاءت بولد لأكثر من ستة أشهر منذ ارتد فادعاه فهي أم ولد له والولد حر وهو ابنه ولا يرثه وإن كانت الجارية مسلمة ورثه الابن إن مات على الردة أو لحق بدار الحرب أما صحة الاستيلاد فلما قلنا وأما الإرث فلأن الأم إذا كانت نصرانية والولد تبع له لقربه إلى الإسلام للجبر عليه فصار في حكم المرتد والمرتد لا يرث المرتد أما إذا كانت مسلمة فالولد مسلم تبعا لها لأنها خيرهما دينا والمسلم يرث المرتد وإذا لحق المرتد بماله بدار الحرب ثم ظهر على ذلك المال فهو فيء فإن لحق ثم رجع وأخذ مالا وألحقه بدار الحرب فظهر على ذلك المال فوجدته الورثة قبل القسمة رد عليهم لأن الأول مال لم يجر فيه الإرث والثاني انتقل إلى الورثة بقضاء القاضي بلحاقه فكان الوارث مالكا قديما وإذا لحق المرتد بدار الحرب وله عبد فقضى به لابنه وكاتبه الابن ثم جاء المرتد مسلما فالكتابة جائزة والمكاتبة والولاء للمرتد الذي أسلم لأنه لا وجه إلى بطلان الكتابة لنفوذها بدليل منفذ فجعلنا الوارث الذي هو خلفه كالوكيل من جهته وحقوق العقد فيه ترجع إلى الموكل والولاء لمن يقع العتق عنه وإذا قتل المرتد رجلا خطأ ثم لحق بدار الحرب أو قتل على ردته فالدية في مال اكتسبه في حال الإسلام خاصة عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا الدية فيما اكتسبه في حالة الإسلام والردة جميعا لأن العواقل لا تعقل المرتد لانعدام النصرة فتكون في ماله وعندهما الكسبان جميعا ماله لنفوذ تصرفاته في الحالين ولهذا يجري الإرث فيهما عندهما وعنده ماله المكتسب في الإسلام لنفاذ تصرفه فيه دون المكسوب في الردة لتوقف تصرفه ولهذا كان الأولى ميراثا عنه والثاني فيئا عنده

Section V02/P168–V02/P169

وإذا قطعت يد المسلم عمدا فارتد والعياذ بالله ثم مات على ردته من ذلك أو لحق بدار الحرب ثم جاء مسلما فمات من ذلك فعلى القاطع نصف الدية في ماله للورثة أما الأول فلأن السراية حلت محلا غير معصوم فأهدرت بخلاف ما إذا قطعت يد المرتد ثم أسلم فمات من ذلك لأن الإهدار لا يحلقه الاعتبار أما المعتبر فقد يهدر بالإبراء فكذا بالردة وأما الثاني وهو ما إذا لحق ومعناه إذا قضى بلحاقه فلأنه صار ميتا تقديرا والموت يقطع السراية وإسلامه حياة حادثة في التقدير فلا يعود حكم الجناية الأولى فإذا لم يقض القاضي بلحاقه فهو على الخلاف الذي نبينه إن شاء الله تعالى قال فإن لم يلحق وأسلم ثم مات فعليه الدية كاملة وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد وزفر في جميع ذلك نصف الدية لأن اعتراض الردة أهدر السراية فلا ينقلب بالإسلام إلى الضمان كما إذا قطع يد مرتد فأسلم ولهما أن الجناية وردت على محل معصوم وتمت فيه فيجب ضمان النفس كما إذا لم تتخلل الردة وهذا لأنه لا معتبر بقيام العصمة في حال بقاء الجناية وإنما المعتبر قيامها في حال انعقاد السبب وفي حال ثبوت الحكم وحالة البقاء بمعزل من ذلك كله وصار كقيام الملك في حال بقاء اليمين وإذا ارتد المكاتب ولحق بدار الحرب واكتسب مالا فأخذ بماله وأبى أن يسلم فقتل فإنه يوفي مولاه مكاتبته وما بقي فلورثته وهذا ظاهر على أصلهما لأن كسب الردة ملكه إذا كان حرا فكذا إذا كان مكاتبا وأما عند أبي حنيفة فلأن المكاتب إنما يملك أكسابه بالكتابة والكتابة لا تتوقف بالردة فكذا أكسابه ألا ترى أنه لا يتوقف تصرفه بالأقوى وهو الرق فكذا بالأدنى بطريق الأولى وإذا ارتد الرجل وامرأته والعياذ بالله ولحقا بدار الحرب فحبلت المرأة في دار الحرب وولدت ولدا وولد لولدهما ولد فظهر عليهم جميعا فالولدان فيء لأن المرتدة تسترق فيتبعها ولدها ويجبر الولد الأول على الإسلام ولا يجبر ولد الولد وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يجبر تبعا للجد وأصله التبعية في الإسلام وهي رابعة أربع مسائل كلها على الروايتين والثانية صدقة الفطر والثالثة جر الولاء والأخرى الوصية بالقرابة قال وارتداد الصبي الذي يعقل ارتداد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ويجبر على الإسلام ولا يقتل وإسلامه إسلام لا يرث أبويه إن كانا كافرين وقال أبو يوسف ارتداده ليس بارتداد وإسلامه إسلام وقال زفر والشافعي رحمهما الله إسلامه ليس بإسلام وارتداده ليس بارتداد لهما في الإسلام أنه تبع لأبويه فيه فلا يجعل أصلا ولأنه يلزمه أحكاما تشوبها المضرة فلا يؤهل له ولنا فيه أن عليا رضي الله عنه أسلم في صباه وصحح النبي عليه الصلاة والسلام إسلامه وافتخاره بذلك مشهور ولأنه أتى بحقيقة الإسلام وهي التصديق والإقرار معه لأن الإقرار عن طوع دليل على الإعتقاد على ما عرف والحقائق لا ترد وما يتعلق به سعادة أبدية ونجاة عقباوية وهي من أجل المنافع وهو الحكم الأصلي ثم يبتنى عليه غيرها فلا يبالي بشوبه ولهم في الردة أنها مضرة محضة بخلاف الإسلام على أصل أبي يوسف رحمه الله لأنه تعلق به أعلى المنافع على ما مر ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فيها أنها موجودة حقيقة ولا مرد للحقيقة كما قلنا في الإسلام إلا أنه يجبر على الإسلام لما فيه من النفع له ولا يقتل لأنه عقوبة والعقوبات موضوعة عن الصبيان مرحمة عليهم وهذا في الصبي الذي يعقل ومن لا يعقل من الصبيان لا يصح ارتداده لأن إقراره لا يدل على تغير العقيدة وكذا المجنون والسكران الذي لا يعقل والله أعلم بالصواب 2 باب البغاة 2

Section V02/P169–V02/P171

وإذا تغلب قوم من المسلمين على بلد وخرجوا من طاعة الإمام دعاهم إلى العود إلى الجماعة وكشف عن شبهتهم لأن عليا رضي الله عنه فعل كذلك بأهل حروراء قبل قتالهم ولأنه أهون الأمرين ولعل الشر يندفع به فيبدأ به ولا يبدأبقتال حتى يبدءوه فإن بدءوه قاتلهم حتى يفرق جمعهم قال العبد الضعيف هكذا ذكره القدوري رحمه الله في مختصره وذكر الإمام المعروف بخواهر زاده رحمه الله أن عندنا يجوز أن يبدأ بقتالهم إذا تعسكروا واجتمعوا وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز حتى يبدءوا بالقتال حقيقة لأنه لا يجوز قتل المسلم إلا دفعا وهم مسلمون بخلاف الكافر لأن نفس الكفر مبيح عنده ولنا أن الحكم يدار على الدليل وهو الإجتماع والإمتناع وهذا لأنه لو انتظر الإمام حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه الدفع فيدار على الدليل ضرورة دفع شرهم وإذا بلغه أنهم يشترون السلاح ويتأهبون للقتال ينبغي أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك ويحدثوا توبة دفعا للشر بقدر الإمكان والمروي عن أبي حنيفة رحمه الله من لزوم البيت محمول على حال عدم الإمام أما إعانة الإمام الحق فمن الواجب عند الغناء والقدرة فإن كانت لهم فئة أجهز على جريحهم وأتبع موليهم دفعا لشرهم كيلا يلتحقوا بهم وإن لم يكن لهم فئة لم يجهز على جريحهم ولم يتبع موليهم لاندفاع الشر دونه وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز ذلك في الحالين لأن القتال إذا تركوه لم يبق قتلهم دفعا وجوابه ما ذكرناه أن المعتبر دليله لا حقيقته ولا يسبى لهم ذرية ولا يقسم لهم مال لقول علي رضي الله عنه يوم الجمل ولا يقتل أسير ولا يكشف ستر ولا يؤخذ مال وهو القدرة في هذا الباب وقوله في الأسير تأويله إذا لم يكن لهم فئة فإن كانت يقتل الإمام الأسير وإن شاء حبسه لما ذكرنا ولأنهم مسلمون والإسلام يعصم النفس والمال ولا بأس بأن يقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز والكراع على هذا الخلاف له أنه مال مسلم فلا يجوز الانتفاع به إلا برضاه ولنا أن عليا رضي الله عنه قسم السلاح فيما بين أصحابه بالبصرة وكانت قسمته للحاجة لا للتمليك ولأن للإمام أن يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة ففي مال الباغي أولى والمعنى فيه إلحاق الضرر الأدنى لدفع الأعلى ويحبس الإمام أموالهم فلا يردها عليهم ولا يقسمها حتى يتوبوا فيردها عليهم أما عدم القسمة فلما بيناه وأما الحبس فلدفع شرهم بكسر شوكتهم ولهذا يحبسها عنهم وإن كان لا يحتاج إليها إلا أنه يبيع الكراع لأن حبس الثمن أنظر وأيسر وأما الرد بعد التوبة فلاندفاع الضرورة ولا استغنام فيها قال وما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر لم يأخذه الإمام ثانيا لأن ولاية الأخذ له باعتبار الحماية ولم يحمهم فإن كانوا صرفوه في حقه أجزأ من أخذ منه لوصول الحق إلى مستحقه وإن لم يكونوا صرفوه في حقه فعلى أهله فيما بينهم وبين الله تعالى أن يعيدوا ذلك لأنه لم يصل إلى مستحقه قال العبد الضعيف رحمه الله قالوا الإعادة عليهم في الخراج لأنهم مقاتلة فكانوا مصارف وإن كانوا أغنياء وفي العشر إن كانوا فقراء فكذلك لأنه حق الفقراء وقد بيناه في الزكاة وفي المستقبل يأخذه الإمام لأنه يحميهم فيه لظهور ولايته ومن قتل رجلا وهما من عسكر أهل البغي ثم ظهر عليهم فليس عليهم شيء لأنه لا ولاية لإمام العدل حين القتل فلم ينعقد موجبا كالقتل في دار الحرب وإن غلبوا على مصر فقتل رجل من أهل المصر رجلا من أهل المصر عمدا ثم ظهر على المصر فإنه يقتص منه وتأويله إذا لم يجر على أهله أحكامهم وأزعجوا قبل ذلك وفي ذلك لم تنقطع ولاية الإمام فيجب القصاص

Section V02/P171–V02/P172

وإذا قتل رجل من أهل العدل باغيا فإنه يرثه فإن قتله الباغي وقال قد كنت على حق وأنا الآن على حق ورثه وإن قال قتلته وأنا أعلم أني على الباطل لم يرثه وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا يرث الباغي في الوجهين وهو قول الشافعي رحمه الله وأصله أن العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن ولا يأثم لأنه مأمور بقتالهم دفعا لشرهم والباغي إذا قتل العادل لا يجب الضمان عندنا ويأثم وقال الشافعي رحمه الله في القديم إنه يجب وعلى هذا الخلاف إذا تاب المرتد وقد أتلف نفسا أو مالا له أنه أتلف مالا معصوما أو قتل نفسا معصومة فيجب الضمان اعتبارا بما قبل المنعة ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم رواه الزهري رحمه الله ولأنه أتلف عن تأويل فاسد والفاسد منه ملحق بالصحيح إذا ضمت إليه المنعة في حق الدفع كما في منعة أهل الحرب وتأويلهم وهذا لأن الأحكام لا بد فيها من الإلزام أو الإلتزام ولا التزام لاعتقاد الإباحة عن تأويل ولا إلزام لعدم الولاية لوجود المنعة والولاية باقية قبل المنعة وعند عدم التأويل ثبت الالتزام اعتقادا بخلاف الإثم لأنه لا منعة في حق الشارع إذا ثبت هذا فنقول قتل العادل الباغي قتل بحق فلا يمنع الإرث ولأبي يوسف رحمه الله في قتل الباغي العادل أن التأويل الفاسد إنما يعتبر في حق الدفع والحاجة ههنا إلى استحقاق الإرث فلا يكون التأويل معتبرا في حق الإرث ولهما فيه أن الحاجة إلى دفع الحرمان أيضا إذ القرابة سبب الإرث فيعتبر الفاسد فيه إلا أن من شرطه بقاءه على ديانته فإذا قال كنت على الباطل لم يوجد الدافع فوجب الضمان قال ويكره بيع السلاح من أهل الفتنة وفي عساكرهم لأنه إعانة على المعصية وليس ببيعه بالكوفة من أهل الكوفة ومن لم يعرفه من أهل الفتنة بأس لأن الغلبة من الأمصار لأهل الصلاح وإنما يكره بيع نفس السلاح لا بيع مالا يقاتل به إلا بصنعة ألا ترى أنه يكره بيع المعازف ولا يكره بيع الخشب وعلى هذا الخمر مع العنب والله أعلم بالصواب 1 كتاب اللقيط 1 اللقيط سمي به باعتبار مآله لما أنه يلقط والالتقاط مندوب إليه لما فيه من إحيائه وإن غلب على ظنه ضياعه فواجب قال اللقيط حر لأن الأصل في بني آدم إنما هو الحرية وكذا الدار دار الأحرار ولأن الحكم للغالب ونفقته في بيت المال هو المروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما ولأنه مسلم عاجز عن التكسب ولا مال له ولا قرابة فأشبه المقعد الذي لا مال له ولا قرابة ولأن ميراثه لبيت المال والخراج بالضمان ولهذا كانت جنايته فيه والملتقط متبرع في الإنفاق عليه لعدم الولاية إلا أن يأمره القاضي به ليكون دينا عليه لعموم الولاية قال فإن التقطه رجل لم يكن لغيره أن يأخذه منه لأنه ثبت حق الحفظ له لسبق يده فإن ادعى مدع أنه ابنه فالقول قوله معناه إذا لم يدع الملتقط نسبه وهذا استحسان والقياس أن لا يقبل قوله لأنه يتضمن إبطال حق الملتقط وجه الاستحسان أنه إقرار للصبي بما ينفعه لأنه يتشرف بالنسب ويعير بعدمه ثم قيل يصح في حقه دون إبطال يد الملتقط وقيل يبتنى عليه بطلان يده ولو ادعاه الملتقط قيل يصح قياسا واستحسانا والأصح أنه على القياس والاستحسان وقد عرف في الأصل وإن ادعاه اثنان ووصف أحدهما علامة في جسده فهو أولى به لأن الظاهر شاهد له لموافقة العلامة كلامه وإن لم يصف أحدهما علامة فهو ابنهما لاستوائهما في السبب ولو سبقت دعوة أحدهما فهو ابنه لأنه ثبت حقه في زمان لا منازع له فيه إلا إذا أقام الآخر البينة لأن البينة أقوى

Section V02/P172–V02/P174

وإذا وجد في مصر من أمصار المسلمين أو في قرية من قراهم فادعى ذمي أنه ابنه ثبت نسبه منه وكان مسلما وهذا استحسان لأن دعواه تضمن النسب وهو نافع للصغير وإبطال الإسلام ثابت بالدار وهو يضره فصحت دعوته فيما ينفعه دون ما يضره وإن وجد في قرية من قرى أهل الذمة أو في بيعة أو كنيسة كان ذميا وهذا الجواب فيما إذا كان الواجد ذميا رواية واحدة وإن كان الواجد مسلما في هذا المكان أو ذميا في مكان المسلمين اختلفت الرواية فيه ففي رواية كتاب اللقيط اعتبر المكان لسبقه وفي كتاب الدعوى في بعض النسخ اعتبر الواجد وهو رواية ابن سماعة عن محمد رحمه الله لقوة اليد ألا ترى أن تبعية الأبوين فوق تبعية الدار حتى إذا سبي مع الصغير أحدهما يعتبر كافرا وفي بعض نسخه اعتبر الإسلام نظرا للصغير ومن ادعى أن اللقيط عبده لم يقبل منه لأنه حر ظاهرا إلا أن يقيم البينة أنه عبده فإن ادعى عبد أنه ابنه ثبت نسبه منه لأنه ينفعه وكان حرا لأن المملوك قد تلد له الحرة فلا تبطل الحرية الظاهرة بالشك والحر في دعوته اللقيط أولى من العبد والمسلم أولى من الذمي ترجيحا لما هو الأنظر في حقه وإن وجد مع اللقيط مال مشدود عليه فهو له اعتبارا للظاهر وكذا إذا كان مشدودا على دابة وهو عليها لما ذكرنا ثم يصرفه الواجد إليه بأمر القاضي لأنه مال ضائع وللقاضي ولاية صرف مثله إليه وقيل يصرفه بغير أمر القاضي لأنه للقيط ظاهرا وله ولاية الإنفاق وشراء مالا بد له منه كالطعام والكسوة لأنه من الإنفاق ولا يجوز تزويج الملتقط لانعدام سبب الولاية من القرابة والملك والسلطنة قال ولا تصرفه في مال الملتقط اعتبارا بالأم وهذا لأن ولاية التصرف لتثمير المال وذلك يتحقق بالرأي الكامل والشفقة الوافرة والموجود في كل واحد منهما أحدهما قال ويجوز أن يقبض له الهبة لأنه نفع محض ولهذا يملكه الصغير بنفسه إذا كان عاقلا وتملكه الأم ووصيها قال ويسلمه في صناعة لأنه من باب تثقيفه وحفظ حاله قال ويؤاجره قال العبد الضعيف وهذا رواية القدوري في مختصره وفي الجامع الصغير لا يجوز أن يؤاجره ذكره في الكراهية وهو الأصح وجه الأول أنه يرجع إلى تثقيفه ووجه الثاني أنه لا يملك إتلاف منافعه فأشبه العم بخلاف الأم لأنها تملكه على ما نذكره في الكراهية إن شاء الله تعالى والله أعلم بالصواب 1 كتاب اللقطة 1 قال اللقطة أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها لأن الأخذ على هذا الوجه مأذون فيه شرعا بل هو الأفضل عند عامة العلماء وهو الواجب إذا خاف الضياع على ما قالوا وإذا كان كذلك لا تكون مضمونة عليه وكذلك إذا تصادقا أنه أخذها للمالك لأن تصادقهما حجة في حقهما فصار كالبينة ولو أقر أنه أخذها لنفسه يضمن بالإجماع لأنه أخذ مال غيره بغير إذنه وبغير إذن الشرع وإن لم يشهد الشهود عليه وقال الآخذ أخذته للمالك وكذبه المالك يضمن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا يضمن والقول قوله لأن الظاهر شاهد له لاختياره الحسبة دون المعصية ولهما أنه أقر بسبب الضمان وهو أخذ مال الغير وادعى ما يبرئه وهو الأخذ لمالكه وفيه وقع الشك فلا يبرأوما ذكر من الظاهر يعارضه مثله لأن الظاهر أن يكون المتصرف عاملا لنفسه ويكفيه في الإشهاد أن يقول من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي واحدة كانت اللقطة أو أكثر لأنه اسم جنس قال فإن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أياما وإن كانت عشرة فصاعدا عرفها حولا

Section V02/P174–V02/P176

قال العبد الضعيف وهذه رواية عن أبي حنيفة رحمه الله وقوله أياما معناه على حسب ما يرى وقدره محمد رحمه الله في الأصل بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله لقوله عليه الصلاة والسلام من التقط شيئا فليعرفه سنة من غير فصل وجه الأول أن التقدير بالحول ورد في لقطة كانت مائة دينار تساوي ألف درهم والعشرة وما فوقها في معنى الألف في تعلق القطع به في السرقة وتعلق استحلال الفرج به وليست في معناها في حق تعلق الزكاة فأوجبنا التعريف بالحول احتياطا وما دون العشرة ليس في معنى الألف بوجه ما ففوضنا إلى رأي المبتلى به وقيل الصحيح أن شيئا من هذه المقادير ليس بلازم ويفوض إلى رأي الملتقط يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك ثم يتصدق بها وإن كانت اللقطة شيئا لا يبقى عرفه حتى إذا خاف أن يفسد تصدق به وينبغي أن يعرفها في الموضع الذي أصابها وفي الجامع فإن ذلك أقرب إلى الوصول إلى صاحبها وإن كانت اللقطة شيئا يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان يكون إلقاؤه إباحة حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف ولكنه مبقى على ملك مالكه لأن التمليك من المجهول لا يصح قال فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها إيصالا للحق إلى المستحق وهو واجب بقدر الإمكان وذلك بإيصال عينها عند الظفر بصاحبها وإيصال العوض وهو الثواب على اعتبار إجازة التصدق بها وإن شاء أمسكها رجاء الظفر بصاحبها قال فإن جاء صاحبها يعني بعد ما تصدق بها فهو بالخيار إن شاء أمضى الصدقة وله ثواها لأن التصدق وإن حصل بإذن الشرع لم يحصل بإذنه فتيوقف على إجازته والملك يثبت للفقير قبل الإجازة فلا يتوقف على قيام المحل بخلاف بيع الفضولي لثبوته بعد الإجازة فيه وإن شاء ضمن الملتقط لأنه سلم ماله إلى غيره بغير إذنه إلا أنه بإباحة من جهة الشرع وهذا لا ينافي الضمان حقا للعبد كما في تناول مال الغير حالة المخمصة وإن شاء ضمن المسكين إذا هلك في يده لأنه قبض ماله بغير إذنه وإن كان قائما أخذه لأنه وجد عين ماله قال ويجوز الالتقاط في الشاة والبقر والبعير وقال مالك والشافعي رحمهما الله إذا وجد البعير والبقر في الصحراء فالترك أفضل وعلى هذا الخلاف الفرس لهما أن الأصل في أخذ مال الغير الحرمة والإباحة مخافة الضياع وإذا كان معها ما تدفع عن نفسها يقل الضياع ولكنه يتوهم فيقضي بالكراهة والندب إلى الترك ولنا أنها لقطة يتوهم ضياعها فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لأموال الناس كما في الشاة فإن أنفق الملتقط عليها بغير إذن الحاكم فهو متبرع لقصور ولايته عن ذمة المالك وإن أنفق بأمره كان ذلك دينا على صاحبها لأن للقاضي ولاية في مال الغائب نظرا له وقد يكون النظر في الإنفاق على ما نبين وإذا رفع ذلك إلى الحاكم نظر فيه فإن كان للبهيمة منفعة آجرها وأنفق عليها من أجرتها لأن فيه إبقاء العين على ملكه من غير إلزام الدين عليه وكذلك يفعل بالعبد الآبق وإن لم تكن لها منفعة وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وأمر بحفظ ثمنها إبقاء له معنى عند تعذر إبقائه صورة وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن في ذلك وجعل النفقة دينا على مالكها لأنه نصب ناظرا وفي هذا نظر من الجانبين قالوا إنما يأمر بالإنفاق يومين أو ثلاثة أيام على قدر ما يرى رجاء أن يظهر مالكها فإذا لم يظهر يأمر ببيعها لأن دارة النفقة مستأصلة فلا نظر في الإنفاق مدة مديدة

Section V02/P176–V02/P177

قال رضي الله عنه وفي الأصل شرط إقامة البينة وهو الصحيح لأنه يحتمل أن يكون غصبا في يده فلا يأمر فيه بالإنفاف وإنما يأمر به في الوديعة فلا بد من البينة لكشف الحال وليست البينة تقام للقضاء وإن قال لا بينة لي يقول القاضي له أنفق عليه إن كنت صادقا فيما قلت حتى ترجع على المالك إن كان صادقا ولا يرجع إن كان غاصبا وقوله في الكتاب وجعل النفقة دينا على صاحبها إشارة إلى أنه إنما يرجع على المالك بعد ما حضر ولم تبع اللقطة إذا شرط القاضي الرجوع على المالك وهذه رواية وهو الأصح قال وإذا حضر يعني المالك فللملتقط أن يمنعها منه حتى يحضر النفقة لأنه حي بنفقته فصار كأنه استفاد الملك من جهته فأشبه المبيع وأقرب من ذلك راد الآبق فإن له الحبس لاستيفاء الجعل لما ذكرنا ثم لا يسقط دين النفقة بهلاكه في يد الملتقط قبل الحبس ويسقط إذا هلك بعد الحبس لأنه يصير بالحبس شبيه الرهن قال ولقطة الحل والحرم سواء وقال الشافعي يجب التعريف في لقطة الحرم إلى أن يجيء صاحبها لقوله عليه الصلاة والسلام في الحرم ولا يحل لقطتها إلا لمنشد ولنا قوله عليه الصلاة والسلام اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة من غير فصل ولأنها لقطة وفي التصدق بعد مدة التعريف إبقاء ملك المالك من وجه فيملكه كما في سائرها وتأويل ما روي أنه لا يحل الالتقاط إلا للتعريف والتخصيص بالحرم لبيان أنه لا يسقط التعريف فيه لمكان أنه للغرباء ظاهرا قال وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم ندفع إليه حتى يقيم البينة فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه ولا يجبر على ذلك في القضاء وقال مالك والشافعي يجبر والعلامة مثل أن يسمي وزن الدراهم وعددها ووكاءها ووعاءها لهما أن صاحب اليد ينازعه في اليد ولا ينازعه في الملك فيشترط الوصف لوجود المنازعة من وجه ولا تشترط إقامة البينة لعدم المنازعة من وجه ولنا أن اليد حق مقصود كالملك فلا يستحق إلا بحجة وهو البينة اعتبارا بالملك إلا أنه يحل له الدفع عند إصابة العلامة لقوله عليه الصلاة والسلام فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها فادفعها إليه وهذا للإباحة عملا بالمشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي الحديث ويأخذ منه كفيلا إذا كان يدفعها إليه استيثاقا وهذا بلا خلاف لأنه يأخذ الكفيل لنفسه بخلاف التكفيل لوارث غائب عنده وإذا صدق قيل لا يجبر على الدفع كالوكيل بقبض الوديعة إذا صدقه وقيل يجبر لأن المالك ههنا غير ظاهر والمودع مالك ظاهرا ولا يتصدق باللقطة على غني لأن المأمور به هو التصدق لقوله عليه الصلاة والسلام فإن لم يأت يعني صاحبها فليتصدق به والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة وإن كان الملتقط غنيا لم يجز له أن ينتفع بها وقال الشافعي رحمه الله يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي رضي الله عنه فإن جاء صاحبها فادفعها إليه وإلا فانتفع بها وكان من المياسير ولأنه إنما يباح للفقير حملا له على رفعها صيانة لها والغني يشاركه فيه ولنا أنه مال الغير فلا يباح الانتفاع به إلا برضاه لإطلاق النصوص والإباحة للفقير لما رويناه أو بالإجماع فيبقى ما وراءه على الأصلي والغني محمول على الأخذ لاحتمال افتقاره في مدة التعريف والفقير قد يتوانى لاحتمال استغنائه فيها وانتفاع أبي رضي الله عنه كان بإذن الإمام وهو جائز بإذنه وإن كان الملتقط فقيرا فلا بأس بأن ينتفع بها لما فيه من تحقيق النظر من الجانبين ولهذا جاز الدفع إلى فقير غيره وكذا إذا كان الفقير أباه أو ابنه أو زوجته وإن كان هو غنيا لما ذكرنا والله أعلم 1 كتاب الإباق 1