İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل إذا أحرم الرجل وفي ملكه صيد لم يزل ملكه عنه ولا يده الحكمية مثل أن يكون في بلده أو في يد نائب له في غير مكانه ولا شيء عليه إن مات وله التصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما ومن غضبه لزمه رده ويلزمه إزالة يده المشاهدة عنه ومعناه إذا كان في قبضته أو رحله أو خيمته أو قفص معه أو مربوطا بحبل معه لزمه أرساله وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي وقال الثوري هو ضامن لما في بيته أيضا وحكي نحو ذلك عن الشافعي وقال أبو ثور ليس عليه إرسال ما في يده وهو أحد قولي الشافعي لأنه في يده أشبه ما لو كان في يده الحكيمة ولأنه لا يلزم من منع ابتداء الصيد المنع من استدامته بدليل الصيد في الحرم ولنا على أنه لا يلزمه إزالة يده الحكيمة أنه لم يفعل في الصيد فعلا فلم يلزمه شيء كما لو كان في ملك غيره وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدة فإنه فعل الإمساك في الصيد فكان ممنوعا منه كحالة الابتداء فإنه استدامة الإمساك إمساك بدليل أنه لو حلف لا يمسك شيئا فاستدام إمساكه حنث إذا ثبت هذا فإنه متى أرسله لم يزل ملكه عنه ومن أخذه رده إذا حل ومن قتله ضمنه له لأن ملكه كان عليه وإزالة الأثر لا يزيل الملك بدليل الغصب والعارية فإن تلف في يده قبل أرسالته بعد إمكانه ضمنه لأنه تلف تحت اليد العادية فلزمه الضمان كمال الآدمي وإن كان قبل إمكان الإرسال فلا ضمان لأنه ليس بمفرط ولا متعد فإن أرسله إنسان من يده فلا ضمان عليه لأنه فعل ما يلزمه فعله ولأن اليد قد زال حكمها وحرمتها فإن أمسكه حتى حل فملكه باق عليه لأن ملكه لم يزل بالإحرام وإنما زال حكم المشاهدة فصار كالعصير يتخمر ثم يتخلل قبل إراقته فصل ولا يملك المحرم الصيد ابتداء بالبيع ولا بالهبة ونحوهما من الأسباب فإن الصعب بن جثامة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا فرده وقال إنا لم ترده عليك إلا أنا حرم فإذا أخذه بأحد هذه الأسباب ثم تلف فعليه جزاؤه وإن كان مبيعا فعليه القيمة أو رده إلى مالكه فإن أرسله فعليه ضمانه كما لو أتلفه وليس عليه جزاء وعليه رد المبيع أيضا ويحتمل أن يلزمه أرساله كما لو كان مملوكا له لأنه لا يجوز له إثبات يد المشاهدة على الصيد وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي ولا يسترد المحرم الصيد الذي بلعه وهو حلال مختار ولا عيب في ثمنه ولا غيرهما لأنه ابتداء ملك على الصيد وهو ممنوع منه وإن رده المشتري عليه بعيب أو خيار فله ذلك لأن سبب الرد متحقق ثم لا يدخل في ملك المحرم ويلزمه إرساله فصل وإن ورث المحرم صيدا ملكه لأن الملك بالإرث ليس بفعل من جهته وإنما يدخل في ملكه حكما اختار ذلك أو كرهه ولهذا يدخل في ملك الصبي والمجنون ويدخل به المسلم في ملك الكافر فجرء مجرى الاستدامة ويحتمل أن لا يملك به لأنه من جهات التملك فأشبه البيع وغيره فعلى هذا يكون أحق به من غيره ثبوت ملكه عليه فإذا حل ملكه مسألة قال ( ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر تحلل بعمرة وذبح إن كان معه هدي وحج من قابل وأتى بدم ) الكلام في هذه المسألة في أربعة فصول الأول أن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر فمن يدرك الوقوف حتى طلع الفجر يومئذ فإنه الحج لا نعلم فيه خلافا قال جابر لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع قال أبو الزبير فقلت له أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال نعم رواه الأثرم بإسناده وقول النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة
فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه يدل على فواته بخروج ليلة جمع وروي ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل بعمرة وعليه الحج من قابل رواه الدارقطني وضعفه الفصل الثاني أن من فاته الحج يتحلل بطواف وسعي وحلاق هذا الصحيح من المذهب وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه زيد بن ثابت وابن عباس وابن الزبير ومروان بن الحكم وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن أبي موسى في المسألة روايتان إحداهما كما ذكرنا والثانية يمضي في حج فاسد وهو قول المزني قال يلزمه جميع أفعال الحج لأن سقوط ما فات وقته لا يمنع ما لم يفت ولنا قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا فكان إجماعا وروى الشافعي في مسنده أن عمر قال لأبي أيوب حين فاته الحج اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت فإذا أدركت الحج قابلا فحج واهد ما استيسر من الهدي وروي أيضا عن ابن عمر نحو ذلك وروى الأثرم بإسناده عن سليمان بن يسار أن هبار ابن الأسود حج من الشام فقدم يوم النحر فقال له عمر ما حبسك قال حسبت أن اليوم يوم عرفة قال فانطلق إلى البيت فطف به سبعا وإن كان معك هدية فانحرها ثم إذا كان عام قابل فاحجج فإذا وجدت سعة فاهد فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله تعالى وروى النجاد بإسناده عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة وليحج من قابل ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى إذا ثبت هذا فإنه يجعل إحرامه بعرمة وهذا ظاهر كلام الخرقي ونص عليه أحمد واختاره أبو بكر وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعطاء وأصحاب الرأي وقال ابن حامد لا يصير إحرامه بعمرة بل يتحلل بطواف وسعي وحلق وهو مذهب مالك والشافعي لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى الآخر كما لو أحرم بالعمرة ويحتمل أن من قال يجعل إحرامه عمرة أراد به بفعل ما فعل المعتمر وهو الطواف والسعي ولا يكون بين القولين خلاف ويحتمل أن يصير إحرام الحج إحراما بعمرة بحيث يجزئه عن عمرة الإسلام إن لم يكن اعتمر ولو أدخل الحج عليها لصار قارنا إلا أنه لا يمكنه الحج بذلك الإحرام إلا أن يصير محرما به في غير أشهره فيصير كمن أحرم بالحج في غير أشهره ولأن قلب الحج إلى العمرة يجوز من غير سبب على ما قررناه في فسخ الحج فمع الحاجة أولى ويخرج على هذا قلب العمرة إلى الحج فإنه لا يجوز ولأن العمرة لا يفوت وقتها فلا حاجة إلى انقلاب إحرامها بخلاف الحج الفصل الثالث أنه يلزمه القضاء من قابل سواء كان الفائت واجبا أو تطوعا روي ذلك عن عمر وابنه وزيد وابن عباس وابن الزبير ومروان وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد لا قضاء عليه بل إن كانت فرضا فعلها بالوجوب السابق وإن كانت نفلا سقطت وروي هذا عن عطاء وهو إحدى الروايتين عن مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال بل مرة واحدة ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة ولأنه معذور في ترك إتمام حجه فلم يلزمه القضاء كالمحرم ولأنها عبادة تطوع فلم يجب قضاؤها كسائر التطوعات ووجه الرواية الأولى ما ذكرنا من الحديث وإجماع الصحابة وروى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من فاته عرفات فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل ولأن الحج يلزم بالشروع فيه فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات وأما الحديث فإنه أراد الواجب بأصل الشرع حجة واحدة وهذه إنما تجب بإيجابه لها بالشروع فيها كالمنذورة وأما المحصر فإنه غير منسوب إلى التفريط بخلاف من فاته الحج وإذا قضى أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة
لا نعلم في هذا خلافا لأن الحجة المقضية لو تمت لأجزأت عن الواجبة عليه فكذلك قضاؤها لأن القضاء يوم مقام الأداء الفصل الرابع إن الهدي يلزم من فاته الحج في أصح الروايتين وهو قول من سمينا من الصحابة والفقهاء إلا أصحاب الرأي فإنهم قالوا لا هدي عليه وهي الرواية الثانية عن أحمد لأنه لو كان الفوات سببا لوجوب الهدي للزم المحرم هديان للفوات والإحصار ولنا حديث عطاء وإجماع الصحابة ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه هدي كالمحرم لم يفت حجه فإنه يحل قبل فواته إذا ثبت هذا فإنه يخرج للهدي في سنة القضاء إن قلنا بوجوب القضاء وإلا أخرجه في عامه وإذا كان معه هدي قد ساقه نحره ولا يجزئه إن قلنا بوجوب القضاء بل عليه في السنة الثانية هدي أيضا نص عليه أحمد وذلك لحديث عمر الذي ذكرناه والهدي ما استيسر مثل هدي المتعة لحديث عمر أيضا والمتمتع والمفرد والقارن والمكي وغيره سواء فيما ذكرنا لأن الفوات يشمل الجميع فصل فإن اختار من فاته الحج البقاء على إحرامه ليحج من قابل فله ذلك روي ذلك عن مالك لأن تطاول المدة بين الإحرام وفعل النسك لا يمنع إتمامه كالعمرة والمحرم بالحج في غير أشهره ويحتمل أنه ليس له ذلك وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر ورواية عن مالك لظاهر الخبر وقول الصحابة رضي الله عنهم لأن إحرام الحج يصير في غير أشهره فصار كالمحرم بالعبادة قبل وقتها فصل وإذا فات القارن الحج حل وعليه مثل ما أهل به من قابل نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور وإسحاق ويحتمل أن يجزئه ما فعل عن عمرة الإسلام ولا يلزمه إلا قضاء الحج لأنه لم يفته غيره وقال أصحاب الرأي والثوري يطوف ويسعى لعمرته ثم لا يحل حتى يطوف ويسعى لحجه إلا أن سفيان قال ويهرق دما والوجه الأول أن يجب القضاء على حسب الأداء في صورته ومعناه فيجب أن يكون ها هنا كذلك ويلزمه هديان هدي للقرآن وهدي فواته وبه قال مالك والشافعي وقيل يلزمه هدي ثالث للقضاء وليس بشيء فإن القضاء لا يجب له هدي وإنما يجب الهدي الذي في سنة القضاء للفوات وكذلك لم يأمره الصحابة بأكثر من هدي واحد والله أعلم فصل إذا أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير ليلة عرفة أجزأهم ذلك لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة الذي يعرف فيه الناس فإن اختلفوا فأصاب بعض وأخطأ وقت الوقوف لم يجزئهم لأنهم غير معذورين في هذا وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحكون رواه الدارقطني وغيره مسألة قال ( وإن كان عبدا لم يكن له أن يذبح وكان عليه أن يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما ثم يقصر ويحل ) يعني أن العبد لا يلزمه هدي لأنه لا مال له فهو عاجز عن الهدي فلم يلزمه كالمعسر وظاهر كرم الخرقي أنه لو أذن له سيدة في الهدي لم يكن له أن يهدي ولا يجزئه إلا الصيام وهذا قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي ذكره ابن المنذر عنهم في الصيد وعلى قياس هذا كل دم لزمه في الإحرام لا يجرئه عنه إلا الصيام وقال غير الخرقي إن ملكه السيد هديا وأذن له في ذبحه خرج على الروايتين إن قلنا إن العبد يملك بالتمليك لزمه أن يهدي ويجزي عنه ولأنه قادر على الهدي مالك له فلزمه كالحر وإن قلنا لا يملك لم يجزئه إلا الصيام لأنه ليس بمالك ولا سبيل له إلى الملك فصار كالمعسر الذي لا يقدر على غير الصيام وإذا صام فإنه يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما وينبغي أن يخرج فيه من الخلاف ما ذكرناه في الصيد ومتى بقي من قيمتها أقل من مد صام عنه يوما كاملا لأن الصوم لا يتبعض
فيجب تكميله كمن نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فقدم في بعض النهار لزمه صوم يوم كامل والأولى أن يكون الواجب من الصوم عشرة أيام كصوم المتعة كما جاء في حديث عمر أنه قال لهبار بن الأسود فإن وجدت سعة فأهد فإن لم تجد سعة فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله تعالى وروى الشافعي في مسنده عن ابن عمر مثل ذلك وأحمد ذهب إلى حديث عمر واحتج به لأنه صوم وجب لحله من إحرامه قبل إتمامه فكان عشرة أيام كصوم المحرم والمعسر في الصوم كالعبد ولذلك قال عمر لهبار بن الأسود إن وجدت سعة فأهد فإن لم تجد فصم ويعتبر اليسار والإعسار في زمن الوجوب وهو في سنة القضاء إن قلنا بوجوبه أو في سنة الفوات إن قلنا لا يجب القضاء وقول الخرقي ثم يقصر ويحل يريد أن العبد لا يحلق ها هنا ولا في موضع آخر لأن الحلق إزالة الشعر الذي يزيد في قيمته وماليته وهو ملك لسيده ولم يتعين إزالته فلم يكن له إزالته كغير حالة الإحرام وإن أذن له السيد في الحلق جاز ولأنه إنما منع منه لحقه مسألة قال ( وإذا أحرمت المرأة لواجب لم يكن لزوجها منعها ) وجملة ذلك أن المرأة إذا أحرمت بالحج الواجب أوا لعمرة الواجبة وهي حجة الإسلام وعمرته أو المنذور منهما لزوجها منعها من المضي فيها ولا تحليلها في قول أكثر أهل العلم منهم أحمد والنخعي وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أصح القولين له وقال في الآخر له منعها لأن الحج عنده على التراخي فلم يتعين في هذا العام وليس هذا بصحيح فإن الحج الواجب يتعين بالشروع فيه فيصير كالصلاة إذا أحرمت بها في أول وقتها وقضاء رمضان إذا شرعت فيه ولأن حق الزوج مستمر على الدوام فلو ملك منعها في هذا العام لملكه في كل عام فيفضي إلى إسقاط أحد أركان الإسلام بخلاف العدة فإنها لا تستمر فيما إن أحرمت بتطوع فله تحليلها ومنعها منه في ظاهر قول الخرقي وقال القاضي ليس له تحليلها لأن الحج يلزم بالشروع فيه فلا يملك الزوج تحليلها كالحج المنذور وحكي عن أحمد في امرأة تحلف بالصوم أو بالحج ولها زوج لها أن تصوم بغير إذن زوجها ما تصنع قد ابتليت وابتلي زوجها ولنا إنه تطوع يفوت جق غيرها منها أحرمت به بغير فملك تحليلها منه كالأمة تحرم بغير إذن سيدها والمدينة تحرم بغير إذن غريمها على وجه على وجه يمنعه إيفاء دينه الحال عليها ولأن العدة تمنع المضي في الإحرام لحق الله تعالى فحق الآدمي أولى لأن حقه أضيق لشحه وحاجته وكرم الله تعالى وغناه كلام أحمد لا يتناول محل النزاع وهو مخالف له له من وجهين أحدهما أنه في الصوم وتأثير الصوم في منع حق الزوج يسير فإنه في النهار دون الليل ولو حلفت بالحج فله منعها لأن الحج لا يتعين في نذر اللجاج والغضب بل هو مخير بين فعله والتكفير فله منعها منه قبل إحرامها بكل حال بخلاف الصوم والثاني أن الصوم إذا وجب صار كالمنذور بخلاف ما نحن فيه والشروع ها هنا على وجه غير مشروع فلم يكن له حرمة بالنسبة إلى صاحب الحق فإما إن كانت الحجة حجة الإسلام ولكن لم تكمل شروطها لعدم الاستطاعة فإنه له منعها من الخروج إليها والتلبس بها لأنها غير واجبة عليها وإن أحرمت بغير إذنه لم يملك تحليلها لأن ما حرمت به يقع عن حجة الإسلام الواجبة بأصل الشرع كالمريض إذا تكلف حضور الجمعة ويحتمل أن له تحليلها لأنه فقد شرط وجوبها فأشبهت حجة الأمة الصغيرة فإنها لما فقدت الحرية أو البلوغ ملك منعها ولأنها ليست واجبة عليها فأشبهت سائر التطوع فصل وأما قبل الإحرام فليس للزوج منع امرأته من المضي إلى الحج الواجب عليها إذا كملت شروطه وكانت مستطيعة ولها محرم يخرج معها
لأنه واجب وليس له منعها من الواجبات كما ليس له منعها من الصلاة والصيام وإن تكمل شروطه فله منعها من المضي إليه والشروع فيه ولأنها تفوت حقه بما ليس بواجب عليها فملك منعها كمنعها من صيام التطوع وله منعها من الخروج إلى الحج التطوع والإحرام به بغير خلاف قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم على أن للرجل منع زوجته من الخروج إلى حج التطوع ولأنه تطوع يفوت حق زوجها فكان لزوجها منعها منه كالاعتكاف فإنه أذن لها فيه فله الرجوع ما لم تتلبس بإحرامه فإن تلبست بالإحرام لم يكن له الرجوع فيه ولا تحليلها منه لأنه يلزم بالشروع فصار كالواجب الأصلي فإن رجع قبل إحرامها ثم أحرمت به فهو كمن لم يأذن وإذ قلنا بتحليلها فحكمها حكم المحصر يلزمها الهدي فإن لم تجد صامت ثم حلت فصل وإن أحرمت بواجب فحلق زوجها بالطلاق الثلاث أن لا تحج العام فليس لها أن تحل لأن الطلاق مباح فليس لها ترك فرائض الله خوفا من الوقوع فيه ونقل مهنا عن أحمد أنه سئل عن هذه المسألة فقال قال عطاء الطلاق هلاك هي بمنزلة المحصر وروى عنه ابن منصور أنه أفتى السائل أنها بمنزلة المحصر واحتج بقول عطاء فرواه والله أعلم ذهب إلى هذا لأن ضرر الطلاق عظيم لما فيه من خروجها من بيتها ومفارقة زوجها وولدها وربما كانت ذلك أعظم عندها من ذهاب مالها وهلاك سائر أهلها ولذلك سماه عطاء هلاكا ولو منعها عدو من الحج إلا أن تدفع إليه مالها كان ذلك حصرا فها هنا أولى والله أعلم فصل وليس للوالد منع ولده من الحج الواجب ولا تحليله من إحرامه وليس للوالد طاعته في تركه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى وله منعه من الخروج إلى التطوع فإن له منعه من الغزو وهو من فروض الكفايات فالتطوع أولى فإن أحرم بغير إذنه لم يملك تحليله لأنه واجب بالدخول فيه فصار كالواجب ابتداء أو كالمنذور مسألة قال ( ومن ساق هديا واجبا فعطب دون محله صنع به ما شاء وعليه مكانه ) الواجب من الهدي قسمان أحدهما وجب النذر في ذمته والثاني وجب بغيره كدم التمتع والقران والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور وجميع ذلك ضربان أحدهما أن يسوقه ينوي به الواجب الذي عليه من غير أن يعينه بالقول فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه ودفعه إلى أهله وله التصرف فيه بنا شاء الله من بيع وهبة وكل وغير ذلك لأنه يتعلق حق غيره به وله نماؤه وإن عطب تلف من ماله وإن تعيب لم يجزئه ذبحه وعليه الهدي الذي كان واجبا فإن وجوبه في الذمة فلا يبرأ منه إلا بإيصاله إلى مستحقه بمنزلة من عليه دين فحمله إلى مستحقه يقصد دفعه إليه فتلف قبل أن يوصله إليه الضرب الثاني أن يعين الواجب عليه بالقول فيقول هذا الواجب علي فإنه يتعين الوجوب فيه من غير ن تبرأ منه لأنه لو أوجب هديا ولا هدي عليه متعين فإذا كان واجبا فعينه فكذلك إلا أنه مضمون عليه فإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه وعاد الوجوب إلى ذمته كما لو كان لرجل عليه دين فاشترى به منه مكيلا فتلف قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين إلى ذمته ولأن ذمته لم تبرأ من الواجب بتعيينه وإنما تعلق الوجوب بمحل آخر فصار كالدين يضمنه ضامن أو يرهن به رهنا فإنه يتعلق الحق بالضامن والرهن مع بقائه في ذمة المدين فمتى تعذر استيفاؤه من الضامن أو تلف الرهن بقي الحق في الذمة بحاله وهذا كله لا نعلم فيه مخالفا وإن ذبحه فسرق أو عطب فلا شيء عليه قال أحمد إذا نحر فلم يطعمه حتى سرق لا شيء عليه فإنه إذا نحر فقد فرغ وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك وأصحاب الرأي وقال الشافعي عليه الإعادة لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه فأشبه ما لو لم يذبحه
ولنا إنه أدى الواجب عليه فبرىء منه كما لو فرقه ودليل أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلا التفرقة وليست واجبة بدليل أنه لو خلى بينه وبين الفقراء أجزأه ولذلك لما نحر النبي صلى الله عليه وسلم البدنات قال من شاء اقتطع وإذا عطب هذا المعين أو تعيب عيبا يمنع الإجزاء لم يجزه ذبحه عما في الذمة لأن عليه هديا سليما ولم يوجد وعليه مكانة ويرجع هذا الهدي إلى ملكه فيصنع به ما شاء من أكل أو بيع وهبة وصدقة وغيره هذا ظاهر كلام الخرقي وحكاه ابن المنذر عن أحمد والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي ونحوه عن عطاء وقال مالك يأكل ويطعم من أحب من الأغنياء والفقراء ولا يبيع منه شيئا ولنا ما روى عن سعيد حدثنا سفيان عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس قال إذا أهديت هديا تطوعا فعطب فانحره ثم اغمس النعل في دمه ثم اضرب بها صفحته فإن أكلت أو أمرت به عرفت وإذا أهديت هديا واجبا فعطب فامحره ثم كله إن شئت وأهده إن شئت وبعه إن شئت وتقويه في هدى آخر ولأنه متى كان له أن يأكل ويطعم الأغنياء فله أن يبع لأنه ملكه وروي عن أحمد أنه يذبح المعيب وما في ذمته جميعا ولا يرجع المعين إلى ملكه لأنه تعلق بحق الفقراء بتعيينه فلزم ذبحه كما لو عينه بنذره ابتداء فصل وإن ضل المعين فذبح غيره ثم وجده و عين غير الضال بدلا عما في الذمة ثم وجد الضال ذبحهما معا وروي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وفعلته وعائشة وبه قال مالك والشافعي وإسحاق ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدي فأبدله فإن له أن يصنع به ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما لأنه قد ذبح ما في الذمة فلم يلزمه شيء آخر كما لو عطب المعين وهذا قول أصحاب الرأي ووجه الأول ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أهدت هديين فأضلتهما فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما ثم عاد الضالان فنحرتهما وقالت هذه سنة الهدي رواه الدارقطني وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما وإيجاب الآخر فصل وإن عين معيبا عما في ذمته لم يجزه ولزمه ذبحه على قياس قوله في الأضحية إذا عينها معيبة لزمه ذبحها ولم يجزه وإن عين صحيحا فهلك أو تعيب بغير تفريطة لم يلزمه أكثر مما كان واجبا في الذمة لأن الزائد لم يجب في الذمة وإنما تعلق بالعين فسقط بتلفها لأصل الهدي إذا لم يجب بغير التعيين وإن تلفه أو تلف بتفريطه لزمه مثل المعين لأن الزائد تعلق به حق الله تعالى وإذا فوته لزمه ضمانه كالهدي المعين ابتداء فصل ويحصل الإيجاب بقوله هذا هدي أو بتقليده وإشعاره ناويا به الهدي وبهذا قال الثوري وإسحاق ولا يجب بالشراء مع النية ولا بالنية المجردة في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يجب بالشراء مع النية ولنا إنه إزالة ملك على وجه القربة فلم يجب بالنية كالعتق والوقف فصل إذا غصب شاة فذبحها عن الواجب عليه لم يجزه سواء رضي مالكها أو لم يرض أو عوضه عنها أو لم يعوضه وقال أبو حنيفة يجزئه إن رضي مالكها ولنا إن هذا لم يكن قربة في ابتدائه فلم يصر قربة في أثنائه كما لو ذبحه للأكل ثم نوى به التقريب وكما لو أعتق ثم نواه عن كفارته مسألة قال ( وإن كان ساقه تطوعا نحره موضعه وخلى بينه وبين المساكين ولم يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته ولا بدل عليه ) وجملة ذلك أن من تطوع بهدي غير واجب لم يخل من حالين أحدهما أن ينويه هديا ولا يوجب بلسانه ولا بإشعاره وتقليده فهذا لا يلزمه إمضاؤه وله أولاد ونماؤه والرجوع فيه متى شاء ما لم يذبحه لأنه نوى الصدقة بشيء من ماله فأشبه ما لو نوى الصدقة بدرهم الثاني أن يوجب بلسانه فيقول هذا هدي
أو يقلده أو يشعره ينوي بذلك إهداءه فيصير واجبا معينا يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه ويصير في يدي صاحبه كالوديعة يلزمه حفظه وإيصاله إلى محله فإن تلف بغير تفريط منه أو سوق أو ضل لم يلزمه شيء لأنه لم يجب في الذمة إنما تعلق الحق بالعين فسقط بتلفها كالوديعة وقد روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أهدى تطوعا ثم ضلت فليس عليه البدل إلا أن يشاء فإن كان نذرا فعليه البدل وفي رواية قال من يهدي تطوعا ثم عطب فإن شاء أبدل وإن شاء أكل وإن كان نذرا فليبدل فأما إن أتلفه أو تلف بتفريطه فعليه ضمانه لأنه أتلف واجبا لغيره فضمنه كالوديعة وإن خاف عطبه أو عجز عن المشي وصحبة الرفاق نحره موضعه وخلى بينه وبين المساكين ولم يبح له أكل شيء منه ولا أحد من صحابته وإن كانوا فقراء ويستحب له أن يضع نعل الهدي المقلد في عنقه في دمه ثم يضرب به صحفته ليعرفه الفقراء فيعلموا أنه هدي وليس بميتة فيأخذوه وبهذا قال الشافعي وسعيد بن جبير وروي عن ابن عمر أنه أكل من هدية الذي عطب ولم يقض مكانه وقال مالك يباح لرفقته ولسائر الناس غير صاحبه أو سائقه ولا يأمر أحدا يأكل منه فإنه أكل أو أمر من أكل أو حز شيئا من لحمه ضمنه واحتج ابن عبد البر لذلك بما روى هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية بنت كعب صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدي قال انحره ثم اغمس قلائده في دمه ثم اضرب بها صفحة عنقه ثم خل بينه وبين الناس قال وهذا صح من حديث ابن عباس وعليه العمل عند الفقهاء ويدخل في عموم قوله وخل بينه وبين الناس رفقته وغيرهم ولنا ما روى ابن عباس أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه البدن ثم يقول إن عطب منها شيء فخشيت عليها فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك رواه مسلم وفي لفظ رواه الإمام أحمد ويخليها والناس ولا يأكل منها وهو ولا أحد من أصحابه وقال سعيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبي التياح عن موسى بن سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث بثماني عشرة بدنة مع رجل و قال إن ازدحف عليك منها شيء فانحرها ثم أصبغ نعلها في دمها ثم أضرب بها وفي صفحتها ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك وهذا صحيح متضمن للزيادة ومعنى خاص فيجب تقديمه على عموم ما خالفه ولا تصح التسوية بين رفقته وبين سائر الناس لأن الإنسان يشفق على رفقته ويحب التوسعة عليهم وربما وسع عليهم من مؤونته وإنما منع السائق ورفقته من الأكل منها لئلا يقصر في حفظها فيعطبها ليأكل هو ورفقته منها فتلحقه التهمة في عطبها لنفسه ورفقته فحرموها لذلك فإن أكل منها أو باع أو أطعم غنيا أو رفقته ضمنه بمثله لحما وإن أتلفها أو تلفت بتفريطه أو خاف عطبها فلم ينحرها حتى هلكت فعليه ضمانها بما يوصله إلى فقراء الحرم لأنه لا يتعذر عليه إيصال الضمان إليهم بخلاف العاصب وإن أطعم منها فقيرا أو أمره بالأكل منها فلا ضمان عليه لأنه أوصله إلى المستحق فأشبه ما لو أطعم فقيرا بعد بلوغه وإن تعيب ذبحه أجزأه وقال أبو حنيفة لا يجزئه إلا أن يحدث العيب به بعد إضجاعه للذبح ولنا أنه لو عطب لم يلزمه شيء فالعيب أولى لأن العطب يذهب بجميعه والعيب ينقصه ولأنه عيب حدث بعد وجوبه فأشبه ما لو حدث بع إضجاعه وإن تعيب بفعل آدمي فعليه ما نقصه من القيمة يتصدق به وقال أبو حنيفة يباع جميعه ويشتري هدي وبني ذلك على أنه لا يجزىء وقد بينا أنه مجزىء
فصل وإذا أوجب هديا فله إبداله بخير منه وبيعه ليشتري بثمنه خيرا منه نص عليه أحمد وهو اختيار أكثر الأصحاب ومذهب أبي حنيفة وقال أبو الخطاب يزول ملكه عنه وليس له بيعه ولا إبداله وهو قول مالك والشافعي لأنه حق متعلق بالرقبة ويسري إلى الولد فمنع البيع كالاستيلاء ولأنه لا يجوز له إبداله بمثله فلم يجز بخير منه كسائر ما لا يجوز بيعه ووجه الأول أن النذور محمولة على أوصلها في الفرض وهو الزكاة يجوز فيها الإبدال كذلك هذا ولأنه لو زال ملكه لم يعد إليه بالهلاك كسائر الأملاك إذا زالت وقياسهم ينتقض بالمدبرة يجوز بيعها وقد دل على جواز بيع المدبر أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا أما إبدالها بمثلها أو دونها فلم يجز لعدم الفائدة في ذلك فصل إذا ولدت الهدية فولدها بمنزلتها إن أمكن سوقه وإلا حمله على ظهرها وسقاه من لبنها فإن لم يكن سوقه ولا حمله صنع به ما يصنع بالهدي إذا عطب ولا فرق في ذلك بين ما عينه ابتداء وبين ما عينه بدلا عن الواجب في ذمته وقال القاضي في المعين بدلا عن الواجب يحتمل أن لا يتبعها ولدها لأن ما في الذمة واحد فلا يلزمه اثنان والصحيح أنه يتبع أمه في الوجوب لأنه ولد هدي واجب فكان واجبا كالمعين ابتداء وقال المغيرة بن حدف أتى رجل عليا ببقرة قد أولدها فقال له لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها فإذا كان يوم الأضحى ضحيت بها وولدها عن سبعة رواه سعيد والأثرم وإن تعيبت المعينة عن الواجب في الذمة وقلنا يذبحها ذبح ولدها معها لأنه تبع لها وإن قلنا يبطل تعيينها وتعود إلى مالكها احتمل أن يبطل التعيين في ولدها تبعا كنمائها المتصل بها واحتمل أن لا يبطل ويكون للفقراء لأنه تبعها في الوجوب حال اتصاله بها ولم يتبعها في زواله لأنه منفصل عنها كولد المبيع المعيب إذ ولد عن المشتري ثم رده لم يبطل البيع في ولده والمدبرة إذا قتلت سيدها فبطل تدبيرها لا يبطل في ولدها فصل وللمهدي شرب لبن الهدي لأن بقاءه في الضرع يضر به فإذا كان ذا ولد لم يشرب إلا ما فضل عن ولده لما ذكرنا من خبر علي رضي الله عنه فإن شرب ما يضر بالأم أو ما لا يفضل عن الولد ضمنه لأنه تعدى بأخذه وإن كان صوفها يضر بها بقاؤه جزه وتصدق به على الفقراء والفرق بينه وبين اللبن أن الصوف كان موجودا حال إيجابها فكان واجبا معها واللبن متجدد فيها شيئا فشيئا فهو كنفعها وركوبها فصل وله ركوبه عند الحاجة على وجه لا يضر به قال أحمد لا يركبه إلا عند الضرورة وهو قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا رواه أبو داود ولأنه تعلق بها حق المساكين فلم يجز ركوبها من غير ضرورة كملكهم فأما مع عدم الحاجة ففيه روايتان إحداهما لا يجوز لما ذكرنا والثانية يجوز لما روى أبو هريرة وأنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها فقال يا رسول الله إنها بدنة فقال اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة متفق عليه فصل ولا يبرأ من الهدي إلا بذبحه أو نحره لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه فإن نحره بنفسه أو وكل من نحره إنسان بغير إذنه في وقته أجزأ عنه وإن دفعه إلى الفقراء سليما فنحروه أجزأ عنه لأنه حصل المقصود بفعلهم فأجزأه كما لو ذبحه غيرهم وإن لم ينحروه فعليه أن يسترده منهم وينحره فإن لم يفعل أو لم يقدر فعليه ضمانه لأنه فوته بتفريطه في دفعه إليهم سليما فصل ويستحب للمهدي أن يتولى نحر الهدية بنفسه
لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه بيده وروي عن غرفة بن الحارث الكندي قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأتى بالبدن فقال ادع لي أبا الحسن فدعي له علي فقال له خذ بأسفل الحربة وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلاها ثم طعنا بها بالبدن رواه أبو داود وإنما فعلها ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك عليا في بدنه وقال جابر نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات ثم قال من شاء اقتطع رواه أبو داود فإن لم يذبح بيده فالمستحب أن يشهد ذبحها لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها ويستحب أن يتولى تفريق اللحم بنفسه لأنه أحوط وأقل للضرر على المساكين وإن خلى بينه وبين المساكين جاز لقوله عليه السلام من شاء اقتطع فصل ويباح للفقراء الأخذ من الهدي إذا لم يدفعه إليهم بأحد شيئين أحدهما الإذن فيه لفظا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من شاء اقتطع والثاني دلالة على الإذن كالتخلية بينهم وبينه وقال الشافعي في أحد قوليه لا يباح إلا باللفظ وقول النبي صلى الله عليه وسلم لسائق البدن اصبغ نعلها في دمها واضرب به صفحتها دليل على أن ذلك وشبهه كاف من غير لفظ ولولا ذلك لم يكن هذا مفيدا مسألة قال ( ولا يأكل من كل واجب إلا من هدي التمتع ) المذهب أنه يأكل من هدي التمتع والقران دون ما سواهما نص عليه أحمد ولعل الخرقي ترك ذكر القران لأنه متعه واكتفى بذكر المتعة لأنهما سواء في المعنى فإن سببهما غير محظور فأشبها هدي التطوع وهذا قول أصحاب الرأي وعن أحمد أنه لا يأكل من النذور وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما وهو قول ابن عمر وعطاء والحسن والحسن وإسحاق لأن جزاء الصيد بدل والنذر جعله الله تعالى بخلاف غيرهما وقال ابن أبي موسى لا يأكل أيضا من الكفارة ويأكل مما سوى هذه الثلاثة ونحوه مذهب مالك لأن ما سوى ذلك لم يسنعه للمساكين ولا مدخل للإطعام فيه فأشبه التطوع وقال الشافعي لا يأكل من واجب لأنه هدي وجب بالإحرام فلم يجز الأكل منه كدم الكفارة ولنا إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تمتعن معه في حجة الوداع وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة ثم ذبح عنهن النبي صلى الله عليه وسلم البقرة فأكلن من لحومها وقال أحمد قد أكل من البقر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت أن يحل فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا فقيل ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه روى أبو داود وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن آل محمد في حجة الوداع بقرة وقال ابن عمر تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فساق الهدي من ذي الحليفة متفق عليه وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها رواه مسلم ولأنهما دما نسك فأشبها التطوع ولا يؤكل من غيرهما لأنه يجب بفعل محظور فأشبه جزاء صيد فصل فأما هدي التطوع وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون واجب في ذمته وما نحره تطوعا من غير أن يوجبه فيستحب أن يأكل منه لقول الله تعالى فكلوا منها الحج 28 وأقل أحوال الأمر الاستحباب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من بدنه وقال جابر كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث فرخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال كلوا وتزودوا فأكلنا وتزودنا رواه البخاري وإن لم يأكل فلا بأس
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما نحر البدنات الخمس قال من شاء اقتطع ولم يأكل منهن شيئا والمستحب أن يأكل اليسير منها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وله الأكل كثيرا والتزود كما جاء في حديث جابر وتجزئه الصدقة باليسير منها كما في الأضحية فإن أكلها ضمن المشروع للصدقة منها كما في الأضحية فصل وإن أكل منها ما منع من أكله ضمنه بمثله لحما لأن الجميع مضمون عليه بمثله حيوانا فكذلك أبعاضه وكذلك إن أعطى الجازر منها شيئا ضمنه بمثله وإن أطعم غنيا منها على سبيل الهدية جاز كما يجوز ذلك في الأضحية لأن ما ملك أكله ملك هديته وإن باع شيئا منها أو أتلفه ضمنه بمثله لأنه ممنوع من ذلك فأشبه عطيته للجازر وإن أتلف أجنبي منه شيئا ضمنه بقيمته لأن المتلف من غير ذوات فلزمته قيمته كما لو أتلف لحما لآدمي معين فصل والهدي الواجب بغير النذر ينقسم قسمين منصوص عليه ومقيس على المنصوص فأما المنصوص عليه فأربعة اثنان على الترتيب والواجب فيهما ما استيسر من الهدي وأقله شاة أو سبع بدنة أحدهما دم المتعة قال الله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم البقرة 196 دم الإحصار قال الله تعالى فما استيسر من الهدي البقرة 196 وهو على الترتيب أيضا إن لم يجده انتقل إلى صيام عشرة أيام وإنما وجب ترتيبه لأن الله تعالى أمر به معينا من غير تخيير فاقتضى تعيينه الوجوب وأن لا يتنقل عنه إلا عند العجز كسائر الواجبات المعينة فإن لم يجده انتقل إلى صيام عشرة أيام بالقياس على دم المتعة إلا أنه لا يحل حتى يصومها وهذا قول الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا بدل له لأنه لم يذكر في القرآن وهذا لا يلزم فإن عدم ذكره لا يمنع قياسه على نظيره واثنان مخيران أحدهما فدية الأذى قال الله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك البقرة 196 الثاني جزاء الصيد وهو على التخيير أيضا بقوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما المائدة 96 القسم الثاني ما ليس منصوص عليه فقياس على أشبه المنصوص عليه به فهدي المتعة وجب للترفه بترك أحد السفرين وقضائه للنسكين في سفر واحد ويقاس عليه أيضا دم الفوات فيجب عليه مثل دم المتعة وبدله مثل بدله وهو صيام عشرة أيام إلا أنه لا يمكن أن يكون ثلاثة قبل يوم النحر لأن الفوات إنما يكون بفوات ليلة النحر لأنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه فصار كالتارك لأحد السفرين فإن قيل فهلا ألحقتموه بهدي الإحصار فأنه أشبه به إذ هو حلال من إحرامه قبل إتمامه قلنا أما الهدي فهما فيه سواء وأما البدل فإن الإحصار ليس بمنصوص على البدل فيه وإنما يثبت قياسا فقياس هذا على الأصل المنصوص عليه أولى من قياسه على فرعه على أن الصيام ها هنا مثل الصيام عن دم الإحصار وهو عشرة أيام أيضا إلا أن صيام الإحصار يجب أن يكون قبل حله وهذا يجوز فعله قبل حله وبعده وهو أيضا مقارن لصوم المتعة لأن الثلاثة في المتعة يستحب أن يكون آخرها يوم عرفة وهذا يكون بعد فوات عرفة والخرقي إنما جعل الصوم عن هدي الفوات مثل الصوم عن جزاء الصيد عن كل مد يوما والمروي عن عمر وابنه مثل ذكرنا ويقاس عليه يضا كل دم وجب لترك واجب كدم القران وترك الإحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس والمبيت بمزدلفة والرمي والمبيت ليالي منى بها وطواف الوداع فالواجب فيه ما استيسر من الهدي فإن لم يجد فصيام عشرة أيام وأما من أفسد حجه بالجماع فالواجب فيه بدنة بقول الصحابة المنتشر الذي لم يظهر خلافه
فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع كصيام المتعة كذلك قال عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو رواه عنهم الأثرم ولم يظهر في الصحابة خلافهم فيكون إجماعا فيكون بدله مقيسا على بدل دم المتعة وقال أصحابنا يقوم البدنة بدراهم ثم يشتري بها طعاما فيطعم كل مسكين مدا أو يصوم عن كل مد يوما فتكون ملحقة بالبدنة الواجبة في جزاء الصيد ويقاس على فدية الأذى ما وجب محظور يترفه به كتقليم الأظافر واللبس والطيب وكل استمتاع من النساء يوجل شاة كالوطء في العمرة أو في الحج بعد رمي الجمرة فإنه في معنى فإنه في معنى فدية الأذى من الوجه الذي ذكرناه فيقاس عليه ويلحق به فقد قال ابن عباس لامرأة وقع عليها زوجها قبل أن تقصر عليك فدية من صيام أو صدقة أو نسك رواه الأثرم مسألة قال ( وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إن قدر على إيصاله إليهم إلا من أصابه أذى من رأسه فيفرقه على المساكين في الموضع الذي حلق فيه ) أما فدية الأذى فتجوز في الموضع الذي حلق فيه نص عليه أحمد وقال الشافعي لا تجوز إلا في الحرم لقوله تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق الحج 33 ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية ولم يأمر ببعثه إلى الحرم وروى الأثرم وإسحاق والجوزجاني في كتابهما عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال كنت مع عثمان وعلي وحسين بن علي رضي الله عنهم حجاجا فاشتكى حسين بن علي بالسقيا فأومأ بيده إلى رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورا بالسقيا هذا لفظ رواية الأثرم ولم يعرف لهم مخالف والآية وردت في الهدي وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بفدية الشعر وما عداه من الدماء فبمكة وقال القاضي في الدماء الواجبة بفعل محظور كاللباس والطيب هي كدم الحلق وفي الجميع روايتان إحداهما يفدي حيث وجد سببه والثانية محل الجميع الحرم وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم نص عليه أحمد فقال أما ما كان بمكة أو كان من الصيد فكل بمكة لأن الله تعالى قال هديا بالغ الكعبة وما كان من فدية الرأس فحيث حلقه وذكر القاضي في قتل الصيد رواية أخرى أنه يفدي حيث قتله وهذا يخالف نص الكتاب ونص الإمام أحمد في التفرقة بينه وبين حلق الرأس فلا يعول عليه وما وجب لترك نسك أو فوات فهو لمساكين الحرم دون غيرهم لأنه هدي وجب لترك نسك فأشبه هدي القران وإن فعل المحظور لغير سبب يبيحه فذكر ابن عقيل أنه يختص ذبحه وتفرقه لحمه بالحرم كسائر الهدي فصل وما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه به وبهذا قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة إذا ذبحها في الحرم جاز تفرقة لحمها في الحل ولنا إنه مقصودي النسك فلم يجز في الحل كالذبح ولأن المعقول من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه وهذا لا يحصل بإعطاء غيرهم ولأنه نسك يختص بالحرم فكان جميعه مختصا به كالطواف وسائر المناسك فصل والطعام كالهدي يختص بمساكين الحرم فيما يختص الهدي وقال عطاء والنخعي ما كان هدي فبمكة وما كان من طعام وصيام فحيث شاء وهذا يقتضيه مذهب مالك وأبي حنيفة ولنا قول ابن عباس الهدي والطعام بمكة والصوم حيث شاء ولأنه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين فاختص بالحرم كالهدي فصل ومساكين أهل الحرم من كان فيه من أهله أو وارد إليه من الحاج وغيرهم وهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم ولو دفع إلى من ظاهره الفقر فبان غنيا خرج فيه وجهان كالزكاة وللشافعي فيه قولان وما جاز تفريقه بغير الحرم لم يجز دفعه إلى فقراء أهل الذمة وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وجوزه أصحاب الرأي ولنا إنه كافر فلم يجز الدفع إليه كالحربي فصل وإذا نذر هديا وأطلق فأقل ما يجزيه شاة أو سبع بدنة أو بقرة لأن المطلق في النذر يجب حمله على المعهود شرعا
والهدي الواجب في الشرع إنما هو من النعم وأقله ما ذكرناه فحمل عليه ولهذا لما قال الله تعالى في المتعة فما استيسر من الهدي البقرة 196 حمل على ما قلنا فإن اختار إخراج بدنة كاملة فهو أفضل وهل تكون كلها واجبة على وجهين أحدهما تكون واجبة اختاره ابن عقيل لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه فكان كله واجبا كما لو اختار الأعلى من خصال كفارة اليمين أو كفارة الوطء في الحيض الثاني يكون سبعها واجبا والباقي تطوعا له أكله وهديته لأن الزائد على السبع يجوز تركه من غير شرط ولا بدل فأشبه ما لو ذبح شاتين وإن عين الهدي بشيء لزمه ما عينه وأجزأه سواء كان من بهيمة الأنعام أو من غيرها وسواء كان حيوانا مما ينقل أو مما لا ينقل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال من راح يعني إلى الجمعة في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فذكر الدجاجة والبيضة في الهدي وعليه إيصاله إلى فقراء الحرم لأنه سماه هديا وأطلق فيحمل على محل الهدي المشروع وقد قال الله تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق الحج 23 فإن كان مما لا ينقل كالعقار باعه وبعث ثمنه إلى الحرم فيتصدق به فيه فصل وإن نذر هديا مطلقا أو معينا وأطلق مكانه وجب عليه إيصاله إلى مساكين الحرم وجوز أبو حنيفة ذبحه حيث شاء كما لو نذر الصدقة بشاة ولنا قوله تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق الحج 33 ولأن النذر يحمل على المعهود شرعا والمعهود في الهدي الواجب بالشرع كهدي المتعة والقران وأشباههما أن ذبحهما يكون في الحرم كذا ها هنا وإن عين نذره بموضع غير الحرم لزمه ذبحه به وتفرقة لحمه على مساكين الحرم وإطلاقه لهم لما روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني نذرت أن أنحر ببوانة قال أبها صنم قال لا قال أوف بنذرك رواه أبو داود وإن نذر الذبح بموضع به صنم أو شيء من أمر الكفر أو المعاصي كبيوت النار أو الكنائس والبيع وأشباه ذلك لم يصح نذره بمفهوم هذا الحديث ولأنه نذر معصية فلا يوفي به لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية الله تعالى ولا فيما لا يملك ابن آدم وقوله من نذر أن يعصي الله فلا يعصه فصل وقول الخرقي إن نذر على إيصاله إليهم بدل على أن العاجز عن أيصاله لا يلزمه إيصاله فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها فإن منع الناذر الوصول بنفسه وأمكنه تنفيذه لزمه قال ابن عقيل إذا حصر عن الخروج خرج في ذبح هذا الهدي المنذور في موضع حصره روايتان كدماء الحج واختار أن الصحيح جواز ذبحه في موضع حصره لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هدية بالحديبية والثانية إن أمكن إرسال مع غيره فلا يجوز له ذبحه في موضعه لأنه أمكنه إيصال المنذور إلى محله فلزمه كغير المحصور مسألة قال ( وأما الصيام فيجزئه بكل مكان ) لا نعلم في هذا خلافا كذلك قال ابن عباس وعطاء والنخعي وغيرهم وذلك لأن الصيام لا يتعدى نفعه إلى أحد فلا معنى لتخصيصه بمكان بخلاف الهدي والإطعام فإن نفعه يتعدى إلى من يعطاه فصل ويسن تقليد الهدي وهو أن يجعل في أعناقها النعال وآذان القرب وعراها أو علاقة إدواة وسواء كانت إبلا أو بقرا أو غنما وقال مالك وأبو حنيفة لا يسن تقليد الغنم لأنه لو كان سنة لنقل كما لو سنة لنقل كما نقل في الإبل ولنا أن عائشة كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالا وفي لفظ كنت أفتل قلائد الغنم للنبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ولأنه هدي فيسن تقليده كالإبل ولأنه إذا سن تقليد الإبل مع إمكان تعريفها بالإشعار فالغنم أولى وليس التساوي في النقل شرطا لصحة الحديث ولأنه كان يهدي الإبل أكثر فكثر نقله فصل ويسن إشعار الإبل والبقر
وهو أن يشق صفحة سنامها الأيمن حتى يدميها في قول عامة أهل العلم وقال أبو حنيفة هذا مثله غير جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوان ولأنه إيلام فهو كقطع عضو منه وقال مالك إن كانت البقرة ذات سنام فلا بأس بإشعارها وإلا فلا ولنا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم ثم أشعرها وقلدها متفق عليه رواه ابن عباس وغيره وفعله الصحابة فيجب تقديمه على عموم ما احتجوا به ولأنه إيلام لغرض صحيح فجاز كالكي والوسم والفصد والحجامة والغرض أن لا تخلط بغيرها وأن يتوقاها اللص ولا يحصل ذلك بالتقليد لأنه يحتمل أن ينحل ويذهب وقياسهم منتقص بالكي والوسم وتشعر البقرة لأنها من البدن فتشعر كذات السنام وأما الغنم فلا يسن إشعارها لأنها ضعيفة وصوفها وشعرها يستر موضع إشعارها إذا ثبت هذا فالسنة الإشعار في صفحتها اليمنى وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال مالك وأبو يوسف بل تشعر في صفحتها اليسرى وعن أحمد مثله لأن ابن عمر فعله ولنا ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة ثم دعا ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها بيده رواه مسلم وأما ابن عمر فقد روي عنه كمذهبنا رواه البخاري ثم فعل النبي صلى الله عليه وسلم أولى من قول ابن عمر وفعله بلا خلاف ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في شأنه كله وإذا ساق الهدي من قبل الميقات استحب إشعاره وتقليده من الميقات لحديث ابن عباس وإن ترك الإشعار والتقليد فلا بأس لأن ذلك غير واجب فصل ولا يسن الهدي إلا من بهيمة الأنعام لقول الله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير الحج 28 وأفضل الأبل ثم البقر ثم الغنم لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة متفق عليه وقال ابن عباس لامرأة أصابها زوجها في العمرة عليك فدية من صيام أو صدقة أو نسك قالت أي النسك أفضل قال إن شئت فناقة وإن شئت فبقرة قالت أي ذلك أفضل قال انحري ناقة رواه الأثرم ولأن كان أكثر لحما كان أنفع للفقراء ولذلك أجزأت البدنة مكان سبع من الغنم والشاه أفضل من سبع بدنة لأن لحمها أطيب والضأن أفضل من المعز لذلك فصل والذكر والأنثى في الهدي سواء وممن أجاز ذكران الإبل ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومالك وعطاء والشافعي وعن ابن عمر أنه قال ما رأيت أحدا فاعلا ذلك وأن أنحر أنثى أحب إلي والأول أولى لأن الله تعالى قال والبدن جعلناها لكم من شعائر الله الحج 36 ولم يذكر ذكرا ولا أنثى وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى جملا لأبي جهل في أنفه برة من فضة رواه أبو داود وابن ماجه ولأن يجوز من سائر أنواع بهيمة الأنعام ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فكأنما قرب كبشا أقرن فكذلك من الإبل ولأن القصد اللحم ولحم الذكر أوفر ولحم الأنثى أرطب فيتساويان قال أحمد الخصي أحب إلينا من النعجة وذلك لأن لحمه أوفر وأطيب مسألة قال ( ومن وجبت عليه بدنة فذبح سبعا من الغنم أجزأه ) وظاهر هذا أن سبعا من الغنم يجزىء عن البدنة مع القدرة عليها سواء كانت البدنة واجبة بنذر أو جزاء صيد أو كفارة وطء وقال ابن عقيل إنما يجزىء ذلك عنها عند عدمها في ظاهر كلام أحمد لأن ذلك بدل عنها فلا يصار إليه مع وجودها كسائر الأبدال فأما مع عدمها فيجوز
لما روى ابن عباس قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن علي بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها فأشتريها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتاع سبع شياه فيذبحن رواه ابن ماجه ولنا إن الشاة معدولة بسبع بدنة وهي أطيب لحما فإذا عدل عن الأدنى إلى الأعلى جاز كما لو ذبح بدنة مكان شاة فصل ومن وجب عليه سبع من الغنم في جزاء الصيد لم يجزئه بدنة في الظاهر لأن سبعا من الغنم أطيب لحما فلا يعدل عن الأعلى إلى الأدنى وإن كان ذلك في كفارة محظور أجزأه بدنة لأن الدم الواجب فيه ما استيسر من الهدي وهو شاة أو سبع بدنة وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتمتعون فيذبحون البقرة عن سبعة قال جابر كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها وفي لفظ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة رواه مسلم فصل ومن وجبت عليه بقرة أجزأته بدنة لأنها أكثر لحما وأوفر ويجزئه سبع من الغنم لأنها تجزىء عن البدنة فعن البقرة أولى ومن لزمه بدنة في غير النذر وجزاء الصيد أجزأته بقرة لما روى أبو الزبير عن جابر قال كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له والبقرة فقال وهل هي إلا من البدن فأما في النذر فقال ابن عقيل يلزمه ما نواه فإن أطلق فعنه روايتان إحداهما تجزئه البقرة لما ذكرنا من الخبر والأخرى لا تجزئه إلا أن يعدم البدنة وهذا قول الشافعي لأنها بدل فاشترط عدم المبدل والأول أولى للخبر ولأن ما أجزأ عن سبعة في الهدايا ودم المتعة أجزأ في النذر بلفظ البدنة كالجذور فصل ويجوز أن يشترك السبعة في البدنة والبقرة سواء كان واجبا أو تطوعا وسواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم وأراد الباقون اللحم وقال مالك لا يجوز الاشتراك في الهدي وقال أبو حنيفة يجوز إذا كانوا متفرقين كلهم ولا يجوز إذا لم يرد بعضهم القربة وحديث جابر يرد قول مالك ولنا على أبي حنيفة أن الجزء المجزىء لا ينقص بإرادة الشريك غير القربة فجاز كما لو اختلت جهات القرب فأراد بعضهم المتعة والآخر القران ويجوز أن يقتسموا اللحم لأن القسمة إفراز حق وليست بيعا مسألة قال ( وما لزم من الدماء فلا يجزىء إلا الجذع من الضأن والثني من غيره ) هذا في غير جزاء الصيد فأما جزاء الصيد فمنه جفرة وعناق وجدي وصحيح ومعيب وأما في غيره مثل هدي المتعة وغيره فلا يجزىء إلا الجذع من الضأن وهو الذي له ستة أشهر والثني من غيره وثني المعز له سنة وثني البقر ما له سنتان وثني الإبل ما له خمس سنين وبهذا قال مالك والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال ابن عمر والزهري لا يجزىء إلا الثني من كل شيء وقال عطاء والأوزاعي يجزىء الجذع من الكل إلا المعز ولنا على الزهري ما روي عن أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يجوز إلا الجذع من الضأن أضحية وعن عاصم بن كليب قال كنا مع رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له مجاشع من بني سليم فعزت الغنم فأمر مناديا فنادى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الجذع يوفي ما توفي منه الثنية وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعا من الضأن وراهن ابن ماجه وروى حديث جابر مسلم وأبو داود وهذا حجة على عطاء والأوزاعي
وحديث أبي بردة بن نيار حين قال يا رسول الله إن عندي عناقا جذعا هي خير من شاتي لحم فقال تجزئك ولا تجزىء عن أحد بعدك أخرجه أبو داود والنسائي وفي لفظ إن عندي داجنا جذعه من المعز قال أبو عبيدة الهروي قال إبراهيم الحربي إنما يجزىء الجذع من الضأن في الأضاحي لأنه ينزو فيلقح فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يصير ثنيا فصل ويمنع من العيوب في الهدي ما يمنع في الأضحية قال البراء بن عازب قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ظلعها والكسيرة التي لا تنقى قال قلت إني أكره أن يكون في السن نقص قال ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد رواه أبو داود والنسائي وبهذا قال عطاء قال أما الذي سمعناه فالأربع وكل شيء سواهن جائز ومعنى قوله البين عورها أي انخسفت عينها وذهبت فإن ذلك ينقصها لأن شحمة العين عضو مستطاب فلو كان على عينها بياض ولم تذهب العين جازت التضحية بها لأن ذلك لا ينقصها في اللحم والعرجاء البين عرجها التي عرجها متفاحش يمنعها السير مع الغنم ومشاركتهن في العلف ويهزلها والتي لا تنقى التي لا مخ فيها لهزالها والمريضة قيل هي الجرباء لأن الجرب يفسد اللحم وظاهر الحديث أن كل مريضة مرضا يؤثر في هزالها أو في فساد لحمها يمنع التضحية بها وهذا أولى لتناول اللفظ له والمعنى فهذه الأربع لا نعلم بين أهل العلم خلافا في منعها ويثبت الحكم فيما فيه نقص أكثر من هذه العيوب بطريق التنبيه فلا تجوز العمياء لأن العمى أكثر من العور ولا يعتبر مع العمى انخساف العين لأنه يخل بالمشي مع الغنم والمشاركة في العلف أكثر من إخلال العرج ولا يجوز ما قطع منها عضو مستطاب كالألية لأن ذلك أبلغ في الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين فأما العضباء وهي ما ذهب نصف أذنها أو قرنها فلا تجزىء وبه قال أبو يوسف ومحمد في عضباء الأذن وعن أحمد لا تجزىء ما ذهب ثلث أذنها وبه قال أبو حنيفة وروي عن علي وعمار وسعيد بن المسيب والحسن تجزىء المكسورة القرن لأن ذهاب ذلك لا يؤثر في اللحم فأجزأت كالجماء وقال مالك إن كان يدمى لم يجز وإلا جاز ولنا ما روى علي رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحى بأعضب الأذن والقرن رواه النسائي وابن ماجه قال قتادة فسألت سعيد بن المسيب فقال نعم العضب النصف فأكثر من ذلك ويحمل قول علي رضي الله عنه ومن وافقه على أن كسر ما دون النصف لا يمنع فصل ويجزىء الخصي سواء كان مما قطعت خصيتاه أو مسلولا وهو الذي سلت بيضتاه أو موجوءا وهو الذي رضت بيضتاه لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين موجوأين والمرضوض كالمقطوع ولأن ذلك العضو غير مستطاب وذهابه يؤثر في سمنه وكثرة اللحم وطيبه وهو المقصود ولا نعلم في هذا خلافا وتجزىء الجماء وهي التي لم يخلق لها قرن وحكي عن ابن حامد أنها لا تجزىء لأن عدم القرن أكثر من ذهاب نصفه والأولى أنها تجزىء لأن القرن ليس بمقصود ولا ورد النهي عما عدم فيه تجزىء الصمعاء وهي التي لم يخلق لها أذن أو خلقت لها أذن صغيرة كذلك وتجزىء البتراء وهي المقطوعة الذنب كذلك فصل ويكره أن يضحى بمشوقة الأذن أو ما قطع منها شيء أو ما فيها عيب من هذه العيوب التي لا تمنع الإجزاء لقول علي رضي الله عنه أمرنا أن نستشرف العين والأذن ولا يضحى بمقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء قال زهير قلت لأبي إسحاق ما المقابلة قال يقطع طرف الأذن قلت فما المدابرة قال يقطع مؤخر الأذن قلت فما الخرقاء قال يشق الأذن قلت فما الشرقاء قال يشق أذنها للسمة رواه أبو داود والنسائي وقال القاضي الخرقاء التي انبثقت أذنها والشرقاء التي تشق أذنها وتبقى كالشاختين وهذا نهي تنزيه
ويحصل الإجزاء بها لا نعلم في هذا خلافا فصل يستحب لمن أتى مكة أن يطوف بالبيت لأن الطواف بالبيت صلاة والطواف أفضل من الصلاة والصلاة بعد ذلك يروى عن ابن عباس قال الطواف لكم يا أهل العراق والصلاة لأهل مكة وقال عطاء الطواف للغرباء والصلاة لأهل البلد وقال ومن الناس من يقول يزور البيت كل يوم من أيام منى ومنهم من يختار الإقامة بمنى لأنها أيام منى واحتج أبو عبد الله بحديث أبي حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة فصل ويستحب لمن حج أن يدخل البيت ويصلي فيه ركعتين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدخل البيت بنعليه ولا خفيه ولا الحجر أيضا لأن الحجر من البيت ولا يدخل الكعبة بسلاح قال وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها وقال إذا أراد أت يستشفي بشيء من طيب الكعبة فليأت بطيب من عنده فليلزقه على البيت ثم يأخذه ولا يأخذ من طيب البيت شيئا ولا يخرج من تراب الحرم ولا يدخل فيه من الحل كذلك قال عمر وابن عباس رضي الله عنهما ولا يخرج من حجارة مكة وترابها إلى الحل والخروج أشد إلا أن ماء زمزم أخرجه كعب فصل قال أحمد كيف لنا بالجوار بمكة قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك لأحب البقاع إلى الله عز وجل ولولا أني أخرجت منك ما خرجت وإنما كره بمكة لمن هاجر منها وجابر بن عبد الله جاور بمكة وجميع أهل البلاد ومن كان من أهل اليمن ليس بمنزلة من يخرج ويهاجر أي لا بأس به وابن عمر كان يقيم بمكة قال والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه لأنها مهاجر المسلمين وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شفيعا يوم القيامة فصل ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي وفي رواية من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه باللفظ الأول سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق ولا يتشاغل بغيره ويروى عن العتبي قال كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما النساء 64 وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال يا عتبي الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى ثم يقول بسم الله والصلاة على رسول الله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال مثل ذلك وقال وافتح لي أبواب فضلك لما روى عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمها أن تقول ذلك إذا دخلت المسجد
ثم تأتي القبر فتولي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه وتقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين فصلى الله عليك كثيرا كما يحب ربنا ويرضى اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدا من النبيين والمرسلين وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم إنك قلت وقولك الحق ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما النساء 64 وقد أتيتك مستغفرا من ذنوبي ومستشفعا بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته اللهم اجعله أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الآخرين والأولين برحمتك يا أرحم الراحمين ثم يدعو لوالديه ولإخوانه وللمسلمين أجمعين ثم يتقدم قليلا ويقول السلام عليك يا أبا بكر الصديق السلام عليك يا عمر الفاروق السلام عليكما يا صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعيه ووزيريه ورحمة الله وبركاته اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيرا سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار اللهم لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك صلى الله عليه وسلم ومن حرم مسجدك يا أرحم الراحمين فصل ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقبيله قال أحمد ما عرف هذا قال الأثرم رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي صلى الله عليه وسلم يقومون من ناحية فيسلمون قال أبو عبد الله وهكذا كان ابن عمر يفعل قال أما المنبر فقد جاء فيه يعني ما رواه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجهه فصل ويستحب لمن رجع من الحج أن يقول ما روى البخاري عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير أثبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده كتاب البيوع البيع مبادلة المال بالمال تمليكا وتملكا واشتقاقه من الباع لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه أي يصافحه عند البيع ولذلك سمي البيع صفقة وقال بعض أصحابنا هو الإيجاب والقبول إذ تضمن عينين للتمليك وهو حد قاصر لخروج بيع المعاطاة منه ودخول عقود سوى البيع فيه والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 وقوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم البقرة 282 وقوله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء 29 وقوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم البقرة 197 وروى البخاري عن ابن عباس قال كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسوأ ما في الجاهلية فلما كان الإسلام تأثموا فيه فأنزلت ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم البقرة 197 يعني في مواسم الحج وعن الزبير نحوه وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا متفق عليه وروى رفاعة أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال يا معشر التجار فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه
فقال إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من بر وصدق قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء قال الترمذي هذا حديث حسن في أحاديث كثيرة سوى هذه وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة الحكمة تقتضيه لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه وصاحبه لا يبذله بغير عوض ففي شرح البيع وتجويزه شرع طريق إلى إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه ودفع حاجته فصل والبيع على ضربين أحدهما الإيجاب والقبول فالإيجاب أن يقول بعتك أو ملكتك أو لفظ يدل عليهما والقبول أن يقول اشتريت أو قبلت ونحوهما فإن تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الماضي فقال ابتعت منك فقال بعتك صح لأن لفظ الإيجاب والقبول وجد منهما على وجه تحصل منه الدلالة على تراضيهما به فصح كما لو تقدم الإيجاب وإن تقدم بلفظ الطلب فقال بعني ثوبك فقال بعتك ففيه روايتان إحداهما يصح كذلك وهو قول مالك والشافعي والثانية لا يصح وهو قول أبي حنيفة لأنه تأخر عن الإيجاب لم يصح به البيع فلم يصح إذا تقدم كلفظ الاستفهام ولأنه عقد عري عن القبول فلم ينعقد كما لو لم يطلب وحكى أبو الخطاب فيما إذا تقدم بلفظ الماضي روايتين أيضا فأما إن تقدم بلفظ الاستفهام مثل أن يقول أتبيعني ثوبك بكذا فيقول بعتك لم يصح بحال نص عليه أحمد وبه يقول أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم لأن ذلك ليس بقبول ولا استدعاء الضرب الثاني المعاطاة مثل أن يقول أعطني بهذا الدينار خبزا فيعطيه ما يرضيه أو يقول خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه فهذا بيع صحيح نص عليه أحمد فيمن قال لخباز كيف تبيع الخبز قال كذا بدرهم قال زنه وتصدق به فإذا وزنه فهو عليه وقول مالك نحو من هذا فإنه قال يقع البيع بما يعتقده الناس بيعا وقال بعض الحنفية يصح في خسائس الأشياء وحكي عن القاضي مثل هذا قال يصح في الأشياء اليسيرة دون الكبيرة ومذهب الشافعي رحمه الله أن البيع لا يصح إلا بالإيجاب والقبول وذهب بعض أصحابه إلى مثل قولنا ولنا إن الله أحل البيع ولم يبين كيفيته فوجب الرجوع فيه إلى العرف كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ولأن البيع كان موجودا بينهم معلوما عندهم وإنما علق الشرع عليه أحكاما وأبقاه على ما كان فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الإيجاب والقبول ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله ولأن البيع مما تعم به البلوى فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه صلى الله عليه وسلم بينا عاما ولم يخف حكمه لأنه يفضي إلى وقوع النقود الفاسدة كثيرا وأكلهم المال بالباطل ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ولم ينقل إنكاره قبل مخالفينا فكان ذلك إجماعا وكذلك الحكم في الإيجاب والقبول في الهبة والهدية والصدقة ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه استعمال ذلك فيه وقد أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحبشة وغيرها وكان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة متفق عليه وروى البخاري عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة فإن قيل صدقة قال لأصحابه كلوا ولم يأكل وإن قيل هدية ضرب بيده وأكل معهم وفي حديث سلمان حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر فقال هذا شيء من الصدقة رأيتك أنت وأصحابك أحق الناس به فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه كلوا ولم يأكل ثم أتاه ثانية بتمر فقال رأيتك لا تأكل الصدقة
وهذا شيء أهديته لك فقال النبي صلى الله عليه وسلم بسم الله وأكل ولم ينقل قبول ولا أمر بإيجاب وإنما سأل ليعلم هل هو صدقة أو هدية وفي أكثر الأخبار لم ينقل إيجاب ولا قبول وليس إلا المعاطاة والتفرق عن تراض يدل على صحته ولو كان الإيجاب والقبول شرطا في هذه العقود لشق ذلك ولكانت أكثر عقود المسلمين فاسدة وأكثر أموالهم محرمة ولأن الإيجاب والقبول إنما يرادان للدلالة على التراضي فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطي قام مقامهما وأجزأ عنهما لعدم التعبد فيه خيار المتبايعين أي باب خيار المتبايعين فحذف اختصارا مسألة قال قال أبو القاسم رحمه الله ( والمتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما ) في هذه المسألة ثلاثة فصول أحدها أن البيع يقع جائزا ولكل من المتبايعين الخيار في فسخ البيع ما داما مجتمعين لم يتفرقا وهو قول أكثر أهل العلم يروى ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي برزة وبه قال سعيد بن المسيب وشريح والشعبي وعطاء وطاوس والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئب والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور قال مالك وأصحاب الرأي يلزم العقد بالإيجاب والقبول ولا خيار لهما لأنه روي عن عمر رضي الله عنه البيع صفقة أو خيار ولأنه عقد معاوضة فلزم بمجرده كالنكاح والخلع ولنا ما روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع متفق عليه وقال صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا رواه الأئمة كلهم ورواه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وحكيم بن حزام وأبو برزة الأسلمي واتفق على حديث ابن عمر وحكيم ورواه عن نافع عن ابن عمر مالك وأيوب وعبيد الله بن عمر وابن جريج والليث بن سعد ويحيى بن سعيد وغيرهم وهو صريح في حكم المسألة وعاب كثير من أهل العلم على مالك مخالفته للحديث مع روايته له وثبوته عنده وقال الشافعي رحمه الله لا أدري هل اتهم مالك نفسه أو نافعا وأعظم أن أقول عبد الله بن عمر وقال ابن أبي ذئب يستتاب مالك في تركه لهذا الحديث فإن قيل المراد بالتفرق ها هنا التفرق بالأقوال كما قال الله تعالى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب البينة 4 وقال النبي صلى الله عليه وسلم ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة أي بالأقوال والاعتقادات قلنا هذا باطل لوجوه منها أن اللفظ لا يحتمل ما قالوه إذ ليس بين المتابعين تفرق بلفظ ولا اعتقاد إنما بينهما اتفاق على الثمن والمبيع بعد الاختلاف فيه الثاني أن هذا يبطل فائدة الحديث إذ قد علم أنهما بالخيار قبل العقد في إنشائه وإتمامه أو تركه الثالث أنه قال في الحديث إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار فجعل لهما الخيار بعد تبايعهما وقال وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع الرابع أنه يرده تفسير ابن عمر للحديث بفعله فإنه كان إذا بايع رجلا مشى خطوات ليلزم البيع وتفسير أبي برزة له بقوله على مثل قولنا وهما راويا الحديث ويعلم بمعناه وقول عمر البيع صفقة أو خيار معناه أن البيع ينقسم إلى بيع شرط فيه الخيار وبيع لم يشترط فيه سماه صفقة لقصر مدة الخيار فيه فإنه قد روى عنه أبو إسحاق الجوزجاني مثل مذهبنا ولو أراد ما قالوه لم يجز أن يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم فلا حجة في قول أحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان عمر إذا بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم رجل عن قوله
فكيف يعارض قوله بقوله على أن قول عمر ليس بحجة إذا خالفه بعض الصحابة وقد خالفه ابنه وأبو برزة وغيرهما ولا يصح قياس البيع على النكاح لأن النكاح لا يقع غالبا إلا بعد روية ونظر وتمكث فلا يحتاج إلى الخيار بعده ولأن ثبوت الخيار فيه مضرة لما يلزم من رد المرأة بعد ابتذالها بالعقد وذهاب حرمتها بالرد وإلحاقها بالسلع المبيعة فلم يثبت فيه خيار لذلك ولهذا لم يثبت فيه خيار الشرط ولا خيار الرؤية والحكم في هذه المسألة ظاهر لظهور دليله ووهاء ما ذكره المخالف في مقابلته والله أعلم الفصل الثاني أن البيع يلزم بتفرقهما لدلالة الحديث عليه ولا خلاف في لزومه بعد التفرق والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعاداتهم فيما يعدونه تفرقا لأن الشارع علق عليه حكما ولم يبينه فدل ذلك على أنه أراد ما يعرفه الناس كالقبض والإحراز فإن كانا في فضاء واسع كالمسجد الكبير والصحراء فبأن يمشي أحدهما مستدبرا لصاحبه خطوات وقذيل هو أن يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة قال أبو الحارث سئل أحمد عن تفرقة الأبدان فقال إذا أخذ هذا كذا وهذا كذا فقد تفرقا وروى مسلم عن نافع قال فكان ابن عمر إذا بايع فأراد أن لا يقيله مشى هنيهة ثم رجع وإن كانا في دار كبيرة ذات مجالس وبيوت فالمفارقة أن يفارقه من بيت إلى بيت أو إلى مجلس أو صفة أو من مجلس إلى بيت أو نحو ذلك فإن كانا في دار صغيرة فإذا صعد أحدهما السطح أو خرج منها فقد فارقه وإن كانا في سفينة صغيرة خرج أحدهما منها ومشى وإن كانت كبيرة صعد أحدهما على أعلاها ونزل الآخر في أسفلها وهذا كله مذهب الشافعي فإن كان المشتري هو البائع مثل أن يشتري لنفسه من مال ولده أو اشترى لولده من مال نفسه لم يثبت فيه خيار المجلس لأنه تولى طرفي العقد فلم يثبت له يثبت له خيار كالشفيع ويحتمل أن يثبت فيه ويعتبر مفارقة مجلس العقد للزومه لأن الافتراق لا يمكن ها هنا لكون البائع هو المشتري ومتى حصل التفرق لزم العقد قصدا ذلك أو لم لم يقصداه علماه أو جهلاه لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الخيار على التفرق وقد وجد ولو هرب أحدهما من صاحبه لزم العقد لأنه فارقه باختياره ولا يقف لزوم العقد على رضاهما ولهذا كان ابن عمر يفارق صاحبه ليلزم البيع ولو أقاما في المجلس وسدلا بينهما سترا أو بينهما حاجزا أو ناما أو قاما فمضيا جميعا ولم يتفرقا فالخيار بحاله وإن طالت المدة لعدم التفرق وروى أبو داود والأثرم بإسنادهما عن أبي الرضى قال غزونا غزوة لنا فنزلنا منزلا فباع صاحب لنا فرسا بغلام ثم قاما بقية يومهما وليلتهما فلما أصبحا من الغد وحضر الرحيل قام إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك أبو برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيا أبا برزة في ناحية المعسكر فقالا له هذه القصة فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أما ما أراكما افترقتما فإن فارق أحدهما الآخر مكرها احتمل بطلان الخيار لوجود غايته وهو التفرق ولأنه يعتبر رضاه في مفارقة صاحبه له فكذلك في مفارقته لصاحبه وقال القاضي لا ينقطع الخيار لأنه حكم علق على التفرق فلم يثبت مع الإكراه كما لو علق عليه الطلاق ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فعلى قول من لا يرى انقطاع الخيار وإن أكره أحدهما على فرقة صاحبه انقطع خيار صاحبه كما لو هرب منه وفارقه بغير رضاه ويكون الخيار للمكره منهما في المجلس الذي يزول عنه فيه الإكراه حتى يفارقه وإن أكرها جميعا انقطع خيارهما لأن كل واحد منهما ينقطع خياره بفرقة الآخر له فأشبه ما لو أكره صاحبه دونه