İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ويشترط عليهم الشروط المذكورة في كتاب عبد الرحمن بن غنم أن لا يحدثوا بيعة ولا كنيسة ولا صومعة راهب ولا قلابة وإن وقع الصلح مطلقا من غير شرط حمل ما وقع عليه صلح عمر وأخذوا بشروطه فأما الذين صالحهم عمر وعقد معهم الذمة على ما في كتاب عبد الرحمن بن غنم مأخوذون بشروطه كلها وما وجد في بلاد المسلمين من الكنائس والبيع فهي على ما كانت عليه في زمن فاتحيها ومن بعدهم وكل موضع قلنا يجوز إقرارها لم يجز هدمها ولهم رم ما تشعث منها وإصلاحها لأن المنع من ذلك يفضي إلى خرابها وذهابها فجرى مجرى هدمها وإن وقعت كلها لم يجز بناؤها وهو قول بعض أصحاب الشافعي وعن أحمد أنه يجوز وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه بناء لما استهدم فأشبه بناء بعضها إذا انهدم ورم شعثها ولأن استدامتها جائزة وبناؤها كاستدامتها وحمل الخلال قول أحمد لهم أن يبنوا ما انهدم منها أي إذا انهدم بعضها ومنعه من بناء ما انهدم على ما إذا ما انهدمت كلها فجمع بين الروايتين ولنا إن في كتاب أهل الجزيرة لعياض بن غنم ولا تجدد ما خرب من كنائسنا وروى كثير بن مرة قال سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبنى الكنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها ولأن هذا بناء كنيسة في دار الإسلام فلم يجز كما لو ابتدىء بناؤها وفارق رم شعثها فإنه إبقاء واستدامة وهذا إحداث فصل ومن استحدث من أهل الذمة بناء لم يجز له منعه حتى يكون أطول من بناء المسلمين المجاورين له لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الإسلام يعلو ولا يعلى ولأن في ذلك رتبة على المسلمين وأهل الذمة ممنوعون من ذلك ولهذا يمنعون من صدور المجالس ويلجؤون إلى أضيق الطرق ولا يمنع من تعلية بنائه على من ليس بمحاور له لأن علوها إنما يكون ضررا على المجاور لها دون غيره وفي جواز مساواة المسلمين وجهان أحدهما الجواز لأنه ليس بمستطيل على المسلمين والثاني المنع لقوله عليه السلام الإسلام يعلو ولا يعلى ولأنهم منعوا من مساواة المسلمين في لباسهم وشعورهم وركوبهم كذلك في بنائهم فإن كان للذمي دار عالية فملك المسلم دارا إلى جانبها أو بنى المسلم إلى جانب دار ذمي دارا أو اشترى ذمي دارا عالية لمسلم فله سكنى داره ولا يلزمه هدمها لأنه لم يعل على المسلمين شيئا فإن انهدمت داره العالية ثم جدد بناءها لم يجز له تعليته على بناء المسلمين وإن انهدم ما علا منها لم تكن له إعادته وإن تشعث منه شيء ولم ينهدم فله رمه وإصلاحه لأنه ملك استدامته فملك رم شعثه كالكنيسة فصل ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز وبهذا قال مالك والشافعي إلا أن مالكا قال أرى أن يجلو من أرض العرب كلها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يجتمع دينان في جزيرة العرب وروى أبو داود بإسناده عن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن ابن عباس قال أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالث رواه أبو داود وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن قاله سعيد بن عبد العزيز وقال الأصمعي وأبو عبيد هي من ريف العراق إلى عدن طولا ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضا وقال أبو عبيدة هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولا ومن رمل تبرين إلى منقطع السماوة عرضا قال الخليل إنما قيل لها جزيرة لأن بحر الجيش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها ونسبت إلى العرب لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها وقال أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها يعني أن الممنوع من سكنى الكفار المدينة وما والاها وهو مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها
وما والاها وهذا قول الشافعي لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أخرجوا اليهود من الحجاز فأما إخراج أهل نجران فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز وإنما سمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز كتيماء وفيد ونحوهما لأن عمر لم يمنعهم من ذلك فصل ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه وأتاه شيخ بالمدينة فقال أنا الشيخ النصراني وإن عاملك عشرني مرتين فقال عمر وأنا الشيخ الحنيف وكتب له عمر أن لا يعشروا في السنة إلا مرة ولا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة على ما روي عن عمر رضي الله عنه ثم ينتقل عنه وقال القاضي يقيم أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة والحكم في دخولهم إلى الحجاز في اعتبار الإذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الإسلام وإذا مرض بالحجاز جازت له الإقامة لأنه يشق الانتقال على المريض وتجوز الإقامة لمن يمرضه لأنه لا يستغنى عنه وإن كان له دين على أحد وكان حالا أجبر غريمه على وفائه فإن تعذر وفاؤه لمطل أو تغيب عنه فينبغي أن يمكن من الإقامة ليستوفي دينه لأن التعدي من غيره وفي إخراجه ذهاب ماله وإن كان الدين مؤجلا لم يمكن من الإقامة ويوكل من يستوفيه له لأن التفريط منه وإن دعت الحاجة إلى الإقامة ليبيع بضاعته احتمل أن يجوز لأن في تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله وذلك مما يمنع من الدخول بالبضائع إلى الحجاز فتفوت مصلحتهم وتلحقهم المضرة بانقطاع الجلب عنهم ويحتمل أن يمنع من الإقامة لأن له من الإقامة بدا فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز جاز ويقيم فيه أيضا ثلاثة أيام أو أربعة على الخلاف فيه وكذلك إذا انتقل منه إلى مكان آخر جاز ولو حصلت الإقامة في الجميع شهرا وإذا مات بالحجاز دفن به لأنه يشق نقله وإذا جازت الإقامة للمريض فدفن الميت أولى فصل فأما الحرم فليس لهم دخوله بحال وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لهم دخوله كالحجاز كله ولا يستوطنون به ولهم دخول الكعبة والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرف كالحجاز ولنا قول الله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا التوبة 28 والمراد به الحرم بدليل قوله تعالى وإن خفتم عيلة التوبة 28 يريد ضررا بتأخير الجلب عن الحرم دون المسجد ويجوز تسمية الحرم المسجد الحرام بدليل قول الله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الإسراء 1 وإنما أسري به من بيت أم هانىء من خارج المسجد ويخالف الحجاز لأن الله تعالى منع منه مع إذنه في الحجاز فإن هذه الآية نزلت واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من الحجاز ولم يمنعوا من الإقامة به وأول من أجلاهم عمر رضي الله عنه ولأن الحرم أشرف لتعلق النسك به ويحرم صيده وشجره والملتجىء إليه فلا يقاس عليه فإن أراد كافر الدخول إليه منع منه فإن كانت معه ميرة أو تجارة خرج إليه من يشتري منه ولم يترك هو يدخل وإن كان رسولا إلى إمام بالحرام خرج إليه من يسمع رسالته ويبلغها إياه فإن قال لا بد لي من لقاء الإمام وكانت المصلحة في ذلك خرج إليه الإمام ولم يأذن له في الدخول فإن دخل الحرم عالما بالمنع عزر وإن دخل جاهلا نهى وهدد فإن مرض بالحرم أو مات أخرج ولم يدفن به لأن حرمة الحرم أعظم ويفارق الحجاز من وجهين أحدهما أن دخوله إلى الحرم حرام وإقامته به حرام بخلاف الحجاز
والثاني أن خروجه من الحرم سهل ممكن لقرب الحل منه وخروجه من الحجاز في مرضه صعب ممتنع وإن دفن نبش وأخرج إلا أن يصعب إخراجه لنتنه وتقطعه وإن صالحهم الإمام على دخول الحرم بعوض فالصلح باطل فإن دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه لم يرد عليهم العوض لأنهم قد استوفوا ما صالحهم عليه وإن وصلوا إلى بعضه أخذ من العوض بقدره ويحتمل أن يرد عليهم بكل حال لأن ما استوفوه لا قيمة له والعقد لم يوجب العوض لكونه باطلا فصل فأما مساجد الحل فليس لهم دخولها بغير إذن المسلمين لأن عليا رضي الله عنه بصر بمجوسي وهو على المنبر وقد دخل المسجد فنزل وضربه وأخرجه من أبواب كندة فإن أذن لهم في دخولها جاز في الصحيح من المذهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه وفد أهل الطائف فأنزلهم من المسجد قبل إسلامهم وقال سعيد بن المسيب قد كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو على شركه وقدم عمير بن وهب فدخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم فيه ليفتك به فرزقه الله الإسلام وفيه رواية أخرى ليس لهم دخوله بحال لأن أبا موسى دخل على عمر ومعه كتاب قد كتب فيه حساب عمله فقال له عمر ادع الذي كتبه ليقرأه قال إنه لا يدخل المسجد قال ولم قال إنه نصراني وفيه دليل على شهرة ذلك بينهم وتقرره عندهم ولأن حدث الجنابة والحيض والنفاس يمنع المقام في المسجد فحدث الشرك أولى فصل والمأخوذ في أحكام الذمة ينقسم خمسة أقسام أحدها ما لا يتم العقد إلا بذكره وهو شيئان التزام الجزية وجريان أحكامنا عليهم فإن أخل بذكر واحد منهما لم يصح العقد وفي معناهما ترك قتال المسلمين فإنه وإن لم يذكر لفظه فذكر المعاهدة يقتضيه القسم الثاني ما فيه ضرر على المسلمين في أنفسهم وهو ثمانية خصال ذكرناها فيما تقدم القسم الثالث ما فيه غضاضة على المسلمين وهو ذكر ربهم أو كتابهم أو دينهم أو رسولهم بسوء القسم الرابع ما فيه إظهار منكر وهو خمسة أشياء إحداث البيع والكنائس ونحوها ورفع أصواتهم بكتبهم بين المسلمين وإظهار الخمر والخنزير والضرب بالنواقيس وتعلية البنيان على أبنية المسلمين والأقامة بالحجاز ودخول الحرم فيلزمهم الكف عنه سواء شرط عليهم أو لم يشرط في جميع ما في هذه الأقسام الثلاثة القسم الخامس التميز على المسلمين في أربعة أشياء لباسهم وشعورهم وركوبهم وكناهم أما لباسهم فهو أن يلبسوا ثوبا يخالف لونه لون سائر الثياب فعادة اليهود العسلي وعادة النصارى الأدكن وهو الفاختي ويكون هذا في ثوب واحد لا في جميعها ليقع الفرق ويضيف إلى هذا شد الزنار فوق ثوبه إن كان نصرانيا أو علامة أخرى إن لم يكن نصرانيا كخرقة يجعلها في عمامته أو قلنسوته يخالف لونها لونها ويختم في رقبته خاتم رصاص أو حديد أو جلجل ليفرق بينه وبين المسلمين في الحمام ويلبس نساؤهم ثوبا ملونا وتشد الزنار تحت ثيابها وتختم في رقبتها ولا يمنعون لبس فاخر الثياب ولا العمائم ولا الطيلسان لأن التمييز حصل بالغيار والزنار وأما الشعور فإنهم يحذفون مقاديم رؤوسهم ويجزون شعورهم ولا يفرقون شعورهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق شعره وأما الركوب فلا يركبون الخيل لأن ركوبها عز ولهم ركوب ما سواها ولا يركبون السروج ويركبون عرضا رجلاه إلى جانب وظهره إلى آخر لما روى الخلال بإسناده أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة وأن يشدوا المناطق وأن يركبوا الأكف بالعرض ويمنعون تقلد السيوف وحمل السلاح واتخاذه وأما الكنى فلا يتكنوا بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبد الله وأبي محمد وأبي بكر وأبي الحسن وشبههما ولا يمنعون الكنى بالكلية فإن أحمد قال لطبيب نصراني يا أبا إسحاق وقال أليس النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعيد بن عبادة قال أما ترى ما يقول أبو الخباب وقال الأسقف نجران أسلم أبا الحارث وقال عمر لنصراني يا أبا حسان أسلم تسلم
فصل وإذا عقد معهم الذمة كتب أسماءهم وأسماء آبائهم وعددهم وحلاهم ودينهم فيقول فلان بن فلان الفلاني طويل أو قصير أو ربعة أسمر أو أبيض أدعج العين أقنى الأنف مقرون الحاجبين ونحو هذا من صفاتهم التي يتميز بها كل واحد من الآخر ويجعل لكل عشرة عريفا يراعي من يبلغ منهم أو يفيق من جنون أو يقدم من غيبة أو يسلم أو يموت أو يغيب ويجبي جزيتهم فيكون ذلك أحوط لحفظ جزيتهم فصل إذا مات الإمام أو عزل وولي غيره فإن عرف ما عقد عليه عقد الذمة من كان قبله وكان عقدا صحيحا أقرهم عليه لأن الخلفاء أقروا عقد عمر ولم يجددوا عقدا سواه ولأن عقد الذمة مؤبد وإن كان فاسدا رده إلى الصحة وإن لم يعرف فشهد به مسلمان أو كان أمره ظاهرا عمل به وإن أشكل عليه سألهم فإن ادعوا العهد بما يصلح أن يكون جزية قبل قولهم وعمل به وإن شاء استحلفهم استظهارا فإن بان له بعد ذلك أنهم نقضوا من المشروط عليهم شيئا رجع بما نقضوا وإن قالوا كنا نؤدي كذا وكذا تجربة وكذا وكذا هدية استحلفهم يمينا واحدة لأن الظاهرة فيما يدفعونه أنه جزية واختار أبو الخطاب أنه إذا لم يعرف ما عوهدوا عليه استأنف العقد معهم لأن عقد الأول لم يثبت عنده فصار كالمعدوم مسألة قال ( ومن هرب من ذمتنا إلى دار الحرب ناقضا للعهد عاد حربيا ) يعني يصير حكمه حكم أهل الحرب سواء كان رجلا أو امرأة ومتى قدر عليه أبيح منه ما يباح من الحربي من القتل والاسترقاق وأخذ المال وإن هرب الذمي بأهله وذريته أبيح من البالغين منهم ما يباح من أهل الحرب ولم يبح سبي الذرية لأن النقض إنما وجد عن البالغين دون الذرية فصل وإن انقضت طائفة من أهل الذمة جاز غزوهم وقتلهم وإن نقض بعضهم دون بعض اختص حكم النقض بالناقض دون غيره وإن لم ينقضوا لكن خاف النقض منهم لم يجز أن ينبذ إليهم عهدهم لأن عقد الذمة لحقهم بدليل أن الإمام تلزمه إجابتهم إليه بخلاف عقد الأمان والهدنة لمصلحة المسلمين ولأن عقد الذمة آكد لأنه مؤبد وهو معاوضة ولذلك إذا نقض بعض أهل الذمة العهد وسكت بعضهم لم يكن سكوتهم نقضا وفي عقد الهدنة يكون نقضا فصل وإذا عقد الذمة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة لأنه التزم بالعهد حفظهم ولهذا قال علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا وقال عمر رضي الله عنه في وصيته للخليفة بعده وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيرا أن يوفي لهم بعهدهم ويحاط من ورائهم فصل وإذا تحاكم إلينا مسلم مع ذمي وجب الحكم بينهم لأن عليا حفظ الذمي من ظلم المسلم وحفظ المسلم منه وإن تحاكم بعضهم مع بعض أو استعدى بعضهم على بعض خير الحاكم بينهم والإعراض عنهم لقول الله تعالى فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم المائدة 42 فإن حكم بينهم لم يحكم إلا بحكم الإسلام لقول الله تعالى وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط المائدة 42 قال تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم المائدة 49 وإذا استعدت المرأة على زوجها في طلاق أو ظهار أو إيلاء فإن شاء أعداها وإن شاء تركها لقول الله تعالى فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم المائدة 42 فإن أحضر زوجها حكم عليه بما يحكم على المسلم في مثل ذلك فإن كان قد ظاهر منها منعه وطأها حتى يكفر وتكفيره بالإطعام وحده لأنه لا يملك رقبة مسلم ولا يملك شراءها ولا يصح منه الصيام فصل ولا يجوز تمكينه من شراء مصحف ولا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فقه فإن فعل فالشراء باطل لأن ذلك يتضمن ابتذاله وكره أحمد بيعهم الثياب المكتوب عليها ذكر الله تعالى قال مهنا سألت أحمد أبا عبد الله هل تكره للرجل المسلم أن يعلم غلاما مجوسيا شيئا من القرآن قال إن أسلم فنعم وإلا فأكره أن يضع القرآن في غير موضعه
قلت فيعلمه أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم وقال الفضل بن زياد سألت أبا عبد الله عن الرجل يرهن المصحف عند أهل الذمة قال لا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو فصل ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا بداءتهم بالسلام لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا غادون غدا فلا تبدؤوهم بالسلام وإن سلموا عليكم فقولوا وعليكم أخرجه الإمام أحمد بأسناده عن أنس أنه قال نهينا أو أمرنا أن لا نزيد أهل الكتاب علي وعليكم قال أبو داود قلت لأبي عبد الله تكره أن يقول الرجل للذمي كيف أصبحت أو كيف حالك أو كيف أنت أو نحو هذا قال نعم هذا عندي أكثر من السلام وقال أبو عبد الله إذا لقيته في الطريق فلا توسع له وذلك لما تقدم من حديث أبي هريرة وروي عن ابن عمر أنه مر على رجل فسلم عليه فقيل إنه كافر فقال رد علي ما سلمت عليك فرد عليه فقال أكثر الله مالك وولدك ثم التفت إلى أصحابه فقال أكثر للجزية وقال يعقوب بن بختان سألت أبا عبد الله فقلت نعامل اليهود والنصارى فنأتيهم في منازلهم وعندهم قوم مسلمون أسلم عليهم قال نعم تنوي السلام على المسلمين وسئل عن مصافحة أهل الذمة فكرهه فصل وما يذكر بعض أهل الذمة من أن الجزية لا تلزمهم وإن معهم كتابا من النبي صلى الله عليه وسلم بإسقاطها عنهم لا يصح وسئل عن ذلك أبو العباس بن سريج فقال ما نقل ذلك أحد من المسلمين وذكر أنهم طولبوا بذلك فأخرجوا كتابا ذكروا أنه بخط علي رضي الله عنه كتبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية وتاريخه بعد موت سعد وقبل إسلام معاوية فاستدل بذلك على بطلانه ولأن قولهم غير مقبول ولم يرو ذلك من يعتمد على روايته فصل قال أبو الخطاب يمتهنون عند أخذ الجزية ويطال قيامهم وتجر أيديهم عند أخذها ذهب إلى قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 وقيل للصغار التزامهم الجزية وجريان أحكامنا عليهم ولا يقبل منهم إرسالها بل يحضر الذمي بنفسه بها ويؤديها وهو قائم والآخذ جالس ولا يشتط عليهم في أخذها ولا يعذبون إذا أعسروا عن أدائها فإن عمر رضي الله عنه أتي بمال كثير قال أبو عبيد وأحسبه من الجزية فقال إني لأظنكم قد أهلكتم الناس قالوا لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا قال بلا سوط ولا بوط قالوا نعم قال الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني وقدم عليه سعيد بن عامر بن حذيم فعلاه عمر بالدرة فقال سعيد سبق سيلك مطرك إن تعاقب نصبر وإن تعف نشكر وإن تستعتب نعتب فقال ما على المسلم إلا هذا ما لك تبطىء بالخراج قال أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكن نؤخرهم إلى غلاتهم قال عمر لأعزلنك ما حييت رواهما أبو عبيد وقال إنما وجه التأخير إلى الغلة الرفق بهم قال ولم نسمع في استيداء الخراج والجزية وقتا غير هذا واستعمل علي بن أبي طالب رجلا على عسكري فقال له على رؤوس الناس لا تدعن لهم درهما من الخراج وشدد عليه القول ثم قال القنى عند انتصاف النهار فأتاه فقال إني كنت أمرتك بأمر وإني أتقدم إليك الآن فإن عصيتني نزعتك لا تبيعن لهم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة شتاء ولا صيف وارفق بهم وافعل بهم
فصل قال أحمد في الرجل له المرأة النصرانية لا يأذن لها أن تخرج إلى عيد أو تذهب إلى بيعة وله أن يمنعها ذلك وكذلك في الأمة قيل له أله أن يمنعها شرب الخمر قال يأمرها فإن لم تقبل فليس له منعها قيل له فإن طلبت منه أن يشتري لها زنارا قال لا يشتري لها زنارا تخرج هي تشتري لنفسها وسئل عن الذمي يعامل بالربا ويبيع الخمر والخنزير ثم يسلم وذلك المال في يده فقال لا يلزمه أن يخرج منه شيئا لأن ذلك مضى في حال كفره وأشبه نكاحهم في الكفر إذا أسلم وسئل عن المجوسيين يجعلان ولدهما مسلما فيموت وهو ابن خمس سنين فقال يدفن في مقابر المسلمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه يعني أن هذين لم يمجساه فيبقى على الفطرة وسئل أبو عبد الله عن أولاد المشركين فقال اذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم الله أعلم بما كانوا عاملين قال وكان ابن عباس يقول فأبواه يهودانه وينصرانه حتى سمع الله أعلم بما كانوا عاملين فترك قوله وسأله ابن الشافعي فقال يا أبا عبد الله ذراري المشركين أو المسلمين فقال هذه مسائل أهل الزيغ وقال أبو عبد الله سأل بشر بن السري سفيان الثوري عن أطفال المشركين فصاح به وقال يا صبي أنت تسأل عن هذا قال أحمد ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت ولا نقول شيئا وسئل عن أطفال المسلمين فقال ليس فيه اختلاف أنهم في الجنة وذكروا له حديث عائشة الذي قالت فيه عصفور من عصافير الجنة قال وهذا حديث وذكر فيه رجلا ضعفه طلحة وسئل عن الرجل يسلم بشرط أن لا يصلي إلا صلاتين فقال يصح إسلامه ويؤخذ بالخمس وقال معنى حديث حكيم بن حزام بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائما أنه لا يركع في الصلاة بل يقرأ ثم يسجد من غير ركوع قال وحديث قتادة عن نصر بن عاصم أن رجلا منهم بايع النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي طرفي النهار كتاب الصيد والذبائح الأصل في إباحة الصيد الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فيقول الله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما المائدة 96 وقال سبحانه وإذا حللتم فاصطادوا المائدة 2 وقال سبحانه يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه المائدة 4 وأما السنة فروى أبو ثعلبة الخشني قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنا بأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فأخبرني ماذا يصلح لي قال أما ما ذكرت أنكم بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا رسل الكلب المعلم فيمسك علينا قال كل قلت وإن قتل قال كل لم يشركه كلب غيره قال وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال ما خرق فكل وما قتل بعرضه فلا تأكل متفق عليهما وأجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد مسألة قال ( وإذا سمى وأرسل كلبه أو فهده المعلم واصطاد وقتل ولم يأكل منه جاز أكله ) وأما ما أدرك ذكاته من الصيد فلا يشترط في إباحته سوى صحة التذكية ولذلك قال عليه السلام وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل وأما ما قتل الجارح فيشترط في إباحته شروط سبعة أحدها أن يكون الصائد من أهل الذكاة فإن كان وثنيا أو مرتدا أو مجوسيا أو من غير المسلمين وأهل الكتاب أو مجنونا لم يبح صيده لأن الاصطياد أقيم مقام الذكاة والجارح آلة كالسكين وعقره للحيوان بمنزلة إفراء الأوداج
قال النبي صلى الله عليه وسلم فإن أخذ الكلب ذكاته والصائد بمنزلة المذكي فتشترط الأهلية فيه الشرط الثاني أن يسمي عند إرسال الجارح فإن ترك التسمية عمدا أو سهوا لم يبح هذا تحقيق المذهب وهو قول الشعبي وأبي ثور وداود ونقل حنبل عن أحمد إن نسي التسمية على الذبيحة والكلب أبيح قال الخلال سها حنبل في نقله فإن في أول مسألته إذا نسي وقتل لم يأكل وممن أباح متروك التسمية في النسيان دون العمد أبو حنيفة ومالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان ولأن إرسال الجارحة جرى مجرى التذكية فعفي عن النسيان فيه كالذكاة وعن أحمد أن التسمية تشترط على إرسال الكلب في العمد والنسيان ولا يلزم ذلك في إرسال السهم إليه حقيقة وليس له اختيار فهو بمنزلة السكين بخلاف الحيوان فإنه يفعل باختياره وقال الشافعي يباح متروك التسمية عمدا أو سهوا لأن البراء روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله فقال اسم الله في قلب كل مسلم وعن أحمد رواية أخرى مثل هذا ولنا قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه المائدة 121 وقال فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه المائدة 4 وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك وسميت فكل قلت أرسل كلبي فأخذ معه كلبا آخر قال لا نأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر متفق عليه وفي لفظ وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل وفي حديث أبي ثعلبة وما صدت بقوسك ذكرت اسم الله عليه فكل وهذه نصوص صحيحة لا يعرج على ما خالفها وقوله عفي لأمتى عن الخطأ والنسيان يقتضي نفي الاسم لا جعل الشرط المعدوم كالموجود بدليل ما لو نسي شرط الصلاة والفرق بين الصيد والذبيحة أن الذبح وقع في محله فجاز أن يتسامح فيه بخلاف الصيد فأما أحاديث أصحاب الشافعي فلم يذكرها أصحاب السنن المشهورة وإن صحت فهي في الذبيحة ولا يصح قياس الصيد عليها لما ذكرنا مع ما في الصيد من النصوص الخاصة إذا ثبت هذا فالتسمية المعتبرة قوله بسم الله لأن إطلاق التسمية ينصرف إلى ذلك وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال بسم الله والله أكبر وكان ابن عمر يقوله ولا خلاف في أن قوله بسم الله يجزئه وإن قال اللهم اغفر لي لم يكف لأن ذلك طلب حاجة وإن هلل أو سبح أو كبر أو حمد الله تعالى احتمل الاجزاء لأنه ذكر اسم الله تعالى على وجه التعظيم واحتمل المنع لأن إطلاق التسمية لا يتناوله وإن ذكر اسم الله تعالى بغير العربية أجزأه وإن أحسن العربية لأن المقصود ذكر اسم الله وهو يحصل بجميع اللغات بخلاف التكبير في الصلاة فإن المقصود لفظه ذكر اسم الله وهو يحصل بجميع اللغات بخلاف التكبير في الصلاة فإن المقصود لفظه وتعتبر التسمية عند الإرسال لأنه الفعل الموجود من المرسل فتعتبر التسمية عنده كما تعتبر عند الذبح من الذابح وعند إرسال السهم من الرامي نص أحمد على هذا ولا تشرع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع التسمية في ذبح ولا صيد وبه قال الليث واختار أبو إسحاق بن شاقلا استحباب ذلك وهو قول الشافعي لقوله عليه السلام من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا وجاء في تفسير قوله تعالى ورفعنا لك ذكرك الشرح 4 لا أذكر إلا ذكرت معي ولنا قوله عليه السلام موطنان لا أذكر فيهما عند الذبيحة والعطاس رواه أبو محمد الخلال بإسناده ولأنه إذا ذكر غير الله تعالى أشبه المهل لغير الله
الشرط الثالث أن يرسل الجارحة على الصيد فإن استرسلت بنفسها فقتلت لم يبح وبهذا قال ربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال عطاء والأوزاعي يؤكل صيده إذا أخرجه للصيد وقال إسحاق إذا سمى عند انفلاته أبيح صيده وروى بإسناده عن ابن عمر أنه سئل عن الكلاب تنفلت من مرابضها فتصيد الصيد قال اذكر اسم الله وكل قال إسحاق فهذا الذي اختار لم يتعمد هو إرساله من غير ذكر اسم الله عليه قال الخلال هذا على معنى قول أبي عبد الله ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك وسميت فكل ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت للتسمية معه وإن استرسل بنفسه فسمى صاحبه وزجره فزاد في عدوه أبيح صيده وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يباح وعن عطاء كالمذهبين ولنا إن زجره أثر في عدوه فصار كما لوأرسله وذلك لأن فعل الإنسان متى انضاف إلى فعل غيره فالاعتبار بفعل الإنسان بدليل ما لو صال الكلب على إنسان فأغراه إنسان فالضمان على من أغراه وإن أرسله بغير تسمية ثم سمى وزجره في عدوه فظاهر كلام أحمد أنه يباح فإنه قال إذا أرسل ثم سمى فانزجر أو أرسل وسمى فالمعنى قريب من السواء وظاهر هذا الإباحة لأنه انزجر بتسميته وزجره فأشبه التي قبلها وقال القاضي لا يباح صيده لأن الحكم يتعلق بالإرسال الأول بخلاف ما إذا استرسل بنفسه فإنه لا يتعلق به حذر ولا إباحة الشرط الرابع أن يكون الجارح معلما ولا خلاف في اعتبار هذا الشرط لأن الله تعالى قال وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة 4 وما تقدم من حديث أبي ثعلبة ويعتبر في تعليمه ثلاثة شروط إذا أرسله استرسل وإذا زجره انزجر وإذا أمسك لم يأكل ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلما في حكم العرف وأقل ذلك ثلاث قاله القاضي وهو قول أبي يوسف ومحمد ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات لأن التقدير بالتوقيف ولا توقيف في هذا بل قدره بما يصير به في العرف معلما وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا تكرر مرتين صار معلما لأن التكرار يحصل مرتين وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب يحصل ذلك بمرة ولا يعتبر التكرار لأنه تعلم صنعة فلا يعتبر فيه التكرار كسائر الصنائع ولنا إن تركه للأكل يحتمل أن يكون لشبع ويحتمل أنه لتعلم فلا يتميز ذلك إلا بالتكرار وما اعتبر فيه التكرار اعتبر ثلاثا كالمسح في الاستجمار وعدد الإقرار والشهود في العدة والغسلات في الوضوء ويفارق الصنائع فإنها لا يتمكن من فعلها إلا من تعلمها فإذا فعلها علم أنه قد تعلمها وعرفها وترك الأكل ممكن الوجود من المتعلم وغيره ويوجد في الصنفين جميعا فلا يتميز به أحدهما من الآخر حتى يتكرر وحكي عن ربيع ومالك أنه لا يتميز ترك الأكل لما روى أبو ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل ذكره الإمام أحمد ورواه أبو داود ولنا إن العادة في المعلم ترك الأكل فاعتبر شرطا كالانزجار إذا زجر وحديث أبي ثعلبة معارض بما روي عن عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وهذا أولى بالتقديم لأنه متفق عليه ولأنه متضمن للزيادة وهو ذكر الحكم معللا ثم إن حديث أبي ثعلبة محمول على جارحة ثبت تعليمها لقوله إذا أرسلت كلبك المعلم ولا يثبت حتى بترك الأكل إذا ثبت هذا فإن الانزجار بالزجر إنما يعتبر بإرساله على الصيد أو رؤيته أما بعد ذلك فإنه لا ينزجر بحال الشرط الخامس أن لا يؤكل من الصيد فإن أكل منه لم يبح في أصح الروايتين ويروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وبه قال عطاء وطاوس وعبيد بن عمير والشعبي والتخعي وسويد بن غفلة وأبو بردة وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك وقتادة وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور
والرواية الثانية يباح وروي ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وسلمان وأبي هريرة وابن عمر حكاه عنهم الإمام أحمد وبه قال مالك والشافعي قولان كالمذهبين واحتج من أباحه بعموم قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة 4 وحديث أبي ثعلبة ولأنه صيد جارح معلم فأبيح كما لو لم يأكل فإن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع أو غيظ على الصيد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل مما أمسك عليك قلت وإن قتل قال وإن قتل إلا أن يأكل الكلب فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه متفق عليه ولأن ما كان شرطا في الصيد الأول كان شرطا في سائر صيوده كالإرسال والتعليم وأما الآية فلا تتناول هذا الصيد فإنه قال فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة 4 وهذا إنما أمسك على نفسه وأما حديث أبي ثعلبة فقد قال أحمد يختلفون عن هشيم فيه وعلى أن حديثنا أصح لأنه متفق عليه وعدي بن حاتم أضبط ولفظه أبين لأنه ذكر الحكم والعلة قال أحمد حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الشعبي يقول كان جاري وربيطي فحدثني والعمل عليه ويحتمل أنه أكل منه بعد أن قتله وانصرف عنه وإذا ثبت هذا فإنه لا يحرم ما تقدم من صيوده في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يحرم لأنه لو كان معلما ما أكل ولنا عموم الآية والأخبار وإنما خص منه ما أكل منه ففيما عداه يجب القضاء بالعموم ولأن اجتماع شروط التعليم حاصلة فوجب الحكم به ولهذا حكمنا بحل صيده فإذا وجد الأكل احتمل أن يكون لنسيان أو لفرط جوعه أو نسي التعليم فلا يترك ما ثبت يقينا بالاحتمال فصل فإن شرب دمه ولم يأكل منه لم يحرم نص عليه أحمد وبه قال عطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وكرهه الشعبي والثوري لأنه في معنى الأكل ولنا عموم الآية والأخبار وإنما خرج منه ما أكل منه بحديث عدي فإن أكل منه فلا تأكل وهذا لم يأكل ولأن الدم لا يقصده الصائد منه ولا ينتفع به فلا يخرج بشربه عن أن يكون ممسكا على صائده فصل ولا يحرم ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه ويحتمل كلام الخرقي أنه يخرج عن أن يكون معلما فتعتبر له شروط التعليم ابتداء والأول أولى لما ذكرنا في صيده الذي قبل الأكل الشرط السادس أن يجرح الصيد فإن خنقه أو قتله بصدمته لم يبح قال الشريف وبه قال أكثرهم وقال الشافعي في قول له يباح لعموم الآية والخبر ولنا إنه قتله بغير جرح أشبه ما قتله بالحجر والبندق ولأن الله تعالى حرم الموقوذة وهذا كذلك وهذا يخص ما ذكروه وقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل يدل على أنه لا يباح ما لم ينهر الدم الشرط السابع أن يرسله على صيد فإن أرسله وهو لا يرى شيئا ولا يحس به فأصاب صيدا لم يبح هذا قول أكثر أهل العلم لأنه لم يرسله على الصيد وإنما استرسل بنفسه وهكذا إن رمى سهما إلى غرض فأصاب صيدا أو رمى به إلى فوق رأسه فوقع على صيد فقتله لم يبح لأنه لم يقصد برميه عينا فأشبه من نصب سكينا فانذبحت بها شاة فصل وكل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم كالفهد أو جوارح الطير فحكمه حكم الكلب في إباحة صيده قال ابن عباس في قوله تعالى وما علمتم من الجوارح المائدة 4 هي الكلاب المعلمة وكل طير تعلم الصيد والفهود والصقور وأشباهها وبمعنى هذا قال طاوس ويحيى بن أبي كثير والحسن ومالك والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وأبو ثور وحكي عن ابن عمر ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب لقول الله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين المائدة 4 يعني كلبتم من الكلاب
ولنا ما روي عن عدي قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال إذا أمسك عليك فكل ولأنه جارح يصاد به عادة ويقبل التعليم فأشبه الكلب فأما الآية فإن الجوارح الكواسب ويعلم ما جرحتم بالنهار الأنعام 60 أي كسبتم وفلان جارحة أهله أي كاسبهم ( مكلبين ) من التكليب وهو الإغراء فصل وهل يجب غسل أثر الكلب من الصيد فيه وجهان أحدهما لا يجب لأن الله تعالى ورسوله أمرا بأكله ولم يأمرا بغسله والثاني يجب لأنه قد ثبتت نجاسته فيجب غسل ما أصابه كبوله مسألة قال ( وإذا أرسل البازي وما أشبهه فصاد وقتل أكل وإن أكل من الصيد لأن تعليمه بأن يأكل ) وجملته أنه يشترط في الصيد بالبازي ما يشترط في الصيد بالكلب إلا ترك الأكل فلا يشترط ويباح صيده وإن أكل منه وبهذا قال ابن عباس وإليه ذهب النخعي وحكاد والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ونص الشافعي على أنه كالكلب في تحريم ما كان أكل منه من صيده لأن مجالدا روى عن الشعبي عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن أكل الكلب والبازي فلا تأكل ولأنه جارح مما صاده عقيب قتله فأشبه سباع البهائم ولنا إجماع الصحابة روى الخلال بإسناده عن ابن عباس قال إذا أكل الكلب فلا تأكل من الصيد وإذا أكل الصقر فكل لأنك تستطيع أن تضرب الكلب ولا تستطيع أن تضرب الصقر وقد ذكرنا عن أربعة من الصحابة إباحة ما أكل منه الكلب وخالفهم ابن عباس فيه ووافقهم في الصقر ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم ولأن جوارح الطير تعلم بالأكل ويتعذر تعليمها بترك الأكل فلم يقدح في تعليمها بخلاف الكلب والفهد وأما الخسير فة يصح يرويه ويتعذر مجالد وهو ضعيف قال أحمد مجالد يصير القصة واحدة كم من أعجوبة لمجالد والروايات الصحيحة تخالفه ولا يصح قياس الطير على السباع لما بينهما من الفرق فإذا ثبت هذا فكل جارح من الطير أمكن تعليمه والاصطياد به من البازي والصقر والشاهين والعقاب حل صيدها على ما ذكرناه مسألة قال ( ولا يؤكل ما صيد بالكلب الأسود إذا كان بهيما لأنه شيطان ) البهيم الذي لا يخالط لونه لون سواه قال أحمد الذي ليس فيه بياض قال ثعلب وإبراهيم الحربي كل لون لم يخالطه لون آخر بهيم قيل لهما من كل لون قالا نعم وممن كره صيده الحسن والنخعي وقتادة وإسحاق قال أحمد ما أعرف أحدا يرخص فيه يعني من السلف وأباح صيده أبو حنيفة ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر والقياس على غيره من الكلاب ولنا إنه كلب يحرم اقتناؤه ويجب قتله فلم يبح صيده كغير المعلم ودليل تحريم اقتنائه قول النبي صلى الله عليه وسلم فاقتلوا منها كل أسود بهيم رواه سعيد وغيره وروى مسلم في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن المغفل قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها فقال عليكم بالأسود البهيم ذي النكتتين فإنه شيطان فأمر بقتله وما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه فلم يبح صيده لغير المعلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه شيطانا ولا يجوز اقتناء الشيطان وإباحة الصيد المقتول رخصة فلا تستباح بمحرم كسائر الرخص والعمومات مخصوصة بما ذكرناه وإن كان فيه نكتتان فوق عينيه لم يخرج بذلك عن كونه نهيا لما ذكرناه من الخبر مسألة قال ( وإذا أراد الصيد وفيه روح فلم يذكه حتى مات لم يؤكل )
يعني والله أعلم ما كان فيه حياة مستقرة فأما ما كانت حياته كحياة المذبوح فهذا يباح من غير ذبح في قولهم جميعا فإن الذكاة في مثل هذا لا تفيد شيئا وكذلك لو ذبحه مجوسي ثم أعاد ذبحه مسلم لم يحل فأما إن أدركه وفيه حياة مستقرة فلم يذبحه حتى مات نظرت فإن لم يتسع الزمان لذكاته حتى مات حل أيضا قال قتادة يأكله ما لم يتوان في ذكاته أو يتركه عمدا وهو قادر على أن يذكيه ونحوه قول مالك والشافعي وروي عن الحسن والنخعي وقالأبو حنيفة لا يحل لأنه أدركه حيا حياة مستقرة فتعلقت إباحته بتذكيته كما لو اتسع الزمان ولنا إنه لم يقدر على ذكاته بوجه ينسب فيه إلى التفريط ولم يتسع لها الزمان فكان عقره ذكاته كالذي قتله ويفارق ما قاسوا عليه لأنه أمكنه ذكاته وفرط بتركها ولو أدركه وفيه حياة مستقرة يعيش بها طويلا وأمكنته ذكاته فلم يدركه حتى مات لم يبح سواء كان به جرح يعيش معه أو لا وبه قال مالك والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن ما كان كذلك فهو في حكم الحي بدليل أن عمر رضي الله عنه كانت جراحاته موحية فأوصى وأجيزت وصاياه وأقواله في تلك الحال ولا سقطت عنه الصلاة والعبادات ولأنه ترك تذكيته مع القدرة عليها فأشبه غير الصيد مسألة قال ( فإن لم يكن معه ما يذكيه به أشلى الصائد له عليه حتى يقتله فيؤكل ) يعني أغرى الكلب به أرسله عليه ومعنى أشلى في العربية دعا إلا أن العامة تستعمله بمعنى أغراه ويحتمل أن الخرقي أراد دعاه ثم أرسله لأن إرساله على الصيد يتضمن دعاءه إليه واختلف قول أحمد في هذه المسألة فعنه مثل قول الخرقي وهو قول الحسن وإبراهيم وقال في موضع إني لأقشعر من هذا يعني أنه لا يراه وهو قول أكثر أهل العلم لأنه مقدور عليه فلم يبح بقتل الجارح له كبهيمة الأنعام وكما لو أخذه سليما ووجه الأولى أنه صيد قتله الجارح له من غير إمكان ذكاته فأبيح كما لو أدركه ميتا ولأنها حال تتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة غالبا فجاز أن تكون ذكاته على حسب الإمكان كالمتردية في بئر وحكي عن القاضي أنه قال في هذا يتركه حتى يموت فيحل لأنه صيد تعذرت تذكيته فأبيح بموته من عقر الصائد له كالذي تعذرت تذكيته لقلة لبته والأول أصح لأنه حيوان لا يباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة فلم يبح بغيرها إذا لم يكن معه آلة كسائر المقدور على تذكيته ومسألة الخرقي محمولة على ما يخلف موته إن لم يقتله الحيوان أو يذكي فإن كان به حياة يمكن بقاؤه إلى أن يأتي به منزلة فليس فيه اختلاف أنه لا يباح إلا بالذكاة لأنه مقدور على تذكيته مسألة قال ( وإذا أرسل كلبه فأضاف معه غيره لم يؤكل إلا أن يدرك في الحياة فيذكى )
معنى المسألة أن يرسل كلبه على صيده فيجد الصيد ميتا ويجد مع كلبه كلبا لا يعرف حاله ولا يدري هل وجدت فيه شرائط صيده أو لا ولا يعلم أيهما قتله أو يعلم أنهما جميعا قتلاه أو إن قاتله الكلب المجهول فإنه لا يباح إلا أن يدركه حيا فيذكيه وبهذا قال عطاء والقاسم بن مخيمرة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا والأصل فيه ما روى عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر قال لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر وفي لفظ فإن وجدت مع كلبك آخر فخشيت أن يكون أخذ منه وقد قتله فلا تأكله فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك وفي لفظ فإنك لا تدري أيهما قتل أخرجه البخاري ولأنه شك في الاصطياد المبيح فوجب إبقاء حكم التحريم فأما إن علم أن كلبه الذي قتل وحده أو أن الكلب الآخر مما يباح صيده أبيح بدلالة تعليل تحريمه فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر وقوله فإنك لا تدري أيهما قتل ولأنه لم يشك في المبيح فلم يحرم كما لو كان هو أرسل الكلبين وسمى ولو جهل حال الكلب المشارك لكلبه ثم انكشف له أنه مسمى عليه مجتمعة فيه الشرائط حل الصيد ولو اعتقد حله لجهله بمشاركة الآخر له أو اعتقاده أنه كلب مسمى عليه ثم بان بخلافه حرم لأن حقيقة الإباحة والتحريم لا تتغير باعتقاده خلافها ولا الجهل بوجودها فصل وإن أرسل كلبه فأرسل مجوسي كلبه فقتلا صيدا لم يحل لأن صيد المجوسي حرام فإذا اجتمع الحظر والإباحة غلب الحظر كالمتولد بين ما يؤكل وما لا يؤكل ولأن الأصل الحظر والحل موقوف على شرط وهو تذكية من هو من أهل الزكاة أو صيده الذي حصلت التذكية به ولم يتحقق ذلك وكذلك إن رمياه بسهميهما فأصاباه فمات ولا فرق بين أن يقع سهماهما فيه دفعة واحدة أو يقع أحدهما قبل الآخر إلا أن يكون الأول قد عقره عقرا موحيا مثل أن ذبحه أو جعله في حكم المذبوح ثم أصابه الثاني وهو غير مذبوح فيكون الحكم للأول فإن كان الأول المسلم أبيح وإن كان المجوسي لم يبح وإن كان الثاني موحيا أيضا فقال أكثر أصحابنا الحكم للأول أيضا لأن الإباحة حصلت به فأشبه ما لو كان الثاني غير موح ويجيء على قول الخرقي إنه لا يباح لقوله وإذا ذبح فأتى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء أو وطىء عليها شيء لم تؤكل ولأن الروح خرجت بالجرحين فأشبه ما لو جرحاه معا وإن كان الأول ليس بموح والثاني موح فالحكم للثاني في الحظر والإباحة وإن أرسل المسلم والمجوسي كلبا واحدا فقتل صيدا لم يبح لذلك وكذلك لو أرسله مسلما وسمى أحدهما دون الآخر وكذلك لو أرسل المسلم كلبين أحدهما معلم والآخر غير معلم فقتلا صيدا لم يحل وكذلك إن أرسل كلبه المعلم فاسترسل معه معلم آخر بنفسه فقتلا الصيد لم يحل في قول أكثر أهل العلم منهم ربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي يحل ها هنا ولنا إن إرسال الكلب على الصيد شرطا لما بيناه ولم يوجد في أحدهما فصل فإن أرسل مسلم كلبه وأرسل مجوسي كلبه فرد الكلب المجوسي الصيد إلى كلب المسلم فقتله حل أكله وهذا قول الشافعي وأبي ثور وقال أبو حنيفة لا يحل لأن كلب المجوسي عاون في اصطياده فأشبه إذا عقره ولنا إن جارحة المسلم انفردت بقتله فأبيح كما لو رمى المجوسي سهمه فرد الصيد فأصابه سهم مسلم فقتله أو أمسك مجوسي شاة فذبحها مسلم وبهذا يبطل ما قاله
فصل وإذا صاد المجوسي بكلب مسلم لم يبح صيده في قولهم جميعا وإن صاد المسلم بكلب المجوسي فقتل حل صيده وبهذا قال سعيد بن المسيب والحكم ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد لا يباح وكرهه جابر والحسن ومجاهد والنخعي والثوري لقوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين المائدة 4 وهذا لم يعلمه وعن الحسن أنه كره الصيد بكلب اليهودي والنصراني لهذه الآية ولنا إنه آلة صاد بها المسلم فحل صيده كالقوس والسهم قال ابن المسيب هي بمنزلة شفرته والآية دلت على إباحة الصيد بما علمناه وما علمه غيرنا فهو في معناه فيثبت الحكم بالقياس الذي ذكرناه يحققه أن التعليم إنما أثر في جعله آلة ولا تشرط الأهلية في ذلك كعمل القوس والسهم وإنما تشترط فيما أقيم مقام الذكاة وهو إرسال الآلة من الكلب والسهم وقد وجد الشرط ها هنا فصل وإذا أرسل جماعة كلابا وسموا فوجدوا الصيد قتيلا لا يدرون من قتله حل أكله فإن اختلفوا في قاتله وكانت الكلاب متعلقة به فهو بينهم على السواء لأن الجميع مشتركة في إمساكه فأشبه ما لو كان في أيدي الصيادين أو عبيدهم وإن كان البعض متعلقا به دون باقيها فهو لمن كلبه متعلق به وعلى من حكمنا له به اليمين في المسألتين لأن دعواه محتملة فكانت عليه كصاحب اليد وإن كان قتيلا والكلاب ناحية وقف الأمر حتى يصطلحوا ويحتمل أن يقرع بينهم فمن قرع صاحبه حلف وكان له وهذا قول أبي ثور قياسا على ما لو تداعيا دابة في يد غيرهما وعلى الأول إذا خيف فساده قبل اصطلاحهم عليه باعوه ثم اصطلحوا على ثمنه مسألة قال ( وإذا سمى ورمى صيدا فأصابت غيره جاز أكله ) وجملة ذلك الأمر أن الصيد بالسهام وكل محدد جائز بلا خلاف وهو داخل في مطلق قوله تعالى فاصطادوا وقال النبي صلى الله عليه وسلم فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل وعن أبي قتادة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه وأخذ رمحه ثم شد على الحمار فقتله فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك فقال إنما هي طعمة أطعمكموها الله متفق عليه ويعتبر فيه من الشروط ما ذكرنا في الجارح إلا التعليم وتعتبر التسمية عند إرسال السهم والطعن إن كان برمح والضرب إن كان مما يضرب لأنه الفعل الصادر منه وإن تقدمت التسمية بزمن يسير جاز كما ذكرنا في النية في العبادات ويعتبر أن يقصد الصيد فلو رمى هدفا فأصاب صيدا أو قصد رمي إنسان أو حجر رمي عبثا فقتله لم يحل وإن قصد صيدا فأصابه وغيره حلا جميعا والجارح في هذا بمنزلة السهم نص أحمد على هذه المسائل وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي إلا أن الشافعي قال إذا أرسل الكلب على صيد فأخذ آخر في طريقه حل وإن عدل عن طريقه إليه ففيه روايتان وقال مالك إذا أرسل كلبه على صيده بعينه فأخذ غيره لم يبح لأنه لم يقصد صيده إلا أن يرسله على صيود كبار فتتفرق عن صغار فإنها تباح إذا أخذها ولنا عموم قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة 4 وقوله عليه السلام إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم اا تعالى عليه فكل مما أمسك عليك وقول النبي صلى الله عليه وسلم كل ما ردت عليك قوسك ولأنه أرسل آلة الصيد على صيد فحل ما صاده كما لو أرسلها على كبار فتفرقت عن صغار فأخذها على مالك أو كما لو أخذ صيدا في طريقه على الشافعي ولأنه لا يمكن تعليم الجارح اصطياد واحد بعينه دون واحد فسقط اعتباره فأما إن أرسل سهمه أو الجارح ولا يرى صيدا ولا يعلمه فصاد لم يحل صيده لأنه لم يقصد صيدا لأن القصد لا يتحقق لما لا يعلمه وبهذا قال الشافعي في الكلب وقال الحسن ومعاوية بن قرة يأكله لعموم الآية والخبر ولأنه قصد الصيد فحل له ما صاده كما لو رآه
ولنا إن قصد الصيد شرط ولا يصح العقد مع عدم العلم فأشبه ما لو لم يقصد الصيد فصل وإن رأى سوادا أو سمع حسا فظنه آدميا أو بهيمة أو حجرا فرماه فقتله فإذا هو صيد لم يبح وبهذا قال مالك ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة يباح وقال الشافعي يباح إن كان المرسل سهما ولا يباح إن كان جارحا واحتج من أباحه بعموم الآية والخبر ولأنه قصد الاصطياد وسمى فأشبه ما لو علمه صيدا ولنا إنه لم يقصد الصيد فلم يبح كما لو رمى هدفا فأصاب صيدا وكما في الجارح عند الشافعي وإن ظنه كلبا أو خنزيرا لم يبح لذلك وقال محمد بن الحسن يباح لأنه مما يباح قتله ولنا ما تقدم فأما إن ظنه صيدا حل لأنه ظن وجود الصيد أشبه ما لو رآه وإن شك هل هو صيد أو لا أو اغلب على ظنه أنه ليس بصيد لم يبح لأن صحة القصد تنبنى على العلم ولم يوجد ذلك وإن رمى حجرا يظنه صيدا فقتل صيدا فقال أبو الخطاب لا يباح لأنه لم يقصد صيدا على الحقيقة ويحتمل أن يباح لأن صحة القصد تنبني على الظن وقد وجد فصح قصده فينبغي أن يحل صيده مسألة قال ( وإذا رماه فغاب عن عينه فوجده ميتا وسهمه فيه ولا أثر به غيره حل أكله ) هذا هو المشهور عن أحمد وكذلك لو أرسل كلبه على صيد فغاب عن عينه ثم وجده ميتا ومعه كلبه حل وهذا قول الحسن وقتادة وعن أحمد إن غاب نهارا فلا بأس وإن غاب ليلا لم يأكله وعن مالك كالروايتين وعن أحمد ما يدل على أنه إن غاب مدة طويلة لم يبح وإن كانت يسيرة أبيح لأنه قيل له إن غاب يوما قال يوم كثير ووجه ذلك قول ابن عباس إذا رميت فأقعصت فكل وإن رميت فوجدت فيه سهمك من يومك أو ليلتك فكل وإن بات عنك ليلة فلا تأكل فإنك لا تدري ما حدث فيه بعد ذلك وكره عطاء والثوري أكل ما غاب وعن أحمد مثل ذلك والشافعي فيه قولان لأن ابن عباس قال كل ما أصميت وما أنميت فلا تأكل قال الحكم الاصماء الاقعاص يعني أنه يموت في الحال والإنماء أن يغيب عنك يعني أنه لا يموت في الحال قال الشاعر فهو لا تنمى رميته ما له لا عد من نفره وقال أبو حنيفة يباح إن لم يكن ترك طلبه وإن تشاغل عنه ثم وجده لم يبح ولنا ما روى عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل متفق عليه وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أفتني في سهمي قال ما رد عليك سهمك فكل قال وإن تغيب عني قال وإن تغيب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك أو تجده قد صل رواه أبو داود وعن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رميت الصيد فأدركته بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن ولأن جرحه بسهمه سبب إباحته وقد وجد يقينا والمعارض له مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك ولأنه وجده وسهمه فيه ولم يجد به أثرا آخر فأشبه ما لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة أو كما لو غاب نهارا أو مدة يسيرة أو كما لو لم يغب إذا ثبت هذا فإنه يشترط في حله شرطان أحدهما أن يجد سهمه فيه أو أثره ويعلم أنه أثر سهمه لأنه إذا لم يكن كذلك فهو شاك في وجود المبيح فلا يثبت بالشك
والثاني أن لا يجد به أثرا غير سهمه مما يحتمل أنه قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك وفي لفظ وإن وجدت فيه أثرا غير سهمك فلا تأكله فإنك لا تدري أقتلته أنت أو غيرك رواه الدارقطني وفي لفظ إذا وجدت فيه سهمك ولم يأكل منه سبع فكل منه رواه النسائي وفي حديث عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل رواه البخاري وقال عليه السلام وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل ولأنه إذا كان به أثر يصلح أن يكون قد قتله فقد تحقق المعارض فلم يبح كما لو وجد مع كلبه كلبا سواه فأما إن كان الأثر مما لا يقتل مثله مثل أكل حيوان ضعيف كالسنور والثعلب من حيوان قوي فهو مباح لأنه يعلم أن هذا لم يقتله فأشبه ما لو تهشم من وقعته مسألة قال ( وإذا رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل لم يؤكل ) يعني وقع في ماء يقتله مثله أو تردى ترديا يقتله مثله ولا فرق في قول الخرقي بين كون الجراحة موحية أو غير موحية هذا المشهور عن أحمد وظاهر قول ابن مسعود وعطاء وربيعة وإسحاق وأصحاب الرأي وأكثر أصحابنا المتأخرين يقولون إن كانت الجراحة موحية مثل إن ذبحه أو أبان حشوته لم يضر وقوعه في الماء ولا ترديه وهو قول الشافعي ومالك والليث وقتادة وأبي ثور لأن هذا صار في حكم الميت بالذبح فلا يؤثر فيه ما أصابه ووجه الأول قوله وإن وقع في الماء فلا تأكل ولأنه يحتمل أن الماء أعان على خروج روحه فصار بمنزلة ما لو كانت الجراحة غير موحية ولا خلاف في تحريمه إذا كانت الجراحة غير موحية ولو وقع الحيوان في الماء على وجه لا يقتله مثل أن يكون رأسه خارجا من الماء أو يكون من طير الماء الذي لا يقتله الماء أو كان التردي لا يقتل مثل ذلك الحيوان فلا خلاف في إباحته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله ولأن الوقوع في الماء والتردي إنما حرم خشية أن يكون قاتلا أو معينا على القتل وهذا منتف فيما ذكرناه فصل فإن رمى طائرا في الهواء أو على شجرة أو جبل فوقع إلى الأرض فمات حل وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك لا يحل إلا أن تكون الجراحة موحية أو يموت قبل سقوطه لقوله تعالى والمتردية ولأنه اجتمع المبيح والحاظر فغلب الحظر كما لو غرق ولنا إنه صيد سقط بالإصابة سقوطا لا يمكن الاحتراز عن سقوطه عليه فوجب أن يحل كما لو أصاب الصيد فوقع على جنبه ويخالف ما ذكروه فإن الماء يمكن التحرز منه وهو قاتل بخلاف الأرض مسألة قال ( وإذا رمى صيدا فقتل جماعة فكله حلال ) قد سبق شرح هذه المسألة فيما إذا رمى صيدا فأصاب غيره فصل قال أحمد لا بأس بصيد الليل فقيل له قول النبي صلى الله عليه وسلم أقروا الطير على وكناتها فقال هذا كان أحدكم يريد الأمر فيثير الطير حتى يتفاءل إن كان عن يمينه قال كذا وإن جاء عن يساره قال كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أقروا الطير على وكناتها وروي له عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تطرقوا الطير في أوكارها فإن الليل لها أمان فقال هذا ليس بشيء يرويه فرات بن السائب وليس بشيء ورواه عنه حفص بن عمر ولا أعرفه قال يزيد بن هارون وما علمت أن أحدا كره صيد الليل وقال يحيى بن معين ليس به بأس وسئل هل يكره للرجل صيد الفراخ الصغار مثل الورشان وغيره يعني من أوكارها فلم يكرهه
مسألة قال ( وإذا رمى صيدا فأبان منه عضوا لم يؤكل ما بان منه ويؤكل ما سواه في إحدى الروايتين والأخرى يأكله وما أبان منه ) وجملته أنه إذا رمى صيدا أو ضربه فبان بعضه لم يخل من أحوال ثلاثة أحدها أن نقطعه قطعتين أو يقطع رأسه فهذا جميعه حلال سواء كانت القطعتان متساويتين أو متفاوتتين وبهذا قال الشافعي وروي ذلك عن عكرمة والنخعي وقتادة وقال أبو حنيفة إن كانتا متساويتين أو التي مع الرأس أقل حلتا وإن كانت الأخرى أقل لم يحل وحل الرأس وما معه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أبين من حي فهو ميت ولنا إنه جزء لا تبقى الحياة مع فقده فأبيح كما لو تساوت القطعتان الحال الثاني أن يبين منه عضو وتبقى فيه حياة مستقرة فالبائن محرم بكل حال سواء بقي الحيوان حيا أو أدركه فذكاه أو رماه بسهم آخر فقتله إلا أنه إن ذكاه حل بكل حال دون ما أبان منه وإن ضربه في غير مذبحه فقتله نظرت فإن لم يكن أثبته بالضربة الأولى حل دون ما أبان منه وإن كان أثبته لم يحل شيء منه لأن ذكاة المقدور عليه في الحلق واللبة الحال الثالث أبان منه عضوا ولم تبق فيه حياة مستقرة فهذه التي ذكر الخرقي فيها روايتين أشهرها عن أحمد إباحتهما قال أحمد إنما حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما قطعت من الحي ميتة إذا قطعت وهي حية تمشي وتذهب أما إذا كانت البينونة والموت جميعا أو بعده بقليل إذا كان في علاج الموت فلا بأس به ألا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة وربما مشى حتى يموت وهذا مذهب الشافعي وروي ذلك عن علي وعطاء والحسن وقال قتادة وإبراهيم وعكرمة إن وقعا معا أكلهما وإن مشى بعد قطع العضو أكله ولم يأكل العضو والرواية الثانية لا يباح ما بان منه وهذا مذهب أبي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أبين من حي فهو ميت ولأن هذه البينونة لا تمنع بقاء الحيوان في العادة فلم يبح أكل البائن كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة والأولى المشهورة لأن ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه كما لو قده نصفين والخبر يقتضي أن يكون الباقي حيا حتى يكون المنفصل منه ميتا وكذا نقول قال أبو الخطاب فإن بقي معلقا بجلده حل رواية واحدة فصل قال أحمد حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن أنه كان لا يرى بالطريدة بأسا كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم وما زال الناس يفعلونه في مغازيهم واستحسنه أبو عبد الله قال والطريدة الصيد يقع بين القوم فيقطع ذامنه بسيفه قطعة ويقطع الآخر أيضا حتى يؤتى عليه وهو حي قال وليس هو عندي إلا أن الصيد يقع بينهم لا يقدرون على ذكاته فيأخذونه قطعا مسألة قال ( وكذلك إذا نصب المناجل للصيد ) وجملته أنه إذا نصب المناجل للصيد فعقرت صيدا أو قتلته حل فإن بان منه عضو فحكمه حكم البائن بضربة الصائد روي نحو ذلك عن ابن عمر وهو قول الحسن وقتادة وقال الشافعي لا يباح بحال لأنه لم يذكه أحد وإنما قتلت المناجل بنفسها ولم يوجد من الصائد إلا السبب فجرى ذلك مجرى من نصب سكينا فذبحت شاة ولأنه لو رمى سهما وهو لا يرى صيدا فقتل صيدا لم يحل فهذا أولى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم كل ما ردت عليك يدك ولأنه قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد فأشبه ما لو رماه بها ولأنه قصد قتل الصيد بماله حد جرت العادة بالصيد به أشبه ما ذكرنا والسبب جرى مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في إباحة الصيد وفارق ما إذا نصب سكينا فإن العادة لم تجر بالصيد بها وإذا رمى سهما ولم ير صيدا فليس ذلك بمعتاد والظاهر أنه لا يصيب صيدا فلم يصح قصده وهذا بخلافه
فصل فأما ما قتلته الشبكة أو الحبل فهو محرم ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن أنه يباح ما قتله الحبل إذا سمى فدخل فيه وجرحه وهذا قول شاذ يخالف عوام أهل العلم ولأنه قتله بما ليس له حد أشبه ما لو قتله بالبندق مسألة قال ( وإذا صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده ولا يأكل ما قتل بعرضه ) المعراض عود محدد وربما جعل في رأسه حديدة قال أحمد المعراض يشبه السهم يحذف به الصيد فربما أصاب الصيد بحده فخرق وقتل فيباح ربما أصاب بعرضه فقتل بثقله فيكون موقوذا فلا يباح وهذا قول علي وعثمان وعمار وابن عباس وبه قال النخعي والحكم ومالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وقال الأوزاعي وأهل الشام يباح ما قتله بحده وعرضه وقال ابن عمر ما رمي من الصيد بجلاحق أو معراض هو من الموقوذة وبه قال الحسن ولنا ما روى عدي بن حاتم قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال ما خرق فكل وما قتل بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل متفق عليه وهذا نص ولأن ما قتله بحده بمنزلة ما طعنه برمحه أو رماه بسهمه ولأنه محدد خرق وقتل بحده وما قتل بعرضه إنما يقتله بثقله فهو موقوذ كالذي رماه بحجر أو ببندقة فصل قال وحكم سائر آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعرضها ولم تجرح لم يبح الصيد كالسهم يصيب الطائر بعرضه فيقتله والرمح والحربة والسيف يضرب به صفحا فيقتل فكل ذلك حرام وهكذا إن أصاب بحده فلم يجرح وقتله بثقله لم يبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما خرق فكل ولأنه إذا لم يجرحه فإنما يقتله بثقله فأشبه ما أصاب بعرضه مسألة قال ( وإذا رمى صيدا فعقره ورماه آخر فأثبته ورماه آخر فقتله لم يؤكل وكان لمن أثبته القيمة مجروحا على قاتله ) أما الذي عقره ولم يثبته فلا شيء له ولا عليه لأنه حين ضربه كان مباحا لا ملك لأحد فيه ولم يثبت له فيه حق لأنه باق على امتناعه وأما الذي أثبته فقد ملكه لأنه أزال امتناعه فصار بمنزلة إمساكه فإذا ضربه الثالث فقتله فعليه ضمانه لأنه قتل حيوانا مملوكا لغيره وهذا محمول على أن جرح المثبت ليس بموح بدليل أنه نسب القتل إلى الثالث ويضمنه مجروحا حين الجرح الأول والثاني لأنه قتله وهما فيه فأما إباحته فينظر فيه فإن كان القاتل أصاب مذبحه حل لأنه صادف محل الذبح وليس عليه أرش ذبحه كما لو ذبح شاة لغيره وإن كان أصاب غير مذبحه لم يحل لأنه لما أثبته صار مقدورا عليه لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة فإذا قتله بغير ذلك لم يحل كما لو قتل شاة وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد فصل وإن رمى صيدا فأثبته ثم رماه آخر فأصابه لم تخل رمية الأول من قسمين أحدهما أن تكون موحية مثل أن تنحره أو تذبحه أو تقع في خاصرته أو قلبه فينظر في رمية الثاني فإن كانت غير موحية فهو حلال ولا ضمان على الثاني أن ينقصه برميه شيئا فيضمن ما نقصه لأنه بالرمية الأولى صار مذبوحا وإن كانت رمية الثاني موحية فقال القاضي وأصحابه يحل كالتي قبلها وهو مذهب الشافعي ويجيء على قول الخرقي أن يكون حراما كقوله فيمن ذبح فأتى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء أو وطىء عليها شيء لم يؤكل القسم الثاني أن يكون جرح الأول غير موح فينظر في رمية الثاني فإن كانت موحية فهو محرم لما ذكرنا إلا أن تكون ذبحته أو نحرته وإن كانت غير موحية فلها ثلاث صور إحداهما أنه ذكي بعد ذلك فيحل والثانية لم يذك حتى مات فإنه يحرم لأنه مات من جرحين مبيح ومحرم فحرم كما لو مات من جرح مسلم ومجوسي وعلى الثاني ضمان جميعه لأنه جرحه هو الذي حرمه فكان جميع الضمان عليه الثالثة قدر على ذكاته فلم يذكه حتى مات حرم لمعنيين
أحدهما أنه ترك ذكاته مع إمكانها والثاني أنه مات من جرحين مبيح ومحرم ويلزم الثاني الضمان وقد قدره احتمالان أحدهما يضمن جميعه كالتي قبلها قال القاضي هذا قول الخرقي لإيجابه الضمان في مسألته على الثالث من غير تفريق وليست هذه مسألة الخرقي لقوله ثم رماه الثالث فقتله فتعين حملها على أن جرح الثاني كان موحيا لا غير الاحتمال الثاني أن يضمن الثاني بقسط جرحه لأن الأول إذا ترك الذبح مع أمكانه صار جرحه حاضرا أيضا بدليل ما لو انفرد وقتل الصيد فيكون الضمان منقسما عليهما وذكر القاضي في قسمته عليهما أنه يسقط أرش جرح الأول وعلى الثاني أرش جراحته ثم يقسم ما بقي من القيمة بينهما نصفين وفرض المسألة في صيد قيمته عشرة دراهم نقصه جرح الأول درهما ونقصه جرح الثاني درهما فعليه درهم ويقسم الباقي وهو ثمانية بينهما نصفين فيكون على الثاني خمسة دراهم درهم بالمباشرة وأربعة بالسراية وتسقط حصة الأول وهي خمسة وإن كان أرش جرح الثاني درهمين لزماه نصف السبعة الباقية ثلاثة ونصف فيلزمه خمسة ونصف وتسقط حصة الأول أربعة ونصف وإن كانت جنايتهما على حيوان مملوك لغيرهما قسم الضمان عليهما كذلك ويتوجه على هذه الطريقة أنه سوى بين الجنايتين مع أن الثاني حنى عليه وقيمته دون قيمته يوم جنى عليه الأول وأنه لم يدخل أرش الجناية في بدل النفس كما يدخل في الجناية على الآدمي والجواب عن هذا أن كل واحد منهما انفرد بإتلاف ما قيمته درهم وتساويا في إتلاف الباقي بالسراية فتساويا في الضمان وإنما يدخل أرش الجناية في بدل النفس التي لا ينقص بدلها بإتلاف بعضها وهو الآدمي أما البهائم فإنه إذا جنى عليها جناية أرشها درهم نقص ذلك من قيمتها فإذا سرى إلى النفس أوجبنا ما بقي من قيمة النفس ولم يدخل الأرش فيها وذكر أصحاب الشافعي في قسمة الضمان طرقا ستة أصحها عندهم أن يقال إن الأول أتلف نصف نفس قيمتها عشرة فيلزمه خمسة والثاني أتلف نصف نفس قيمتها تسعة فيلزمه أربعة ونصف فيكون المجموع تسعة ونصفا وهي أقل من قيمته لأنها عشرة فتقسم العشرة على تسعة ونصف فيسقط عن الأول ما يقابل أربعة ونصفا ويتوجه على هذا أن كل واحد منهما يلزمه أكثر من قيمة نصف الصيد حين جنى عليه وإن كانت الجراحات من ثلاثة فإن كان الأول هو أثبته فعلى طريقة القاضي على كل واحد أرش جرحه وتقسم السراية عليهم أثلاثا وإن كان المثبت له هو الثاني فجرحه الأول هدر لا عبرة بها والحكم في جراحة الآخرين كما ذكرنا وعلى الطريقة الأخرى الأول أتلف ثلث نفس قيمتها عشرة فيلزمه ثلاثة وثلت والثاني أتلف ثلثها وقيمتها تسعة فيلزمه ثلاثة والثالث أتلف ثلثها وقيمتها ثمانية فيلزمه درهمان وثلثان ومجموع ذلك تسعة تقسم عليها العشرة حصة كل واحد منهم ما يقابل ما أتلفه وإن أتلفوا شاة مملوكة لغيرهم ضمنوها كذلك
فصل فإن رمياه معا فقتلاه كان حلالا وملكاه لأنهما اشتركا في سبب الملك والحل تساوى لجرحان أو تفاوتا لأن موته كان بهما فإن كان أحدهما موحيا والآخر غير موح ولا يثبته مثله فهو لصاحب الجرح الموحى لأنه الذي أثبته وقتله لا شيء على الآخر لأن جرحه كان قبل ثبوت ملك الآخر فيه وإن أصابه أحدهما بعد صاحبه فوجدناه ميتا ولم نعلم هل صار بالأول ممتنعا أو لا حل لأن الأصل الامتناع ويكون بينهما لأن أيديهما عليه فإن قال كل واحد منهما أنا أثبته ثم قتلته أنت حرم لأنهما اتفقا على تحريمه ويتحالفان لأخذ الضمان وإن اتفقا على الأول منهما فادعى الأول أنه أثبته ثم قتله وأنكر الثاني إثبات الأول له فالقول قول الثاني لأن الأصل عدم امتناعه ويحرم على الأول لإقراره بتحريمه والقول قول الثاني في عدم الامتناع مع يمينه وإن علمت جراحة كل واحد منهما نظرنا فيها فإن علم أن جراحه الأول لا يبقى معها امتناع مثل أن كسر جناح الطائر أو ساق الظبي فالقول قول الأول بغير يمين وإن علم أنه لا يزيل الامتناع مثل خدش الجلد فالقول قول الثاني وإن احتمل الأمرين فالقول قول الثاني لأن الأصل معه وعليه اليمين لأن ما ادعاه الأول محتمل فصل وإن رمى صيدا فأصابه وبقي على امتناعه حتى دخل دار إنسان فأخذه فهو لمن أخذه لأن الأول لم يملكه لكونه ممتنعا فملكه الثاني بأخذه ولو رمى طائرا على شجرة في دار قوم فطرحه في دارهم فأخذوه فهو للرامي دونهم لأن ملكه بإزالة امتناعه فصل قال أصحابنا وإذا تعلق صيد في شرك إنسان أو شبكته ملكه لأنه أثبته بآلته فإن أخذه أحد لزمه رده عليه لأن آلته أثبتته فأشبه ما لو أثبته بسهمه فإن لم تمسكه الشبكة بل انفلت منها في الحال أو بعد حين لم يملكه لأنه لم يثبته وإن أخذ الشبكة وانفلت بها فصاده إنسان ملكه ويرد الشبكة على صاحبها لأنه لم يثبته وإن كان يمشي بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها لأنها أزالت امتناعه وإذا أمسكه الصائد وثبتت يده عليه ثم انفلت منه لم يزل ملكه عنه لأنه امتنع منه بعد ثبوت ملكه فلم يزل ملكه عنه كما لو شردت فرسه أو ند بعيره فإن اصطاد صيدا فوجد عليه علامة مثل أن يجد في عنقه قلادة أو في أذنه قرطا لم يملكه لأن الذي اصطاده ملكه فلا يزول ملكه بالانفلات وكذلك إن وجد طائرا مقصوص الجناح فإن قيل يحتمل أن الذي أمسكه أو لا محرم لم يملكه أو أنه أرسله على سبيل التخلية وإزالة الملك عنه كإلقاء الشيء التافه قلنا أما الأول فنادر وهو مخالف للظاهر لأن ظاهر حال المحرم أنه لا يصيد ما حرم الله عليه وأما الثاني فخلاف الأصل فإن الأصل بقاء ملكه عليه وما ذكروه محتمل فلا يزول الملك بالشك وإن علم أن مالكه أرسله اختيارا فقال أصحابنا لا يزول الملك عنه بالإرسال والإعتاق كما لو أرسل البعيرة والبقرة ويحتمل أن يزول الملك لأن الأصل الإباحة فالإرسال يرده إلى أصله ويفارق بهيمة الأنعام من وجهين أحدهما أن الأصل ها هنا الإباحة وبهيمة الأنعام بخلافه الثاني أن الأرسال ها هنا يفيد وهو رد الصيد إلى الخلاص من أيدي الآدميين وحبسهم ولهذا روي عن أبي الدرداء أنه اشترى عصفورا من صبي فأرسله ويجب إرسال الصيد على المحرم إذا أحرم أو أدخل الحرم وهو في يده بخلاف بهيمة الأنعام فإن إرساله تضييع له وربما هلك إذا لم يكن له من يقوم به مسألة قال ( ومن كان في سفينة فوثبت سمكة فسقطت في حجره فهي له دون صاحب السفينة )
وذلك لأن السمكة من الصيد المباح يملك بالسبق إليه وهذه حصلت في يد الذي هي في حجره وحجر له ويده عليه دون صاحب السفينة ألا ترى أنهما لو تنازعا كيسا في حجره كان أحق به من صاحب السفينة كذا هاهنا ومفهوم كلام الخرقي أن السمكة إذا وقعت في السفينة فهي لصاحبها وذكره ابن أبي موسى لأن السفينة ملكه ويده عليها فما حصل من المباح فيها كان أحق به كحجره فصل فإن كانت السمكة وثبت بسبب فعل إنسان لقصد الصيد كالصياد الذي يجعل في السفينة ضوءا بالليل ويدق بشيء كالجرس ليثب السمك في السفينة فهذا للصائد دون من وقع في حجره لأن الصائد أثبتها بذلك فصار كمن رمى طائرا فألقاه في دار قوم وإن لم يقصد الصيد بهذا بل حصل اتفاقا كانت لمن وقعت في حجره مسألة قال ( ولا يصاد السمك بشيء نجس ) ومعنى ذلك أن يترك في الماء شيء نجس كالعذرة والميتة وشبهها ليأكله السمك فيصيدوه به فكره أحمد ذلك وقال هو حرام لا يصاد به وإنما كره أحمد ذلك لما يتضمن من أكل السمك النجاسة وسواء في هذا ما يتفرق كالدم والعذرة وما لا يتفرق كالجرذ وقطعة من الميتة وكره أحمد الصيد ببنات وردان وقال إن مأواها الحشوش وكره الصيد بالضفادع وقال الضفدع هي عن قتله فصل وركه الصيد بالخراطيم وكل شيء فيه الروح لما فيه من تعذيب الحيوان فإن اصطاد فالصيد مباح وكره الصيد بالشباش وهو طائر يخيط عينه أو يربط من أجل تعذيبه ولم ير بأسا بالصيد بالشبكة والشرك وشيء فيه دبق يمنع الطير من الطيران وأن يطعم شيئا إذا أكله سكر وأخذه مسألة قال ( ولا يؤكل صيد مرتد ولا ذبيحته وإن تدين بدين أهل الكتاب ) يعني ما قتله من الصيد ولم تدرك ذكاته وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وقال الأوزاعي وإسحاق تباح ذبيحته إذا ذهب إلى النصرانية أو اليهودية لأن من تولى قوما فهو منهم ولنا إنه كافر لا يقر على كفره فلم تبح ذبيحته كعبدة الأثان وقد مضت هذه المسألة في باب المرتد مسألة قال ( ومن ترك التسمية على الصيد عامدا أو ساهيا لم يؤكل وإن ترك التسمية على الذبيحة عامدا لم تؤكل وإن تركها ساهيا أكلت ) وأما الصيد فقد مضى القول فيه وأما الذبيحة فالمشهور من مذهب أحمد أنها شرط مع الذكر وتسقط بالسهو وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وإسحاق وممن أباح ما نسيت التسمية عليه عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة وعن أحمد أنها مستحبة غير واجبة في عمد ولا سهو وبه قال الشافعي لما ذكرنا في الصيد قال أحمد إنما قال الله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الأنعام 121 يعني الميتة وذكر ذلك عن ابن عباس ولنا قول ابن عباس من نسي التسمية فلا بأس وروى سعيد بن منصور بإسناده عن راشد بن ربيعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم ما لم يتعمد ولأنه قو 3 ل من سمينا ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفا وقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الأنعام 121 محمول على ما تركت التسمية عليه عمدا بدليل قوله وإنه لفسق الأنعام 121 والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق ويفارق الصيد لأن ذبحه في غير محل فاعتبرت التسمية تقوية له والذبيحة بخلاف ذلك