Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Section V10/P219–V10/P220

وإن اختلفا في صفة المشهود به اختلافا يوجب تغيرهما مثل أن يشهد أحدهما بثوب والآخر بدينار فلا خلاف في أن الشهادة لا تكمل لأنه لا يمكن إيجابهما جميعا لأنه يكون إيجابا بالحق عليه بشهادة واحد ولا إيجاب أحدهما بعينه لأن الآخر لم يشهد به وليس أحدهما أولى من الآخر فأما إن شهد بكل فعل شاهدان واختلفا في الزمان أو المكان أو الصفة ثبتا جميعا لأن كل واحد منهما قد شهدت به بينة عادلة لو انفردت أثبتت الحق وشهادة الأخرى لا تعارضها لإمكان الجمع بينهما إلا أن يكون الفعل مما لا يمكن تكرره كقتل رجل بعينه فتتعارض البينتان لعلمنا أن إحداهما كاذبة ولا نعلم أيتها هي بخلاف ما يتكرر ويمكن صدق البينتين فيه فإنهما جميعا يثبتان إن ادعاهما وإن لم يدع إلا إحداهما ثبت له ما ادعاه دون ما لم يدعه وإن شهد اثنان أنه سرق مع الزوال كيسا أسود وشهد آخران أنه سرق مع الزوال كيسا أبيض أو شهد اثنان أنه سرق هذا الكيس غدوة وشهد آخران أنه سرقه عشيا فقال القاضي يتعارضان وهو مذهب الشافعي كما لو كان المشهود به قتلا والصحيح أن هذا لا تعارض فيه لا يمكن صدق البينتين بأن يسرق عند الزوال كيسين أبيض وأسود فتشهد كل بينة بأحدهما ويمكن أن يسرق كيسا غدوة ثم يعود إلى صاحبه أو غيره فيسرقه عشيا ومع إمكان الجمع لا تعارض فعلى هذا إن ادعاهما المشهود له ثبتا له في الصورة الأولى وأما في الصورة الثانية فيثبت له الكيس المشهود به حسب فإن المشهود به وإن كانا فعلين لكنهما في محل واحد فلا يجب أكثر من ضمانه وإن لم يدع المشهود له إلا أحد الكيسين ثبت له ولم يثبت له الآخر لعدم دعواه إياه وإن شهد له شاهد بسرقة كيس في يوم وشهد آخر بسرقة كيس في يوم آخر أو شهد أحدهما في مكان وشهد آخر بسرقة في مكان آخر أو شهد أحدهما بغصب كيس أبيض وشهد آخر بغصب كيس أسود فادعاهما المشهود له فله أن يحلف مع كل واحد منهما ويحكم له به لأنه مال قد شهد له به شاهد وإن لم يدع إلا أحدهما ثبت له ما ادعاه ولم يثبت له الآخر لعدم دعواه إياه فصل فأما الشهادة على الإقرار مثل أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي يوم الخميس بدمشق أنه قتله أو قذفه أو غصبه كذا أو أن له في ذمته كذا ويشهد آخر أنه أقر عندي بهذا يوم السبت بحمص كملت شهادتهما وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال زفر لا تكمل شهادتهما لأن كل إقرار لم يشهد به إلا واحد فلم تكمل الشهادة فأشبه الشهادة على الفعل ولنا إن المقر به واحد وقد شهد اثنان بالإقرار به فكملت شهادتهما كما لو كان الإقرار بهما واحدا وفارق الشهادة على الفعل فإن الشهادة فيها على فعلين مختلفين فنظيره من الإقرار أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله في يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر أنه قتله يوم الجمعة فإن شهادتهما لا تقبل ها هنا

Section V10/P220–V10/P221

ويحقق ما ذكرناه أنه لا يمكن جمع الشهود لسماع الشهادة في حق كل واحد والعادة جارية بطلب الشهود في أماكنهم لا في جمعهم إلى المشهود له فيمضي إليهم في أوقات متفرقة وأماكن مختلفة فيشهدهم على إقراره وإن كان الإقرار على فعلين مختلفين مثل أن يقول أحدهما أشهد أنه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وقال الآخر أشهد أنه أقر عندي أنه قتله يوم الجمعة أو قال أحدهما أشهد أنه أقر عندي أنه قذفه بالعربية وقال الآخر أشهد أنه أقر عندي أنه قذفه بالعجمية لم تكمل الشهادة لأن الذي شهد به أحدهما غير الذي شهد به صاحبه فلم تكمل الشهادة كما لو شهد أحدهما أنه أقر أنه غصبه دنانير وشهد الآخر أنه أقر أنه غصبه دراهم لم تكمل الشهادة وعلى قولأبي بكر تكمل الشهادة في القتل والقذف لأن القذف بالعربية أو العجمية والقتل بالبصرة أو الكوفة ليس من المقتضى فلا يعتبر في الشهادة ولم يؤثر والأول أصح فصل فإن شهد أحدهما أنه باع أمس وشهد الآخر أنه باع اليوم أو شهد أحدهما أنه طلقها أمس وشهد الآخر أنه طلقها اليوم فقال أصحابنا تكمل الشهادة وقالالشافعي لا تكمل لأن كل واحد من البيع والطلاق لم يشهد به إلا واحد أشبه ما لو شهد بالغصب في وقتين ووجه قول أصحابنا أن المشهود به شيء واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى ويكون واحدا فاختلافهما في الوقت ليس باختلاف فيه فلم يؤثر كما لو شهد أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية فصل وكذلك الحكم في كل شهادة على قول فالحكم فيه كالحكم في البيع إلا النكاح فإنه كالفعل الواحد فإذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس وشهد الآخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل الشهادة في قولهم جميعا لأن النكاح أمس غير النكاح اليوم فلم يشهد بكل واحد من العقدين إلا شاهد واحد فلم يثبت كما لو كانت الشهادة على فعل وكذلك القذف فإنه لا تكمل الشهادة إلا أن يشهدا على قذف واحد فصل فإن شهد أحدهما أنه غصب هذا العبد وشهد الآخر أنه أقر بغصبه منه كملت الشهادة وحكم بها لأنه يجوز أن يكون الغصب الذي أقر به هو الذي شهد الشاهد به فلم يختلف الفعل وكملت الشهادة كما لو شهدا في وقتين على إقراره بالغصب وقال القاضي لا تكمل الشهادة ولا يحكم بها وهو قول الشافعي لأنه يجوز أن يكون ما أقر به غير ما شهد به الشاهد وهذا يبطل بالشهادة اقرارين فإنه يجوز أن يكون ما أقره به عند أحد الشاهدين غير ما أقر به عند الآخر إذا كانا في وقتين مختلفين ولأنه إذا أمكن جعل الشهادة على واحد لم تحمل على اثنين كالإقرار وكما لو شهد بالغصب اثنان وشهد على الإقرار به اثنان وإن شهد أحدهما أنه غصب هذا العبد من زيد أو أنه أقر بغصبه منه وشهد الآخر أنه ملك زيد لم تكمل شهادتهما لأنهما لم يشهدا على شيء واحد وإن شهد أنه أخذه من يده ألزمه الحاكم رده إلى يديه لأن اليد دليل الملك فترد إلى يده لتكون دلالتها ثابتة له قال مهنا سألت أبا عبد الله عن رجل ادعى دارا في يد رجل وأقام شاهدين شهد أحدهما أن هذه الدار لفلان وقال الآخر أشهد أن هذه الدار دار فلان قال شهادتهما جائزة فصل ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شروطه لأن الناس يختلفون في شروطه فيجب ذكرها لئلا يكون الشاهد يعتقد أن النكاح صحيح وهو فاسد وإن شهد بعقد سواه كالبيع والإجارة فهل يشترط ذكر شروطه على روايتين إحداهما يشترط ذكرها لأن الناس يختلفون في شروطه فاشتراط ذكرها كالنكاح

Section V10/P221–V10/P222

والثانية لا يشترط ذكر شروطه لأنه لا يشترط ذكرها في الدعوى فكذلك في الشهادة به بخلاف النكاح وإن شهد بالرضاع فلا بد من ذكر أنه شرب من ثديها أو من لبن حلب منه وعدد الرضعات لأن الناس يختلفون في عدد الرضعات وفي الرضاع المحرم وإن شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها ولا بد من ذكر أن ذلك كان في الحولين وإن شهد بالقتل فلا بد من وصف القتل فيقول جرحه فقتله أو ضربه بكذا فقتله أو ضربه بكذا فقتله ولو قال ضربه فمات لم يحكم بذلك الجواز أن يكون مات بغير هذا وقد روي عن شريح أنه شهد عنده رجل فقال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه فمات فقال له شريح فمات منه أو فقتله فأعاد القول الأول وأعاد عليه شريح سؤاله فلم يقل فقتله ولا فمات منه فقال له شريح قم فلا شهادة لك رواه سعيد ومن شهد بالزنا فلا بد من ذكر الزاني والمزني بها ومكان الزنا وصفته لأن اسم الزنا يطلق على ما لا يوجب الحد وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنا زنا فاعتبر ذلك صفته ليزول الاحتمال واعتبر ذكر المرأة لئلا تكون ممن تحل له أو له في وطئها شبهة وذكر المكان لئلا تكون الشهادة منهم على فعلين ومن أصحابنا من قال لا يحتاج إلى ذكر المزني بها ولا ذكر المكان لأنه محل للفعل فلم يعتبر ذكره كالزمان وإن شهد بالسرقة فلا بد من ذكر سرقة نصاب من الحرز وذكر المسروق منه وصفة السرقة وإن شهد بالقذف فلا بد من ذكر المقذوف وصفة القذف وإن شهد بمال احتاج إلى تحريره بمثل ما ذكرنا في الدعوى وإن ترك الشاهد ذكر شيء يحتاج إلى ذكره سأله الحاكم عنه كما سأل شريح الشاهد الذي شهد عنده أنه اتكأ عليه بمرفقه حتى مات وإن حرر المدعي دعواه أو حرر أحد الشاهدين شهادته وشهد بها وقال الآخر أشهد بمثل ذلك أو قال حين حرر المدعي دعواه أشهد بذلك أو بهذا أجزأه مسألة قال ( ولو جاء أربعة متفرقون والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم قبل شهادتهم وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قذفة وعليهم الحد ) هذه المسألة قد ذكرناها في كتاب الحدود بما أغنى عن إعادتها هنا مسألة قال ( ومن حكم بشهادتهما بجرح أو قتل ثم رجعا وقالا عمدنا اقتص منهما وإن قالا أخطأنا غرما الدية أو أرش الجرح ) وجملة الأمر أن الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بعد أدائها لم يخل من ثلاثة أحوال أحدها أن يرجعوا قبل الحكم بها فلا يجوز الحكم بها في قول عامة أهل العلم وحكي عن أبي ثور أنه شذ عن أهل العلم وقال يحكم بها لأن الشهادة قد أديت فلا تبطل برجوع من شهد بها كما لو رجعا بعد الحكم وهذا فاسد لأن الشهادة شرط الحكم فإذا زالت قبله لم يجز كما لو فسقا ولأن رجوعهما يظهر به كذبهما فلم يجز الحكم بها كما لو شهدا بقتل رجل ثم علم حياته ولأنه زال ظنه في أن ما شهد به حق فلم يجز له الحكم به كما لو تغير اجتهاده وفارق ما بعد الحكم فإنه تم بشرطه ولأن الشك لا يزيل ما حكم به كما لو تغير اجتهاده الحال الثاني أن يرجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء فينظر فإن كان المحكوم به عقوبة كالحد والقصاص لم يجز استيفاؤه لأن الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعهما من أعظم الشبهات ولأن المحكوم به عقوبة ولم يتعين استحقاقها ولا سبيل إلى جبرها فلم يجز استيفاؤها كما لو رجعا قبل الحكم وفارق المال فإنه يمكن جبره بإلزام الشاهدين عوضه والحد والقصاص لا ينجبر بإيجاب مثله على الشاهدين

Section V10/P222–V10/P224

لأن ذلك ليس بجبر ولا يحصل لمن وجب له منه عوض وإنما شرع للزجر والتشفي والانتقام لا للجبر فإن قيل فقد قلتم إنه إذا حكم بالقصاص ثم فسق الشاهدان استوفى في أحد الوجهين قلنا الرجوع أعظم في الشبهة من طريان الفسق لأنهما يقران أن شهادتهما زور وأنهما كانا فاسقين حين شهدا وحين حكم الحاكم بشهادتهما وهذا الذي طرأ فسقه لا يتحقق كون شهادته كذبا ولا أنه كان فاسقا حين أدى الشهادة ولا حين الحكم بها ولهذا لو فسق بعد الاستيفاء لم يلزمه شيء والراجعان تلزمهما غرامة ما شهدا به فافترقا وإن كان المشهود به مالا استوفى ولم ينقض حكمه في قول أهل الفتيا من علماء الأمصار وحكي عن سعيد بن المسيب والأوزاعي أنهما قالا ينقض الحكم وإن استوفى الحق ثبت بشهادتهما فإذا رجعا زال ما ثبت به الحكم فنقض الحكم كما لو تبين أنهما كانا كافرين ولنا إن حق المشهود له وجب له فلا يسقط بقولهما كما لو ادعياه لأنفسهما يحقق هذا أن حق الإنسان لا يزول إلا ببينة أو إقرار ورجوعهما ليس بشهادة ولهذا لا يفتقر إلى لفظ الشهادة ولا هو إقرار من صاحب الحق وفارق ما إذا تبين أنهما كافرين لأننا تبينا أنه لم يوجد شرط الحكم وهو شهادة العدول وفي مسألتنا لم يتبين ذلك بجواز أن يكونا عدلين صادقين في شهادتهما وإنما كذبا في رجوعهما ويفارق العقوبات حيث لا تستوفي فإنها تدرأ بالشبهات الحال الثالث أن يرجعا بعد الاستيفاء فإنه لا يبطل الحكم ولا يلزم المشهود له شيء سواء كان المشهود به مالا أو عقوبة لأن الحكم قد تم باستيفاء المحكوم به ووصول الحق إلى مستحقه ويرجع به على الشاهدين ثم ينظر فإن كان المشهود به إتلافا في مثله القصاص كالقتل والجرح نظرنا في رجوعهما فإن قالا عمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل أو يقطع فعليهما القصاص وبهذا قالابن شبرمة وابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وقال أصحاب الرأي لا قود عليهما لأنهما لم يباشرا الإتلاف فأشبها حافر البئر وناصب السكين إذا تلف بهما شيء ولنا إن عليا رضي الله عنه شهد عنده رجلان على رجل بالسرقة فقطعه ثم عادا فقالا أخطأنا ليس هذا هو السارق فقال علي لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما ولا مخالف له في الصحابة فيكون إجماعا ولأنهما تسببا إلى قتله أو قطعه بما يفضي إليه غالبا فلزمهما القصاص كالمكره وفارق الحفر ونصب السكين فإنه لا يفضي إلى القتل غالبا وقد ذكرنا هذه المسألة في القصاص فأما إن قالا عمدنا الشهادة عليه ولا نعلم أنه يقتل بهذا وكانا ممن يجوز أن يجهلا ذلك وجبت الدية في أموالهما مغلظة لأنه شبه عمد ولم تحمله العاقلة لأنه ثبت باعترافهما والعاقلة لا تحمل اعترافا وإن قال أحدهما عمدت قتله وقال الآخر أخطأت فعلى العامد نصف دية مغلظة وعلى الآخر نصف دية مخففة ولا قصاص في الصحيح من المذهب لأنه قتل عمد وخطأ وإن قال كل واحد منهما عمدت وأخطأ صاحبي احتمل أن يجب القصاص عليهما لاعتراف كل واحد منهما بعمد نفسه واحتمل وجوب الدية لأن كل واحد منهما إنما اعترف بعمد شارك فيه مخطئا وهذا لا يوجب القصاص والإنسان إنما يؤاخذ بإقراره لا بإقرار غيره فعلى هذا تجب عليهما دية مغلظة وإن قال أحدهما عمدنا جميعا وقال الآخر عمدت وأخطأ صاحبي فعلى الأول القصاص وفي الثاني وجهان كالتي قبلها وإن قالا جميعا أخطأنا فعليهما الدية مخففة في أموالهما لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف وإن قال أحدهما عمدنا معا وقال الآخر أخطأنا معا فعلى الأول القصاص وعلى الثاني نصف دية مخففة لأن كل منهما يؤاخذ بحكم إقراره وإن قال كل واحد منهما عمدت ولا أدري ما فعل صاحبي فعليهما القصاص لإقرار كل واحد منهما بالعمد ويحتمل أن لا يجب عليهما القصاص لأن إقرار كل واحد منهما لو انفرد لم يجب عليه قصاص وإنما يؤاخذ الإنسان بإقراره لا بإقرار صاحبه وإن قال أحدهما عمدت ولا أدري ما قصد صاحبي سئل صاحبه

Section V10/P224–V10/P225

فإذا قال عمدت ولا أدري ما قصد صاحبي فهي كالتي قبلها وإن قال عمدنا فعليه القصاص وفي الأول وجهان وإن قال أخطأت أو أخطأنا فلا قصاص على واحد منهما وإن جهل حال الآخر بأن يجن أو يموت أو لا يقدر عليه فلا قصاص على المقر وعليه نصيبه من الدية المغلظة فصل وإن رجع أحد الشاهدين وحده فالحكم فيه كالحكم في رجوعهما في أن الحاكم لا يحكم بشهادتهما إذا كان رجوعه قبل الحكم وفي أنه لا يستوفي العقوبة إذا رجع قبل استيفائها لأن الشرط يختل برجوعه كاختلاله برجوعهما وإن كان رجوعه بعد الاستيفاء لزمه حكم إقراره وحده فإن أقر بما يوجب القصاص وجب عليه وإن أقر بما يوجب دية مغلظة وجب عليه قسطه منها وإن أقر بالخطأ وجب عليه نصيبه من الدية المخففة وإن كان الشهود أكثر من اثنين في الحقوق المالية أو القصاص ونحوه فما ثبت بشاهدين أو أكثر من أربعة فرجع الزائد منهم قبل الحكم واستيفاء لم يمنع ذلك الحكم ولا الاستيفاء لأن ما بقي من البينة كاف في إثبات الحكم واستيفائه وإن رجع بعد الاستيفاء فعليه القصاص إن أقر بما يوجبه أو قسطه من الدية أو من المفوت بشهادتهم إن كان غير ذلك وفي ذلك اختلاف سنذكره إن شاء الله تعالى مسألة قال ( وإن كانت شهادتهما بمال غرماه ولم يرجع به على المحكوم له به سواء كان المال قائما أو تالفا ) أما كونه لا يرجع به على المحكوم له به فلا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا سواء ما حكيناه عن سعيد بن المسيب والأوزاعي وقد ذكرنا الكلام معهما فيما مضى فأما الرجوع به على الشاهدين فهو قول أهل العلم منهم مالك وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي القديم وقال في الجديد لا يرجع عليهما بشيء إلا أن يشهدا بعتق عبد فيضمنا قيمته لأنه لم يوجد منهما إتلاف المال ولا يد عادية عليه فلم يضمنا كما لو ردت أن شهادتهما ولنا إنهما أخرجا ماله من يده بغير حق وحالا بينه وبينه فلزمهما الضمان كما لو شهدا بعتقه ولأنهما أزالا يد السيد عن عبده بشهادتهما المرجوع عنها فأشبه ما لو شهدا بحريته ولأنهما تسببا إلى إتلاف حقه بشهادتهما بالزور عليه فلزمهما الضمان كشاهدي القصاص يحقق هذا أنه إذا ألزمهما القصاص الذي يدرأ بالشبهات فوجوب المال أولى وقولهم إنهما ما أتلفا المال يبطل بما إذا شهدا بعتقه فإن الرق في الحقيقة لا يزول بشهادة الزور وإنما حالا بين سيده وبينه وفي موضع إتلاف المال فهما تسببا إلى تلفه فيلزمهما ضمان ما تلف بسببهما كشاهدي القصاص وشهود الزنا وحافر البئر وناصب السكين مسألة قال ( وإن كان المحكوم به عبدا أو أمة غرما قيمته ) أما إذا شهدا بالعبد أو الأمة لغير مالكه فالحكم في ذلك كالحكم في الشهادة بالمال على ما ذكرنا من الخلاف فيه لأنها من جملة المال وإن شهدا بحريتهما ثم رجعا عن الشهادة لزمهما غرامة قيمتهما لسيدهما بغير خلاف بينهم فيه فإن المخالف في التي قبلها هو الشافعي وقد وافق ها هنا وهو حجة عليه فيما خالف فيه فإن إخراج العبد عن يد سيده بالشهادة بحريته كإخراجه عنها بالشهادة به لغير مالكه فإذا لزمه الضمان ثم لزمه ها هنا وغرما القيمة لأن العبيد من المتقومات لا من ذوات الأمثال فصل وإن شهدا بطلاق امرأة تبين به فحكم الحاكم بالفرقة ثم رجعا عن الشهادة وكان قبل الدخول فالواجب عليهما نصف المسمى وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه يجب مهر المثل لأنهما أتلفا عليه البضع فلزمهما عوضه وهو مهر المثل وفي القول الآخر لزمهما نصف مهر المثل لأنه إنما ملك نصف البضع بدليل أنه إنما يجب عليه نصف المهر

Section V10/P225–V10/P226

ولنا أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم بدليل ما لو أخرجته من ملكه بردتها أو إسلامها أو قتلها نفسها فإنها لا تضمن شيئا ولو فسخت نكاحها قبل الدخول برضاع من ينفسخ به نكاحها لم يغرم شيئا وإنما وجب عليهما نصف المسمى لأنهما ألزماه للزوج بشهادتهما وقراره عليه فرجع عليهما كما يرجع به على من فسخ نكاحه برضاع أو غيره وقوله إنه ملك نصف البضع غير صحيح فإن البضع لا يجوز تمليك نصفه ولأن العقد ورد على جميعه والصداق واجب جميعه ولهذا تملكه المرأة إذا قبضته ونماؤه لها وتملك طلبه إذا لم تقبضه وإنما يسقط نصفه بالطلاق وأما إن كان الحكم بالفرقة بعد الدخول فلا ضمان عليهما وبه قال أبو حنيفة وعن أحمد رواية أخرى عليهما ضمان المسمى في الصداق لأنهما فوتا عليه نكاحا وجب عليه به عوض فكان عليهما ضمان ما وجب به كما لو شهدا بذلك قبل الدخول وقال الشافعي يلزمهما له مهر المثل لأنهما أتلفا البضع عليه وقد سبق الكلام معه في هذا ولا يصح القياس على ما قبل الدخول لأنهما قرار عليه نصف المسمى وكان يعرض السقوط وها هنا قد تقرر المهر بالدخول فلم يقررا عليه شيئا ولم يخرجا من ملكه متقوما فأشبه ما لو أخرجاه من ملكه بقتلها أو أخرجته هي بردتها فصل وإن شهدا على امرأة بنكاح فحكم به الحاكم ثم رجعا نظرت فإن طلقها الزوج قبل دخوله بها لم يغرما شيئا لأنهما لم يفوتا عليهما شيئا وإن دخل بها وكان الصداق المسمى بقدر مهر المثل أو أكثر منه ووصل إليها فلا شيء عليهما لأنها أخذت عوض ما فوتاه عليها وإن كان دونه فعليهما ما بينهما وإن لم يصل إليها فعليهما ضمان مهر مثلها لأنه عوض ما فوتاه عليها فصل وإن شهدا بكتابة عبده ثم رجعا نظرت فإن عجز ورد في الرق فلا شيء عليهما فإن أدى وعتق فعليهما ضمان جميعه لأنهما فوتاه عليه بشهادتهما ويحتمل أن يلزمهما ما بين قيمته وما قبضه من كتابته والأول أولى لأن ما قبضه من كسب عبده فلا يحسب عليه وإن أراد تغريمها بشهادتهما ويحتمل أن يلزمهما قبل انكشاف الحال فينبغي أن يغرمهما ما بين قيمته سليما ومكاتبا وإن شهدا باستيلاد أمته ثم رجعا فينبغي أن يرجع عليهما بما نقصتها الشهادة من قيمتها وإن عتقت بموته رجع الورثة بما بقي من قيمتها فصل وكل موضع وجب الضمان على الشهود بالرجوع وجب أن يوزع بينهم على عددهم قلوا أو كثروا قال أحمد في رواية إسحاق بن منصور إذا شهد بشهادة ثم رجع وقد أتلف مالا فإنه ضامن بقدر ما كانوا في الشهادة فإن كانوا اثنين فعليه النصف وإن كانوا ثلاثة فعليه الثلث وعلى هذا لو كانوا عشرة فعليه العشر وسواء رجع وحده أو رجعوا جميعا وسواء رجع الزائد عن القدر الكافي في الشهادة أو من ليس بزائد فلو شهد أربعة بالقصاص فرجع واحد منهم وقال عمدنا قتله فعليه القصاص وإن قال أخطأنا فعليه ربع الدية وإن رجع اثنان فعليهما القصاص أو نصف الدية وإن شهد ستة بالزنا على محصن فرجم بشهادتهم ثم رجع واحد فعليه القصاص أو سدس الدية وإن رجع اثنان فعليهما القصاص أو ثلث الدية وبهذا قال أبو عبيد وقال أبو حنيفة إن رجع واحد أو اثنان فلا شيء عليهما لأن بينة الزنا قائمة فدمه غير محقون وإن رجع ثلاثة فعليهم ربع الدية وإن رجع أربعة فعليهم نصف الدية وإن رجع خمسة فعليهم ثلاثة أرباعها وإن رجع الستة فعلى كل واحد منهم سدسها ومنصوص الشافعي فيما إذا رجع اثنان كمذهب أبي حنيفة واختلف أصحابه فيما إذا شهد بالقصاص ثلاثة فرجع أحدهما فقال أبو إسحاق لا قصاص عليه لأن بينة القصاص قائمة وهل يجب عليه ثلث الدية على وجهين

Section V10/P226–V10/P228

وقال ابن الحداد عليه القصاص وفرق بينه وبين الراجع من شهود الزنا إذا كان زائدا فإن دم المشهود عليه بالزنا غير محقون وهذا دمه محقون وإنما أبيح دمه لولي القصاص وحده واختلفوا فيما إذا شهد بالمال ثلاثة فرجع أحدهم على وجهين أحدهما يضمن الثلث والثاني لا شيء عليه ولنا إن الإتلاف حصل بشهادتهم فالراجع مقر بالمشاركة فيه عمدا عدوانا لمن هو مثله في ذلك فلزمه القصاص كما لو أقر بمشاركتهم في مباشرة قتله ولأنه أحد من قتل المشهود عليه بشهادته فأشبه الثاني من شهود القصاص والرابع من شهود الزنا ولأنه أحد من حصل الإتلاف بشهادته فلزمه من الضمان بقسطه كما لو رجع الجميع ولأن ما تضمنه كل واحد مع اتفاقهم على الرجوع يضمنه إذا انفرد بالرجوع كما لو كانوا أربعة وقولهم إن دمه غير محقون غير صحيح فإن الكلام فيم إذا قتل ولم يبق له دم يوصف بحقن ولا عدمه وقيام الشهادة لا يمنع وجوب القصاص كما لو شهدت لرجل باستحقاق القصاص فاستوفاه ثم أقر بأنه قتله ظلما وأن الشهود شهدوا بالزور والتفريق بين القصاص والرجم يكون دم القاتل غير محقون لا يصح لأنه غير محقون بالنسبة إلى من قتله ولأن كل واحد مؤاخذ بإقراره ولا يعتبر قول شريكه ولهذا لو أقر أحد الشريكين بعمدهما وقال الآخر أخطأنا وجب القصاص على المقر بالعمد فصل وإذا حكم الحاكم في المال بشهادة رجل وامرأتين ثم رجعوا عن الشهادة توزع الضمان عليهم على الرجل نصفه وعلى كل امرأة ربعه وإن رجع أحدهم وحده فعليه من الضمان حصته وإن كان الشهود رجلا وعشر نسوة فرجعوا فعلى الرجل السدس وعلى كل امرأة نصف السدس وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولأن كل امرأتين كرجل فالعشر كخمسة رجال ويحتمل أن يجب عليهن النصف وعلى الرجل النصف وبهذا قال أبو يوسف ومحمد لأن الرجل نصف البينة بدليل أنه لو رجع وحده بعد الحكم كان كرجوعهن كلهن فيكون الرجل حزبا والنساء حزبا فإن رجع بعض النسوة وحدهن أو الرجل فعلى الراجع مثل ما عليه إذا رجع الجميع وعند أبي حنيفة وأصحابه متى رجع من النسوة ما زاد على اثنين فليس على الراجعات شيء وقد مضى الكلام منهم في هذا فصل وإذا شهد أربعة بأربعمائة فحكم الحاكم بها ثم رجع واحد عن مائة وآخر عن مائتين والثالث عن ثلاثمائة والرابع عن أربعمائة فعلى كل واحد مما رجع عنه بقسطه فعلى الأول خمسة وعشرون وعلى الثاني خمسون وعلى الثالث خمسة وسبعون وعلى الرابع مائة لأن كل واحد منهم مقر بأنه فوت على المشهود عليه ربع ما رجع عنه ويقتضي مذهب أبي حنيفة أن لا يلزم الراجع عن الثلاثمائة والأربعمائة أكثر من خمسين خمسين لأن المائتين لا تلزم الراجع عن الثلاثمائة لأن المائتين التي رجعا عنهما قد بقي بها شاهدان فصل وإذا شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرجم ثم رجعوا عن الشهادة فالضمان على جميعهم وقال أبو حنيفة لا ضمان على شهود الإحصان لأنهم شهدوا بالشرط دون السبب الموجب للقتل وإنما يثبت ذلك شهادة الزنا ولأصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين ولنا إن قتله حصل بمجموع الشهادتين فتجب الغرامة على الجميع كما لو شهدوا جميعهم بالزنا وفي كيفية الضمان وجهان أحدهما يوزع عليهم على عدد رؤوسهم كشهود الزنا لأن القتل حصل من جميعهم والثاني على شهود الزنا النصف وعلى شهود الإحصان النصف لأنهم حزبان فلكل حزب نصف فإن شهد أربعة بالزنا واثنان منهم بالإحصان ثم رجعوا فعلى الوجه الأول على شاهدي الإحصان الثلثان وعلى الآخرين الثلث لأن على شاهدي الإحصان الثلث لشهادتهما به والثلث لشهادتهما بالزنا وعلى الآخرين الثلث لشهادتهما بالزنا وحده وعلى الوجه الثاني على شهود الإحصان ثلاثة أرباع الدية لأن عليهما النصف لشهادتهما بالإحصان ونصف الباقي لشهادتهما بالزنا ويحتمل أن لا يجب على شاهدي الإحصان إلا النصف لأن كل واحد منهما جنى جنايتين وجنى كل واحد من الآخرين جناية واحدة فكانت الدية بينهم على عدد رؤوسهم لا على عدد جناياتهم كما لو قتل اثنان واحدا جرحه أحدهما جرحا والآخر جرحين

Section V10/P228–V10/P229

فصل وإذا شهد شاهدان أنه أعتق هذا العبد على ضمان مائة درهم وقيمة العبد مائتان فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجعا رجع السيد على الشاهدين بمائة لأنها تمام القيمة وكذلك لو شهدا على رجل أنه طلق زوجته قبل الدخول على مائة ونصف المسمى مائتان غرما للزوج مائة لأنهما فوتاها بشهادتهما المرجوع عنها فصل وإذا شهد رجلان على رجل بنكاح امرأة بصداق ذكراه وشهد آخران بدخوله بها ثم رجعوا بعد الحكم عليه بصداقها فعلى شهود النكاح الضمان لأنهم ألزموه المسمى ويحتمل أن يكون عليهم النصف وعلى الآخرين النصف لأنهم قرراه وشاهدا النكاح أوجباه فقسم بين الأربعة أرباعا وإن شهد مع هذا شاهدان بالطلاق لم يلزمهما شيء لأنهما لم يفوتا عليه شيئا يدعيه ولا أوجبا عليه ما لم يكن عليه واجبا فصل وإن شهد شاهدا فرع على شاهدي أصل فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجع شاهدا الفرع فعليهما الضمان لا أعلم بينهم في ذلك خلافا وإن رجع شاهدا الأصل وحدهما لزمهما الضمان أيضا وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن وحكى أبو الخطاب عن القاضي أنه لا ضمان عليهما وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف لأن الحكم تعلق بشهادة شاهدي الفرع بدليل أنهما جعلا شهادة شاهدي الأصل شهادة فلم يلزم شاهدي الأصل ضمان لعدم تعلق الحكم بشهادتهما ولنا إن الحق ثبت بشهادة شاهدي الأصل بدليل اعتبار عدالتهما فإذا رجعا ضمنا كشاهدي الفرع فصل وإذا حكم الحاكم بشاهد ويمين فرجع الشاهد غرم جميع المال نص عليه أحمد في رواية جماعة وقال مالك والشافعي يلزمه النصف لأنه أحد حجتي الدعوى فكان عليه النصف كما لو كانا شاهدين ولنا إن الشاهد حجة الدعوى فكان الضمان عليه كالشاهدين يحققه أن اليمين قول الخصم وقول الخصم ليس بحجة على خصمه وإنما هو شرط الحكم فجرى مجرى مطالبته الحاكم بالحكم وبهذا ينفصل عما ذكروه ولو سلمنا أنها حجة لكن إنما جعلها حجة شهادة الشاهد ولهذا لم يجز تقديمها على شهادته بخلاف شهادة الشاهد الآخر قال أبو الخطاب ويتخرج أن لا يلزمه إلا النصف المحكوم به إذا قلنا ترد اليمين على المدعي فصل وإذا رجعوا عن الشهادة بعد الحكم وقالوا عمدنا ووجب عليهم القصاص لم يعزروا ولأن القصاص يغني عن تعزيرهم وإن كان في مال عزروا وغرموا لأنهم جنوا جناية وارتكبوا جريمة عظيمة وهي شهادة الزور ويحتمل أن لا يعزروا لأن رجوعهم توبة منهم فيسقط عنهم التعزير ولأن شرعية تعزيرهم تمنعهم الرجوع خوفا منه فلا يشرع وإن قالوا أخطأنا لم يعزروا لأن الله تعالى قال وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم الأحزاب 5 هذا إن كان قولهم يحتمل الصدق في الخطأ وإن لم يحتمله عزروا ولم يقبل قولهم مسألة قال ( وإذا قطع الحاكم يد السارق بشهادة اثنين ثم بان أنهم كافران أو فاسقان كانت دية اليد في بيت المال ) وجملته أن الحاكم إذا حكم بشهادة اثنين في قطع أو قتل وأنفذ ذلك ثم بان أنهما كافران أو فاسقان أو عبدان أو أحدهما فلا ضمان على الشاهدين لأنهما متيمان على أنهما صادقان فيما شهدا به وإنما الشرع منع قبول شهادتهما بخلاف الراجعين عن الشهادة فإنهما اعترفا بكذبهما ويجب الضمان على الحاكم أو الإمام الذي تولى ذلك لأنه حكم بشهادة من لا يجوز له الحكم بشهادته ولا قصاص عليه لأنه مخطىء وتجب الدية وفي محلها روايتان إحداهما في بيت المال لأنه نائب للمسلمين ووكيلهم وخطأ الوكيل في حق موكله عليه ولأن خطأ الحاكم يكثر لكثرة تصرفاته وحكوماته فإيجاب ضمان ما يخطىء فيه على عاقلته إجحاف بهم فاقتضى ذلك التخفيف عنه بجعله في بيت المال ولهذا المعنى حملت العاقلة دية الخطأ عن القاتل والرواية الثانية هي على عاقلته مخففة مؤجلة

Section V10/P229–V10/P230

لما روي أن امرأة ذكرت عند عمر بسوء فأرسل إليها فأجهضت ذا بطنها فبلغ ذلك عمر فشاور الصحابة فقال بعضهم لا شيء عليك إنما أنت مؤدب وقال علي عليك الدية فقال عمر عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك يعني قريشا لأنهم عاقلة عمر ولو كانت في بيت المال لم يقسمها على قومه ولأنه من خطئه فتحمله عاقلته كخطئه في غير الحكومة وللشافعي قولان كالروايتين فإذا قلنا إن الدية على عاقلته لم تحمل إلا الثلث فصاعدا ولا تحمل الكفارة لأن العاقلة لا تحمل الكفارة في محل الوفاق كذا ها هنا وتكون الكفارة في ماله وإذا قلنا إنه في بيت المال فينبغي أن يكون فيه القليل والكثر لأن جعله في بيت المال لعلة أنه نائب عنهم وخطأ النائب على مستنيبه وهذا يدخل فيما يكثر خطؤه فجعل الضمان في ماله يجحف به وإن قل لكثرة تكرره وسواء تولى الحاكم الاستيفاء بنفسه أو أمر من تولاه قال أصحابنا وإن كان الولي استوفاه فهو كما لو استوفاه الحاكم لأن الحاكم سلطه على ذلك ومكنه منه والولي يدعي أنه حقه فإن قيل فإذا كان الولي استوفى حقه فينبغي أن يكون الضمان عليه كما لو حكم له بمال فقبضه ثم بان فسق شهوده كان الضمان على المستوفي دون الحاكم كذا ها هنا قلنا ثم حصل في يد المستوفي مال المحكوم عليه بغير حق فوجب عليه رده أو ضمانه إن أتلف وها هنا لم يحصل في يده شيء وإنما أتلف شيئا بخطأ الإمام وتسليطه عليه فافترقا فصل وإن شهد بالزنا أربعة فزكاهم اثنان فرجم المشهود عليه ثم بان أن الشهود فسقة أو عبيد أو بعضهم فلا ضمان على الشهود لأنهم يزعمون أنهم محقون ولم يعلم كذبهم يقينا والضمان على المزكين وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال القاضي الضمان على الحاكم لأنه حكم بقتله من غير تحقق شرطه ولا ضمان على المزكين لأن شهادتهما شرط وليست الموجبة وقال أبو الخطاب في رؤوس المسائل الضمان على الشهود الذين شهدوا بالزنا ولنا إن الزكين شهدوا بالزور شهادة أفضت إلى قتله فلزمهما الضمان كشهود الزنا إذا رجعوا ولا ضمان على الحاكم لأنه أمكن إحالة الضمان على الشهود فأشبه ما إذا رجعوا عن الشهادة وقوله إن شهادتهم شرط لا يصح لأن من أصلنا أن شهود الإحصان يلزمهم الضمان وإن لم يشهدوا بالسبب وقد نص عليه أحمد وقول أبي الخطاب لا يصح لأن شهود الزنا لم يرجعوا ولا علم كذبهم بخلاف المزكين فإنه تبين كذبهم وأنهم شهدوا بالزور وأما إن تبين فسق المزكين فالضمان على الحاكم لأن التفريط منه حيث قبل شهادة فاسق من غير تزكية ولا بحث فيلزمه الضمان كما لو قبل شهادة شهود الزنا من غير تزكية ثم تبين فسقهم فصل ولو جلد الإمام إنسانا بشهادة شهود ثم بان أنهم فسقة أو كفرة أو عبيد فعلى الإمام ضمان ما حصل من أثر الضرب وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه ولنا إنها جناية صدرت عن خطأ الإمام فكانت مضمونة عليه ما لو قطعه أو قتله

Section V10/P230–V10/P232

فصل ولو حكم الحاكم بمال بشهادة شاهدين ثم بان أنهما فاسقان أو كافران فإن الإمام ينقض حكمه ويرد المال إن كان قائما وعوضه إن كان تالفا فإن تعذر ذلك لإعساره أو غيره فعلى الحاكم ضمانه ثم يرجع على المشهود له وعن أحمد رواية أخرى لا ينقض حكمه إذا كانا فاسقين ويغرم الشهود المال وكذلك الحكم إذا شهد عنده عدلان أن الحاكم قبله حكم بشهادة فاسقين ففيه روايتان ولا يغرم الشهود المال وكذلك الحاكم إذا شهد واختلف أصحاب الشافعي فيه أيضا ولا خلاف بين الجميع في أنه ينقض حكمه إذا كانا كافرين وينقض حكم غيره إذا ثبت عنده أنه حكم بشهادة كافرين فنقيس على ذلك ما إذا حكم بشهادة فاسقين فإن شهادة الفاسقين مجمع على ردها وقد نص الله تعالى على التبين فيها فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا الحجرات 6 وأمر بإشهاد العدول وقال وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 واعتبر الرضا بالشهداء فقال تعالى ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 فيجب نقض الحكم لفوات العدالة كما يجب نقضه لفوات الإسلام ولأن الفسق معنى لو ثبت عند الحاكم قبل الحكم منعه فإذا شهد شاهدان أنه كان موجودا حالة الحكم وجب نقض الحكم كالكفر والرق في العقوبات إذا ثبت هذا فإن أبا حنيفة قال لا يسمع الحاكم الشهادة بفسق الشاهدين لا قبل الحكم ولا بعده ومتى جرح المشهود عليه البينة لم تسمع بينته بالفسق ولكن يسأل عن الشاهدين ولا تسمع على الفسق شهادة لأن الفسق لا يتعلق به حق أحد فلا تسمع فيه الدعوى والبينة ولنا إنه معنى يتعلق الحكم به فسمعت فيه الدعوى والبينة كالتزكية وقوله لا يتعلق به حق أحد ممنوع فإن المشهود عليه يتعلق حقه بفسقه في منع الحكم عليه قبل الحكم ونقضه بعده وتبرئته من أخذ ماله أو عقوبته بغير حق فوجب أن تسمع فيه الدعوى والبينة كما لو ادعى رق الشاهدين ولم يدعه لنفسه ولأنه إذا لم تسمع البينة الفسق أدى إلى ظلم المشهود عليه لأنه يمكن أن لا يعرف فسق الشاهدين إلا شهود المشهود عليه فإذا لم تسمع شهادتهم وحكم عليه بشهادة الفاسقين كان ظالما له فأما إن قامت البينة أنه حكم بشهادة والدين أو ولدين أو عدوين نظرا في الحاكم الذي حكم بشهادتهما فإن كان ممن يرى الحكم به لم ينقض حكمه لأنه حكم باجتهاده فيما يسوغ فيه الاجتهاد ولم يخالف نصا ولا إجماعا وإن كان ممن لا يرى الحكم بشهادتهم نقضه لأن الحاكم به يعتقد بطلانه والفرق بين المال والإتلاف أن المال إن كان باقيا وجب رده إلى صاحبه لأن كل واحد أحق بماله وإن كان تالفا وجب ضمانه على آخذه لأنه أخذه بغير إذن صاحبه ولا استحقاق لأخذه أما الإتلاف فإنه لم يحصل به في يد المتلف شيء يرده ولم يمكن تضمينه لأنه إنما أتلفه بحكم الحاكم وتسليطه عليه وهو لا يقر بعدوانه بل يقول استوفيت حقي ولم يثبت خلاف دعواه ولم يكن تضمين الشهود لأنهم يقولون شهدنا بما علمنا وأخبرنا بما رأينا وسمعنا ولم نكتم شهادة الله تعالى التي لزمنا أداؤها ولم يثبت كذبهم فوجب إحالة الضمان على الحاكم لأنه حكم من غير وجود شرط الحكم ومكن من إتلاف المعصوم من غير بحث عن عدالة الشهود وكان التفريط منه فوجب إحالة الضمان عليه مسألة قال ( وإذا ادعى العبد أن سيده أعتقه حلف مع شاهده وصار حرا ) روي عن أحمد في هذا روايتان إحداهما أن العتق ثبت بشاهد ويمين وهو اختيار أبي بكر لأنه إزالة ملك فيثبت بشاهد ويمين كالبيع والهبة ولأنه إتلاف للمال فيقبل فيه شاهد ويمين كالإتلاف بالفعل وإفضاؤه إلى تكميل الأحكام لا يمنع ثبوته بشاهد ويمين بدليل أن الولادة تثبت بشهادة النساء وينبني عليها النسب الذي لا يثبت بشهادتهن والرواية الثانية لا تثبت الحرية إلا بشاهدين عدلين ذكرين لأنها ليست بمال ولا المقصود منها المال ويطلع عليها الرجال وغالب الأحوال فأشبهت الحدود والقصاص والله أعلم

Section V10/P232–V10/P233

مسألة قال ( ومن شهد بشهادة زور أدب وأقيم للناس في المواضع التي يشتهر أنه شاهد زور إذا تحقق تعمده لذلك ) وجملة ذلك أن الشهادة الزور من أكبر الكبائر قد نهى الله عنها في كتابه مع نهيه عن الأوثان فقال تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور الحج 30 وقد روي عن خريم بن فاتك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاث مرات ثم تلا قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور رواه أبو داود وروي هذا عن ابن مسعود من قوله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك الله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه وروى أبو حنيفة عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال شاهد الزور لا تزول قدماه حتى تجب له النار فمتى ثبت عند الحاكم عن رجل أنه شهد بزور عمدا عزره وشهره في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه يقول شريح والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والأوزاعي وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وعبد الملك بن يعلى قاضي البصرة وقال أبو حنيفة لا يعزر ولا يشهر لأنه قول منكر وزور فلا يعزر به كالظهار وروى عنه الطحاوي أنه يشهر وأنكره المتأخرون ولنا إنه قول محرم يضربه الناس فأوجب العقوبة على قائله كالسب والقذف ويخالف الظهار من وجهين أحدهما أنه يختص بضرره والثاني أنه أوجب كفارة شاقة هي أشد من التعزير ولأنه قول عمر رضي الله عنه ولم نعرف له في الصحابة مخالفا وإذا ثبت هذا فإن تأديبه غير مقدور وإنما هو مفوض إلى رأي الحاكم إن رأى ذلك بالجلد جلده وإن رآه يحبس أو كشف رأسه وإهانته وتوبيخه فعل ذلك ولا يزيد في جلده على عشر جلدات وقال الشافعي لا يزيد على تسع وثلاثين لئلا يبلغ به أدنى الحدود وقالابن أبي ليلى يجلد خمسة وسبعين سوطا وهو أحد قولي أبي يوسف وقال الأوزاعي في شاهدي الطلاق يجلدان مائة مائة ويغرمان الصداق ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله تعالى متفق عليه وقال القاسم وسالم يخفق سبع خفقات وقال شريح يجلد أسواطا فأما شهرته بين الناس فإنه يوقف في سوق إن كان من أهل السوق أو قبيلته إن كان من أهل القبائل أو في مسجده إن كان من أهل المساجد ويقول الموكل به إن الحاكم يقرأ عليكم السلام ويقول هذا شاهد زور فاعرفوه وهذا مذهب الشافعي وأتي الوليد بن عبد الملك بشاهد الزور فأمر بقطع لسانه وعنده القاسم وسالم فقالا سبحان الله بحسبه أن يخفق سبع خفقات ويقام بعد العصر فيقال هذا أبو قبيس وجدناه شاهد زور ففعل ذلك به ولا يسخم وجهه ولا يركب ولا يكلف أن ينادي على نفسه وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه يجلد أربعين جلدة ويسخم وجهه ويطال حبسه رواه الإمام أحمد وقالسوار يلبب ويدار به على حلق المسجد فيقول من رآني فلا يشهد بزور وروي عن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنه أمر بحلق نصف رؤوسهم وتسخيم وجوههم ويطاف بهم في الأسواق والذي شهدوا له معهم

Section V10/P233–V10/P234

ولنا إن هذا مثلة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة وما روي عن عمر فقد روي عنه خلافه وأنه حبسه يوما وخلى سبيله وفي الجملة ليس في هذا تقدير شرعي فما فعل الحاكم مما يراه ما لم يخرج إلى مخالفة نص أو معنى نص فله ذلك ولا يفعل به شيء من ذلك حتى يحقق أنه شاهد زور وتعمد ذلك إما بإقراره أو يشهد على رجل بفعل في الشام في وقت ويعلم أن المشهود عليه في ذلك الوقت في العراق أو يشهد بقتل رجل وهو حي أو أن هذه البهيمة في يد هذا منذ ثلاثة أعوام وسنها أقل من ذلك أو يشهد على رجل أنه فعل شيئا في وقت وقد مات قبل ذلك الوقت أو لم يولد إلا بعده وأشباه هذا مما يتيقن به كذبه ويعلم تعمده لذلك فأما تعارض البينتين أو ظهور فسقه أو غلطه في شهادته فلا يؤدب به لأن الفسق لا يمنع الصدق والتعارض لا يعلم به كذب إحدى البينتين بعينها والغلط قد يعرض للصادق العدل ولا يتعمده فيعفى عنه وقد قال الله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم الأحزاب 5 وقال النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فصل ومتى علم أن الشاهدين شهدا بالزور تبين أن الحكم كان باطلا ولزم نقضه لأنا تبينا كذبهما فيما شهدا به وبطلان ما حكم به فإن كان المحكوم به مالا رد إلى صاحبه وإن كان إتلافا فعلى الشاهدين ضمانه لأنهما سبب إتلافه إلا أن يثبت ذلك بإقرارهما على أنفسهما من غير موافقة المحكوم له فيكون ذلك رجوعا منهما عن شهادتهما وقد بينا حكم ذلك فصل فإذا تاب شاهد الزور وأتت على ذلك مدة تظهر فيها توبته وتبين صدقه فيها وعدالته قبلت شهادته وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وقال مالك لا تقبل شهادته أبدا لأن ذلك لا يؤمن منه ولنا إنه تائب من ذنبه فقبلت توبته كسائر التائبين وقوله لا يؤمن منه ذلك قلنا مجرد الاحتمال لا يمنع قبول الشهادة بدليل سائر التائبين فإنه لا يؤمن منهم معاودة ذنوبهم ولا غيرها وشهادتهم مقبولة والله أعلم مسألة قال ( وإذا غير العدل شهادته بحضرة الحاكم فزاد فيها أو نقص قبلت منه ما لم يحكم بشهادته ) وهذا مثل أن يشهد بمائة ثم يقول هي مائة وخمسون أو يقول بل هي تسعون فإنه يقبل منه رجوعه ويحكم بما شهد به أخيرا وبهذا قال أبو حنيفة والثوري وسليمان بن حبيب المحاربي وإسحاق وقال الزهري لا تقبل شهادته الأولى ولا الآخرة لأن كل واحدة منهما ترد الأخرى وتعارضها ولأن الأولى مرجوع عنها والثانية غير موثوق بها لأنها من مقر بغلطه وخطئه في شهادته فلا يؤمن أن يكون في الغلط كالأولى وقال مالك يؤخذ بأقل قوليه لأنه أدى الشهادة وهو غير متهم فلم يقبل رجوعه عنها كما لو اتصل بها الحكم ولنا إن شهادته الآخرة شهادة من عدل غير متهم لم يرجع عنها فوجب الحكم بها كما لو لم يتقدمها ما يخالفها ولا تعارضها الأولى لأنها قد بطلت برجوعه عنها ولا يجوز الحكم بها لأنها شرط الحكم فيعتبر استمرارها إلى انقضائه ويفارق رجوعه بعد الحكم لأن الحكم قد تم باستمرار شرطه فلا ينقض بعد تمامه

Section V10/P234–V10/P235

فصل وإن شهد بألف ثم قال قبل الحكم قضاه منه خمسمائة فسدت شهادته ذكره أبو الخطاب فقال إذا شهد أن عليه ألفا قم قال أحدهما قضاه منه خمسمائة بطلت شهادته وذلك أنه شهد بأن الألف جميعه عليه وإذا قضاه خمسمائة لم تكن الألف كله عليه فيكون كلامه متناقضا فتفسد شهادته وفارق هذا ما لو شهد بألف ثم قال بل بخمسمائة لأن ذلك رجوع عن الشهادة بخمسمائة وإقرار بغلط نفسه وهذا لا يقول هذا على سبيل الرجوع والمنصوص عن أحمد أن شهادته تقبل بخمسمائة فإنه قال إذا شهد بألف ثم قال أحدهما قبل الحكم قضاه منه خمسمائة أفسد شهادته والمشهود له ما اجتمعا عليه وهو خمسمائة فصحح شهادته في نصف الألف الباقي وأبطلها في النصف الذي ذكر أنه قضاه لأن ذلك بمنزلة الرجوع عن الشهادة به فأشبه ما لو قال أشهد بألف بل بخمسمائة قال أحمد ولو جاء بعد هذا المجلس فقال أشهد أنه قضاه منه خمسمائة لم يقبل منه لأنه قد أمضى الشهادة فهذا يحتمل أنه أراد به أنه إذا جاء بعد الحكم فشهد بالقضاء لم يقبل منه لأن الألف وقد وجب بشهادتهما وحكم الحاكم ولا تقبل شهادته بالقضاء لأنه لا يثبت بشاهد واحد فأما إن شهد أنه أقرضه ألفا ثم قال قضاه منه خمسمائة قبلت شهادته في باقي الألف وجها واحدا لأنه لا تناقض في كلامه ولا اختلاف مسألة قال ( وإذا شهد شاهده بألف وآخر بخمسمائة حكم لمدعي الألف بخمسمائة وحلف مع شاهده على الخمسمائة الأخرى إن أحب ) وجملة ذلك أنه إذا شهد أحد الشاهدين بشيء وشهد الآخر ببعضه صحت الشهادة وثبت ما اتفقا عليه وحكم به وهذا قول شريح ومالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وأبي عبيد وحكي عن الشعبي أنه شهد عنده رجلان شهد أحدهما أنه طلقها تطليقة وشهد الآخر أنه طلقها تطليقتين فقال قد اختلفتما قوما وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا شهد شاهد أنه أقر بألف وشهد آخر أنه أقر بألفين لم تصح الشهادة لأن الإقرار بالألف غير الإقرار بالألفين فلم يشهد بكل إقرار إلا واحد ولنا إن الشهادة قد كملت فيما اتفقا عليه فحكم به كما لو لم يزد أحدهما على صاحبه وما ذكره من أن كل إقرار إنما يشهد به واحد يبطل بما إذا شهد أحدهما أنه أقر بألف غدوة وشهد الآخر أنه أقر بألف عشيا فإن الشهادة تكمل مع أن كل إقرار إنما يشهد به واحد فأما ما انفرد به أحدهما فإن للمدعي أن يحلف معه ويستحق وهذا قول من يرى الحكم بشاهد ويمين وهذا فيما إذا أطلقا الشهادة أو لم تختلف الأسباب والصفات فأما إن اختلفت مثل أن يشهد شاهد بألف من قرض وشاهد بخمسمائة من ثمن مبيع ويشهد شاهد بألف بيض وآخر بخمسمائة سود أو يشهد شاهد بألف دينار والآخر بخمسمائة درهم لم تكمل البينة وكان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحقها ويحلف مع أحدهما ويستحق ما شهد به فصل فإن شهد له شاهدان بألف وشاهدان بخمسمائة ولم تختلف الأسباب والصفات دخلت الخمسمائة في الألف ووجب له بالشهادتين مائة وإن اختلفت الأسباب والصفات وجب له الألف والخمسمائة ولم يدخل أحدهما في الآخر لأنهما مختلفان فصل وإن شهد له شاهد أنه باعه هذا العبد بألف وشهد آخر أنه باعه إياه بخمسمائة لم تكمل البينة لاختلافهما في صفة البيع وله أن يحلف مع أحدهما ويثبت له ما حلف عليه وإن شهد له بكل عقد شاهدان ثبت البيعان وإن أضافا البيع إلى وقت واحد مثل أن يشهد أنه باعه هذا العبد مع الزوال بألف وشهد الآخر أنه باعه إياه مع الزوال بخمسمائة تعارضت البينتان وسقطتا لأنه لا يمكن اجتماعهما وكل بينة تكذب الأخرى وإن شهد بكل واحد من هذين شاهد واحد كان له أن يحلف مع أحدهما ولا يتعارضان لأن التعارض إنما يكون بين البينتين الكاملتين

Section V10/P235–V10/P237

فصل وإن شهد أحدهما أنه غصبه ثوبا قيمته درهمان وشهد آخر أن قيمته ثلاثة ثبت له ما اتفقا عليه وهو درهمان وله أن يحلف مع الآخر على درهم لأنهما اتفقا على درهمين وانفرد أحدهما بدرهم فأشبه ما لو شهد أحدهما بألف وآخر بخمسمائة وإن شهد شاهدان أن قيمته درهمان وشاهدان أن قيمته ثلاثة ثبت له درهمان وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له ثلاثة لأنه قد شهد بها شاهدان وهما حجة فيجب الأخذ بهما كما يؤخذ بالزيادة في الأخبار وكما لو شهد له شاهدان بألف وشاهدان بألفين فإنه يجب له ألفان قال القاضي ويتوجه لنا مثل هذا بناء على مسألة الألف وخمسمائة ولنا إن من شهد أن قيمته درهمان ينفي أن تكون قيمته ثلاثة فقد تعارضت البينتان في الدرهم وتخالف الزيادة في الأخبار فإن من يروي الناقص لا ينفي الزيادة وكذلك من شهد بألف لا ينفي أن عليه ألفا آخر فإن قيل فلم قلتم إنه إذا شهد بكل واحد من القيمتين شاهدان تعارضتا وإن شهد واحد لم تتعارضا وكان له أن يحلف مع الشاهد بالزيادة عليها قلنا لأن الشاهدين حجة وبينة فإذا كملت من الجانبين تعارضت الحجتان لتعذر الجمع بينهما وأما الشاهد الواحد فليس بحجة وحده وإنما يصير حجة مع اليمين فإذا حلف مع أحدهما كملت الحجة بيمينه ولم يعارضهما ما ليس بحجة كما لو شهد بأحدهما شاهدان وبالآخر شاهد واحد مسألة قال ( ومن ادعى شهادة عدل فأنكر أن تكون عنده ثم شهد بها بعد ذلك وقال كنت أنسيتها قبلت منه ) وجملة ذلك أن العدل إذا أنكر أن تكون عنده شهادة ثم شهد بها وقال كنت أنسيتها قبلت ولم ترد شهادته وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق ولا أعلم فيه مخالفا وذلك لأنه يجوز أن يكون نسيها وإذا كان ناسيا لها فلا شهادة عنده فلا نكذبه مع إمكان صدقه ولا يشبه هذا إذا ما قال لا بينة ثم أتى ببينة حيث لا تسمع فإن ذلك إقرار منه على نفسه بعدم البينة والإنسان يؤاخذ بإقراره وقول الشاهد لا شهادة عندي ليس بإقرار فإن الشهادة ليست له إنما هي حق عليه فيكون منكرا لها فإذا اعترف بها كان إقرارا بعد الإنكار وهو مسموع بخلاف الإنكار بعد الإنكار ولأن الناسي للشهادة لا شهادة له عنده فهو صادق في إنكاره فإذا ذكرها صارت عنده فلا تنافي بين القولين وصار هذا كمن أنكر أن يكون عنده شهادة قبل أن يستشهد ثم استشهد بعد ذلك فصارت عنده بخلاف من أنكر أن له بينة فإنه لا يخرج عن أن يكون له بينة بنسيانها مسألة قال ( ومن شهد بشهادة يجر إلى نفسه بعضها بطلت شهادته في الكل ) وجملته أن من شهد بشهادة له بعضها مثل أن يشهد الشريك لشريكه بمال من الشركة أو يشهد على زيد بدار له ولعمرو فإن شهادته تبطل في الكل وقالالشافعي فيها قولان أحدهما كقولنا والثاني تصح شهادته لغيره لأنه أجنبي فتصح شهادته له كما لو لم يكن له فيها شرك ويتخرج لنا مثل هذا بناء على قولنا في عبد بين ثلاثة اشترى نفسه منهم بثلاثمائة درهم فادعى أنهم قبضوها منه فأنكر أحدهم أن يكون أخذ شيئا فأقر له اثنان وشهدا على المنكر بالقبض فإن شهادتهما تقبل عليه ويشاركهما فيما أخذا من المال ولنا إنها شهادة ترد بعضها للتهمة فترد جميعها كما لو شهد المضارب لرب المال بمال من المضاربة ولو شهد بدين لأبيه وأجنبي أو شهد بشهادة ترد في بعض ما شهد به بطلت كلها مسألة قال ( وإذا مات رجل وخلف ابنا وألف درهم فادعى رجل على الميت ألف درهم وصدقه الأب وادعى آخر مثل ذلك وصدقه الابن فإن كان في مجلس واحد كان الألف بينهما وإن كان في مجلسين كان الألف للأول ولا شيء للثاني )

Section V10/P237–V10/P238

وجملته أن الميت إذا خلف وارثا وتركه فأقر الوارث لرجل بدين على الميت يستغرق ميراثه فقد أقر بتعليق دينه بجميع التركة واستحقاقه لجميعها فإذا أقر بعد ذلك لآخر نظرت فإن كان في المجلس صح الإقرار واشتركا في التركة لأن حالة المجلس كلها كحالة واحدة بدليل القبض فيما يعتبر القبض فيه وإمكان الفسخ في البيع ولحوق الزيادة في العقد فكذلك في الإقرار وإن كان في مجلس آخر لم يقبل إقراره لأنه يقر بحق على غيره فإنه يقر بما يقتضي مشاركة الأول في التركة ومزاحمته فيها وتنقيص حقه منها ولا يقبل إقرار الإنسان على غيره وقال الشافعي يقبل إقراره ويشتركان فيها لأن الوارث يقوم مقام الموروث ولو أقر الموروث لهما لقبل فكذلك الوارث ولأن منعه من الإقرار يفضي إلى إسقاط حق الغرماء فإنه قد لا يتفق حضورهم في مجلس واحد فيبطل حقه بغيبته ولأن من قبل إقراره أولا قبل إقراره ثانيا إذا لم يتغير حاله كالموروث ولنا إنه أقر بما يتعلق بمحل تعلق به حق غيره على وجه يضربه تعلقا يمنع صحة تصرفه فيه فلم يقبل كإقرار الراهن بجناية عبده المرهون أو الجاني وأما الموروث فإن أقر في صحته صح لأن الدين لا يتعلق بماله وإنما يتعلق بذمته وإن أقر في مرضه لم يحاص المقر له غرماء الصحة لذلك وإن أقر في مرضه لغريم يستغرق دينه تركته ثم أقر لآخر في مجلس آخر صح وشارك الأول والفرق بينه وبين الوارث أن إقراره الأول لم يمنعه التصرف في ماله ولا أن يتعلق به دين آخر بأن يستدين دينا آخر فلم يمنع ذلك تعلق الدين بتركته بالإقرار بخلاف الوارث فإنه لا يملك أن يعلق بالتركة دينا آخر بفعله فلا يملكه بقوله ولا يملك التصرف في التركة ما لم يلتزم قضاء الدين فصل وإن مات وترك ألفا فأقر به ابنه لرجل ثم أقر به لغيره فهو للأول ولا شيء للثاني فيه سواء كان في مجلس أو مجلسين لأنه باعترافه للأول ثبت له الملك فيه فصار إقراره للثاني إقرارا له بملك غيره فلم يقبل وتلزم المقر غرامته للثاني لأنه فوته عليه بإقراره لغيره فأشبه ما لو غصبه منه فدفعه إلى غيره مسألة قال ( ومن ادعى دعوى على مريض فأومأ برأسه أي نعم لم يحكم بها حتى يقول بلسانه ) وجملته أن إشارة المريض لا تقوم مقام نطقه وسواء كان عاجزا عن الكلام أو قادرا عليه وبهذا قال الثوري وقال الشافعي يقبل إقراره بإشارته إذا كان عاجزا عن الكلام لأنه إقرار بالإشارة من عاجز عن الكلام فأشبه إقرار الأخرس ولنا إنه غير مأيوس من نطقه فلم تقم إشارته مقام نطقه كالصحيح وبهذا فارق الأخرس فإنه مأيوس من نطقه ولهذا لو ارتج عليه في الصلاة لم تصح صلاته بغير قراءة بخلاف الأخرس والآيسة يفرق بينها وبين من ارتفع حيضها مع إمكانه في العدة ولأن عجزه عن النطق غير متحقق فإنه يحتمل أن يترك الكلام لصعوبته عليه ومشقته لا لعجزه وإن صار إلى حال يتحقق الإياس من نطقه لم يوثق بإشارته لأن المرض الذي أعجزه عن النطق لم يختص بلسانه فيجوز أن يكون أثر في عقله أ وفي سمعه فلم يدر ما قيل له بخلاف الأخرس ولأن الأخرس قد تكررت إشارته حتى صارت عند من يعاشره كاليقين ومماثلة النطق وهذا لم تتكرر إشارته فلعله لم يرد الإقرار إنما أراد الإنكار أو إسكات من يسأله ومع هذه الفروق لا يصح القياس مسألة قال ( ومن ادعى دعوى وقال لا بينة لي ثم أتى بعد ذلك ببينة لم تقبل لأنه مكذب لبينته ) وبهذا قال محمد بن الحسن وقال أبو سيف وابن المنذر تقبل وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه يجوز أن ينسى أو يكون الشاهدان سمعا وصاحب الحق لا يعلم فلا يثبت بذلك أنه كذب بينته

Section V10/P238–V10/P239

وقال بعض أصحاب الشافعي وإن كان الإشهاد أمرا تولاه بنفسه لم تسمع بينته لأنه أكذبها وإن كان وكيله أشهد على المدعى عليه أو شهد من غير علمه أو من غير أن يشهدهم سمعت بينته لأنه معذور في نفيه إياها وهذا القول حسن ولنا إنه أكذب بينته بإقراره أنه لا يشهد له أحد فإذا شهد له إنسان كان تكذيبا له ويفارق الشاهد إذا قال لا شهادة عندي ثم قال كنت نسيتها لأن ذلك إقرار لغيره بعد الإنكار وها هنا هو مقر لخصمه بعدم البينة فلم يقبل رجوعه عنه والحكم فيما إذا قال كل بينة لي زور كالحكم فيما إذا قال لا بينة لي على ما ذكرنا من الخلاف فيه فصل وإن قال ما أعلم لي بينة ثم أتى ببينة سمعت لأنه يجوز أن تكون له بينة لم يعلمها ثم علمها قال أبو الخطاب ولو قال ما أعلم لي بينة فقال شاهدان نحن نشهد لك سمعت بينته مسألة قال ( وإذا شهد الوصي على من موصى عليهم قبلت شهادته وإن شهد لهم لم يقبل إذا كانوا في حجره ) أما شهادته عليهم فمقبولة لا نعلم فيه خلافا فإنه لا يتهم عليهم ولا يجر بشهادته عليهم نفعا ولا يدفع عنهم بها ضررا وأما شهادته لهم إذا كانوا في حجره فغير مقبولة وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الشعبي والثوري ومالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وابن أبي ليلى وأجاز شريح وأبو ثور شهادته لهم إذا كان الخصم غيره لأنه أجنبي منهم فقبلت شهادته لهم كما بعد زوال الوصية ولنا إنه شهد بشيء هو خصم فيه فإنه الذي يطالب بحقوقهم ويخاصم فيها ويتصرف فيها فلم تقبل شهادته كما لو شهد بمال نفسه ولأنه يأخذ من مالهم عند الحاجة فيكون متهما في الشهادة به فأما قوله إذا كانوا في حجره فإنه يعني أنه لو شهد لهم بعد زوال ولايته عنهم قبلت شهادته لزوال المعنى الذي منع قبولها والحكم في أمين الحاكم يشهد للأيتام الذين هم تحت ولايته كالحكم في الوصي سواء مسألة قال ( إذا شهد من يخنق في الأحيان قبلت شهادته في إفاقته ) قالابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم وممن حفظنا عنه ذلك مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور ولا أحسبه إلا مذهب أهل الكوفة وذلك لأن الاعتبار في الشهادة بحال أدائها وهو في وقت الأداء من أهل التحصيل والعقل الثابت فقبلت شهادته كالصبي إذا كبر ولأنه عدل غير متهم فقبلت شهادته كالصحيح وزوال عقله في غير حال الشهادة لا يمنع قبولها كالصحيح الذي ينام والمريض الذي يغمى عليه في بعض الأحيان مسألة قال ( وتقبل شهادة الطبيب في الموضحة إذا لم يقدر على طبيبين وكذلك البيطار في داء الدابة ) وجملته أنه إذا اختلف في الشجة هل هي موضحة أو لا أو فيما كان أكثر منها كالهاشمة والمنقلة والآمة والدامغة أو أصغر منها كالباضعة والمتلاحمة والسمحاق أو في الجائفة وغيرها من الجراح التي لا يعرفها إلا الأطباء أو اختلفا في داء يختص بمعرفته الأطباء أو في داء الدابة فظاهر كلام الخرقي أنه إذا قدر على طبيبين أو بيطارين لا يجزىء واحد لأنه مما يطلع عليه الرجال فلم تقبل فيه شهادة واحد كسائر الحقوق فإن لم يقدر على اثنين أجزأ واحد لأنه مما لا يمكن كل واحد أن يشهد به لأنه مما يختص به أهل الخبرة من أهل الصنعة فاجتزىء فيه بشهادة واحد بمنزلة العيوب تحت الثياب يقبل فيها قول المرأة الواحدة فقبول قول الرجل الواحد أولى

Section V10/P239–V10/P240

فصل قالأحمد رحمه الله إذا قال أشهد على مائة درهم ومائة درهم فشهد على مائة دون مائة كره إلا أن يقول أشهد ولي على مائة ومائة يحكيه كله للحاكم كما كان وقال أحمد إذا شهد على ألف وكان الحاكم لا يحكم إلا على مائة ومائتين فقال له صاحب الحق أريد أن تشهد لي على مائة لم يشهد إلا بألف قال القاضي وذلك أن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد قال الله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها المائدة 108 ولأنه لو ساغ للشاهد أن يشهد ببعض ما أشهد عليه لساغ للقاضي أن يقضي ببعض ما شهد به الشاهد وقال أبو الخطاب عندي يجوز أن يشهد بذلك لأن من شهد بألف فقد شهد بمائة فإذا شهد بمائة لم يكن كاذبا في شهادته فجاز كما لو كان قد أقرضه مائة مرة وتسعمائة مرة أخرى والأول أصح لما ذكره القاضي ولأن شهادته بمائة ربما أوهمت أن هذه المائة غير التي شهدت بأصله فيؤدي إلى إيجابها عليه مرتين فصل قال أحمد إذا شهد بألف درهم ومائة دينار فله من دراهم ذلك البلد ودنانيره قال القاضي لأنه لما جاز أن يحمل مطلق العقد على ذلك جاز أن تحمل الشهادة عليه والله أعلم كتاب الدعاوى والبينات الدعوى في اللغة إضافة الإنسان إلى نفسه شيئا ملكا أو استحقاقا أو صفقة أو نحو ذلك وهي في الشرع إضافته إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمته والمدعى عليه من يضاف إليه استحقاق شيء عليه وقال ابن عقيل الدعوى الطلب قال الله تعالى ولهم ما يدعون وقيل المدعي من يلتمس بقوله أخذ شيء من يد غيره أو إثبات حق في ذمته والمدعى عليه من ينكر ذلك وقيل المدعي من إذا ترك لم يسكت والمدعى عليه من إذا ترك سكت وقد يكون كل واحد منهما مدعيا ومدعى عليه بأن يختلفا في العقد فيدعي كل واحد منهما أن الثمن غير الذي ذكره صاحبه والأصل في الدعوى قول النبي صلى الله عليه وسلم لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم وفي حديث البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ولا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( ومن ادعى زوجية امرأة فأنكرته ولم تكن له بينة فرق بينهما ولم يحلف وجملته أن النكاح لا يستحلف فيه رواية واحدة ذكره القاضي وهو قول أبي حنيفة ويتخرج أن يستحلف في كل حق لآدمي وهو قول الشافعي وابن المنذر ونحوه قول أبي يوسف ومحمد لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه ولأنه حق لآدمي فيستحلف فيه كالمال ثم اختلفوا فقال أبو يوسف ومحمد يستحلف في النكاح فإن نكل ألزم النكاح وقال الشافعي إن نكل ردت اليمين على الزوج فحلف وثبت النكاح ولنا إن هذا مما لا يحل بذله فلم يستحلف فيه كالحد يحقق هذا أن الأبضاع مما يحتاط فيها فلا تباح بالنكول ولا به وبيمين المدعي كالحدود وذلك لأن النكول ليس بحجة قوية إنما هو سكوت مجرد يحتمل أن يكون لخوفه من اليمين أو للجهل بحقيقة الحال أو للحياء من الحلف والتبذل في مجلس الحاكم ومع هذه الاحتمالات لا ينبغي أن يقضى به فيما يحتاط له ويمين المدعي إنما هي قول نفسه لا ينبغي أن يعطي بها أمرا فيه خطر عظيم وإثم كبير ويمكن من وطء امرأة يحتمل أن تكون أجنبية منه وأما الحديث فإنما تناول الأموال والدماء فلا يدخل النكاح فيه ولو دخل فيه كل دعوى لكان مخصوصا بالحدود فالنكاح في معناه بل النكاح أولى لأنه لا يكاد يخلو من شهود لكون الشهادة شرطا في انعقاده أو من اشتهاره فيشهد فيه بالاستفاضة والحدود بخلاف ذلك

Section V10/P240–V10/P242

إذا ثبت هذا فإنه يفرق بينهما ويحال بينه وبينها ويخلى سبيلها وإن قلنا إنها تحلف على الاحتمال الآخر فنكلت لم يقض بالنكول وتحبس في أحد الوجهين حتى تقر أو تحلف وفي الآخر يخلى سبيلها وتكون فائدة شرع اليمين التخويف والردع لتقر إن كان المدعي محقا أو تحلف فتبرأ إن كان مبطلا فصل وإذا ادعى رجل نكاح امرأة احتاج إلى ذكر شرائط النكاح فيقول تزوجتها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها إن كانت ممن يعتبر رضاها وهذا منصوص الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يحتاج إلى ذكر شرائطه لأنه نوع ملك فأشبه ملك العبد ألا ترى أنه لا يحتاج أن يقول وليست معتدة ولا مرتدة ولنا إن الناس اختلفوا في شرائط النكاح فمنهم من يشترط الولي والشهود ومنهم من لا يشترط ومنهم من يشترط إذن البكر البالغ لأبيها في تزويجها ومنهم من لا يشترطه وقد يدعي نكاحا يعتقده صحيحا والحاكم لا يرى صحته ولا ينبغي أن يحكم بصحته مع جهله بها ولا يعلم بها ما لم تذكر الشروط وتقوم البينة بها وتفارق المال فإن أسبابه تنحصر وقد يخفى على المدعي سبب ثبوت حقه والعقود تكثر شروطها ولذلك اشترطنا لصحة البيع شروطا سبعة وربما لا يحسن المدعي عدها ولا يعرفها والأموال مما يتساهل فيها ولذلك افترقا في اشتراط الولي والشهود في عقوده فافترقا في الدعوى وعدم العدة والردة لم يختلف الناس فيه والأصل عدمها ولا تختلف به الأغراض فإن كانت المرأة أمة والزوج حرا فقياس ما ذكرناه أنه يحتاج إلى ذكر عدم الطول وخوف العنت ولأنهما من شرائط صحة نكاحها وأما إن ادعى استدامة الزوجية ولم يدع العقد لم يحتج إلى ذكر الشروط في أحد الوجهين لأنه يثبت بالاستفاضة ولو اشترط ذكر الشروط لاشترطت الشهادة به ولا يلزم ذلك في شهادة الاستفاضة وفي الثاني يحتاج إلى ذكر الشروط لأنه دعوى نكاح فأشبه دعوى العقد فصل وإن ادعت المرأة النكاح على زوجها وذكرت معه حقا من حقوق النكاح كالصداق والنفقة ونحوها سمعت دعواها بغير خلاف نعلمه لأنها تدعي حقا لها تضيفه إلى سببه فتسمع دعواها كما لو ادعت ملكا أضافته إلى الشراء وإن أفردت دعوى النكاح فقال القاضي تسمع دعواها أيضا لأنه سبب لحوق لها فتسمع دعواها فيه كالبيع وقالأبو الخطاب فيه وجه آخر لا تسمع دعواها فيه لأن النكاح حق للزوج عليها فلا تسمع دعواها حقا لغيرها فإن قلنا بالأول سئل الزوج فإن أنكر ولم تكن بينة فالقول قوله من غير يمين لأنه إذا لم تستحلف المرأة والحق عليها فلأن لاا يستحلف من الحق له وهو ينكره أولى ويحتمل أن يستحلف لأن دعواها إنما سمعت لتضمنها دعوى حقوق مالية تشرع فيها اليمين وإن قامت البينة بالنكاح ثبت لها ما تضمنه النكاح من حقوقها فأما إباحتها له فتنبني على باطن الأمر فإن علم أنها زوجته حلت له لأن إنكاره النكاح ليس بطلاق ولا نوى به الطلاق وإن علم أنها ليست امرأته إما لعدم العقد أو لبينونتها منه لم تحل له وهل يمكن منها في الظاهر يحتمل وجهين أحدهما يمكن منها لأن الحاكم قد حكم بالزوجية والثاني لا يمكن منها لإقراره على نفسه بتحريمها عليه فيقبل قوله في حق نفسه دون ما عليه كما لو تزوج امرأة ثم قال هي أختي من الرضاعة فإذا ثبت هذا فإن دعواها النكاح كدعوى الزوج فيما ذكرنا من الكشف عن سبب النكاح وشرائط العقد ومذهب الشافعي قريب مما ذكرنا في هذا الفصل

Section V10/P242–V10/P243

فصل فأما سائر العقود غير النكاح كالبيع والإجارة والصلح وغيرها فلا يفتقر إلى الكشف وذكر الشروط في أصح الوجهين لأنها لا يحتاط لها ولا تفتقر إلى الولي والشهود فلم تفتقر إلى الكشف كدعوى العين وسواء كان المبيع جارية أو غيرها لأنها مبيع فأشبهت الجارية وكذلك إذا كان المدعي عينا أو دينا لم يحتج إلى ذكر السبب لأن أسباب ذلك تكثر ولا تنحصر وربما خفي على المستحق سبب استحقاقه فلا يكلف بيانه ويكفيه أن يقول استحق هذه العين التي في يده أو استحق كذا كذا في ذمته ويقول في البيع إني اشتريت منه هذه الجارية بألف درهم أو بعتها منه بذلك ولا يحتاج أن يقول وهي ملكه أو وهي ملكه ونحن جائز الأمر وتفرقنا عن تراض وذكر أبو الخطاب في العقود وجها آخر أنه يشترط ذكر شروطها قياسا على النكاح وذكر أصحاب الشافعي هذين الوجهين ووجها ثالثا أنه إن كان المبيع جارية اشترط ذكر شروط البيع لأنه عقد يستباح به الوطء فأشبه النكاح وإن كان المبيع غيرها لم يشترط لعدم ذلك والأول أولى لأنها دعوى فيما لا يشترط فيه الولي والشهود أشبه دعوى العين وما لزم ذكره في الدعوى فلم يذكره سأله الحاكم عنه لتصير الدعوى معلومة فيمكن الحاكم الحكم بها وقد ذكرنا سائر الدعاوى فيما سبق بما أغنى عن إعادته ها هنا مسألة قال ( ومن ادعى دابة في يد رجل فأنكر وأقام كل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي ببينته ولم يلتفت إلى بينة المدعى عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بسماع بينة المدعي ويمين المدعى عليه وسواء شهدت بينة المدعى عليه أنها له أو قالت ولدت في ملكه عليه ) وجملة ذلك أن من ادعى شيئا في يد غيره فأنكره ولكل واحد منهما بينة فإن بينة المدعي تسمى بينة الخارج وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيما إذا تعارضتا فالمشهور عنه تقديم بينة المدعي ولا تسمع بينة المدعى عليه بحال وهذا قول إسحاق وعنه رواية ثانية إن شهدت بينة الداخل بسبب الملك وقالت نتجت في ملكه أو اشتراها أو نسجها أو كانت بينته أقدم تاريخا قدمت وإلا قدمت بينة المدعي وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور في النتاج والنساج فيما لا يتكرر نسجه فأما ما يتكرر نسجه كالصوف والخز فلا تسمع بينته لأنها إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه رجلان في دابة أو بعير فأقام كل واحد منهما البينة بأنها له أنتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده وذكر أبو الخطاب رواية ثالثة أن بينة المدعى عليه تقدم بكل حال وهو قول شريح والشعبي والنخعي والحكم والشافعي وأبي عبيد وقال هو قول أهل المدينة وأهل الشام وروي عن طاوس وأنكر القاضي كون هذا رواية عن أحمد وقال لا تقبل بينة الداخل إذا لم تفد إلا ما أفادته يده رواية واحدة واحتج من ذهب إلى هذا القول بأن جنبة المدعى عليه أقوى لأن الأصل معه ويمينه تقدم على يمين المدعي فإذا تعارضت البينتان وجب إبقاء يده على ما فيها وتقديمه كما لو لم تكن بينة لواحد منهما وحديث جابر يدل على هذا فإنه إنما قدمت بينته ليده

Section V10/P243–V10/P244

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه فجعل جنس البينة في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبة المدعى عليه بينة ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح على التعديل ودليل كثرة فائدتها أنها تثبت شيئا لم يكن وبينة المنكر إنما تثبت ظاهرا تدل اليد عليه فلم تكن مفيدة ولأن الشهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتصرف فإن ذلك جائز عند كثير من أهل العلم فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة فتقدم عليها بينة المدعي كما تقدم على اليد كما أن شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الأصل لم تكن لهما مزية عليهما فصل وأي البينتين قدمناها لم يحلف صاحبها معها وقال الشافعي في أحد قوليه يستحلف صاحب اليد لأن البينتين سقطتا بتعارضهما فصارا كمن لا بينة لهما فيحلف الداخل كما لو لم تكن لواحد منهما بينة ولنا إن إحدى البينتين راجحة فيجب الحكم بها منفردة كما لو تعارض خبران خاص وعام أو أحدهما أرجح بوجه من الوجوه ولا نسلم أن البينة الراجحة تسقط وإنما ترجح ويعلم بها وتسقط المرجوحة فصل فإن كانت البينة لأحدهما دون الآخر نظرت فإن كانت البينة للمدعي وحده حكم بها ولم يحلف بغير خلاف في المذهب وهو قول أهل الفتيا من أهل الأمصار منهم الزهري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وقال شريح وعون بن عبد الله والنخعي والشعبي وابن أبي ليلى يستحلف الرجل مع بينته قال شريح لرجل لو أثبت عندي كذا وكذا شاهدا ما قضيت لك حتى تحلف ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي بينتك أو يمينه ليس لك إلا ذلك وقول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ولأن البينة إحدى حجتي الدعوى فيكتفى بها كاليمين قال أصحابنا ولا فرق بين الحاضر والغائب والحي والميت والصغير والكبير والمجنون والمكلف وقالالشافعي إذا كان المشهود عليه لا يعبر عن نفسه أحلف المشهود له لأنه لا يمكنه أن يعبر عن نفسه في دعوى القضاء والإبراء فيقوم الحاكم مقامه في ذلك لنزول الشبهة وهذا حسن فإن قيام البينة للمدعي بثبوت حقه لا ينفي احتمال القضاء والإبراء بدليل أن المدعى عليه لو ادعاه سمعت دعواه وبينته فإن كان حاضرا مكلفا فسكوته عن دعوى ذلك دليل على انتفائه فيكتفي بالبينة وإن كان غائبا أو ممن لا قول له نفي احتمال ذلك من غير دليل يدل على انتفائه فتشرع اليمين لنفسه وإن لم تكن للمدعي بينة وكانت للمنكر بينة سمعت بينته ولم يحتج إلى الحلف معها لأنا إن قلنا بتقديمها مع التعارض وإنه لا يحلف معها فمع انفرادها أولى وإن قلنا بتقديم بينة المدعى عليه فيجب أن يكتفى بها عن اليمين لأنها أقوى من اليمين فإذا اكتفى باليمين فيما هو أقوى منها أولى ويحتمل أن تشرع اليمين أيضا لأن البينة ها هنا يحتمل أن تكون مستندها اليد والتصرف فلا تفيد إلا ما أفادته اليد والتصرف وذلك لا يغني عن اليمين فكذلك ما قام مقامه فصل وإن ادعى الخارج أن الدابة ملكه وأنه أودعها للداخل أو عاره إياها أو آجرها منه ولم يكن لواحد منهما بينة فالقول قول المنكر مع يمينه ولا نعلم فيه خلافا وإن كان لكل واحد منهما بينة فبينة الخارج مقدمة وهذا قول الشافعي وقال القاضي بينة الداخل مقدمة لأنه هو الخارج في المعنى لأنه ثبت أن المدعي صاحب اليد وأن يد الداخل نائبة عنه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي ولأن اليمين في حق المدعى عليه فتكون البينة للمدعي كما لو لم يدع الإيداع يحققه أن دعواه الإيداع زيادة في حجته وشهادة البينة بها تقوية لها فلا يجوز أن تكون مبطلة لبينته وإن ادعى الخارج أن الداخل غصبه إياها وأقاما بينتين فهي للخارج ويقتضي قول القاضي أنها للداخل والأولى ما ذكرناه

Questions

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) · 148 · Qur'an & Sunnah