Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

Section V02/P333–V02/P334

وأوجب أيضا قوم القطع على من استعار حليا أو متاعا ثم جحده لمكان حديث المرأة المخزومية المشهورة أنها كانت تستعير الحلي وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعها لموضع جحودها وبه قال أحمد وإسحاق والحديث حديث عائشة قالت كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقطع يدها فأتى أسامة أهلها فكلموه فكلم أسامة النبي عليه الصلاة والسلام فقال النبي عليه الصلاة والسلام يا أسامة لا أراك تتكلم في حد من حدود الله ثم قام النبي عليه الصلاة والسلام خطيبا فقال إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها ورد الجمهور هذا الحديث لأنه مخالف للأصول وذلك أن المعار مأمون وأنه يأخذ بغير إذن فضلا أن يأخذ من حرز قالوا وفي حديث حذف وهو أنها سرقت مع أنها جحدت ويدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه قالوا وروى هذا الحديث الليث بن سعد عن الزهري بإسناده فقال فيه إن المخزومية سرقت وهذا يدل على أنها فعلت الأمرين جميعا الجحد والسرقة وكذلك أجمعوا على أنه ليس على الغاصب ولا على المكابر المغالب قطع إلا أن يكون قاطع طريق شاهرا للسلاح على المسلمين مخيفا للسبيل فحكمه حكم المحارب على ما سيأتي في حد المحارب وأما السارق الذي يجب عليه حد السرقة فإنهم اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مكلفا وسواء أكان حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى مسلما أو ذميا إلا ما روي في الصدر الأول من الخلاف في قطع يد العبد الآبق إذا سرق وروي ذلك عن ابن عباس وعثمان ومروان وعمر بن عبد العزيز ولم يختلف فيه بعد العصر المتقدم فمن رأى أن الإجماع ينعقد بعد وجود الخلاف في العصر المتقدم كانت المسألة عنده قطعية ومن لم ير ذلك تمسك بعموم الأمر بالقطع ولا عبرة لمن لم ير القطع على العبد الآبق إلا تشبيهه سقوط الحد عنه بسقوط شطره أعني الحدود التي تنشطر في حق العبيد وهو تشبيه ضعيف وأما المسروق فإن له شرائط مختلفا فيها فمن أشهرها اشتراط النصاب وذلك أن الجمهور على اشتراطه إلا ما روي عن الحسن البصري أنه قال القطع في قليل المسروق وكثيره لعموم قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما الآية وربما احتجوا بحديث أبي هريرة خرجه البخاري ومسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده وبه قال الخوارج وطائفة من المتكلمين والذين قالوا باشتراط النصاب في وجوب القطع وهم الجمهور اختلفوا في قدره اختلافا كثيرا إلا أن الاختلاف المشهور من ذلك الذي يستند إلى أدلة ثابتة وهو قولان أحدهما قول فقهاء الحجاز مالك والشافعي وغيرهم والثاني قول فقهاء العراق أما فقهاء الحجاز فأوجبوا القطع في ثلاثة دراهم من الفضة وربع دينار من الذهب واختلفوا فيما تقوم به سائر الأشياء المسروقة مما عدا الذهب والفضة فقال مالك في المشهور تقوم بالدراهم لا بالربع دينار أعني إذا اختلفت الثلاثة دراهم مع الربع دينار لاختلاف الصرف مثل أن يكون الربع دينار في وقت درهمين ونصفا وقال الشافعي الأصل في تقويم الأشياء هو الربع دينار وهو الأصل أيضا للدراهم فلا يقطع عنده في الثلاثة دراهم إلا أن تساوي ربع دينار وأما مالك فالدنانير والدراهم عنده كل واحد منهما معتبر بنفسه وقد روى بعض البغداديين عنه أنه ينظر في تقويم العروض إلى الغالب في نقود أهل ذلك البلد فإن كان الغالب الدراهم قومت بالدراهم وإن كان الغالب الدنانير قومت بالربع دينار وأظن أن في المذهب من يقول إن الربع دينار يقوم بالثلاثة دراهم وبقول الشافعي في التقويم قال أبو ثور والأوزاعي وداود وبقول مالك المشهور قال أحمد أعني بالتقويم بالدراهم

Section V02/P334–V02/P335

وأما فقهاء العراق فالنصاب الذي يجب القطع فيه هو عندهم عشرة دراهم لا يجب في أقل منه وقد قال جماعة منهم ابن أبي ليلى وابن شبرمة لا تقطع اليد في أقل من خمسة دراهم وقد قيل في أربعة دراهم وقال عثمان البتي في درهمين فعمدة فقهاء الحجاز ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم وحديث عائشة أوقفه مالك وأسنده البخاري ومسلم إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا وأما عمدة فقهاء العراق فحديث ابن عمر المذكور قالوا ولكن قيمة المجن هو عشرة دراهم وروي ذلك في أحاديث وقد خالف ابن عمر في قيمة المجن من الصحابة كثير ممن رأى القطع في المجن كابن عباس وغيره وقد روى محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم قالوا وإذا وجد الخلاف في ثمن المجن وجب أن لا تقطع اليد إلا بيقين وهذا الذي قالوه هو كلام حسن لولا حديث عائشة وهو الذي اعتمده الشافعي في هذه المسألة وجعل الأصل هو الربع دينار وأما مالك فاعتضد عنده حديث ابن عمر بحديث عثمان الذي رواه وهو أنه قطع في أترجة قومت بثلاثة دراهم والشافعي يعتذر عن حديث عثمان من قبل أن الصرف كان عندهم في ذلك الوقت اثنا عشر درهما والقطع في ثلاثة دراهم أحفظ للأموال والقطع في عشرة دراهم أدخل في باب التجاوز والصفح عن يسير المال وشرف العضو والجمع بين حديث ابن عمر وحديث عائشة وفعل عثمان ممكن على مذهب الشافعي وغير ممكن على مذهب غيره فإن كان الجمع أولى من الترجيح فمذهب الشافعي أولى المذاهب فهذا هو أحد الشروط المشترطة في القطع واختلفوا من هذا الباب في فرع مشهور وهو إذا شرقت الجماعة ما يجب فيه القطع أعني نصابا دون أن يكون حظ كل واحد منهم نصابا وذلك بأن يخرجوا النصاب من الحرز معا مثل أن يكون عدلا أو صندوقا يساوي النصاب فقال مالك يقطعون جميعا وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وقال أبو حنيفة لا قطع عليهم حتى يكون ما أخذه كل واحد منهم نصابا فمن قطع الجميع رأى العقوبة إنما تتعلق بقدر مال المسروق أي أن هذا القدر من المال المسروق هو الذي يوجب القطع لحفظ المال ومن رأى أن القطع إنما علق بهذا القدر لا بما دونه لمكان حرمة اليد قال لا تقطع أيد كثيرة فيما أوجب فيه الشرع قطع يد واحدة واختلفوا متى يقدر المسروق فقال مالك يوم السرقة وقال أبو حنيفة يوم الحكم عليه بالقطع وأما الشرط الثاني في وجوب هذا الحد فهو الحرز وذلك أن جميع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وأصحابهم متفقون على اشتراط الحرز في وجوب القطع وإن كان قد اختلفوا فيما هو حرز مما ليس بحرز والأشبه أن يقال في حد الحرز إنه ما شأنه أن تحفظ به الأموال كي يعسر أخذها مثل الأغلاق والحظائر وما أشبه ذلك وفي الفعل الذي إذا فعله السارق اتصف بالإخراج من الحرز على ما سنذكره بعد وممن ذهب إلى هذا مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري وأصحابهم وقال أهل الظاهر وطائفة من أهل الحديث القطع على من سرق النصاب وإن سرقه من غير حرز فعمدة الجمهور حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ومرسل مالك أيضا عن عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي بمعنى حديث عمرو بن شعيب وعمدة أهل الظاهر عموم قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما الآية قالوا فوجب أن تحمل الآية على عمومها إلا ما خصصته السنة الثابتة من ذلك وقد خصصت السنة الثابتة المقدار الذي يقطع فيه من الذي لا يقطع فيه

Section V02/P335–V02/P337

وردوا حديث عمرو بن شعيب لموضع الاختلاف الواقع في أحاديث عمرو بن شعيب وقال أبو عمر بن عبد البر أحاديث عمرو بن شعيب العمل بها واجب إذا رواها الثقات وأما الحرز عند الذين أوجبوه فإنهم اتفقوا منه على أشياء واختلفوا في أشياء مثل اتفاقهم على أن باب البيت وغلقه حرز واختلافهم في الأوعية ومثل اتفاقهم على من سرق من بيت دار غير مشتركة السكنى أنه لا يقطع حتى يخرج من الدار واختلافهم في الدار المشتركة فقال مالك وكثير ممن اشترط الحرز تقطع يده إذا أخرج من البيت وقال أبو يوسف ومحمد لا قطع عليه إلا إذا أخرج من الدار ومنها اختلافهم في القبر هل هو حرز حتى يجب القطع على النباش أو ليس بحرز فقال مالك والشافعي وأحمد وجماعة هو حرز وعلى النباش القطع وبه قال عمر بن عبد العزيز وقال أبو حنيفة لا قطع عليه وكذلك قال سفيان الثوري وروي ذلك عن زيد بن ثابت والحرز عند مالك بالجملة هو كل شيء جرت العادة بحفظ ذلك الشيء المسروق فيه فمرابط الدواب عنده أحراز وكذلك الأوعية وما على الإنسان من اللباس فالإنسان حرز لكل ما عليه أو هو عنده وإذا توسد النائم شيئا فهو له حرز على ما جاء في حديث صفوان بن أمية وسيأتي بعد وما أخذه من المنتبه فهو اختلاس ولا يقطع عند مالك سارق ما كان على الصبي من الحلي أو غيره إلا أن يكون معه حافظ يحفظه ومن سرق من الكعبة شيئا لم يقطع عنده وكذلك من المساجد وقد قيل في المذهب إنه إن سرق منها ليلا قطع وفروع هذا الباب كثيرة فيما هو حرز وما ليس بحرز واتفق القائلون بالحرز على أن كل من سمي مخرجا للشيء من حرزه وجب عليه القطع وسواء أكان داخل الحرز أو خارجه وإذا ترددت التسمية وقع الخلاف مثل اختلاف المذهب إذا كانا سارقان أحدهما داخل البيت والآخر خارجه فقرب أحدهما المتاع المسروق إلى ثقب في البيت فتناوله الآخر فقيل القطع على الخارج المتناول له وقيل لا قطع على واحد منهما وقيل القطع على المقرب للمتاع من الثقب والخلاف في هذا كله آيل إلى انطلاق اسم المخرج من الحرز عليه أو لا انطلاقه فهذا هو القول في الحرز واشتراطه في وجوب القطع ومن رمى بالمسروق من الحرز ثم أخذه خارج الحرز قطع وقد توقف مالك فيه إذا أخذ بعد رميه وقبل أن يخرج وقال ابن القاسم يقطع فصل وأما جنس المسروق فإن العلماء اتفقوا على أن كل متملك غير ناطق يجوز بيعه وأخذ العوض منه فإنه يجب في سرقته القطع ما عدا الأشياء الرطبة المأكولة والأشياء التي أصلها مباحة فإنهم اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى أن القطع في كل متمول يجوز بيعه وأخذ العوض فيه وقال أبو حنيفة لا قطع في الطعام ولا فيما أصله مباح كالصيد والحطب والحشيش فعمدة الجمهور عموم الآية الموجبة للقطع وعموم الآثار الواردة في اشتراط النصاب وعمدة أبي حنيفة في منعه القطع في الطعام الرطب قوله عليه الصلاة والسلام لا قطع في ثمر ولا كثر وذلك أن هذا الحديث روي هكذا مطلقا من غير زيادة وعمدته أيضا في منع القطع فيما أصله مباح الشبهة التي فيه لكل مالك وذلك أنهم اتفقوا على أن من شرط المسروق الذي يجب فيه القطع أن لا يكون للسارق فيه شبهة ملك واختلفوا فيما هو شبهة تدرأ الحد مما ليس بشبهة وهذا هو أيضا أحد الشروط المشترطة في المسروق هو في ثلاثة مواضع في جنسه وقدره وشروطه وستأتي هذه المسألة فيما بعد واختلفوا من هذا الباب أعني من النظر في جنس المسروق في المصحف فقال مالك والشافعي يقطع سارقه وقال أبو حنيفة لا يقطع ولعل هذا من أبي حنيفة بناء على أنه لا يجوز بيعه أو أن لكل أحد فيه حقا إذ ليس بمال واختلفوا من هذا الباب فيمن سرق صغيرا مملوكا أعجميا ممن لا يفقه ولا يعقل الكلام فقال الجمهور يقطع

Section V02/P337–V02/P338

وأما إن كان كبيرا يفقه فقال مالك يقطع وقال أبو حنيفة لا يقطع واختلفوا في الحر فعند مالك أن سارقه يقطع ولا يقطع عند أبي حنيفة وهو قول ابن الماجشون من أصحاب مالك واتفقوا كما قلنا أن شبهة الملك القوية تدرأ هذا الحد واختلفوا فيما هو شبهة يدرأ من ذلك مما لا يدرأ منها فمنها العبد يسرق مال سيده فإن الجمهور من العلماء على أنه لا يقطع وقال أبو ثور يقطع ولم يشترط شرطا وقال أهل الظاهر يقطع إلا أن يأتمنه سيده واشترط مالك في الخادم الذي يجب أن يدرأ عنه الحد أن يكون يلي الخدمة لسيده بنفسه والشافعي مرة اشترط هذا ومرة لم يشترطه ويدرء الحد قال عمر رضي الله عنه وابن مسعود ولا مخالف لهما من الصحابة ومنها أحد الزوجين يسرق من مال الآخر فقال مالك إذا كان كل واحد ينفرد ببيت فيه متاعه فالقطع على من سرق من مال صاحبه وقال الشافعي الاحتياط أن لا قطع على أحد الزوجين لشبهة الاختلاط وشبهة المال وقد روي عنه مثل قول مالك واختاره المزني ومنها القرابات فمذهب مالك فيها أن لا يقطع الأب فيما سرق من مال الابن فقط لقوله عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لأبيك ويقطع ما سواهم من القرابات وقال الشافعي لا يقطع عمود النسب الأعلى والأسفل يعني الأب والأجداد والأبناء وأبناء الأبناء وقال أبو حنيفة لا يقطع ذو الرحم المحرمة وقال أبو ثور تقطع يد كل من سرق إلا ما خصصه الإجماع ومنها اختلافهم فيمن سرق من الغنم أو من بيت المال فقال مالك يقطع وقال عبد الملك من أصحابه لا يقطع فهذا هو قول في الأشياء التي يجب بها ما يجب في هذه الجناية القول في الواجب وأما الواجب في هذه الجناية إذا وجدت بالصفات التي ذكرنا أعني الموجودة في السارق وفي الشيء المسروق وفي صفة السرقة فإنهم اتفقوا على أن الواجب فيه القطع من حيث هي جناية والغرم إذا لم يجب القطع واختلفوا هل يجمع الغرم مع القطع فقال قوم عليه الغرم مع القطع وبه قال الشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة وقال قوم ليس عليه غرم إذا لم يجد المسروق منه متاعه بعينه وممن قال بهذا القول أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة وفرق مالك وأصحابه فقال إن كان موسرا أتبع السارق بقيمة المسروق وإن كان معسرا لم يتبع إذا أثرى واشترط مالك دوام اليسر إلى يوم القطع فيما حكى عنه ابن القاسم فعمدة من جمع بين الأمرين أنه اجتمع في السرقة حقان حق لله وحق للآدمي فاقتضى كل حق موجبه وأيضا فإنهم لما أجمعوا على أخذه منه إذا وجد بعينه لزم إذا لم يوجد بعينه عنده أن يكون في ضمانه قياسا على سائر الأموال الواجبة وعمدة الكوفيين حديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد وهذا الحديث مضعف عند أهل الحديث قال أبو عمر لأنه عندهم مقطوع قال وقد وصله بعضهم وخرجه النسائي والكوفيون يقولون إن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول ويقولون إن القطع هو بدل من الغرم ومن هنا يرون إذا سرق شيئا ما فقطع فيه ثم سرقه ثانيا أنه لا يقطع فيه وأما تفرقة مالك فاستحسان على غير قياس وأما القطع فالنظر في محله وفيمن سرق وقد عدم المحل أما محل القطع فهو اليد اليمين باتفاق من الكوع وهو الذي عليه الجمهور وقال قوم الأصابع فقط فأما إذا سرق من قد قطعت يده اليمنى في السرقة فإنهم اختلفوا في ذلك فقال أهل الحجاز والعراق تقطع رجله اليسرى بعد اليد اليمنى وقال بعض أهل الظاهر وبعض التابعين تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى ولا يقطع منه غير ذلك واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة بعد اتفاقهم على قطع الرجل اليسرى بعد اليد اليمنى

Section V02/P338–V02/P339

هل يقف القطع إن سرق ثالثة أم لا فقال سفيان وأبو حنيفة يقف القطع في الرجل وإنما عليه في الثالثة الغرم فقط وقال مالك والشافعي إن سرق ثالثة قطعت يده اليسرى ثم إن سرق رابعة قطعت رجله اليمنى وكلا القولين مروي عن عمر وأبي بكر أعني قول مالك وأبي حنيفة فعمدة من لم ير إلا قطع اليد قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ولم يذكر الأرجل إلا في المحاربين فقط وعمدة من قطع الرجل بعد اليد ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعبد سرق فقطع يده اليمنى ثم الثانية فقطع رجله ثم أتي به في الثالثة فقطع يده اليسرى ثم أتي به في الرابعة فقطع رجله وروي هذا عن حديث جابر بن عبد الله وفيه ثم أخذه الخامسة فقتله إلا أنه منكر عند أهل الحديث ويرده قوله عليه الصلاة والسلام هن فواحش وفيهن عقوبة ولم يذكر قتلا وحديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع الرجل بعد اليد وعند مالك أنه يؤدب في الخامسة فإذا ذهب محل القطع من غير سرقة بأن كانت اليد شلاء فقيل في المذهب ينتقل القطع إلى اليد اليسرى وقيل إلى الرجل واختلف في موضع القطع من القدم فقيل يقع من المفصل الذي في أصل الساق وقيل يدخل الكعبان في القطع وقيل لا يدخلان وقيل إنها تقطع من المفصل الذي في وسط القدم واتفقوا على أن لصاحب السرقة أن يعفو عن السارق ما لم يرفع ذلك إلى الإمام لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعافوا الحدود بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وقوله عليه الصلاة والسلام لو كانت فاطمة بنت محمد لأقمت عليها حد وقوله لصفوان هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به واختلفوا في السارق يسرق ما يجب فيه القطع فيرفع إلى الإمام وقد وهبه صاحب السرقة ما سرقه أو يهبه له بعد الرفع وقبل القطع فقال مالك والشافعي عليه الحد لأنه قد رفع إلى الإمام وقال أبو حنيفة وطائفة لا حد عليه فعمدة الجمهور حديث مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبدالله بن صفوان بن أمية أنه قيل له إن من لم يهاجر هلك فقدم صفوان بن أمية إلى المدينة فنام في المسجد وتوسد رداءه فجاء سارق فأخذ رداءه فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده فقال صفوان لم أرد هذا يا رسول الله هو عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا قبل أن تأتيني به القول فيما تثبت به السرقة واتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين وعلى أنها تثبت بإقرار الحر واختلفوا في إقرار العبد فقال جمهور فقهاء الأمصار إقراره على نفسه موجب لحده وليس يوجب عليه غرما وقال زفر لا يجب بإقرار العبد على نفسه بما يوجب قتله ولا قطع يده لكونه مالا لمولاه وبه قال شريح والشافعي وقتادة وجماعة وإن رجع عن الإقرار إلى شبهة قبل رجوعه وإن رجع إلى غير شبهة فعن مالك في ذلك روايتان هكذا حكى البغداديون عن المذهب وللمتأخرين في ذلك تفصيل ليس يليق بهذا الغرض وإنما هو لائق بتفريع المذهب كتاب الحرابة والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية وذلك أن هذه الآية عند الجمهور هي في المحاربين وقال بعض الناس إنها نزلت في النفر الذين ارتدوا في زمان النبي عليه الصلاة والسلام واستاقوا الإبل فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم والصحيح أنها في المحاربين لقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم وليس عدم القدرة عليهم مشترطة في توبة الكفار فبقي أنها في المحاربين والنظر في أصول هذا الكتاب ينحصر في خمسة أبواب أحدها النظر في الحرابة والثاني النظر في المحارب والثالث فيما يجب على المحارب والرابع في مسقط الواجب عنه

Section V02/P339–V02/P341

وهي التوبة والخامس بماذا تثبت هذه الجناية الباب الأول في النظر في الحرابة فأما الحرابة فاتفقوا على أنها إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر واختلفوا فيمن حارب داخل المصر فقال مالك داخل المصر وخارجه سواء واشترط الشافعي الشوكة وإن كان لم يشترط العدد وإنما معنى الشوكة عنده قوة المغالبة ولذلك يشترط فيها البعد عن العمران لأن المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران وكذلك يقول الشافعي إنه إذا ضعف السلطان ووجدت المغالبة في المصر كانت محاربة وأما غير ذلك فهو عنده اختلاس وقال أبو حنيفة لا تكون المحاربة في المصر الباب الثاني في النظر في المحارب فأما المحارب فهو كل من كان دمه محقونا قبل الحرابة وهو المسلم والذمي الباب الثالث فيما يجب على المحارب وأما ما يجب على المحارب فاتفقوا على أنه يجب عليه حق لله وحق للآدميين واتفقوا على أن حق الله هو القتل والصلب وقطع الأيدي وقطع الأرجل من خلاف والنفي على ما نص الله تعالى في آية الحرابة واختلفوا في هذه العقوبات هل هي على التخيير أو مرتبة على قدر جناية المحارب فقال مالك إن قتل فلا بد من قتله وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه وإنما التخيير في قتله أو صلبه وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف وأما إذا أخاف السبيل فقط فالإمام عنده مخير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه ومعنى التخيير عنده أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه لأن القطع لا يرفع ضرره وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من خلاف وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك فيه وهو الضرب والنفي وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجماعة من العلماء إلى أن هذه العقوبة هي مرتبة على الجنايات المعلوم من الشرع ترتيبها عليه فلا يقتل من المحاربين إلا من قتل ولا يقطع إلا من أخذ المال ولا ينفي إلا من لم يأخذ المال ولا قتل وقال قوم بل الإمام مخير فيهم على الإطلاق وسواء قتل أو لم يقتل أخذ المال أو لم يأخذه وسبب الخلاف هل حرف أو في الآية للتخيير أو للتفصيل على حسب جناياتهم ومالك حمل البعض من المحاربين على التفصيل والبعض على التخيير واختلفوا في معنى قوله أو يصلبوا فقال قوم إنه يصلب حتى يموت جوعا وقال قوم بل معنى ذلك أنه يقتل ويصلب معا وهؤلاء منهم من قال يقتل أولا ثم يصلب وهو قول أشهب وقيل إنه يصلب حيا ثم يقتل في الخشبة وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون ومن رأى أنه يقتل أولا ثم يصلب صلى عليه عنده قبل الصلب ومن رأى أنه يقتل في الخشبة فقال بعضهم لا يصلي عليه تنكيلا له وقيل يقف خلف الخشبة ويصلي عليه وقال سحنون إذا قتل في الخشبة أنزل منها وصلي عليه وهل يعاد إلى الخشبة بعد الصلاة فيه قولان عنه وذهب أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يبقى على الخشبة أكثر من ثلاثة أيام وأما قوله أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فمعناه أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى واختلف إذا لم تكن له اليمنى فقال ابن القاسم تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى وقال أشهب تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى واختلف أيضا في قول أو ينفوا من الأرض فقيل إن النفي هو السجن وقيل إن النفي هو أن ينفى من بلد إلى بلد فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته وهو قول ابن القاسم عن مالك ويكون بين البلدين أقل ما تقصر فيه الصلاة والقولان عن مالك وبالأول قال أبو حنيفة وقال ابن الماجشون معنى النفي هو فرارهم من الإمام لإقامة الحد عليهم فأما أن ينفى بعد أن يقدر عليه فلا وقال الشافعي أما النفي فغير مقصود ولكن إن هربوا شردناهم في البلاد بالاتباع

Section V02/P341–V02/P342

وقيل هي عقوبة مقصودة فقيل على هذا ينفي ويسجن دائما وكلها عن الشافعي وقيل معنى أو ينفوا أي من أرض الإسلام إلى أرض الحرب والذي يظهر هو أن النفي تغريبهم عن وطنهم لقوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم الآية فسوى بين النفي والقتل وهي عقوبة معروفة بالعادة من العقوبات كالضرب والقتل وكا ما يقال فيه سوى هذا فليس معروفا لا بالعادة ولا بالعرف الباب الرابع في مسقط الواجب عنه من التوبة وأما ما يسقط الحق الواجب عليه فإن الأصل فيه قوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم واختلف من ذلك في أربعة مواضع أحدها هل تقبل توبته والثاني إن قبلت فما صفة المحارب الذي تقبل توبته فإن لأهل العلم في ذلك قولين قول إنه تقبل توبته وهو أشهر لقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم وقول إنه لا تقبل توبته قال ذلك من قال إن الآية لم تنزل في المحاربين وأما صفة التوبة التي تسقط الحكم إنهم اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال أحدها أن توبته تكون بوجهين أحدهما أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام والثاني أن يلقي سلاحه ويأتي الإمام طائعا وهو مذهب ابن القاسم والقول الثاني أن توبته إنما تكون بأن يترك ما هو عليه ويجلس في موضعه ويظهر لجيرانه وإن أتى الإمام قبل أن تظهر توبته أقام عليه الحد وهذا قول ابن الماجشون والقول الثالث إن توبته إنما تكون بالمجيء إلى الإمام وإن ترك ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكما من الأحكام إن أخذ قبل أن يأتي الإمام وتحصيل ذلك هو أن توبته قيل إنها تكون بأن يأتي الإمام قبل أن يقدر عليه وقيل إنها تكون إذا ظهرت توبته قبل القدرة فقط وقيل تكون بالأمرين جميعا وأما صفة المحارب الذي تقبل توبته فإنهم اختلفوا فيها أيضا على ثلاثة أقوال أحدها أن يلحق بدار الحرب والثاني أن تكون له فئة والثالث كيفما كانت له فئة أو لم تكن لحق بدار الحرب أو لم يلحق واختلف في المحارب إذا امتنع فأمنه الإمام على أن ينزل فقيل له الأمان ويسقط عنه حد الحرابة وقيل لا أمان له لأنه إنما يؤمن المشرك وأما ما تسقط عنه التوبة فاختلفوا في ذلك على أربعة أقوال أحدها أن التوبة إنما تسقط عنه حد الحرابة فقط ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الآدميين وهو قول مالك والقول الثاني أن التوبة تسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنا والشراب والقطع في السرقة ويتبع بحقوق الناس من الأموال والدماء إلا أن يعفو أولياء المقتول والثالث أن التوبة ترفع جميع حقوق الله ويؤخذ بالدماء وفي الأموال بما وجد بعينه في أيديهم ولا تتبع ذممهم والقول الرابع أن التوبة تسقط جميع حقوق الله وحقوق الآدميين من مال ودم إلا ما كان من الأموال قائم العين بيده الباب الخامس بماذا تثبت هذه الجناية وأما بماذا يثبت هذا الحد فبالإقرار والشهادة ومالك يقبل شهادة المسلوبين على الذين سلبوهم وقال الشافعي تجوز شهادة أهل الرفقة عليهم إذا لم يدعوا لأنفسهم ولا لرفقائهم ما لا أخذوه وتثبت عند مالك الحرابة بشهادة السماع فصل في حكم المحاربين على التأويل وأما حكم المحاربين على التأويل فإن محاربهم الإمام فإذا قدر على واحد منهم لم يقتل إلا إذا كانت الحرب قائمة فإن مالكا قال إن للإمام أن يقتله إن رأى ذلك لما يخاف من عونه لأصحابه على المسلمين وأما إذا أسر بعد انقضاء الحرب فإن حكمه حكم البدعي الذي لا يدعو إلى بدعته فهو يستتاب فإن تاب وإلا قتل وقيل يستتاب فإن لم يتب يؤدب ولا يقتل وأكثر أهل البدع إنما يكفرون بالمآل واختلف قول مالك في التكفير بالمآل ومعنى التكفير بالمآل أنهم لا يصرحون بقول هو كفر ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم

Section V02/P342–V02/P344

وأما ما يلزم هؤلاء من الحقوق إذا ظفر بهم فحكمهم إذا تابوا أن لا يقام عليهم حد الحرابة ولا يؤخذ منهم ما أخذوا من المال إلا أن يوجد بيده فيرد إلى ربه وإنما اختلفوا هل يقتل قصاصا بمن قتل فقيل يقتل وهو قول عطاء وأصبغ وقال مطرف وابن الماجشون عن مالك لا يقتل وبه قال الجمهور لأن كل من قاتل على التأويل فليس بكافر بتة أصله قتال الصحابة وكذلك الكافر بالحقيقة هو المكذب لا المتأول باب في حكم المرتد والمرتد إذا ظفر به قبل أن يحارب فاتفقوا على أنه يقتل الرجل لقوله عليه الصلاة والسلام من بدل دينه فاقتلوه واختلفوا في قتل المرأة وهل تستتاب قبل أن تقتل فقال الجمهور تقتل المرأة وقال أبو حنيفة لا تقتل وشبهها بالكافرة الأصلية والجمهور اعتمدوا العموم الوارد في ذلك وشذ قوم فقالوا تقتل وإن راجعت الإسلام وأما الاستتاب فإن مالكا شرط في قتله ذلك على ما رواه عن عمر وقال قوم لا تقبل توبته وأما إذا حارب المرتد ثم ظهر عليه فإنه يقتل بالحرابة ولا يستتاب كانت حرابته بدار الإسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب إلا أن يسلم وأما إذا أسلم المرتد المحارب بعد أن أخذ أو قبل أن يؤخذ فإنه يختلف في حكمه فإن كانت حرابته في دار الحرب فهو عند مالك كالحربي يسلم لا تبعة في شيء مما فعل في حال ارتداده وأما إن كانت حرابته في دار الإسلام فإنه يسقط إسلامه عنه حكم الحرابة خاصة وحكمه فيما جنى حكم المرتد إذا جنى في ردته في دار الإسلام ثم أسلم وقد اختلف أصحاب مالك فيه فقال حكمه حكم المرتد من اعتبر يوم الجناية وقال حكمه حكم المسلم من اعتبر يوم الحكم وقد اختلف في هذا الباب في حكم الساحر فقال مالك يقتل كفرا وقال قوم لا يقتل والأصل أن لا يقتل إلا مع الكفر كتاب الأقضية وأصول هذا الكتاب تنحصر في ستة أبواب أحدها في معرفة من يجوز قضاؤه والثاني في معرفة ما يقضي به والثالث في معرفة ما يقضي فيه والرابع في معرفة من يقضي عليه أو له والخامس في كيفية القضاء والسادس في وقت القضاء الباب الأول في معرفة من يجوز قضاؤه النظر في هذا الباب فيمن يجوز قضاؤه وفيما يكون به أفضل فأما الصفات المشترطة في الجواز فأن يكون حرا مسلما بالغا ذكرا عاقلا عدلا وقد قيل في المذهب إن الفسق يوجب العزل ويمضي ما حكم به واختلفوا في كونه من أهل الاجتهاد فقال الشافعي يجب أن يكون من أهل الاجتهاد ومثله حكى عبد الوهاب عن المذهب وقال أبو حنيفة يجوز حكم العامي قال القاضي وهو ظاهر ما حكاه جدي رحمة الله عليه في المقدمات عن المذهب لأنه جعل كون الاجتهاد فيه من الصفات المستحبة وكذلك اختلفوا في اشتراط الذكورة فقال الجمهور هي شرط في صحة الحكم وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال قال الطبري يجوز أن تكون المرأة حاكما على الإطلاق في كل شيء قال عبد الوهاب ولا أعلم بينهم اختلافا في اشتراط الحرية فمن رد قضاء المرأة شبهه بقضاء الإمامة الكبرى وقاسها أيضا على العبد لنقصان حرمتها ومن أجاز حكمها في الأوال فتشبيها بجواز شهادتها في الأموال ومن رأى حكمها نافذا في كل شيء قال إن الأصل هو أن كل من يتأتى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز إلا ما خصصه الإجماع من الإمامة الكبرى وأما اشتراط الحرية فلا خلاف فيه ولا خلاف في مذهب مالك أن السمع والبصر والكلام مشترطة في استمرار ولايته وليس شرطا في جواز ولايته وذلك أن من صفات القاضي في المذهب ما هي شرط في الجواز فهذا إذا ولي عزل وفسخ جميع ما حكم به ومنها ما هي شرط في الاستمرار وليست شرطا في الجواز فهذا إذا ولي القضاء عزل ونفذ ما حكم به إلا أن يكون جورا ومن هذا الجنس عندهم هذه الثلاث صفات

Section V02/P344–V02/P345

ومن شرط القضاء عند مالك أن يكون واحدا والشافعي يجيز أن يكون في المصر قاضيان اثنان إذا رسم لكل واحد منهما ما يحكم فيه وإن شرط اتفاقهما في كل حكم لم يجز وإن شرط الاستقلال لكل واحد منهما فوجهان الجواز والمنع قال وإذا تنازع الخصمان في اختيار أحدهما وجب أن يقترعا عنده وأما فضائل القضاء فكثيرة وقد ذكرها الناس في كتبهم وقد اختلفوا في الأمي هل يجوز أن يكون قاضيا والأبين جوازه لكونه عليه الصلاة والسلام أميا وقال قوم لا يجوز وعن الشافعي القولان جميعا لأنه يحتمل أن يكون ذلك خاصا به لموضع العجز ولا خلاف في جواز حكم الإمام الأعظم وتوليته للقاضي شرط في صحة قضائه لا خلاف أعرف فيه واختلفوا من هذا الباب في نفوذ حكم من رضيه المتداعيان ممن ليس بوال على الأحكام فقال مالك يجوز وقال الشافعي في أحد قوليه لا يجوز وقال أبو حنيفة يجوز إذا وافق حكمه حكم قاضي البلد الباب الثاني في معرفة ما يقضي به وأما فيما يحكم فاتفقوا أن القاضي يحكم في كل شيء من الحقوق كان حقا لله أو حقا للآدميين وأنه نائب عن الإمام الأعظم في هذا المعنى وأنه يعقد الأنكحة ويقدم الأوصياء وهل يقدم الأئمة في المساجد الجامعة فيه خلاف وكذلك هل يستخلف فيه خلاف في المرض والسفر إلا أن يؤذن له وليس ينظر في الحياة ولا في غير ذلك من الولاة وينظر في التحجير على السفهاء عند من يرى التحجير عليهم ومن فروع هذا الباب هل ما يحكم فيه الحاكم يحله للمحكوم له به وإن لم يكن في نفسه حلالا وذلك أنهم أجمعوا على أن حكم الحاكم الظاهر الذي يعتريه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا وذلك في الأموال خاصة لقوله عليه الصلاة والسلام إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار واختلفوا في حل عصمة النكاح أو عقده بالظاهر الذي يظن الحاكم أنه حق وليس بحق إذ لا يحل حرام ولا يحرم حلال بظاهر حكم الحاكم دون أن يكون الباطن كذلك هل يحل ذلك أم لا فقال الجمهور الأموال والفروج في ذلك سواء لا يحل حكم الحاكم منها حراما ولا يحرم حلالا وذلك مثل أن يشهد شاهد زور في امرأة أجنبية أنها زوجة لرجل أجنبي ليست له بزوجة فقال الجمهور لا تحل له وإن أحلها الحاكم بظاهر الحكم وقال أبو حنيفة وجمهور أصحابه تحل له فعمدة الجمهور عموم الحديث المتقدم وشبهة الحنفية أن الحكم باللعان ثابت بالشرع وقد علم أن أحد المتلاعنين كاذب واللعان يوجب الفرقة ويحرم المرأة على زوجها الملاعن لها ويحلها لغيره فإن كان هو الكاذب فلم تحرم عليه إلا بحكم الحاكم وكذلك إن كانت هي الكاذبة لأن زناها لا يوجب فرقتها على قول أكثر الفقهاء والجمهور أن الفرقة ههنا إنما وقعت عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب الباب الثالث فيما يكون به القضاء والقضاء يكون بأربع بالشهادة وباليمين وبالنكول وبالإقرار أو بما تركب من هذه ففي هذا الباب أربعة فصول الفصل الأول في الشهادة والنظر في الشهود في ثلاثة أشياء في الصفة والجنس والعدد فأما عدد الصفات المعتبرة في قبول الشاهد بالجملة فهي خمسة العدالة والبلوغ والإسلام والحرية ونفي التهمة وهذه منها متفق عليها ومنها مختلف فيها أما العدالة فإن المسلمين اتفقوا على اشتراطها في قبول شهادة الشاهد لقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء ولقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم واختلفوا فيما هي العدالة فقال الجمهور هي صفة زائدة على الإسلام هو أن يكون ملتزما لواجبات الشرع ومستحباته مجتنبا للمحرمات والمكروهات وقال أبو حنيفة يكفي في العدالة ظاهر الإسلام وأن لا تعلم منه جرحة وسبب الخلاف كما قلنا ترددهم في مفهوم اسم العدالة المقابلة للفسق

Section V02/P345–V02/P346

وذلك أنهم اتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ الآية ولم يختلفوا أن الفاسق تقبل شهادته إذا عرفت توبته إلا من كان فسقه من قبل القذف فإن أبا حنيفة يقول لا تقبل شهادته وإن تاب والجمهور يقولون تقبل وسبب الخلاف هل يعود الاستثناء في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك إلى أقرب مذكور إليه أو على الجملة إلا ما خصصه الإجماع وهو أن التوبة لا تسقط عنه الحد وقد تقدم هذا وأما البلوغ فإنهم اتفقوا على أنه يشترط حيث تشترط العدالة واختلفوا في شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح وفي القتل فردها جمهور فقهاء الأمصار لما قلناه من وقوع الإجماع على أن من شرط الشهادة العدالة ومن شرط العدالة البلوغ ولذلك ليست في الحقيقة شهادة عند مالك وإنما هي قرينة حال ولذلك اشترط فيها أن لا يتفرقوا لئلا يجبنوا واختلف أصحاب مالك هل تجوز إذا كان بينهم كبير أم لا ولم يختلفوا أنه يشترط فيها العدة المشترطة في الشهادة واختلفوا هل يشترط فيها الذكورة أم لا واختلفوا أيضا هل تجوز في القتل الواقع بينهم ولا عمدة لمالك في هذا إلا أنه مروي عن ابن الزبير قال الشافعي فإذا احتج محتج بهذا قيل له إن ابن عباس قد ردها والقرآن يدل على بطلانها وقال بقول مالك ابن أبي ليلى وقوم من التابعين وإجازة مالك لذلك هو من باب إجازته قياس المصلحة وأما الإسلام فاتفقوا على أنه شرط في القبول وأنه لا تجوز شهادة الكافر إلا ما اختلفوا فيه من جواز ذلك في الوصية في السفر لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم الآية فقال أبو حنيفة يجوز ذلك على الشروط التي ذكرها الله تعالى وقال مالك والشافعي لا يجوز ذلك ورأوا أن الآية منسوخة وأما الحرية فإن جمهور فقهاء الأمصار على اشتراطها في قبول الشهادة وقال أهل الظاهر تجوز شهادة العبد لأن الأصل إنما هو اشتراط العدالة والعبودية ليس لها تأثير في الرد إلا أن يثبت ذلك من كتاب الله أو سنة أو إجماع وكأن الجمهور رأوا أن العبودية أثر من أثر الكفر فوجب أن يكون لها تأثير في رد الشهادة وأما التهمة التي سببها المحبة فإن العلماء أجمعوا على أنها مؤثرة في إسقاط الشهادة واختلفوا في رد شهادة العدل بالتهمة لموضع المحبة أو البغضة التي سببها العداوة الدنيوية فقال بردها فقهاء الأمصار إلا أنهم اتفقوا في مواضع على إعمال التهمة وفي مواضع على إسقاطها وفي مواضع اختلفوا فيها فأهملها بعضهم وأسقطها بعضهم فمما اتفقوا عليه رد شهادة الأب لابنه والابن لأبيه وكذلك الأم لابنها وابنها لها ومما اختلفوا في تأثير التهمة في شهادتهم شهادة الزوجين أحدهما للآخر فإن مالكا ردها وأبا حنيفة وأجازها الشافعي وأبو ثور والحسن وقال ابن أبي ليلى تقبل شهادة الزوج لزوجه ولا تقبل شهادتها له وبه قال النخعي ومما اتفقوا على إسقاط التهمة فيه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارا على ما قال مالك وما لم يكن منقطعا إلى أخيه ينال بره وصلته ما عدا الأوزاعي فإنه قال لا تجوز ومن هذا الباب اختلافهم في قبول شهادة العدو على عدوه فقال مالك والشافعي لا تقبل وقال أبو حنيفة تقبل فعمدة الجمهور في رد الشهادة بالتهمة ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين وما خرجه أبو داود من قوله عليه الصلاة والسلام لا تقبل شهادة بدوي على حضري لقلة شهود البدوي ما يقع في المصر فهذه فهذه هي عمدتهم من طريق السماع وأما من طريق المعنى فلموضع التهمة وقد أجمع الجمهور على تأثيرها في الأحكام الشرعية مثل اجتماعهم على أنه لا يرث القاتل المقتول وعلى توريث المبتوتة في المرض وإن كان فيه خلاف

Section V02/P346–V02/P348

وأما الطائفة الثانية وهم شريح وأبو ثور وداود فإنهم قالوا تقبل شهادة الأب لابنه فضلا عمن سواه إذا كان الأب عدلا وعمدتهم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين والأمر بالشيء يقتضي إجزاء المأمور به إلا ما خصصه الإجماع من شهادة المرء لنفسه وأما من طريق النظر فإن لهم أن يقولون رد الشهادة بالجملة إنما هو لموضع اتهام الكذب وهذه التهمة إنما اعتملها الشرع في الفاسق ومنع إعمالها في العادل فلا تجتمع مع التهمة أما النظر في العدد والجنس فإن المسلمين اتفقوا على أنه لا يثبت الزنا بأقل من أربعة عدول ذكور واتفقوا على أنه تثبت جميع الحقوق ما عدا الزنا بشاهدين عدلين ذكرين ما خلا الحسن البصري فإنه قال لا تقبل بأقل من أربعة شهداء تشبيها بالرجم وهذا ضعيف لقوله سبحانه واستشهدوا شهيدين من رجالكم وكل متفق أن الحكم يجب بالشاهدين غير يمين المدعي إلا ابن أبي ليلى فإنه قال لا بد من يمينه واتفقوا على أنه تثبت الأموال بشاهد عدل ذكر وامرأتين لقوله تعالى فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء واختلفوا في قبولهما في الحدود فالذي عليه الجمهور أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود لا مع رجل ولا مفردات وقال أهل الظاهر تقبل إذا كان معهن رجل وكان النساء أكثر من واحدة في كل شيء على ظاهر الآية وقال أبو حنيفة تقبل في الأموال وفيما عدا الحدود من أحكام الأبدان مثل الطلاق والرجعة والنكاح والعتق ولا تقبل عند مالك في حكم من أحكام البدن واختلف أصحاب مالك في قبولهن في حقوق الأبدان المتعلقة بالمال مثل الوكالات والوصية التي لا تتعلق إلا بالمال فقط فقال مالك وابن القاسم وابن وهب يقبل فيه شاهد وامرأتان وقال أشهب وابن الماجشون لا يقبل فيه إلا رجلان وأما شهادة النساء مفردات أعني النساء دون الرجال فهي مقبولة عند الجمهور في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبا مثل الولادة والاستهلال وعيوب النساء ولا خلاف في شيء من هذا إلا في الرضاع فإن أبا حنيفة قال لا تقبل فيه شهادتهن إلا مع الرجال لأنه عنده من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال والنساء والذين قالوا بجواز شهادتهن مفردات في هذا الجنس اختلفوا في العدد المشترط في ذلك منهن فقال مالك يكفي في ذلك امرأتان قيل مع انتشار الأمر وقيل إن لم ينتشر وقال الشافعي ليس يكفي في ذلك أقل من أربع لأن الله عز وجل قد جعل عديل الشاهد الواحد امرأتين واشترط الاثنينية وقال قوم لا يكفي بذلك بأقل من ثلاث وهو قول لا معنى له وأجاز أبو حنيفة شهادة المرأة فيما بين السرة والركبة وأحسب أن الظاهرية أو بعضهم لا يجيزون شهادة النساء مفردات في كل شيء كما يجيزون مع الرجال في كل شيء وهو الظاهر وأما شهادة المرأة الواحدة بالرضاع فإنهم أيضا اختلفوا فيها لقوله عليه الصلاة والسلام في المرأة الواحدة التي شهدت بالرضاع كيف وقد أرضعتكما وهذا ظاهره الإنكار ولذلك لم يختلف قول مالك في أنه مكروه الفصل الثاني في الأيمان وأما الأيمان فإنهم اتفقوا على أنها تبطل بها الدعو من المدعى عليه إذا لم تكن للمدعي بينة واختلفوا هل يثبت بها حق المدعي فقال مالك يثبت بها حق المدعي في إثبات ما أنكره المدعى عليه وإبطال ما ثبت عليه من الحقوق إذا ادعى الذي ثبت عليه إسقاطه في الموضع الذي يكون المدعي أقوى سببا وشبهة من المدعى عليه وقال غيره لا تثبت للمدعي باليمن دعوى سواء أكانت في إسقاط حق عن نفسه قد ثبت عليه أو إثبات حق أنكره فيه خصمه

Section V02/P348–V02/P349

وسبب اختلافهم ترددهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر هل ذلك عام في كل مدعى عليه ومدع أم إنما خص المدعي بالبينة والمدعى عليه باليمين لأن المدعي في الأكثر هو أضعف شبهة من المدعى عليه والمدعي بخلافه فمن قال هذا الحكم عام في كل مدع ومدعى عليه ولم يرد بهذا العموم خصوصا قال لا يثبت باليمين حق ولا يسقط به حق ثبت ومن قال إنما خص المدعى عليه بهذا الحكم من جهة ما هو أقوى شبهة قال إذا اتفق أن يكون موضع تكون فيه شبهة المدعي أقوى يكون القول قوله واحتج هؤلاء بالمواضع التي اتفق الجمهور فيها على أن القول فيها قول المدعي مع يمينه مثل دعوى التلف في الوديعة وغير ذلك إن وجد شيء بهذه الصفة ولأولئك أن يقولوا الأصل ما ذكرنا إلا ما خصصه الاتفاق وكلهم مجمعون على أن اليمين التي تسقط الدعوى أو تثبتها هي اليمين بالله الذي لا إله إلا هو وأقاويل فقهاء الأمصار في صفتها متقاربة وهي عند مالك الذي لا إله إلا هو لا يزيد عليها ويزيد الشافعي الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية وأما هل تغلظ بالمكان فإنهم اختلفوا في ذلك فذهب مالك إلى أنها تغلظ بالمكان وذلك في قدر مخصوص وكذلك الشافعي واختلفوا في القدر فقال مالك إن من ادعى عليه بثلاثة دراهم فصاعدا وجبت عليه اليمين في المسجد الجامع فإن كان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فلا خلاف أنه يحلف على المنبر وإن كان في غيره من المساجد ففي ذلك روايتان إحداهما حيث اتفق من المسجد والأخرى عند المنبر وروى عنه ابن القاسم أنه يحلف فيما له بال في الجامع ولم يحدد وقال الشافعي يحلف في المدينة عند المنبر وفي مكة بين الركن والمقام وكذلك عنده في كل بلد يحلف عند المنبر والنصاب عنده في ذلك عشرون دينارا وقال داود يحلف على المنبر في القليل والكثير وقال أبو حنيفة لا تغلظ اليمين بالمكان وسبب الخلاف هل تغليظ الوارد في الحلف على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يفهم منه وجوب الحلف على المنبر أم لا فمن قال إنه يفهم منه ذلك قال لأنه لو لم يفهم منه ذلك لم يكن للتغليظ في ذلك معنى ومن قال للتغليظ معنى غير الحكم بوجوب اليمين على المنبر قال لا يجب الحلف على المنبر والحديث الوارد في التغليظ هو حديث جابر بن عبدالله الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف على منبري آثما تبوأ مقعده من النار واحتج هؤلاء بالعمل فقالوا هو عمل الخلفاء قال الشافعي لم يزل عليه العمل بالمدينة وبمكة قالوا ولو كان التغليظ لا يفهم منه إيجاب اليمين في الموضع المغلظ لم يكن له فائدة إلا تجنب اليمين في ذلك الموضع قالوا وكما أن التغليظ الوارد في اليمين مجردا مثل قوله عليه الصلاة والسلام من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار يفهم منه وجوب القضاء باليمين وكذلك التغليظ الوارد في المكان وقال الفريق الأخر لا يفهم من التغليظ باليمن وجوب الحكم باليمن وإذ لم يفهم من تغليظ اليمين وجوب الحكم باليمين لم يفهم من تغليظ اليمين بالمكان وجوب اليمين بالمكان وليس فيه إجماع من الصحابة والاختلاف فيه مفهوم من قضية زيد بن ثابت وتغلظ بالمكان عند مالك في القسامة واللعان وكذلك بالزمان لأنه قال في اللعان أن يكون بعد صلاة العصر على ما جاء في التغليظ فيمن حلف بعد العصر وأما القضاء باليمين مع الشاهد فإنهم اختلفوا فيه فقال مالك والشافعي وأحمد وداود وأبو ثور والفقهاء السبعة المدنيون وجماعة يقضي اليمين مع الشاهد في الأموال وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجمهور أهل العراق لا يقضي باليمن مع الشاهد في شيء وبه قال الليث من أصحاب مالك وسبب الخلاف في هذا الباب تعارض السماع

Section V02/P349–V02/P350

أما القائلون به فإنهم تعلقوا في ذلك آثار كثيرة منها حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة وحديث زيد بن ثابت وحديث جابر إلا أن الذي خرج مسلم منها حديث ابن عباس ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد أخرجه مسلم ولم يخرجه البخاري وأما مالك فإنما اعتمد مرسله في ذلك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد لأن العمل عنده بالمراسيل واجب وأما السماع المخالف لها فقوله تعالى فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء قالوا وهذا يقتضي الحصر فالزيادة عليه نسخ ولا ينسخ القرآن بالسنة الغير متواترة وعند المخالف أنه ليس بنسخ بل زيادة لا تغير حكم المزيد وأما السنة فما خرجه البخاري ومسلم عن الأشعث بن قيس قال كان بيني وبين رجل خصومة في شيء فاختصمنا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال شاهداك أو يمينه فقلت إذن يحلف ولا يبالي فقال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان قالوا فهذا منه عليه الصلاة والسلام حصر للحكم ونقض لحجة كل واحد من الخصمين ولا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم ألا يستوفي أقسام الحجة للمدعي والذين قالوا باليمين مع الشاهد هم على أصلهم في أن اليمين هي حجة أقوى المتداعيين شبهة وقد قويت هنا حجة المدعي بالشاهد كما قويت في القسامة وهؤلاء اختلفوا في القضاء مع المرأتين فقال مالك يجوز لأن المرأتين قد أقيمتا مقام الواحد وقال الشافعي لا يجوز له لأنه إنما أقيمت مقام الواحد مع الشاهد الواحد لا مفردة ولا مع غيره وهل يقضي باليمين في الحدود التي هي حق للناس مثل القذف والجراح فيه قولان في المذهب الفصل الثالث النكول وأما ثبوت الحق على المدعى عليه بنكوله فإن الفقهاء أيضا اختلفوا في ذلك فقال مالك والشافعي وفقهاء أهل الحجاز وطائفة من العراقيين إذا نكل المدعى عليه لم يجب للمدعي شيء بنفس النكول إلا أن يحلف المدعي أو يكون له شاهد واحد وقال أبو حنيفة وأصحابه وجمهور الكوفيين يقضي للمدعي على المدعى عليه بنفس النكول وذلك في المال بعد أن يكرر عليه اليمين ثلاثا وقلب اليمين عند مالك يكون في الموضع الذي يقبل فيه شاهد وامرأتان وشاهد ويمين وقلب اليمين عند الشافعي يكون في كل موضع يجب فيه اليمين وقال ابن أبي ليلى أردها في غير التهمة ولا أردها في التهمة وعند مالك في يمين التهمة هل تنقلب أم لا قولان فعمدة من رأى أن تنقلب ما رواه مالك من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد في القسامة على اليهود بعد أن بدأ بالأنصار ومن حجة مالك أن الحقوق عنده إنما تثبت بشيئين إما بيمين وشاهد وإما بنكول وشاهد وإما بنكول ويمين أصل ذلك عند اشتراط الاثنينية في الشهادة وليس يقضي عند الشافعي بشاهد ونكول وعمدة من قضى بالنكول أن الشهادة لما كانت لإثبات الدعوى واليمين لإبطالها وجب إن نكل عن اليمين أن تحقق عليه الدعوى قالوا وأما نقلها من المدعى عليه إلى المدعي فهو خلاف للنص لأن اليمين قد نص على أنها دلالة المدعى عليه فهذه أصول الحجج التي يقضي بها القاضي ومما اتفقوا عليه في هذا الباب أنه يقضي القاضي بوصول كتاب قاض آخر إليه لكن هذا عند الجمهور مع اقتران الشهادة به أعني إذا أشهد القاضي الذي يثبت عنده الحكم شاهدين عدلين أن الحكم ثابت عنده أعني المكتوب في الكتاب الذي أرسله إلى القاضي الثاني فشهدا عند القاضي الثاني أنه كتابه وأنه أشهدهم بثبوته وقد قيل إنه يكتفي فيه بخط القاضي وأنه كان به العمل الأول واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة إن أشهدهم على الكتابة ولم يقرأه عليهم فقال مالك يجوز وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يجوز ولا تصح الشهادة

Section V02/P350–V02/P352

واختلفوا في العفاص والوكاء هل يقضي به في اللقطة دون شهادة أم لا بد في ذلك من شهادة فقال مالك يقضي بذلك وقال الشافعي لا بد من الشاهدين وكذلك قال أبو حنيفة وقول مالك هو أجرى على نص الأحاديث وقول الغير أجرى على الأصول ومما اختلفوا فيه من هذا الباب قضاء القاضي بعلمه وذلك أن العلماء أجمعوا على أن القاضي يقضي بعلمه في التعديل والتجريح وأنه إذا شهد الشهود بضد علمه لم يقض به وأنه يقضي بعلمه في إقرار الخصم وإنكاره إلا مالكا فإنه رأى أن يحضر القاضي شاهدين لإقرار الخصم وإنكاره وكذلك أجمعوا على أنه يقضي بعلمه في تغليب حجة أحد الخصمين على حجة الآخر إذا لم يكن في ذلك خلاف واختلفوا إذا كان في المسألة خلاف فقال قوم لا يرد حكمه إذا لم يخرق الإجماع وقال قوم إذا كان شاذا وقال قوم يرد إذا كان حكما بقياس وهنالك سماع من كتاب أو سنة تخالف القياس وهو الأعدل إلا أن يكون القياس تشهد له الأصول والكتاب محتمل والسنة غير متواترة وهذا هو الوجه الذي ينبغي أن يحمل عليه من غلب القياس من الفقهاء في موضع من المواضع على الأثر مثل ما ينسب إلى أبي حنيفة باتفاق وإلى مالك باختلاف واختلف هل يقضي بعلمه على أحد دون بينة أو إقرار أو لا يقضي إلا بالدليل والإقرار فقال مالك وأكثر أصحابه لا يقضي إلا بالبينات أو الإقرار وبه قال أحمد وشريح وقال الشافعي والكوفي وأبو ثور وجماعة للقاضي أن يقضي بعلمه ولكلا الطائفتين سلف من الصحابة والتابعي وكل واحد منهما اعتمد في قوله السماع والنظر أما عمدة الطائفة التي منعت من ذلك فمنها حديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على صدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فأعطاهم الأرش ثم قال عليه الصلاة والسلام إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم قالوا نعم فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فخطب الناس وذكر القصة وقال أرضيتم قالوا لا فهم بهم المهاجرون فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم صعد المنبر فخطب ثم قال أرضيتم قالوا نعم فهذا بين في أنه لم يحكم عليهم بعلمه صلى الله عليه وسلم وأما من جهة المعنى فالتهمة اللاحقة في ذلك للقاضي وقد أجمعوا أن للتهمة تأثيرا في الشرع منها أن لا يرث القاتل عمدا عند الجمهور من قتله ومنها ردهم شهادة الأب لابنه وغير ذلك مما هو معلوم من جمهور الفقهاء وأما عمدة من أجاز ذلك أما من طريق السماع فحديث عائشة في قصة هند بنت عتبة بن ربيعة مع زوجها أبي سفيان بن حرب حين قال لها عليه الصلاة والسلام وقد شكت أبا سفيان خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف دون أن يسمع قول خصمها وأما من طريق المعنى فإنه إذا كان له أن يحكم بقول الشاهد الذي هو مظنون في حقه فأحرى أن يحكم بما هو عنده يقين وخصص أبو حنيفة وأصحابه ما يحكم فيه الحاكم بعلمه فقالوا لا يقضي بعلمه في الحدود ويقضي في غير ذلك وخصص أيضا أبو حنيفة العلم الذي يقضي به فقال يقضي بعلمه الذي علمه في القضاء ولا يقضي بما علمه قبل القضاء وروي عن عمر أنه قضى بعلمه على أبي سفيان لرجل من بني مخزوم وقال بعض أصحاب مالك يقضي بعلمه في المجلس أعني بما يسمع وإن لم يشهد عنده بذلك وهو قول الجمهور كما قلنا وقول المغيرة هو أجرى على الأصول لأن الأصل في هذه الشريعة لا يقضي إلا بدليل وإن كانت غلبة الظن الواقعة به أقوى من الظن الواقع بصدق الشاهدين الفصل الرابع في الإقرار وأما الإقرار إذا كان بينا فلا خلاف في وجوب الحكم به وإنما النظر فيمن يجوز إقراره ممن لا يجوز وإذا كان الإقرار محتملا رفع الخلاف أما من يجوز إقراره ممن لا يجوز فقد تقدم

Section V02/P352–V02/P353

وأما عدد الإقرارات الموجبة فقد تقدم في باب الحدود ولا خلاف بينهم أن الإقرار مرة واحدة عامل في المال وأما المسائل التي اختلفوا فيها من ذلك فهو من قبل احتمال اللفظ وأنت إن أحببت أن تقف عليه فمن كتب الفروع الباب الرابع وأما على من يقضى ولمن يقضي فإن الفقهاء اتفقوا على أنه يقضي لمن ليس يتهم عليه واختلفوا في قضائه لمن يتهم عليه فقال مالك لا يجوز قضاؤه على من لا تجوز عليه شهادته وقال قوم يجوز لأن القضاء يكون بأسباب معلومة وليس كذلك الشهادة وأما على من يقضى فإنهم اتفقوا على أنه يقضى على المسلم الحاضر واختلفوا في الغائب وفي القضاء على أهل الكتاب فأما القضاء على الغائب فإن مالكا والشافعي قالا يقضى على الغائب البعيد الغيبة وقال أبو حنيفة لا يقضي على الغائب أصلا وبه قال ابن الماجشون وقد قيل عن مالك لا يقضي في الرباع المستحقة فعمدة من رأى القضاء حديث هند المتقدم ولا حجة فيه لأنه لم يكن غائبا عن المصر وعمدة من لم ير القضاء قوله عليه الصلاة والسلام فإنما أقضي له بحسب ما أسمع وما رواه أبو داود وغيره عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أرسله إلى اليمين لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر وأما الحكم على الذمي فإن في ذلك ثلاثة أقوال أحدها أنه يقضي بينهم إذا ترافعوا إليه بحكم المسلمين وهو مذهب أبي حنيفة والثاني أنه مخير وبه قال مالك وعن الشافعي القولان والثالث أنه واجب على الإمام أن يحكم بينهم وأن لم يتحاكموا إليه فعمدة من اشترط مجيئهم للحاكم قوله تعالى فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وبهذا تمسك من رأى الخيار ومن أوجبه اعتمد قوله تعالى وأن احكم بينهم ورأى أن هذا ناسخ لآية التخيير وأما من رأى وجوب الحكم عليهم وإن لم يترافعوا فإنه احتج بإجماعهم على أن الذمي إذا سرق قطعت يده الباب الخامس وأما كيف يقضي القاضي فإنهم أجمعوا على أنه واجب عليه أن يسوي بين الخصمين في المجلس وألا يسمع من أحدهما دون الآخر وأن يبدأ بالمدعي فيسأله البينة إن أنكر المدعى عليه وإن لم يكن له بينة فإن كان في ماله وجبت اليمين على المدعى عليه باتفاق وإن كانت في طلاق أو نكاح أو قتل وجبت عند الشافعي بمجرد الدعوى وقال مالك لا تجب إلا مع شاهد وإذا كان في المال فهل يحلفه المدعى عليه بنفس الدعوى أم لا يحلفه حتى يثبت المدعي الخلطة اختلفوا في ذلك فقال جمهور فقهاء الأمصار اليمين تلزم المدعى عليه بنفس الدعوى لعموم قوله عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عباس البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وقال مالك لا تجب اليمين إلا بالمخالطة وقال بها السبعة من فقهاء المدينة وعمدة من قال بها النظر إلى المصلحة لكيلا يتطرق الناس بالدعاوى إلى تعنيت بعضهم بعضا وإذاية بعضهم بعضا ومن هنا لم ير مالك إحلاف المرأة زوجها إذا ادعت عليه الطلاق إلا أن يكون معها شاهد وكذلك إحلاف العبد سيده في دعوى العتق عليه والدعوى لا تخلو أن تكون في شيء في الذمة أو في شيء بعينه فإن كانت في الذمة فادعى المدعى عليه البراءة من تلك الدعوى وأن له بينة سمعت منه بينته باتفاق وكذلك إن كان اختلاف في عقد وقع أو عين مثل بيع أو غير ذلك وأما إن كانت الدعوى في عين وهو الذي يسمى استحقاقا فإنهم اختلفوا هل تسمع بينة المدعى عليه فقال أبو حنيفة لا تسمع بينة المدعى عليه إلا في النكاح وما لا يتكرر وقال غيره لا تسمع في شيء وقال مالك والشافعي تسمع أعني في أن تشهد للمدعي بينة المدعى عليه أنه مال له وملك فعمدة من قال لا تسمع أن الشرع قد جعل البينة في حيز المدعي واليمين في حيز المدعى عليه فوجب أن لا ينقلب الأمر وكان ذلك عندهما عبادة

Section V02/P353–V02/P354

وسبب الخلاف هل تفيد بينة المدعى عليه معنى زائدا على كون الشيء المدعي فيه موجودا بيده أم ليست تفيد ذلك فمن قال لا تفيد معنى زائدا قال لا معنى لها ومن قال تفيد اعتبرها فإذا قلنا باعتبار بينة المدعى عليه فوقع التعارض بين البينتين ولم تثبت إحداهما أمر زائدا مما لا يمكن أن يتكرر في ملك ذي الملك فالحكم عند مالك أن يقضي بأعدل البينتين ولا يعتبر الأكثر وقال أبو حنيفة بينة المدعي أولى على أصله ولا تترجح عنده بالعدالة كما لا تترجح عند مالك بالعدد وقال الأوزاعي تترجح بالعدد وإذا تساوت في العدالة فذلك عند مالك كلا بينة يحلف المدعى عليه فإن نكل حلف المدعي ووجب الحق لأن يد المدعى عليه شاهدة له ولذلك جعل دليله الدليلين أعني اليمين وأما إذا أقر الخصم فإن كان المدعى فيه عينا فلا خلاف أنه يدفع إلى مدعيه وأما إذا كان مالا في الذمة فإنه يكلف المقر غرمه فإن ادعى العدم حبسه القاضي عند مالك حتى يتبين عدمه أما بطول السجن والبينة إن كان متهما فإذا لاح عسره خلي سبيله لقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وقال قوم يؤاجره وبه قال أحمد وروي عن عمر بن عبد العزيز وحكي عن أبي حنيفة أن لغرمائه أن يدوروا معه حيث دار ولا خلاف أن البينة إذا جرحها المدعى عليه أن الحكم يسقط إذا كان التجريح قبل الحكم وإن كان بعد الحكم لم ينتقض عند مالك وقال الشافعي ينتقض وأما إن رجعت البينة عن الشهادة فلا يخلو أن يكون ذلك قبل الحكم أو بعده فإن كان قبل الحكم فالأكثر أن الحكم لا يثبت وقال بعض الناس يثبت وإن كان بعد الحكم فقال مالك يثبت الحكم وقال غيره لا يثبت الحكم وعند مالك أن الشهداء يضمنون ما أتلفوا بشهادتهم فإن كان مالا ضمنوه على كل حال قال عبد الملك لا يضمنون في الغلط وقال الشافعي لا يضمنون المال وإن كان دما فإن ادعوا الغلط ضمنوا الدية وإن أقروا أقيد منهم على قول أشهب ولم يقتص منهم على قول ابن القاسم الباب السادس وأما متى يقضي فمنها ما يرجع إلى حال القاضي في نفسه ومنها ما يرجع إلى وقت إنفاذ الحكم وفصله ومنها ما يرجع إلى وقت توقيف المدعي فيه وإزالة اليد عنه إذا كان غبنا فأما متى يقضي القاضي فإذا لم يكن مشغول النفس لقوله عليه الصلاة والسلام لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان ومثل هذا عند مالك أن يكون عطشانا أو جائعا أو خائفا أو غير ذلك من العوارض التي تعوقه عن الفهم لكن إذا قضى في حال من هذه الأحوال بالصواب فاتفقوا فيما أعلم على أنه ينفذ حكمه ويحتمل أن يقال لا ينفذ فيما وقع عليه النص وهو الغضبان لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه وأما متى ينفذ الحكم عليه فبعد ضرب الأجل والإعذار إليه ومعنى نفوذ هذا هو أن يحق حجة المدعي أو يدحضها وهل له أن يسمع حجة بعد الحكم فيه اختلاف من قول مالك والأشهر أنه يسمع فيما كان حقا لله مثل الأحباس والعتق ولا يسمع في غير ذلك وقيل لا يسمع بعد نفوذ الحكم وهو الذي يسمى التعجيز وقيل لا يسمع منهما جميعا وقيل بالفرق بين المدعي والمدعى عليه وهو ما إذا أقر بالعجز وأما وقت التوقيف فهو عند الثبوت وقبل الإعذار وهو إذا لم يرد الذي استحق الشيء من يده أن يخاصم فله أن يرجع بثمنه على البائع وإن كان يحتاج في رجوعه به على البائع أن يوافقه عليه فيثبت شراءه منه إن أنكره أو يعترف له به إن أقره فللمستحق من يده أن يأخذ الشيء من المستحق ويترك قيمته بيد المستحق وقال الشافعي يشتريه منه فإن عطب في يد المستحق فهو ضامن له وإن عطب في أثناء الحكم ممن ضمانه اختلف في ذلك فقيل إن عطب بعد الثبات فضمانه من المستحق وقيل إنما يضمن المستحق بعد الحكم

Section V02/P354–V02/P356

وأما بعد الثبات وقبل الحكم فهو من المستحق منه قال القاضي رضي الله عنه وينبغي أن تعلم أن الأحكام الشرعية تنقسم قسمين قسم يقضي به الحكام وجل ما ذكرناه في هذا الكتاب هو داخل في هذا القسم وقسم لا يقضي به الحكام وهذا أكثره هو داخل في المندوب إليه وهذا الجنس من الأحكام هو مثل رد السلام وتشميت العاطس وغير ذلك مما يذكره الفقهاء في أواخر كتبهم التى يعرفونها بالجوامع ونحن فقد رأينا أن نذكر أيضا من هذا الجنس المشهور منه إن شاء الله تعالى وأما ما ينبغي قبل هذا أن تعلم أن السنن المشروعة العملية المقصود منها هو الفضائل النفسانية فمنها ما يرجع إلى تعظيم من يجب تعظيمه وشكر من يجب شكره وفي هذا الجنس تدخل العبادات وهذه هي السنن الكرامية ومنها ما يرجع إلى الفضيلة التي تسمى عفة وهذه صنفان السنن الواردة في المطعم والمشرب والسنن الواردة في المناكح ومنها ما يرجع إلى طلب العدل والكف عن الجور فهذه هي أجناس السنن التي تقتضي العدل في الأموال والتي تقتضي العدل في الأبدان وفي هذا الجنس يدخل القصاص والحروب والعقوبات لأن هذه كلها إنما يطلب بها العدل ومنها السنن الواردة في الأعراض ومنها السنن الواردة في جميع الأموال وتقويمها وهي التي يقصد بها طلب الفضيلة التي تسمى السخاء وتجنب الرذيلة التي تسمى البخل والزكاة تدخل في هذا الباب من وجه وتدخل في باب الاشتراك في الأموال وكذلك الأمر في الصدقات ومنها سنن واردة في الاجتماع الذي هو شرط في حياة الإنسان وحفظ فضائله العملية والعلمية وهي المعبر عنها بالرياسة ولذلك لزم أيضا أن تكون سنن الأئمة والقوام بالدين ومن السنة المهمة في حين الاجتماع السنن الواردة في المحبة والبغضة والتعاون على إقامة هذه السنن وهو الذي يسمى النهي عن المنكر والأمر بالمعروف وهي المحبة والبغضة أي الدينية التي تكون إما من قبل الإخلال بهذه السنن وإما من قبل سوء المعتقد في الشريعة وأكثر ما يذكر الفقهاء في الجوامع من كتبهم ما شذ عن الأجناس الأربعة التي هي فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء والعبادة التى هي كالشروط في تثبيت هذه الفضائل كمل كتاب الأقضية وبكماله كمل جميع الديوان والحمد لله كثيرا على ذلك كما هو أهله

End of available text.