İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
قال أحمد رحمه الله ما أحب أن يجعل في القبر مضربة ولا مخدة وقد جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء فإن جعلوا قطيفة فلعلة فإذا فرغوا نصبوا عليه اللبن نصبا ويسند خلله بالطين لئلا يصل إليه التراب وإن جعل مكان اللبن قصبا فحسن لأن الشعبي قال جعل على لحد النبي صلى الله عليه وسلم طن قصب فإني رأيت المهاجرين يستحبون ذلك قال الخلال كان أبو عبد الله يميل إلى اللبن ويختاره على القصب ثم ترك ذلك ومال إلى استحباب القصب على اللبن وأما الخشب فكرهه على كل حال ورخص فيه عند الضرورة إذا لم يوجد غيره وأكثر الروايات عن أبي عبد الله استحباب اللبن وتقديمه على القصب لقول سعد انصبوا علي اللبن نصبا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول سعد أولى من قول الشعبي فإن الشعبي لم ير ولم يحضر وأيهما فعله كان حسنا قال حنبل قلت لأبي عبد الله فإن لم يكن لبن قال ينصب عليه القصب والحشيش وما أمكن من ذلك ثم يهال عليه التراب فصل روي عن أحمد أنه حضر جنازة فلما ألقي عليها التراب قام إلى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات ثم رجع إلى مكانه وقال قد جاء عن علي وصح أنه حثى على قبر ابن مكفف وروي عنه أنه قال إن فعل فحسن وإن لم يفعل فلا بأس ووجه استحبابه ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت من قبل رأسه فحثى عليه ثلاثا أخرجه ابن ماجة وعن عامر بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على عثمان بن مظعون فكبر عليه أربعا ثم أتى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات وهو قائم عند رأسه رواه الدارقطني وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعا أخرجه الشافعي في مسنده وفعله علي رضي الله عنه وروي عن ابن عباس أنه لما دفن زيد بن ثابت حثى في قبره ثلاثا وقال هكذا يذهب العلم فصل ويقول حين يضعه في قبره ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أدخل الميت القبر قال بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وروى ابن ماجة عن سعيد بن المسيب قال حضرتابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر اللهم جاف الأرض عن جنبيها وصعد روحها ولقها منك رضوانا قلت يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قلته برأيك قال إني لقادر على القول بل سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا سوى على الميت قال اللهم أسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة وذنبه عظيم فاغفر له رواه ابن المنذر فصل إذا مات في سفينة في البحر فقال أحمد رحمه الله ينتظر به إن كانوا يرجون أن يجدوا له موضعا يدفنونه فيه حبسوه يوما أو يومين ما لم يخافوا عليه الفساد فإن لم يجدوا غسل وكفن وحنط ويصلى عليه ويثقل بشيء ويلقى في الماء وهذا قول عطاء والحسن قال الحسن يترك في زنبيل ويلقى في البحر وقال الشافعي يربط بين لوحين ليحمله البحر إلى الساحل فربما وقع إلى قوم يدفنونه وإن ألقوه في البحر لم يأثموا والأول أولى لأنه يحصل به الستر المقصود من دفنه وإلقاؤه بين لوحين تعريض له للتغير والهتك وربما بقي على الساحل مهتوكا عريانا وربما وقع إلى قوم من المشركين فكان ما ذكرناه أولى مسألة قال ( والمرأة يخمر قبرها بثوب ) لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافا
وقد روى ابن سيرين أن عمر كان يغطي قبر المرأة وروي عن علي أنه مر بقوم قد دفنوا ميتا وبسطوا على قبره الثوب فجذبه وقال إنما يصنع هذا بالنساء وشهد أنس بن مالك دفن أبي زيد الأنصاري فخمر القبر بثوب فقال عبد الله بن أنس ارفعوا الثوب إنما يخمر النساء وأنس شاهد على شفير القبر لا ينكر ولأن المرأة عورة ولا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون فإن كان الميت رجلا كره ستر قبره لما ذكرنا وكرهه عبد الله بن يزيد ولم يكرهه أصحاب الرأي وأبو ثور والأول أولى لأن فعل علي رضي الله عنه وأنس يدل على كراهته ولأن كشفه أمكن وأبعد من التشبه بالنساء مع ما فيه من اتباع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألة قال ( ويدخلها محرمها فإن لم يكن فالنساء فإن لم يكن فالمشايخ ) لا خلاف بين أهل العلم في أن أولى الناس بإدخال المرأة قبرها محرمها وهو من كان يحل له النظر إليها في حياتها ولها السفر معه وقد روى الخلال بإسناده عن عمر رضي الله عنه أنه قام عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت زينت بنت جحش فقال ألا إني أرسلت إلى النسوة من يدخلها قبرها فأرسلن من كان يحل له الدخول عليها في حياتها فرأيت أن قد صدقن ولما توفيت امرأة عمر قال لأهلها أنتم أحق بها ولأن محرمها أولى الناس بولايتها في الحياة فكذلك بعد الموت وظاهر كلام أحمد أن الأقارب يقدمون على الزوج قال الخلال استقامت الرواية عن أبي عبد الله أنه إذا حضر الأولياء والزوج فالأولياء أحب إليه فإن لم يكن الألوياء فالزواج أحق من الغريب لما ذكرنا من خبر عمر ولأن الزوج قد زالت زوجتيه بموتها والقرابة باقية وقال القاضي الزوج أحق من الأولياء لأن أبا بكر أدخل امرأته قبرها دون أقاربها ولأنه أحق بغسلها منهم فكان أولى بإدخالها قبرها كمحل الوفاق وأيهما قدم فالآخر بعده فإن لم يكن واحد منهما فقد روي عن أحمد أنه قال أحب إلي أن يدخلها النساء لأنه مباح لهن النظر إليها وهن أحق بغسلها وعلى هذا يقدم الأقرب منهن فالأقرب كما في حق الرجل وروي عنه وهن أحق بغسلها وعلى هذا يقدم الأقرب منهن فالأقرب كما في حق الرجل وروي عنه أن النساء لا يستطعن أن يدخلن القبر ولا يدفن وهذا أصح وأحسن لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم حين ماتت ابنته أمر أبا طلحة فنزل في قبرها وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيكم لم يقارف الليلة قال أبو طلحة أنا فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فنزل فأدخلها قبرها رواه البخاري ورأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء في جنازة فقال هل تحملن قلن لا قال هل تدلين فيمن يدلي قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات رواه ابن ماجة وهذا استفهام إنكار فدل على أن ذلك غير مشروع لهن بحال وكيف يشرع لهن وقد نهاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتباع الجنائز ولأن ذلك لو كان مشروعا لفعل في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أو خلفائه ولنقل عن بعض الأئمة ولأن الجنازة يحضرها جموع الرجال وفي نزول النساء في القبر بين أيديهم هتك لهن مع عجزهن عن الدفن وضعفهن عن حمل الميتة وتقليبها فلا يشرع لكن إن عدم محرمها استحب ذلك للمشايخ لأنهم أقل شهوة وأبعد من الفتنة وكذلك من يليهم من فضلاء الناس وأهل الدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة فنزل في قبر ابنته دون غيره فصل فأما الرجل فأولى الناس بدفنه أولاهم بالصلاة عليه من أقاربه لأن القصد طلب الحظ للميت والرفق به قال علي رضي الله عنه إنما يلي الرجل أهله ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ألحده العباس وعلي وأسامة رواه أبو داود ولا توقيف في عدد من يدخل القبر نص عليه أحمد
فعلى هذا يكون عددهم على حسب حال الميت وحاجته وما هو أسهل في أمره قال القاضي يستحب أن يكون وترا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألحده ثلاثة ولعل هذا كان اتفاقا أو لحاجتهم إليه وقد روى أبو داود عن أبي مرحب أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال كأني أنظر إليهم أربعة وإذا كان المتولي فقيها كان حسنا لأنه محتاج إلى معرفة ما يصنعه في القبر مسألة قال ( ولا يشق الكفن في القبر وتحل العقد ) أما شق الكفن فغير جائز لأنه إتلاف مستغنى عنه ولم يرد الشرع به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه رواه مسلم وتخريقه يتلفه ويذهب بحسن وأما حل العقد من عند رأسه ورجليه فمستحب لأن عقدها كان للخوف من انتشارها وقد أمن ذلك بدفنه وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر نزع الأخلة بفيه وعن ابن مسعود وسمرة بن جندب نحو ذلك مسألة قال ( ولا يدخل القبر آجرا ولا خشبا ولا شيئا مسته النار ) قد ذكرنا أن اللبن والقصب مستحب وكره أحمد الخشب وقال إبراهيم النخعي كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب ولا يستحب الدفن في تابوت لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه وفيه تشبه بأهل الدنيا والأرض أنشف لفضلاته ويكره الآجر لأنه من بناء المترفين وسائر ما مسته النار تفاؤلا بأن لا تمسه النار فصل وإذا فرغ من اللحد أهال عليه التراب ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر ليعلم أنه قبر فيوفي ويترحم على صاحبه وروى الساجي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض قدر شبر وروى القاسم بن محمد قال قلت لعائشة يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطية مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء رواه أبو داود ولا يستحب رفعه بأكثر من ترابه نص عليه أحمد وروي بإسناده عن عقبة بن عامر أنه قال لا يجعل في القبر من التراب أكثر مما خرج منه حين حفر وروى الخلال بإسناده عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزاد على القبر على حفرته ولا يستحب رفع القبر إلا شيئا يسيرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته رواه مسلم وغيره والمشرف ما رفع كثيرا بدليل قول القاسم في صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه لا مشرفة ولا لاطية ويستحب أن يرش على القبر ماء ليلتزق ترابه قال أبو رافع سل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعدا ورش على قبره ماء رواه ابن ماجة وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رش على قبره ماء رواهما الخلال جميعا فصل ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة قال أحمد لا بأس أن يعلم الرجل القبر علامة يعرفه بها وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم قبر عثمان بن مظعون وروى أبو داود بإسناده عن المطلب قال لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازة فدفن أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهله رواه ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أنس فصل وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وقال الشافعي تسطيحه أفضل قال وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سطح قبر ابنة إبراهيم وعن القاسم قال رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر مسطحة
ولنا ما روى سفيان التمار أنه قال رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما واه البخاري بإسناده وعن الحسن مثله ولأن التسطيح يشبه أبنية أهل الدنيا وهو أشبه بشعار هل البدع فكان مكروها وحديثنا أثبت من حديثهم وأصح فكان العمل به أولى فصل وسئل أحمد عن الوقوف على القبر بعدما يدعى للميت قال لا بأس به وقد وقف علي والأحنف بن قيس وروى أبو داود بإسناده عن عثمان قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دفن الرجل وقف عليه وقال استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل وروى الخلال بإسناده ومسلم والبخاري عن ( السري ) قال لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة قال اجلسوا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم فإني استأنس بكم فصل فأما التلقين بعد الدفن فلم أجد فيه عن أحمد شيئا ولا أعلم فيه للأئمة قولا سوى ما رواه الأثرم قال قلت لأبي عبد الله فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول يا فلان ابن فلان اذكر ما فارقت عليه شهادة أن لا إله إلا الله فقال ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذاك قال وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه وكان ابن عياش يرويه ثم قال فيه إنما لأثبت عذاب القبر قال القاضي وأبو الخطاب يستحب ذلك ورويا فيه عن أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقف أحدكم عند رأس قبره ثم ليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ثم ليقل يا فلان ابن فلانة الثانية فيستوي قاعدا ثم ليقل يا فلان ابن فلانة يقول أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تسمعون فيقول اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنك رضيت بالله ربا وبلإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن أماما فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحدة منهما فيقول انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون الله تعالى حجته دونهما فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه قال فلينسبه إلى حواء رواه ابن شاهين في كتاب ذكر الموت بإسناده فصل سئل أحمد عن تطيين القبور فقال أرجو أن لا يكون به بأس ورخص في ذلك الحسن والشافعي وروى أحمد بإسناده عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتعاهد قبر عاصم بن عمر قال نافع وتوفي ابن له وهو غائب فقدم فسألنا عنه فدللناه عليه فكان يتعاهد القبر ويأمر بإصلاحه وروي عن الحسن عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره أو قال ما لم يطو قبره فصل ويكره البناء على القبر وتجصيصه والكتابة عليه لما روى مسلم في صحيحه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه زاد الترمذي وأن يكتب عليه وقال هذا حديث حسن صحيح ولأن ذلك من زينة الدنيا فلا حاجة بالميت إليه وفي هذا الحديث دليل على الرخصة في طين القبر لتخصيصه التجصيص بالنهي ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى على القبر بآجر بذلك وأوصى الأسود بن يزيد أن لا تجعلوا على قبري آجرا وقال إبراهيم كانوا يكرهون الآجر في قبورهم وكره أحمد أن يضرب على القبر فسطاط وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة أن لا يضربوا عليه فسطاطا
فصل ويكره الجلوس على القبر والاتكاء عليه والاستناد إليه والمشي عليه والتغوط بين القبور لما تقدم من حديث جابر وفي حديث أبي مرثد الغنوي لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها صحيح وذكر لأحمد أن مالكا يتأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يجلس على القبور أي للخلاء فقال ليس هذا بشيء ولم يعجبه رأي مالك وروى الخلال بإسناده عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق رواه ابن ماجة فصل ولا يجوز اتخاذ السرج على القبور لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله زوارات القبور المتخذات عليهن المساجد والسرج رواه أبو داود والنسائي ولفظه لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أبيح لم يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مثل ما صنعوا متفق عليه وقالت عائشة إنما لم يبرز قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يتخذ مسجدا ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها فصل والدفن في مقابر المسلمين أعجب إلى أبي عبد الله من الدفن في البيوت لأنه أقل ضررا على الأحياء من ورثته وأشبه بمساكن الآخرة وأكثر للدعاء له والترحم عليه ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحاري فإن قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم قبر في بيته وقبر صاحباه معه قلنا قالت عائشة إنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجدا رواه البخاري ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن أصحابه في البقيع وفعله أولى من فعل غيره وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك ولأنه روي يدفن الأنبياء حيث يموتون وصيانة لهم عن كثرة الطراق وتمييزا له عن غيره فصل ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم وكذلك في البقاع الشريفة وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما أن موسى عليه السلام لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر قال النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر فصل وجمع الأقارب في الدفن حسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن عثمان بن مظعون أدفن إليه من مات من أهله ولأن ذلك أسهل لزيارتهم وأكثر للترحم عليهم ويسن تقديم الأب ثم من يليه في السن والفضيلة إذا أمكن فصل ويستحب دفن الشهيد حيث قتل قال أحمد أما القتلى فعلى حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ادفنوا القتلى في مصارعهم وروى ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم فأما غيرهم فلا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح وهذا مذهب الأوزاعي وابن المنذر قال عبد الله بن أبي مليكة توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشة فحمل إلى مكة فدفن فلما قدمت عائشة أتت قبره ثم قالت والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت ولو شهدتك ما زرتك ولأن ذلك أخف لمؤونته وأسلم له من التغيير فأما إن كان فيه غرض صحيح جاز وقال أحمد ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأسا وسئل الزهري عن ذلك فقال قد حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة وقال ابن عيينة مات ابن عمر هنا فأوصى أن لا يدفن ها هنا وأن يدفن بسرف فصل وإذا تنازع اثنان من الورثة
فقال أحدهما يدفن في المقبرة المسبلة وقال الآخر يدفن في ملكه دفن في المسبلة لأنه لا منة فيه وهو أقل ضررا على الوارث فإن تشاحا في الكفن قدم قول من قال نكفنه من ملكه لأن ضرره على الوارث بلحوق المنة وتكفينه من ماله قليل الضرر وسئل أحمد عن الرجل يوصي أن يدفن في داره قال يدفن في المقابر مع المسلمين فإن دفن في داره أضر بالورثة وقال لا بأس أن يشتري الرجل موضع قبره ويوصي أن يدفن فيه فعل ذلك عثمان بن عفان وعائشة وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم فصل إذا تنازع اثنان في الدفن في المقبرة المسبلة قدم أسبقهما كما لو تنازعا في مقاعد الأسواق ورحاب المساجد فإن تساويا أقرع بينهما فصل وإن تيقن أن الميت قد بلي وصار رميما جاز نبش قبره ودفن غيره فيه وإن شك في ذلك رجع إلى أهل الخبرة فإن حفر فوجد فيها عظاما دفنها وحفر في مكان آخر نص عليه أحمد واستدل بأن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي وسئل أحمد عن الميت يخرج من قبره إلى غيره فقال إذا كان شيء يؤذيه قد حول طلحة وحولت عائشة وسئل عن قوم دفنوا في بساتين ومواضع رديئة فقال قد نبش معاذ امرأته وقد كانت كفنت في خلقان فكفنها ولم ير أبو عبد الله بأسا أن يحولوا مسألة قال ( ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر ) وجملة ذلك أن من فاتته الصلاة على الجنازة فله أن يصلي عليها ما لم تدفن فإن دفنت فله أن يصلي على القبر إلى شهر هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم روي ذلك عن أبي موسى وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وقال النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة لا تعاد الصلاة على الميت إلا للولي إذا كان غائبا ولا يصلى على القبر إلا كذلك ولو جاز ذلك لكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم يصلى عليه في جميع الأعصار ولنا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا مات فقال دلوني على قبره فأتى قبره فصلى عليه متفق عليه وعن ابن عباس أنه مر مع النبي صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه قال أحمد رحمه الله ومن شك في الصلاة على القبر يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه كلها حسان ولأنه من أهل الصلاة فيسن له الصلاة على القبر كالولي وقبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى عليه لأنه لا يصلى على القبر بعد شهر فصل ومن صلى مرة فلا يسن له إعادة الصلاة عليها وإذا صلى على الجنازة مرة لم توضع لأحد يصلي عليها قال القاضي لا يحسن بعد الصلاة عليه ويبادر بدفنه فإن رجي مجيء الولي أخر إلى أن يجيء إلا أن يخاف تغيره قال ابن عقيل لا ينتظر به أحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في طلحة بن البراء اعجلوا به فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله فأما من أدرك الجنازة ممن لم يصل فله أن يصلي عليها فعل ذلك علي وأنس وسليمان بن ربيعة وأبو حمزة ومعمر بن سمير فصل ويصلى على القبر وتعاد الصلاة عليه قبل الدفن جماعة وفرادى نص عليهما أحمد وقال وما بأس بذلك قد فعله عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث ابن عباس قال انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبر فصفوا خلفه وكبر أربعا متفق عليه فصل وتجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية فيستقبل القبلة ويصلى عليه كصلاته على حاضر وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن وسواء كان بين البلد مسافة القصر أو لم يكن وبهذا قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى كقولهما
لأن من شرط الصلاة على الجنازة حضورها بدليل ما لو كان في البلد لم تجز الصلاة عليها مع غيبتها عنه ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أنعى النجاشي صاحب الحبشة اليوم الذي مات فيه وصلى بهم بالمصلى فكبر عليه أربعا متفق عليه فإن قيل فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم زويت له الأرض فأري الجنازة قلنا هذا لم ينقل ولو كان لأخبر به ولنا أن نقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت ما يقتضي اختصاصه ولأن الميت مع البعد لا تجوز الصلاة عليه وإن رئي ثم لو رآه النبي صلى الله عليه وسلم لاختصت الصلاة به وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم فإن قيل لم يكن بالحبشة من يصلي عليه قلنا ليس هذا مذهبكم فإنكم لا تجيزون الصلاة على الغريق والأسير ومن مات بالبوادي وإن لم يصل عليه ولأن هذا بعيد لأن النجاشي ملك الحبشة وقد أسلم وأظهر إسلامه فيبعد أن يكون لم يوافقه أحد يصلي عليه فصل فإن كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل عليه من الجانب الآخر قال وهذا اختيار أبي حفص البرمكي لأنه يمكنه الحضور للصلاة عليه أو على قبره وصلى أبو عبد الله بن حامد على ميت مات في أحد جانبي بغداد وهو في الجانب الآخر لأنه غائب فجازت الصلاة عليه كالغائب في بلد آخر وهذا مختص بما إذا كان معه في هذا الجانب فصل وتتوقف الصلاة على الغائب بشهر كالصلاة على القبر لأنه لا يعلم بقاؤه من غير تلاش أكثر من ذلك وقال ابن عقيل في أكيل السبع والمحترق بالنار يحتمل أن لا يصلى عليه لذهابه بخلاف الضائع والغريق فإنه قد بقي منه ما يصلى عليه ويصلى عليه إذا عرف قبل الغسل كالغائب في بلد بعيد لأن الغسل تعذر لمانع أشبه الحي إذا عجز عن الغسل والتيمم صلى على حسب حاله مسألة قال ( وإن كبر الإمام خمسا كبر بتكبيره ) لا يختلف المذهب أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات ولا أنقص من أربع والأولى أربع لا يزاد عليها واختلف الرواية فيما بين ذلك فظاهر كلام الخرقي أن الإمام إذا كبر خمسا تابعه المأموم ولا يتابعه في زيادة عليها رواه الأثرم عن أحمد وروى حرب عن أحمد إذا كبر خمسا لا يكبر معه ولا يسلم إلا مع الإمام قال الخلال وكل من روى عن أبي عبد الله يخالفه وممن لم ير متابعة الإمام في زيادة على أربع الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي واختارها ابن عقيل لأنها زيادة غير مسنونة للإمام فلا يتابعه المأموم فيها كالقنوت في الركعة الأولى ولنا ما روى عن زيد بن أرقم أنه كبر على جنازة خمسا وقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبرها أخرجه مسلم وسعيد بن منصور وغيرها وفي رواية سعيد فسئل عن ذلك فقال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال سعيد ثنا خالد بن عبد الله عن يحيى الجابري عن عيسى مولى لحذيفة أنه كبر على جنازة خمسا فقيل له فقال مولاي وولي نعمتي صلى على جنازة وكبر عليها خمسا وذكر حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وروى بإسناده أن عليا صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه خمسا وكان أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمسا وروى الخلال بإسناده عن عمر بن الخطاب قال كل ذلك قد كان أربعا وخمسا وأمر الناس بأربع قال أحمد في إسناد حديث زيد بن أرقم إسناد جيد رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن زيد بن أرقم ومعلوم أن المصلين معه كانوا يتابعونه وروى الأثرم عن علي رضي الله عنه أنه كان يكبر على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أهل بدر خمسا وعلى سائر الناس أربعا وهذا أولى مما ذكروه فأما إن زاد الإمام عن خمس فعن أحمد أنه يكبر مع الإمام إلى سبع ثم لا يزاد على سبع ولا يسلم إلا مع الإمام
وهذا قول بكر بن عبد الله المزني وقال عبد الله بن مسعود كبر ما كبر إمامك فإنه لا وقت ولا عدد ووجه ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على حمزة سبعا رواه ابن شاهين وكبر علي على جنازة أبي قتادة سبعا وعلى سهل بن حنيف ستا وقال إنه بدري وروي أن عمر رضي الله عنه جمع الناس فاستشارهم فقال بعضهم كبر النبي صلى الله عليه وسلم سبعا وقال بعضهم خمسا وقال بعضهم أربعا فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات وقال هو أطول الصلاة وقال الحكم بن عتيبة إن عليا رضي الله عنه صلى على سهل حنيف فكبر عليه ستا وكانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا فإن زاذ على سبع لم يتابعه نص عليه أحمد وقال في رواية أبي داود إن زاد على سبع ينبغي أن يسبح به ولا أعلم أحدا قال بالزيادة على سبع إلا عبد الله بن مسعود فإن علقمة روى أن أصحاب عبد الله قالوا له أن أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمسا فلو وقت لنا وقتا فقال إذا تقدمكم إمامكم فكبروا ما يكبر فإنه لا وقت ولا عدد رواه سعيد والأثرم والصحيح أنه لا يزاد على سبع لأنه لم ينقل ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ولكن لا يسلم حتى يسلم إمامه قال ابن عقيل لا يختلف قول أحمد إذا كبر الإمام زيادة على أربع أنه لا يسلم قبل إمامه على الروايات الثلاث بل يتبعه ويقف فيسلم معه قال الخلال العمل في نص قوله وما ثبت عنه أنه يكبر ما كبر الإمام إلى سبع وإن زاد على سبع فلا ولا يسلم إلا مع الإمام وهو مذهب الشافعي في أنه لا يسلم قبل إمامه وقال الثوري وأبو حنيفة ينصرف كما لو قام الإمام إلى خامسة فارقة ولم ينتظر تسليمه قال أبو عبد الله ما أعجب حال الكوفيين سفيان ينصرف إذا كبر الخامسة والنبي صلى الله عليه وسلم كبر خمسا وفعله زيد بن أرقم وحذيفة وقال ابن مسعود كبر ما كبر إمامك ولأن هذه زيادة قول مختلف فيه فلا يسلم قبل إمامه إذا اشتغل به كما لو صلى خلف من يقنت في صلاة يخالفه الإمام في القنوت فيها ويخالف ما قاسوا عليه من وجهين أحدهما أن الركعة الخامسة لا خلاف فيها والثاني أنها فعل والتكبيرة الزائدة بخلافها وكل تكبيرة قلنا يتابع الإمام فيها فله فعلها وما لا فلا فصل والأفضل أن لا يزيد على أربع لأن فيه خروجا من الخلاف وأكثر أهل العلم يرون التكبير أربعا منهم عمر وابنه وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي والبراء بن عازب وأبو هريرة وعقبة بن عامر وابن الحنفية وعطاء والأوزاعي وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على النجاشي أربعا متفق عليه وكبر على قبر بعدما دفن أربعا وجمع عمر الناس على أربع ولأن أكثر الفرائض لا تزيد على أربع ولا يجوز النقصان منها وروي عن ابن عباس أنه كبر على الجنازة ثلاثا ولم يعجب ذلك أبا عبد الله وقال قد كبر أنس ثلاثا ناسيا فأعاد ولأنه خالف ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأن الصلاة الرباعية إذا نقص منها ركعة بطلت كذلك ها هنا فإن نقص منها تكبيرة عامدا بطلت كما لو ترك ركعة عمدا وإن تركها سهوا احتمل أن يعيدها كما فعل أنس ويحتمل أن يكبرها ما لم يطل الفصل كما لو نسي ركعة ولا يشرع لها سجود سهو في الموضعين
فصل قال أحمد رحمه الله يكبر على الجنازة فيجيئون بأخرى يكبر إلى سبع ثم يقطع ولا يزيد على ذلك حتى ترفع الأربع قال أصحابنا إذا كبر على جنازة ثم جيء بأخرى كبر الثانية عليهما وينويهما فإن جيء بثالثة كبر الثالثة عليهن ونواهن فإن جيء برابعة كبر الرابعة عليهن ثم يكمل التكبير عليهن إلى سبع ليحصل للرابعة أربع تكبيرات إذ لا يجوز النقصان منهن ويحصل للأولى سبع وهو أكثر ما ينتهي إليه التكبير فإن جيء بخامسة لم ينوها بالتكبير وإن نواها لم يجز لأنه دائر بين أن يزيد على سبع أو ينقص في تكبيرها عن أربع وكلاهما لا يجوز وهكذا لو جيء بثانية بعد تكبيرة الرابعة لم يجز أن يكبر عليها الخامسة لما بينا فإن أراد أهل الجنازة الأولى رفعها قبل سلام الإمام لم يجز لأن السلام ركن لا تتم الصلاة إلا به إذا تقرر هذا فإنه يقرأ في التكبيرة الخامسة الفاتحة وفي الساسة يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو في السابعة ليكمل لجميع الجنائز القراءة والأذكار كما كمل لهن التكبيرات وذكر ابن عقيل وجها ثانيا قال ويحتمل أن يكبر ما زاد على الأربع متتابعا كما قلنا في القضاء للمسبوق ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كبر سبعا ومعلوم أنه لم يرو أنه قرأ قراءتين والأول أصح لأن الثانية وما بعدها جنائز فيعتبر في الصلاة عليهن شروط الصلاة شروط الصلاة وواجباتها كالأولى مسألة قال ( والإمام يقوم عند صدر الرجل ووسط المرأة ) لا يختلف المذهب في أن السنة أن يقوم الإمام في صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة وعند صدر الرجل أو عند منكبيه وإن وقف في غير هذا الموضع خالف سنة الموقف وأجزأه وهذا قول إسحاق ونحوه قول الشافعي إلا أن بعض أصحابه قال يقوم عند رأس الرجل وهو مذهب أبي يوسف ومحمد لما روي عن أن أنه صلى على رجل فقام عند رأسه ثم صلى على امرأة فقام حيال وسط السرير فقال له العلاء بن زياد هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه قال نعم فلما فرغ قال احفظوا قال الترمذي هذا حديث حسن وقال أبو حنيفة يقوم عند صدر الرجل والمرأة لأنهما سواء فإذا وقف عند صدر الرجل فكذا المرأة وقال مالك يقف من الرجل عند وسطه لأنه يروى هذا عن ابن مسعود ويقف من المرأة عند منكبها لأن الوقوف عند أعاليها أمثل وأسلم ولنا ما روى سمرة قال صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها متفق عليه وحديث أنس الذي ذكرناه والمرأة تخالف الرجل في الموقف فجاز أن تخالفه ها هنا لأن قيامه عند وسط المرأة ستر لها من الناس فكان أولى فأما قول من قال يقف عند رأس الرجل فغير مخالف لقول من قال بالوقوف عند الصدر لأنها متقاربان فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر والله أعلم فصل فإن اجتمع جنائز رجال ونساء فعن أحمد روايتان إحداهما يسوي بين رؤوسهم وهذا اختيار القاضي وقول إبراهيم وأهل مكة ومذهب أبي حنيفة لأنه يروى عن ابن عمر أنه كان يسوي بين رؤوسهم وروى سعيد بإسناده عن الشعبي أن أم كلثوم بنت على وابنها زيد بن عمر توفيا جميعا فأخرجت جنازتهما فصلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رؤوسهما وأرجلهما حين صلى عليهما وبإسناده عن حبيب بن أبي مالك قال قدم سعيد بن جبير على أهل مكة وهم يسوون بين الرجل والمرأة إذا صلي عليهما فأرادهم على أن يجعلوا رأس المرأة عند وسط الرجل فأبوا عليه والرواية الثانية أن يقف الرجال صفا ويجعل وسط عند صدور الرجال وهذا اختيار أبي الخطاب ليكون موقف الإمام عند صدر الرجل ووسط المرأة
وقال سعيد حدثني خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي قال حدثني أبي قال رأيت واثلة بن الأسقع يصلي على جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت فيصف الرجال صفا ثم يصف النساء خلف الرجال رأس أول امرأة يضها عند ركبة آخر الرجال ثم يصفهن ثم يقوم وسط الرجال وإذا كانوا رجالا كلهم صفهم ثم قام وسطهم وهذا يشبه مذهب مالك وقول سعيد بن جبير وما ذكرناه أولى لأنه مدلول عليه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا حجة في قول أحد خالف فعله أو قوله والله أعلم مسألة قال ( ولا يصلى على القبر بعد شهر ) وبهذا قال أصحاب الشافعي وقال بعضهم يصلي عليه أبدا واختاره ابن عقيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد بعد ثماني سنين حديث صحيح متفق عليه وقال بعضهم يصلى عليه ما لم يبل جسده وقال أبو حنيفة يصلي عليه الولي إلى ثلاث ولا يصلي عليه غيره بحال قال إسحاق يصلي عليه الغائب إلى شهر والحاضر إلى ثلاث ولنا ما روى سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر أخرجه الترمذي وقال أحمد أكثر ما سمعنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر ولأنها مدة يغلب عليها الظن بقاء الميت فيها فجازت الصلاة عليه فيها كما قبل الثلاث وكالغائب وتجويز الصلاة عليه مطلقا باطل بقبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يصلى عليه الآن اتفاقا وكذلك التحديث ببلى الميت فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلى ولا يصلى على قبره فإن قيل فالخبر دل على الجواز بعد شهر فكيف منعتموه قلنا تحديده بالشهر يدل على أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت عند رأسه ليكون مقاربا للحد وتجوز الصلاة بعد الشهر قريبا منه لدلالة الخبر عليه ولا يجوز بعد ذلك لعدم وروده مسألة قال ( وإذا تشاح الورثة في الكفن جعل بثلاثين درهما فإن كان موسرا فبخمسين ) وجملة ذلك أنه يستحب تحسين كفن الميت بدليل ما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل فقال إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ويستحب تكفينه في البياض لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم البسوا من ثيابكم البياض فإنه أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم رواه النسائي وكفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية وإن تاشح الورثة في الكفن جعل كفنه بحسب حاله إن كان موسرا كان كفنه رفيعا حسنا ويجعل على حسب ما كان يلبس في حال الحياة وإن كان دون ذلك فعلى حسب حاله وقول الخرقي جعل بثلاثين درهما وإن كان موسرا فبخمسين ليس هو على سبيل التحديد إذ لم يرد به نص ولا فيه إجماع والتحديد إنما يكون بأحدهما وإنما هو تقريب فلعله كان يحصل الجيد والمتوسط في وقته وبالقدر الذي ذكره وقد روي عن ابن مسعود أنه أوصى أن يكفن بنحو من ثلاثين درهما والمستحب أن يكفن في جديد إلا أن يوصي الميت بغير ذلك فتمتثل وصيته كما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال كفنوني في ثوبي هذين فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت وإنما هو للمهنة والتراب وذهب ابن عقيل إلى أن التكفين في الخليع أولى لهذا الخبر والأول أولى لدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه عليه فصل ويجب كفن الميت لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به ولأن سترته واجبة في الحياة فكذلك بعد الموت ويكون ذلك من رأس ماله مقدما على الدين والوصية والميراث لأن حمزة ومصعب بن عمير رضي الله عنهما لم يوجد لكل واحد منهما إلا ثوب فكفن فيه ولأن لباس المفلس مقدم على قضاء دينه فكذلك كفن الميت
ولا ينتقل إلى الوارث من مال الميت إلا ما فضل عن حاجته الأصلية وكذلك مؤونة دفنه وتجهيزه وما لا بد للميت منه فأما الحنوط والطيب فليس بواجب ذكره أبو عبد الله بن حامد ولأنه لا يجب في الحياة فكذلك بعد الموت وقال القاضي يحتمل أنه واجب لأنه مما جرت العادة به وليس بصحيح فإن العادة جرت بتحسين الكفن وليس بواجب فصل وكفن المرأة ومؤونة دفنها من مالها إن كان لها مال وهذا قول الشعبي وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم يجب على الزوج واختلفوا عن مالك فيه واحتجوا بأن كسوتها ونفقتها واجبة عليه فوجب عليه كفنها كسيد العبد والوالد ولنا أن النفقة والكسوة تجب في النكاح للتمكن من الاستمتاع ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة وقد انقطع ذلك بالموت فأشبه ما لو انقطع بالفرقة في الحياة ولأنها بانت منه بالموت فأشبهت الأجنبية وفارقت المملوك فإن نفقته تجب الملك لا بالانقطاع ولهذا تجب نفقة الآبق وفطرته والوالي أحق بدفنه وتوليه إذا تقرر هذا فإنه إن لم يكن لها فعلى من تلزمه نفقتها نم الأقارب فإن لم يكن ففي بيت المال كمن لا زوج لها مسألة قال ( والسقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه ) السقط الولد تضعه المرأة ميتا أو لغير تمام فأما إن خرج حيا واستهل فإنه يغسل ويصلي عليه بغير خلاف قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل يصلي عليه وإن لم يستهل قال أحمد إذا أتى له أربعة أشهر غسل وصلي عليه وهذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وإسحاق وصلى ابن عمر على ابن لابنته ولد ميتا وقال الحسن وإبراهيم والحكم وحماد ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي لا يصلي عليه حتى يستهل وللشافعي قولان كالمذهبين لما روي عن النبي أنه قال الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل رواه الترمذي ولأنه لم يثبت له حكم الحياة ولا يرث ولا يورث فلا يصلى عليه كمن دون أربعة أشهر ولنا ما روى المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والسقط يصلى عليه رواه أبو داود والترمذي وفي لفظ رواية الترمذي والطفل يصلى عليه وقال هذا حديث حسن صحيح وذكره أحمد واحتج به وبحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال ما أحد أحق أن يصلى عليه من الطفل ولأنه نسمة نفخ فيه الروح فيصلى عليه كالمستهل فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في حديثه الصادق المصدوق أنه ينفخ فيه الروح لأربعة أشهر وحديثهم قال الترمذي قد اضطرب الناس فيه فرواه بعضهم موقوا قال الترمذي كان هذا أصح من المرفوع وأما الإرث فلأنه لا تعلم حياته حال موت موروثة وذلك من شروط الإرث والصلاة من شرطها أن تصادف من كانت فيه حياة وقد علم ذلك بما ذكرنا من الحديث ولأن الصلاة عليه دعاء له ولوالديه وخير فلا يحتاج فيها إلى الاحتياط واليقين لوجود الحياة بخلاف الميراث فأما من لم يأت له أربعة أشهر فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه ويلف في خرقة ويدفن ولا نعلم فيه خلافا إلا عن ابن سيرين فإنه قال يصلى عليه إذا علم أنه نفخ فيه الروح وحديث الصادق المصدوق يدل على أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد أربعة أشهر وقبل ذلك فلا يكون نسمة فلا يصلى عليه كالجمادات والدم مسألة قال ( فإن لم يتبين أذكر هو أم أنثى سمي اسما يصلح للذكر والأنثى ) هذا على سبيل الاستحباب لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سموا أسقاطكم فإنهم أسلافكم رواه ابن السماك بإسناده قيل إنهم إنما يسمون ليدعوا يوم القيامة بأسمائهم فإذا لم يعلم هل السقط ذكر أو أنثى سمي اسما يصلح لهما جميعا كسلمة وقتادة وسعادة وهند وعتبة وهبة الله ونحو ذلك مسألة قال ( وتغسل المرأة زوجها )
قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات قالت عائشة لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه رواه أبو داود وأوصى أبو بكر رضي الله عنه أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس وكانت صائمة فعزم عليها أن تفطر لما فرغت من غسله ذكرت يمينه فقالت لا أتبعه اليوم حنثا فدعت بماء فشربت وغسل أبا موسى امرأته أم عبد الله وأوصى جابر بن زيد أن تغسله امرأته قال أحمد ليس فيه اختلاف بين الناس مسألة قال ( وإن دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس ) المسهور عن أحمد أن للزوج غسل امرأته وهو قول علقمة وعبد الرحمن بن يزيد بن الأسود وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن وقتادة وحماد ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وعن أحمد رواية ثانية ليس للزوج غسلها وهو قول أبي حنيفة والثوري لأن الموت فرقة تبيح أختها وأربعا سواها فحرمت النظر واللمس كالطلاق ولنا ما روى ابن المنذر أن عليا رضي الله عنه غسل فاطمة رضي الله عنها واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكروه فكان إجماعا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك رواه ابن ماجة والأصل في إضافة الفعل إلى الشخص أن يكون للمباشرة وحمله على الأمر يبطل فائدة التخصيص ولأنه أحد الزوجين فأبيح له غسل صاحبه كالآخر والمعنى فيه أن كل واحد من الزوجين يسهل عليه إطلاع الآخر على عورته دون غيره لما كان بينهما في الحياة ويأتي بالغسل على أكمل ما يمكنه لما بينهما من المودة والرحمة وما قاسوا عليه لا يصح لأنه يمنع الزوجة من النظر وهذا بخلافه ولأنه لا فرق بين الزوجين إلا بقاء العدة ولا أثر لها بدليل ما لو مات المطلق ثلاثا فإنه لا يجوز لها غسله مع العدة ولأن المرأة لو وضعت حملها عقب موته كان لها غسله ولا عدة عليها وقول الخرقي وإن دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس يعني به أنه يكره له غسلها مع وجود من يغسلها سواه لما فيه من الخلاف والشبهة ولم يرد أنه محرم فإن غسلها لو كان محرما لم تبحه الضرورة كغسل ذوات محارمه والأجنبيات فصل فإن طلق امرأته ثم مات أحدهما في العدة وكان الطلاق رجيعا فحكمها حكم الزوجين قبل الطلاق لأنها زوجة تعتد للوفاة وترثه ويرثها ويباح له وطؤها وإن كان بائنا لم يجز لأن اللمس والنظر محرم حال الحياة فبعد الموت أولى وإن قلنا إن الرجعين محرمة لم يبح لأحدهما غسل صاحبه لما ذكرنا فصل وحكم أم الولد حكم المرأة فيما ذكرنا وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يجوز لها غسل سيدها لأن عتقها حصل بالموت ولم يبق علقة من ميراث ولا غيره وهذا قول أبي حنيفة ولنا أنها في معنى الزوجة في اللمس والنظر والاستمتاع فكذلك في الغسل والميراث ليس من المقتضى بدليل الزوجين إذا كان أحدهما رقيقا والاستبراء ها هنا كالعدة ولأنها إذا ماتت يلزمه كفنها ودفنها ومؤنتها بخلاف الزوجة فأما غير أم الولد من الإماء فيحتمل أن لا يجوز لها غسل سيدها لأن الملك انتقل فيها إلى غيره ولم يكن بينهما من الاستمتاع ما تصير به في معنى الزوجات ولو مات قبل الدخول بامرأته احتمل أن لا يباح لها غسله لذلك والله أعلم فصل وإن كانت الزوجة ذمية فليس لها غسل زوجها لأن الكافر لا يغسل المسلم لأن النية واجبة في الغسل والكافر ليس من أهلها وليس من أهلها وليس لزوجها غسلها لأن المسلم لا يغسل الكافر ولا يتولى دفنه ولأنه لا ميراث بينهما ولا موالاة وقد انقطعت الزوجية بالموت ويتخرج وجواز ذلك بناء على جواز غسل المسلم الكافر فصل وليس لغير من ذكرنا من الرجال غسل أحد من النساء ولا أحد من النساء غسل غير من ذكرنا من الرجال وإن كن ذوات رحم محرم وهذا قول أكثر أهل العلم
وحكي عن أبي قلابة أنه غسل ابنته واستعظم أحمد هذا ولم يعجبه وقال أليس قد قيل استأذن على أمك وذلك لأنها محرمة حال الحياة فلم يجز غسلها كالأجنبية وأخته من الرضاع فإن دعت الضرورة إلى ذلك بأن لا يوجد من يغسل المرأة من النساء فقال مهنا سألت أحمد عن الرجل يغسل أخته إذا لم يجد نساء قال لا قلت فكيف يصنع قال يغسلها وعليها ثيابها يصب عليها الماء صبا قلت لأحمد وكذلك كل ذات محرم تغسل وعليها ثيابها قال نعم وقال الحسن ومحمد ومالك لا بأس بغسل ذات محرم عند الضرورة فأما إن مات رجل بين نسوة أجانب أو امرأة بين رجال أجانب أو مات خنثى مشكل فإنه ييمم وهذا قول سعيد بن المسيب والنخعي وحماد ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر وحكي أبو الخطاب رواية ثانية أنه يغسل من فوق القميص يصب عليه الماء من فوق القميص صبا ولا يمس وهو قول الحسن وإسحاق ولنا ما روى تمام الرازي في فوائده بإسناده عن مكحول عن واثلة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال ولأن الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف ولا إزالة النجاسة بل ربما كثرة ولا يسلم من النظر فكان العدول إلى التيمم أولى كما لو عدم الماء فصل وللنساء غسل الطفل بغير خلاف قال ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي الصغير قال أحمد لهن غسل من له دون سبع سنين وقال الحسن إذا كان فطيما أو فوقه وقال الأوزاعي ابن أربع أو خمس وقال أصحاب الرأي الذي لم يتكلم ولنا أن من له دون السبع لم نؤمر بأمره بالصلاة ولا عورة له فأشبه ما سلوه فأما من بلغ السبع ولم يبلغ فحكى أبو الخطاب فيه روايتين والصحيح أن من بلغ عشرا ليس للنساء غسله لأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال وفرقوا بينهم في المضاجع وأمر بضربهم لصلاة لعشر يحتمل أن يلحق بمن دون السبع لأنه في معناه ويحتمل أن لا يلحق به لأنه يفارقه في أمره بالصلاة وقربه من المراهق فأما الطفلة الصغيرة فلم ير أبو عبد الله أن يغسلها الرجل وقال النساء أعجب إلي وذكر له أن الثوري يقول تغسل المرأة الصبي والرجل الصبية قال لا بأس أن تغسل المرأة الصبي وأما الرجل يغسل الصبية فلا أجترىء عليه إلا أن يغسل الرجل ابنته الصغيرة فإنه يروى عن أبي قلابة أنه غسل بنتا له صغيرة والحسن قال لا بأس أن يغسل الرجل ابنته إذا كانت صغيرة وكره غسل الرجل الصغيرة سعيد الزهري قال الخلال القياس التسوية بين الغلام والجارية لولا أن التابعين فرقوا بينهما فكرهه أحمد لذلك وسوى أبو الخطاب بينهما فجعل فيهما روايتين جريا على موجب القياس والصحيح ما عليه السلف من أن الرجل لا يغسل الجارية والتفرقة بين عورة الغلام والجارية لأن عورة الجارية أفحش ولأن العادة معاناة المرأة للغلام الصغير ومباشر عورته في حال تربيته ولم تجر العادة بمباشرة الرجل عورة الجارية في الحياة فكذلك حالة الموت والله أعلم فأما الصبي إذا غسلت الميت فإن كان عاقلا صح غسله صغيرا كان أو كبيرا لأنه يصح طهارته فصح أن يطهر كغيره كالكبير فصل ويصح أن يغسل المحرم الحلال والحلال المحرم لأن كل واحد منهما تصح طهارته وغسله فكان له أن يغسل غيره فصل ولا يصح غسل الكافر المسلم لأنه عبادة وليس الكافر من أهلها وقال مكحول في امرأة توفيت في سفر ومعها ذو محرم ونساء نصارى يغسلها النساء وقالسفيان في رجل مات مع نساء ليس معهن رجل قال إن وجدوا نصرانيا أو مجوسيا فلا بأس إذا توضأ أن يغسله ويصلي عليه النساء وغسلت امرأة علقمة امرأة نصرانية ولم يعجل هذا أبا عبد الله وقال لا يغسله إلا مسلم وييمم لأن الكافر نجس فلا يطهر غسله المسلم ولأنه ليس من أهل العبادة فلا يصح غسله للمسلم كالمجنون
وإن مات كافر مع مسلمين لم يغسلوه سواء كان قريبا منهم أو لم يكن ولا يتولوا دفنه إلا أن لا يجدوا من يواريه وهذا قول مالك وقال أبو حفص العكبري يجوز له غسل قريبه الكافر ودفنه وحكاه قولا لأحمد وهو مذهب الشافعي لما روى عن علي رضي الله عنه أنه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهب فواره ولنا أنه لا يصلي عليه ولا يدعو له فلم يكن له غسله وتولي أمره كالأجنبي والحديث إن صح يدل على مواراته وله ذلك إذا خاف من التعبير به والضرر ببقائه قال أحمد رحمه الله في يهودي أو نصراني مات وله ولد مسلم فليركب دابة وليسر أمام الجنازة وإذا أراد أن يدفن رجع مثل قول عمر رضي الله عنه مسألة قال ( والشهيد إذا مات في موضعه لم يغسل ولم يصل عليه ) يعني إذا مات في المعترك فإنه لا يغسل رواية واحدة وهو قول أكثر أهل العلم ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا يغسل الشهيد ما مات ميت إلا جنبا والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ترك غسلهم أولى فأما الصلاة عليه فالصحيح أنه لا يصلى عليه وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وعن أحمد رواية أخرى أنه يصلى عليه واختارها الخلال وهو قول الثوري وأبي حنيفة إلا أن كلام أحمد في هذه الرواية يشير إلى أن الصلاة عليه مستحبة غير واجبة قال في موضع إن صلي عليه فلا بأس به وفي موضع آخر قال يصلى وأهل الحجاز لا يصلون عليه وما تضره الصلاة لا بأس به وصرح بذلك في رواية المروذي فقال الصلاة عليه أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأ فكأن الروايتين في استحباب الصلاة لا فيي وجوبها إحداهما يستحب لما روى عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر متفق عليه وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم متفق عليه ولأنه لا يغسل مع إمكان غسله فلم يصل عليه كسائر من لم يغسل وحديث عقبة مخصوص بشهداء أحد فإنه صلى عليهم في القبور بعد ثماني سنين وهم لا يصلون على القبر أصلا ونحن لا نصلي عليه بعد شهر وحديث ابن عباس يرويه الحسن بن عمارة وهو ضعيف وقد أنكر عليه شعبة رواية هذا الحديث وقال إن جرير بن حازم يكلمني في أن لا أتكلم في الحسن بن عمارة وكيف لا أتكلم فيه وهو يروي هذا الحديث ثم نحمله على الدعاء إذا ثبت هذا فيحتمل أن ترك غسل الشهيد لما تضمنه الغسل من إزالة أثر العبادة المستحسنة شرعا فإنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون دم والريح ريح مسك رواه البخاري وقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين أما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة الله تعالى رواه الترمذي وقال هو حديث حسن وقد جاء ذكر هذه العلة في الحديث فإن عبد الله بن ثعلبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم في الله إلا يأتي يوم القيامة يدمي لونه لون الدم وريحه ريح المسك رواه النسائي ويحتمل أن الغسل لا يجب إلا من أجل الصلاة إلا أن الميت لا فعل له فأمرنا بغسله لنصلي عليه فمن لم تجب الصلاة عليه لم يجب غسله كالحي ويحتمل أن الشهداء في المعركة يكثرون فيشق غسلهم وربما يكون فيهم الجراح فيتضررون فعفي عن غسلهم لذلك
وأما سقوط الصلاة عليهم فيحتمل أن تكون علته كونهم أحياء عند ربهم والصلاة إنما شرعت في حق الموتى ويحتمل أن ذلك لغناهم عن الشفاعة لهم فإن الشهيد يشفع في سبعين من أهله فلا يحتاج إلى شفيعه والصلاة إنما شرعت للشفاعة فصل فإن كان الشهيد جنبا غسل وحكمه في الصلاة عليه حكم غيره من الشهداء وبه قال أبو حنيفة وقال مالك لا يغسل لعموم الخبر وعن الشافعي كالمذهبين ولنا ما رويأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله فقالوا إنه جامع ثم سمع الهيعة فخرج إلى القتال رواه ابن إسحاق في المغازي ولأنه غسل واجب لغير الموت فسقط بالموت كغسل النجاسة وحديثهم لا عموم له فإنه قضية في عين ورد في شهداء أحد وحديثنا خاص في حنظلة وهو من شهدا أحد فيجب تقديمه إذا ثبت هذا فمن وجب الغسل عليه بسبب سابق على الموت كالمرأة تطهر من حيض أو نفاس ثم تقتل فهي كالجنب للعلة التي ذكرناها ولو قتلت في حيضها أو نفاسها لم يجب الغسل لأن الطهر من الحيض شرط في الغسل أو في السبب الموجب فلا يثبت الحكم بدونه فأما إن أسلم ثم استشهد فلا غسل عليه لأنه روي أن أصيرم بن عبد الأشهل أسلم يوم أحد ثم قتل فلم يؤمر بغسله فصل والبالغ وغيره سواء وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ لأنه ليس من أهل القتال ولنا أنه مسلم قتل في معترك المشركين بقتالهم أشبه البالغ ولأنه أشبه البالغ في الصلاة عليه والغسل إذا لم يقتله المشركون فيشبهه في سقوط ذلك عنه بالشهادة وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان وعمير بن أبي وقاص أخو سعد وهما صغيران والحديث عام في الكل وما ذكره يبطل بالنساء مسألة قال ( ودفن في ثيابه وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح نحي عنه ) أما دفنه بثيابه فلا نعلم فيه خلافا وهو ثابت بقول النبي صلى الله عليه وسلم ادفنوهم بثيابهم وروى أبو داود وابن ماجة وابن ماجة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم وليس هذا بحتم لكنه الأولى وللولي أن ينزع عنه ثيابه ويكفنه بغيرها وقال أبو حنيفة لا ينزع عنه شيء لظاهر الخبر ولنا ما روي أن صفية أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلا آخر رواه يعقوب بن شيبة وقال هو صالح الإسناد فدل على أن الخيار للولي والحديث الآخر يحمل على الإباحة والاستحباب إذا ثبت هذا فإنه ينزع عنه من لباسه ما لم يكن من عامة لباس الناس من الجلود والفراء والحديث قال أحمد لا يترك عليه فرو ولا خف ولا جلد وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وقال مالك لا ينزع عنه فرو ولا خف ولا محشو لقول النبي صلى الله عليه وسلم ادفنوهم بثيابهم وهذا عام في الكل وما رويناه أخص فكان أولى مسألة قال ( وإن حمل وبه رمق غسل وصلي عليه ) معنى قوله رمق أي حياة مستقرة فهذا يغسل ويصلي عليه وإن كان شهيدا لأن النبي صلى الله عليه وسلم غسل سعد بن معاذ وصلى عليه وكان شهيدا رماه ابن العرقة يوم الخندق بسهم فقطع أكحله فحمل إلى المسجد فلبث فيه أياما حتى حكم في بني قريظة ثم انفتح جرحه فمات وظاهر كلام الخرقي أنه متى طالت حياته بعد حمله غسل وصلي عليه وإن مات في المعترك أو عقب حمله لم يغسل ولم يصل عليه ونحو هذا قول مالك قال إن أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة غسل وقال أحمد في موضع إن تكلم أو أكل أو شرب صلي عليه وقول أصحاب أبي حنيفة نحو من هذا
وعن أحمد أنه سئل عن المجروح إذا بقي في المعترك يوما إلى الليل ثم مات فرأى أن يصلي عليه وقال أصحاب الشافعي إن مات حال الحرب لم يغسل ولم يصل عليه وإلا فلا والصحيح التحديد بطول الفصل أو الأكل لأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة وطول الفصل يدل على ذلك وقد ثبت اعتباره في كثير من المواضع وأما الكلام والشرب وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشيء منها لأنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد من ينظر ما فعل سعد بن الربيع فقال رجل أنا أنظر لك يا رسول الله فنظر فوجده جريحا به رمق فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات قال فأنا في الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام وذكر الحديث قال ثم لم أبرح أن مات وروي أن أصيرم بن عبد الأشهل وجد صريعا يوم أحد فقيل له ما جاء بك قال أسلمت ثم جئت وهما من شهداء أحد دخلا في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ادفنوهم بدمائهم وثيابهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم وقد تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب وفي قصة أهل اليمامة عن ابن عمر أنه طاف في القتلى فوجد أبا عقيل الأنفي قال فسقيته ماء وبه أربعة عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل فخرج الماء من جراحاته كلها فلم يغسل وفي فتوح الشام أن رجلا قال أخذت ماء لعلي أسقي ابن عمي إن وجدت به حياة فوجدت الحارث بن هشام فأردت أن أسقيه فإذا رجل ينظر إليه فأومأ لي أن أسقيه فذهبت إليه لأسقيه فإذا بآخر ينظر إليه فأومأ إلي أن أسقيه فلم أصل إليه حتى ماتوا كلهم ولم يفرد أحد منهم بغسل ولا صلاة وقد ماتوا بعد انقضاء الحرب فصل فإن كان الشهيد عاد عليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو وقال القاضي يغسل ويصلى عليه لأنه مات بغير أيدي المشركين أشبه ما لو أصابه ذلك في غير المعترك ولنا ما روى أبو داود عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فضربه فأخطأه فأصاب نفسه بالسيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه فقالوا يا رسول الله أشهيد هو قال نعم وأنا له شهيد وعامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فذهب يسفل له فرجع سيفه على نفسه فكانت فيها نفسه فلم يفرد عن الشهداء بحكم ولأنه شهيد المعركة فأشبه ما لو قتله الكفار وبهذا فارق ما لو كان في غير المعترك فأما إن سقط من دابته أو وجد ميتا ولا أثر به فإنه يغسل نص عليه أحمد وتأول الحديث ادفنوهم بكلومهم فإذا كان به كلم لم يغسل وهذا قول أبي حنيفة في الذي يوجد ميتا لا أثر به وقال الشافعي لا يغسل بحال لاحتمال أنه مات بسبب من أسباب القتال ولنا أن الأصل وجوب الغسل فلا يسقط بالاحتمال ولأن سقوط الغسل في محل الوفاق مقرون بمن كلم فلا يجوز حذف ذلك عن درجة الاعتبار فصل ومن قتل من أهل العدل في المعركة فحكمه في الغسل والصلاة حكم من قتل في معركة المشركين لأن عليا رضي الله عنه لم يغسل من قتل معه وعمار أوصى أن لا يغسل وقال ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم قال أحمد قد أوصى أصحاب الجمل أنا مستشهدون غدا فلا تنزعوا عنا ثوبا ولا تغسلوا عنا دما ولأنه شهيد المعركة أشبه قتيل الكفار وهذا قول أبي حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه يغسلون لأن أسماء غسلت ابنها عبد الله بن الزبير والأول أولى لما ذكرناه وأما عبد الله بن الزبير فإنه أخذ وصلب فهو كالمقتول ظلما وليس بشهيد المعركة وأما الباغي
فقال الخرقي من قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه ويحتمل إلحاقه بأهل العدل لأنه لم ينقل إلينا غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين ولأنهم يكثرون في المعترك فيشق غسلهم فأشبهوا أهل العدل فأما الصلاة على أهل العدل فيحتمل أن لا يصلى عليهم لأننا شبهانهم بشهداء معركة المشركين في الغسل فكذلك في الصلاة ويحتمل أن يصلى عليهم لأن عليا رضي الله عنه صلى عليهم فصل فأما من قتل ظلما أو قتل دون ماله أو دون نفسه وأهله ففيه روايتان إحداهما يغسل اختارها الخلال وهو قول الحسن ومذهب الشافعي ومالك لأن رتبته دون رتبة الشهيد في المعترك فأشبه المبطون ولأن هذا لا يكثر القتل فيه فلم يجز إلحاقه بشهيد المعترك والثانية لا يغسل ولا يصلى عليه وهو قول الشعبي والأوزاعي وإسحاق في الغسل لأنه قتل شهيدا أشبه شهيد المعترك قال النبي صلى الله عليه وسلم من قتل دون ماله فهو شهيد فصل فأما الشهيد بغير قتل كالمبطون والمطعون والغرق وصاحب الهدم والنفساء فإنهم يغسلون ويصلى عليهم لا نعلم فيه خلافا إلا ما يحكى عن الحسن لا يصلى على النفساء لأنها شهيدة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها متفق عليه وصلى على سعد بن معاذ وهو شهيد وصلى المسلمون على عمر وعلي رضي الله عنهما وهما شهيدان وقال النبي صلى الله عليه وسلم الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله قال الترمذي هذا حديث صحيح متفق عليه وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الشهادة سبع سوى القتل وزاد على ما ذكر في هذا الخبر صاحب الحريق وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت بجمع شهيدة وكل هؤلاء لا يغسلون ويصلى عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك غسل الشهيد في المعركة لما يتضمنه من إزالة الدم المستطاب شرعا أو لمشقة غسلهم لكثرتهم أو لما فيهم من الجراح ولا يوجد ذلك ها هنا فصل فإن اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين فلم يميزوا صلى على جميعهم ينوي المسلمين قال أحمد ويجعلهم بينه وبين القبلة ثم يصلي عليهم وهذا قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة إن كان المسلمون أكثر صلى عليهم وإلا فلا لأن الاعتبار بالأكثر بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الإسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها دار الحرب لكثرة ما بها من الكفار ولنا أنه أمكن الصلاة على المسلمين من غير ضرر فوجب كما لو كانوا أكثر ولأنه إذا جاز أن يقصد بصلاته ودعائه الأكثر جاز قصد الأقل ويبطل ما قالوه بما إذا اختلطت أخته بأجنبيات أو ميتة بمذكيات ثبت الحكم للأقل دون الأكثر فصل وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر نظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب فإن لم يكن عليه علامة وكان في دار الإسلام غسل وصلي عليه وإن كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه نص عليه أحمد لأن الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل مسألة قال ( والمحرم يغسل بماء وسدر ولا يقرب طيبا ويكفن في ثوبيه ولا يغطى رأسه ولا رجلاه ) إنما كان كذلك لأن المحرم لا يبطل حكم إحرامه بموته فلذلك جنب ما يجنبه المحرم من الطيب وتغطية الرأس ولبس المخيط وقطع الشعر روي ذلك عن عثمان وعلي وابن عباس وبه قال عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة يبطل إحرامه بالموت ويصنع به كما يصنع بالحلال وروي ذلك عن عائشة وابن عمر وطاوس لأنها عبادة شرعية فبطلت بالموت كالصلاة والصيام ولنا ما روى ابن عباس أن رجلا وقصه بعيره ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبدا وفي رواية ملبيا متفق عليه فإن قيل هذا خاص له لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا
قلنا حكم النبي صلى الله عليه وسلم في واحد حكمه في مثله إلا أن يريد تخصيصه ولهذا ثبت حكمه في شهداء أحد في سائر الشهداء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حكمي على الواحد حكمي على الجماعة قال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل يقول في هذا الحديث خمس سنن كفنوه في ثوبيه أي يكفن في ثوبين وأن يكون في الغسلات كلها سدر ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا ويكون الكفن من جميع المال وقال أحمد في موضع يصب عليه الماء صبا ولا يغسل كما يغسل الحلال وإنما كره عرك رأسه ومواضع الشعر كيلا ينقطع شعره واختلف عنه في تغطية رجليه فروى حنبل عنه لا تغطى رجلاه وهو الذي ذكره الخرقي وقال الخلال لا أعرف هذا في الأحاديث ولا رواه أحد عن أبي عبد الله غير حنبل وهو عندي أهم من حنبل والعمل على أنه يغطى جميع المحرم إلا رأسه لأن إحرام الرجل في رأسه ولا يمنع من تغطية رجليه في حياته فكذلك في مماته واختلفوا عن أحمد في تغطية وجهه فنقل عنه إسماعيل بن سعيد لا يغطى وجهه لأن في بعض الحديث ولا تخمروا رأسه ولا وجهه ونقل عنه سائر أصحابه لا بأس بتغطية وجهه لحديث ابن عباس الذي رويناه وهو أصح ما روي فيه وليس فيه إلا المنع من تغطية الرأس ولأن إحرام الرجل في رأسه ولا يمنع من تغطية وجهه في الحياة فبعد الموت أولى ولم ير أن يلبس المحرم المخيط بعد موته كما لا يلبسه في حياته ولن كان الميت امرأة محرمة ألبست القميص وخمرت كما تفعل ذلك في حياتها ولم تقرب طيبا لأنه يحرم عليها في حياتها فكذلك بعد موتها مسألة قال ( وإن سقط من الميت شيء غسل وجعل معه في أكفانه ) وجملته أنه إذا بان من الميت شيء وهو موجود غسل وجعل معه في أكفانه قالهابن سيرين ولا نعلم فيه خلافا وقد روي عن أسماء أنها غسلت ابنها فكانت تنزعه أعضاء كلما غسلت عضوا طيبته وجعلته في كفنه ولأن في ذلك جمع أجزاء الميت في موضع واحد وهو أولى من تفريقها فصل فإن لم يوجد إلا بعض الميت فالمذهب أنه يغسل ويصلى عليه وهو قول الشافعي ونقل ابن منصور عن أحمد أنه لا يصلى على الجوارح قال الخلال ولعله قول قديم لأبي عبد الله والذي استقر عليه قول أبي عبد الله أنه يصلى على الأعضاء وقال أبو حنيفة ومالك إن وجد الأكثر صلي عليه وإلا فلا لأنه بعض لا يزيد على النصف فلم يصل عليه كالذي بان في حياة صاحبه كالشعر والظفر ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم قال أحمد صلى أبو أيوب على رجل وصلى عمر على عظام بالشام وصلى أبو عبيدة على رؤوس بالشام رواهما عبد الله بن أحمد بإسناده وقال الشافعي ألقى طائر يدا بمكة من وقعة الجمل فعرفت بالخاتم وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم نعرف من الصحابة مخالفا في ذلك ولأنه بعض من جملة تجب الصلاة عليها فيصلى عليه كالأكثر وفارق ما بان في الحياة لأنه من جملة لا يصلى عليها والشعر والظفر لا حياة فيه فصل وإن وجد الجزء بعد دفن الميت غسل وصلي عليه ودفن إلى جانب القبر أو نبش بعض القبر ودفن فيه ولا حاجة إلى كشف الميت لأن ضرر نبش الميت وكشفه أعظم من الضرر بتفرقة أجزائه فصل والمجدور والمحترق والغريق إذا أمكن غسله غسل وإن خيف تقطعه بالغسل صب عليه الماء صبا ولم يمس فإن خيف تقطعه بالماء لم يغسل وييمم إن أمكن كالحي الذي يؤذيه الماء وإن تعذر غسل الميت لعدم الماء يمم وإن تعذر غسل بعضه دون بعض غسل ما أمكن غسله ويمم الباقي كالحي سواء
فصل فإن مات في بئر ذات نفس فأمكن معالجة البئر بالأكسية المبلولة تدار في البئر حتى تجتذب بخاره ثم ينزل من يطلعه أو أمكن إخراجه بكلاليب من غير مثله لزم ذلك لأنه أمكن غسله من غير ضرر فلزم كما لو كان على ظهر الأرض وإذا شك في زوال بخاره أنزل إليه سراج أو نحوه فإن انطفأ فالبخار باق وإن لم ينطفىء فقد زال إنه يقال لا تبقى النار إلا فيما يعيش فيه الحيوان وإن لم يمكن إخراجه إلا بمثله ولم يكن إلى البئر حاجة طمت عليه فكانت قبره وإن كان طمها يضر بالمارة أخرج بالكلاليب سواء أفضى إلى المثلة أو لم يفض لأن فيه جمعا بين حقوق كثيرة ننفع المارة وغسل الميت وربما كانت المثلة في بقائه أعظم لأنه يتقطع وينتن فإن نزل على البئر قوم فاحتاجوا إلى الماء وخافوا على أنفسهم فلهم إخراجه وجها واحدا وإن حصلت مثلة لأن ذلك أسهل من تلف نفوس الأحياء ولهذا لو لم يجد من السترة إلا كفن الميت واضطر الحي إليه قدم الحي ولأن حرمة الحي وحفظ نفسه أولى من حفظ الميت عن المثلة لأن زوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم ولأن الميت لو بلع مال غيره شق بطنه لحفظ مال الحي وحفظ النفس أولى من حفظ المال والله أعلم مسألة قال أن كان شاربه طويلا أخذ وجعل معه وجملته أن شارب الميت إن كان طوالا استحب قصه وهذا قول الحسن وبكر بن عبد الله وسعيد بن جبير وإسحاق وقال أبو حنيفة ومالك لا يؤخذ من الميت شيء فإنه قطع شيء منه فلم يستحب كالختان واختلف أصحاب الشافعي كالقولين ولنا قول النبيي صلى الله عليه وسلم اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم والعروس يحسن ويزال عنه ما يستقبح من الشارب وغيره ولأن تركه يقبح منظره فشرعت إزالته كفتح عينيه وفمه شرع ما يزيله ولأنه فعل مسنون في الحياة لا مضرة فيه فشرع بعد الموت كالاغتسال ويخرج على هذا الختان لما فيه من المضرة فإذا أخذ الشعر جعل معه في أكفانه لأنه من الميت فيستحب جعله في أكفانه كأعضائه وكذلك كل ما أخذ من الميت من شعر أو ظفر أو غيرهما فإنه يغسل ويجعل معه في أكفانه كذلك فصل فأما الأظفار إذا طالت ففيها روايتان إحداهما لا تقلم قال أحمد لا تقلم أظفاره ويبقى وسخها وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله والخلال يستعمل ان احتيج إليه والخلال يزال به ما تحت الأظفار لأن الظفر لا يظهر كظهور الشارب فلا حاجة إلى قصه والثانية يقص إذا كان فاحشا نص عليه لأنه من السنة ولا مضرة فيه فيشرع أخذه كالشارب ويمكن أن تحمل الرواية الأولى على ما إذا لم تكن فاحشة وأما العانة فظاهر كلام الخرقي أنها لا تؤخذ لتركه ذكرها وهو قول ابن سيرين ومالك وأبي حنيفة لأنه يحتاج في أخذها إلى كشف العورة ولمسها وهتك الميت وذلك محرم لا يفعل لغير واجب ولأن العورة مستورة يستغني بسترها عن إزالتها وروي عن أحمد أن أخذها مسنون وهو قول الحسن وبكر بن عبد الله وسعيد بن جبير وإسحاق لأن سعد بن أبي وقاص جز عانة ميت ولأنه شعر إزالته من السنة فأشبه الشارب والأول أولى ويفارق الشارب العانة لأنه ظاهر يتفاحش لرؤيته ولا يحتاج في أخده إلى كشف العورة ولا مسها فإذا قلنا بأخذها فإن حنبلا روى أن أحمد سئل ترى أن تستعمل النورة قال الموسى أو مقراض يؤخذ به الشعر من عانته وقال القاضي تزال بالنورة لأنه أسهل ولا يمسها ووجه قول أحمد أنه فعل سعد والنورة لا يؤمن أن تتلف جلد الميت فصل فأما الختان فلا يشرع لأنه إبانة جزء من أعضائه وهذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن بعض الناس أنه يختن حكاه الإمام أحمد والأولى أولى لما ذكرناه ولا يحلق رأس الميت لأنه ليس من السنة في الحياة وإنما يراد لزينة أو نسك ولا يطلب شيء من ذلك ها هنا
فصل وإن جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات لم ينزع إن كان طاهرا وإن كان نجسا فأمكن إزالته من غير مثلة أزيل لأنه نجاسة مقدور على إزالتها من غير مضرة وإن أفضى إلى المثلة لم يقلع وصار في حكم الباطن كما لو كان حيا وإن كان على الميت جبيرة يفضي نزعها إلى مثلة مسحت كمسح جبيرة الحي وإن لم يفض إلى مثلة نزعت فغسل ما تحتها قال أحمد في الميت تكون أسنانه مربوطة بذهب إن قدر على نزعه من غير أن يسقط بعض أسنانه نزعه وإن خاف أن يسقط بعضها تركه فصل ومن كان مشنجا أو به حدب أو نحو ذلك فأمكن تمديده بالتليين والماء الحار فعل ذلك وأن لم يكن إلا بعنف تركه بحاله فإن كان على صفة لا يمكن تركه على النعش إلا على وجه يشتهر بالمثلة ترك في تابوت أو تحت مكبة مثل ما يصنع بالمرأة لأنه أصون وأستر لحاله فصل ويستحب أن يترك فوق سرير المرأة شيء من الخشب أو الجريد مثل القبة يترك فوقه ثوب ليكون أستر لها وقد روي أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أول من صنع لها ذلك بأمرها مسألة قال ( ويستحب تعزية أهل الميت ) لا نعلم في هذه المسألة خلافا إلا أن الثوري قال لا تستحب التعزية بعد الدفن لأن خاتمة أمره ولنا عموم قوله عليه السلام من عزى مصابا فله مثل أجره رواه الترمذي وقال هو حديث غريب وروى ابن ماجة في سننه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة وقال أبو برزة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عزى ثكلى كسى بردا في الجنة قال الترمذي هذا ليس إسناده بالقوي والمقصود بالتعزية تسلية أهل المصيبة وقضاى حقوقهم والتقرب إليهم والحاجة إليها بعد الدفن كالحاجة إليها قبله فصل ويستحب تعزية جميع أهل المصيبة كبارهم وصغارهم ويخص خيارهم والمنظور إليه من بينهم ليستن به غيره وذا الضعف منهم عن تحمل المصيبة لحاجته إليها ولا يعزى الرجل الأجنبي شواب النساء مخافة الفتنة فصل ولا نعلم في التعزية شيئا محدودا إلا أنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم عزى رجلا فقال رحمك الله وآجرك رواه الإمام أحمد وعزى أحمد أبا طالب فوقف على باب المسجد فقال أعظم الله أجركم وأحسن عزاءكم وقال بعض أصحابنا إذا عزى مسلما بمسلم قال أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك ورحم الله ميتك واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل ما فات فبالله فثقوا إياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب رواه الشافعي في مسنده وإن عزى مسلما بكافر قال أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك فصل وتوقف أحمد رحمه الله عن تعزية أهل الذمة وهي تخرج على عيادتهم وفيه روايتان إحداهما لا نعودهم فكذلك لا نعزيهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تبدؤوهم بالسلام وهذا في معناه والثانية نعودهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى غلاما من اليهود كان مرض يعوده فقعد عند رأسه فقال له أسلم فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال له أطع أبا القاسم فأسلم فقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه بي من النار رواه البخاري فعلى هذا نعزيهم فنقول في تعزيتهم بمسلم أحسن الله عزاءك وغفر لميتك وعن كافر أخلف الله عليك ولا نقص عددك ويقصد زيادة عددهم لتكثر جزيتهم وقال أبو عبد الله بن بطة يقول أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل دينك