Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Section V09/P413–V09/P414

فصل يصح الاستثناء في كل يمين مكفرة كاليمين بالله والظهار والنذر وقال ابن أبي موسى من استثنى في يمين تدخلها كفارة فله ثنياه لأنها أيمان مكفرة فدخلها الاستثناء كاليمين بالله تعالى فلو قال أنت علي كظهر أمي إن شاء الله تعالى أو أنت علي حرام إن شاء الله أو إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي إن شاء الله أو لله علي أن أتصدق بمائة درهم إن شاء الله لم يلزمه شيء لأنها أيمان فتدخل في عموم قوله من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث فصل وإن قال والله لأشربن اليوم إلا أن يشاء الله أو لا أشرب إلا أن يشاء الله لم يحنث بالشرب ولا بتركه لما ذكرنا في الإثبات ولا فرق بين تقديم الاستثناء وتأخيره في هذا كله فإذا قال والله إن شاء الله لا أشرب اليوم أو لأشربن ففعل أو ترك لم يحنث لأن تقديم الشرط وتأخيره سواء قال الله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد النساء 176 فصل وإن قال والله لأشربن اليوم إن شاء زيد فشاء زيد لزمه الشرب فإن تركه حتى مضى اليوم حنث وإن لم يشأ زيد لم يلزمه يمين فإن لم تعلم مشيئته لغيبة أو جنون أو موت انحلت اليمين لأنه لم يوجد الشرط وإن قال والله لا أشرب إلا أن يشاء زيد فقد منع نفسه الشرب إلا أن توجد مشيئة زيد فإن شاء فله الشرب وإن لم يشأ لم يشرب وإن خفيت مشيئته فلم يكن له أن يشرب قبل وجودها وإن قال والله لأشربن إلا أن يشاء زيد فقد ألزم نفسه الشرب إلا أن يشاء زيد أن لا يشرب لأن الاستثناء ضد المستثنى منه والمستثنى إيجاب لشربه بيمينه فإن شرب قبل مشيئة زيد بر وإن قال زيد قد شئت أن لا يشرب انحلت اليمين لأنها معلقة بعدم مشيئته لترك الشرب ولم تتقدم فلم يوجد شرطها وإن قال قد شئت أن يشرب أو ما شئت أن لا يشرب لم تنحل اليمين لأن هذه المشيئة غير المستثناء فإن خفيت مشيئته لزمه الشرب لأنه علق وجوب الشرب بعدم المشيئة وهي معدومة بحكم الأصل وإن قال والله لا أشرب اليوم إن شاء زيد فقال زيد قد شئت أن لا تشرب فشرب حنث وإن شرب قبل مشيئته لم يحنث لأن الامتناع من الشرب معلق بمشيئته ولم تثبت مشيئته فلم يثبت الامتناع بخلاف التي قبلها وإن خفيت مشيئته فهي في حكم المعدومة والمشيئة في هذه المواضع أن يقول بلسانه مسألة قال ( وإذا استثنى في الطلاق والعتاق فأكثر الروايات عن أبي عبد الله رحمه الله أنه توقف عن الجواب وقد قطع في موضع أن لا ينفعه الاستثناء ) يعني إذا قال لزوجته أنت طالق إن شاء الله أو لعبده أنت حر إن شاء الله فقد توقف أحمد في الجواب لاختلاف الناس فيها وتعارض الأدلة وفي موضع قطع أنه لا ينفعه الاستثناء فيهما قال في رواية إسحاق بن منصور وحنبل من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث وليس له استثناء في الطلاق والعتاق قال حنبل لأنهما ليسا من الأيمان وبه قال مالك والأوزاعي والحسن وقتادة وقال طاوس وحماد والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي يجوز الاستثناء فيهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث لأنه علق الطلاق والعتاق بشرط لم يتحقق وجوده فلم يقعا كما لو علقه بمشيئتة زيد ولم تتحقق مشيئته ولنا إنه أوقع الطلاق والعتاق في محل قابل فوقع كما لو لم يستثن والحديث إنما تناول الأيمان وليس هذا بيمين إنما هو تعليق على شرط قال ابن عبد البر إنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله تعالى وقول المتقدمين الأيمان بالطلاق والعتاق إنما جاز على التقريب والاتساع ولا يمين في الحقيقة إلا بالله وهذا طلاق وعتاق وقد ذكرنا هذه المسألة في الطلاق بأبسط من هذا

Section V09/P414–V09/P415

مسألة قال ( وإذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لم تطلق إن تزوج بها وإن قال إن ملكت فلانا فهو حر فملكه صار حرا ) اختلفت الرواية عن أحمد في هاتين المسألتين فعنه لا يقع طلاق ولا عتق روي هذا عن ابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعروة وجابر بن زيد وسوار والقاضي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ورواه الترمذي عن علي وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وشريح وغير واحد من فقهاء التابعين قال وهو قول أكثر أهل العلم لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك ولا طلاق لابن آدم فيما لا يملك قال الترمذي وهذا حديث حسن وهو أحسن ما روي في هذا الباب وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم وإن عينها رواه الدارقطني وروى أبو بكر في الشافي عن الخلال عن الرمادي عن عبد الرزاق عن معمر عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طلاق قبل نكاح قال أحمد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعدة من الصحابة ولأن من لا يقع طلاقه وعتقه بالمباشرة لم تنعقد له صفة كالمجنون ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فيكون إجماعا والرواية الثانية عن أحمد أنه يصح في العتق ولا يصح في الطلاق قال في رواية أبي طالب إذا قال إن اشتريت هذا الغلام فهو حر فاشتراه عتق وإن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فهذا غير الطلاق هذا حق لله تعالى والطلاق يمين ليس هو لله تعالى ولا فيه قربة إلى الله تعالى قالأبو بكر في كتاب الشافي لا يختلف قول أبي عبد الله إن الطلاق إذا وقع قبل النكاح لا يقع وأن العتاق يقع إلا ما روى محمد بن الحسن بن هارون في العتق أنه لا يقع وما أراه إلا غلطا كذلك سمعت الخلال يقول فإن كان حفظ فهو قول آخر والفرق بينهما أن ناذر العتق يلزمه الوفاء به وأن ناذر الطلاق لا يلزمه الوفاء به فكما افترقا في النذر جاز أن يفترقا في اليمين ولأنه لو قال لأمته أول ولد تلدينه فهو حر فإنه يصح وهو تعليق للحرية على الملك وعن أحمد رحمه الله ما يدل على وقوع الطلاق والعتق وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لأنه يصح تعليقه على الأخطار فصح تعليقه على حدوث الملك كالوصية والنذر واليمين وقال مالك إن خص جنسا من الأجناس أو عبدا بعينه عتق إذا ملكه وإن قال كل عبد أملكه فهو حر لم يصح والأول أصح إن شاء الله تعالى لأنه تعليق للطلاق والعتاق 3 قبل الملك فأشبه ما لو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق أو لأمة غيره إن دخلت الدار فأنت حرة ثم تزوج الأجنبية وملك الأمة ودخلتا الدار فإن الطلاق لا يقع ولا تعتق الأمة بغير خلاف نعلمه مسألة قال ( ولو حلف أن لا ينكح فلانة أو لا اشتريت فلانة فنكحها نكاحا فاسدا أو اشتراها شراء فاسدا لم يحنث ) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال لعبده إن زوجتك أو بعتك فأنت حر فزوجه تزويجا فاسدا لم يعتق وإن باعه بيعا فاسدا يملك به حنث لأن البيع الفاسد عنده يثبت به الملك إذا اتصل به القبض ولنا أن اسم البيع ينصرف إلى الصحيح بدليل أن قول الله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 وأكثر ألفاظه في البيع إنما ينصرف إلى الصحيح فلا يحنث بما دونه كما في النكاح وكالصلاة وغيرهما وما ذكروه من ثبوت الملك به لا نسلمه وقال ابن أبي موسى لا يحنث بالنكاح الفاسد وهل يحنث بالبيع الفاسد على روايتين

Section V09/P415–V09/P416

وقال أبو الخطاب إن نكحها نكاحا مختلفا فيه مثل أن يتزوجها بلا ولي ولا شهود أو باع في وقت النداء فعلى وجهين وقال ابن أبي موسى إن تزوجها تزويجا مختلفا فيه أو ملك ملكا مختلفا فيه حنث فيهما جميعا ولنا أنه نكاح فاسد وبيع فاسد فلم يحنث بهما كالمتفق على فسادهما فصل والماضي والمستقبل سواء في هذا وقال محمد بن الحسن إذا حلف ما صليت ولا تزوجت ولا بعت وكان قد فعله فاسدا حنث لأن الماضي لا يقصد منه إلا الاسم والاسم يتناوله والمستقبل بخلافه فإنه يراد بالنكاح والبيع الملك وبالصلاة القربة ولنا أن ما لا يتناوله الاسم في المستقبل لا يتناوله في الماضي كالإيجاب وكغير المسمى وما ذكروه لا يصح لأن الاسم لا يتناوله إلا الشرعي ولا يحصل فصل وإن حلف لا يبيع فباع بيعا فيه الخيار حنث وقال أبو حنيفة لا يحنث لأن الملك لا يثبت في مدة الخيار فأشبه البيع الفاسد ولنا أنه بيع صحيح شرعي فيحنث به كالبيع اللازم وما ذكروه لا يصح فإن بيع الخيار يثبت الملك به بعد انقضاء الخيار بالاتفاق وهو سبب له ولا نسلم أن الملك لا يثبت في مدة الخيار فصل وإن حلف لا يبيع أو لا يزوج فأوجب البيع والنكاح ولم يقبل المتزوج والمشتري لم يحنث وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لأن البيع والنكاح عقدان لا يتمان إلا بالقبول فلم يقع الاسم على الإيجاب بدونه فلم يحنث به وإن حلف لا يهب ولا يعير فأوجب ذلك ولم يقبل الآخر فقال القاضي يحنث وهو قول أبي حنيفة وابن سريج لأن الهبة والعارية عوض فيهما فكان مسماهما الإيجاب والقبول شرط لنقل الملك وليس هو من السبب فيحنث بمجرد الإيجاب فيهما كالوصية وقال الشافعي لا يحنث بمجرد الإيجاب لأنه عقد لا يتم إلا بالقبول فلم يحنث فيه بمجرد الإيجاب كالنكاح والبيع فأما الوصية والهدية والصدقة فقال أبو الخطاب يحنث فيها بمجرد الإيجاب كالنكاح والبيع فأما الوصية والهدية والصدقة فقال أبو الخطاب يحنث فيها بمجرد الإيجاب ولا أعلم قول الشافعي فيها إلا أن الظاهر أنه لا يخالف في الوصية والهدية لأن الاسم يقع عليهما بدون القبول ولهذا لما قال الله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين البقرة 180 إنما أراد الإيجاب دون القبول ولأن الوصية صحيحة قبل موت الموصي ولا قبول لها حينئذ فصل وإن حلف لا يتزوج حنث بمجرد الإيجاب والقبول الصحيح لا نعلم فيه خلافا لأن ذلك يحصل به المسمى الشرعي فتناوله يمينه وإن حلف ليتزوجن بر بذلك سواء كانت له امرأة أو لم يكن وسواء تزوج نظيرتها أو دونها أو أعلى منها إلا أن يحتال على حل يمينه بتزويج لا يحصل مقصودها مثل أن يواطىء امرأة على نكاح لا يغيظها به ليبر في يمينه فلا يبر بهذا وقال أصحابنا إذا حلف ليتزوجن على امرأته لا يبر حتى يتزوج ويدخل بها وهو قول مالك لأنه قصد غيظ زوجته ولا يحصل إلا بذلك ولنا أن تزوج تزويجا صحيحا فبر به كما لو تزوج نظيرتها ودخل بها قولهم إن الغيظ لا يحصل إلا بتزويج نظيرتها والدخول غير مسلم فإن الغيظ يحصل بمجرد الخطبة وإن حصل بما ذكروه زيادة في الغيظ فلا تلزمه الزيادة على الغيظ الذي يحصل بما تناولته يمينه كما أنه لا يلزمه نكاح اثنتين ولا ثلاث ولا أعلى من نظيرتها والذي تناولته يمينه مجرد التزويج ولذلك لو حلف لا يتزوج على امرأته حنث بهذا فكذلك يحصل البر به لأن المسمى واحد فما تناوله النفي تناوله في الإثبات وإنما لا يبر إذا تزوج تزويجا لا يحصل به الغيظ كما ذكرناه من الصورة ونظائرها لأن مبنى الأيمان على المقاصد والنيات ولم يحصل مقصوده ولأن التزويج ها هنا يحصل حيلة على التخلص من يمينه بما لا يحصل مقصودها فلم تقبل منه حيلته وقد نص أحمد على هذا

Section V09/P416–V09/P418

فقال إذا حلف ليتزوجن على امرأته فتزوج بعجوز أو زنجية لا يبر لأنه أراد أن يغمها ويغيرها وبهذا لا تغار ولا تغتم فعلله أحمد بما لا يغيظ بها الزوجة ولم يعتبر أن تكون نظيرتها لأن الغيظ لا يتوقف على ذلك ولو قدر أن يزوج العجوز يغيظها والزنجية لبر به وإنما ذكره أحمد لأن الغالب أنه لا يغيظها لأنها تعلم أنه إنما فعل ذلك حيلة لئلا يغيظها ويبر به فصل إذا حلف لا تسريت فوطىء جاريته حنث ذكره أبو الخطاب وقال القاضي لا يحنث حتى يطأ فينزل فحلا كان أو خصيا وقال أبو حنيفة لا يحنث حتى يحصنها ويحجبها عن الناس لأن التسري مأخوذ من السر ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه كهذه ولنا أن التسري مأخوذ من السر وهو الوطء لأنه يكون في السر قال الله تعالى ولكن لا تواعدوهن سرا البقرة 235 وقال الشاعر فلن تتطلبوا سرها للغنى وإن تسلموها لأزهادها وقال آخر إلا زعمت بسياسة القوم أنني كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي ولأن كل حكم تعلق بالوطء لم يعتبر فيه الإنزال ولا التحصين كسائر الأحكام فصل إذا حلف لا يهب له أهدى إليه أو أعمره حنث لأن ذلك من أنواع الهبة وإن أعطاه من الصدقة الواجبة أو نذر أو كفارة لم يحنث لأن ذلك حق لله تعالى عليه يجب إخراجه فليس هو بهبة منه وإن تصدق عليه تطوعا فقال القاضي أيحنث وهو مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب لا يحنث وهو قول أصحاب الرأي لأنهما يختلفان اسما وحكما بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هو عليها صدقة ولنا هدية وكانت الصدقة محرمة عليه والهدية حلالا له وكان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة ومع هذا الاختلاف لا يحنث في أحدهما بفعل الآخر ووجه الأول أنه تبرع بعين في الحياة فحنث به كالهدية ولأن الصدقة تسمي هبة فلو تصدق بدرهم قيل وهب درهما وتبرع بدرهم واختلاف التسمية لكون الصدقة نوعا من الهبة فيختص باسم دونها كاختصاص الهدية والعمرى باسمين ولم يخرجهما ذلك عن كونهما هبة وكذلك اختلاف الأحكام فإنه قد يثبت للنوع ما لا يثبت للجنس كما يثبت للآدمي من الأحكام ما لا يثبت لمطلق الحيوان فإن وصى له لم يحنث لأن الهبة تمليك في الحياة والوصية إنما تملك بالقبول بعد الموت فإن أعاره لم يحنث لأن الهبة تمليك الأعيان وليس في العارية تمليك عين ولأن المستعير لا يملك المنفعة وإنما يستبيحها ولهذا يملك المعير الرجوع فيها ولا يملك المستعير إجارتها ولا إعارتها هذا قول القاضي ومذهب الشافعي وقال أبو الخطاب يحنث لأن العارية هبة المنفعة والأول أصح وإن أضافه لم يحنث لأنه لم يملكه شيئا وإنما أباحه ولهذا لا يملك التصرف بغير الأكل وإن باعه وحاباه لم يحنث لأنه معاوضة يملك الشفيع أخذ جميع المبيع ولو كان هبة أو بعضه هبة لم يملك أخذه كله وقال أبو الخطاب يحنث في أحد الوجهين لأنه يترك له بعض المبيع بغير ثمن أو وهبه بعض الثمن وإن وقف عليه فقال أبو الخطاب يحنث لأنه تبرع له بعين في الحياة ويحتمل أن لا يحنث لأن الوقف لا يملك في رواية وإن حلف لا يتصدق عليه فوهب له لم يحنث لأن الصدقة نوع من الهبة ولا يحنث الحالف على نوع بفعل نوع آخر ولا يثبت للجنس حكم النوع ولهذا حرمت الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تحرم الهبة ولا الهدية وإن حلف لا يهب له شيئا فأسقط عنه دينا لم يحنث إلا أن ينوي لأن الهبة تمليك عين وليس له إلا دين في ذمته مسألة : قال ( ولو حلف أن لا يشتري فلانا أو لا يضربه فوكل في الشراء والضرب حنث ) وجملته أن من حلف لا يفعل شيئا فوكل من فعله حنث إلا أن ينوي مباشرته بنفسه ونحو هذا قول مالك وأبي ثور وقال الشافعي لا يحنث إلا أن ينوي بيمينه أن لا يستنيب في فعله أو يكون ممن لم تجر عادته بمباشرته

Section V09/P418–V09/P419

لأن إطلاق إضافة الفعل يقتضي مباشرته بدليل أنه لو وكله في البيع لم يجز للوكيل توكيل غيره وإن حلف لا يبيع ولا يضرب فأمر من فعله فإن كان ممن يتولى ذلك بنفسه لم يحنث وإن كان ممن لا يتولاه كالسلطان ففيه قولان وإن حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه فقيل له فيه قولان وقيل يحنث قولا واحدا وقال أصحاب الرأي إن حلف لا يبيع فوكل من باع لم يحنث وإن حلف لا يضرب ولا يتزوج فوكل من فعله حنث ولنا إن الفعل يطلق على من وكل فيه وأمر به فيحنث به كما لو كان ممن لا يتولاه بنفسه وكما لو حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه أو لا يضرب فوكل من ضرب عند أبي حنيفة وقد قال الله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله البقرة 196 وقال محلقين رؤوسكم ومقصرين الفتح وكان هذا متناولا للاستنابة فيه ولأن المحلوف عليه وجد من نائبه فحنث به كما لو حلف لا يدخل دارا فأمر من حمله إليها وقولهم إن إضافة الفعل إليه تقتضي المباشرة بمنعه ولا نسلم أنه إذا وكل في فعل يمتنع على الوكيل التوكيل فيه ولئن سلمنا فلأن التوكيل يقصد به الأمانة والحذق والناس يختلفون فيهما فإذا عين واحدا لم تجز مخالفة تعيينه بخلاف اليمين فأما إن نوى بيمينه المباشرة للمحلوف عليه أو كان سبب يمينه يقتضيها أو قرينه حاله تخصص بها لأن إطلاقه يقيد بنيته أو بما دل عليها فأشبه ما لو صرح به بلفظه وإن حلف ليشترين أو ليبيعن أو ليضربن فوكل من فعل ذلك بر لما ذكرنا في طرف النفي ولذلك لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله المحلقين تناول من حلق رأسه بأمره فصل وإن حلف ليطلقن زوجته أو لا يطلقها فوكل من طلقها أو قال لها طلقي نفسك فطلقها أو قال لها اختاري أو أمرك بيدك فطلقت نفسها بر وحنث والخلاف فيه على ما تقدم وإن قال أنت طالق إن شئت أو إن قمت فشاءت أو قامت حنث بغير خلاف لأن الطلاق منه وإنما هي حققت شرطه فصل فإن حلف لا يضرب امرأته فلطمها أو لكمها أو ضربها بعصا أو غيرها حنث بغير خلاف وإن عضها أو خنقها أو جز شعرها جزا يؤلمها قاصدا للاضرار بها حنث وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يحنث لأن ذلك لا يسمى ضربا فلا يحنث به كما لو شتمها شتما آلمها وقد نقل عن أحمد ما يدل على هذا فإن مهنا نقل عنه فيمن قال لامرأته إن لم أضربك اليوم فأنت طالق فعضها أو قرصها أو أمسك شعرها فهو على ما نوى من ذلك قال القاضي فظاهر هذا أنه لم يدخله في إطلاق اسم الضرب ولنا إن هذا في العرف يستعمل لكف الأذى المؤلم للجسم فيدخل فيه كل ما اختلفنا فيه ولهذا يقال تضاربا إذا فعل كل واحد منهما هذا بصاحبه وإن لم يكن معهما آلة وفارق الشتم فإنه لا يؤلم الجسم وإنما يؤلم القلب مسألة قال ( ومن حلف بعتق أو طلاق أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا حنث ) وبهذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والزهري وقتادة وربيعة ومالك وأبو عبيد وأصحاب الرأي وهو المشهور عن الشافعي وقال عطاء وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح وإسحاق وابن المنذر لا يحنث وهو رواية عن أحمد لأن الناسي لا يكلف حال نسيانه فلا يلزمه الحنث كالحلف بالله تعالى ولنا إن هذا يتعلق به حق آدمي فتعلق الحكم به مع النسيان كالإتلاف ولأنه حكم علق على شرط فيوجد بوجدان شرطه كالمنع من الصلاة بعد العصر وقد سبقت هذه المسألة مسألة قال ( وإذا حلف فتأول في يمينه فله تأويله إذا كان مظلوما وإن كان ظالما لم ينفعه تأويله لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يمينك على ما يصدقك به صاحبك ) معنى التأويل أن يقصد بكلامه محتملا يخالف ظاهره

Section V09/P419–V09/P420

نحو أن يحلف أنه أخي يقصد أخوة الإسلام أو المشابهة أو يعني بالسقف والبناء السماء وبالبساط والفراش الأرض وبالأوتاد الجبال وباللباس الليل أو يقول ما رأيت فلانا يعني ما ضربت رئته ولا ذكرته يريد ما قطعت ذكره أو يقول جواري أحرار يعني سفنه ونسائي طوالق يعني نساء الأقارب منه أو يقول ما كاتبت فلانا ولا عرفته ولا أعلمته ولا سألته حاجة ولا أكلت له دجاجة ولا فروجة ولا شربت له ماء ولا في بيتي فرش ولا حصير ولا بارية وينوي بالمكاتبة مكاتبة الرقيق وبالتعريف جعله عريفا وبالاعلام جعله أعلم الشفة والحاجة شجرة صغيرة والدجاجة الكثة من الغزل والفروجة الدراعة والفرش صغار الإبل والحصير والحبس والبارية السكين التي يبرى بها أو يقول ما لفلان عندي وديعة ولا شيء يعني بما الذي أو يقول ما فلان ها هنا ويعني موضعا بعينه أو يقول والله ما أكلت من هذا شيئا ولا أخذت منه يعني الباقي بعد أخذه وأكله فهذا وأشباهه مما يسبق إلى فهم السامع خلافه إذا عناه بيمينه فهو تأويل لأنه خلاف الظاهر ولا يخلو حال الحالف المتأول من ثلاثة أحوال أحدها أن يكون مظلوما مثل من يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه لظلمه أو ظلم غيره أو نال مسلما منه ضرر فهذا له تأويله قال مهنا سألت أحمد عن رجل له امرأتان اسم كل واحدة منهما فاطمة فماتت واحدة منهما فحلف بطلاق فاطمة ونوى التي ماتت قال إن كان المستحلف له ظالما فالنية نية صاحب الطلاق وإن كان المطلق هو الظالم فالنية نية الذي استحلف وقد روى أبو داود بإسناده عن سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا فحلفت أنه أخي فخلى سبيله فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال أنت أبرهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب يعني سعة المعاريض التي يوهم بها السامع غير ما عناه قال محمد بن سيرين الكلام أوسع من أن يكذب ظريف يعني لا يحتاج أن يكذب لكثرة المعاريض وخص الظريف بذلك يعني به الكيس الفطن فإنه يفطن للتأويل فلا حاجة به إلى الكذب الحال الثاني أن يكون الحالف ظالما كالذي يستحلفه الحاكم على حق عنده فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف ولا ينفع الحالف تأويله وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا فإن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينك على ما يصدقك به صاحبك رواه مسلم وأبو داود وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النية على نية المستحلف رواه مسلم وقالت عائشة اليمين على ما وقع للملحوف له ولأنه لو ساغ التأويل لبطل المعنى المبتغى باليمين إذ مقصودها تخويف الحالف ليرتدع عن الجحود خوفا من عاقبة اليمين الكاذبة فمتى ساغ التأويل له انتفى ذلك وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق ولا نعلم في هذا خلافا قال إبراهيم في رجل استحلفه السلطان بالطلاق على شيء فورى في يمينه إلى شيء آخر أجزأ عنه وإن كان ظالما لم تجزىء عنه التورية

Section V09/P420–V09/P421

الحال الثالث لم يكن ظالما ولا مظلوما فظاهر كلام أحمد أن له تأويل فروي أن مهنا كان عنده هو والمروذي وجماعة فجاء رجل يطلب المروذي ولم يرد المروذي أن يكلمه فوضع مهنا أصبعه في كفه وقال ليس المروذي ها هنا وما يصنع المروذي ها هنا يريد ليس هو في كفنه ولم ينكر ذلكأبو عبد الله وروي أن مهنا قال له إني أريد الخروج يعني السفر إلى بلد وأحب أن تسمعني الجزء الفلاني فأسمعه إياه ثم رآه بعد ذلك فقال ألم تقل إنك تريد الخروج فقال له مهنا قلت لك إني أريد الخروج الآن فلم ينكر عليه وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم في هذا خلافا روى سعيد عن جرير عن المغيرة قال كان إذا طلب إنسان إبراهيم ولم يرد إبراهيم أن يلقاه خرجت إليه الخادم وقالت اطلبوه في المسجد وقال له رجل إني ذكرت رجلا بشيء فكيف لي أن أعتذر إليه قل له والله إن الله يعلم ما قلت من ذلك من شيء وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا ومزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه وهو التأويل وقال لعجوز لا تدخل الجنة عجوز يعني أن الله ينشئهن أبكارا عربا أترابا وقال أنس إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله احملني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا حاملوك على ولد الناقة قال وما أصنع بولد الناقة قال وهل تلد الإبل إلا النوق رواه أبو داود وقال لامرأة وقد ذكرت له زوجها أهو الذي في عينه بياض فقالت يا رسول الله إنه لصحيح العين وأراد النبي صلى الله عليه وسلم البياض الذي حول الحدق وقال لرجل احتضنه من ورائه من يشتري هذا العبد فقال يا رسول الله تجدني إذا كاسدا قال لكنك عند الله لست بكاسد وهذا كله من التأويل والمعاريض وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حقا فقال لا أقول إلا حقا وروي عن شريح أنه خرج من عند زياد وقد حضره الموت فقيل له كيف تركت الأمير قال تركته يأمر وينهي فلما مات قيل له كيف قلت ذلك قال تركته يأمر بالصبر وينهى عن البكاء والجزع ويروى عن شقيق أن رجلا خطب امرأة وتحته أخرى فقالوا لا نزوجك حتى تطلق امرأتك فقال اشهدوا أني قد طلقت ثلاثا فزوجوه فأقام على امرأته فقالوا قد طلقت ثلاثا قال ألم تعلموا أنه كان لي ثلاث نسوة فطلقتهن قالوا بلى قال قد طلقت ثلاثا فقالوا ما هذا أردنا فذكر ذلك شقيق لعثمان فجعلها نيته وروي عن الشعبي أنه كان في مجلس فنظر إليه رجل ظن أنه طلب منه التعريف به والثناء عليه فقال الشعبي إن له بيتا وشرفا فقيل للشعبي بعدما ذهب الرجل تعرفه قال لا ولكنه نظر إلي قيل فكيف أثنيت عليه قال شرفه أذناه وبيته الذي يسكنه وروي أن رجلا أخذ على شراب فقيل له من أنت فقال أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره وإن نزلت يوما فسوف تعود ترى الناس أفواجا على باب داره فمنهم قيام حولها وقعود فظنوه شريفا فخلوا سبيله عنه فإذا هو ابن الباقلاني وأخذ الخوارج رافضيا فقالوا له تبرأ من عثمان وعلي فقال أنا من علي ومن عثمان بريء فهذا وشبهه هو التأويل الذي لا يعذر به الظالم ويسوغ لغيره مظلوما كان أو غير مظلوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في المزاح من غير حاجة به إليه فصل والمستحيل نوعان أحدهما مستحيل عادة كصعود السماء والطيران وقطع المسافة البعيدة في مدة قليلة فإذا حلف على فعله انعقدت يمينه ذكرهالقاضي وأبو الخطاب لأنه يتصور وجوده فإذا حلف عليه انعقدت يمينه ولزمته الكفارة في الحال لأنه مأيوس من البر فيها فوجبت الكفار كما لو حلف ليطلقن امرأته فماتت

Section V09/P421–V09/P422

والثاني المستحيل عقلا كرد أمس وشرب الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه فقال أبو الخطاب لا تنعقد يمينه ولا تجب بها كفارة وهو مذهب مالك لأنها يمين قارنها ما يحلها فلم تنعقد كيمين الغموس أو يمين على غير متصور فأشبهت يمين الغموس وهذا لأن اليمين إنما تنعقد على متصور أو متوهم التصور وليس ها هنا واحد منهما وقالالقاضي تنعقد موجبة للكفارة في الحال وهذا قول أبي يوسف والشافعي لأنه حلف على فعل نفسه في المستقبل ولم يفعل كما لو حلف ليطلقن امرأته فماتت قبل طلاقها وبالقياس على المستحيل عادة ولا فرق بين أن يعلم استحالته أو لا يعلم مثل أن يحلف ليشربن الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه فالحكم واحد فيمن علم أنه لا ماء فيه ومن لا يعلم وإن حلف ليقتلن فلانا وهو ميت فهو كالمستحيل عادة لأنه يتصور أن يحييه الله فيقتله وتنعقد يمينه على قول أصحابنا وإن حلف لأقتلن الميت يعني في حال موته فهو مستحيل عقلا فيكون فيه من الخلاف ما قد ذكرناه فصل فإن قال والله ليفعلن فلان كذا أو لا يفعل أو حلف على حاضر فقال والله لتفعلن كذا فأحنثه ولم يفعل فالكفارة على الحالف كذلك قال ابن عمر وأهل المدينة وعطاء وقتادة والأوزاعي وأهل العراق والشافعي لأن الحالف هو الحانث فكانت الكفارة عليه كما لو كان هو الفاعل لما يحنثه ولأن سبب الكفارة إما اليمين وإما الحنث أو هما وأي ذلك قدر فهو موجود في الحالف وإن قال أسألك بالله لتفعلن وأراد اليمين فهي كالتي قبلها وإن أراد الشفاعة إليه بالله فليس بيمين ولا كفارة على واحد منهما وإن قال بالله لتفعلن فهي يمين لأنه أجاب بجواب القسم إلا أن ينوي ما يصرفها وإن قال بالله أفعل فليست يمينا لأنه لم يجبها بجواب القسم ولذلك لا يصلح أن يقول والله أفعل ولا بالله أفعل وإنما صلح ذلك في التاء لأنها لا تخص بالقسم فيدل على أنه سؤال فلا تجب به كفارة فصل وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبرار المقسم رواه البخاري وهذا والله أعلم على سبيل الندب لا على سبيل الإيجاب بدليل أن أبا بكر قال أقسمت عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخبرني بما أصبت مما أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقسم يا أبا بكر ولم يخبره ولو وجب عليه إبراره لأخبره ويحتمل أن يجب عليه إبراره إذا لم يكن فيه ضرر ويكون امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من إبرار أبي بكر لما علم من الضرر فيه وإن أجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه عند تعذر المعنى فحسن فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العباس جاءه برجل ليبايعه على الهجرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح وقال العباس أقسمت عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبايعنه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في يده وقال أبررت قسم عمي ولا هجرة وأجابه إلى صورة المبايعة دون ما قصد بيمينه فصل ويستحب إجابة من سأل بالله لما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن استجار بالله فأجيروه ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله أما الذين يحبهم الله فرجل سأل قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم بعطيته إلا الله عز وجل والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم رواهما النسائي

Section V09/P422–V09/P424

فصل إذا قال حلفت ولم يكن حلف فقالأحمد هي كذبة ليس عليه يمين وعنه عليه الكفارة لأنه أقر على نفسه والأول هو المذهب لأنه حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإذا كذب في الخبر به لم يلزمه حكمه كما لو قال ما صليت وقد صلى ولو قال على يمين ونوى الخبر فهي كالتي قبلها وإن نوى القسم فقال أبو الخطاب هي يمين وهو قول أصحاب الرأي وقال الشافعي ليس بيمين لأنه لم يأت باسم الله تعالى المعظم ولا صفته فلم يكن يمينا كما لو قال حلفت وهذا أصح إن شاء الله تعالى فإن هذه ليست صيغة اليمين والقسم وإنما هي صيغة الخبر فلا يكون بها حالفا وإن قدر ثبوت حكمها لزمه أقل ما يتناوله الاسم وهو يمين ما وليست كل يمين موجبة للكفارة فلا يلزمه شيء ووجه الأول أنه كناية عن اليمين وقد نوى بها اليمين فتكون يمينا كالصريح فصل وإذا حلف على ترك شيء أو حرمه لم يصر محرما وقال أبو حنيفة يصير محرما لقول الله تعالى لم تحرم ما أحل الله لك التحريم 1 وقوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 2 ولأن الحنث يتضمن هتك حرمة الاسم المعظم فيكون حراما ولأنه إذا حرمه فقد حرم الحلال فيحرم كما لو حرم زوجته ولنا إنه إذا أراد التكفير فله فعل المحلوف عليه وحل فعله مع كونه محرما تناقض وتضاد والعجب أن أبا حنيفة لا يجوز التكفير إلا بعد الحنث وقد فرض الله تعالى تحلة اليمين فعلى قوله يلزم كون المحرم مفروضا أو من ضرورة المفروض لأنه لا يصل إلى التحلة إلا بفعل المحلوف عليه وهو عنده محرم وهذا غير جائز ولأنه لو كان محرما لوجب تقديم الكفارة عليه كالظهار ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك فأمر بفعل المحلوف عليه ولو كان محرما لم يأمره به وسماه خيرا والمحرم ليس بخير وأما الآية فإنما أراد بها قوله هو علي حرام أو منع نفسه منه وذلك يسمى تحريما قال الله تعالى يحلونه عاما ويحرمونه عاما التوبة 37 وقال وحرموا ما رزقهم الله الأنعام ولم يثبت فيه التحريم حقيقة ولا شرعا يؤ كتاب الكفارات الأصل في كفارة اليمين الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 الآية وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك في اخبار سوى هذا وأجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( ومن وجبت عليه بالحنث كفارة يمين فهو مخير إن شاء أطعم عشرة مساكين مسلمين أحرارا كبارا كانوا أو صغارا إذا أكلوا الطعام ) أجمع أهل العلم على أن الحانث في يمينه بالخيار إن شاء أطعم وإن شاء كسا وإن شاء أعتق أي ذلك فعل أجزأه لأن الله تعالى عطف بعض هذه الخصال على بعض بحرف أو وهو للتخيير قال ابن عباس ما كان في كتاب الله أو ( فهو مخير فيه وما كان فمن لم يجد فالأول الأول ذكره الإمام أحمد في التفسير والواجب في الإطعام إطعام عشرة مساكين لنص الله تعالى على عددهم إلا أن لا يجد عشرة مساكين فيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ويعتبر في المدفوع إليهم أربعة أوصاف

Section V09/P424–V10/P003

أن يكونوا مساكين وهم الصنفان اللذان تدفع إليهم الزكاة المذكوران في أول أصنافهم في قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين التوبة 60 والفقراء مساكين وزيادة لكون الفقير أشد حاجة من المسكين على ما بيناه ولأن الفقر والمسكنة في غير الزكاة شيء واحد لأنهما جميعا اسم للحاجة إلى ما لا بد منه في الكفاية ولذلك لو وصى للفقراء أو وقف عليهم أو للمساكين لكان ذلك لهم جميعا وإنما جعلا صنفين في الزكاة وفرق بينهما لأن الله تعالى ذكر الصنفين جميعا باسمين فاحتيج إلى التفريق بينهما فأما في غير الزكاة فكل واحد من الاسمين يعبر به عن الصنفين لأن جهة استحقاقهم واحدة وهي الحاجة إلى ما تتم به الكفاية ولا يجوز صرفها إلى غيرهم سواء كان من أصناف الزكاة أو لم يكن لأن الله تعالى أمر بها للمساكين وخصهم بها فلا تدفع إلى غيرهم ولأن القدر المدفوع إلى كل واحد من الكفارة قدر يسير يراد به دفع حاجة يومه في مؤنته وغيرهم من الأصناف لا تندفع حاجتهم بهذا لكثرة حاجتهم وإذا صرفوا ما يأخذونه في حاجتهم صرفوه إلى غير ما شرع له الثاني أن يكونوا أحرارا فلا يجزىء دفعها إلى عبد ولا مكاتب ولا أم ولد بهذا قال مالك والشافعي واختار الشريف أبو جعفر جواز دفعها إلى مكاتب نفسه وغيره وقالأبو الخطاب يتخرج جواز دفعها إليه بناء على جواز إعتاقه في كفارته لأنه يأخذ من الزكاة لحاجته أشبه المسكين ولنا إن الله تعالى عده صنفا في الزكاة غير صنف المساكين ولا هو في معنى المساكين لأن حاجته غير جنس حاجتهم فدل على أنه ليس بمسكين والكفارة إنما هي للمساكين بدليل الآية ولأن المسكين يدفع إليه لتتم كفايته والمكاتب إنما يأخذ لفكاك رقبته أما كفايته فإنها حاصلة بكسبه وماله فإن لم يكن له كسب ولا مال عجزه سيده ورجع إليه واستغنى بإنفاقه وخالف الزكاة فإنها تصرف إلى الغنى والكفارة بخلافها الثالث أن يكونوا مسلمين فلا يجوز صرفها إلى كافر ذميا كان أو حربيا وبذلك قال الحسن والنخعي والأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وقال أبو ثور وأصحاب الرأي يجوز دفعها إلى الذمي لدخوله في اسم المساكين فيدخل في عموم الآية ولأنه مسكين من أهل دار الإسلام فأجزأ الدفع إليه من الكفارة كالمسلم وروي نحو هذا عن الشعبي وخرجه أبو الخطاب وجها في المذهب بناء على جواز إعتاقه في الكفارة وقال الثوري يعطيهم إن لم يجد غيرهم ولنا إنهم كفار فلم يجز إعطاؤهم كمستأمني أهل الحرب والآية مخصوصة بهذا فنقيس الرابع أن يكونوا قد أكلوا الطعام فإن كان طفلا لم يطعم لم يجز الدفع إليه في ظاهر كلام الخرقي وقول القاضي وهو ظاهر قول مالك فإنه قال يجوز الدفع إلى الفطيم وهو إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية يجوز دفعها إلى الصغير الذي لم يطعم ويقبض للصغير وليه وهو الذي ذكره أبو الخطاب في المذهب وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي قالأبو الخطاب وهو قول أكثر الفقهاء لأنه حر مسلم محتاج فأشبه الكبير ولأن أكله للكفارة ليس بشرط وهذا يصرف الكفارة إلى ما يحتاج إليه مما تتم به كفايته فأشبه الكبير ولنا قوله تعالى إطعام عشرة مساكين المائدة 89 وهذا يقتضي أكلهم له فإذا لم تعتبر حقيقة أكله اعتبر إمكانه ومظنته ولا تتحقق مظنته فيمن لا يأكل ولأنه لو كان المقصود دفع حاجته لجاز دفع القيمة ولم يتعين الإطعام وهذا يقيد ما ذكروه فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في واحد جاز الدفع إليه سواء كان صغيرا أو كبيرا محجورا عليه أو غير محجور عليه إلا أن من لا حجر عليه يقبض لنفسه أو يقبض له وكيله والمحجور عليه كالصغير والمجنون يقبض له وليه مسألة قال ( لكل مسكين مد من حنطة أو دقيق أو رطلان خبزا أو مدان تمرا أو شعيرا )

Section V10/P003–V10/P005

أما مقدار ما يعطي كل مسكين وجنسه فقد ذكرناه في باب الظهار ونص الخرقي على أنه يجزىء الدقيق والخبز ونص أحمد عليه أيضا وروي عنه لا يجزىء الخبز وهو قول مالك والشافعي وقال لا يجزىء دقيق ولا سويق لأنه خرج عن حالة الكمال والادخار ولا يجزىء في الزكاة فلم يجزىء في الكفارة كالقيمة ولنا قول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89 وهذا قد أطعمهم ما يطعم أهله فوجب أن يجزئه روى الإمام أحمد في كتاب التفسير بإسناده عن ابن عمر من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 فإنه الخبز واللبن وفي رواية عنه قال من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 الخبز والتمر والخبز والزيت والخبز والسمن وقال أبو رزين من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 خبز وزيت وخل وقال الأسود بن يزيد الخبز والتمر وعن علي الخبز والتمر الخبز والسمن الخبز واللحم وعن ابن سيرين قال كانوا يقولون أفضله الخبز واللحم وأوسطه الخبز والسمن وأخسه الخبز والتمر وقال عبيدة الخبز والزيت وسأل رجل شريحا ما أوسط طعام أهلي فقال شريح إن الخبز والخل والزيت لطيب فقال له رجل أفرأيت الخبز واللحم قال أرفع طعام أهلك وطعام الناس وعن علي والحسن والشعبي وقتادة ومالك وأبي ثور يغديهم أو يعشيهم وهذا اتفاق على تفسير ما في الآية بالخبز ولأنه أطعم المساكين من أوسط طعام أهله فأجزأه كما لو أعطاه حبا ويفارق الزكاة من وجهين أحدهما أن الواجب عليه عشر الحب وعشر الحب حب فاعتبر الواجب وها هنا الواجب الإطعام والخبز أقرب إليه والثاني أن دفع الزكاة يراد للاقتيات في جميع العام فيحتاج إلى ادخاره فاعتبر أن يكون على صفة تمكن من ادخاره عاما والكفارة تراد لدفع حاجة يومه ولهذا تقدرت بما الغالب أنه يكفيه ليومه والخبز أقرب إلى ذلك لأنه قد كفاه مؤنة طحنه وخبزه إذا تقرر هذا فإنه إن أعطى المسكين رطلي خبز بالعراقي أجزأه لأنه لا يكون من أقل من مد وقدر ذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم خمس أواق وسبع أوقية وإن طحن مدا وخبزه أجزأه نص عليه أحمد وكذلك إذا دفع دقيق المد إلى المسكين أجزأه وإن دفع الدقيق من غير تقدير حنطته فقال أحمد يجزئه بالوزن رطل وثلث ولا يجزئه إخراج مد دقيق بالكيل لأنه يروع بالطحن فحصل في مد دقيق الحب أقل من مد الحب وإن زاد في الدقيق عن مد بحيث يعلم أنه قدر مد حنطة جاز وقول الخرقي في مد دقيق يحتمل أنه أراد إخراجه بالوزن كما ذكر أحمد ويحتمل أنه أراد مدا من الحنطة طحنه ثم أخرج دقيقه ويحتمل أنه أراد إخراج ما يعلم أن حبه مد لما ذكرنا ويجب أن يحمل قوله في الدقيق والخبز على دقيق الحنطة وخبزها فإن أعطى من الشعير لم يجزئه إلا ضعف ذلك كما لا يجزىء من حبها إلا ضعف ما يجزىء من حب البر فصل والأفضل إخراج الحب لأن فيه خروجا من الخلاف قال أحمد التمر أعجب إلي والدقيق ضعيف والتمر أحب إلي ويحتمل أن يكون إخراج الخبز أفضل لأنه أنفع للمسكين وأقل كلفة وأقرب إلى حصول المقصود منه بغنيته والظاهر أن المسكين يأكله ويستغني به في يومه ذلك والحب يعجز عن طحنه وعجنه فالظاهر أنه يحتاج إلى بيعه ثم يشتري بثمنه خبزا فيتكلف حمل كلفة البيع والشراء وغبن البائع والمشتري له وتأخر حصول النفع به وربما لم يحصل له بثمنه من الخبز ما يكفيه ليومه فيفوت المقصود مع حصول الضرر فصل ويجب أن يكون المخرج في الكفارة سالما من العيب ولا يكون الحب مسوسا ولا متغيرا طعمه ولا فيه زوان أو تراب يحتاج إلى تنقية وكذلك دقيقه وخبزه لأن مخرج في حق الله تعالى عما وجب في الذمة فلم يجز أن يكون معيبا كالشاة في الزكاة مسألة قال ( ولو أعطاهم مكان الطعام أضعاف قيمته ورقا لم يجزه )

Section V10/P005–V10/P006

وجملته أنه لا يجزىء في الكفارة إخراج قيمة الطعام ولا الكسوة في قول إمامنا مالك والشافعي وابن المنذر وهو ظاهر قول من سمينا قولهم في تفسير الآية في المسألة التي قبلها وهو ظاهر من قول عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي وأجازه الأوزاعي وأصحاب الرأي لأن المقصود دفع حاجة المسكين وهو يحصل بالقيمة ولنا قول الله تعالى إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89 هذا ظاهر في عين الطعام والكسوة فلا يحصل التكفير بغيره لأنه لم يؤد الواجب إذا لم يؤد ما أمره الله بأدائه ولأن الله تعالى خير بين ثلاثة أشياء ولو جازت القيمة لم ينحصر التخيير في الثلاثة ولأنه لو أريدت القيمة لم يكن للتخيير معنى لأن قيمة الطعام إن ساوت قيمة الكسوة فهما شيء واحد فكيف يخير بينهما وإن زادت قيمة أحدهما على الآخر فكيف يخير بين شيء وبعضه ثم ينبغي أنه إذا أعطاه في الكسوة ما يساوي إطعامه أن يجزئه وهو خلاف الآية وكذلك لو غلت قيمة الطعام فصار نصف المد يساوي كسوة المسكين ينبغي أن يجزئه نصف المد وهو خلاف الآية ولأنه أحد ما يكفر به فيتعين ما ورد به النص كالعتق أو فلا تجزىء فيه القيمة كالعتق فعلى هذا لو أعطاهم أضعاف قيمة الطعام لا يجزئه لأنه لم يؤد الواجب فلا يخرج عن عهدته مسألة قال ( ويعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله ) وبهذا قال الشافعي وأبو ثور ولا نعلم فيه مخالفا ولأن الكفارة حق مال يجب لله تعالى فجرى مجرى الزكاة فيمن يدفع إليه من أقاربه ومن لا يدفع إليه وقد سبق ذلك في باب الزكاة فصل وكل من يمنع الزكاة من الغني والكافر والرقيق يمنع أخذ الكفارة وهل يمنع منها بنو هاشم فيه وجهان أحدهما يمنعون منها لأنها صدقة واجبة فمنعوا منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنا لا تحل لنا الصدقة وقياسا على الزكاة والثاني لا يمنعون لأنها لم تجب بأصل الشرع فأشبهت صدقة التطوع مسألة قال ( ومن لم يصب إلا مسكينا واحدا ردد عليه في كل يوم تتمة عشرة أيام ) وجملته أن المكفر لا يخلو من أن يجد المساكين بكمال عددهم أو لا يجدهم فإن وجدهم لم يجزئه إطعام أقل من عشرة في كفارة اليمين ولا أقل من ستين في كفارة الظهار وكفارة الجماع في رمضان وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأجاز الأوزاعي دفعها إلى واحد وقال أبو عبيد إن خص بها أهل بيت شديدي الحاجة جاز بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمجامع في رمضان حين أخبره بشدة حاجته وحاجة أهله أطعمه عيالك ولأنه دفع حق الله تعالى إلى من هو من أهل الاستحقاق فأجزأه كما لو دفع زكاته إلى واحد وقال أصحاب الرأي يجوز أن يرددها على مسكين واحد في عشرة أيام إن كانت كفارته يمينا أو في ستين إن كان الواجب إطعام ستين مسكينا ولا يجوز دفعها إليه في يوم واحد وحكاهأبو الخطاب رواية عن أحمد لأنه في كل يوم قد أطعم مسكينا ما يجب للمسكين فأجزأ كما لو أعطى غيره ولأنه لو أطعم هذا المسكين من كفارة أخرى أجزأه فكذلك إذا أطعمه من هذه الكفارة ولنا قول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89 ومن أطعم واحدا فما أطعم عشرة فما امتثل الأمر فلا يجزئه ولأن الله تعالى جعل كفارته إطعام عشرة مساكين فإذا لم يطعم عشرة فما أتى بالكفارة ولأن من لم يجز الدفع إليه في اليوم الأول لم يجز في اليوم الثاني مع اتفاق الحال كالولد فأما الواقع على أهله فإنما أسقط الله تعالى الكفارة عنه لعجزه عنها فإنه لا خلاف في أن الإنسان لا يأكل كفارة نفسه ولا يطعمها عائلته وقد أمر بذلك

Section V10/P006–V10/P007

الحال الثاني العاجز عن عدد المساكين كلهم فإنه يردد على الموجودين منهم في كل يوم حتى تتم عشرة فإن لم يجد إلا واحدا ردد عليه تتمة عشرة أيام وإن وجد اثنين ردد عليهما خمسة أيام وعلى هذا ونحو هذا قال الثوري وهو اختيار أكثر الأصحاب وعن أحمد رواية أخرى لا يجزئه إلا كمال العدد وهو مذهب مالك والشافعي لما ذكرنا في حال القدرة ولنا إن ترديد الإطعام في عشرة أيام في معنى إطعام عشرة لأن يدفع الحاجة في عشرة أيام فأشبه ما لو أطعم في كل يوم واحدا والشيء بمعناه يقوم مقامه بصورته عند تعذرها ولهذا شرعت الابدال لقيامها مقام المبدلات في المعنى ولا يجتزأ بها مع القدرة على المبدلات كذا ها هنا فصل وإن أطعم كل يوم مسكينا حتى أكمل العشرة أجزأه بلا خلاف نعلمه لأن الواجب إطعام عشرة مساكين وقد أطعمهم وإن دفعها إلى من يظنه مسكينا فبان غنيا ففي ذلك وجهان بناء على الروايتين في دفع الزكاة إليه أحدهما لا يجزئه وهو قول الشافعي وأبي يوسف وأبي ثور وابن المنذر لأنه لم يطعم المساكين فلم يجزئه كما لو علم والثاني يجزئه وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأنه دفعها إلى من يظنه مسكينا وظاهره المسكنة فأجزأه كما لو يعلم حاله وهذا لأن الفقر يخفى وتشق معرفة حقيقته قال الله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف البقرة 273 فوجب أن يكتفي بظهوره وظنه وكذلك لما سأل الرجلان النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة قال إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب وإن بان كافرا أو عبدا لم يجزئه وجها واحدا كقولنا في الزكاة لأن ذلك لا يكاد يخفى وليس هو في مظنة الخفاء فإن كان الدافع الإمام فأخطأ في الفقر لم يضمن وإن أخطأ في الحرية والإسلام فهل يضمن على الوجهين بناء على خطئه في الحد فصل إذا أطعم مسكينا في يوم واحد من كفارتين ففيه وجهان أحدهما يجزئه لأنه أطعم عن كل كفارة عشرة مساكين فأجزأه كما لو أطعمه في يومين ولأن من جاز له أن يأخذ من اثنين جاز أن يأخذ من واحد كالقدر الذي يجوز له أخذه من الزكاة والثاني لا يجزئه إلا عن واحد وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف لأنه أعطى مسكينا في يوم طعام اثنين فلم يجزئه إلا عن واحد كما لو كان في كفارة واحدة وإن أطعم اثنين من كفارتين في يوم واحد جاز ولا نعلم في جوازه خلافا وكذلك إن أطعم واحدا من كفارتين في يومين جاز أيضا بغير خلاف نعلمه فلو كان على واحد عشر كفارات وعنده عشرة مساكين يطعمهم كل يوم كفارة يفرقها عليهم جاز لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته وبيان أنه أتى بما أمر أنه أطعم عن كل كفارة عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله والحكم في الكسوة كالحكم في الطعام على ما فصلناه مسألة قال ( وإن شاء كسا عشرة مساكين للرجل ثوب يجزئه أن يصلي فيه وللمرأة درع وخمار )

Section V10/P007–V10/P008

لا خلاف في أن الكسوة أحد أصناف كفارة اليمين لنص الله تعالى عليها في كتابه بقوله تعالى أو كسوتهم المائدة 89 ولا تدخل في كفارة غير كفارة اليمين ولا يجزئه أقل من كسوة عشرة لقول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89 وتتقدر الكسوة بما تجزىء الصلاة فيه فإن كان رجلا فثوب تجزئه الصلاة فيه وأن كانت امرأة فدرع وخمار وبهذا قال مالك وممن قال لا تجزئه السروايل الأوزاعي وأبو يوسف وقال إبراهيم ثوب جامع وقال الحسن كل مسكين حلة إزار ورداء قال ابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وأصحاب الرأي يجزئه ثوب ثوب ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة وحكي عن الحسن قال تجزىء العمامة وقال سعيد بن المسيب عباءة وعمامة وقال الشافعي يجزىء أقل ما يقع عليه الاسم من سراويل أو إزار أو رداء أو منفعة أو عمامة وفي القلنسوة وجهان واحتجوا بأن ذلك يقع عليه اسم الكسوة فأجزأ كالذي تجوز الصلاة فيه ولنا إن الكسوة أحد أنواع الكفارة فلم يجز فيه ما يقع عليه الاسم كالإطعام والإعتاق ولأن التكفير عبادة تعتبر فيها الكسوة فلم يجز فيها أقل مما ذكرناه كالصلاة ولأنه مصروف إلى المساكين في الكفارة فيتقدر كالإطعام ولأن اللابس ما لا يستر عورته إنما يسمى عريانا لا مكتسيا وكذلك لابس السراويل وحده أو مئزرا يسمى عريانا فلا يجزئه لقول الله تعالى أو كسوتهم المائدة 89 إذا ثبت هذا فإنه إذا كسا امرأة أعطاها درعا وخمارا لأنه أقل ما يستر عورتها وتجزئها الصلاة فيه وإن أعطاها ثوبا واسعا يمكنها أن تستر به بدنها ورأسها أجزأه ذلك وإن كسا الرجل أجزأه قميص أو ثوب يمكنه أن يستر عورته ويجعل على عاتقه منه شيئا أو ثوبين يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر ولا يجزئه مئزر وحده ولا سروال وحده لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء فصل ويجوز أن يكسوهم من جميع أصناف الكسوة من القطن والكتان والصوف والشعر والوبر والخز والحرير لأن الله تعالى أمر بكسوتهم ولم يعين جنسا فأي جنس كساهم منه خرج به عن العهدة لوجود الكسوة المأمور بها ويجوز أن يكسوهم لبيسا أو جديدا إلا أن يكون مما قد يلي وذهبت منفعته لأنه معيب فلا يجزىء كالحب المعيب والرقبة إذا بطلت منفعتها وسواء كان ما أعطاهم مصبوغا أو غير مصبوغ أو خاما أو مقصورا لأنه تحصل الكسوة المأمور بها والحكمة المقصودة منها فصل والذي تجزىء كسوتهم هم المساكين الذين يجزىء إطعامهم لأن الله تعالى قال فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89 فينصرف الضمير إليهم وقد تقدم الكلام في المساكين وأصنافهم مسألة قال ( وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة قد صلت وصامت لأن الإيمان قول وعمل وتكون سليمة ليس فيها نقص يضر بالعمل ) وجملته أن إعتاق الرقبة أحد خصال الكفارة بغير خلاف لنص الله تعالى عليه بقوله أو تحرير رقبة المائدة 89 ويعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف أحدها أن تكون مؤمنة في ظاهر المذهب وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد وعن أحمد رواية أخرى أن الذمية تجزىء وهو قول عطاء وأبي ثور وأصحاب الرأي لقول الله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 وهذا مطلق فتدخل فيه الكافرة ولنا إنه تحرير في كفارة فلا تجزىء فيه الكافرة كفارة القتل والجامع بينهما أن الإعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ربه

Section V10/P008–V10/P010

وتكميل أحكامه وعبادته وجهاده ومعونة المسلم فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة تحصيلا لهذه المصالح والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الإيمان فيها فيعلل بها ويتعدى ذلك الحكم إلى كل تحرير في كفارة فيختص بالمؤمنة لاختصاصها بهذه الحكمة وأما المطلق الذي احتجوا به فإنما يحمل على المقيد في كفارة القتل كما حمل مطلق قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم البقرة 282 على المقيد في قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 وإن لم يحمل عليه من جهة اللغة حمل عليه من جهة القياس الثاني أن تكون قد صلت وصامت وهذا قول الشعبي ومالك وإسحاق قال القاضي لا يجزىء من له دون السبع لأنه لا تصح منه العبادات في ظاهر كلام أحمد وظاهر كلام الخرقي المعتبر الفعل دون السن فمن صلى وصام ممن له عقل يعرف الصلاة والصيام ويتحقق منه الإتيان به بنيته وأركانه فإنه يجزىء في الكفارة وإن كان صغيرا ولم يوجدا منه لم يجزىء في الكفارة وإن كان كبيرا وقال أبو بكر وغيره من أصحابنا يجوز إعتاق الطفل في الكفارة وهو قول الحسن وعطاء والزهري والشافعي وابن المنذر لأن المراد بالإيمان ها هنا الإسلام بدليل إعتاق الفاسق قال الثوري المسلمون كلهم مؤمنون عندنا في الأحكام ولا ندري ما هم عند الله ولهذا تعلق حكم القتل بكل مسلم بقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ النساء 92 والصبي محكوم بإسلامه يرثه المسلمون ويرثهم ويدفن في مقابر المسلمين ويغسل ويصلي عليه وإن سبي منفردا عن أبويه أجزأه عتقه لأنه محكوم بإسلامه وكذلك إن سبي مع أحد أبويه ولو كان أحد أبوي الطفل مسلما والآخر كافرا أجزأ إعتاقه لأنه محكوم بإسلامه وقال القاضي في موضع يجزىء إعتاق الصغيرة في جميع الكفارات إلا كفارة القتل فإنها على روايتين وقال إبراهيم النخعي ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزىء إلا ما صام وصلى وما كان في القرآن رقبة ليست بمؤمنة فالصبي يجزىء ونحو هذا قول الحسن ووجه قول الخرقي أن الواجب رقبة مؤمنة والإيمان قول وعمل فما لم تحصل الصلاة والصيام لم يحصل العمل وقال مجاهد وعطاء في قوله فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 قال قد صلت ونحو هذا قول الحسن وإبراهيم وقال مكحول إذا ولد المولود فهو نسمة فإذا تقلب ظهرا لبطن فهو رقبة فإذا صلى فهو مؤمنة ولأن الطفل لا تصح منه عبادة لفقد التكليف فلم يجزىء في الكفارة كالمجنون ولأن الصبا نقص يستحق به النفقة على القريب أشبه الزمالة والقول الآخر أقرب إلى الصحة إن شاء الله لأن الإيمان الإسلام وهو حاصل في حق الصغير ويدل على هذا أن معاوية بن الحكم السلمي أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية فقال لها أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة رواه مسلم وفي حديث عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله فأشارت برأسها إلى السماء قال من أنا فأشارت إلى رسول الله وإلى السماء أي أنت رسول الله قال أعتقها فحكم لها بالإيمان بهذا القول فصل ولا يجزىء إعتاق الجنين في قول أكثر أهل العلم وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو ثور يجزىء لأنه آدمي مملوك فصح إعتاقه عن الرقبة كالمولود ولنا إنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد فإنه لا يملك بالإرث والوصية ولا يشترط لهما كونه آدميا لكونه ثبت له ذلك وهو نطفة أو علقة وليس بآدمي في تلك الحال الثالث أن لا يكون بها نقص يضر بالعمل وقد شرحنا ذلك في الظهار ويجزىء الصبي وإن كان عاجزا عن العمل لأن ذلك ماض إلى زوال وصاحبه سائر إلى الكمال ولا يجزىء المجنون لأن نقصه لا غاية لزواله معلومة فأشبه الزمن

Section V10/P010–V10/P011

فصل وإن أعتق غائبا تعلم حياته وتجيء أخباره صح وأجزأه عن الكفارة كالحاضر وإن شك في حياته وانقطع خبره لم يحكم بالإجزاء فيه لأن الأصل شغل ذمته ولا تبرأ بالشك وهذا العبد مشكوك فيه بوجوده فشك في إعتاقه فإن قيل الأصل حياته قلنا إلا أنه قد علم أن الموت لا بد منه وقد وجدت دلالة عليه وهو انقطاع أخباره فإن تبين بعد هذا كونه حيا تبينا صحة عتقه وبراءة الذمة من الكفارة وإلا فلا فصل وإن أعتق غيره عنه بغير أمره لم يقع عن المعتق عنه إذا كان حيا وولاؤه للمعتق ولا يجزىء عن كفارته وإن نوى ذلك وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك أنه إذا أعتق عن واجب على غيره بغير أمره صح لأنه قضى عنه واجبا كما لو قضى عنه دينا ولنا إنه عبادة من شرطها النية فلم يصح أداؤها عمن وجبت عليه بغير أمره مع كونه من أهل الأمر كالحج ولأنه أحد خصال الكفارة فلم يصح عن المكفر بغير أمره كالصيام وهكذا الخلاف فيما إذا كفر عنه بإطعام أو كسوة ولا يجوز أن ينوب عنه في الصيام بإذنه ولا بغير إذنه لأنه عبادة بدنية فلا تدخلها النيابة فأما إن أعتق عنه بأمره نظرت فإن جعل له عوضا صح العتق عن المعتق عنه وله ولاؤه وأجزأ عن كفارته بغير خلاف علمناه وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم لأنه حصل العتق عنه بماله فأشبه ما لو اشتراه ووكل البائع في إعتاقه عنه وإن لم يشترط عوضا ففيه روايتان إحداهما يقع العتق عن المعتق عنه ويجزىء في كفارته وهو قول مالك والشافعي لأنه أعتق بأمره فصح كما لو شرط عوضا والأخرى لا يجزىء وولاؤه للمعتق وهو قول أبي حنيفة لأن العتق بعوض كالبيع وبغير عوض كالهبة ومن شرط الهبة القبض ولم يحصل فلم يقع عن الموهوب له وفارق البيع فإنه لا يشترط فيه القبض فإن كان المعتق عنه ميتا نظرت فإن أوصى بالعتق صح لأنه بأمره وإن لم يوص به فأعتق عنه أجنبي لم يصح لأنه ليس بنائب عنه وإن أعتق عنه وارثه فإن لم يكن عليه واجب لم يصح العتق عنه ووقع عن المعتق وإن كان عليه عتق واجب صح العتق عنه لأنه نائب له في ماله وأداء واجباته فإن كانت عليه كفارة يمين فكسا عنه أو أطعم عنه جاز وإن أعتق عنه ففيه وجهان أحدهما ليس له ذلك لأنه غير متعين فجرى مجرى التطوع والثاني يجزىء لأن العتق يقع واجبا لأن الوجوب يتعين فيه بالفعل فأشبه المعين من العتق ولأنه أحد خصال كفارة اليمين فجاز أن يفعله عنه كالإطعام والكسوة ولو قال من عليه الكفارة أطعم عن كفارتي أو اكس ففعل صح رواية واحدة سواء ضمن له عوضا أو لم يضمن له عوضا مسألة قال ( ولو اشتراها بشرط العتق فأعتقها في الكفارة عتقت ولم تجزئه عن الكفارة ) وهذا مذهب الشافعي وروي عن معقل بن يسار ما يدل عليه وذلك لأنه إذا اشتراها بشرط العتق فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن لأجل هذا الشرط فكأنه أخذ عن العتق عوضا فلم تجزئه عن الكفارة قال أحمد إن كانت رقبة واجبة لم تجزئه لأنها ليست رقبة سليمة ولأن عتقها يستحق بسبب آخر وهو الشرط فلم تجزئه كما لو اشترى قريبه فنوى بشرائه العتق عن الكفارة أو قال إن دخلت الدار فأنت حر ثم نوى عند دخوله أنه عن كفارته

Section V10/P011–V10/P012

فصل ولو قال له رجل أعتق عبدك عن كفارتك ولك عشرة دنانير ففعل لم يجزئه عن الكفارة لأن الرقبة لم تقع خالصة عن الكفارة وقال القاضي العتق كله يقع عن باذل العوض وله ولاؤه وهذا فيه نظر فإن المعتق لم يعتقه عن باذلي العوض ولا رضي بإعتاقه عنه ولا باذل العوض طلب ذلك والصحيح أن إعتاقه من المعتق والولاء له وقد ذكر الخرقي أنه إذا قال أعتقه والثمن علي فالثمن عليه والولاء للمعتق فإن رد العشرة على باذلها ليكون العتق عن الكفارة وحدها أو عزم على رد العشرة أو رد العشرة قبل العتق فأعتقه عن كفارته أجزأه فصل وإذا اشترى عبدا ينوي إعتاقه عن كفارته فوجد به عيبا لا يمنع من الإجراء في الكفارة فأخذ أرشه ثم أعتق العبد كفارته أجزأه وكان الأرش له لأن العتق إنما وقع على العبد المعيب دون الأرش وإن أعتقه قبل العلم بالعيب ثم ظهر على العيب فأخذ أرشه فهو له أيضا كما لوأخذه قبل إعتاقه وعنه أنه يصرف ذلك الأرش في الرقاب لأنه أعتقه معتقدا أنه سليم فكان بمنزلة العوض عن حق الله تعالى وكفارة الأرش مصروفة في حق الله تعالى كما لو باعه كان الأرش للمشترى وإن علم العيب ولم يأخذ أرشه حتى أعتقه كان الأرش للمعتق لأنه أعتقه معيبا عالما بعيبه فلم يلزمه أرش كما لو باعه ولم يعلم عيبه مسألة قال ( وكذلك لو اشترى بعض من يعتق عليه إذا ملكه ينوي بشرائه الكفارة عتق ولم يجزئه ) وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وقال أصحاب الرأي يجزئه استحسانا لأنه يجزىء عن كفارة البائع فأجزأ عن كفارة المشتري كغيره ولنا قوله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 والتحرير فعل العتق ولم يحصل العتق ها هنا بتحرير منه ولا إعتاق فلم يكن ممتثلا للأمر ولأن عتقه مستحق بسبب آخر فلم يجزئه كما لو ورثه ينوي به العتق عن كفارته وكأم الولد ويخالف المشتري البائع من وجهين أحدهما أن البائع يعتقه والمشتري لم يعتقه إنما يعتق بإعتاق الشرع وهذا عن غير اختيار منه والثاني أن البائع لا يستحق عليه إعتاقه والمشتري بخلافه فصل إذا ملك نصف عبد فأعتقه عن كفارته عتق وسرى إلى باقيه إن كان موسرا بقيمة باقيه ولم يجزئه عن كفارته في قول أبي بكر الخلال وصاحبه وحكاه عن أحمد وهو قول أبي حنيفة لأن عتق نصيب شريكه لم يحصل بإعتاقه إنما حصل بالسراية وهي غير فعله وإنما هي من آثار فعله فأشبه ما لو اشترى من يعتق عليه ينوي به الكفارة يحقق هذا أنه لم يباشر بالإعتاق إلا نصيبه فسرى إلى غيره ولو خص نصيب غيره بالإعتاق لم يعتق منه شيء ولأنه إنما يملك إعتاق نصيب لا نصيب غيره وقال القاضي قال غيرهما من أصحابنا يجزئه إذا نوى إعتاق جميعه عن كفارته وهو مذهب الشافعي لأنه أعتق عبدا كامل الرق سليم الخلق غير مستحق العتق ناويا به الكفارة فأجزأه كما لو كان الجميع ملكه والأول أصح إن شاء الله ولا نسلم أنه أعتق العبد كله وإنما أعتق نصفه وعتق الباقي عليه فأشبه شراء قريبه ولأن إعتاق باقيه مستحق بالسراية فهو كالقريب فعلى هذا هل يجزئه عتق نصفه الذي هو ملكه ويعتق نصفا آخر فتكمل الكفارة ينبني على ما إذا أعتق نصفي عبدين وسنذكره إن شاء الله وإن نوى عتق نصيبه عن الكفارة ولم ينو ذلك في نصيب شريكه لم يجزئه نصيب شريكه وفي نصيبه نفسه ما سنذكره إن شاء الله ولو كان معسرا فأعتق نصيبه عن كفارته فكذلك فإن ملك باقيه فأعتقه عن الكفارة أجزأه ذلك وإن أراد صيام شهر وإطعام ثلاثين مسكينا لم يجزئه كما لو أعتق نصف عبد في كفارة اليمين وأطعم خمسة مساكين أو كساهم لم يجزئه فصل وإن كان العبد كله له فأعتق جزءا منه معينا أو مشاعا عتق جميعه وإن كان نوى به الكفارة أجزأ عنه لأن إعتاق بعض العبد إعتاق لجميعه

Section V10/P012–V10/P014

وإن نوى إعتاق الجزء الذي باشره بالإعتاق عن الكفارة دون غيره لم يجزئه عتق غيره وهل يحتسب بما نوى به الكفارة على وجهين فصل وإن قال إن ملكت فلانا فهو حر وقلنا يصح هذا لتعليق فاشتراه ينوي العتق عن كفارته عتق ولم يجزئه عن الكفارة ويخرج فيه من الخلاف مثل ما في شراء قريبه والله أعلم مسألة قال ( ولا تجزىء في الكفارة أم ولد ) هذا ظاهر المذهب وبه قال الأوزاعي ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى أنها ويروى ذلك عن الحسن وطاوس والنخعي وعثمان البتي لقول الله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 تجزىء ومعتقها قد حررها ولنا إن عتقها يستحق بسبب آخر فلم تجزىء عنه كما لو اشترى قريبه أو عبدا بشرط العتق فأعتقه وكما لو قال لعبده أنت حر إن أدخلت الدار ثم نوى عتقه عن كفارته عند دخوله والآية مخصوصة بما ذكرناه فنقيس عليه ما اختلفنا فيه فصل ولد أم الولد الذي ولدته بعد كونها أم ولد حكمه حكمها فيما ذكرناه لأن حكمه حكمها في العتق بموت سيدها مسألة قال ( ولا مكاتب قد أدى من كتابته شيئا ) روي عن أحمد رحمه الله في المكاتب ثلاث روايات إحداهن يجزىء مطلقا اختاره أبو بكر وهو مذهب أبي ثور لأن المكاتب عبد يجوز بيعه فأجزأ عتقه كالمدبر ولأنه رقبة فدخل في مطلق قوله سبحانه فتحرير رقبة النساء 92 والثانية لا يجزىء مطلقا وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد لأن عتقه مستحق بسبب آخر ولهذا لا يملك إبطال كتابته فأشبه أم الولد والثالثة إن أدى من كتابته شيئا لم يجزئه وإلا أجزأه وبهذا قال الليث والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي قال القاضي هو الصحيح لأنه إذا أدى شيئا فقد حصل العوض عن بعضه فلم يجزىء كما لو أعتق بعض رقبة وإذا لم يؤد فقد أعتق رقبة كاملة مؤمنة سالمة الخلق تامة الملك لم يحصل عن شيء منها عوض فأجزأ عتقها كالمدبر ولو أعتق عبدا على مال فأخذه من العبد لم يجزىء عن كفارته في قولهم جميعا مسألة قال ( ويجزئه المدبر ) وهذا قول طاوس والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال الأوزاعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي لا يجزىء لأن عتقه مستحق بسبب آخر فأشبه أم الولد ولأن بيعه عندهم غير جائز فأشبه أم الولد ولنا قوله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 وقد حرر رقبة ولأنه عبد كامل المنفعة يجوز بيعه ولم يحصل عن شيء منه عوض فجاز عتقه كالقن والدليل على جواز بيعه أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا وسنذكر حديثه في بابه إن شاء الله ولأن التدبير إما أن يكون وصية أو عتقا بصفة وأيا ما كان فلا يمنع التفكير بإعتاقه قبل وجود الصفة والصفة ها هنا الموت ولم يوجد مسألة قال ( والخصي ) لا نعلم في إجزاء الخصي خلافا سواء كان مقطوعا أو مشلولا أو موجوءا لأن ذلك نقص لا يضر بالعمل ولا يؤثر فيه بل ربما زادت بذلك قيمته فاندفع فيه ضرر شهوته فأجزأ كالفحل مسألة قال ( وولد الزنا ) هذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن فضالة بن عبيد وأبي هريرة وبه قال ابن المسيب والحسن وطاوس والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وابن المنذر وروي عن عطاء والشعبي والنخعي وحماد أنه لا يجزىء لأن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ولد الزنا شر الثلاثة قال أبو هريرة لأن أمنع بسوط في سبيل الله أحب إلي منه رواه أبو داود ولنا دخوله في مطلق قوله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 ولأنه مملوك مسلم كامل العمل لم يعتض عن شيء منه ولا استحق عتقه بسبب آخر فأجزأ عتقه كولد الرشيدة فأما الأحاديث الواردة في ذمة فاختلف أهل العلم في تفسيرها

Section V10/P014–V10/P015

فقال الطحاوي ولد الزنا هو الملازم للزنا كما يقال ابن السبيل الملازم لها وولد الليل الذي لا يهاب السرقة وقال الخطابي عن بعض أهل العلم قال هو شر الثلاثة أصلا وعنصرا ونسبا لأنه خلق من ماء الزنا وهو خبيث وأنكر قوم هذا التفسير وقالوا ليس عليه من وزر والديه شيء وقد قال الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى الأنعام 164 الإسراء 15 فاطر 18 الزمر 7 النجم 38 وفي الجملة هذا يرجع إلى أحكام الآخرة أما أحكام الدنيا فهو كغيره في صحة إمامته وبيعه وعتقه وقبول شهادته فكذلك في إجزاء عتقه عن الكفارة لأنه من أحكام الدنيا مسألة قال ( فإن لم يجد من هذه الثلاثة واحدا أجزأه صيام ثلاثة أيام متتابعة ) يعني إن لم يجد طعاما ولا كسوة ولا عتقا انتقل إلى صيام ثلاثة أيام لقول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89 وهذا لا خلاف فيه إلا في اشتراط التتابع في الصوم وظاهر المذهب اشتراطه كذلك قال إبراهيم النخعي والثوري وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أنه يجوز تفريقها وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه لأن الأمر بالصوم مطلق ولا يجوز تقييده إلا بدليل ولأنه صام الأيام الثلاثة فلم يجب التتابع فيه كصيام المتمع ثلاثة أيام في الحج ولنا إن في قراءة أبي وعبد الله بن مسعود فصيام ثلاثة أيام المائدة 89 متتابعات كذلك ذكره الإمام أحمد في التفسير عن جماعة وهذا إن كان قرآنا فهو حجة لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وإن لم يكن قرآنا فهو رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ يحتمل أن يكون سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرا فظناه قرآنا فثبتت له رتبة الخبر ولا ينقص عن درجة تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية وعلى كلا التقديرين فهو حجة يصار إليه ولأنه صيام في كفارة فوجب فيه التتابع ككفارة القتل والظهار والمطلق يحتمل على المقيد على ما قررناه فيما مضى فعلى هذا إن أفطرت المرأة لمرض أو حيض أو الرجل لمرض لم ينقطع التتابع وبهذا قال أبو ثور وإسحاق وقال أبو حنيفة ينقطع فيهما لأن التتابع لم يوجد وفوات الشرط يبطل به المشروط وقال الشافعي ينقطع في المضر في أحد القولين ولا ينقطع في الحيض ولنا إنه عذر يبيح الفطر أشبه الحيض في كفارة القتل مسألة قال ( ولو كان الحانث عبدا لم يكفر بغير الصوم ) لا خلاف في أن العبد يجزئه الصيام في الكفارة لأن ذلك فرض المعسر من الأحرار وهو أحسن حالا من العبد فإنه يملك في الجملة ولأن العبد داخل في قوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89 وإن أذن السيد لعبده في التكفير بالمال لم يلزمه لأنه ليس بمالك لما أذن له فيه وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزئه التكفير بغير الصيام وقد قال غيره من أصحابنا فيما إذا أذن له سيده في التكفير بالمال روايتان إحداهما يجوز تكفيره به والأخرى لا يجوز إلا بالصيام وقد ذكرنا علل ذلك في الظهار والاختلاف فيه

Section V10/P015–V10/P016

وذكر القاضي أن أصل هذا عنده الروايتان في ملك العبد بالتمليك إن قلنا يملك بالتمليك فملكه سيده وأذن له بالتكفير بالمال جاز لأنه مالك لما يكفر به وإن قلنا لا يملك بالتمليك ففرضه الصيام لأنه لا يملك شيئا يكفر به وكذلك إن قلنا يملك ولم يأذن له سيده بالتكفير في المال ففرضه الصيام وإن ملك لأنه محجور عليه ممنوع من التصرف فيما في يديه قال وأصحابنا يجعلون في العبد روايتين مطلقا سواء قلنا يملك أو لا يملك ثم على الرواية التي تجيز له التكفير بالمال له أن يطعم وهل له أن يعتق على روايتين إحداهما ليس له ذلك لأن العتق يقتضي الولاء والولاية والإرث وليس ذلك للعبد ولكن يكفر بالإطعام وهذا رواية عن مالك وبه قال الشافعي على القول الذي يجيز له التكفي بالمال والثانية له التكفير بالعتق لأن من صح تكفيره بالمال صح بالعتق كالحر ولأنه يملك العبد فصح تكفيره بإعتاقه كالحر وقولهم إن العتق يقتضي الولاء والولاية لا نسلم ذلك في العتق في الكفارة على ما أسلفناه وإن سلمنا فتخلف بعض الأحكام لا يمنع ثبوت المقتضي فإن الحكم يتخلف بتخلف سببه لا لتخلف أحكامه كما أنه يثبت لوجود سببه ولأن تخلف بعض الأحكام مع وجود المقتضي إنما يكون لمانع منعها ويجوز أن يختص المنع بها دون غيرها ولهذا السبب المقتضي لهذه الأحكام لا يمنع ثبوته تخلفها عنه في الرقيق على أن الولاء يثبت بإعتاق العبد لكن لا يرث به كما لو اختلف ديناهما وهذا اختيار أبي بكر وفرع عليه إذا أذن له سيده فأعتق نفسه ففيه قولان أحدهما يجزئه لأنه رقبة تجزىء عن غيره فأجزأت عن نفسه كغيره والآخر لا يجزئه لأن الاذن له في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره وهذا التعليل يدل على أن سيده لو أذن له في إعتاق نفسه عن كفارته جاز فأما إن أطلق الإذن في الإعتاق فليس له أن يعتق إلا أقل رقبة تجزيء عن الواجب وليس له إعتاق نفسه إذا كانت أفضل مما يجزىء وهذا من أبي بكر يقتضي أنه لا يعتبر في التكفير أن يملكه سيده ما يكفر به لأنه لا يملك نفسه بل متى أذن له في التكفير بالعتق أو الإطعام أجزأه لأنه لو اعتبر التمليك لما صح له أن يعتق نفسه لأنه لا يملكها ولأن التمليك لا يكون إلا في معين ولا يصح أن يأذن فيه مطلقا فصل وإذا أعتق العبد عبدا عن كفارته بإذن سيده وقلنا إن الإعتاق في الكفارة يثبت به الولاء لمعتقه ثبت ولاؤه للعبد الذي أعتقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم زإنما الولاء للمعتق ولا يرث لأنه ليس من أهل الميراث ولا يمتنع ثبوت الولاء مع انتفاء الإرث كما لو اختلف دينهما أو قتل المعتق عتيقه فإنه لا يريثه مع ثبوت الولاء له عليه فإن عتق المعتق له ورث بالولاء لزوال المانع كما إذا كانا مختلفي الدين فأسلم الكافر منهما ذكر هذا طلحة العاقولي ومقتضى هذا أن سيد العبد لا يرث عتيقه في حياة عبده كما لا يرث ولد عبده فإن أعتق عبده ثم مات ورث السيد مولى عبده لأنه مولى مولاه كما أنه لو أعتق العبد وله ولد عليه لمولى أمه يجر ولاءه ويرثه سيده إذا مات أبوه فصل وليس للسيد منع عبده من التكفير بالصيام سواء كان الحلف أو الحنث بإذنه أو بغير إذنه وسواء أضر به الصيام أو لم يضر به وقال الشافعي إن حنث بغير إذنه والصوم يضر به فله منعه لأن السيد لم يأذن له فيم ألزمه نفسه مما يتعلق به ضرر على السيد فكان له منعه وتحليله كما لو أحرم بالحج بغير إذنه

Questions