Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

Section V02/P279–V02/P280

وأما أحكامه فكثيرة منها أن الجمهور على أن الأبناء تابعون في العتق والعبودية للأم وشذ قوم فقالوا إلا أن يكون الأب عربيا ومنها اختلافهم في العتق إلى أجل فقال قوم ليس له أن يطأها إن كانت جارية ولا يبيع ولا يهب وبه قال مالك وقال قوم له جميع ذلك وبه قال الأوزاعي والشافعي واتفقوا على جواز اشتراط الخدمة على المعتق مدة معلومة بعد العتق وقبل العتق واختلفوا فيمن قال لعبده إن بعتك فأنت حر فقال قوم لا يقع عليه العتق لأنه إذا باعه لم يملك عتقه وقال إن باعه يعتق عليه أعني من مال البائع إذا باعه وبه قال مالك والشافعي وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وفروع هذا الباب كثيرة وفي هذا كفاية كتاب الكتابة والنظر الكلي في الكتابة ينحصر في أركانها وشروطها وأحكامها وأما الأركان فثلاثة العقد وشروطه وصفته والعاقد والمعقود عليه وصفاتهما ونحن نذكر المسائل المشهورة لأهل الأمصار في جنس جنس من هذه الأجناس القول في مسائل العقد فمن مسائل هذا الجنس المشهورة اختلافهم في عقد الكتابة هل هو واجب أو مندوب إليه فقال فقهاء الأمصار إنه مندوب وقال أهل الظاهر هو واجب واحتجوا بظاهر قوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا والأمر على الوجوب وأما الجمهور فإنهم لما رأوا أن الأصل هو أن لا يجبر أحد على عتق مملوكه حملوا هذه الآية على الندب لئلا تكون معارضة لهذا الأصل وأيضا فإنه لم يكن للعبد أن يحكم له على سيده بالبيع له وهو خروج رقبته عن ملكه بعوض فأحرى أن لا يحكم له عليه بخروجه عن غير عوض هو مالكه وذلك أن كسب العبد هو للسيد وهذه المسألة هي أقرب أن تكون من أحكام العقد من أن تكون من أركانه وهذا العقد بالجملة هو أن يشتري العبد نفسه وماله من سيده بمال يكتسبه العبد فأركان هذا العقد الثمن والمثمون والأجل والألفاظ الدالة على هذا العقد فأما الثمن فإنهم اتفقوا على أنه يجوز إذا كان معلوما بالعلم الذي يشترط في البيوع واختلفوا إذا كان في لفظه إبهام ما فقال أبو حنيفة ومالك يجوز أن يكاتب عبده على جارية أو عبد من غير أن يصفهما ويكون له الوسط من العبيد وقال الشافعي لا يجوز حتى يصفه فمن اعتبر في هذا طلب المعاينة شبهه بالبيوع ومن رأى أن هذا العقد مقصوده المكارمة وعدم التشاح جوز فيه الغرر اليسير كحال اختلافهم في الصداق ومالك يجيز بين العبد وسيده من جنس الربا ما لا يجوز بين الأجنبي والأجنبي من مثل بيع الطعام قبل قبضه وفسخ الدين في الدين وضع وتعجل ومنع ذلك الشافعي وأحمد وعن أبي حنيفة القولان جميعا وعمدة من أجازه أنه ليس بين السيد وعبده ربا لأنه وماله له وإنما الكتابة سنة على حدتها وأما الأجل فإنهم اتفقوا على أنه يجوز أن تكون مؤجلة واختلفوا في هل تجوز حالة وذلك أيضا بعد اتفاقهم على أنها تجوز حالة على مال موجود عند العبد وهي التي يسمونها قطاعه لا كتابة وأما الكتابة فهي التي يشتري العبد فيها ماله ونفسه من سيده بمال يكتسبه فموضع الخلاف إنما هو هل يجوز أن يشتري نفسه من سيده بمال حال ليس هو بيده فقال الشافعي هذا الكلام لغو وليس يلزم السيد شيء منه وقال متأخر وأصحاب مالك قد لزمت الكتابة للسيد ويرفعه العبد إلى الحاكم فينجم عليه المال بحسب حال العبد وعمدة المالكية أن السيد قد أوجب لعبده الكتابة إلا أنه اشترط فيها شرطا يتعذر غالبا فصح العقد وبطل الشرط وعمدة الشافعية أن الشرط الفاسد يعود ببطلان أصل العقد كمن باع جاريته واشترط أن لا يطأها وذلك أنه إذا لم يكن له مال حاضر أدى إلى عجزه وذلك ضد مقصود الكتابة وحاصل قول المالكية يرجع إلى أن الكتابة من أركانها أن تكون منجمة وأنه إذا اشترط فيها ضد هذا الركن بطل الشرط وصح العقد واتفقوا على أنه إذا قال السيد لعبده لقد كاتبتك على ألف درهم فإذا أديتها فأنت حر أنه إذا أداها فهو حر

Section V02/P280–V02/P282

واختلفوا إذا قال له قد كاتبتك على ألف درهم وسكت هل يكون حرا دون أن يقول له فإذا أديتها فأنت حر فقال مالك وأبو حنيفة هو حر لأن اسم الكتابة لفظ شرعي فهو يتضمن جميع أحكامه وقال قوم لا يكون حرا حتى يصرح بلفظ الأداء واختلف في ذلك قول الشافعي ومن هذا الباب اختلاف قول ابن القاسم ومالك فيمن قال لعبده أنت حر وعليك ألف دينار فاختلف المذهب في ذلك فقال مالك يلزمه وهو حر وقال ابن القاسم هو حر ولا يلزمه وأما إن قال أنت حر على أن عليك ألف دينار فاختلف المذهب في ذلك فقال مالك هو حر والمال عليه كغريم من الغرماء وقيل العبد بالخيار فإن اختار الحرية لزمه المال ونفذت الحرية وإلا بقي عبدا وقيل إن قبل كانت كتابة يعتق إذا أدى والقولان لابن القاسم وتجوز الكتابة عند مالك على عمل محدود وتجوز عنده الكتابة المطلقة ويرد إلى أن الكتابة مثله كالحال في النكاح وتجوز الكتابة عنده على قيمة العبد أعني كتابة مثله في الزمان والثمن ومن هنا قيل إنه تجوز عنده الكتابة الحالة واختلف هل من شرط هذا العقد أن يضع السيد من آخر أنجم الكتابة شيئا عن المكاتب لاختلافهم في مفهوم قوله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم وذلك أن بعضهم رأى أن السادة هم المخاطبون بهده الآية ورأى بعضهم أنهم جماعة المسلمين ندبوا لعون المكاتبين والذين رأوا ذلك اختلفوا هل ذلك على الوجوب أو على الندب والذين قالوا بذلك اختلفوا في القدر الواجب فقال بعضهم ما ينطلق عليه اسم شيء وبعضهم حده وأما المكاتب ففيه مسائل إحداها هل تجوز كتابة المراهق وهل يجمع في الكتابة الواحدة أكثر من عبد واحد وهل تجوز كتابة من يملك في العبد بعضه بغير إذن شريكه وهل تجوز كتابة من لا يقدر على السعي وهل تجوز كتابة من فيه بقية رق فأما كتابة المراهق القوي على السعي الذي لم يبلغ الحلم فأجازها أبو حنيفة ومنعها الشافعي إلا للبالغ وعن مالك القولان جميعا فعمدة من اشترط البلوغ تشبيهها بسائر العقود وعمدة من لم يشترطه أنه يجوز بين السيد وعبده ما لا يجوز بين الأجانب وأن المقصود من ذلك هو القوة على السعي وذلك موجود في غير البالغ وأما هل يجمع في الكتابة الواحدة أكثر من عبد واحد فإن العلماء اختلفوا في ذلك ثم إذا قلنا بالجمع فهل يكون بعضهم حملاء عن بعض بنفس الكتابة حتى لا يعتق واحد منهم إلا بعتق جميعهم فيه أيضا خلاف فأما هل يجوز الجمع فإن الجمهور على جواز ذلك ومنعه قوم وهو أحد قولي الشافعي أما هل يكون بعضهم حملاء عن بعض فإن فيه لمن أجاز الجمع ثلاثة أقوال فقالت طائفة ذلك واجب بمطلق عقد الكتابة أعني حمالة بعضهم عن بعض وبه قال مالك وسفيان وقال آخرون لا يلزمه ذلك بمطلق العقد ويلزم بالشرط وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال الشافعي لا يجوز ذلك لا بالشرط ولا بمطلق العقد ويعتق كل واحد منهم إذا أدى قدر حصته فعمدة من منع الشركة ما في ذلك من الغرر لأن قدر ما يلزم واحدا من ذلك مجهول وعمدة من أجازه أن الغرر اليسير يستخف في الكتابة لأنه بين السيد وعبده والعبد وماله لسيده وأما مالك فحجته أنه لما كانت الكتابة واحدة وجب أن يكون حكمهم كحكم الشخص الواحد وعمدة الشافعية أن حمالة بعضهم عن بعض لا فرق بينها وبين حمالة الأجنبيين فمن رأى حمالة الأجنبيين في الكتابة لا تجوز قال لا تجوز في هذا الموضع

Section V02/P282–V02/P283

وإنما منعوا حمالة الكتابة لأنه إذا عجز المكاتب لم يكن للحميل شيء يرجع عليه وهذا كأنه ليس يظهر في حمالة العبيد بعضهم عن بعض وإنما الذي يظهر في ذلك أن هذا الشرط هو سبب لأن يعجز من يقدر على السعي بعجز من لا يقدر عليه فهو غرر خاص بالكتابة إلا أن يقال أيضا إن الجمع يكون سببا لأن يخرج حرا من لا يقدر من نفسه أن يسعى حتى يخرج حرا فهو كما يعود برق من يقدر على السعي كذلك يعود بحرية من لا يقدر على السعي وأما أبو حنيفة فشبهها بحمالة الأجنبي مع الأجنبي في الحقوق التي تجوز فيها الحمالة فألزمها بالشرط ولم يلزمها بغير شرط وهو مع هذا أيضا لا يجيز حمالة الكتابة وأما العبد بين الشريكين فإن العلماء اختلفوا هل لأحدهما أن يكاتب نصيبه دون إذن صاحبه فقال بعضهم ليس له ذلك والكتابة مفسوخة وما قبض منها هي بينهم على قدر حصصهم وقالت طائفة لا يجوز أن يكاتب الرجل نصيبه من عبده دون نصيب شريكه وفرقت فرقة فقالت يجوز بإذن شريكه ولا يجوز بغير إذن شريكه وبالقول الأول قال مالك وبالتالي قال ابن أبي ليلى وأحمد وبالثالث قال أبو جنيفة والشافعي في أحد قوليه وله قول آخر مثل قول مالك وعمدة مالك أنه لو جاز ذلك لأدى إلى أن يعتق العبد كله بالتقويم على الذي كاتب حظه منه وذلك لا يجوز إلا في تبعيض العتق ومن رأى أن له أن يكاتبه رأى أن عليه أن يتم عتقه إذا أدى الكتابة إذا كان موسرا فاحتجاج مالك هنا هو احتجاج بأصل لا يوافقه عليه الخصم لكن ليس يمنع من صحة الأصل أن لا يوافقه عليه الخصم وأما اشتراط الإذن فضعيف وأبو حنيفة يرى في كيفية أداء المال للمكاتب إذا كانت الكتابة عن إذن شريكه أن كل ما أدى للشريك الذي كاتبه يأخذ منه الشريك الثاني نصيبه ويرجع بالباقي على العبد فيسعى له فيه حتى يتم له ما كان كاتبه عليه وهذا فيه بعد عن الأول وأما هل تجوز مكاتبة من لا يقدر على السعي فلا خلاف فيما أعلم بينهم أن يكون قويا على السعي لقوله تعالى إن علمتم فيهم خيرا وقد اختلف العلماء ما الخير الذي اشترطه الله في الكاتبين في قوله إن علمتم فيهم خيرا فقال الشافعي الاكتساب والأمانة وقال بعضهم المال والأمانة وقال آخرون الصلاح والدين وأنكر بعض العلماء أن يكاتب من لا حرفة له مخافة السؤال وأجاز ذلك بعضهم لحديث بريرة أنها كوتبت أن تسأل الناس وكره أن تكاتب الأمة التي لا اكتساب لها بصناعة مخافة أن يكون ذلك ذريعة إلى الزنا وأجاز مالك كتابة المدبرة وكل من فيه بقية رق إلا أم الولد إذ ليس له عند مالك أن يستخدمها القول في المكاتب وأما المكاتب فاتفقوا على أن شرطه أن يكون مالكا صحيح الملك غير محجور عليه صحيح الجسم واختلفوا هل للمكاتب أن يكاتب عبده أم لا وسيأتي هذا فيما يجوز من أفعال المكاتب مما لا يجوز ولم يجز مالك أن يكاتب العبد المأذون له في التجارة لأن الكتابة عتق ولا يجوز له أن يعتق وكذلك لا يجوز كتابة من أحاط الدين بماله إلا أن يجيز الغرماء ذلك إذا كان في ثمن كتابته إن بيعت مثل ثمن رقبته وأما كتابة المريض فإنها عنده في الثلث توقف حتى يصح فتجوز أو يموت فتكون من الثلث كالعتق سواء وقد قيل إن حابى كان كذلك وإن لم يحاب سعى فإن أدى وهو في المرض عتق وتجوز عنده كتابة النصراني المسلم ويباع عليه كما يباع عليه العبد المسلم عنده فهذه هي مشهورات المسائل التي تتعلق بالأركان أعني المكاتب والمكاتب والكتابة وأما الأحكام فكثيرة وكذلك الشروط التي تجوز فيها من التي لا تجوز

Section V02/P283–V02/P284

ويشبه أن تكون أجناس الأحكام الأولى في هذا العقد هو أن يقال متى يعتق المكاتب ومتى يعجز فيرق وكيف حاله إن مات قبل أن يعتق أو يرق ومن يدخل معه في حال الكتابة ممن لا يدخل وتمييز ما بقي عليه من حجر الرق مما لم يبق عليه فلنبدأ بذكر مسائل الأحكام المشهورة التي في جنس جنس من هذه الأجناس الخمسة الجنس الأول فأما متى يخرج من الرق فإنهم اتفقوا على أنه يخرج من الرق إذا أدى جميع الكتابة واختلفوا إذا عجز عن البعض وقد أدى البعض فقال الجمهور هو عبد ما بقي من كتابته شيء وإنه يرق إذا عجز عن البعض وروي عن السلف المتقدم سوى هذه القول الذي عليه الجمهور أقوال أربعة أحدها أن المكاتب يعتق بنفس الكتابة والثاني أنه يعتق منه بقدر ما أدى والثالث أنه يعتق إن أدى النصف فأكثر والرابع إن أدى الثلث وإلا فهو عبد وعمدة الجمهور ما خرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواق فهو عبد وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة فهو عبد وعمدة من رأى أنه يعتق بنفس عقد الكتابة تشبيهه إياه بالبيع فكأن المكاتب اشترى نفسه من سيده فإن عجز لم يكن له إلا أن يتبعه بالمال كما لو أفلس من اشتراه منه إلى أجل وقد مات وعمدة من رأى أنه يعتق منه بقدر ما أدى ما رواه يحيى بن كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤدي المكاتب بقدر ما أدى دية حر وبقدر ما رق منه دية عبد خرجه النسائي والخلاف فيه من قبل عكرمة كما أن الخلاف في أحاديث عمرو بن شعيب من قبل أنه روى عن صحيفة وبهذا القول قال علي أعني بحديث ابن عباس وروي عن عمر بن الخطاب أنه إذا أدى الشطر عتق وكان ابن مسعود يقول إذا أدى الثلث وأقوال الصحابة وإن لم تكن حجة فالظاهر أن التقدير إذا صدر منهم أنه محمول على أن في ذلك سنة بلغتهم وفي المسألة قول خامس إذا أدى الثلاثة الأرباع عتق وبقي عديما في باقي المال وقد قيل إن أدى القيمة فهو غريم وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والأشهر عن عمر وأم سلمة وهو قول الجمهور وقول هؤلاء هو الذي اعتمده فقهاء الأمصار وذلك أنه صحت الرواية في ذلك عنهم صحة لا شك فيها روى ذلك مالك في موطئه وأيضا فهو أحوط لأموال السادات ولأن المبيعات يرجع في عين المبيع له إذا أفلس المشتري الجنس الثاني وأما متى يرق فإنهم اتفقوا على أنه إنما يرق إذا عجز إما عن البعض وإما عن الكل بحسب ما قدمنا اختلافهم واختلفوا هل للعبد أن يعجز نفسه إذا شاء من غير سبب أم ليس له ذلك إلا بسبب فقال الشافعي الكتابة عقد لازم في حق العبد وهي في حق السيد غير لازمة وقال مالك وأبو حنيفة الكتابة عقد لازم من الطرفين أي بين العبد والسيد وتحصيل مذهب مالك في ذلك أن العبد والسيد لا يخلو أن يتفقا على التعجيز أو يختلفا ثم إذا اختلفا فإما أن يريد السيد التعجيز ويأباه العبد أو بالعكس أعني أنه يريد به السيد البقاء على الكتابة ويريد العبد التعجيز فأما إذا اتفقا على التعجيز فلا يخلو الأمر من قسمين أحدهما أن يكون دخل في الكتابة ولد أو لا يكون فإن كان دخل ولد في الكتابة فلا خلاف عنده أنه لا يجوز التعجيز وإن لم يكن له ولد ففي ذلك روايتان إحداهما أنه لا يجوز إذا كان له مال وبه قال أبو حنيفة والأخرى أنه يجوز له ذلك فأما إن طلب العبد التعجيز وأبى السيد لم يكن ذلك للعبد إن كان معه مال أو كانت له قوة على السعي وأما إن أراد السيد التعجيز وأباه العبد فإنه لا يعجزه عنده إلا بحكم حاكم

Section V02/P284–V02/P286

وذلك بعد أن يثبت السيد عند الحاكم أنه لا مال له ولا قدرة على الأداء ويرجع إلى عمدة أدلتهم في أصل الخلاف في المسألة فعمدة الشافعي ما روي أن بريرة جاءت إلى عائشة تقول لها إني أريد أن تشتريني وتعتقيني فقالت لها إن أراد أهلك فجاءت أهلها فباعوها وهي مكاتبة خرجه البخاري وعمدة المالكية تشبيههم الكتابة بالعقود اللازمة ولأن حكم العبد في هذا المعنى يجب أن يكون كحكم السيد وذلك أن العقود من شأنها أن يكون اللزوم فيها أو الخيار مستويا في الطرفين وأما أن يكون لازما من طرف وغير لازم من الطرف الثاني فخارج عن الأصول وعللوا حديث بريرة بأن الذي باع أهلها كانت كتابتها لا رقبتها والحنفية تقول لما كان المغلب في الكتابة حق العبد وجب أن يكون العقد لازما في حق الآخر المغلب عليه وهو السيد أصله النكاح لأنه غير لازم في حق الزوج لمكان الطلاق الذي بيده وهو لازم في حق الزوجة والمالكية تعترض على هذا بأن تقول إنه عقد لازم فيما وقع به العوض إذ كان ليس له أن يسترجع الصداق الجنس الثالث وأما حكمه إذا مات قبل أن يؤدي الكتابة فاتفقوا على أنه إذا مات دون ولد قبل أن يؤدي من الكتابة شيئا أنه يرق واختلفوا إذا مات عن ولد فقال مالك حكم ولده كحكمه فإن ترك مالا فيه وفاء للكتابة أدوه وعتقوا وإن لم يترك مالا وكانت لهم قوة على السعي بقوا على نجوم أبيهم حتى يعجزوا أو يعتقوا وإن لم يكن عندهم لا مال ولا قدرة على السعي رقوا وأنه إن فضل عن الكتابة شيء من ماله ورثوه على حكم ميراث الأحرار وأنه ليس يرثه إلا ولده الذين هم في الكتابة معه دون سواهم من وارثيه إن كان له وارث غير الولد الذي معه في الكتابة وقال أبو حنيفة إنه يرثه بعد أداء كتابته من المال الذي ترك جميع أولاده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في الكتابة وأولاده الأحرار وسائر ورثته وقال الشافعي لا يرثه بنوه الأحرار ولا الذين كاتب عليهم أو ولدوا في الكتابة وماله لسيده وعلى أولاده الذين كاتب عليهم أن يسعوا من الكتابة في مقدار حظوظهم منها وتسقط حصة الأب عنهم وبسقوط حصة الأب عنهم قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين والذين قالوا بسقوطها قال بعضهم تعتبر القيمة وهو قول الشافعي وقيل بالثمن وقيل حصته على مقدار الرؤوس وإنما قال هؤلاء بسقوط حصة الأب عن الأبناء الذين كاتب عليهم لا الذين ولدوا في الكتابة لأن من ولد له أولاد في الكتابة فهم تبع لأبيهم وعمدة مالك أن المكاتبين كتابة واحدة بعضهم حملاء عن بعض ولذلك من عتق منهم أو مات لم تسقط حصته عن الباقي وعمدة الفريق الثاني أن الكتابة لا تضمن وروى مالك عن عبد الملك بن مروان في موطئه مثل قول الكوفيين وسبب اختلافهم ماذا يموت عليه المكاتب فعند مالك أنه يموت مكاتبا وعند أبي حنيفة أنه يموت حرا وعند الشافعي أنه يموت عبدا وعلى هذه الأصول بنوا الحكم فيه فعمدة الشافعي أن العبودية والحرية ليس بينهما وسط وإذا مات المكاتب فليس حرا بعد لأن حريته إنما تجب بأداء كتابته وهو لم يؤدها بعد فقد بقي أنه مات عبدا لأنه لا يصح أن يعتق الميت وعمدة الحنفية أن العتق قد وقع بموته مع وجود المال الذي كاتب عليه لأنه ليس له أن يرق نفسه والحرية يجب أن تكون حاصلة له بوجود المال لا بدفعه إلى السيد وأما مالك فجعل موته على حالة متوسطة بين العبودية والحرية وهي الكتابة فمن حيث لم يورث أولاده الأحرار منه جعل له حكم العبيد ومن حيث لم يورث سيده ماله حكم له بحكم الأحرار والمسألة في حد الاجتهاد ومما يتعلق بهذا الجنس اختلافهم في أم ولد المكاتب إذا مات المكاتب وترك بنين لا يقدرون على السعي وأرادت الأم أن تسعى عليهم فقال مالك لها ذلك وقال الشافعي والكوفيون ليس لها ذلك

Section V02/P286–V02/P287

وعمدتهم أن أم الولد إذا مات المكاتب مال من مال السيد وأما مالك فيرى أن حرمة الكتابة التي لسيدها صائرة إليها وإلى بنيها ولم يختلف قول مالك أن المكاتب إذا ترك بنين صغارا لا يستطيعون السعي وترك أم ولد لا تستطيع السعي أنها تباع ويؤدي منها باقي الكتابة وعند أبي يوسف ومحمد بن الحسن أنه لا يجوز بيع المكاتب لأم ولده ويجوز عند أبي حنيفة والشافعي واختلف أصحاب مالك في أم ولد المكاتب إذا مات المكاتب وترك بنين ووفاه كتابته هل تعتق أم ولده أم لا فقال ابن القاسم إذا كان معها ولد عتقت وإلا رقت وقال أشهب تعتق على كل حال وعلى أصل الشافعي كل ما ترك المكاتب مال من مال سيده لا ينتفع به البنون في أداء ما عليه من كتابته كانوا معه في عقد الكتابة أو كانوا ولدوا في الكتابة وإنما عليهم السعي وعلى أصل أبي حنيفة يكون حرا ولا بد ومذهب ابن القاسم كأنه استحسان الجنس الرابع وهو النظر فيمن يدخل معه في عقد الكتابة ومن لا يدخل واتفقوا من هذا الباب على أن ولد المكاتب لا يدخل في كتابة المكاتب إلا بالشرط لأنه عبد آخر لسيده وكذلك اتفقوا على دخول ما ولد له في الكتابة فيها واختلفوا في أم الولد على ما تقدم وكذلك اختلفوا في دخول ماله أيضا بمطلق العقد فقال مالك يدخل ماله في الكتابة وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يدخل وقال الأوزاعي يدخل بالشرط أعني إذا اشترطه المكاتب وهذه المسألة مبنية على هل يملك العبد أو لا يملك وعلى هل يتبعه ماله في العتق أم لا وقد تقدم ذلك الجنس الخامس وهو النظر فيما يحجر فيه على المكاتب مما لا يحجر وما بقي من أحكام العبد فيه فنقول إنه قد أجمع العلماء من هذا الباب على أنه ليس للمكاتب أن يهب من ماله شيئا له قدر ولا يعتق ولا يتصدق بغير إذن سيده فإنه محجور عليه في هذه الأمور وأشباهها أعني أنه ليس له أن يخرج من يده شيئا من غير عوض واختلفوا من هذا الباب في فروع منها أنه إذا لم يعلم السيد بهبته أو بعتقه إلا بعد أداء كتابته فقال مالك وجماعة من العلماء إن ذلك نافذ ومنعه بعضهم وعمدة من منعه أن ذلك وقع في حالة لا يجوز وقوعه فيها فكان فاسدا وعمدة من أجازه أن السبب المانع من ذلك قد ارتفع وهو مخافة أن يعجز العبد وسبب اختلافهم هل إذن السيد من شرط لزوم العقد أو من شرط صحته فمن قال من شرط الصحة لم يجزه وإن عتق ومن قال من شرط لزومه قال يجوز إذا عتق لأنه وقع عقدا صحيحا فلما ارتفع الإذن المرتقب فيه صح العقد كما لو أذن هذا كله عند من أجاز عتقه إذا أذن السيد فإن الناس اختلفوا أيضا في ذلك بعد اتفاقهم على أنه لا يجوز عتقه إذا لم يأذن السيد فقال قوم ذلك جائز وقال قوم لا يجوز وبه قال أبو حنيفة وبالجواز قال مالك وعن الشافعي في ذلك القولان جميعا والذين أجازوا ذلك اختلفوا في ولاء المعتق لمن يكون فقال مالك إن مات المكاتب قبل أن يعتق كان ولاء عبده لسيده وإن مات وقد عتق المكاتب كان ولاؤه له وقال قوم من هؤلاء بل ولاؤه على كل حال لسيده وعمدة من لم يجز عتق المكاتب أن الولاء يكون للمعتق لقوله عليه الصلاة والسلام إنما الولاء لمن أعتق ولا ولاء للمكاتب في حين كتابته فلم يصح عتقه وعمدة من رأى أن الولاء للسيد أن عبد عبده بمنزلة عبده ومن فرق بين ذلك فهو استحسان ومن هذا الباب اختلافهم في هل للمكاتب أن ينكح أو يسافر بغير إذن سيده فقال جمهورهم ليس له أن ينكح إلا بإذن سيده وأباح بعضهم النكاح له وأما السفر فأباحه له جمهورهم ومنعه بعضهم وبه قال مالك وأباحه سحنون من أصحاب مالك ولم يجز للسيد أن يشترطه على المكاتب وأجازه ابن القاسم في السفر القريب

Section V02/P287–V02/P288

والعلة في منع النكاح أنه يخاف أن يكون ذلك ذريعة إلى عجزه والعلة في جواز السفر أن به يقوى على التكسب في أداء كتابته وبالجملة فللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال أحدها أن للمكاتب أن يسافر بإذن سيده وبغير إذنه ولا يجوز أن يشترط عليه أن لا يسافر وبه قال أبو حنيفة والشافعي والقول الثاني أنه ليس له أن يسافر إلا بإذن سيده وبه قال مالك والثالث أن بمطلق عقد الكتابة له أن يسافر إلا أن يشترط عليه سيده أن لا يسافر وبه قال أحمد والثوري وغيرهما ومن هذا الباب اختلافهم في هل للمكاتب أن يكاتب عبدا له فأجاز ذلك مالك ما لم يرد به المحاباة وبه قال أبو حنيفة والثوري وللشافعي قولان أحدهما إثبات الكتابة والآخر إبطالها وعمدة الجماعة أنها عقد معاوضة المقصود منه طلب الربح فأشبه سائر العقود المباحة من البيع والشراء وعمدة الشافعية أن الولاء لمن أعتق ولا ولاء للمكاتب لأنه ليس بحر واتفقوا على أنه لا يجوز للسيد انتزاع شيء من ماله ولا الانتفاع منه بشيء واختلفوا في وطء السيد أمته المكاتبة فصار الجمهور إلى منع ذلك وقال أحمد وداود وسعيد بن المسيب من التابعين ذلك جائز إذا اشترطه عليها وعمدة الجمهور أنه وطء تقع الفرقة فيه إلى أجل آت فأشبه النكاح إلى أجل وعمدة الفريق الثاني تشبيهها بالمدبرة وأجمعوا على أنها إن عجزت حل وطؤها واختلف الذين منعوا ذلك إذا وطئها هل عليه حد أو لا فقال جمهورهم لا حد عليه لأنه وطء بشبهة وقال بعضهم عليه الحد واختلفوا في إيجاب الصداق لها والعلماء فيما أعلم على أنه في أحكامه الشرعية على حكم العبد مثل الطلاق والشهادة والحد وغير ذلك مما يختص به العبيد ومن هذا الباب اختلافهم في بيعه فقال الجمهور لا يباع المكاتب إلا بشرط أن يبقى على كتابته عند مشتريه وقال بعضهم بيعه جائز ما لم يؤد شيئا من كتابته لأن بريرة بيعت ولم تكن أدت من كتابتها شيئا وقال بعضهم إذا رضي المكاتب بالبيع جاز وهو قول الشافعي لأن الكتابة عنده ليست بعقد لازم في حق العبد واحتج بحديث بريرة إذ بيعت وهي مكاتبة وعمدة من لم يجز بيع المكاتب ما في ذلك من نقض العهد وقد أمر الله تعالى بالوفاء به وهذه المسألة مبينة على هل الكتابة عقد لازم أم لا وكذلك اختلفوا في بيع الكتابة فقال الشافعي وأبو حنيفة لا يجوز ذلك وأجازها مالك ورأى الشفعة فيها للمكاتب ومن أجاز ذلك شبه بيعها ببيع الدين ومن لم يجز ذلك رآه من باب الغرر وكذلك شبه مالك الشفعة فيها بالشفعة في الدين وفي ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أعني في الشفعة في الدين ومذهب مالك في بيع الكتابة أنها إن كانت بذهب أنها تجوز بعرض معجل لا مؤجل لما يدخل في ذلك من الدين بالدين وإن كانت الكتابة بعرض كان شراؤها بذهب أو فضة معجلين أو بعرض مخالف وإذا أعتق فولاؤه للمكاتب لا للمشتري ومن هذا الباب اختلافهم هل للسيد أن يجبر العبد على الكتابة أم لا وأما شروط الكتابة فمنها شرعية هي من شروط صحة العقد وقد تقدمت عند ذكر أركان الكتابة ومنها شروط بحسب التراضي وهذه الشروط منها ما يفسد العقد ومنها ما إذا تمسك به أفسدت العقد وإذا تركت صح العقد ومنها شروط جائزة غير لازمة ومنها شروط لازمة وهذه كلها هي مبسوطة في كتب الفروع وليس كتابنا هذا كتاب فروع وإنما هو كتاب أصول والشروط التي تفسد العقد بالجملة هي الشروط التي هي ضد شروط الصحة المشروعة في العقد

Section V02/P288–V02/P290

والشروط الجائزة هي التي لا تؤدي إلى إخلال بالشروط المصححة للعقد ولا تلازمها فهذه الجملة ليس يختلف الفقهاء فيها وإنما يختلفون في الشروط لاختلافهم فيما هو منها شرط من شروط الصحة أو ليس منها وهذا يختلف بحسب القرب والبعد من إخلالها بشروط الصحة ولذلك جعل مالك جنسا ثالثا من الشروط وهي الشروط التي إن تمسك بها المشترط فسد العقد وإن لم يتمسك بها جاز وهذا ينبغي أن تفهمه في سائر العقود الشرعية فمن مسائلهم المشهورة في هذا الباب إذا اشترط في الكتابة شرطا من خدمة أو سفر أو نحوه وقوي على أداء نجومه قبل محل أجل الكتابة هل يعتق أم لا فقال مالك وجماعة ذلك الشرط باطل ويعتق إذا أدى جميع المال وقالت طائفة لا يعتق حتى يؤدي جميع المال ويأتي بذلك الشرط وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أعتق رقيق الإمارة وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعد ثلاث سنين ولم يختلفوا أن العبد إذا أعتقه سيده على أن يخدمه سنين أنه لا يتم عتقه إلا بخدمة تلك السنين ولذلك القياس قول من قال إن الشرط لازم فهذه المسائل الواقعة المشهورة في أصول هذا الكتاب وههنا مسائل تدكر في هذا الكتاب وهي من كتب أخرى وذلك أنها إذا ذكرت في هذا الكتاب ذكرت على أنها فروع تابعة للأصول فيه وإذا ذكرت في غيره ذكرت على أنها أصول ولذلك كان الأولى ذكرها في هذا الكتاب فمن ذلك اختلافهم إذا زوج السيد بنته من مكاتبه ثم مات السيد وورثته البنت فقال مالك والشافعي ينفسخ النكاح لأنها ملكت جزءا منه وملك يمين المرأة محرم عليها بإجماع وقال أبو حنيفة يصح النكاح لأن الذي ورثت إنما هو مال في ذمة المكاتب لا رقبة المكاتب وهذه المسألة هي أحق بكتاب النكاح ومن هذا الباب اختلافهم إذا مات المكاتب وعليه دين وبعض الكتابة هل يحاص سيده الغرماء أم لا فقال الجمهور لا يحاص الغرماء وقال شريح وابن أبي ليلى يضرب السيد مع الغرماء وكذلك اختلفوا إذا أفلس وعليه دين يستغرق ما بيده هل يتعدى ذلك إلى رقبته فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة لا سبيل لهم إلى رقبته وقال الثوري وأحمد يأخذونه إلا أن يفتكه السيد واتفقوا على أنه إذا عجز عن عقل الجنايات أنه يسلم فيها إلا أن يعقل عنه سيده والقول في هل يحاص سيده الغرماء أو لا يحاص هو من كتاب التفليس والقول في جنايته هو من باب الجنايات ومن مسائل الأقضية التي هي فروع في هذا الباب وأصل في باب الأقضية اختلافهم في الحكم عند اختلاف السيد والمكاتب في مال الكتابة فقال مالك وأبو حنيفة القول قول المكاتب وقال الشافعي ومحمد وأبو يوسف يتحالفان ويتفاسخان قياسا على المتبايعين وفروع هذا الباب كثيرة لكن الذي حضر منها الآن في الذكر هو ما ذكرناه ومن وقعت له من هذا الباب مسائل مشهورة الخلاف بين فقهاء الأمصار وهي قريبة من المسموع فينبغي أن تثبت في هذا الموضع إذ كان القصد إنما هو إثبات المسائل المشهورة التى وقع الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار مع المسائل المنطوق بها في الشرع وذلك أن قصدنا في هذا الكتاب كما قلنا غير مرة إنما هو أن نثبت المسائل المنطوق بها في الشرع المتفق عليها والمختلف فيها ونذكر من المسائل المسكوت عنها التي شهر الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار فإن معرفة هذين الصنفين من المسائل هي التي تجري للمجتهد مجرى الأصول في المسكوت عنها وفي النوازل التي لم يشتهر الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار سواء نقل فيها مذهب عن واحد منهم أو لم ينقل ويشبه أن يكون من تدرب في هذه المسائل وفهم أصول الأسباب التي أوجبت خلاف الفقهاء فيها أن يقول ما يجب في نازلة من النوازل أعني أن يكون الجواب فيها على مذهب فقيه من فقهاء الأمصار أعني في المسألة الواحدة بعينها ويعلم حيث خالف ذلك الفقيه أصله وحيث لم يخالف وذلك إذا نقل عنه في ذلك فتوى

Section V02/P290–V02/P291

فأما إذا لم ينقل عنه في ذلك فنوى أو لم يبلغ ذلك الناظر في هذه الأصول فيمكنه أن يأتي بالجواب بحسب أصول الفقيه الذي يفتي على مذهبه وبحسب الحق الذي يؤديه إليه اجتهاده ونحن نروم إن شاء الله بعد فراغنا من هذا الكتاب أن نضع في مذهب مالك كتابا جامعا لأصول مذهبه ومسائله المشهورة التي تجري في مذهبه مجرى الأصول للتفريع عليها وهذا هو الذي عمله ابن القاسم في المدونة فإن جاوب فيما لم يكن عنده فيها قول مالك على قياس ما كان عنده في ذلك الجنس من مسائل مالك التي هي فيها جارية مجرى الأصول لما جبل عليه الناس من الاتباع والتقليد في الأحكام والفتوى بيد أن في قوة هذا الكتاب أن يبلغ به الإنسان كما قلنا رتبة الاجتهاد إذا تقدم فعلم من اللغة العربية وعلم من أصول الفقه ما يكفيه في ذلك ولذلك رأينا أن أخص الأسماء بهذا الكتاب أن نسميه كتاب ( بداية المجتهد وكفاية المقتصد ) كتاب التدبير والنظر في التدبير في أركانه وفي أحكامه وأما الأركان فهي أربعة المعنى واللفظ والمدبر والمدبر وأما الأحكام فصنفان أحكام العقد وأحكام المدبر الركن الأول فنقول أجمع المسلمون على جواز التدبير وهو أن يقول السيد لعبده أنت حر عن دبر مني أو يطلق فيقول أنت مدبر وهذان هما عندهم لفظا التدبير باتفاق والناس في التدبير والوصية على صنفين منهم من لم يفرق بينهما ومنهم من فرق بين التدبير والوصية بأن جعل التدبير لازما والوصية غير لازمة والذين فرقوا بينهما اختلفوا في مطلق لفظ الحرية بعد الموت هل يتضمن معنى الوصية أو حكم التدبير أعني إذا قال أنت حر بعد موتي فقال مالك إذا قال وهو صحيح أنت حر بعد موتي فالظاهر أنه وصية والقول قوله في ذلك ويجوز رجوعه فيها إلا أن يريد التدبير وقال أبو حنيفة الظاهر من هذا القول التدبير وليس له أن يرجع فيه وبقول مالك قال ابن القاسم وبقول أبي حنيفة قال أشهب قال إلا أن يكون هنالك قرينة تدل على الوصية مثل أن يكون على سفر أو يكون مريضا وما أشبه ذلك من الأحوال التي جرت العادة أن يكتب الناس فيها وصاياهم فعلى قول من لا يفرق بين الوصية والتدبير وهو الشافعي ومن قال بقوله هذا اللفظ هو من ألفاظ صريح التدبير وأما على مذهب من يفرق فهو إما من كنايات التدبير وإما ليس من كناياته ولا من صريحه وذلك أن ما يحمله على الوصية فليس هو عنده من كناياته ولا من صريحه ومن يحمله على التدبير وينويه يقبل هذا العقد هو كل عبد صحيح العبودية ليس يعتق على سيده سواء ملك كله أو بعضه واختلفوا في حكم من ملك بعضا فدبره فقال مالك يجوز ذلك وللذي لم يدبر حظه خياران أحدهما أن يتقاوماه فإن اشتراه الذي دبره كان مدبرا كله وإن لم يشتره انتقض التدبير والخيار الثاني أن يقومه عليه الشريك وقال أبو حنيفة للشريك الذي لم يدبر ثلاث خيارات إن شاء استمسك بحصته وإن شاء استسعى العبد في قيمة الحصة التي له فيه وإن شاء قومها على شريكه إن كان موسرا وإن كان معسرا استسعى العبد وقال الشافعي يجوز التدبير ولا يلزم شيء من هذا كله ويبقى العبد المدبر نصفه أو ثلثه على ما هو عليه فإذا مات مدبره عتق منه ذلك الجزء ولم يقوم الجزء الباقي منه على السيد على ما يفعل في سنة العتق لأن المال قد صار لغيره وهم الورثة وهذه المسألة هي من الأحكام لا من الأركان أعني أحكام المدبر فلتثبت في الأحكام وأما المدبر فاتفقوا على أن من شروطه أن يكون مالكا تام الملك غير محجور عليه سواء أكان صحيحا أو مريضا وأن من شرطه أن لا يكون ممن أحاط الدين بماله لأنهم اتفقوا على أن الدين يبطل التدبير واختلفوا في تدبير السفيه فهذه هي أركان هذا الباب وأما أحكامه فأصولها راجعة إلى أجناس خمسة أحدها ماذا يخرج المدبر هل من رأس المال أو الثلث

Section V02/P291–V02/P292

والثاني ما يبقى فيه من أحكام الرق مما ليس يبقى فيه أعني ما دام مدبرا والثالث ما يتبعه في الحرية مما ليس يتبعه الرابع مبطلات التدبير الطارئة عليه والخامس في أحكام تبعيض التدبير الجنس الأول فأما مماذا يخرج المدبر إذا مات المدبر فإن العلماء اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه يخرج من الثلث وقالت طائفة هو من رأس المال معظمهم أهل الظاهر فمن رأى أنه من الثلث شبهه بالوصية لأنه حكم يقع بعد الموت وقد روي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المدبر من الثلث إلا أنه أثر ضعيف عند أهل الحديث لأنه رواه علي بن ظبيان عن نافع عن عبد الله بن عمر وعلي بن طبيان متروك الحديث عند أهل الحديث ومن رأه من رأس المال شبهه بالشيء يخرجه الإنسان من ماله في حياته فأشبه الهبة واختلف القائلون بأنه من الثلث في فروع وهو إذا دبر الرجل غلاما له في صحته وأعتق في مرضه الذي مات عنه غلاما آخر فضاق الثلث عن الجمع بينهما فقال مالك يقدم المدبر لأنه كان في الصحة وقال الشافعي يقدم العتق المبتل لأنه لا يجوز له رده ومن أصله أنه يجوز عنده رد التدبير وهذه المسألة هي أحق بكتاب الوصايا وأما الجنس الثاني فأشهر مسألة فيه هي هل للمدبر أن يبيع المدبر أم لا فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة ليس للسيد أن يبيع مدبره وقال الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور له أن يرجع فيبيع مدبره وقال الأوزاعي لا يباع إلا من رجل يريد عتقه واختلف أبو حنيفة ومالك من هذه المسألة في فروع وهو إذا بيع فأعتقه المشتري فقال مالك ينفذ العتق وقال أبو حنيفة والكوفيون البيع مفسوخ سواء أعتقه المشتري أو لم يعتقه وهو أقيس من جهة أنه ممنوع عبادة فعمدة من أجاز بيعه ما ثبت من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا وربما شبهوه بالوصية وأما عمدة المالكية فعموم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود لأنه عتق إلى أجل فأشبه أم الولد أو أشبه العتق المطلق فكان سبب الاختلاف ههنا معارضة القياس للنص أو العموم للخصوص ولا خلاف بينهم أن المدبر أحكامه في حدوده وطلاقه وشهاداته وسائر أحكامه أحكام العبيد واختلفوا من هذا الباب في جواز وطء المدبرة فجمهور العلماء على جواز وطئها وروي عن ابن شهاب منع ذلك وعن الأوزاعي كراهية ذلك إذا لم يكن وطئها قبل التدبير وعمدة الجمهور تشبيهها بأم الولد ومن لم يجز ذلك شبهها بالمعتقة إلى أجل ومنع وطء المعتقة إلى أجل شبهها بالمنكوحة إلى أجل وهي المتعة واتفقوا على أن للسيد في المدبر الخدمة ولسيده أن ينتزع ماله منه متى شاء كالحال في العبد قال مالك إلا أن يمرض مرضا مخوفا فيكره له ذلك الجنس الثالث فأما ما يتبعه في التدبير مما لا يتبعه فإن من مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في ولد المدبرة الذين تلدهم بعد تدبير سيدها من نكاح أو زنا فقال الجمهور ولدها بعد تدبيرها بمنزلتها يعتقون بعتقها ويرقون برقها وقال الشافعي في قوله المختار عند أصحابه إنهم لا يعتقون بعتقها وأجمعوا على أنه إذا أعتقها سيدها في حياته أنهم يعتقون بعتقها وعمدة الشافعية أنهم إذا لم يعتقوا في العتق المنجز فأحرى أن لا يعتقوا في العتق المؤجل بالشرط واحتج أيضا بإجماعهم على أن الموصى لها بالعتق لا يدخل فيه بنوها والجمهور رأوا أن التدبير حرمة ما فأوجبوا إتباع الولد تشبيها بالكتابة وقول الجمهور مروي عن عثمان وابن مسعود وابن عمر وقول الشافعي مروي عن عمر بن عبد العزيز وعطاء بن أبي رباح ومكحول

Section V02/P292–V02/P294

وتحصيل مذهب مالك في هذا أن كل امرأة فولدها تبع لها إن كانت حرة فحر وإن كانت مكاتبة فمكاتب وإن كانت مدبرة فمدبر أو معتقة إلى أجل فمعتق إلى أجل وكذلك أم الولد ولدها بمنزلتها وخالف في ذلك أهل الظاهر وكذلك المعتق بعضه عند مالك وأجمع العلماء عن أن كل ولد من تزويج فهو تابع لأمه في الرق والحرية وما بينهما من العقود المفضية إلى الحرية إلا ما اختلفوا فيه من التدبير ومن أمة زوجها عربي وأجمعوا على أن كل ولد من ملك يمين أنه تابع لأبيه إن حرا فحرا وإن عبدا فعبدا وإن مكاتبا فمكاتبا واختلفوا في المدبر إذا تسرى فولد له فقال مالك حكمه حكم الأب يعني أنه مدبر وقال الشافعي وأبو حنيفة ليس يتبعه ولده في التدبير وعمدة مالك الإجماع على الولد من ملك اليمين تابع للأب ما عدا المدبر وهو باب قياس موضع الخلاف على موضع الإجماع وعمدة الشافعية أن ولد المدبر مال من ماله ومال المدبر للسيد انتزاعه منه وليس يسلم له أنه مال من ماله ويتبعه في الحرية ماله عند مالك الجنس الرابع وأما النظر في تبعيض التدبير فقد قلنا فيمن دبر له حظا في عبده دون أن يدبر شريكه ونقله إلى هذا الموضع أولى فلينقل إليه وأما من دبر جزءا من عبد هو له كله فإنه يقضي عليه بتدبير الكل قياسا على من بعض العتق عند مالك وأما الجنس الخامس وهو مبطلات التدبير فمن هذا الباب اختلافهم في إبطال الدين للتدبير فقال مالك والشافعي الدين يبطله وقال أبو حنيفة ليس يبطله ويسعى في الدين وسواء أكان الدين مستغرقا للقيمة أو لبعضها ومن هذا الباب اختلافهم في النصراني يدبر عبدا له نصرانيا فيسلم العبد قبل موت سيده فقال الشافعي يباع عليه ساعة يسلم ويبطل تدبيره وقال مالك يحال بينه وبين سيده ويخارج على سيده النصراني ولا يباع عليه حتى يبين أمر سيده فإن مات عتق المدبر ما لم يكن عليه دين يحيط بماله وقال الكوفيون إذا أسلم مدبر النصراني قوم وصفي العبد في قيمته ومدبر الصحة يقدم عند مالك على مدبر المرض إذا ضاق الثلث عنهما كتاب أمهات الأولاد وأصول هذا الباب النظر في هل تباع أم الولد أم لا وإن كانت لا تباع فمتى تكون أم ولد وبماذا تكون أم ولد وما يبقى فيها لسيدها من أحكام العبودية ومتى تكون حرة أما المسألة الأولى فإن العلماء اختلفوا فيها سلفهم وخلفهم فالثابت عن عمر رضي الله عنه أنه قضى بأنها لا تباع وأنها حرة من رأس مال سيدها إذا مات وروي مثل ذلك عن عثمان وهو قول أكثر التابعين وجمهور فقهاء الأمصار وكان أبو بكر الصديق وعلي رضوان الله عليهما وابن عباس وابن الزبير و جابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري يجيزون بيع أم الولد وبه قالت الظاهرية من فقهاء الأمصار وقال جابر وأبو سعيد كنا نبيع أمهات الأولاد والنبي عليه الصلاة والسلام فينا لا يرى بذلك بأسا واحتجوا بما روي عن جابر أنه قال كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر ثم نهانا عمر عن بيعهن ومما اعتمد عليه أهل الظاهر في هذه المسألة النوع من الاستدلال الذي يعرف باستصحاب حال الإجماع وذلك أنهم قالوا لما انعقد الإجماع على أنها مملوكة قبل الولادة وجب أن تكون كذلك بعد الولادة إلى أن يدل الدليل على غير ذلك وقد تبين في كتب الأصول قوة هذا الاستدلال وأنه لا يصح عند من يقول بالقياس وإنما يكون ذلك دليلا بحسب رأي من ينكر القياس وربما احتج الجمهور عليهم بمثل احتجاجهم وهو الذي يعرفونه بمقابلة الدعوى بالدعوى وذلك أنهم يقولون أليس تعرفون أن الإجماع قد انعقد على منع بيعها في حال حملها فإذا كان ذلك وجب أن يستصحب حال هذا الإجماع بعد وضع الحمل إلا أن المتأخرين من أهل الظاهر أحدثوا في هذا الأصل نقضا وذلك أنهم لا يسلمون منع بيعها حاملا

Section V02/P294–V02/P295

ومما اعتمده الجمهور في هذا الباب من الأثر ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في مارية سريته لما ولدت إبراهيم أعتقها ولدها ومن ذلك حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما امرأة ولدت من سيدها فإنها حرة إذا مات وكلا الحديثين لا يثبت عند أهل الحديث حكى ذلك أبو عمر بن عبد البر رحمه الله وهو من أهل هذا الشأن وربما قالوا أيضا من طريق المعنى إنها قد وجبت لها حرمة وهو اتصال الولد بها وكونه بعضا منها وحكوا هذا التعليل عن عمر رضي الله عنه حين رأى أن لا يبعن فقال خالطت لحومنا لحومهن ودماؤنا دماءهن وأما متى تكون أم ولد فإنهم اتفقوا على أنها تكون أم ولد إذا ملكها قبل حملها منه واختلفوا إذا ملكها وهي حامل منه أو بعد أن ولدت منه فقال مالك لا تكون أم ولد إذا ولدت منه قبل أن يملكها ثم ملكها وولدها وقال أبو حنيفة تكون أم ولد واختلف قول مالك إذا ملكها وهي حامل والقياس أن تكون أم ولد في جميع الأحوال إذ كان ليس من مكارم الأخلاق أن يبيع المرء أم ولده وقد قال عليه الصلاة والسلام بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وأما بماذا تكون أم ولد فإن مالكا قال كل ما وضعت مما يعلم أنه ولد كانت مضغة أو علقة وقال الشافعي لا بد أن يؤثر في ذلك شيء مثل الخلقة والتخطيط واختلافهم راجع إلى ما ينطلق عليه اسم الولادة أو ما يتحقق أنه مولد وأما ما بقي فيها من أحكام العبودية فإنهم اتفقوا على أنها في شهادتها وحدودها وديتها وأرش جراحها كالأمة وجمهور من منع بيعها ليس يرون ههنا سببا طارئا عليها يوجب بيعها إلا ما روي عن عمر بن الخطاب أنها إذا زنت رقت واختلف قول الشافعي هل لسيدها استخدامها طول حياته واغتلاله إياها فقال مالك ليس له ذلك وإنما له فيها الوطء فقط وقال الشافعي له ذلك وعمدة مالك أنه لما لم يملك رقبتها بالبيع لم يملك إجارتها إلا أنه يرى أن إجارة بنيها من غيره جائزة لأن حرمتهم عنده أضعف وعمدة الشافعي انعقاد الإجماع على أنه يجوز له وطؤها فسبب الخلاف تردد إجارتها بين أصلين أحدهما وطؤها والثاني بيعها فيجب أن يرجح أقوى الأصلين شبها وأما متى تكون حرة فإنه لا خلاف بينهم أن آن ذلك الوقت هو إذا مات السيد ولا أعلم الآن أحدا قال تعتق من الثلث وقياسها على المدبر ضعيف على قول من يقول إن المدبر يعتق من الثلث كتاب الجنايات والجنايات التي لها حدود مشروعة أربع جنايات على الأبدان والنفوس والأعضاء وهو المسمى قتلا وجرحا وجنايات على الفروج وهو المسمى زنا وسفاحا وجنايات على الأموال وهذه ما كان منها مأخوذا بحرب سمي حرابة إذا كان بغير تأويل وإن كان بتأويل سمي بغيا وإن كان مأخوذا على وجه المعافصة من حرز يسمى سرقة وما كان منها يعلو مرتبة وقوة وسلطان سمي غصبا وجنايات على الأعراض وهي المسمى قذفا وجنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الشرع من المأكول والمشروب وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في الخمر فقط وهو حد متفق عليه بعد صاحب الشرع صلوات الله عليه فلنبتدىء منها بالحدود التي في الدماء فنقول إن الواجب في إتلاف النفوس والجوارح هو إما قصاص وإما مال وهو الذي يسمى الدية فإذن النظر أولا في هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين النظر في القصاص والنظر في الدية والنظر في القصاص ينقسم إلى القصاص في النفوس وإلى القصاص في الجوارح والنظر أيضا في الديات ينقسم إلى النظر في ديات النفوس وإلى النظر في ديات قطع الجوارح والجراح فينقسم أولا هذا الكتاب إلى كتابين أولهما يرسم عليه كتاب القصاص والثاني يرسم عليه كتاب الديات كتاب القصاص وهذا الكتاب ينقسم إلى قسمين الأول النظر في القصاص في النفوس والثاني النظر في القصاص في الجوارح فلنبدأ من القصاص في النفوس كتاب القصاص في النفوس

Section V02/P295–V02/P296

والنظر أولا في هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين إلى النظر في الموجب أعني الموجب للقصاص وإلى النظر في الواجب أعني القصاص وفي أبداله إن كان له بدل فلنبدأ أولا بالنظر في الموجب والنظر في الموجب يرجع إلى النظر في صفة القتل والقاتل والمقتول التي يجب بمجوعها القصاص فإنه ليس أي قاتل اتفق يقتص منه ولا بأي قتل اتفق ولا من أي مقتول اتفق بل من قاتل محدود ومقتول محدود إذ كان المطلوب في هذا الباب إنما هو العدل فلنبدأ من النظر في القاتل ثم في القتل ثم في المقتول القول في شروط القاتل فنقول إنهم اتفقوا على أن القاتل الذي يقاد منه يشترط فيه باتفاق أن يكون عاقلا بالغا مختارا للقتل مباشرا غير مشارك له فيه غيره واختلفوا في المكره والمكره وبالجملة الآمر والمباشر فقال مالك والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وجماعة القتل على المباشر دون الآمر ويعاقب الآمر وقالت طائفة يقتلان جميعا وهذا إذا لم يكن هنالك إكراه ولا سلطان للآمر على المأمور وأما إذا كان للآمر سلطان على المأمور أعني المباشر فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال فقال قوم يقتل الآمر دون المأمور ويعاقب المأمور وبه قال داود وأبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي وقال قوم يقتل المأمور دون الآمر وهو أحد قولي الشافعي وقال قوم يقتلان جميعا وبه قال مالك فمن لم يوجب حدا على المأمور اعتبر تأثير الإكراه في إسقاط كثير من الواجبات في الشرع لكون المكره يشبه من لا اختيار له ومن رأى عليه القتل غلب عليه حكم الاختيار وذلك أن المكره يشبه من جهة المختار ويشبه من جهة المضطر المغلوب مثل الذي يسقط من علو والذي تحمله الريح من موضع إلى موضع ومن رأى قتلهم جميعا لم يعذر المأمور بالإكراه ولا الآمر بعدم المباشرة ومن رأى قتل الآمر فقط شبه المأمور بالآلة التي لا تنطق ومن رأى الحد على غير المباشر اعتمد أنه ليس ينطلق عليه اسم قاتل إلا بالاستعارة وقد اعتمدت المالكية في قتل المكره على القتل بالقتل بإجماعهم على أنه لو أشرف على الهلاك من مخمصة لم يكن له أن يقتل إنسانا فيأكله وأما المشارك للقاتل عمدا في القتل فقد يكون القتل عمدا وخطأ وقد يكون القاتل مكلفا وغير مكلف وسنذكر العمد عند قتل الجماعة بالواحد وأما إذا اشترك في القتل عامد ومخطىء أو مكلف وغير مكلف مثل عامد وصبي أو مجنون أو حر وعبد في قتل عبد عند من لا يقيد من الحر بالعبد فإن العلماء اختلفوا في ذلك فقال مالك والشافعي على العامد القصاص وعلى المخطىء والصبي نصف الدية إلا أن مالكا يجعله على العاقلة والشافعي في ماله على ما يأتي وكذلك قالا في الحر والعبد يقتلان العبد عمدا أن العبد يقتل وعلى الحر نصف القيمة وكذلك الحال في المسلم والذمي يقتلان جميعا وقال أبو حنيفة إذا اشترك من يجب عليه القصاص مع من لا يجب عليه القصاص فلا قصاص على واحد منهما وعليهما الدية وعمدة الحنفية أن هذه شبهة فإن القتل لا يتبعض وممكن أن تكون إفاتة نفسه من فعل الذي لا قصاص عليه كإمكان ذلك ممن عليه القصاص وقد قال عليه الصلاة والسلام ادرأوا الحدود بالشبهات وإذا لم يكن الذم وجب بدله وهو الدية وعمدة الفريق الثاني النظر إلى المصلحة التي تقتضي التغليظ لحوطة الدماء فكأن كل واحد منهما انفرد بالقتل فله حكم نفسه وفيه ضعف في القياس وأما صفة الذي يجب به القصاص فاتفقوا على أنه العمد وذلك أنهم أجمعوا على أن القتل صنفان عمد وخطأ واختلفوا في هل بينهما وسط أم لا وهو الذي يسمونه شبه العمد فقال به جمهور فقهاء الأمصار والمشهور عن مالك نفيه إلا في الابن مع أبيه وقد قيل إنه يتخرج عنه في ذلك رواية أخرى

Section V02/P296–V02/P298

وبإثباته قال عمر بن الخطاب وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري والمغيرة ولا مخالف لهم من الصحابة والذين قالوا به فرقوا فيما هو شبه العمد مما ليس بعمد وذلك راجع في الأغلب إلى الآلات التي يقع بها القتل وإلى الأحوال التي كان من أجلها الضرب فقال أبو حنيفة كل ما عدا الحديد من القضب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد وقال أبو يوسف ومحمد أشبه العمد ما لا يقتل مثله وقال الشافعي شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل فتولد عنه القتل والخطأ ما كان خطأ فيهما جميعا والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا وهو حسن فعمدة من نفى شبه العمد أنه لا واسطة بين الخطأ والعمد أعني بين أن يقصد القتل أو لا يقصده وعمدة من أثبت الوسط أن النيات لا يطلع عليها إلا الله تبارك وتعالى وإنما الحكم بما ظهر فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبا كان حكمه كحكم الغالب أعني حكم من قصد القتل فقتل بلا خلاف ومن قصد ضرب رجل بعينه بآلة لا تقتل غالبا كان حكمه مترددا بين العمد والخطأ وهذا في حقنا لا في حق الآمر نفسه عند الله تعالى أما شبهه العمد فمن جهة ما قصد ضربه وأما شبهه للخطأ فمن جهة أنه ضرب بما لا يقصد به القتل وقد روي حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا إن قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها إلا أنه حديث مضطرب عند أهل الحديث لا يثبت من جهة الإسناد فيما ذكره أبو عمر بن عبد البر وإن كان أبو داود وغيره قد خرجه فهذا النحو من القتل عند من لا يثبته يجب به القصاص وعند من أثبته تجب به الدية ولا خلاف في مذهب مالك أن الضرب يكون على وجه الغضب والنائرة يجب به القصاص واختلف في الذي يكون عمدا على جهة اللعب أو على جهة الأدب لمن أبيح له الأدب وأما الشرط الذي يجب به القصاص في المقتول فهو أن يكون مكافئا لدم القاتل والذي به تختلف النفوس هو الإسلام والكفر والحرية والعبودية والذكورية والأنوثية والواحد والكثير واتفقوا على أن المقتول إذا كان مكافئا للقاتل في هذه الأربعة أنه يجب القصاص واختلفوا في هذه الأربعة إذا لم تجتمع أم الحر إذا قتل العبد عمدا فإن العلماء اختلفوا فيه فقال مالك والشافعي والليث وأحمد وأبو ثور لا يقتل الحر بالعبد وقال أبو حنيفة وأصحابه يقتل الحر بالعبد إلا عبد نفسه وقال قوم يقتل الحر بالعبد سواء أكان عبد القاتل أو عبد غير القاتل وبه قال النخعي فمن قال لا يقتل الحر بالعبد احتج بدليل الخطاب المفهوم من قوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ومن قال بقتل الحر بالعبد احتج بقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم فسبب الخلاف معارضة العموم لدليل الخطاب ومن فرق فضعيف ولا خلاف بينهم أن العبد يقتل بالحر وكذلك الأنقص بالأعلى ومن الحجة أيضا لمن قال يقتل الحر بالعبد ما رواه الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل عبده قتلناه به ومن طريق المعنى قالوا ولما كان قتله محرما كقتل الحر وجب أن يكون القصاص فيه كالقصاص في الحر وأما قتل المؤمن بالكافر الذمي فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال فقال قوم لا يقتل مؤمن بكافر وممن قال به الشافعي والثوري وأحمد وداود وجماعة وقال قوم يقتل به وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وقال مالك والليث لا يقتل به إلا أن يقتله غيلة وقتل الغيلة أن يضجعه فيذبحه وبخاصة على ماله

Section V02/P298–V02/P299

فعمدة الفريق الأول ما روي من حديث علي أنه سأله قيس بن عبادة والأشتر هل عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لم يعهده إلى الناس قال لا إلا ما في كتابي هذا وأخرج كتابا من قراب سيفه فإذا فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خرجه أبو داود وروي أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل مؤمن بكافر واحتجوا في ذلك بإجماعهم على أنه لا يقتل مسلم بالحربي الذي أمن وأما أصحاب أبي حنيفة فاعتمدوا في ذلك آثار منها حديث يرويه ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن السلماني قال قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أهل القبلة برجل من أهل الذمة وقال أنا أحق من وفى بعهده ورووا ذلك عن عمر قالوا وهذا مخصص لعموم قوله عليه الصلاة والسلام لا يقتل مؤمن بكافر أي أنه أريد بالكافر الحربي دون الكافر المعاهد وضعف أهل الحديث حديث عبد الرحمن السلماني وما رووا من ذلك عن عمر وأما من طريق القياس فإنهم اعتمدوا على إجماع المسلمين في أن يد المسلم تقطع إذا سرق من مال الذمي قالوا فإذا كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم فحرمة دمه كحرمة دمه فسبب الخلاف تعارض الآثار والقياس وأما قتل الجماعة بالواحد فإن جمهور فقهاء الأمصار قالوا تقتل الجماعة بالواحد منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وغيرهم سواء كثرت الجماعة أو قلت وبه قال عمر حتى روي أنه قال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا وقال داود وأهل الظاهر لا تقتل الجماعة بالواحد وهو قول ابن الزبير وبه قال الزهري وروي عن جابر وكذلك عند هذه الطائفة لا تقطع أيد بيد أعني إذا اشترك اثنان فما فوق ذلك في قطع يد وقال مالك والشافعي تقطع الأيدي باليد وفرقت الحنفية بين النفس والأطراف فقالوا تقتل الأنفس بالنفس ولا يقطع بالطرف إلا طرف واحد وسيأتي هذا في باب القصاص من الأعضاء فعمدة من قتل بالواحد الجماعة النظر إلى المصلحة فإنه مفهوم أن القتل إنما شرع لنفي القتل كما نبه عليه الكتاب في قوله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب وإذا كان ذلك كذلك فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة ولكن للمعترض أن يقول إن هذا إنما كان يلزم لو لم يقتل من الجماعة أحد فأما إن قتل منهم واحد وهو الذي من قتله يظن إتلاف النفس غالبا على الظن فليس يلزم أن يبطل الحد حتى يكون سببا للتسليط على إذهاب النفوس وعمدة من قتل الواحد بالواحد قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين وأما قتل الذكر بالأنثى فإن ابن المنذر وغيره ممن ذكر الخلاف حكى أنه إجماع إلا ما حكي عن علي من الصحابة وعن عثمان البتي أنه إذ قتل الرجل بالمرأة كان على أولياء المرأة نصف الدية وحكى القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى عن الحسن البصري أنه لا يقتل الذكر بالأنثى وحكاه الخطابي في معالم السنن وهو شاذ ولكن دليله قوي لقوله تعالى والأنثى بالأنثى وإن كان يعارض دليل الخطاب ههنا العموم الذي في قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس لكن يدخله أن هذا الخطاب وارد في غير شريعتنا وهي مسألة مختلف فيها أعني هل شرع من قبلنا شرع لنا أم لا والاعتماد في قتل الرجل بالمرأة هو النظر إلى المصلحة العامة واختلفوا من هذا الباب في الأب والابن فقال مالك لا يقاد الأب بالابن إلا أن يضجعه فيذبحه فأما إن حذفه بسيف أو عصا فقتله لم يقتل وكذلك الجد عنده مع حفيده

Section V02/P299–V02/P300

وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري لا يقاد الوالد بولده ولا الجد بحفيده إذا قتله بأي وجه كان من أوجه العمد وبه قال جمهور العلماء وعمدتهم حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لا تقام الحدود في المساجد ولا يقاد بالولد الوالد وعمدة مالك عموم القصاص بين المسلمين وسبب اختلافهم ما رووه عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن رجلا من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنا له بالسيف فأصاب ساقه فنزف جرحه فمات فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر له فقال له عمر اعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك فلما قدم عليه عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقه وثلاثين وأربعين خلفة ثم قال أين أخو المقتول فقال ها أنا ذا قال خذها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس لقاتل شيء فإن مالكا حمل هذا الحديث على أنه لم يكن عمدا محضا وأثبت منه شبه العمد فيما بين الابن والأب وأما الجمهور فحملوه على ظاهره من أنه عمد لإجماعهم أن من حذف آخر بسيف فقتله فهو عمد وأما مالك فرأى لما للأب من التسلط على تأديب ابنه ومن المحبة له أن حمل القتل الذي يكون في أمثال هذه الأحوال على أنه ليس بعمد ولم يتهمه إذ كان ليس بقتل غيلة فإنما يحمل فاعله على أنه قصد القتل من جهة غلبة الظن وقوة التهمة إذ كانت النيات لا يطلع عليها إلا الله تعالى فمالك لم يتهم الأب حيث اتهم الأجنبي لقوة المحبة التي بين الأب والابن والجمهور إنما عللوا درء الحد عن الأب لمكان حقه على الابن والذي يجيء على أصول أهل الظاهر أن يقاد فهذا هو القول في الموجب وأما القول في الموجب فاتفقوا على أن لولي الدم أحد شيئين القصاص أو العفو إما على الدية وإما على غير الدية واختلفوا هل الانتقال من القصاص إلى العفو على أخذ الدية هو حق واجب لولي الدم دون أن يكون في ذلك خيار للمقتص منه أم لا تثبت الدية إلا بتراضي الفريقين أعني الولي والقاتل وأنه إذا لم يرد المقتص منه أن يؤدي الدية لم يكن لولي الدم إلا القصاص مطلقا أو العفو فقال مالك لا يجب للولي إلا أن يقتص أو يعفو عن غير دية إلا أن يرضى بإعطاء الدية القاتل وهي رواية ابن القاسم عنه وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجماعة وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود وأكثر فقهاء المدينة من أصحاب مالك وغيره ولي الدم بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية رضي القاتل أو لم يرض وروى ذلك أشهب عن مالك إلا أن المشهور عنه هي الرواية الأولى فعمدة مالك في الرواية المشهورة حديث أنس بن مالك في قصة سن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كتاب الله القصاص فعلم بدليل الخطاب أنه ليس له إلا القصاص وعمدة الفريق الثاني حديث أبي هريرة الثابت من قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يأخذ الدية وبين أن يعفو هما حديثان متفق على صحتهما لكن الأول ضعيف الدلالة في أنه ليس له إلا القصاص والثاني نص في أن له الخيار والجمع بينهما يمكن إذا رفع دليل الخطاب من ذلك فإن كان الجمع واجبا وممكنا فالمصير إلى حديث الثاني واجب والجمهور على أن الجمع واجب إذا أمكن وأنه أولى من الترجيح وأيضا فإن الله عز وجل يقول ولا تقتلوا أنفسكم وإذا عرض على المكلف فداء نفسه بمال فواجب عليه أن يفديها أصله إذا وجد الطعام في مخمصة بقيمة مثله وعنده ما يشتريه أعني أنه يقضي عليه بشرائه فكيف بشراء نفسه ويلزم على هذه الرواية إذا كان للمقتول أولياء صغار وكبار أن يؤخر القتل إلى أن يكبر الصغار فيكون لهم الخيار ولا سيما إذا كان الصغار يحجبون الكبار مثل البنين مع الإخوة

Section V02/P300–V02/P302

قال القاضي وقد كانت وقعت هذه المسألة بقرطبة حياة جدي رحمه الله فأفتى أهل زمانه بالرواية المشهورة وهو أن لا ينتظر الصغير فأفتى هو رحمه الله بانتظاره على القياس فشنع أهل زمانه ذلك عليه لما كانوا عليه من شدة التقليد حتى اضطر أن يضع في ذلك قولا ينتصر فيه لهذا المذهب وهو موجود بأيدي الناس والنظر في هذا الباب هو في قسمين في العفو والقصاص والنظر في العفو في شيئين أحدهما فيمن له العفو ممن ليس له وترتيب أهل الدم في ذلك وهل يكون له العفو على الدية أم لا وقد تكلمنا في هل له العفو على الدية وأما من لهم العفو بالجملة فهم الذين لهم القيام بالدم والذين لهم القيام بالدم هم العصبة عند مالك وعند غيره كل من يرث وذلك أنهم أجمعوا على أن المقتول عمدا إذا كان له بنون بالغون فعفا أحدهم أن القصاص قد بطل ووجبت الدية واختلفوا في اختلاف البنات مع البنين في العفو أو القصاص وكذلك الزوجة أو الزوج والأخوات فقال مالك ليس للبنات ولا الأخوات قول مع البنين والإخوة في القصاص أو ضده ولا يعتبر قولهن مع الرجال وكذلك الأمر في الزوجة والزوج وقال فهو كفارة له قيل على القاتل لمن رأى له توبة وقيل على المقتول من ذنوبه وخطاياه وأما اختلافهم في عفو المقتول خطأ عن الدية فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور فقهاء الأمصار إن عفوه من ذلك في ثلثه إلا أن يجيزه الورثة وقال قوم يجوز في جميع ماله وممن قال به طاوس والحسن وعمدة الجمهور أنه واهب مالا له بعد موته فلم يجز إلا في الثلث أصله الوصية وعمدة الفرقة الثانية إذا كان له أن يعفو عن الدم فهو أحرى أن يعفو عن المال وهذه المسألة هي أخص بكتاب الديات واختلف العلماء إذا عفا المجروح عن الجراحات فمات منها هل للأولياء أن يطالبوا بدمه أم لا فقال مالك لهم ذلك إلا أن يقول عفوت عن الجراحات وعما تؤول إليه وقال أبو يوسف ومحمد إذا عفا عن الجراحة ومات فلا حق لهم والعفو عن الجراحات عفو عن الدم وقال قوم بل تلزمهم الدية إذا عفا عن الجراحات مطلقا وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال تلزم الجارح الدية كلها واختاره المزني من أقوال الشافعي ومنهم من قال يلزم من الدية ما بقي منها بعد إسقاط دية الجرح الذي عفا عنه وهو قول الثوري وأما من يرى أنه لا يعفو عن الدم فليس يتصور معه خلاف في أنه لا يسقط ذلك طلب الولي الدية لأنه إذا كان عفوه عن الدم لا يسقط حق الولي فأحرى أن لا يسقط عفوه عن الجرح واختلفوا في القاتل عمدا يعفى عنه هل يبقى للسلطان فيه أم لا فقال مالك والليث إنه يجلد مائة ويسجن سنة وبه قال أهل المدينة وروي ذلك عن عمر وقالت طائفة الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور لا يجب عليه ذلك وقال أبو ثور إلا أن يكون يعرف بالشر فيؤدبه الإمام على قدر ما يرى ولا عمدة الطائفة الأولى إلا أثر ضعيف وعمدة الطائفة الثانية ظاهر الشرع وأن التحديد في ذلك لا يكون إلا بتوقيف ولا توقيف ثابت في ذلك القول في القصاص والنظر في القصاص هو في صفة القصاص وممن يكون ومتى يكون فأما صفة القصاص في النفس فإن العلماء اختلفوا في ذلك فمنهم من قال يقتص من القاتل على الصفة التي قتل فمن قتل تغريقا قتل تغريقا ومن قتل بضرب بحجر قتل بمثل ذلك وبه قال مالك والشافعي قالوا إلا أن يطول تعذيبه بذلك فيكون السيف له أروح واختلف أصحاب مالك فيمن حرق آخر هل يحرق مع موافقتهم لمالك في احتذاء صورة القتل وكذلك فيمن قتل بالسهم وقال أبو حنيفة وأصحابه بأي وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف وعمدتهم ما روى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قود إلا بحديدة

Section V02/P302–V02/P303

وعمدة الفريق الأول حديث أنس أن يهوديا رضخ رأس امرأة بحجر فرضخ النبي صلى الله عليه وسلم رأسه بحجر أو قال بين حجرين وقوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى والقصاص يقتضي المماثلة وأما ممن يكون القصاص فالظاهر أنه يكون من ولي الدم وقد قيل إنه لا يمكن منه لمكان العدواة ومخافة أن يجور فيه أما متى يكون القصاص فبعد ثبوت موجباته والإعذار إلى القاتل في ذلك إن لم يكن مقرا واختلفوا هل من شرط القصاص أن لا يكون الموضع الحرم وأجمعوا على أن الحامل إذا قتلت عمدا أنه لا يقاد منها حتى تضع حملها واختلفوا في القاتل بالسم والجمهور على وجوب القصاص وقال بعض أهل الظاهر لا يقتص منه من أجل أنه عليه الصلاة والسلام سم هو وأصحابه فلم يتعرض لمن سمه كمل كتاب القصاص في النفس كتاب الجراح والجراح صنفان منها ما فيه القصاص أو الدية أو العفو ومنها ما فيه الدية أو العفو ولنبدأ بما فيه القصاص والنظر أيضا ههنا في شروط الجارح والجرح الذي به يحق القصاص والمجروح وفي الحكم الواجب الذي هو القصاص وفي بدله إن كان له بدل القول في الجارح ويشترط في الجارح أن يكون مكلفا كما يشترط ذلك في القاتل وهو أن يكون بالغا عاقلا والبلوغ يكون بالاحتلام والسن بلا خلاف وإن كان الخلاف في مقداره فأقصاه ثماني عشرة سنة وأقله خمس عشرة سنة وبه قال الشافعي ولا خلاف أن الواحد إذا قطع عضو إنسان واحد اقتص منه إذا كان مما فيه القصاص واختلفوا إذا قطعت جماعة عضوا واحدا فقال أهل الظاهر لا تقطع يدان في يد وقال مالك والشافعي تقطع الأيدي باليد الواحدة كما تقتل عندهم الأنفس بالنفس الواحدة وفرقت الحنفية بين النفس والأطراف فقالوا لا تقطع أعضاء بعضو وتقتل أنفس بنفس وعندهم أن الأطراف تتبعض وإزهاق النفس لا يتبعض واختلف في الإنبات فقال الشافعي هو بلوغ بإطلاق واختلف المذهب فيه في الحدود هل هو بلوغ فيها أم لا والأصل في هذا كله حديث بني قريظة أنه صلى الله عليه وسلم قتل منهم من أنبت وجرت عليه المواسي كما أن في الأصل في السن حديث ابن عمر أنه عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يقبله وقبله يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة القول في المجروح وأما المجروح فإنه يشترط فيه أن يكون دمه مكافئا لدم الجارح والذي يؤثر في التكافؤ العبودية والكفر أما العبد والحر فإنهم اختلفوا في وقوع القصاص بينهما في الجرح كاختلافهم في النفس فمنهم من رأى أنه لا يقتص من الحر للعبد ويقتص للحر من العبد كالحال في النفس ومنهم من رأى أنه يقتص لكل واحد منهما من كل واحد ولم يفرق بين الجرح والنفس ومنهم من فرق فقال يقتص من الأعلى للأدنى في النفس والجرح ومنهم من قال يقتص من النفس دون الجرح وعن مالك الروايتان والصواب كما يقتص من النفس أن يقتص من الجرح فهذه هي حال العبيد مع الأحرار وأما حال العبيد بعضهم مع بعض فإن للعلماء فيهم ثلاثة أقوال أحدها أن القصاص بينهم في النفس وما دونها وهو قول الشافعي وجماعة وهو مروي عن عمر بن الخطاب وهو قول مالك والقول الثاني أنه لا قصاص بينهم لا في النفس ولا في الجرح وأنهم كالبهائم وهو قول الحسن وابن شبرمة وجماعة والثالث أن القصاص بينهم في النفس دون ما دونها وبه قال أبو حنيفة والثوري وروي ذلك عن ابن مسعود وعمدة الفريق الأول قوله تعالى والعبد بالعبد وعمدة الحنفية ما روي عن عمران بن الحصين أن عبدا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقتص منه فهذا هو حكم النفس القول في الجرح

Section V02/P303–V02/P305

وأما الجرح فيشترط فيه أن يكون على وجه العمد أعني الجرح الذي يجب فيه القصاص والجرح لا يخلو أن يكون يتلف جارحة من جوارح المجروح أو لا يتلف فإن كان مما يتلف جارحة فالعمد فيه هو أن يقصد ضربه على وجه الغضب بما جرح غالبا وأما إن جرحه على وجه اللعب أو اللعب بما لا يجرح به غالبا أو على وجه الأدب فيشبه أن يكون فيه الخلاف الذي يقع في القتل الذي يتولد عن الضرب في اللعب والأدب بما لا يقتل غالبا فإن أبا حنيفة يعتبر الآلة حتى يقول إن القاتل بالمثقل لا يقتل وهو شذوذ منه أعني بالخلاف هل فيه القصاص أو الدية إن كان الجرح مما فيه الدية وأما إن كان الجرح قد أتلف جارحة من جوارح المجروح فمن شرط القصاص فيه العمد أيضا بلا خلاف وفي تمييز العمد منه من غير العمد خلاف أما إذا ضربه على العضو نفسه فقطعه وضربه بآلة تقطع العضو غالبا أو ضربة على وجه النائرة فلا خلاف أن فيه القصاص وأما إن ضربه بلطمة أو سوط أو ما أشبه ذلك مما الظاهر منه أنه لم يقصد إتلاف العضو مثل أن يلطمه فيفقأ عينه فالذي عليه الجمهور أنه شبه العمد ولا قصاص فيه وفيه الدية مغلظة في ماله وهي رواية العراقيين عن مالك والمشهور في المذهب أن ذلك عمد وفيه القصاص إلا في الأدب مع ابنه وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أن شبه العمد إنما هو في النفس لا في الجرح وأما إن جرحه فأتلف عضوا على وجه اللعب ففيه قولان أحدهما وجوب القصاص والثاني نفيه وما يجب على هذين القولين ففيه القولان قيل الدية مغلظة وقيل دية الخطأ أعني فيما فيه دية وكذلك إذا كان على وجه الأدب ففيه الخلاف وأما ما يجب في جراح العمد إذا وقعت على الشروط التي ذكرنا فهو القصاص لقوله تعالى والجروح قصاص وذلك فيما أمكن القصاص فيه منها وفيما وجد منه محل القصاص ولم يخش منه تلف النفس وإنما صاروا لهذا لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع القود في المأمومة والمنقلة والجائفة فرأى مالك ومن قال بقوله أن هذا حكم ما كان في معنى هذه من الجراح التي هي متالف مثل كسر عظم الرقبة والصلب والصدر والفخذ وما أشبه ذلك وقد اختلف قول مالك في المنقلة فمرة قال بالقصاص ومرة قال بالدية وكذلك الأمر عند مالك فيما لا يمكن فيه التساوي في القصاص مثل الاقتصاص من ذهاب بعض النظر أو بعض السمع ويمنع القصاص أيضا عند مالك عدم المثل مثل أن يفقأ أعمى عين بصير واختلف من هذا في الأعور يفقأ عين الصحيح عمدا فقال الجمهور إن أحب الصحيح أن يستقيد منه فله القود واختلفوا إذا عفا عن القود فقال قوم إن أحب فله الدية كاملة ألف دينار وهو مذهب مالك وقيل ليس له إلا نصف الدية وبه قال الشافعي وهو أيضا منقول عن مالك وبقول الشافعي قال ابن القاسم وبالقول الآخر قال المغيرة من أصحابه وابن دينار وقال الكوفيون ليس للصحيح الذي فقئت عينه إلا القود أو ما اصطلحا عليه وقد لا يستقيد من الأعور وعليه الدية كاملة روي هذا عن ابن المسيب وعن عثمان وعمدة صاحب هذا القول أن عين الأعور بمنزلة عينين فمن فقأها في واحدة فكأنه اقتص من اثنين في واحدة وإلى نحو هذا ذهب من رأى أنه إذا ترك القود أن له دية كاملة ويلزم حامل هذا القول أن لا يستقيد ضرورة ومن قال بالقود وجعل الدية نصف الدية فهو أحرز لأصله فتأمله فإنه بين نفسه والله أعلم وأما هل المجروح مخير بين القصاص وأخذ الدية أم ليس له إلا القصاص فقط إلا أن يصطلحا على أخذ الدية ففيه القولان عن مالك مثل القولين في القتل وكذلك أحد قولي مالك في الأعور يفقأ عين الصحيح أن الصحيح يخير بين أن يفقأ عين الأعور أو يأخذ الدية ألف دينار أو خمسمائة على الاختلاف في ذلك

Section V02/P305–V02/P306

وأما متى يستقاد من الجرح فعند مالك أنه لا يستقاد من جرح إلا بعد اندماله وعند الشافعي على الفور فالشافعي تمسك بالظاهر ومالك رأى أن يعتبر ما يؤول إليه أمر الجرح مخافة أن يقضي إلى إتلاف النفس اختلف العلماء في المقتص من الجرح يموت المقتص منه من ذلك الجرح فقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد لا شيء على المقتص وروي عن علي وعمر مثل ذلك وبه قال أحمد وأبو ثور وداود وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة إذا مات وجب على عاقلة المقتص الدية وقال بعضهم هي في ماله وقال عثمان البتي يسقط عنه من الدية قدر الجراحة التي اقتص منها وهو قول ابن مسعود فعمدة الفريق الأول إجماعهم على أن السارق إذا مات من قطع يده أنه لا شيء على الذي قطع يده وعمدة أبي حنيفة أنه قتل خطأ وجبت فيه الدية ولا يقاد عند مالك في الحر الشديد ولا البرد الشديد ويؤخر ذلك مخافة أن يموت المقاد منه وقد قيل إن المكان شرط في جواز القصاص وهو غير الحرم فهذا هو حكم العمد في الجنايات على النفس وفي الجنايات على أعضاء البدن وينبغي أن نصير إلى حكم الخطأ في ذلك ونبتدىء بحكم الخطأ في النفس كتاب الديات في النفوس والأصل في هذا الباب قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا والديات تختلف في الشريعة بحسب اختلاف الدماء وبحسب اختلاف الذين تلزمهم الدية وأيضا تختلف بحسب العمد إذا رضي بها الفريقان وأما من له القود على ما تقدم من الاختلاف والنظر في الدية هو في موجبها أعني في أي قتل تجب ثم في نوعها وفي قدرها وفي الوقت الذي تجب فيه وعلى من تجب فأما في أي قتل تجب فإنهم اتفقوا على أنها تجب في قتل الخطأ وفي العمد الذي يكون من غير مكلف مثل المجنون والصبي وفي العمد الذي تكون حرمة المقتول فيه ناقصة عن حرمة القاتل مثل الحر والعبد ومن قتل الخطأ ما اتفقوا على أنه خطأ ومنه ما اختلفوا فيه وقد تقدم صدر من ذلك وسيأتي بعد ذلك اختلافهم في تضمين الراكب والسائق والقائد وأما قدرها ونوعها فإنهم اتفقوا على أن دية الحر المسلم على أهل الإبل مائة من الإبل وهي في مذهب مالك ثلاث ديات دية الخطأ ودية العمد إذا قبلت ودية شبه العمد وهي عند مالك في الأشهر عنه مثل فعل المدلجي بابنه وأما الشافعي فالدية عنده اثنان فقط مخففة ومغلظة فالمخففة دية الخطأ والمغلظة دية العمد ودية شبه العمد وأما أبو حنيفة فالديات عنده اثنان أيضا دية الخطأ ودية شبه العمد وليس عنده دية في العمد وإنما الواجب عنده في العمد ما اصطلحا عليه وهو حال عليه غير مؤجل وهو معنى قول مالك المشهور لأنه إذا لم تلزمه الدية عنده إلا باصطلاح فلا معنى لتسميتها دية إلا ما روي عنه أنها تكون مؤجلة كدية الخطأ فهنا يخرج حكمها عن حكم المال المصطلح عليه ودية العمد عنده أرباع خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وهو قول ابن شهاب وربيعة والدية المغلظة عنده أثلاثا ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وهي الحوامل ولا تكون المغلظة عنده في المشهور إلا في مثل فعل المدلجي بابنه وعند الشافعي أنها تكون في شبه العمد أثلاثا أيضا وروي ذلك أيضا عن عمر وزيد بن ثابت وقال أبو ثور الدية في العمد إذا عفا ولي الدم أخماسا كدية الخطأ واختلفوا في أسنان الإبل في دية الخطأ فقال مالك والشافعي هي أخماس عشرون ابنة مخاض وعشرون ابنة لبون وعشرون ابن لبون ذكرا وعشرون حقة وعشرون جذعة وهو مروي عن ابن شهاب وربيعة وبه قال أبو حنيفة وأصحابه أعني التخميس إلا أنهم جعلوا مكان ابن لبون ذكر ابن مخاض ذكرا وروي عن ابن مسعود الوجهان جميعا وروي عن سيدنا علي أنه جعلها أرباعا أسقط منها الخمس والعشرين بني لبون