İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)
واختلف قول مالك في إجازة السلف والشركة فمرة أجاز ذلك ومرة منعه وهذه كلها اختلف العلماء فيها لاختلافهم بالأقل والأكثر في وجود علل المنع فيها المنصوص عليها فمن قويت عنده علة المنع في مسألة منها منعها ومن لم تقو عنده أجازها وذلك راجع إلى ذوق المجتهد لأن هذه المواد يتجاذب القول فيها إلى الضدين على السواء عند النظر فيها ولعل في أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل مجتهد صوابا ولهذا ذهب بعض العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير الباب الخامس في البيوع المنهي عنها من أجل الضرر أو الغبن والمسموع من هذا الباب ما ثبت من نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه وعن أن يسوم أحد على سوم أخيه ونهيه عن تلقي الركبان ونهيه عن أن يبيع حاضر لباد ونهيه عن النجش وقد اختلف العلماء في تفصيل معاني هذه الآثار اختلافا ليس بمتباعد فقال مالك معنى قوله عليه الصلاة والسلام لا يبع بعضكم على بيع بعض ومعنى نهيه عن أن يسوم أحد على سوم أخيه واحد وهي في الحالة التي إذا ركن البائع فيها إلى السائم ولم يبق بينهما إلا شيء يسير مثل اختيار الذهب أو اشتراط العيوب أو البراءة منها وبمثل تفسير مالك فسر أبو حنيفة هذا الحديث وقال الثوري معنى لا يبع بعضكم على بيع بعض أن لا يطرأ رجل آخر على المتبايعين فيقول عندي خير من هذه السلعة ولم يحد وقت ركون ولا غيره وقال الشافعي معنى ذلك إذا تم البيع باللسان ولم يفترقا فأتى أحد يعرض عليه سلعة له هي خير منها وهذا بناء على مذهبه في أن البيع إنما يلزم بالافتراق فهو ومالك متفقان على أن النهي إنما يتناول حالة قرب لزوم البيع على ما سنذكره بعد وفقهاء الأمصار على أن هذا البيع يكره وإن وقع مضى لأنه سوم على بيع لم يتم وقال داود وأصحابه إن وقع فسخ في أي حالة وقع تمسكا بالعموم وروي عن مالك وعن بعض أصحابه فسخه ما لم يفت وأنكر ابن الماجشون ذلك في البيع فقال وإنما قال بذلك مالك في النكاح وقد تقدم ذلك واختلفوا في دخول الذمي في النهي عن سوم غيره فقال الجمهور لا فرق في ذلك بين الذمي وغيره وقال الأوزاعي لا بأس بالسوم على سوم الذمي لأنه ليس بأخي المسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يسم أحد على سوم أخيه ومن هنا منع قوم بيع المزايدة وإن كان الجمهور على جوازه وسبب الخلاف بينهم هل يحمل هذا النهي على الكراهة أو على الحظر ثم إذا حمل على الحظر فهل يحمل على جميع الأحوال أو في حالة دون حالة فصل وأما نهيه عن تلقي الركبان للبيع فاختلفوا في مفهوم النهي ما هو فرأى مالك أن المقصود بذلك أهل الأسواق لئلا ينفرد المتلقي برخص السلعة دون أهل الأسواق ورأى أنه لا يجوز أن يشتري أحد سلعة حتى تدخل السوق هذا إذا كان التلقي قريبا فإن كان بعيدا فلا بأس به وحد القرب في المذهب بنحو من ستة أميال ورأى أنه إن وقع جاز ولكن يشرك المشتري أهل الأسواق في تلك السلعة التي من شأنها أن يكون ذلك سوقها وأما الشافعي فقال إن المقصود بالنهي إنما هو لأجل البائع لئلا يغبنه المتلقي لأن البائع يجهل سعر البلد وكان يقول إذا وقع فرب السلعة بالخيار إن شاء أنفذ البيع أو رده ومذهب الشافعي هو نص في حديث أبي هريرة الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام لا تتلقوا الجلب فمن تلقى منه شيئا فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق أخرجه مسلم وغيره فصل وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الحاضر للباد فاختلف العلماء في معنى ذلك فقال قوم لا يبع أهل الحضر لأهل البادية قولا واحدا واختلف عنه في شراء الحضري للبدوي فمرة أجازه وبه قال ابن حبيب
ومرة منعه وأهل الحضر عنده هم أهل الأمصار وقد قيل عنه إنه لا يجوز أن يبيع أهل القرى لأهل العمود المنتقلين وبمثل قول مالك قال الشافعي والأوزاعي وقال أبو حنيفة وأصحابه لا بأس أن يبيع الحاضر للبادي ويخبره بالسعر وكرهه مالك أعني أن يخبر الحضري البادي بالسعر وأجازه الأوزاعي والذين منعوه اتفقوا على أن القصد بهذا النهي هو إرفاق أهل الحضر لأن الأشياء عند أهل البادية أيسر من أهل الحاضرة وهي عندهم أرخص بل أكثر ما يكون مجانا عندهم أي بغير ثمن فكأنهم رأوا أنه يكره أن ينصح الحضري للبدوي وهذا مناقض لقوله عليه الصلاة والسلام الدين النصيحة وبهذا تمسك في جوازه أبو حنيفة وحجة الجمهور حديث جابر عند مسلم وأبو داود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبع حاضر لباد ذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض وهذه الزيادة انفرد بها أبو داود فيما أحسب والأشبه أن يكون من باب غبن البدوي لأنه يرد والسعر مجهول عنده إلا أن تثبت هذه الزيادة ويكون على هذا معنى الحديث معنى النهي عن تلقي الركبان على ما تأوله الشافعي إذا وقع فقد تم وجاز البيع لقوله عليه الصلاة والسلام دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض واختلف في هذا المعنى أصحاب مالك فقال بعضهم يفسخ وقال بعضهم لا يفسخ فصل وأما نهيه عليه الصلاة والسلام عن النجش فاتفق العلماء على منع ذلك وأن النجش هو أن يزيد أحد في سلعة وليس في نفسه شراؤها يريد بذلك أن ينفق البائع ويضر المشتري واختلفوا إذا وقع هذا البيع فقال أهل الظاهر هو فاسد وقال مالك هو كالعيب والمشتري بالخيار إن شاء أن يرد رد وإن شاء أن يمسك أمسك وقال أبو حنيفة والشافعي وإن وقع أتم وجاز البيع وسبب الخلاف هل يتضمن النهي فساد المنهي وإن كان النهي ليس في نفس الشيء بل من خارج فمن قال يتضمن فسخ البيع لم يجزه ومن قال ليس يتضمن أجازه والجمهور على أن النهي عن الربا والغرر إذا ورد لمعنى في المنهي عنه أنه يتضمن الفساد مثل النهي عن الربا والغرر وإذا ورد الأمر من خارج لم يتضمن الفساد ويشبه أن يدخل في هذا الباب نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الماء لقوله عليه الصلاة والسلام في بعض ألفاظه إنه نهى عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ وقال أبو بكر بن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء ونهى عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ وقال لا يمنع وهو بئر ولا بيع ماء واختلف العلماء في تأويل هذا النهي فحمله جماعة من العلماء على عمومه فقالوا لا يحل بيع الماء بحال كان من بئر أو غدير أو عين في أرض مملكة أو غير مملكة غير أنه إن كان متملكا كان أحق بمقدار حاجته منه وبه قال يحيى بن يحيى قال أربع لا أرى أن يمنعن الماء والنار والحطب والكلأ وبعضهم خصص هذه الأحاديث بمعارضة الأصول لها وهو أنه لا يحل مال أحد إلا بطيب نفس منه كما قال عليه الصلاة والسلام وانعقد عليه الإجماع والذين خصصوا هذا المعنى اختلفوا في جهة تخصيصه فقال قوم معنى ذلك أن البئر يكون بين الشريكين يسقي هذا يوما فيروي زرع أحدهما في بعض يومه ولا يروي في اليوم الذي لشريكه زرعه فيجب عليه أن لا يمنع شريكه من الماء بقية ذلك اليوم وقال بعضهم إنما تأويل ذلك في الذي يزرع على مائه فتنهار بئره ولجاره فضل ماء أنه ليس لجاره أن يمنعه فضل مائه إلى أن يصلح بئره والتأويلان قريبان ووجه التأويلين أنهم حملوا المطلق في هذين الحديثين على المقيد وذلك أنه نهى عن بيع الماء مطلقا ثم نهى عن منع فضل الماء فحملوا المطلق في هذا الحديث على المقيد وقالوا الفضل هو الممنوع في الحديثين
وأما مالك فأصل مذهبه أن الماء متى كان في أرض متملكة منيعة فهو لصاحب الأرض له بيعه ومنعه إلا أن يرد عليه قوم لا ثمن معهم ويخاف عليهم الهلاك وحمل الحديث على آبار الصحراء التي تتخذ في الأرضين الغير متملكة فرأى أن صاحبها أعني الذي حفرها أولى بها فإذا روت ماشيته ترك الفضل للناس وكأنه رأى أن البئر لا تتملك بالإحياء ومن هذا الباب التفرقة بين الوالدة وولدها وذلك أنهم اتفقوا على منع التفرقة في المبيع بين الأم وولدها لثبوت قوله عليه الصلاة والسلام من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة واختلفوا من ذلك في موضعين في وقت جواز التفرقة وفي حكم البيع إذا وقع فأما حكم البيع فقال مالك يفسخ وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يفسخ وأثم البائع والمشتري وسبب الخلاف هل النهي يقتضي فساد المنهي إذا كان لعلة من خارج وأما الوقت الذي ينتقل فيه المنع إلى الجواز فقال مالك حد ذلك الإثغار وقال الشافعي حد ذلك سبع سنين أو ثمان وقال الأوزاعي حده فوق عشر سنين وذلك أنه إذا نفع نفسه واستغنى في حياته عن أمه ويلحق بهذا الباب إذا وقع في البيع غبن لا يتغابن الناس بمثله هل يفسخ البيع أم لا فالمشهور في المذهب أن لا يفسخ وقال عبد الوهاب إذا كان فوق الثلث رد وحكاه عن بعض أصحاب مالك وجعله عليه الصلاة والسلام الخيار لصاحب الجلب إذا تلقي خارج المصر دليل على اعتبار الغبن وكذلك ما جعل لمنقذ بن حبان من الخيار ثلاثا لما ذكر أنه يغبن في البيوع ورأى قوم من السلف الأول أن حكم الوالد في ذلك حكم الوالدة وقوم رأوا ذلك في الإخوة الباب السادس في النهي من قبل وقت العبادات وذلك إنما ورد في الشرع في وقت وجوب المشي إلى الجمعة فقط لقوله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع وهذا أمر مجمع عليه فيما أحسب أعني منع البيع عند الأذان الذي يكون بعد الزوال والإمام على المنبر واختلفوا في حكمه إذا وقع هل يفسخ أو لا يفسخ فإن فسخ فعلى من يفسخ وهل يلحق سائر العقود في هذا المعنى بالبيع أم لا يلحق فالمشهور عند مالك أنه يفسخ وقد قيل لا يفسخ وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسبب الخلاف كما قلنا غير ما مرة هل النهي الوارد لسبب من خارج يقتضي فساد المنهي عنه أو لا يقتضيه وأما على من يفسخ فعند مالك على من تجب عليه الجمعة لا على من لا تجب عليه وأما أهل الظاهر فتقتضي أصولهم أن يفسخ على كل بائع وأما سائر العقود فيحتمل أن تلحق بالبيوع لأن فيها المعنى الذي في البيع من الشغل به عن السعي إلى الجمعة ويحتمل أن لا يلحق به لأنها تقع في هذا الوقت نادرا بخلاف البيوع وأما سائر الصلوات فيمكن أن تلحق بالجمعة على جهة الندب لمرتقب الوقت فإذا فات فعلى جهة الحظر وإن كان لم يقل به أحد في مبلغ علمي ولذلك مدح الله تاركي البيوع لمكان الصلاة فقال تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإذ قد أثبتت أسباب الفساد العامة للبيوع فلنصر إلى ذكر الأسباب والشروط المصححة له وهو القسم الثاني من النظر العام في البيوع القسم الثاني والأسباب والشروط المصححة للبيع هي بالجملة ضد الأسباب المفسدة له وهي منحصرة في ثلاثة أجناس النظر الأول في العقد والثاني في المعقود عليه والثالث في العاقدين ففي هذا القسم ثلاثة أبواب الباب الأول في العقد والعقد لا يصح إلا بألفاظ البيع والشراء التي صيغتها ماضية مثل أن يقول البائع قد بعت منك ويقول المشتري قد اشتريت منك وإذا قال له بعني سلعتك بكذا وكذا فقال قد بعتها
فعند مالك أن البيع قد وقع وقد لزم المستفهم إلا أن يأتي في ذلك بعذر وعند الشافعي أنه لا يتم البيع حتى يقول المشتري قد اشتريت وكذلك إذا قال المشتري للبائع بكم تبيع سلعتك فيقول للمشتري بكذا وكذا فقال قد اشتريت منك اختلف هل يلزم البيع أم لا حتى يقول قد بعتها منك وعند الشافعي أنه يقع البيع بالألفاظ الصريحة وبالكناية ولا أذكر لمالك في ذلك قولا ولا يكفي عند الشافعي المعاطاة دون قول ولا خلاف فيما أحسب أن الإيجاب والقبول المؤثرين في اللزوم لا بتراخي أحدهما عن الثاني حتى يفترق المجلس أعني أنه متى قال البائع قد بعت سلعتي بكذا وكذا فسكت المشتري ولم يقبل البيع حتى افترقا ثم أتى بعد ذلك فقال قد قبلت أنه لا يلزم ذلك البائع واختلفوا متى يكون اللزوم فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وطائفة من أهل المدينة إن البيع يلزم في المجلس بالقول وإن لم يفترقا وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم البيع لازم بالافتراق من المجلس وأنهما مهما لم يفترقا فليس يلزم البيع ولا ينعقد وهو قول ابن أبي ذئب في طائفة من أهل المدينة وابن المبارك وسوار القاضي وشريح القاضي وجماعة من التابعين وغيرهم وهو مروي عن ابن عمر وأبي برزة الأسلمي من الصحابة ولا مخالف لهما من الصحابة وعمدة المشترطين لخيار المجلس حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار وفي بعض روايات هذا الحديث إلا أن يقول أحدهما لصاحبه اختر وهذا حديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد وأصحها حتى لقد زعم أبو محمد أن مثل هذا الإسناد يوقع العلم وإن كان من طريق الآحاد وأما المخالفون فقد اضطرب بهم وجه الدليل لمذهبهم في رد العمل بهذا الحديث فالذي اعتمد عليه مالك رحمه الله في رد العمل به أنه لم يلف عمل أهل المدينة عليه مع أنه قد عارضه عنده ما رواه من منقطع حديث ابن مسعود أنه قال أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادان فكأنه حمل هذا على عمومه وذلك يقتضي أن يكون في المجلس وبعد المجلس ولو كان المجلس شرطا في انعقاد البيع لم يكن يحتاج فيه إلى تبيين حكم الاختلاف في المجلس لأن البيع بعد لم ينعقد ولا لزم بل بالافتراق من المجلس وهذا الحديث منقطع ولا يعارض به الأول وبخاصة أنه لا يعارضه إلا مع توهم العموم فيه والأولى أن ينبني هذا على ذلك وهذا الحديث لم يخرجه أحد مسندا فيما أحسب فهذا هو الذي اعتمده مالك رحمه الله في ترك العمل بهذا الحديث وأما أصحاب مالك فاعتمدوا في ذلك على ظواهر سمعية وعلى القياس فمن أظهر الظاهر في ذلك قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود والعقد هو الإيجاب والقبول والأمر على الوجوب وخيار المجلس يوجب ترك الوفاء بالعقد لأن له عندهم أن يرجع في البيع بعد ما أنعم ما لم يفترقا وأما القياس فإنهم قالوا عقد معاوضة فلم يكن لخيار المجلس فيه أثر أصله سائر العقود مثل النكاح والكتابة والخلع والرهون والصلح على دم العمد فلما قيل لهم إن الظواهر التي تحتجون بها يخصصها الحديث المذكور فلم يبق لكم في مقابلة الحديث إلا القياس فيلزمكم على هذا أن تكونوا ممن يرى تغليب القياس على الأثر وذلك مذهب مهجور عند المالكية وإن كان قد روي عن مالك تغليب القياس على السماع مثل قول أبي حنيفة فأجابوا عن ذلك بأن هذا ليس من باب رد الحديث بالقياس ولا تغليب وإنما هو من باب تأويله وصرفه عن ظاهره قالوا وتأويل الظاهر بالقياس متفق عليه عند الأصوليين
قالوا و فيه تأويلان أحدهما أن المتبايعين في الحديث المذكور هما المتساومان اللذان لم ينفذ بينهما البيع فقيل لهم إنه يكون الحديث على هذا لا فائدة فيه لأنه معلوم من دين الأمة أنهما بالخيار إذ لم يقع بينهما عقد بالقول وأما التأويل الآخر فقالوا إن التفرق ههنا إنما هو كناية عن الافتراق بالقول لا التفرق بالأبدان كما قال الله تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته والاعتراض على هذا أن هذا مجاز لا حقيقة والحقيقة هي التفرق بالأبدان ووجه الترجيح أن يقاس بين ظاهر هذا اللفظ والقياس فيغلب الأقوى والحكمة في ذلك هي لموضع الندم فهذه هي أصول الركن الأول الذي هو العقد وأما الركن الثاني الذي هو المعقود عليه فإنه يشترط فيه سلامته من الغرر والربا وقد تقدم المختلف في هذه من المتفق عليه وأسباب الاختلاف في ذلك فلا معنى لتكراره والغرر ينتفي عن الشيء بأن يكون معلوم الوجود معلوم الصفة معلوم القدر مقدورا على تسليمه وذلك في الطرفين الثمن والمثمون معلوم الأجل أيضا إن كان بيعا مؤجلا وأما الركن الثالث وهما العاقدان فإنه يشترط فيهما أن يكونا مالكين تامي الملك أو وكيلين تامي الوكالة بالغين وأن يكونا مع هذا غير محجور عليهما أو على أحدهما إما لحق أنفسهما كالسفيه عند من يرى التحجير عليه أو لحق الغير كالعبد إلا أن يكون العبد مأذونا له في التجارة واختلفوا من هذا في بيع الفضولي هل ينعقد أم لا وصورته أن يبيع الرجل مال غيره بشرط إن رضي به صاحب المال أمضى البيع وإن لم يرض فسخ وكذلك في شراء الرجل للرجل بغير إذنه على أنه إن رضي المشتري صح الشراء وإلا لم يصح فمنعه الشافعي في الوجهين جميعا وأجازه مالك في الوجهين جميعا وفرق أبو حنيفة بين البيع والشراء فقال يجوز في البيع ولا يجوز في الشراء وعمدة المالكية ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى عروة البارقي دينارا وقال اشتر لنا من هذا الجلب شاة قال فاشتريت شاتين بدينار وبعت إحدى الشاتين بدينار وجئت بالشاة والدينار فقلت يا رسول اللههذه شاتكم وديناركم فقال اللهم بارك له في صفقة يمينه ووجه الاستدلال منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع فصار ذلك حجة على أبي حنيفة في صحة الشراء للغير وعلى الشافعي في الأمرين جميعا وعمدة الشافعي النهي الوارد عن بيع الرجل ما ليس عنده والمالكية تحمله على بيعه لنفسه لا لغيره قالوا والدليل على ذلك أن النهي إنما ورد في حكيم بن حزام وقضيته مشهورة وذلك أنه كان يبيع لنفسه ما ليس عنده وسبب الخلاف المسألة المشهورة هل إذا ورد النهي على سبب حمل على سببه أو يعم فهذه هي أصول هذا القسم وبالجملة فالنظر في هذا القسم هو منطوق بالقوة في الجزء الأول ولكن النظر الصناعي الفقهي يقتضي أن يفرد بالتكلم فيه وإذ قد تكلمنا في هذا الجزء بحسب غرضنا فلنظر إلى القسم الثالث وهو القول في الأحكام العامة للبيوع الصحيحة القسم الثالث في الأحكام العامة للبيوع الصحيحة وهذا القسم تنحصر أصوله التي لها تعلق قريب بالمسموع في أربع جمل الجملة الأولى في أحكام وجود العيب في المبيعات والجملة الثانية في الضمان في المبيعات متى ينتقل من ملك البائع إلى ملك المشتري والثالثة في معرفة الأشياء التي تتبع المبيع مما هي موجودة فيه في حين البيع من التي لا تتبعه والرابعة في اختلاف المتبايعين وإن كان الأليق به كتاب الأقضية وكذلك أيضا من أبواب أحكام البيوع الاستحقاق وكذلك الشفعة هي أيضا من الأحكام الطارئة عليه لكن جرت العادة أن يفرد لها كتاب الجملة الأولى وهذه الجملة فيها بابان الباب الأول في أحكام وجود العيوب في البيع المطلق والباب الثاني في أحكامهما في البيع بشرط البراءة الباب الأول في أحكام العيوب في البيع المطلق والأصل في وجود الرد بالعيب قوله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وحديث المصراة المشهور
ولما كان القائم بالعيب لا يخلو أن يقوم في عقد يوجب الرد أو يقوم في عقد لا يوجب ذلك ثم إذا قام في عقد يوجب الرد فلا يخلو أيضا أن يقوم بعيب يوجب حكما أو لا يوجبه ثم إن قام بعيب يوجب حكما فلا يخلو المبيع أيضا أن يكون قد حدث فيه تغير بعد البيع أو لا يكون فإن كان لم يحدث فما حكمه وإن كان حدث فيه فكم أصناف التغييرات وما حكمها كانت الفصول المحيطة بأصول هذا الباب خمسة الفصل الأول في معرفة العقود التي يجب فيها بوجود العيب حكم من التي لا يجب ذلك فيها الثاني في معرفة العيوب التي توجب الحكم وما شرطها الموجب للحكم فيها الثالث في معرفة حكم العيب الموجب إذا كان المبيع لم يتغير الرابع في معرفة أصناف التغييرات الحادثة عند المشتري وحكمها الخامس في القضاء في هذا الحكم عند اختلاف المتبايعين وإن كان أليق بكتاب الأقضية الفصل الأول في معرفة العقود التي يجب فيها بوجود العيب حكم من التي لا يجب فيها أما العقود التي يجب فيها بالعيب حكم بلا خلاف فهي العقود التي المقصود منها المفاوضة كما أن العقود التي ليس المقصود منها المعاوضة لا خلاف أيضا في أنه لا تأثير للعيب فيها كالهبات لغير الثواب والصدقة وأما ما بين هذين الصنفين من العقود أعني ما جمع قصد المكارمة والمعاوضة مثل هبة الثواب فالأظهر في المذهب أنه لا حكم فيها بوجود العيب وقد قيل يحكم به إذا كان العيب مفسدا الفصل الثاني في معرفة العيوب التي توجب الحكم وما شرطها الموجب للحكم فيها وفي هذا الفصل نظران أحدهما في العيوب التي توجب الحكم والنظر الثاني في الشرط الموجب له النظر الأول فأما العيوب التي توجب الحكم فمنها عيوب في النفس ومنها عيوب في البدن وهذه منها ما هي عيوب بأن تشترط أضدادها في المبيع وهي التي تسمى عيوبا من قبل الشرط ومنها ما هي عيوب توجب الحكم وإن لم يشترط وجود أضدادها في المبيع وهذه هي التي فقدها نقص في أصل الخلقة وأما العيوب الأخر فهي التي أضدادها كمالات وليس فقدها نقصا مثل الصنائع وأكثر ما يوجد هذا الصنف في أحوال النفس وقد يوجد في أحوال الجسم والعيوب الجسمانية منها ما هي في أجسام ذوات الأنفس ومنها ما هي في غير ذوات الأنفس والعيوب التي لها تأثير في العقد هي عند الجميع ما نقص عن الخلقة الطبيعية أو عن الخلق الشرعي نقصانا له تأثير في ثمن المبيع وذلك يختلف بحسب اختلاف الأزمان والعوائد والأشخاص فربما كان النقص في الخلقة فضيلة في الشرع كالخفاض في الإماء والختان في العبيد ولتقارب هذه المعاني في شيء شيء مما يتعامل الناس به وقع الخلاف بين الفقهاء في ذلك ونحن نذكر من هذه المسائل ما اشتهر الخلاف فيه بين الفقهاء ليكون ما يحصل من ذلك في نفس الفقيه يعود كالقانون والدستور الذي يعمل عليه فيما لم يجد فيه نصا عمن تقدمه أو فيما لم يقف على نص فيه لغيره فمن ذلك وجود الزنا في العبيد اختلف العلماء فيه فقال مالك والشافعي هو عيب وقال أبو حنيفة ليس بعيب وهو نقص في الخلق الشرعي الذي هو العفة والزواج عند مالك عيب وهو من العيوب العائقة عن الاستعمال وكذلك الدين وذلك أن العيب بالجملة هو ما عاق فعل النفس أو فعل الجسم وهذا العائق قد يكون في الشيء وقد يكون من خارج وقال الشافعي ليس الدين ولا الزواج بعيب فيما أحسب والحمل في الرائعة عيب عند مالك وفي كونه عيبا في الوخش خلاف في المذهب والتصرية عند مالك والشافعي عيب وهو حقن اللبن في الثدي أياما حتى يوهم ذلك أن الحيوان ذو لبن غزير وحجتهم حديث المصراة المشهور وهو قوله صلى الله عليه وسلم لا تصروا الإبل والبقر فمن فعل ذلك فهو بخير النظرين إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر قالوا فأثبت له الخيار بالرد مع التصرية وذلك دال على كونه عيبا مؤثرا
قالوا وأيضا فإنه مدلس فأشبه التدليس بسائر العيوب وقال أبو حنيفة وأصحابه ليست التصرية عيبا للاتفاق على أن الإنسان إذا اشترى شاة فخرج لبنها قليلا أن ذلك ليس بعيب قالوا وحديث المصراة يجب أن لا يوجب عملا لمفارقته الأصول وذلك أنه مفارق للأصول من وجوه فمنها أنه معارض لقوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان وهو أصل متفق عليه ومنها أن فيه معارضة منع بيع طعام بطعام نسيئة وذلك لا يجوز باتفاق ومنها أن الأصل في المتلفات إما القيم وإما المثل وإعطاء صاع من تمر في لبن ليس قيمة ولا مثلا ومنها بيع الطعام المجهول أي الجزاف بالمكيل المعلوم لأن اللبن الذي دلس به البائع غير معلوم القدر وأيضا فإنه يقل ويكثر والعوض ههنا محدود ولكن الواجب أن يستثنى هذا من هذه الأصول كلها لموضع صحة الحديث وهذا كأنه ليس من هذا الباب وإنما هو حكم خاص ولكن اطرد إليه القول فلنرجع إلى حيث كنا فنقول إنه لا خلاف عندهم في العور والعمى وقطع اليد والرجل أنها عيوب مؤثرة وكذلك في المرض في أي عضو كان أو كان في جملة البدن والشيب في المذهب عيب في الرائعة وقيل لا بأس باليسير منه فيها وكذلك الاستحاضة عيب في الرقيق والوخش وكذلك ارتفاع الحيض عيب في المشهور من المذهب والزعر عيب وأمراض الحواس والأعضاء كلها عيب باتفاق وبالجملة فأصل المذهب أن كل ما أثر في القيمة أعني نقص منها فهو عيب والبول في الفراش عيب وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ترد الجارية به ولا يرد العبد به والتأنيث في الذكر والتذكير في الأنثى عيب هذا كله في المذهب إلا ما ذكرنا فيه الاختلاف النظر الثاني وأما شرط العيب الموجب للحكم به فهو أن يكون حادثا قبل أمد التبايع باتفاق أو في العهدة عند من يقول بها فيجب ههنا أن نذكر اختلاف الفقهاء في العهدة فنقول انفرد مالك بالقول بالعهدة دون سائر فقهاء الأمصار وسلفه في ذلك أهل المدينة الفقهاء السبعة وغيرهم ومعنى العهدة أن كل عيب حدث فيها عند المشتري فهو من البائع وهي عند القائلين بها عهدتان عهدة الثلاثة الأيام وذلك من جمع العيوب الحادثة فيها عند المشتري وعهدة السنة وهي من العيوب الثلاثة الجذام والبرص والجنون فما حدث في السنة من هذه الثلاث بالمبيع فهو من البائع وما حدث من غيرها من العيوب كان من ضمان المشتري على الأصل وعهدة الثلاث عند المالكية بالجملة بمنزلة أيام الخيار وأيام الاستبراء والنفقة فيها والضمان من البائع وأما عهدة السنة فالنفقة فيها والضمان من المشتري إلا من الأدواء الثلاثة وهذه العهدة عند مالك في الرقيق وهي أيضا واقعة في أصناف البيوع في كل ما القصد منه المماكسة والمحاكرة وكان بيعا لا في الذمة هذا ما لا خلاف فيه في المذهب واختلف في غير ذلك وعهدة السنة تحسب عنده بعد عهدة الثلاث في الأشهر من المذهب وزمان المواضعة يتداخل مع عهدة الثلاث إن كان زمان المواضعة أطول من عهدة الثلاث وعهدة السنة لا تتداخل مع عهدة الاستبراء هذا هو الظاهر من المذهب وفيه اختلاف وقال الفقهاء السبعة لا يتداخل منها عهدة مع ثانية فعهدة الاستبراء أولا ثم عهدة الثلاث ثم عهدة السنة واختلف أيضا عن مالك هل تلزم العهدة في كل البلاد من غير أن يحمل أهلها عليها فروي عنه الوجهان فإذا قيل لا يلزم أهل هذه البلد إلا أن يكونوا قد حملوا على ذلك فهل يجب أن يحمل عليها أهل كل بلد أم لا فيه قولان في المذهب ولا يلزم النقد في عهدة الثلاث وإن اشترط ويلزم في عهدة السنة والعلة في ذلك أنه يكمل تسليم البيع فيها للبائع قياسا على بيع الخيار لتردد النقد فيها بين السلف والبيع فهذه كلها مشهورات أحكام العهدة في مذهب مالك وهي كلها فروع مبنية على صحة العهدة فلنرجع إلى تقرير حجج المثبتين لها والمبطلين وأما عمدة مالك رحمه الله في العهدة وحجته التي عول عليها فهي عمل أهل المدينة
وأما أصحابه المتأخرون فإنهم احتجوا بما رواه الحسن عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عهدة الرقيق ثلاثة أيام وروى أيضا لا عهدة بعد أربع وروى هذا الحديث أيضا الحسن عن سمرة بن جندب الفزاري رضي الله عنه وكلا الحديثين عند أهل العلم معلول فإنهم اختلفوا في سماع الحسن عن سمرة وإن كان الترمذي قد صححه وأما سائر فقهاء الأمصار فلم يصح عندهم في العهدة أثر ورأوا أنها لو صحت مخالفة للأصول وذلك أن المسلمين مجمعون على أن كل مصيبة تنزل بالمبيع قبل قبضه فهي من المشتري فالتخصيص لمثل هذا الأصل المتقرر إنما يكون بسماع ثابت ولهذا ضعف عند مالك في إحدى الروايتين عنه أن يقضى بها في كل بلد إلا أن يكون ذلك عرفا في البلد أو يشترط وبخاصة عهدة السنة فإنه لم يأت في ذلك أثر وروى الشافعي عن ابن جريج قال سألت ابن شهاب عن عهدة السنة والثلاث فقال ما علمت فيها أمرا سالفا وإذ قد تقرر القول في تمييز العيوب التي توجب حكما من التي لا توجبه وتقرر الشرط في ذلك وهو أن يكون العيب حادثا قبل البيع أو في العهدة عند من يرى العهدة فلنصر إلى ما بقي الفصل الثالث في معرفة حكم العيب الموجب إذا كان المبيع لم يتغير وإذا وجدت العيوب فإن لم يتغير المبيع بشيء من العيوب عند المشتري فلا يخلو أن يكون في عقار أو عروض أو في حيوان فإن كان في حيوان فلا خلاف أن المشتري مخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شيء له وأما إن كان عقار فمالك يفرق في ذلك بين العيب اليسير والكثير فيقول إن كان العيب يسيرا لم يجب الرد ووجبت قيمة العيب وهو الأرش وإن كان كثيرا وجب الرد هذا هو الموجود المشهور في كتب أصحابه ولم يفصل البغداديون هذا التفصيل وأما العروض فالمشهور في المذهب أنها ليست في هذا الحكم بمنزلة الأصول وقد قيل إنها بمنزلة الأصول في المذهب وهذا الذي كان يختاره الفقيه بكر بن رزقجدي رحمة الله عليهما وكان يقول إنه لا فرق في هذا المعنى بين الأصول والعروض وهذا الذي قاله يلزم من يفرق بين العيب الكثير والقليل في الأصول أعني أن يفرق في ذلك أيضا في العروض والأصل أن كل ما حط القيمة أنه يجب به الرد وهو الذي عليه فقهاء الأمصار ولذلك لم يعول البغداديون فيما أحسب على التفرقة التي قلت في الأصول ولم يختلف قولهم في الحيوان أنه لا فرق فيه بين العيب القليل والكثير 2 فصل وإذ قد قلنا إن المشتري يخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شيء له فإن اتفقا على أن يمسك المشتري سلعته ويعطيه البائع قيمة العيب فعامة فقهاء الأمصار يجيزون ذلك إلا ابن سريجمن اصحاب الشافعي فإنه قال ليس لهما ذلك لأنه خيار في مال فلم يكن له إسقاطه بعوض كخيار الشفعة قال القاضي عبد الوهاب وهذا غلط لأن ذلك حق للمشتري فله أن يستوفيه أعني أن يرد ويرجع بالثمن وله أن يعارض على تركه وما ذكره من خيار الشفعة فإنه شاهد لنا فإن له عندنا تركه إلى عوض يأخذه وهذا لا خلاف فيه وفي هذا الباب فرعان مشهوران من قبل التبعيض أحدهما هل إذا اشترى المشتري أنواعا من المبيعات في صفقة واحدة فوجد أحدهما معيبا فهل يرجع بالجميع أو بالذي وجد فيه العيب فقال قوم ليس له إلا أن يرد الجميع أو يمسك وبه قال أبو ثور والأوزاعي إلا أن يكون قد سمى ما لكل واحد من تلك الأنواع من القيمة فإن هذا مما لا خلاف فيه أنه يرد المبيع بعينه فقط وإنما الخلاف إذا لم يسم وقال قوم يرد المعيب بحصته من الثمن وذلك بالتقدير وممن قال بهذا القول سفيان الثوري وغيره وروي عن الشافعي القولان معا
وفرق مالك فقال ينظر في المعيب فإن كان ذلك وجه الصفقة والمقصود بالشراء رد الجميع وإن لم يكن وجه الصفقة رده بقيمته وفرق أبو حنيفة تفريقا آخر وقال إن وجد العيب قبل القبض رد الجميع وإن وجده بعد القبض رد المعيب بحصته من الثمن ففي هذه المسألة أربعة أقوال فحجة من منع التبعيض في الرد أن المردود يرجع فيه بقيمة لم يتفق عليها المشتري والبائع وكذلك الذي يبقى إنما يبقى بقيمة لم يتفقا عليها ويمكن أنه لو بعضت السلعة لم يشتر البعض بالقيمة التي أقيم بها وأما حجة من رأى الرد في البعض المعيب ولا بد فلأنه موضع ضرورة فأقيم فيه التقويم والتقدير مقام الرضا قياسا على أن ما فات في البيع فليس فيه إلا القيمة وأما تفريق مالك بين ما هو وجه الصفقة أو غير وجهها فاستحسان منه لأنه رأى أن ذلك المعيب إذا لم يكن مقصودا في المبيع فليس كبير ضرر في أن لا يوافق الثمن الذي أقيم به إرادة المشتري أو البائع وأما عندما يكون مقصودا أو جل المبيع فيعظم الضرر في ذلك واختلف عنه هل يعتبر تأثير العيب في قيمة الجميع أو في قيمة المعيب خاصة وأما تفريق أبي حنيفة بين أن يقبض أو لا يقبض فإن القبض عنده شرط من شروط تمام البيع وما لم يقبض المبيع فضمانه عنده من البائع وحكم الاستحقاق في هذه المسألة حكم الرد بالعيب وأما المسألة الثانية فإنهم اختلفوا أيضا في رجلين يبتاعان شيئا واحدا في صفقة واحدة فيجدان به عيبا فيريد أحدهما الرجوع ويأبى الآخر فقال الشافعي لمن أراد الرد أن يرد وهي رواية ابن القاسم عن مالك وقيل ليس له أن يرد فمن أوجب الرد شبهه بالصفقتين المفترقتين لأنه قد اجتمع فيها عاقدان ومن لم يوجبه شبهه بالصفقة الواحدة إذا أراد المشتري فيها تبعيض رد المبيع بالعيب الفصل الرابع في معرفة أصناف التغيرات الحادثة عند المشتري وحكمها وأما إن تغير المبيع عند المشتري ولم يعلم بالعيب إلا بعد تغير المبيع عنده فالحكم في ذلك يختلف عند فقهاء الأمصار بحسب التغير فأما إن تغير بموت أو فساد أو عتق ففقهاء الأمصار على أنه فوت ويرجع المشتري على البائع بقيمة العيب وقال عطاء بن أبي رباح لا يرجع في الموت والعتق بشيء وكذلك عندهم حكم من اشترى جارية فأولدها وكذلك التدبير عندهم وهو القياس في الكتابة وأما تغيره في البيع فإنهم اختلفوا فيه فقال أبو حنيفة والشافعي إذا باعه لم يرجع بشيء وكذلك قال الليث وأما مالك فله في البيع تفصيل وذلك أنه لا يخلو أن يبيعه من بائعه منه أو من غير بائعه ولا يخلو أيضا أن يبيعه بمثل الثمن أو أقل أو أكثر فإن باعه من بائعه منه بمثل الثمن فلا رجوع له بالعيب وإن باعه منه بأقل من الثمن رجع عليه بقيمة العيب وإن باعه بأكثر من الثمن نظر فإن كان البائع الأول مدلسا رجع الأول على الثاني في الثمن والثاني على الأول أيضا وينفسخ البيعان ويعود المبيع إلى ملك الأول فإن باعه من عند بائعه منه فقال ابن القاسم لا رجوع له بقيمة العيب مثل قول أبي حنيفة والشافعي وقال ابن عبد الحكم له الرجوع بقيمة العيب وقال أشهب يرجع بالأقل من قيمة العيب أو بقيمة الثمن هذا إذا باعه بأقل مما اشتراه وعلى هذا لا يرجع إذا باعه بمثل الثمن أو أكثر وبه قال عثمان البتي ووجه قول ابن القاسم والشافعي وأبي حنيفة أنه إذا فات بالبيع فقد أخذ عوضا من غير أن يعتبر تأثيرا بالعيب في ذلك العوض الذي هو الثمن ولذلك متى قام عليه المشتري منه بعيب رجع على البائع الأول بلا خلاف ووجه القول الثاني تشبيهه البيع بالعتق ووجه قول عثمان وأشهب أنه لو كان عنده المبيع لم يكن له إلا الإمساك أو الرد للجميع فإذا باعه فقد أخذ عوض ذلك الثمن فليس له إلا ما نقص إلا أن يكون أكثر من قيمة العيب
وقال مالك إن وهب أو تصدق رجع بقيمة العيب وقال أبو حنيفة لا يرجع لأن هبته أو صدقته تفويت للملك بغير عوض ورضى منه بذلك طلبا للأجر فيكون رضاه بإسقاط حق العيب أولى وأحرى بذلك وأما مالك فقاس الهبة على العتق وقد كان القياس أن لا يرجع في شيء من ذلك إذا فات ولم يمكنه الرد لأن إجماعهم على أنه إذا كان في يده فليس يجب له إلا الرد أو الإمساك دليل على أنه ليس للعيب تأثير في إسقاط شيء من الثمن وإنما له تأثير في فسخ البيع فقط وأما العقود التي يتعاقبها الاسترجاع كالرهن والإجارة فاختلف في ذلك أصحاب مالك فقال ابن القاسم لا يمنع ذلك من الرد بالعيب إذا رجع إليه المبيع وقال أشهب إذا لم يكن زمان خروجه عن يده زمانا بعيدا كان له الرد بالعيب وقول ابن القاسم أولى والهبة للثواب عند مالك كالبيع في أنها فوت فهذه هي الأحوال التي تطرأ على المبيع من العقود الحادثة فيها وأحكامها باب في طرو النقصان وأما إن طرأ على المبيع نقص فلا يخلو أن يكون نقص في قيمته أو في البدن أو في النفس فأما نقصان القيمة لاختلاف الأسواق فغير مؤثر في الرد بالعيب بإجماع وأما النقصان الحادث في البدن فإن كان يسيرا غير مؤثر في القيمة فلا تأثير له في الرد بالعيب وحكمه حكم الذي لم يحدث وهذا نص مذهب مالك وغيره وأما النقص الحادث في البدن المؤثر في القيمة فاختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال أحدها أنه ليس له أن يرجع إلا بقيمة العيب فقط وليس له غير ذلك إذا أبى البائع من الرد وبه قال الشافعي في قوله الجديد وأبو حنيفة وقال الثوري ليس له إلا أن يرد ويرد مقدار العيب الذي حدث عنده وهو قول الشافعي الأول والقول الثالث قول مالك إن المشتري بالخيار بين أن يمسك ويضع عنه البائع من الثمن قدر العيب أو يرده على البائع ويعطيه ثمن العيب الذي حدث عنده وأنه إذا اختلف البائع والمشتري فقال البائع للمشتري أنا أقبض المبيع وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك وقال المشتري بل أنا أمسك المبيع وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك فالقول قول المشتري والخيار له وقد قيل في المذهب القول قول البائع وهذا إنما يصح على قول من يرى أنه ليس للمشتري إلا أن يمسك أو يرد وما نقص عنده وشذ أبو محمد بن حزم فقال له أن يرد ولا شيء عليه وأما حجة من قال إنه ليس للمشتري إلا أن يرد ويرد قيمة العيب أو يمسك فلأنه قد أجمعوا على أنه إذا لم يحدث بالمبيع عيب عند المشتري فليس إلا الرد فوجب استصحاب حال هذا الحكم وإن حدث عند المشتري عيب مع إعطائه قيمة العيب الذي حدث عنده وأما من رأى أنه لا يرد المبيع بشيء وإنما قيمة العيب الذي كان عند البائع فقياسا على العتق والموت لكون هذا الأصل غير مجمع عليه وقد خالف فيه عطاء وأما مالك فلما تعارض عنده حق البائع وحق المشتري غلب المشتري وجعل له الخيار لأن البائع لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون مفرطا في أنه لم يستعلم العيب ويعلم به المشتري أو يكون علمه فدلس به على المشتري وعند مالك أنه إذا صح أنه دلس بالعيب وجب عليه الرد من غير أن يدفع إليه المشتري قيمة العيب الذي حدث عنده فإن مات من ذلك العيب كان ضمانه على البائع بخلاف الذي لم يثبت أنه دلس فيه وأما حجة أبي محمد فلأنه أمر حدث من عند الله كما لو حدث في ملك البائع فإن الرد بالعيب دال على أن البيع لم ينعقد في نفسه وإنما انعقد في الظاهر وأيضا فلا كتاب ولا سنة يوجب على مكلف غرم ما لم يكن له تأثير في نقصه إلا أن يكون على جهة التغليظ عند من ضمن الغاصب ما نقص عنده بأمر من الله فهذا حكم العيوب الحادثة في البدن
وأما العيوب التي في النفس كالإباق والسرقة فقد قيل في المذهب إنها تفيت الرد كعيوب الأبدان وقيل لا ولا خلاف أن العيب الحادث عند المشتري إذا ارتفع بعد حدوثه أنه لا تأثير له في الرد إلا أن لا تؤمن عاقبته واختلفوا من هذا الباب في المشتري يطأ الجارية فقال قوم إذا وطىء فليس له الرد وله الرجوع بقيمة العيب وسواء كانت بكرا أو ثيبا وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يرد قيمة الوطء في البكر ولا يردها في الثيب وقال قوم بل يردها ويرد مهر مثلها وبه قال ابن أبي شبرمة وابن أبي ليلى وقال سفيان الثوري إن كانت ثيبا رد نصف العشر من ثمنها وإن كانت بكرا رد العشر من ثمنها وقال مالك ليس عليه في وطء الثيب شيء لأنه غلة وجبت له بالضمان وأما البكر فهو عيب يثبت عنده للمشتري الخيار على ما سلف من رأيه وقد روي مثل هذا القول عن الشافعي وقال عثمان الوطء معتبر في العرف في ذلك النوع من الرقيق فإن كان له أثر في القيمة رد البائع ما نقص وإن لم يكن له أثر لم يلزمه شيء فهذا هو حكم النقصان الحادث في المبيعات وأما الزيادة الحادثة في المبيع أعني المتولدة المنفصلة منه فاختلف العلماء فيها فذهب الشافعي إلى أنها غير مؤثرة في الرد وأنها للمشتري لعموم قوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان وأما مالك فاستثنى من ذلك الولد فقال يرد للبائع وليس للمشتري إلا الرد الزائد مع الأصل أو الإمساك قال أبو حنيفة الزوائد كلها تمنع الرد وتوجب أرش العيب إلا الغلة والكسب وحجته أن ما تولد عن المبيع داخل في العقد فلما لم يكن رده ورد ما تولد عنه كان ذلك فوتا يقتضي أرش العيب إلا ما نصصه الشرع من الخراج والغلة وأما الزيادة الحادثة في نفس المبيع الغير منفصلة عنه فإنها إن كانت مثل الصبغ في الثوب والرقم في الثوب فإنها توجب الخيار في المذهب إما الإمساك والرجوع بقيمة العيب وإما في الرد وكونه شريكا مع البائع بقيمة الزيادة وأما النماء في البدن مثل السمن فقد قيل في المذهب يثبت به الخيار وقيل لا يثبت وكذلك النقص الذي هو الهزال فهذا هو القول في حكم التغيير الفصل الخامس في القضاء في اختلاف الحكم عند اختلاف المتبايعين وأما صفة الحكم في القضاء بهذه الأحكام فإنه إذا تقار البائع والمشتري على حالة من هذه الأحوال المذكورة ههنا وجب الحكم الخاص بتلك الحال فإن أنكر البائع دعوى القائم فلا يخلو أن ينكر وجود العيب أو ينكر حدوثه عنده فإن أنكر وجود العيب بالمبيع فإن كان العيب يستوي في إدراكه جميع الناس كفى في ذلك شاهدان عدلان ممن اتفق من الناس وإن كان مما يختص بعلمه أهل صناعة ما شهد به أهل تلك الصناعة فقيل في المذهب عدلان وقيل لا يشترط في ذلك العدالة ولا العدد ولا الإسلام وكذلك الحال إن اختلفوا في كونه مؤثرا في القيمة وفي كونه أيضا قبل أمد التبايع أو بعده فإنه إن لم يكن للمشتري بينة حلف البائع أنه ما حدث عنده وإن لم تكن له بينة على وجود العيب بالمبيع لم يجب له يمين على البائع وأما إذا وجب الأرش فوجه الحكم في ذلك أن يقوم الشيء سليما ويقوم معيبا ويرد المشتري ما بين ذلك فإن وجب الخيار قوم ثلاث تقويمات تقويم وهو سليم وتقويم بالعيب الحادث عند البائع وتقويم بالعيب الحادث عند المشتري فيرد البائع من الثمن ويسقط عنه ما قدر منه قدر ما تنقص به القيمة المعيبة عن القيمة السليمة وإن أبى المشتري الرد وأحب الإمساك رد البائع من الثمن ما بين القيمة الصحيحة والمعيبة عنده الباب الثاني في بيع البراءة
اختلف العلماء في جواز هذا البيع وصورته أن يشترط البائع على المشتري التزام كل عيب يجده في المبيع على العموم فقال أبو حنيفة يجوز البيع بالبراءة من كل عيب سواء علمه البائع أو لم يعلمه سماه أو لم يسمه أبصره أو لم يبصره وبه قال أبو ثور وقال الشافعي في أشهر قوليه وهو المنصور عند أصحابه لا يبرأ البائع إلا من عيب يريه للمشتري وبه قال الثوري وأما مالك فالأشهر عنه أن البراءة جائزة مما يعلم البائع من العيوب وذلك في الرقيق خاصة إلا البراءة من الحمل في الجواري الرائعات فإنه لا يجوز عنده لعظم الغرر فيه ويجوز في الوخش وفي رواية ثانية أنه يجوز في الرقيق والحيوان وفي رواية ثالثة مثل قول الشافعي وقد روي عنه أن بيع البراءة إنما يصح من السلطان فقط وقيل في بيع السلطان وبيع المواريث وذلك من غير أن يشترطوا البراءة وحجة من رأى القول بالبراءة على الإطلاق أن القيام بالعيب حق من حقوق المشتري قبل البائع فإذا أسقطه سقط أصله سائر الحقوق الواجبة وحجة من لم يجزه على الإطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع ومن باب الغبن والغش فيما علمه ولذلك اشترط جهل البائع مالك وبالجملة فعمدة مالك ما رواه في الموطأ أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه على البراءة فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر بالغلام داء لم تسمه فاختصما إلى عثمان فقال الرجل باعني عبدا وبه داء لم يسمه لي وقال عبد الله بعته بالبراءة فقضى عثمان على عبد الله أن يحلف لقد باع العبد وما به من داء يعلمه فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد وروي أيضا أن زيد بن ثابت كان يجيز بيع البراءة وإنما خص مالك بذلك الرقيق لكون عيوبهم في الأكثر خافية وبالجملة خيار الرد بالعيب حق ثابت للمشتري ولما كان ذلك يختلف اختلافا كثيرا كاختلاف المبيعات في صفاتها وجب إذا اتفقا على الجهل به أن لا يجوز أصله إذا اتفقا على جهل صفة المبيع المؤثرة في الثمن ولذلك حكى ابن القاسم فيالمدونة عن مالك أن آخر قوله كان إنكار بيع البراءة إلا ما خفف فيه السلطان وفي قضاء الديون خاصة وذهب المغيرة من أصحاب مالك إلى أن البراءة إنما تجوز فيما كان من العيوب لا يتجاوز فيها ثلث المبيع والبراءة بالجملة إنما تلزم عند القائلين بالشرط أعني إذا اشترطها إلا بيع السلطان والمواريث عند مالك فقط فالكلام بالجملة في بيع البراءة هو في جوازه وفي شرط جوازه وفيما يجوز من العقود والمبيعات والعيوب ولمن يجوز بالشرط أو مطلقا وهذه كلها قد تقدمت بالقوة في قولنا فاعلمه الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات واختلفوا في الوقت الذي يضمن فيه المشتري المبيع أنى تكون خسارته إن هلك منه فقال أبو حنيفة والشافعي لا يضمن المشتري إلا بعد القبض وأما مالك فله في ذلك تفصيل وذلك أن المبيعات عنده في هذا الباب ثلاثة أقسام بيع يجب على البائع فيه حق توفية من وزن أو كيل أو عدد وبيع ليس فيه حق توفية وهو الجزاف أو ما لا يوزن ولا يكال ولا يعد فأما ما كان فيه حق توفية فلا يضمن المشتري إلا بعد القبض وأما ما ليس فيه حق توفية وهو حاضر فلا خلاف في المذهب أن ضمانه من المشتري وإن لم يقبضه وأما المبيع فعن مالك في ذلك ثلاث روايات أشهرها أن الضمان من البائع إلا أن يشترطه على المبتاع والثانية أنه من المبتاع إلا أن يشترطه على البائع والثالثة الفرق بين ما ليس بمأمون البقاء إلى وقت الاقتضاء كالحيوان والمأكولات وبين ما هو مضمون البقاء
والخلاف في هذه المسألة مبني على هل القبض شرط من شروط العقد أو حكم من أحكام العقد والعقد لازم دون القبض فمن قال القبض من شروط صحة العقد أو لزومه أو كيفما شئت أن تعبر في هذا المعنى كان الضمان عنده من البائع حتى يقبضه المشتري ومن قال هو حكم لازم من أحكام المبيع والبيع وقد انعقد ولزم قال العقد يدخل في ضمان المشتري وتفريق مالك بين الغائب والحاضر والذي فيه حق توفية والذي ليس فيه حق توفية استحسان ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة والعدل وذهب أهل الظاهر إلى أن بالعقد يدخل في ضمان المشتري فيما أحسب وعمدة من رأى ذلك اتفاقهم على أن الخراج قبل القبض للمشتري وقد قال عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان وعمدة المخالف حديث عتاب بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى مكة قال له انههم عن بيع ما لم يقبضوا وربح ما لم يضمنوا وقد تكلمنا في شرط القبض في المبيع فيما سلف ولا خلاف بين المسلمين أنه من ضمان المشتري بعد القبض إلا في العهدة والجوائح وإذ قد ذكرنا العهدة فينبغي أن نذكر ههنا الجوائح القول في الجوائح اختلف العلماء في وضع الجوائح في الثمار فقال بالقضاء بها مالك وأصحابه ومنعها أبو حنيفة والثوري والشافعي في قوله الجديد والليث فعمدة من قال بوضعها حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من باع ثمرا فأصابته جائحة فلا يأخذ من أخيه شيئا على ماذا يأخذ أحدكم مال أخيه خرجه مسلم عن جابر وما روي عنه أنه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح فعمدة من أجاز الجوائح حديثا جابر هذان وقياس الشبه أيضا وذلك أنهم قالوا إنه مبيع بقي على البائع فيه حق توفية بدليل ما عليه من سقيه إلى أن يكمل فوجب أن يكون ضمانه منه أصله سائر المبيعات التي بقي لها حق توفية والفرق عندهم بين هذا المبيع وبين سائر البيوع أن هذا بيع وقع في الشرع والمبيع لم يكمل بعد فكأنه مستثنى من النهي عن بيع ما لم يخلق فوجب أن يكون في ضمانه مخالفا لسائر المبيعات وأما عمدة من لم يقل بالقضاء بها فتشبيه هذا البيع بسائر المبيعات وأن التخلية في هذا المبيع هو القبض وقد اتفقوا على أن ضمان المبيعات بعد القبض من المشتري ومن طريق السماع أيضا حديث أبي سعيد الخدري قال أجيح رجل في ثمار ابتاعها وكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدق عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك قالوا فلم يحكم بالجائحة فسبب الخلاف في هذه المسألة هو تعارض الآثار فيها وتعارض مقاييس الشبه وقد رام كل واحد من الفريقين صرف الحديث المعارض للحديث الذي هو الأصل عنده بالتأويل فقال من منع الجائحة يشبه أن يكون الأمر بها إنما ورد من قبل النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها قالوا ويشهد لذلك أنه لما كثر شكواهم بالجوائح أمروا أن لا يبيعوا الثمر إلا بعد أن يبدو صلاحه وذلك في حديث زيد بن ثابت المشهور وقال من أجازها في حديث أبي سعيد يمكن أن يكون البائع عديما فلم يقض عليه بجائحة أو أن يكون المقدار الذي أصيب من الثمر مقدارا لا يلزم فيه جائحة أو أن يكون أصيب في غير الوقت الذي تجب فيه الجائحة مثل أن يصاب بعد الجذاذ أو بعد الطيب وأما الشافعي فروى حديث جابر عن سليمان بن عتيق عن جابر وكان يضعفه ويقول إنه اضطرب في ذكر وضع الجوائح فيه ولكنه قال إن ثبت الحديث وجب وضعها في القليل والكثير ولا خلاف بينهم في القضاء بالجائحة بالعطش وقد جعل القائلون بها اتفاقهم في هذا حجة على إثباتها والكلام في أصول الجوائح على مذهب مالك ينحصر في أربعة فصول الأول في معرفة الأسباب الفاعلة للجوائح والثاني في محل الجوائح من المبيعات
الثالث في مقدار ما يوضع منه فيه الرابع في الوقت الذي توضع فيه الفصل الأول في معرفة الأسباب الفاعلة للجوائح وأما ما أصاب الثمرة من السماء مثل البرد والقحط وضده والعفن فلا خلاف في المذهب أنه جائحة وأما العطش كما قلنا فلا خلاف بين الجميع أنه جائحة وأما ما أصاب من صنع الآدميين فبعض من أصحاب مالك رآه جائحة وبعض لم يره جائحة والذين رأوه جائحة انقسموا قسمين فبعضهم رأى منه جائحة ما كان غالبا كالجيش ولم ير ما كان منه بمغافصة جائحة مثل السرقة وبعضهم جعل كل ما يصيب الثمرة من جهة الآدميين جائحة بأي وجه كان فمن جعلها في الأمور السماوية فقط اعتمد ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام أرأيت إن منع الله الثمرة ومن جعلها في أفعال الآدميين شبهها بالأمور السماوية ومن استثني اللص قال يمكن أن يتحفظ منه الفصل الثاني في محل الجوائح من المبيعات ومحل الجوائح هي الثمار والبقول فأما الثمار فلا خلاف فيها في المذهب وأما البقول ففيها خلاف والأشهر فيها الجائحة وإنما اختلفوا في البقول لاختلافهم في تشبيهها بالأصل الذي هو الثمر الفصل الثالث في مقدار ما يوضع منه فيه وأما المقدار الذي تجب فيه الجائحة أما في الثمار فالثلث وأما في البقول فقيل في القليل والكثير وقيل في الثلث وابن القاسم يعتبر ثلث الثمر بالكيل وأشهب يعتبر الثلث في القيمة فإذا ذهب من الثمر عند أشهب ما قيمته الثلث من الكيل وضع عنه الثلث من الثمن وسواء كان ثلثا في الكيل أو لم يكن وأما ابن القاسم فإنه إذا ذهب من الثمر الثلث من الكيل فإن كان نوعا واحدا ليس تختلف قيمة بطونه حط عنه من الثمن الثلث وإن كان الثمر أنواعا كثيرة مختلفة القيم أو كان بطونا مختلفة القيم أيضا اعتبر قيمة ذلك الثلث الذاهب من قيمة الجميع فما كان قدره حط بذلك القدر من الثمن ففي موضع يعتبر المكيلة فقط حيث تستوي القيمة في أجزاء الثمرة وبطونها وفي موضع يعتبر الأمرين جميعا حيث تختلف القيمة والمالكية يحتجون في مصيرهم إلى التقدير في وضع الحوائج وإن كان الحديث الوارد فيها مطلقا بأن القليل في هذا معلوم من حكم العادة أنه يخالف الكثير إذ كان معلوما أن القليل يذهب من كل ثمر فكأن المشتري دخل على هذا الشرط بالعادة وإن لم يدخل بالنطق وأيضا فإن الجائحة التي علق الحكم بها تقتضي الفرق بين القليل والكثير قالوا وإذا وجب الفرق وجب أن يعتبر فيه إذ قد اعتبره الشرع في مواضع كثيرة وأن كان المذهب يضطرب في هذا الأصل فمرة يجعل الثلث من حيز الكثير كجعله إياه ههنا ومرة يجعله في حيز القليل ولم يضطرب في أنه الفرق بين القليل والكثير والمقدرات يعسر إثباتها بالقياس عند جمهور الفقهاء ولذلك قال الشافعي لو قلت بالجائحة لقلت فيها بالقليل والكثير وكون الثلث فرقا بين القليل والكثير هو نص في الوصية في قوله عليه الصلاة والسلام الثلث والثلث كثير الفصل الرابع في الوقت الذي توضع فيه وأما زمان القضاء بالجائحة فاتفق المذهب على وجوبها في الزمان الذي يحتاج فيه إلى تبقية الثمر على رؤوس الشجر حيث يستوفى طيبه واختلفوا إذا أبقاه المشتري في الثمار ليبيعه على النضارة وشيئا شيئا فقيل فيه الجائحة تشبيها بالزمان المتفق عليه وقيل ليس فيه جائحة تفريقا بينه وبين الزمان المتفق على وجوب القضاء بالجائحة فيه وذلك أن هذا الزمان يشبه المتفق عليه من جهة ويخالفه من جهة فمن غلب الاتفاق أوجب فيه الجائحة ومن غلب الاختلاف لم يوجب فيه جائحة أعني من رأى أن النضارة مطلوبة بالشراء كما الطيب مطلوب قال بوجوب الجائحة فيه ومن لم ير الأمر فيهما واحدا قال ليس فيه الجائحة ومن ههنا اختلفوا في وجوب الجوائح في البقول الجملة الثالثة من جمل النظر في الأحكام وهو في تابعات المبيعات
ومن مسائل هذا الباب المشهورة اثنتان الأولى بيع النخيل وفيها الثمر متى يتبع بيع الأصل ومتى لا يتبعه فجمهور الفقهاء على أن من باع نخلا فيها ثمر قبل أن يؤبر فإن الثمر للمشتري وإذا كان البيع بعد الإبار فالثمر للبائع إلا أن يشترطه المبتاع والثمار كلها في هذا المعنى في معنى النخيل وهذا كله لثبوت حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع قالوا فلما حكم صلى الله عليه وسلم بالثمن للبائع بعد الإبار علمنا بدليل الخطاب أنها للمشتري قبل الإبار بلا شرط وقال أبو حنيفة وأصحابه هي للبائع قبل الإبار وبعده ولم يجعل المفهوم ههنا من باب دليل الخطاب بل من باب مفهوم الأحرى والأولى قالوا وذلك أنه إذا وجبت للبائع بعد الإبار فهي أحرى أن تجب له قبل الإبار وشبهوا خروج الثمر بالولادة وكما أن من باع أمة لها ولد فولدها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع كذلك الأمر في الثمن وقال ابن أبي ليلى سواء أبر أو لم يؤبر إذا بيع الأصل فهو للمشتري اشترطها أو لم يشترطها فرد الحديث بالقياس لأنه رأى أن الثمر جزء من المبيع ولا معنى لهذا القول إلا إن كان لم يثبت عنده الحديث وأما أبو حنيفة فلم يرد الحديث وإنما خالف مفهوم الدليل فيه فإذا سبب الخلاف في هذه المسألة بين أبي حنيفة والشافعي ومالك ومن قال بقولهم معارضة دليل الخطاب لدليل مفهوم الأحرى والأولى وهو الذي يسمى فحوى الخطاب لكنه ههنا ضعيف وإن كان في الأصل أقوى من دليل الخطاب وأما سبب مخالفة ابن أبي ليلى فمعارضة القياس للسماع وهو كما قلنا ضعيف والإبار عند العلماء أن يجعل طلع ذكور النخل في طلع إناثها وفي سائر الشجر أن تنور وتعقد والتذكير في شجر التين التي تذكر في معنى الإبار وإبار الزرع مختلف فيه في المذهب فروى ابن القاسم عن مالك أن إباره أن يفرك قياسا على سائر الثمر وهل الموجب لهذا الحكم هو الإبار أو وقت الإبار قيل الوقت وقيل الإبار وعلى هذا ينبني الاختلاف إذا أبر بعض النخل ولم يؤبر البعض هل يتبع ما لم يؤبر ما أبر أو لا يتبعه واتفقوا فيما أحسبه على أنه إذا بيع ثمر وقد دخل الإبار فلم يؤبر أن حكمه حكم المؤبر المسألة الثانية وهي اختلافهم في بيع مال العبد وذلك أنهم اختلفوا في مال العبد هل يتبعه في البيع والعتق على ثلاثة أقوال أحدها أن ماله في البيع والعتق لسيده وكذلك في المكاتب وبه قال الشافعي والكوفيون والثاني أن ماله تبع له في البيع والعتق وهو قول داود وأبي ثور والثالث أنه تبع له في العتق لا في البيع إلا أن يشترطه المشتري وبه قال مالك والليث فحجة من رأى أن ماله في البيع لسيده إلا أن يشترطه المبتاع حديث ابن عمر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع ومن جعله لسيده في العتق فقياسا على البيع وحجة من رأى أنه تبع للعبد في كل حال انبنت على كون العبد مالكا عندهم وهي مسألة اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا أعني هل يملك العبد أو لا يملك ويشبه أن يكون هؤلاء إنما غلبوا القياس على السماع لأن حديث ابن عمر هو حديث خالف فيه نافع سالما لأن نافعا رواه عن ابن عمر وسالم رواه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما مالك فغلب القياس في العتق والسماع في البيع وقال مالك في الموطأ الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقدا كان أو عرضا أو دينا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أعتق غلاما فماله له إلا أن يستثنيه سيده ويجوز عند مالك أن يشتري العبد وماله بدراهم وإن كان مال العبد دراهم أو فيه دراهم
وخالفه أبو حنيفة والشافعي إذا كان مال العبد نقدا وقالوا العبد وماله بمنزلة من باع شيئين لا يجوز فيهما إلا ما يجوز في سائر البيوع واختلف أصحاب مالك في اشتراط المشتري لبعض مال العبد في صفقة البيع فقال ابن القاسم لا يجوز وقال أشهب جائز أن يشترط بعضه وفرق بعضهم فقال إن كان ما اشترى به العبد عينا وفي مال العبد عين لم يجز ذلك لأنه يدخله دراهم بعرض ودراهم وإن كان ما اشترى به عروضا أو لم يكن في مال العبد دراهم جاز ووجه قول ابن القاسم أنه لا يجوز أن يشترط بعضه تشبيهه بثمر النخل الإبار ووجه قول أشهب تشبيهه الجزء بالكل وفي هذا الباب مسائل مسكوت عنها كثيرة ليست مما قصدناه ومن مشهور مسائلهم في هذا الباب الزيادة والنقصان اللذان يقعان في الثمن الذي انعقد عليه البيع بما يرضى به المتبايعان أعني أن يزيد المشتري البائع بعد البيع على الثمن الذي انعقد عليه البيع أو يحط منه البائع هل يتبع حكم الثمن أم لا وفائدة الفرق أن من قال هي من الثمن أوجب ردها في الاستحقاق وفي الرد بالعيب وما أشبه ذلك وأيضا من جعلها في حكم الثمن الأول إن كانت فاسدة البيع ومن لم يجعلها من الثمن أعني الزيادة لم يوجب شيئا من هذا فذهب أبو حنيفة إلى أنها من الثمن إلا أنه قال لا تثبت الزيادة في حق الشفيع ولا في بيع المرابحة بل الحكم للثمن الأول وبه قال مالك وقال الشافعي لا تلحق الزيادة والنقصان بالثمن أصلا وهو في حكم الهبة واستدل من ألحق الزيادة بالثمن بقوله عز وجل ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة قالوا وإذا لحقت الزيادة في الصداق بالصداق لحقت في البيع بالثمن واحتج الفريق الثاني باتفاقهم على أنها لا تلحق في الشفعة وبالجملة من رأى أن العقد الأول قد تقرر قال الزيادة هبة ومن رأى أنها فسخ للعقد الأول وعقد ثان عدها من الثمن الجملة الرابعة وإذا اتفق المتبايعان على البيع واختلفا في مقدار الثمن ولم تكن هناك بينة ففقهاء الأمصار متفقون على أنهما يتحالفان ويتفاسخان بالجملة ومختلفون في التفصيل أعني في الوقت الذي يحكم فيه بالأيمان والتفاسخ فقال أبو حنيفة وجماعة إنهما يتحالفان ويتفاسخان ما لم تفت عين السلعة فإن فاتت فالقول قول المشتري مع يمينه وقال الشافعي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وأشهب صاحب مالك يتحالفان في كل وقت وأما مالك فعنه روايتان إحداهما أنهما يتحالفان ويتفاسخان قبل القبض وبعد القبض القول قول المشتري والرواية الثانية مثل قول أبي حنيفة وهي رواية ابن القاسم والثانية رواية أشهب والفوت عنده يكون بتغيير الأسواق وبزيادة المبيع ونقصانه وقال داود وأبو ثور القول قول المشتري على كل حال وكذلك قال زفر إلا أن يكونا اختلفا في جنس الثمن فحينئذ يكون التفاسخ عندهم والتحالف ولا خلاف أنهم إذا اختلفوا في جنس الثمن أو المثمون أن الواجب هو التحالف والتفاسخ وإنما صار فقهاء الأمصار إلى القول على الجملة بالتحالف والتفاسخ عند الاختلاف في عدد الثمن لحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادان فمن حمل هذا الحديث على وجوب التفاسخ وعمومه قال يتحالفان في كل حال ويتفاسخان والعلة في ذلك عنده أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه وأما من رأى أن الحديث إنما يجب أن يحمل على الحالة التي يجب أن يتساوى فيها دعوى البائع والمشتري قال إذا قبض السلعة أو فاتت فقد صار القبض شاهدا للمشتري وشبهة لصدقه واليمين إنما يجب على أقوى المتداعيين شبهة وهذا هو أصل مالك في الأيمان ولذلك يوجب في مواضع اليمين على المدعي وفي مواضع على المدعى عليه وذلك أنه لم يجب اليمين بالنص على المدعى عليه من حيث هو مدعى عليه وإنما وجبت عليه من حيث هو في الأكثر أقوى شبهة فإذا كان المدعي في مواطن أقوى شبهة وجب أن يكون اليمين في حيزه
وأما من رأى القول قول المشتري فإنه رأى أن البائع مقر للمشتري بالشراء ومدع عليه عددا ما في الثمن وأما داود ومن قال بقوله فردوا حديث ابن مسعود لأنه منقطع ولذلك لم يخرجه الشيخان البخاري ومسلم وإنما خرجه مالك وعن مالك إذا نكل المتبايعان عن الأيمان روايتان إحداهما الفسخ والثانية أن القول قول البائع وكذلك من يبدأ باليمين في المذهب فيه خلاف فالأشهر البائع على ما في الحديث وهل إذا وقع التفاسخ يجوز لأحدهما أن يختار قول صاحبه فيه خلاف في المذهب القسم الرابع من النظر المشترك في البيوع وهو النظر في حكم البيع الفاسد إذا وقع فنقول اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت بإحداث عقد فيها أو نماء أو نقصان أو حوالة سوق أن حكمها الرد أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمون واختلفوا إذا قبضت وتصرف فيها بعتق أو هبة أو رهن أو غير ذلك من سائر التصرفات هل ذلك فوت يوجب القيمة وكذلك إذا نمت أو نقصت فقال الشافعي ليس ذلك كله فوتا ولا شبهة ملك في البيع الفاسد وأن الواجب الرد وقال مالك كل ذلك فوت يوجب القيمة إلا ما روى عنه ابن وهب في الربا أنه ليس بفوت ومثل ذلك قال أبو حنيفة والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة وإلى مكروهة فأما المحرمة فإنها إذا فاتت مضت بالقيمة وأما المكروهة فإنها إذا فاتت صحت عنده وربما صح عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض لخفة الكراهة عنده في ذلك فالشافعية تشبه المبيع الفاسد لمكان الربا والغرر بالفاسد لمكان تحريم عينه كبيع الخمر والخنزير فليس عندهم فيه فوت و مالك يرى أن النهي في هذه الأمور إنما هو لمكان عدم العدل فيها أعني بيوع الربا والغرر فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة لأنه قد تقبض السلعة وهي تساوي ألفا وترد وهي تساوي خمسمائة أو بالعكس ولذلك يرى مالك حوالة الأسواق فوتا في المبيع الفاسد ومالك يرى في البيع والسلف أنه إذا فات وكان البائع هو المسلف رد المشتري القيمة ما لم تكن أزيد من الثمن لأن المشتري قد رفع له في الثمن لمكان السلف فليس من العدل أن يرد أكثر من ذلك وإن كان المشتري هو الذي أسلف البائع فقد حط البائع عنه من الثمن لمكان السلف فإذا وجبت على المشتري القيمة ردها ما لم تكن أقل من الثمن لأن هذه البيوع إنما وقع المنع فيها لمكان ما جعل فيها من العوض مقابل السلف الذي هو موضوع لعون الناس بعضهم لبعض ومالك في هذه المسألة أفقه من الجميع واختلفوا إذا ترك الشرط قبل القبض أعني شرط السلف هل يصح البيع أم لا فقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء البيع مفسوخ وقال مالك وأصحابه البيع غير مفسوخ إلا ابن عبد الحكم قال البيع مفسوخ وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور وحجة الجمهور أن النهي يتضمن فساد المنهي فإذا انعقد البيع فاسدا لم يصححه بعد رفع الشرط الذي من قبله وقع الفساد كما أن رفع السبب المفسد في المحسوسات بعد فساد الشيء ليس يقتضي عودة الشيء إلى ما كان عليه قبل الفساد من الوجود فاعلمه وروي أن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه المسألة إسماعيل بن إسحاق المالكي فقال له ما الفرق بين السلف والبيع وبين رجل باع غلاما بمائة دينار وزق خمر فلما انعقد البيع بينهما قال أنا أدع الزق وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع فوجب أن يكون بيع السلف كذلك فجاوب عن ذلك بجواب لا تقوم به حجة وقد تقدم القول في ذلك وإذ قد انقضى القول في أصول البيوع الفاسدة وأصول البيوع الصحيحة وفي أصول أحكام البيوع الصحيحة وأصول الأحكام الفاسدة المشتركة العامة لجميع البيوع أو لكثير منها فلنظر إلى ما يخص واحدا واحدا من هذه الأربعة الأجناس وذلك بأن نذكر منها ما يجري مجرى الأصول كتاب الصرف
ولما كان يخص هذا البيع شرطان أحدهما عدم النسيئة وهو الفور والآخر عدم التفاضل وهو اشتراط المثلية كان النظر في هذا الباب ينحصر في خمسة أجناس الأول في معرفة ما هو نسيئة مما ليس بنسيئة الثاني في معرفة ما هو مماثل مما ليس بمماثل إذ هذان القسمان ينقسمان بفصول كثيرة فيعرض هنالك الخلاف الثالث فيما وقع أيضا من هذا البيع بصورة مختلف فيها هل هو ذريعة إلى أحد هذين أعني الزيادة والنسيئة أو كليهما عند من قال بالذرائع وهو مالك وأصحابه وهذا ينقسم أيضا إلى نوعين كانقسام أصله الخامس في خصائص أحكام هذا البيع من جهة ما يعتبر فيه هذان الشرطان أعني عدم النساء والتفاضل أو كليهما وذلك أنه يخالف هذا البيع البيوع لمكان هذين الشرطين فيه في أحكام كثيرة وأنت إذا تأملت الكتب الموضوعة في فروع الكتاب الذي يوسمونه بكتاب الصرف وجدتها كلها راجعة إلى هذه الأجناس الخمسة أو إلى ما تركب منها ما عدا المسائل التي يدخلون في الكتاب الواحد بعينه مما ليس هو من ذلك الكتاب مثل إدخال المالكية في الصرف مسائل كثيرة هي من باب الاقتضاء في السلف ولكن لما كان الفاسد منها يؤول إلى أحد هذين الأصلين أعني إلى صرف بنسيئة أو بتفاضل أدخلوها في هذا الكتاب مثل مسائلهم في اقتضاء القائمة والمجموعة والفرادى بعضها من بعض لكن لما كان قصدنا إنما هو ذكر المسائل التي هي منطوق بها في الشرع أو قريب من المنطوق بها رأينا أن نذكر في هذا الكتاب سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الأصول لما يطرأ على المجتهد من مسائل هذا الباب فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة وصناعة أصول الفقه ويكفي من ذلك ما هو مساو لجرم هذا الكتاب أو أقل وبهذه الرتبة يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة لا الذي يقدر على عملها وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة وهو الذي يصنع لكل قدم خفا يوافقه فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت وإذ قد خرجنا عما كنا بسبيله فلنرجع إلى حيث كنا من ذكر المسائل التي وعدنا بها المسألة الأولى أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلا مثلا بمثل يدا بيد إلا ما روي عن ابن عباس ومن تبعه من المكيين فإنهم أجازوا بيعه متفاضلا ومنعوه نسيئة فقط وإنما صار ابن عباس لذلك لما رواه عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وهو حديث صحيح فأخذ ابن عباس بظاهر هذا الحديث فلم يجعل الربا إلا في النسيئة وأما الجمهور فصاروا إلى ما رواه مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز وهو من أصح ما روي في هذا الباب وحديث عبادة بن الصامت حديث صحيح أيضا في هذا الباب فصار الجمهور إلى هذه الأحاديث إذ كانت نصا في ذلك وأما حديث ابن عباس فإنه ليس بنص في ذلك لأنه روي فيه لفظان أحدهما أنه قال إنما الربا في النسيئة وهذا ليس يفهم منه إجازة التفاضل إلا من باب دليل الخطاب وهو ضعيف ولا سيما إذا عارضه النص
وأما اللفظ الآخر وهو لا ربا إلا في النسيئة فهو أقوى من هذا اللفظ لأن ظاهره يقتضي أن ما عدا النسيئة فليس بربا لكن يحتمل أن يريد بقوله لا ربا إلا في النسيئة من جهة أن الواقع في الأكثر وإذا كان هذا محتملا والأول نص وجب تأويله على الجهة التي يصح الجمع بينهما وأجمع الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلا لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك إلا معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ لمكان زيادة الصياغة وإلا ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه أو دراهمه فقال إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس وبه قال ابن القاسم من أصحابه وأنكر ذلك ابن وهب من أصحابه وعيسى بن دينار وجمهور العلماء وأجاز مالك بدل الدينار الناقص بالوازن أو بالدينارين على اختلاف بين أصحابه في العدد الذي يجوز فيه ذلك من الذي لا يجوز على جهة المعروف المسألة الثانية اختلف العلماء في السيف والمصحف المحلى يباع بالفضة وفيه حلية فضة أو بالذهب وفيه حلية ذهب فقال الشافعي لا يجوز ذلك لجهل المماثلة المشترطة في بيع الفضة بالفضة في ذلك والذهب بالذهب وقال مالك إن كان قيمة ما فيه من الذهب أو الفضة الثلث فأقل جاز بيعه أعني بالفضة إن كانت حليته فضة أو بالذهب إن كانت حليته ذهبا وإلا لم يجز وكأنه رأى أنه إذا كانت الفضة قليلة لم تكن مقصودة في البيع وصارت كأنها هبة وقال أبو حنيفة وأصحابه لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة إذا كانت الفضة أكثر من الفضة التي في السيف وكذلك الأمر في بيع السيف المحلى بالذهب لأنهم رأوا أن الفضة التي فيه أو الذهب يقابل مثله من الذهب أو الفضة المشتراة به ويبقى الفضل قيمة السيف وحجة الشافعي عموم الأحاديث والنص الوارد في ذلك من حديث فضالة بن عبد الله الأنصاري أنه قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة ينزع وحده ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب وزنا بوزن خرجه مسلم وأما معاوية كما قلنا فأجاز ذلك على الإطلاق وقد أنكره عليه أبو سعيد وقال لا أسكن في أرض أنت فيها لما رواه من الحديث المسألة الثالثة اتفق العلماء على أن من شرط الصرف أن يقع ناجزا واختلفوا في الزمان الذي يحد هذا المعنى فقال أبو حنيفة والشافعي الصرف يقع ناجزا ما لم يفترق المتصارفان تعجل أو تأخر القبض وقال مالك إن تأخر القبض في المجلس بطل الصرف وإن لم يفترقا حتى كره المواعدة فيه وسبب الخلاف ترددهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام إلا هاء وهاء وذلك أن هذا يختلف بالأقل والأكثر فمن رأى أن هذا اللفظ صالح لمن لم يفترق من المجلس أعني أنه يطلق عليه أنه باع هاء وهاء قال يجوز التأخير في المجلس ومن رأى أن اللفظ لا يصح إلا إذا وقع القبض من المتصارفين على الفور قال إن تأخر القبض عن العقد في المجلس بطل الصرف لاتفاقهم على هذا المعنى لم يجز عندهم في الصرف حوالة ولا حمالة ولا خيار إلا ما حكي عن أبي ثور أنه أجاز فيه الخيار واختلف في المذهب في التأخير الذي يغلب عليه المتصارفان أو أحدهما فمرة قيل فيه إنه مثل الذي يقع بالاختيار ومرة قيل إنه ليس كذلك في تفاصيل لهم في ذلك ليس قصدنا ذكرها في هذا الكتاب
المسألة الرابعة اختلف العلماء فيمن اصطرف دراهم بدنانير ثم وجد فيها درهما زائفا فأراد رده فقال مالك ينتقض الصرف وإن كانت دنانير كثيرة انتقض منها دينار للدرهم فما فوقه إلى صرف دينار فإن زاد درهم على دينار انتقض منها دينار آخر وهكذا ما بينه وبين أن ينتهي إلى صرف دينار قال وإن رضي بالدرهم الزائف لم يبطل من الصرف شيء وقال أبو حنيفة لا يبطل الصرف بالدرهم الزائف ويجوز تبديله إلا أن تكون الزيوف نصف الدراهم أو أكثر فإن ردها بطل الصرف في المردود وقال الثوري إذا رد الزيوف كان مخيرا إن شاء أبدلها أو يكون شريكا له بقدر ذلك في الدنانير أعني لصاحب الدنانير وقال أحمد لا يبطل الصرف بالرد قليلا كان أو كثيرا وابن وهب من أصحاب مالك يجيز البدل في الصرف وهو مبني على أن الغلبة على النظرة في الصرف ليس لها تأثير ولا سيما في البعض وهو أحسن وعن الشافعي في بطلان الصرف بالزيوف قولان فيتحصل لفقهاء الأمصار في هذه المسألة أربعة أقوال قول بإبطال الصرف مطلقا عند الرد وقول بإثبات الصرف ووجوب البدل وقول بالفرق بين القليل والكثير وقول بالتخيير بين بدل الزائف أو يكون شريكا له وسبب الخلاف في هذا كله هل الغلبة على التأخير في الصرف مؤثرة فيه أو غير مؤثرة وإن كانت مؤثرة فهل هي مؤثرة في القليل أو في الكثير وأما وجود النقصان فإن المذهب اضطرب فيه فمرة قال فيه إنه إن رضي بالنقصان جاز الصرف وإن طلب البدل انتقض الصرف قياسا على الزيوف ومرة قال يبطل الصرف وإن رضي به وهو ضعيف واختلفوا أيضا إذا قبض بعض الصرف وتأخر بعضه أعني الصرف المنعقد على التناجز فقيل يبطل الصرف كله وبه قال الشافعي وقيل يبطل منه المتأخر فقط وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف والقولان في المذهب ومبنى الخلاف في الصفقة الواحدة يخالطها حرام وحلال هل تبطل الصفقة كلها أو الحرام منها فقط المسألة الخامسة أجمع العلماء على أن المراطلة جائزة في الذهب بالذهب وفي الفضة بالفضة وإن اختلف العدد لاتفاق الوزن وذلك إذا كانت صفة الذهبين واحدة واختلفوا في المراطلة في الموضعين أحدهما أن تختلف صفة الذهبين والثاني أن ينقص أحد الذهبين عن الآخر فيريد الآخر أن يزيد بذلك عرضا أو دراهم إن كانت المراطلة بذهب أو ذهبا إن كانت المراطلة بدراهم فذهب مالك أما في الموضع الأول وهو أن يختلف جنس المراطل بهما في الجودة والرداءة أنه متى راطل بأحدهما بصنف من الذهب الواحد وأخرج الآخر ذهبين أحدهما أجود من ذلك الصنف الواحد والآخر أردأ فإن ذلك عنده لا يجوز وإن كان الصنف الواحد من الذهبين أعني الذي أخرجه وحده أجود من الذهبين المختلفين اللذين أخرجهما الآخر أو أردأ منهما معا أو مثل أحدهما وأجود من الثاني جازت المراطلة عنده وقال الشافعي إذا اختلف الذهبان فلا يجوز ذلك وقال أبو حنيفة وجميع الكوفيين والبصريين يجوز جميع ذلك وعمدة مذهب مالك في منعه ذلك الاتهام وهو مصير إلى القول بسد الذرائع وذلك أنه يتهم أن يكون المراطل إنما قصد بذلك بيع الذهبين متفاضلا فكأنه أعطى جزءا من الوسط بأكثر منه من الأردأ أو بأقل منه من الأعلى فيتذرع من ذلك إلى بيع الذهب بالذهب متفاضلا مثال ذلك أن إنسانا قال لآخر خذ مني خمسة وعشرين مثقالا وسطا بعشرين من الأعلى فقال لا يجوز هذا لنا ولكن أعطيك عشرين من الأعلى وعشرة أدنى من ذهبك وتعطيني أنت ثلاثين من الوسط فتكون العشرة الأدنى يقابلها خمسة من ذهبك ويقابل العشرين من ذهب الوسط العشرين من ذهبك الأعلى وعمدة الشافعي اعتبار التفاضل الموجود في القيمة وعمدة أبي حنفية اعتبار وجود الوزن من الذهبين ورد القول بسد الذرائع وكمثل اختلافهم في المصارفة التي تكون بالمراطلة اختلفوا في هذا الموضع في المصارفة التي تكون بالعدد أعني إذا اختلفت جودة الذهبين أو الأذهاب وأما اختلافهم إذا نقصت المراطلة