Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Section V10/P042–V10/P044

وقال أصحاب الشافعي إن حلف على الجنس كالناس والماء والخبز والتمر ونحوه حنث بفعل البعض وإن تناولت يمينه الجميع كالمسلمين والمشركين والمساكين لم يحنث بفعل البعض وإن تناولت اسم جنس يضاف كماء النهر وماء دجلة ففيه وجهان ولنا إنه حلف على ما لا يمكنه فعل جميعه فتناولت يمينه بعضه منفردا اسم الجنس وإن حلف لا شربت في الفرات فشرب من مائه حنث سواء كرع فيه أو اغترف منه ثم شرب وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يحنث حتى يكرع فيه لأن حقيقة ذلك الكرع فلم يحنث بغيره كما لو حلف لا شربت من هذا الإناء فصب منه في غيره وشرب ولنا إن معنى يمينه أن لا يشرب من ماء الفرات لأن الشرب يكون من مائها ومنها في العرف حملت اليمين عليه كما لو حلف لا شربت من هذه البئر ولا أكلت من هذه الشجرة ولا شربت من هذه الشاة ويفارق الكوز فإن الشرب في العرف منه لأنه آلة للشرب بخلاف النهر وما ذكروه يبطل بالبئر والشاة والشجرة وقد سلموا أنه لو استقى من البئر أو احتلب لبن الشاة أو التقط من الشجرة وشرب وأكل حنث فكذا في مسألتنا فصل وإن حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ منه حنث لأنه من ماء الفرات ولو حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ منه ففيه وجهان أحدهما يحنث لأن معنى الشرب منه الشرب من مائه فحنث كما لو حلف لا شربت من مائه وهذا أحد الإحتمالين لأصحاب الشافعين والثاني لا يحنث وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف فإن عنه رواية أنه يحنث وإنما قلنا إنه لا يحنث لأن ما أخذه النهر يضاف إلى ذلك النهر لا إلى الفرات ويزول بإضافته إليه عن إضافته إلى الفرات فلا يحنث به كغير الفرات مسألة قال ( ولو قال والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك فهرب منه لم يحنث ولو قال لا افترقنا فهرب منه حنث ) أما إذا حلف لا فارقتك ففيه مسائل عشرة أحدها أن لا يفارقه الحالف مختارا فيحنث بلا خلاف سواء أبرأه من الحق أو فارقه والحق عليه لأنه فارقه قبل استيفاء حقه منه الثانية فارقه مكرها فينظر فإن حمل مكرها حتى فرق بينهما لم يحنث وإن أكره بالضرب والتهديد لم يحنث وفي قول أبي بكر يحنث وفي الناسي تفصيل ما ذكرناه فيما مضى الثالثة هرب منه الغريم اختياره فلا يحنث وبهذا قالمالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وروي عن أحمد أنه لا يحنث لأن معنى يمينه ألا تحصل بينهما فرقة وقد حصلت ولنا إنه حلف على فعل نفسه في الفرقة وما فعل ولا فعل باختياره فلم يحنث كما لو حلف لا قمت فقام غيره الرابعة أذن له الحالف في الفرقة ففارقه فمفهوم كلام الخرقي أنه يحنث وقال الشافعي لا يحنث قال القاضي وهو قول الخرقي لأنه لم يفعل الفرقة التي حلف أنه لا يفعلها ولنا إن معنى يمينه لألزمنك فإذا فارقه بإذنه فما فلزمه ويفارق ما إذا هرب منه لأنه فر بغير اختياره وليس هذا قول الخرقي ولأن الخرقي قال فهرب منه فمفهومه أنه إذا فارقه بغير هرب أنه يحنث الخامسة فارقه من غير إذن ولا هرب على وجه يمكنه ملازمته والمشي معه وإمساكه فلم يفعل فالحكم فيها كالتي قبلها السادسة قضاه قدر حقه ففارقه ظنا منه أنه وفاه فخرج رديئا أو بعضه فيخرج في الحنث روايتان بناء على الناسي وللشافعي قولان كالروايتان أحدهما يحنث وهو قول مالك لأنه فارقه قبل استيفاء حقه مختارا والثاني لا يحنث وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي إذا وجدها زيوفا وإن وجد أكثرها نحاسا فإنه يحنث وإن وجدها مستحقة فأخذها صاحبها خرج أيضا على الروايتين في الناس لأنه ظان أنه مستوف حقه فأشبه ما لو وجدها رديئة وقال أبو ثور وأصحاب الرأي لا يحنث وإن علم بالحال ففارقه حنث لأنه لم يوفه حقه

Section V10/P044–V10/P045

السابعة فلسه الحاكم ففارقه نظرت فإن ألزمه الحاكم فهو كالمكره وإن لم يلزمه مفارقته لكنه فارقه لعلمه بوجوب مفارقته حنث لأنه فارقه من غير إكراه فحنث كما لو حلف لا يصلي فوجبت عليه صلاة فصلاها الثامنة أحاله الغريم بحقه ففارقه فإنه يحنث وبهذا قالالشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة ومحمد لا يحنث لأنه قد بريء إليه منه ولنا إنه ما استوفى حقه منه بدليل أنه لم يصل إليه شيء ولذلك يملك المطالبة به فحنث كما لو لم يحله فإن ظن أنه قد بر بذلك ففارقه فقال أبو الخطاب يخرج على الروايتين والصحيح أنه يحنث لأن هذا جهل بحكم الشرع فيه فلا يسقط عند الحنث كما لو جهل كون هذه اليمين موجبة للكفارة فأما إن كانت يمينه لا فارقتك ولي قبلك حق فأحاله به ففارقه لم يحنث لأنه لم يبق له قبله حق وإن أخذ به ضمينا أو كفيلا أو رهنا ففارقه حنث بلا إشكال لأنه يملك مطالبة الغريم التاسعة قضاه عن حقه عوضا عنه ثم فارقه فقال ابن حامد لا يحنث وهو قول أبي حنيفة لأنه قد قضاه حقه وبريء إليه منه بالقضاء وقال القاضي يحنث لأن يمينه على نفس الحق وهذا بدله وإن كانت يمينه لا فارقتك حتى تبرأ من حقي أو لي قبلك حق لم يحنث وجها واحدا لأنه لم يبق له قبله حق وهذا مذهب الشافعي والأول أصح لأنه قد استوفى حقه العاشرة وكل وكيلا يستوفي له حقه فإن فارقه قبل استيفاء الوكيل حنث لأنه فارقه قبل استيفاء حقه وإن استوفى الوكيل ثم فارقه لم يحنث لأن استيفاء وكيله استيفاء له يبرأ به غريمه ويصير في ضمان الموكل فصل فأما إن قال لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك نظرت فإن فارقه المحلوف عليه مختارا حنث وإن أكره على فراقه لم يحنث وإن فارقه الحالف مختارا حنث إلا على ما ذكره القاضي في تأويل كلام الخرقي وهو مذهب الشافعي وسائر الفروع تأتي ها هنا على نحو ما ذكرناه فصل وإن كانت بيمينه لا افترقنا فهرب منه المحلوف عليه حنث لأن يمينه تقتضي ألا تحصل بينهما فرقة بوجه وقد حصلت الفرقة بهربه وإن أكرها على الفرقة لم يحنث إلا على قول من لم ير الإكراه عذرا فصل فإن حلف لا فارقتك حتى أوفيك حقك فأبرأه الغريم منه فهل يحنث على وجهين بناء على المكره وإن كان الحق عينا فهو هبا له الغريم فقبلها حنث لأنه ترك إيفاؤها له باختياره وإن قبضها منه ثم وهبها إياها لم يحنث وإن كانت يمينه لا فارقتك ولك قبلي حق لم يحنث إذا أبرأه أو وهب العين له فصل والفرقة في هذا كله ما عده الناس فراقا في العادة وقد ذكرنا الفرقة في البيع وما نواه بيمينه مما يحتمله لفظه فهو على ما نواه والله أعلم مسألة قال ( ولو حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه فذلك على كل مرة إلا أن يكون نوى مرة ) وجملته أن من قال لزوجته إن خرجت إلا بإذني أو بغير إذني فأنت طالق أو قال إن خرجت إلا أن آذن لك أو حتى آذن لك أو إلى أن آذن لك فالحكم في هذه الألفاظ الخمسة أنها متى خرجت بغير إذنه طلقت وانحلت يمينه لأن حرف أن لا يقتضي تكرارا فإذا حنث مرة انحلت كما لو قال أنت طالق إن شئت وإن خرجت بإذنه لم يحنث لأن الشرط ما وجد وليس في هذا الاختلاف ولا تنحل اليمين فمتى خرجت بعد هذا بغير إذنه طلقت وقالالشافعي تنحل فلا يحنث بخروجها بعد ذلك لأن اليمين تعلقت بخروج واحد بحرف لا يقتضي التكرار وإذا وجد بغير إذن حنث وإن وجد بإذن بر لأن البر يتعلق بما يتعلق به الحنث

Section V10/P045–V10/P046

وقال أبو حنيفة في قوله إن خرجت إلا بإذني أو بغير إذني كقولنا لأن الخروج بإذنه في هذين الموضعين مستثنى من يمينه فلم يدخل فيها ولم يتعلق به بر ولا حنث وإن قال إن خرجت إلا أن آذن لك أو حتى آذن لك أو إلى أن آذن لك متى أذن لها انحلت يمينه ولم يحنث بعد ذلك بخروجها بغير إذنه لأنه جعل الإذن فيها غاية ليمينه وجعل الطلاق معلقا على الخروج قبل إذنه فمتى أذن انتهت غاية يمينه وزال حكمها كما لو قال إن خرجت إلى أن تطلع الشمس أو إلا أن تطلع الشمس أو حتى تطلع الشمس فأنت طالق فخرجت بعد طلوعها ولأن حرف إلى وحتى للغاية لا للاستثناء ولنا أنه علق الطلاق على شرط وقدوجد فيقع الطلاق كما لو لم تخرج بإذنه وقولهم قد بر غير صحيح لوجهين أحدهما أن المأذون فيه مستثنى من يمينه غير داخل فيها فكيف يبر ألا ترى أنه لو قال لها إن كلمت رجلا إلا أخاك أو غير أخيك فأنت طالق فكلمت أخاها ثم كلمت رجلا آخر فإنها تطلق ولا تنحل يمينه بتكليمها أخاها والثاني أن المحلوف عليه خروج موصوف بصفة ولا تنحل اليمين بوجود ما لم توجد فيه الصفة ولا يحنث به فلا يتعلق بما عداه بر ولا حنث كما لو قال إن خرجت عريانة فأنت طالق أو إن خرجت راكبة فأنت طالق فخرجت مستترة ماشية لم يتعلق به بر ولا حنث ولأنه لو قال لها إن كلمت رجلا فاسقا أو من غير محارمك فأنت طالق لم يتعلق بتكليمها لغير من هو موصوف بتلك الصفة بر ولا حنث فكذلك في الأفعال وقولهم تعلقت اليمين بخروج واحد قلنا إلا أنه خروج موصوف بصفة فلا تنحل اليمين بوجود غيره ولا يحنث به وأما قول أصحاب أبي حنيفة أن الألفاظ الثلاثة ليست من ألفاظ الاستثناء قلنا قوله إلا أن آذن لك من ألفاظ الاستثناء واللفظتان الأخريان في معناه في إخراج المأذون من يمينه فكان حكمهما كحكمه هذا الكلام فيما إذا ألطق فإن نوى تعليق الطلاق على خروج واحد تعلقت يمينه به وقبل قوله في الحكم لأنه فسر لفظه بما يحتمله احتمالا غير بعيد وإن أذن لها مرة واحدة ونوى الإذن في كل مرة فهو على ما نوى وقد نقل عبد الله بن أحمد عن أبيه إذا حلف أن لا تخرج امرأته إلا بإذنه إذا أذن لها مرة فهو إذن لكل مرة وتكون يمينه على ما نوى وإن قال كلما خرجت فهو بإذني أجزأه مرة واحدة وإن نوى بقوله إلى أن آذن لك أو حتى آذن لك الغاية وأن الخروج المحلوف عليه ما قبل الغاية دون ما بعدها قبل قوله وانحلت يمينه بالإذن لنيته فإن مبنى الأيمان على النية فصل وإن قال إن خرجت بغير إذني فأنت طالق فأذن لها ثم نهاها فخرجت طلقت لأنها خرجت بغير إذنه وكذلك إن قال إلا بإذني وقال بعض أصحاب الشافعي لا يحنث لأنه قد أذن ولا يصح لأن نهيه قد أبطل إذنه فصارت خارجة بغير إذنه وكذلك لو أذن لوكيله في بيع ثم نهاه عنه فباعه كان باطلا وإن قال إن خرجت بغير إذني لغير عيادة المريض فأنت طالق فخرجت لعيادة مريض ثم تشاغلت بغيره أو قال إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق فخرجت إلى الحمام ثم عدلت إلى غيره ففيه وجهان أحدهما لا يحنث لأنها ما خرجت لغير عيادة مريض ولا إلى غير الحمام وهذا مذهب الشافعي

Section V10/P046–V10/P047

الثاني يحنث لأن قصده في الغالب ألا تذهب إلى غير الحمام وعيادة المريض وقد ذهبت إلى غيرهما ولأن حكم الاستدامة حكم الابتداء ولهذا لو حلف ألا يدخل دارا هو داخلها فأقام فيها حنث في أحد الوجهين وإن قصدت بخروجها الحمام وغيره أو العياد وغيرها حنث لأنها خرجت لغيرهما وإن قال إن خرجت لا لعيادة مريض فأنت طالق فخرجت لعيادة مريض وغيره لم يحنث لأن الخروج لعيادة المريض وإن قصدت معه غيره وإن قال إن خرجت بغير إذني فأنت طالق ثم أذن لها ولم تعلم فخرجت ففيه وجهان أحدهما تطلق وبه قال أبو حنيفة ومالك ومحمد بن الحسن والثاني لا يحنث وهو قول الشافعي وأبو يوسف لأنها خرجت بعد وجود الإذن من جهته فلم يحنث كما لو علمت به ولأنه لو عزل وكيله انعزل وإن لم يعلم بالعزل فكذلك تصير مأذونا لها وإن لم تعلم ووجه الأول أن الإذن إعلام وكذلك قيل في قوله تعالى آذنتكم على سواء الأنبياء 109 أي أعلمتكم فاستويا في العلم وأذان من الله ورسوله التوبة 3 أي إعلام فأذنوا بحرب من الله ورسوله البقرة 279 فاعلموا به واشتقاقه من الإذن يعني أوقعته في إذنك وأعلمتك به ومع عدم العلم لا يكون إعلاما فلات يكون إذنا ولأن إذن الشارع في أوامره ونواهيه لا يثبت إلا بعد العلم بها كذلك إذن الآدمي وعلى هذا يمنع وجود الإذن من جهته فصل فإن حلف عليها أن لا تخرج من هذه الدار إلا بإذنه فصعدت سطحها أو خرجت إلى صحنها لم يحنث لأنها لم تخرج من الدار وإن حلف لا تخرج من البيت فخرجت إلى الصحن أو إلى سطحه حنث وهذا مقتضى مذهب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولو حلف على زوجته لا تخرج ثم حملها فأخرجها فإن أمكنها الامتناع فلم تمتنع حنث وقال الشافعي لا يحنث لأنها لم تخرج إنما أخرجت ولنا إنها خرجت مختارة فحنث كما لو أمرت من حملها والدليل على خروجها أن الخروج الانفصال من داخل إلى خارج وقد وجد ذلك وما ذكره يبطل بما إذا أمرت من حملها فأما إن لم يمكنها الامتناع فيحتمل أن لا يحنث وهو قول أصحاب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأن الخروج لا ينسب إليها فأشبه ما لو حملها غير الحالف ويحتمل أن يحنث لأنه مختار لفعل ما حلف على تركه وإن حلف لا تخرجي إلا بإذن زيد فمات زيد ولم يأذن فخرجت حنث الحالف لأنه علقه على شرط ولم يوجد ولا يجوز فعل المشروط مسألة قال ( ولو حلف ألا يأكل هذا الرطب فأكله تمرا حنث وكذلك كل ما تولد من ذلك الرطب ) وجملة ذلك أنه إذا حلف على شيء عينه بالإشارة مثل أن حلف لا يأكل هذا الرطب لم يخل من حالين أحدهما أن يأكله رطبا فيحنث بلا خلاف بين الجميع لكونه فعل ما حلف على تركه صريحا الثاني أن تتغير صفته وذلك يقسم خمسة أقسام أحدها أن تستحيل أجزاؤه ويتغير اسمه مثل أن يحلف لا أكلت هذه البيضة فصارت فرخا أو لا أكلت هذه الحنطة فصارت زرعا فأكله فهذا لا يحنث لأنه زال واستحالت أجزاؤه وعلى قياسه إذا حلف لا شربت هذا الخمر فصارت خلا فشربه

Section V10/P047–V10/P048

القسم الثاني تغيرت صفته وزال اسمه مع بقاء أجزائه مثل أن يحلف لا آكل هذا الرطب فصار تمرا ولا أكلم هذا الصبي فصار شيخا ولا آكل هذا الحمل فصار كبشا أو لا آكل هذا الرطب فصار دبسا أو خلا أو ناطفا أو غيره من الحلواء ولا يأكل هذه الحنطة فصارت دقيقا أو سويقا أو خبزا أو هريسة أو لا أكلت هذا العجين أو هذا الدقيق فصار خبزا ولا أكلت هذا اللبن فصار سمنا أو جبنا أو كشكا أو لا دخلت هذه الدار فصارت مسجدا أو حماما أو فضاء ثم دخلها أو أكله حنث في جميع ذلك وبه قال أبو حنيفة فيما إذا حلف لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا ولا أكلت هذا الحمل فصار كبشا ولا دخلت هذه الدار فدخلها بعد تغيرها وقال أبو يوسف في الحنطة إذا صارت دقيقا وللشافعي في الرطب إذا صار تمرا والصبي إذا صار شيخا والحمل إذا صار كبشا وجهان وقالوا في سائر الصور لا يحنث لأن اسم المحلوف عليه وصورته زالت فلم يحنث كما لو حلف لا يأكل هذه البيضة فصارت فرخا ولنا إن عين المحلوف عليه باقية فحنث بها كما لو حلف لا أكلت هذا الحمل فأكل لحمه أو لا لبست هذا الغزل فصار ثوبا فلبسه أو لا لبست هذا الرداء فلبسه بعد أن صار قيمصا أو سراويل وفارق البيضة إذا صارت فرخا لأن أجزاءها استحالت فصارت عينا أخرى ولم تبق عينها ولأنه اعتبار بالاسم مع التعيين كما لو حلف لا كلمت زيدا هذا فغير اسمه أو لا كلمت صاحب هذا الطيلسان فكلمه بعد بيعه ولأنه متى اجتمع التعيين مع غيره مما يعرف به كان الحكم للتعيين كما لو اجتمع مع الإضافة القسم الثالث تبدلت الإضافة مثل أن حلف لا كلمت زوجة زيد هذه ولا عبده هذا ولا دخلت داره هذه فطلقالزوجة وباع العبد والدار فكلمهما ودخل الدار حنث وبه قال مالك والشافعي ومحمد وزفر وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يحنث إلا في الزوجة لأن الدار لا توالي ولا تعادي وإنما الامتناع لأجل مالكها فتعلقت اليمين بها مع بقاء ملكه عليها وكذلك العبد في الغالب ولنا إنه إذا اجتمع في اليمين التعيين والإضافة كان الحكم للتعيين كما لو قال والله لا كلمت زوجة فلان ولا صديقه وما ذكروه لا يصح في العبد لأنه يوالي ويعادي ويلزمه في الدار إذا أطلق ولم يذكر مالكها فإنه يحنث بدخولها بعد بيع مالكها إياها القسم الرابع إذا تغيرت صفته بما يزيل اسمه ثم عادت كمقص انكسر ثم أعيد وقلم انكسر ثم بري وسفينة تفصمت ثم أعيدت ودار هدمت ثم بنيت وأسطوانة نقضت ثم أعيدت فإنه يحنث لأن أجزاءها واسمها موجود فأشبه ما لو لم تتغير القسم الخامس إذا تغيرت صفته بما لم يزل اسمه كلحم شوي أو طبخ وعبد بيع ورجل مرض فإنه يحنث به بلا خلاف نعلمه لأن الاسم الذي علق عليه اليمين لم يزل ولا زال التغير فحنث به كما لو لم يتغير حاله فصل وإن قال والله لا كلمت سعدا زوج هند أو سيد صبيح أو صديق عمرو أو مالك هذه الدار أو صاحب هذا الطيلسان أو لا كلمت هند امرأة سعد أو صبيحا عبده أو عمرا صديقه فطلق الزوجة وباع العبد والدار والطيلسان وعادى عمرا وكلمهم حنث لأنه متى اجتمع الاسم والإضافة غلب الاسم بجريانه مجرى التعيين لتعريف المحل فصل ومتى نوى بيمينه في هذه الأشياء ما دام على تلك الصفة أو الإضافة أو لم يتغير فيمينه على ما نواهه لقوله عليه السلام وإنما لامرىء ما نوى والله أعلم مسألة قال ( ولو حلف ألا يأكل تمرا فأكل رطبا لم يحنث )

Section V10/P048–V10/P050

وجملة ذلك أنه إذا لم يعين المحلوف عليه ولم ينو بيمينه ما يخاف ظاهر اللفظ ولا صرفه السبب عنه تعلقت يمينه بما تناوله الاسم الذي علقه عليه يمينه ولم يتجاوزه فإذا حلف ألا يأكل تمرا لم يحنث إذا أكل رطبا ولا بسرا ولا بلحا وإذا حلف لا يأكل رطبا لم يحنث إذا أكل تمرا ولا بسرا ولا بلحا ولا سائر ما لا يسمى رطبا وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا فصل ولو حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو دبسا أو خلا أو ناطفا أو لا يكلم شابا فكلم شيخا أو لا يشتري جديا فاشترى تيسا أو لا يضرب عبدا فضرب عتيقا لم يحنث بغير خلاف لأن اليمين تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة فجرى مجرى قوله لا أكلت هذه التمرة فأكل غيرها فصل فإن حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفا وهو الذي بعضه بسر وبعضه تمرا ومذنبا وهو الذي بدأ فيه الأرطاب من ذنبه وباقيه بسرا أو حلف لا يأكل بسرا فأكل ذلك حنث وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد الشافعي وقالأبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي لا يحنث لأنه لا يسمى رطبا ولا تمرا ولنا إنه أكل رطبا وبسرا فحنث كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة منفردتين وما ذكروه لاة يصح فإن القدر الذي أرطب رطب والباقي بسر ولو أنه حلف لا يأكل الرطب فأكل القدر الذي أرطب من النصف حنث ولو حلف لا يأكل البسر فأكل البسر الذي في النصف حنث وإن أكل البسر من يمينه على الرطب وأكل الرطب من يمينه على البسر لم يحنث واحد منهما وإن حلف واحد ليأكلن رطبا وآخر ليأكلن بسرا فأكل الحالف على أكل الرطب ما في المنصف من الرطبة وأكل الآخر باقيها برا جميعها وإن حلف ليأكلن رطبة أو بسرة أو لا يأكل ذلك فأكل منصفا لم يبر ولم يحنث لأنه ليس فيه رطبة ولا بسرة فصل وإن حلف لا يأكل لبنا فأكل من لبن الأنعام أو الصيد أو لبن آدمية حنث لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفا وسواء كان حليبا أو رائبا أو مائعا أو مجمدا لأن الجميع لبن ولا يحنث بأكل الجبن والسمن والمصل والأقط والكشك ونحوه فإن أكل زبدا لم يحنث نص عليه وقال القاضي يحتمل أن يقال في الزبد إن ظهر فيه لبن حنث بأكله وإلا فلا كما قلنا فيمن حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن وهذا مذهب الشافعي وإن حلف لا يأكل زبدا فأكل سمنا أو لبنا لم يظهر فيه الزبد لم يحنث وإن كان الزبد ظاهرا فيه حنث وإن أكل جبنا لم يحنث وكذلك سائر ما يصنع من اللبن وإن حلف لا يأكل سمنا فأكل زبدا أو لبنا أو شيئا مما يصنع من اللبن سوى السمن لم يحنث وإن أكل السمن منفردا أو في عصيدة أو حلواء أو طبيخ فظهر فيه طعمه حنث ولذلك إذا حلف لا يأكل لبنا فأكل طبيخا فيه لبن أو لا يأكل خلافا فأكل طبيخا فيه خل يظهر طعمه فيه حنث وبهذا قال الشافعي وقال بعض أصحابه لا يحنث لأنه لم يفرده بالأكل ولا يصح لأنه أكل المحلوف عليه وأضاف إليه غيره فحنث كما لو أكله ثم أكل غيره فصل وإن حلف لا يأكل شعيرا فأكل حنطة فيها حبات شعير حنث لأنه أكل شعيرا فحنث كما لو حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفا ويحتمل أن لا يحنث لأنه يستهلك في الحنطة فأشبه السمن في الخبيص وإن نوى بيمينه ألا يأكل الشعير منفردا أو كان سبب يمينه يقتضي ذلك أو يقتضي أكل شعير يظهر أثر أكله لم يحنث إلا بذلك لما قدمنا

Section V10/P050–V10/P051

فصل فإن حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل كل ما يسمى فاكهة وهي كل ثمرة تخرج من الشجرة يتفكه بها من العنب والرطب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثري والخوخ والمشمش والأترج والتوت والنبق والموز والجوز والجميز وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو ثور لا يحنث بأكل ثمرة النخل والرمان لقول الله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان الرحمن 68 والمعطوف يغاير المعطوف عليه ولنا إنها ثمرة شجرة يتفكه بهما فكانا من الفاكهة كسائر ما ذكرنا ولأنهما في عرف الناس فاكهة ويسمى بائعهما فاكهانيا وموضع بيعهما دار الفاكهة والأصل في العرف الحقيقة والعطف لشرفهما وتخصيصهما كقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال البقرة 98 وهما من الملائكة فأما يابس هذه الفواكه كالزبيب والتمر والتين والمشمش اليابس والإجاص ونحوها فهو من الفاكهة لأنه ثمر شجرة يتفكه بها ويحتمل أنه ليس منها لأنه يدخر ومنه ما يقتات فأشبه الحبوب والزيتون وليس بفاكهة لأنه لا يتفكه بأكله وإنما المقصود زيته وما يؤكل منه يقصد به التأدم لا التفكه والبطم في معناه لأن المقصود زيته ويحتمل أنه فاكهة لأنه ثمر شجر يؤكل غضا ويابسا على جهته فأشبه التوت والبلوط ليس بفاكهة لأنه لا يتفكه به وإنما يؤكل عند المجاعة أو التداوي وكذلك سائر ثمر شجر البر الذي لا يستطاب كالزعرور الأحمر وثمر القيقب والعفص وجب الآس ونحوه وإن كان فيها ما يستطاب كحب الصنوبر فهو فاكهة لأنه ثمرة شجرة يتفكه به فصل فأما القثاء والخيار والقرع والباذنجان فهو من الخضر وليس بفاكهة وفي البطيخ وجهان أحدهما هو من الفاكهة ذكره القاضي وهو قول الشافعي وأبي ثور لأنه ينضج ويحلو أشبه ثمر الشجر والثاني ليس من الفاكهة لأنه ثمر بقلة أشبه الخيار والقثاء وأما ما يكون في الأرض كالجزر واللفت والفجل والقلقاس والسوطل ونحوه فليس شيء من ذلك فاكهة لأنه لا يسمى بها ولا هو في معناها فصل وإن حلف لا يأكل أدما حنث بأكل كل ما جرت العادة بأكل الخبز منه لأن هذا معنى التأدم وسواء في هذا ما يصطبغ كالطبيخ والمرق والخل والزيت والسمن والشيرج واللبن قال الله تعالى في الزيت وصبغ للآكلين المإمنون 20 وقال عليه السلام نعم الإدام الخل وقال ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة رواه ابن ماجة أو من الجامدات كالشواء والجبن والباقلاء والزيتون والبيض وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ما لا يصطبغ به فليس بأدم لأن كل واحد منهما يرفع إلى الفم منفردا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم سيد الإدام اللحم وقال سيد إدامكم الملح رواه ابن ماجة لأنه يؤكل به الخبز عادة فكان أدما كالذي يصطبغ به ولأن كثيرا مما ذكرنا لا يؤكل في العادة وحده إنما يعد للتأدم به وأكل الخبز به فكان أدما كالخل واللبن وقولهم إنه يرفع إلى الفم وحده مفردا عنه جوابان أحدهما أن منه ما يرفع مع الخبز كالملح ونحوه والثاني أنهما يجتمعان في الفم والمضغ والبلغ الذي هو حقيقة الأكل فلا يضر افتراقهما قبله فأما التمر ففيه وجهان أحدهما هو أدم لما روى يوسف عن عبد الله بن سلام قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع تمرة على كسرة وقال هذه إدام هذه رواه أبو داود وذكره الإمام أحمد والثاني ليس بأدم لأنه لا يؤتدم به عادة إنما يؤكل قوتا أو حلاوة وإن أكل الملح مع الخبز فهو إدام لما ذكرنا من الخبز ولأنه يؤكل به الخبز ولا يؤكل منفردا عادة أشبه الجبن والزيتون فصل فإن حلف لا يأكل طعاما فأكل ما يسمى طعاما من قوت وأدم وحلواء وتمر وجامد ومانع حنث قال الله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه آل عمران 93

Section V10/P051–V10/P052

وقال تعالى ويطعمون الطعام على حبه الإنسان 8 يعني على محبة الطعام لحاجتهم إليه وقيل على حب الله تعالى وقال الله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير الأنعام 145 وسمى النبي صلى الله عليه وسلم اللبن طعاما وقال إنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم وفي الماء وجهان أحدهما هو طعام لقول الله تعالى إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني البقرة 249 والطعام ما يطعم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى اللبن طعاما وهو مشروب فكذلك الماء والثاني ليس بطعام لأنه لا يسمى طعاما ولا يفهم من إطلاق اسم الطعام ولهذا يعطف عليه فيقال طعام وشراب وقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لا أعلم ما يجزىء من الطعام والشراب إلا اللبن ورواه ابن ماجة ويقال باب الأطعمة الأشربة ولأنه إن كان طعاما في الحقيقة فليس بطعام في العرف فلا يحنث بشربه لأنه مبنى الأيمان على العرف لكون الحالف في الغالب لا يريد بلفظه إلا ما يعرفه فإن أكل دواء ففيه وجهان أحدهما يحنث لأنه يطعم حال الإختيار وهذا مذهب الشافعي والثاني لا يحنث لأنه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام ولا يؤكل إلا عند الضرورة فإن أكل من نبات الأرض ما جرت العادة بأكله حنث وإن أكل ما لا يجزئه عادة كورق الشجر ونشارة الخشب احتمل وجهين أحدهما يحنث لأنه قد أكله فأشبه ما جرت العادة بأكله ولأنه روي عن عتبة بن غزوان أنه قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى قرحت أشداقنا الثاني لا يحنث لأنه لا يتناوله اسم الطعام في العرف فصل فإن حلف لا يأكل قوتا فأكل خبزا أو تمرا أو زبيبا أو لحما أو لبنا حنث لأن كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان ويحتمل أن لا يحنث إلا بأكل ما يقتاته أهل بلده لأن يمينه تنصرف إلى القوت المتعارف عندهم في بلدهم ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإن أكل سويقا أو استف دقيقا حنث لأنه لا يقتات كذلك ولهذا قال بعض اللصوص لا تخبزا خبزا وبسابسا ولا تطيلا بمقام حبسا وإن أكل حبا يقتات خبزه حنث لأنه يسمى قوتا ولذلك يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت عياله لسنة وإنما يدخر الحب ويحتمل أن لا يحنث لأنه لا يقتات كذلك وإن أكل عنبا أو حصرما أو خلا لم يحنث لأنه لم يصر قوتا فصل فإن حلف لا يملك مالا حنث بملك كل ما يسمى مالا سواء كان من الأثمان أو غيرها من العقار والأثاث والحيوان وبهذا قال الشافعي وعن أحمد أنه إذا نذر الصدقة بجميع ماله إنما يتناول نذره الصامت من ماله ذكرها ابن أبي موسى لأن إطلاق المال ينصرف إليه وقال أبو حنيفة لا يحنث إلا إن ملك مالا زكويا استحسانا لأن الله تعالى قال وفي أموالهم حق للسائل والمحروم الذاريات 19 فلم يتناول إلا الزكوية ولنا إن غير الزكوية أموال قال الله تعالى أن تبتغوا بأموالكم النساء 24 وهي مما يجوز ابتغاء النكاح بها وقالأبو طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم أحب أموالي إلي بيرحاء يعني حديقة وقال عمر أصبت مالا بأرض خيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه وقال أبو قتادة اشتريت مخرفا فكان أول مال ثأثلته وفي الحديث خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة ويقال خير المال عين خرارة في أرض خوارة ولأنه يسمى مالا فحنث به كالزكوي وأما قوله وفي أموالهم حق الذاريات 19

Section V10/P052–V10/P054

فالحق ها هنا غير الزكاة لأن هذه الآية مكية نزلت قبل فرض الزكاة فإن الزكاة إنما فرضت بالمدينة ثم لو كان الحق للزكاة فلا حجة فيها فإن الحق إذا كان في بعض المال فهو في المال كما أن من هو في بيت من دار أو في بلدة فهو في الدار والبلدة قال الله عز وجل وفي السماء رزقكم وما توعدون الذاريات 22 ولا يلزم أن يكون في كل أقطارها ثم لو اقتضى هذا العموم لوجب تخصيصه فإن ما دون النصاب مال ولات زكاة فيه فإن حلف لا مال له وله دين حنث ذكره أبو الخطاب وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأنه لا ينتفع به ولنا إنه ينعقد عليه حول الزكاة ويصح إخراجها عنه ويصح التصرف فيه بالإبراء والحوالة والمعاوضة عنه لمن هو في ذمته والتوكيل في استيفائه فيحنث به كالمودع وإن كان له مال مغصوب حنث لأنه باق على ملكه فإن كان له مال ضائع ففيه وجهان أحدهما يحنث لأن الأصل بقاؤه على ملكه والثاني لا يحنث لأنه لا يعلم بقاؤه وإن ضاع على وجه قد يئس من عوده كالذي يسقط في بحر لم يحنث لأن وجوده كعدمه ويحتمل أن لا يحنث في كل موضع لا يقدر على أخذ ماله كالمجحود والمغصوب والذي على غير مليء لأنه لا نفع فيه وحكمه حكم المعدوم في جواز الأخذ من الزكاة وانتفاء وجوب أدائها عليه عنه وإن تزوج لم يحنث لأن ما يملكه ليس بمال وإن وجب له حق شفعة لم يحنث لأنه لم يثبت له الملك به وإن استأجر عقارا أو غيره لم يحنث لأنه لم يسمى مالكا لمال مسألة قال ( ولو حلف لا يأكل لحما فأكل الشحم أو المخ أو الدماغ لم يحنث إلا أن يكون أراد اجتناب الدسم فيحنث بأكل الشحم ) وجملته أن الحالف على ترك أكل اللحم لا يحنث بأكل ما ليس بلحم من الشحم والمخ وهو الذي في العظام والدماغ وهو الذي في الرأس في قحفه ولا الكبد والطحال والرئة والقلب والكرش والمصران والقانصة ونحوها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يحنث بأكل هذا كله لأنه لحم حقيقة ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم فأشبه لحم الفخذ ولنا أنه لا يسمى لحما وينفرد عنه باسمه وصفته ولو أمر وكيله بشراء لحم فاشترى هذا لم يكن ممتثلا لأمره ولا ينفذ الشراء للموكل فلم يحنث بأكله كالبقل وقد دل على أن الكبد والطحال ليستا بلحم قول النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان أما الدمان فالكبد والطحال ولا نسلم أنه لحم حقيقة بل هو من الحيوان مع اللحم كالعظم والدم فأما إن قصد اجتناب الدسم حنث بأكل الشحم لأن له دسما وكذلك المخ وكل ما فيه دسم فصل ولا يحنث بأكل الألية وقال بعض أصحاب الشافعي يحنث لأنها نابتة في اللحم وتشبهه في الصلابة وليس بصحيح لأنها لا تسمى لحما ولا يقصد بها ما يقصد به ونخالفه في اللون والذوب والطعم فلم يحنث بأكلها كشحم البطن فأما الشحم الذي على الظهر والجنب وفي تضاعيف اللحم فلا يحنث بأكله في ظاهر كلام الخرقي فإنه قال اللحم لا يخلو من شحم يشير إلى ما يخالط اللحم مما تذيبه النار وهذا وهذا قول طلحة العاقولي وممن قال هذا شحم أبو يوسف ومحمد وقال القاضي هو لحم يحنث بأكله ولا يحنث فأكله من حلف لا يأكل شحما وهذا مذهب الشافعي لأنه لا يسمى شحما ولا بائعه شحاما ولا يفرد عن اللحم مع الشحم ويسمى بائعه لحاما ويسمى لحما سمينا ولو وكل في شراء لحم فاشتراه الوكيل لزمه ولو اشتراه الوكيل في شراء الشحم لم يلزمه ولنا قوله تعالى ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم الأنعام 146

Section V10/P054–V10/P055

ولأنه يشبه الشحم في صفته وذوبه ويسمى دهنا فكان شحما كالذي في البطن ولا نسلم أنه لا يسمى شحما ولا أنه يسمى بمفرده لحما وإنما يسمى اللحم الذي هو عليه لحما سمينا ولا يسمى بائعه شحاما لأنه لا يباع بمفرده وإنما يباع تبعا للحم وهو تابع له في الوجود والبيع فلذلك سمي بائعه لحاما ولم يسم شحاما لأنه سمي بما هو الأصل فيه دون التبع فصل وإن أكل المرق لم يحنث ذكره أبو الخطاب قال وقد روي عن أحمد أنه قال لا يعجبني الأكل من المرق وهذا على طريق الورع وقال ابن أبي موسى والقاضي يحنث لأن المرق لا يخلو من أجزاء اللحم الذائبة وقد قيل المرق أحد اللحمين ولنا إنه ليس بلحم حقيقة ولا يطلق عليه اسمه فلم يحنث به كالكبد ولا نسلم أن أجزاء اللحم فيه وإنما فيه ماء اللحم ودهنه وليس ذلك بلحم وأما المثل فإنما أراد به المجاز كما في نظائره من قولهم الدعاء أحد الصدقتين وقلة العيال أحد اليسارين وهذا دليل على أنها ليست بلحم لأنه جفلها غير اللحم الحقيقية فصل فإن أكل رأسا أو كارعا فقد روي عن أحمد ما يدل على أنه لا يحنث لأنه روي عنه ما يدل على أن من حلف لا يشتري لحما فاشترى رأسا أو كارعا لا يحنث إلا أن ينوي أن لا يشتري من الشاة شيئا قال القاضي لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول الرؤوس والكوارع ولو وكله في شراى لحم فاشترى رأسا أو كارعا لم يلزمه ويسمى بائع ذلك رآسا ولا يسمى لحاما وقالأبو الخطاب يحنث بأكل لحم الخد لأنه لحم حقيقة وحكي عن أبي موسى أنه لا يحنث إلا أن ينويه باليمين وإن أكل اللسان احتمل وجهين أحدهما يحنث لأنه لحم حقيقة والثاني لا يحنث لأنه ينفرد عن اللحم باسمه وصفته فأشبه القلب مسألة قال ( فإن حلف ألا يأكل الشحم فأكل اللحم حنث لأن اللحم لا يخلو من شحم ) ظاهر كلام الخرقي أن الشحم كل ما يذوب بالنار مما في الحيوان فظاهر الآية والعرف يشهد لقوله وهذا ظاهر قول أبي الخطاب وطلحة وقال به أبو يوسف ومحمد بن الحسن فعلى هذا لا يكاد لحم يخلو من شيء منه وإن قل فيحنث به وقال القاضي الشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى أو غيره وإن أكل من كل شيءمن الشاة من لحمها الأحمر والأبيض والألية والكبد والطحال والقلب فقال شيخنا لا يحنث يعني ابن جامد لأن اسم الشحم لا يقع عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي وقد سبق الكلام في أن شحم الظهر والجنب شحم فيحنث به وأما إن أكل لحما أحمر وحده لا يظهر فيه شيءمن الشحم فظاهر كلام الخرقي أنه يحنث لأنه لا يخلو من شحم وإن قل ويظهر في الطبخ فإنه يبين على وجه المرق وإن قيل وبهذا يفارق من حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن لاة يظهر الدهن فيه وقال غير الخرقي من أصحابنا لا يحنث وهو الصحيح لأنه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث بأكل اللحم الذي كان فيه فصل ويحنث بالأكل من الألية في ظاهر كلام الخرقي وموافقيه لأنها دهن يذوب بالنار ويباع مع الشحم ولا يباع مع اللحم وعلى قول القاضي وموافقيه ليست شحما ولا لحما فلات يحنث به الحالف على تركها مسألة قال ( وإذا حلف ألا يأكل لحما ولم يرد لحما بعينه فأكل من لحم الأنعام أو الطيور أو السمك حنث )

Section V10/P055–V10/P056

أما إذا أكل من لحم الأنعام أو الصيد أو الطائر فإنه يحنث في قول عامة علماء الأمصار وأما السمك فظاهر المذهب أنه يحنث بأكله وبهذا قال قتادة والثوري ومالك وأبو يوسف وقال ابن أبي موسى في الإرشاد لا يحنث به إلا أن ينويه وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأبي ثور لأنه لا يتصرف إليه إطلاق اسم اللحم ولو وكل وكيلا في شراى اللحم فاشترى له سمكا لم يلزمه ويصح أن ينفي عنه الاسم فيقول ما أكلت لحما وإنماأكلت سمكا فلم يتعلق به الحنث عند الإطلاق كما لو حلف لا قعدت تحت سقف فإنه لا يحنث بالقعود تحت السماء وقد سماها الله تعالى سقفا محفوظا لأنه مجاز كذا ها هنا ولنا قول الله تعالى وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا النحل 14 وقال ومن كل تأكلون لحما طريا فاطر ولأنه من جسم حيوان ويسمى لحما فحنث بأكله كلحم الطائر وما ذكروه يبطل بلحم الطائر وأما السماء فإن الحالف ألا يقعد تحت سقف لا يمكنه التحرز من القعود تحتها فيعلم أنه لم يردها بيمينه ولأن التسمية ثم مجاز وها هنا هي حقيقة لكونه من جسم حيوان يصلح للأكل فكان الاسم فيه حقيقة كلحم الطائر حيث قال الله تعالى ولحم طير مما يشتهون الواقعة 21 فصل ويحنث بأكل اللحم المحرم كلحم الميتة والخنزير والمغصوب وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد الوجهين لا يحنث بأكل المحرم بأصله لأن يمينه تنصرف إلى ما يحل لا إلى ما يحرم فلم يحنث بما لا يحل كما لو حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا لم يحنث ولنا إن هذا لحم حقيقة وعرفا فيحنث بأكله كالمغصوب وقد سماه الله تعالى لحما فقال ولحم الخنزير النحل 115 وما ذكروه يبطل بما إذا حلف لا يلبس ثوبا فلبس ثوب حرير وأما البيع الفاسد فلا يحنث به لأنه ليس ببيع في الحقيقة فصل والأسماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام أحدهما ما له مسمى واحد كالرجل والمرأة والإنسان والحيوان فهذا تنصرف اليمين إلى مسماه بغير خلاف الثاني موضوع شرعي وموضوع لغوي كالوضوء والطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والبيع ونحو ذلك فهذا تنصرف اليمين عند الإطلاق إلى موضوعه الشرعي دون اللغوي لا نعلم فيه أيضا خلافا غير ما ذكرناه فيما تقدم الثالث ما له موضوع حقيقي ومجاز لم يشتهر أكثر من الحقيقة كالأسد والبحر فيمين الحالف تنصرف عند الإطلاق إلى الحقيقة دون المجاز لأن كلام الشارع إذا ورد في مثل هذا حمل على حقيقته دون مجازه كذلك اليمين الرابع الأسماء العرفية وهي ما يشتهر مجازه حتى تصير الحقيقة مغمورة فيه فهذا على ضروب أحدها ما يغلب على الحقيقة بحيث لا يعلمها أكثر الناس كالراوية هي في العرف اسم المزادة وفي الحقيقة اسم لما يستقى عليه من الحيوانات والظعينة في العرف المرأة وفي الحقيقة الناقة التي يظعن عليها والعذرة والغائط في العرف الفضلة المستقذرة وفي الحقيقة العذرة فناء الدار ولذلك قال علي عليه السلام لقول ما لكم لا تنظفون عذراتكم يريد أفنيتكم والغائط المكان المطمئن فهذا وأشباهه تنصرف يمين الحالف إلى المجاز دون الحقيقة لأنه الذي يريده بيمينه ويفهم من كلامه فأشبه الحقيقة في غيره الضرب الثاني أن يخص عرف الاستعمال بعض الحقيقة بالاسم وهذا يتنوع أنواعا فمنه ما يشتهر التخصيص فيه كلفظ الدابة هو في الحقيقة اسم لكل ما يدب قال الله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود 6 وقال إن شر الدواب عند الله الذين كفروا الأنفال

Section V10/P056–V10/P058

وفي العرف اسم للبغال والخيل والحمير ولذلك لو وصى إنسان لرجل بدابة من دوابه كان له أحد هذه الثلاث فالظاهر أن يمين الحالف تنصرف إلى العرف دون الحقيقة عند الإطلاق كالذي قبله ويحتمل أن تتناول يمينه الحقيقة بناء على قولهم فيما سنذكره وعلى ذول من قال في الحالف على ترك أكل اللحم إن يمينه تتناول السمك ومن هذا النوع إذا حلف لا يشم الريحان فإنه في العرف اسم مختص بالريحان الفارسي وهو في الحقيقة اسم لكل نبت أو زهر طيب الريح مثل الورد والبنفسج والنرجس وقال القاضي لا يحنث إلا بشم الريحان الفارسي وهو مذهب الشافعي لأن الحالف لا يريد بيمينه في الظاهر سواه وقال أبو الخطاب يحنث بشم ما يسمى في الحقيقة ريحانا لأن الاسم يتناوله حقيقة ولا يحنث بشم الفاكهة وجها واحدا لأنها لا تسمى ريحانا حقيقة ولا عرفا ومن هذا لو حلف لا يشم وردا ولا بنفسجا فسم دهن البنفسج وماء الورد فقال القاضي لا يحنث وهو مذهب الشافعي لأنه لم يشم وردا ولا بنفسخا وقال أبو الخطاب يحنث لأن الشم إنما هو للرائحة دون الذات ورائحة الورد والبنفسج موجودة فيهما وقال أبو حنيفة يحنث بشم دهن البنفسج لأنه يسمى بنفسجا ولا يحنث بشم ماء الورد لأنه لا يسمى وردا والأول أقرب إلى الصحة إن شاء الله وإن شم الورد والبنفسج اليابس حنث وقال بعض أصحاب الشافعي لا يحنث كما لو حلف لا يأكل رطبا فأكل تمرا ولنا أن حقيقته باقية فحنث به كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل قديدا وفارق ما ذكروه فإن التمر ليس رطبا وإن حلف لا يأكل شواء حنث بأكل اللحم المشوي دون غيره من البيض المشوي وما عداه وبه قال أصحاب الرأي وقال أبو يوسف وابن المنذر يحنث بأكل كل ما يشوى لأنه شواء ولنا إن هذا لا يسمى شواء فلم يحنث بأكله كالمطبوخ وقولهم هو شواء في الحقيقة قلنا لكنه لا يسمى شواء في العرف والظاهر أنه إنما يريد المسمى شواء في عرفهم وإن حلف لا يدخل بيتا فدخل مسجدا أو حماما فإنه يحنث نص عليهأحمد ويحتمل أن لا يحنث وهو قول أكثر الفقهاء لأنه لا يسمى بيتا في العرف فأشبه ما قبله من الأنواع والأول المذهب لأنهما بيتان حقيقة وقد سمى الله المساجد بيوتا فقال في بيوت أذن الله أن ترفع النور 36 وقال إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا آل عمران 96 وروي في حديث المسجد بيت كل تقي وروي في خبر بئس البيت الحمام وإذا كان بيتا في الحقيقة ويسميه الشارع بيتا حنث بدخوله كبيت الإنسان ولا يسلم أنه من الأنواع فإن هذا يسمى بيتا في العرف بخلاف الذي قبله وإن دخل بيتا من شعر أو غيره حنث سواء كان الحالف حضريا أو بدويا فإن اسم البيت يقع عليه حقيقة وعرفا قال الله تعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم النحل 80 فأما ما لا يسمى في العرف بيتا كالخيمة فالأولى أن لا يحنث بدخوله من لا يسميه بيتا لأن يمينه لا تنصرف إليه فإن دخل دهليز دار أو صفتها لم يحنث وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة يحنث لأن جميع الدار بيت ولنا إنه لا يسمى بيتا ولهذا يقال ما دخلت البيت إنما وقفت في الصحن وإن حلف لا يركب فركب سفينة فقال أبو الخطاب يحنث لأنه ركوب قال الله تعالى اركبوا فيها بسم الله مجراها هود 41 وقال فإذا ركبوا في الفلك العنكبوت الضرب الثالث أن يكون الاسم المحلوف عليه عاما لكن أضاف إليه فعلا لم تجر العادة به إلا في بعضه أو اشتهر في البعض دون البعض مثل أن يحلف أن لا يأكل رأسا فإنه يحنث بأكل رأس كل حيوان من النعم والصيود والطيور والحيتان والجراد ذكره القاضي

Section V10/P058–V10/P059

وقال أبو الخطاب لا يحنث إلا بأكل رأس جرت العادة ببيعه للأكل منفردا وقال الشافعي لا يحنث إلا بأكل رؤوس بهيمة الأنعام دون غيرها إلا أن يكون في بلد تكثر فيه الصيود وتميز رؤوسها فيحنث بأكلها وقال أبو حنيفة لا يحنث بأكل رؤوس الإبل لأن العادة لم تجر ببيعها مفردة وقال صاحباه لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم لأنها التي تباع في الأسواق دون غيرها فيمينه تنصرف إليها ووجه الأول أن هذه رؤوس حقيقة وعرفا مأكولة فحنث بأكلها كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل من لحم النعام والزرافة وما يندر وجوده وبيعه ومن ذلك إذا حلف لا يأكل بيضا حنث بأكل بيض كل حيوان سواء كثر وجوده كبيض الدجاج أو قل وجوده كبيض النعام وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا يحنث بأكل بيض النعام وقال أبو ثور لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج وما يباع في السوق ولنا إن هذا كله بيض حقيقة وعرفا وهو مأكول فيحنث بأكله كبيض الدجاج ولأنه لو حلف لا يشرب ماء فشرب ماء البحر أو ماء نجسا أو لا يأكل حبزا فأكل خبز الأرز أو الذرة في مكان لا يعتاد أكله فيه حنث فأما إن أكل السمك أو الجراد فقال القاضي يحنث لأنه بيض حيوان أشبه ببيض النعام وقالأبو الخطاب لا يحنث إلا بأكل بيض يزايل بائضه في الحياة وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وأكثر العلماء وهو الصحيح لأن هذا يفهم من إطلاق اسم البيض ولا يذكر إلا مضافا إلى بائضه ولا يحنث بأكل شيء يسمى بيضا غير بيض الحيوان ولا بأكل شيء يسمى رأسا غير رؤوس الحيوان لأن ذلك ليس برأس ولا بيض في الحقيقة والله أعلم مسألة قال ( وإن حلف ألا يأكل سويقا فشربه أو لا يشربه فأكله حنث إلا أن تكون له نية ) وجملته أن من حلف لا يأكل شيئا فشربه أو لا يشربه فأكله فقد نقل عن أحمد ما يدل على روايتين إحداهما يحنث لأن اليمين على ترك أكل شيء أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشيء فحملت اليمين عليه إلا أن ينوي ألا ترى أن قوله تعالى ولا تأكلوا أموالهم النساء 2 و إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء 10 لم يرد به الأكل على الخصوص ولو قال طبيب لمريض لا تأكل العسل لكان ناهيا له عن شربه والثانية لا يحنث وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأن الأفعال أنواع كالأعيان ولو حلف على نوع من الأعيان فلم يحنث بغيره وكذلك الأفعال وقال القاضي إنما الروايتان فيمن عين المحلوف عليه مثل من حلف لا أكلت هذا السويق فشربه أو لا يشربه فأكله أما إذا أطلق فقال لا أكلت سويقا فشربه لم يحنث رواية واحدة لا يحتلف المذهب فيه وهذا مخالف لإطلاق الخرقي وليس للتعيين أثر الحنث وعدمه فإن الحنث في المعين إنما هو لتناوله ما حلف عليه وإجراء معنى الأكل والشرب على التناول العام فيهما وهذا لا فرق فيه بين التعيين وعدمه وعدم الحنث يتعلل بأنه لم يفعل الفعل الذي حلف على تركه وإنما فعل غيره وهذا في المعين كهو في المطلق فإذا كان في المعين روايتان كانتا في المطلق لعدم الفارق بينهما ولأن الرواية في الحنث أخذت من كلام الخرقي وليس فيه تعيين ورواية عدم الحنث أخذت من رواية مهنا عن أحمد فيمن حلف لا يشرب هذا النبيذ فأكله لا يحنث لأنه لا يسمى شربا وهذا في المعين فإن عديت كل رواية إلى محل الأخرى وجب أن يكون في الجميع روايتان وإن قصرت كل رواية على محلها كان الأمر على خلاف ما قال القاضي وهو أن يحنث في المطلق ولا يحنث في المعين فأما إن حلف ليأكلن شيئا فشربه أو ليشربنه فأكله فيخرج فيه وجهان بناء على الروايتين في الحنث إذا حلف على الترك ومتى تقيدت يمينه بنية أو سبب يدل عليها كانت يمينه على ما نواه أو دل عليه السبب لأن مبنى الأيمان على النية

Section V10/P059–V10/P060

فصل وإن حلف لا يشرب شيئا فمصه ورمى به فقد روي عن أحمد فيمن حلف لا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وقال ابن أبي موسى إذا حلف لا يأكل ولا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وهذا قول أصحاب الرأي فإنهم قالوا إذا حلف لا يشرب فمص حب رمان ورمى بالتفل لا يحنث لأن ذلك ليس بأكل ولا شرب ويجيء على قول الخرقي أنه يحنث لأنه قد تناوله ووصل إلى بطنه وحلقه فإنه يحنث على ما قلنا فيمن حلف لا يأكل شيئا فشربه أو لا يشربه فأكله وإن حلف لا يأكل سكرا فتركه في فيه حتى ذاب فابتلعه خرج على الروايتين وإن حلف لا يطعم شيئا حنث بالأكل والشرب والمص لأن ذلك كله طعم قال الله تعالى في النهر ومن لم يطعمه البقرة 249 وإن حلف لا يأكله أو لا يشربه فذاقه لم يحنث في قولهم جميعا لأنه ليس بأكل ولا شرب ولذلك لم يفطر به الصائم وإن حلف لا يذوقه فأكله أو شربه أو مصه حنث لأنه ذوق وزيادة وإن مضغه ورمى به حنث لأنه قد ذاقه فصل وإن حلف ليأكلن أكلة بالفتح لم يبر حتى يأكل ما يعده الناس أكلة وهي المرة من الأكلة بالضم اللقمة ومنه فليناوله في يده أكلة أو أكلتين مسألة قال ( ومن حلف بالطلاق ألا يأكل تمرة فوقع في تمرة فأكل منه واحدة منع من وطء زوجته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها ولا يتحقق حنثه حتى يأكل التمر كله ) وجملته أن حالف هذه اليمين لا يخلو من أحوال ثلاثة أحدها أن يتحقق أكل التمرة المحلوف عليها فإما أن يعرفها بعينها أو بصفتها أو يأكل التمر كله أو الجانب الذي وقعت فيه كله فهذا يحنث بلا خلاف بين أهل العلم وبه يقول الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لأنه أكل التمرة المحلوف عليها الثاني أن يتحقق أنه لم يأكلها إما بأن لا يأكل من التمر شيئا أو أكل شيئا يعلم أنه غيرها فلا يحنث أيضا بلا خلاف ولا يلزمه اجتناب زوجته الثالث أكل من التمر شيئا إما واحدة أو أكثر إلى أن لا يبقى منه إلا واحدة ولم يدر هل أكلها أم لا فهذه مسألة الخرقي فلا يتحقق حنثه لأن الباقية يحتمل أنها المحلوف عليها ويقين النكاح ثابت فلا يزول بالشك وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي فعلى هذا يكون حكم الزوجية باقيا في لزوم نفقتها وكسوتها ومسكنها وسائر أحكامها إلا الوطء فإن الخرقي قال يمنع وطأها لأنها شاك في حلها فحرمت عليه كما لو اشتبهت عليه امرأته بأجنبية وذكر أبو الخطاب أنها باقية على الحل وهو مذهب الشافعي لأن الأصل الحل فلا يزول بالشك كسائر أحكام النكاح ولأن النكاح باق حكما فأثبت الحل كما لو شك هل طلق أم لا وإن كانت يمينه ليأكلن هذه التمرة فلا يتحقق بره حتى يتحقق أنه أكلها مسألة قال ( ولو حلف أن يضربه عشرة أسواط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه ) وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي وقال ابن حامد يبر لأن أحمد قال في المريض عليه الحد يضرب بعثكال النخل فيسقط عنه الحد وبهذا قال الشافعي إذا علم أنها مسته كلها وإن علم أنها لم تمسه كلها لم يبر وإن شك لا يحنث في الحكم لأن الله تعالى قال وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ص 44 وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المريض الذي زنى خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة ولأنه ضربه بعشرة أسواط فبر في يمينه كما لو فرق الضرب ولنا إن معنى يمينه أن يضربه عشر ضربات ولم يضربه إلا ضربة واحدة فلم يبر كما لو حلف ليضربنه عشرمرات بسوط والدليل على هذا أنه لو ضربه عشر ضربات بسوط واحد يبر في ييمينه بغير خلاف

Section V10/P060–V10/P061

ولو عاد العدد إلى السوط لم يبر بالضرب بسوط واحد كما لو حلف ليضربنه بعشرة أسواط ولأن السوط ها هنا آلة أقيمت مقام المصدر فانتصب انتصابه فمعنى كلامه لأضربنه عشر ضربات بسوط وهذا هو المفهوم من يمينه والذي يقتضيه لغة فلا يبر بما يخالف ذلك وأما أيوب عليه السلام فإن الله تعالى أرخص له رفقا بامرأته لبرها به وإحسانها إليه ليجمع له بين بره في يمينه ورفقه بامرأته ولذلك امتن عليه بهذا وذكره في جملة ما من عليه به من معافاته إياه من بلائه وإخراج الماء له فيختص هذا به كاختصاصه بما ذكر معه ولو كان هذا الحكم عاما لكل واحد لما اختص أيوب بالمنة عليه وكذلك المريض الذي يخاف تلفه أرخص له بذلك في الحد دون غيره وإذا لم يتعده هذا الحكم في الحد الذي ورد النص به فيه فلئلا يتعداه إلى اليمين أولى ولو خص بالبر من له عذر يبيح العدول في الحد إلى الضرب بالعثكال لكان له وجه وأما تعديته إلى غيره فبعيدة جدا ولو حلف أن يضربه بعشرة أسواط فجمعها فضربه بها بر لأنه قد فعل ما حلف عليه وإن حلف ليضربنه عشر مرات لم يبر بضربه بعشرة أسواط دفعة واحدة بغير خلاف لأنه لم يفعل ما تناولته يمينه وإن حلف ليضربنه عشر ضربات فكذلك إلا وجها لأصحاب الشافعي أنه يبر وليس بصحيح لأن هذه ضربة واحدة بأسواط ولهذا يصح أن يقال ما ضربته إلا ضربة واحدة ولو حلف لا يضربه أكثر من ضربة واحدة ففعل هذا لم يحنث في يمينه فصل ولا يبر حتى يضربه ضربا مؤلما وبهذا قال مالك وقال الشافعي يبر بما لا يؤلم لأنه يتناوله الاسم فوقع البر به كالمؤلم ولنا إن هذا يقصد به في العرف التأليم فلا يبر بغيره وكذلك كل موضع وجب الضرب في الشرع في حد أو تعزير كان من شرطه التأليم كذا ها هنا مسألة قال ( ولو حلف ألا يكلمه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا حنث إلا أن يكون أراد أن لا يشافهه ) أكثر أصحابنا على هذا وهو مذهب مالك والشافعي وقد روى الأثرم وغيره عن أحمد في رجل حلف ألا يكلم رجلا فكتب إليه كتابا قال وأي شيء كان سبب ذلك إنما ينظر إلى سبب يمينه ولو حلف أن الكتاب قد يجري مجرى الكلام والكتاب قد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات وهذا يدل على أنه لا يحنث بالكتاب إلا أن تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي هجرانه وترك صلته وإن لم يكن كذلك لم يحنث بكتاب ولا رسول لأن ذلك ليس بتكلم في الحقيقة وهذا يصح نفيه فيقال ما كلمته وإنما كاتبته أو راسلته ولذلك قال الله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله البقرة 253 وقال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وقال وكلم الله موسى تكليما النساء ولو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه وقد قال أحمد حين مات بشر الحافي لقد كان فيه أنس وما كلمته قط وقد كانت بينهما مراسلة وممن قال لا يحنث بهذا الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر والشافعي في الجديد واحتج أصحابنا بقوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي الشورى 51 فاستثنى الرسول من التكلم والأصل أن يكون المستثنى جنس المستثنى منه ولأنه وضع لإفهام الآدميين أشبه الخطاب والصحيح أن هذا ليس بتكلم وهذا الاستثناء من غير الجنس كما قال في الآية الأخرى آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا آل عمران 41

Section V10/P061–V10/P063

والرمز ليس بتكلم لكن إن نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه يقتضي هجرانه حنث لذلك ولذلك قال أحمد إن الكتاب يجري مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام فلم يجعله كلاما إنما قال هو بمنزلته في بعض الحالات إذا كان السبب يقتضي ذلك وإذا أطلق احتمل أن لا يحنث لأنه لم يكلمه واحتمل أن يحنث لأن الغالب من الحالف هذه اليمين قصد ترك المواصلة فتعلق يمينه بما يراد في الغالب كقولنا في المسألة قبلها والله أعلم فصل وإن أشار إليه ففيه وجهان قال القاضي يحنث لأنه في معنى المكاتبة والمراسلة في الإفهام والثاني لا يحنث ذكره أبو الخطاب لأنه ليس بكلام قال الله تعالى لمريم عليها السلام فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا مريم 25 إلى قوله فأشارت إليه مريم 28 وقال في زكريا آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا إلى قوله فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا مريم 10 11 ولأن الكلام حروف وأصوات ولا يوجد في الإشارة ولأن الكلام شيء مسموع وتبطل به الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس والإشارة بخلاف هذا فإن قيل فقد قال الله تعالى آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا آل عمران 41 قلنا هذا استثناء من غير الجنس بدليل ما ذكرنا وصحة نفيه عنه فيقال ما كلمه وإنما أشار إليه فصل فإن كلم غير المحلوف عليه بقصد إسماع المحلوف عليه فقال أحمد يحنث لأنه قد أراد تكليمه وقد روينا عن أبي بكرة نفيع بن الحارث أنه كان قد حلف أن لا يكلم أخاه زيادا فلما أراد زياد الحج جاء أبو بكرة إلى قصر زياد فدخل فأخذ بنيا لزياد صغيرا في حجره ثم قال يا ابن أخي إن أباك يريد الحج ولعله يمر بالمدينة فيدخل على أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا النسب الذي ادعاه وهو يعلم أنه ليس بصحيح وأن هذا لا يحل له ثم قام فخرج وهذا يدل على أنه لم يعتقد ذلك تكليما له ووجه الأول أنه أسمعه كلامه قاصدا لإسماعه وإفهامه فأشبه ما لو خاطبه وقال الشاعر إياك أعني فاسمعي يا جارة فصل فإن ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته حنث نص عليه أحمد فإنه سئل عن رجل حلف أن لا يكلم فلانا فناداه والمحلوف عليه لا يسمع قال يحنث لأنه قد أراد تكليمه وهذا لكون ذلك يسمى تكليما يقال كلمته فلم يسمع وإن كان ميتا أو غائبا أو مغمى عليه أو أصم لا يعلم بتكليمه إياه لم يحنث وبهذا قال الشافعي وحكي عن أبي بكر أنه يحنث بنداء الميت لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلمهم وناداهم وقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولنا قوله تعالى وما أنت بمسمع من في القبور فاطر 22 ولأنه قد بطلت حواسه وذهبت نفسه فكان أبعد من السماع من الغائب البعيد لبقاء الحواس في حقه وإنما كان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم كرامة له وأمرا اختص به فلا يقاس عليه غيره فصل وإن سلم على المحلوف عليه حنث لأن السلام كلام تبطل الصلاة به وإن سلم على جماعة هو فيهم أو كلهم فإن قصد المحلوف عليه مع الجماعة حنث لأنه كلمه وإن قصدهم دونه لم يحنث قال القاضي لا يحنث رواية واحدة وهو مذهب الشافعي لأن اللفظ العام يحتمل التخصيص فإذا نواه به فهو على ما نواه وإن أطلق حنث وبه قال الحسن وأبو عبيد ومالك وأبو حنيفة لأنه مكلم لجميعهم لأن مقتضى اللفظ العموم فيحمل على مقتضاه عند الإطلاق وقال القاضي فيه روايتان وللشافعي قولان أحدهما لا يحنث لأن العام يصلح للخصوص

Section V10/P063–V10/P064

فلا يحنث بالاحتمال والأول أولى لأن هذا الاحتمال مرجوح فيتعين العمل بالراجح كما احتمل اللفظ المجاز الذي ليس بمشتهر فإنه لا يمنع حمله على الحقيقة عند إطلاقه فإن لم يعلم أن المحلوف عليه فيهم ففيه روايتان إحداهما لا يحنث لأنه لم يرده فأشبه ما لو استثناه والثانية يحنث لأنه قد أرادهم بسلامه وهو منهم وهذا بمنزلة الناسي وإن كان وحده فسلم عليه ولا يعرفه فقال أحمد يحنث ويحتمل أن لا يحنث بناء على الناسي والجاهل فصل فإن حلف لا يكلمه ثم وصل يمينه بكلامه مثل أن قال فتحقق ذلك أو فاذهب فقال أصحابنا يحنث وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحنث بالقليل لأن هذا تمام الكلام الأول والذي يقتضيه يمينه أن لا يكلمه كلاما مستأنفا واحتج أصحابنا بأن هذا القليل كلام منه له حقيقة وقد وجد بعد يمينه فيحنث به كما لو فصله ولأن ما يحنث به إذا فصله يحنث به إذا وصله كالكثير وقولهم إن اليمين يقتضي خطابا مستأنفا قلنا وهذا الخطاب مستأنف غير الأول بدليل أنه لو قطعه حنث به وقياس المذهب أنه لا يحنث لأن قرينة صلته هذا الكلام بيمينه تدل على إرادة كلام يستأنفه بعد انقضاء هذا الكلام المتصل فلا يحنث به كما لو وجدت النية بحقيقة وإن نوى كلاما غير هذا لم يحنث بهذا المذهبين فصل وإن صلى بالمحلوف عليه إماما ثم سلم من الصلاة لم يحنث نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقال أصحاب الشافعي يحنث لأنه شرع له أن ينوي السلام على الحاضرين ولنا إنه قول مشروع في الصلاة فلم يحنث به كتكبيرها وليست نية الحاضرين بسلامه واجبة في السلام وإن ارتج عليه في الصلاة ففتح عليه الحالف لم يحنث لأن ذلك كلام الله وليس بكلام الآدميين فصل وإن حلف لا يتكلم فقرأ لم يحنث وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن قرأ في الصلاة لم يحنث وإن قرأ خارجا منها حنث لأنه يتكلم بكلام الله وإن ذكر الله تعالى لم يحنث ومقتضى مذهب أبي حنيفة أنه يحنث لأنه كلام قال الله تعالى وألزمهم كلمة التقوى الفتح 26 وقال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الكلام أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم ولنا إن الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحدث من أمره ما يشاء وأنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة لم يتناول المختلف فيه وقال زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين البقرة 238 فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وقال الله تعالى آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار آل عمران 41 فأمره بالتسبيح مع قطع الكلام عنه ولأن ما لا يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارجا منها كالإشارة وما ذكروه يبطل بالقراءة والتسبيح في الصلاة وذكر الله المشروع فيها وإن استأذن عليه إنسان فقال ادخلوها بسلام آمنين الححر 46 يقصد القرآن لم يحنث وإلا حنث فصل وإن حلف لا يتكلم ثلاث ليال أو ثلاثة أيام لم يكن له أن يتكلم في الأيام التي بين الليالي ولا في الليالي التي بين الأيام إلا أن ينوي لأن الله تعالى قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا آل عمران 41 وفي موضع آخر ثلاث ليال سويا مريم 10 فكان كل واحد من اللفظين عبارة عن الزمانين جميعا وقال الله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر الأعراف 142 فدخل فيه الليل والنهار

Section V10/P064–V10/P066

فصل ومن حلف أن لا يتكفل بمال فكفل ببدن إنسان فقال أصحابنا يحنث لأن المال يلزمه بكفالته إذا تعذر تسليم المكفول به والقياس أنه لا يحنث لأنه لم يكفل بمال وإنما يلزمه المال بتعذر إحضار المكفول به وأما قبل ذلك فلا يلزمه ولأن هذا لا يسمى كفالة بالمال ولا يصح نفيها عنه فيقال ما تكفل بمال وإنما تكفل بالبدن وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي فصل وإن حلف لا يستخدم عبدا فخدمه وهو ساكت لم يأمره ولم ينهه فقال القاضي إن كان عبده حنث وإن كان عبد غيره لم يحنث وهذا قول أبي حنيفة لأن عبده يخدمه عبادة بحكم استحقاقه ذلك عليه فيكون معنى يمينه لا منعتك خدمتي فإذا لم ينهه لم يمنعه فيحنث وعبد غيره بخلافه وقال أبو الخطاب يحنث في الحالين لأن إقراره على الخدمة استخدام ولهذا يقال فلان يستخدم عبده إذا خدمه وإن لم يأمره ولأن ما حنث به في عبده حنث به في غيره كسائر الأشياء وقال الشافعي لا يحنث في الحالين لأنه حلف على فعل نفسه ولا يحنث بفعل غيره كسائر الأفعال فصل وإذا حلف رجل بالله لا يفعل شيئا فقال له آخر يميني في يمينك لم يلزمه شيء لأن يمين الأول ليست ظرفا ليمين الثاني وإن نوى أنه يلزمني من اليمين ما يلزمك لم يلزمه حكمها قاله القاضي وهو مذهب الشافعي لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية لأن تعلق الكفارة بها لحرمة اللفظ باسم الله المحترم أو صفة من صفاته ولا يوجد ذلك في الكناية وإن حلف بطلاق فقال آخر يمين في يمينك ينوي أنه يلزمني من اليمين ما يلزمك انعقدت يمينه نص عليه أحمد وسئل عن رجل حلف بالطلاق لا يكلم رجلا فقال رجل وأنا على مثل يمينك فقال عليه مثل ما قال الذي حلف لأن الكناية تدخل في الطلاق وكذلك يمين العتاق والظهار وإن لم ينو شيئا لم تنعقد يمينه لأن الكناية لا تعمل بغير نية وليس هذا بصريح وإن كان المقول له لم يحلف بعد وإنما أراد أنه يلزمه ما يلزم الآخر من يمين يحلف بها فحلف المقول له لم تنعقد يمين القائل وإن كان في الطلاق والعتاق لأنه لا بد أنه يكون هناك ما يكنى عنه وليس ها هنا ما يكنى عنه وذكر القاضي في موضع آخر فيمن قال أيمان البيعة تلزمني أنه إن عرفها ونوى جميع ما فيها انعقدت يمينه بجميع ما فيها وهذا خلاف ما قاله في هذه المسألة فيكون فيها وجهان فصل فإن قال أيمان البيعة تلزمني فقال أبو عبد الله بن بطة كنت عند أبي القاسم الخرقي وقد سأله رجل عن أيمان البيعة فقال لست أفتي فيها بشيء ولا رأيت أحدا من شيوخنا يفتي في هذه اليمين قال وكان أبي رحمة الله يعني أبا علي يهاب الكلام فيها ثم قال أبو القاسم إلا أن يلتزم الحالف بها جميع ما فيها من الأيمان فقال له السائل عرفها أو لم يعرفها فقال نعم وأيمان البيعة هي التي رتبها الحجاج يستحلف بها عند البيعة والأمر المهم للسلطان وكانت البيعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين بالمصافحة فلما ولي الحجاج رتبها أيمانا تشتمل على اليمين بالله والطلاق والعتاق وصدقة المال فمن لم يعرفها لم تنعقد يمينه بشيء مما فيها لأن هذا ليس بصريح في القسم والكناية لا تصح إلا بالنية ومن لم يعرف شيئا لم يصح أن ينويه وإن عرفها ولم ينو عقد اليمين بما فيها لم يصح أيضا لما ذكرناه ومن عرفها ونوى اليمين بما فيها صح في الطلاق والعتاق لأن اليمين بها تنعقد بالكناية وما عدا ذلك من اليمين بالله وما عدا الطلاق والعتاق فقال القاضي ها هنا تنعقد يمينه أيضا لأنها يمين فتنعقد بالكناية المنوية كيمين الطلاق والعتاق وقال في موضع آخر لا تنعقد اليمين بالله بالكناية وهو مذهب الشافعي لأن الكفارة وجبت فيها لما ذكر فيها من اسم الله العظيم المحترم ولا يوجد ذلك في الكناية والله أعلم كتاب النذور

Section V10/P066–V10/P067

الأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى يوفون بالنذر الدهر 7 وقال وليوفوا نذورهم الحج وأما السنة فروت عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن رواهما البخاري وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به فصل ولا يستحب لأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وأنه قال لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل متفق عليه وهذا نهي كراهة لا نهي تحريم لأنه لو كان حراما لما مدح الموفين به لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه ولأن النذر لو كان مستحبا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأفاضل أصحابه مسألة قال ( ومن نذر أن يطيع الله عز وجل لزمه الوفاء به ومن نذر أن يعصيه لم يعصه وكفر كفارة يمين ) ونذر الطاعة الصلاة والصيام والحج والعمرة والعتق والصدقة والاعتكاف والجهاد وما في هذه المعاني سواء نذره مطلقا بأن يقول لله علي أن أفعل كذا وكذا أو علقه بصفة مثل قوله إن شفاني من الله من علتي أو شفى فلانا أو سلم مالي الغائب أو ما كان في هذا المعنى فأدرك ما أمل بلوغه من ذلك فعليه الوفاء به ونذر المعصية أن يقول لله علي أن أشرب الخمر أو أقتل النفس المحرمة وما أشبه فلا يفعل ذلك ويكفر كفارة يمين وإذا قال لله علي أن أركب دابتي أو أسكن داري أو ألبس أحسن ثيابي وما أشبهه لم يكن هذا نذر طاعة ولا معصية فإن لم يفعله كفر كفارة يمين لأن النذر كاليمين وإذا نذر أن يطلق زوجته استحب له أن لا يطلقها ويكفر كفارة يمين وجملته أن النذر سبعة أقسام أحدها نذر اللجاج والغضب وهو الذي يخرجه مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه غير قاصد به للنذر ولا القربة فهذا حكمه حكم اليمين وقد ذكرناه في باب الأيمان القسم الثاني نذر طاعة وتبرر مثل الذي ذكر الخرقي فهذا يلزم الوفاء به للآيتين والخبرين وهو ثلاثة أنواع أحدها التزام طاعة في مقابلة نعمة استجلبها أو نقمة استدفعها كقوله إن شفاني الله فلله علي صوم شهر فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع كالصوم والصلاة والصدقة والحج فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم النوع الثاني التزام طاعة من غير شرط كقوله ابتداء لله علي صوم شهر فيلزمه الوفاء به وفي قول أكثر أهل العلم وهو قول أهل العراق وظاهر مذهب الشافعي وقال بعض أصحابه لا يلزم الوفاء به لأنأبا عمر غلام ثعلب قال النذر عند العرب وعد بشرط ولأن ما التزمه الآدمي بعوض يلزمه بالعقد كالمبيع والمستأجر وما التزمه بغير عوض لا يلزمه بمجرد العقد كالهبة النوع الثالث نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب كالإعتكاف وعيادة المريض فيلزم الوفاء به لأن النذر فرع من المشروع فلا يجب به ما لا يجب له نظر بأصل الشرع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه وذمه الذين ينذرون ولا يوفون وقول الله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون التوبة 75 76 77

Section V10/P067–V10/P068

وقد صح أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك ولأنه ألزم نفسه قربة على وجه التبرر فتلزمه كموضع الإجماع وكما لو ألزم نفسه أضحية أو أوجب هديا هديا وكالإعتكاف وكالعمرة فإنهم قد سلموها وليست واجبة عندهم وما ذكروه يبطل بهذين الأصلين وما حكوه عن أبي عمر لا يصح فإن العرب تسمي الملتزم نذرا وإن لم يكن بشرط قال جميل فليت رجالا فيك قد نذروا دمي وهموا بقتلي يا بثين لقوني والجعالة وعد بشرط وليست بنذر القسم الثالث النذر المبهم وهو أن يقول لله علي نذر فهذا تجب به الكفارة في قول أكثر أهل العلم وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعائشة وبه قال الحسن وعطاء وطاوس والقاسم وسالم والشعبي والنخعي وعكرمة وسعيد بن جبير ومالك والثوري ومحمد بن الحسن ولا أعلم فيه مخالفا إلا الشافعي قال لا ينعقد نذره ولا كفارة فيه لأن من النذر ما لا كفارة فيه ولنا ما روى عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفارة النذر إذا لم يسمه كفارة اليمين رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب ولأنه نص وهذا قول من سمينا من الصحابة والتابعين ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفا فيكون إجماعا القسم الرابع نذر المعصية فلا يحل الوفاء به إجماعا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولأن معصية الله لا تحل في حال ويجب على الناذر كفارة يمين روي نحو هذا عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا كفارة عليه فإنه قال فيمن نذر ليهدمن دار غيره لبنة لبنة لا كفارة عليه وهذا في معناه وروي هذا عن مسروق والشعبي وهو مذهب مالك والشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد رواه مسلم وقال ليس على الرجل نذر فيما لا يملك متفق عليه وقال لا نذر إلا ما ابتغي به وجه الله رواه أبو داود وقال من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولم يأمر بكفارة ولما نذرت المرأة التي كانت مع الكفار فنجت على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنحرها قالت يا رسول الله إني نذرت إن أنجاني الله عليها أن أنحرها قال بئس ما جزيتها لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد رواه مسلم ولم يأمرها بكفارة وقال لأبي إسرائيل حين نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم مروه فليتكلم وليجلس وليستظل وليتم صومه رواه البخاري ولم يأمره بكفارة لأن النذر التزام الطاعة وهذا التزام معصية ولأنه نذر غير منعقد فلم يوجب شيئا كاليمين غير المنعقدة ووجه الأول ما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وقال الترمذي هو حديث غريب وعن أبي هريرة وعمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله روى الجوزجاني بإسناده عن عمران بن حصين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين وهذا نص ولأن النذر يمين بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال النذر حلفة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فلم تطقه تكفر يمينها صحيح أخرجه أبو داود وفي رواية ولتصم ثلاثة أيام قال أحمد إليه أذهب

Questions