İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كان الإنكار مطلقا وبين ما إذا قال هذا لنا ورثناها جميعا عن أبينا أو أخينا فيقال إذا كان الإنكار مطلقا كان له الأخذ بالشفعة وإن قال ورثناها عن أبينا فلا شفعة له لأن المنكر يزعم أن الملك لأخيه المقر لم يزل وأن الصلح باطل فيؤاخذ بذلك ولا يستحق به شفعة ووجه الأول أن الملك ثبت للمدعي حكما وقد رجع إلى المقر بالبيع وهو معترف بأنه بيع صحيح فتثبت فيه الشفعة كما لو كان الإنكار مطلقا ويجوز أن يكون انتقل نصيب المقر إلى المدعي ببيع أو هبة أو سبب من الأسباب فلا يتنافى إنكار المنكر وإقرار المقر كحالة إطلاق الإنكار وهذا أصح مسألة قال ( وإذا تداعى نفسان جدارا معقودا ببناء كل واحد منهما تحالفا وكان بينهما وكذلك إن كان محلولا من بنائهما وإن كان معقودا ببناء أحدهما كان له مع يمينه ) وجملة ذلك أن الرجيلن إذا تداعيا حائطا بين ملكيهما وتساويا في كونه معقودا ببنائهما معا وهو أن يكون متصلا بهما اتصالا بهما اتصالا لا يمكن إحدائه بعد بناء الحائط مثل اتصال البناء بالطين كهذه الفطائر التي لا يمكن إحداث اتصال بعضها ببعض أو تساويا في كونه محلولا من بنائهما أو غير متصل ببنائهما الاتصال المذكور بل بينهما شق مستطيل كما يكون بين الحائطين اللذين ألصق أحدهما بالآخر فهما سواء في الدعوى فإن لم يكن لواحد منهما بينة تحالفا فيحل كل واحد منهما على نصف الحائط أنه له ويجعل بينهما نصفين لأن كل واحد منهما يده على نصف الحائط لكون الحائط في أيديهما وإن حلف كل واحد منهما على جميع الحائط إنه له وما هو لصاحبه جاز وهو بينهما وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ولا أعلم فيه مخالفا وذلك لأن المختلفين في العين إذا لم يكن لواحد منهما بينة فالقول قول من هي في يده مع يمينه فإذا كانت في أيديهما كانت يد كل كل واحد منهما على نصفها فيكون القول قوله في نصفها مع يمينه وإن كان لأحدهما بينة حكم له بها وإن كان لكل واحد منهما بينة تعارضتا وصارا كمن لا بينة لهما فإن لم يكن لهما بينة ونكلا عن اليمين كان الحائط في أيديهما على ما كان وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي على الناكل فكان الكل للآخر وإن كان الحائط متصلا ببناء أحدهما دون الآخر فهو له مع يمينه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو ثور لا يرجع بالعقد ولا ينظر إليه ولنا إن الظاهر أن هذا البناء بني كله بناء واحدا فإذا كان بعضه لرجل كان بقيته له والبناء الآخر المحلول الظاهر أنه بني وحده فإنه لو بني مع هذا كان متصلا به فالظاهر أنه لغير صاحب هذا الحائط المختلف فيه فوجب أن يرجح بهذا كاليد والأزج فإن قيل فلم لم تجعلوه له بغير يمين لذلك قلنا لأن ذلك ظاهر وليس بيقين إذ يحتمل أن يكون أحدهما بنى الحائط لصاحبه تبرعا مع حائطه أو كان له فوهبه إياه أو بناه بأجرة فشرعت اليمين من أجل الاحتمال كما شرعت في حق صاحب اليد وسائر من وجبت عليه اليمين فأما إن كان معقودا ببناء أحدهما عقدا يمكن إحداثه مثل البناء باللبن والآجر فإنه يمكن أن ينزع من الحائط المبني نصف لبنة أو آجرة أو يجعل مكانها لبنة صحيحة أو آجرة صحيحة تعقد بين الحائطين فقال القاضي لا يرجح بهذا الاحتمال أن يكون صاحب الحائط فعل هذا ليتملك الحائط المشترك وظاهر كلام الخرقي أنه يرجح بهذا الاتصال كما يرجح بالاتصال الذي لا يمكن أحداثه لأن الظاهر أن صاحب الحائط لا يدع غيره يتصرف فيه بنزع آجره وتغيير بنائه وفعل ما يدل على ملكه فوجب أن يرجح بهذا كما يرجح باليد فإنه يمكن أن تكون يدا عادية حدثت بالغصب أو بالسرقة أو العارية أو الإجارة فلم يمنع ذلك الترجيح بها
فصل فإن كان لأحدهما عليه بناء كحائط مبني عليه أو عقد معتمد عليه أو قبة ونحوها فهو له وبهذا قال الشافعي لأن وضع بنائه بمنزلة اليد الثابتة عليه لكونه منتفعا به فجرى مجرى كون حمله على البهيمة وزرعه في الأرض ولأن الظاهر أن الإنسان لا يترك غيره يبني على حائطه وكذلك إن كانت له عليه سترة ولو كان في أصل الحائط خشبة طرفها تحت حائط ينفرد به أحدهما أو له عليها أزج معقود فالحائط المختلف فيه له لأن الظاهر أن الخشبة لمن ينفرد بوضع بنائه عليها فيكون الظاهر أن ما عليها من البناء له فصل فإن كان لأحدهما خشب موضوع فقال أصحابنا لا تترجح دعواه بذلك وهو قول الشافعي لأن هذا مما يسمح به الجار وقد ورد الخبر بالنهي عن المنع منه وعندنا أنه حق يجب التمكين منه فلم ترجح به الدعوى كإسناد متاعه إليه وتجصيصه وتزويقه ويحتمل أن ترجح به الدعوى وهو قول مالك لأنه منتفع به بوضع ماله عليه فأشبه الباني عليه والزارع في الأرض وورود الشرع بالنهي عن المنع منه لا يمنع كونه دليلا على الاستحقاق بدليل أن استدللنا بوضعه على كون الوضع مستحقا على الدوام حتى متى زال جازت إعادته ولأن كونه مستحقا تشترط له الحاجة إلى وضعه ففيما لا حاجة إليه له منعه من وضعه وأما السماح به فإن أكثر الناس لا يتسامحون به ولهذا لما روى أبو هريرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم طأطؤوا رؤوسهم كراهة لذلك فقال مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم وأكثر الفقهاء لا يوجبون التمكين من هذا ويحملون الحديث على كراهة المنع لا على تحريمه ولأن الحائط يبنى لذلك فيرجح به كالأزج وقال أصحاب أبي حنيفة لا ترجح الدعوى بالجذع الواحد لأن الحائط لا يبنى له ويرجح بالجذعين لأن الحائط يبنى لهما ولنا إنه موضوع على الحائط فاستوى في ترجيح الدعوى به قليله وكثيره كالبناء فصل ولا ترجع الدعوى بكون الدواخل إلى أحدهما والخوارج ووجوه الآجر والحجارة ولا كون الآجرة الصحيحة مما يلي ملك أحدهما وأقطاع الآجر إلى ملك الآخر ولا بمعاقد القمط في الخص يعني عقد الخيوط التي يشد بها الخص وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يحكم به لمن إليه وجه الحائط ومعاقد القمط لما روى نمر بن حارثة التميمي عن أبيه أن قوما اختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في خص فبعث حذيفة بن اليمان ليحكم بينهم فحكم به لمن يليه معاقد القمط ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال أصبت وأحسنت رواه ابن ماجه وروي نحوه عن علي ولأن العرف جاريا بأن من بنى حائطا جعل وجه الحائط إليه ولنا عموم قوله عليه السلام البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولأن وجه الحائط ومعاقد القمط إا كانا شريكين فيه لا بد من أن يكون إلى أحدهما إذ لا يمكن كونه إليهما جميعا فبطلت دلالته كالتزويق ولأنه يراد للزينة فأشبه التزويق وحديثهم لا يثبته أهل النقل وإسناده مجهول قاله ابن المنذر قال الشالنجي ذكرت هذا الحديث لأحمد فلم يقنعه وذكرته لإسحاق بن راهويه فقال ليس هذا حديثا ولم يصححه وحديث علي فيه مقال وما ذكروه من العرف ليس بصحيح فإن العادة جعل وجه الحائط إلى خارج ليراه الناس كما يلبس الرجل أحسن أثوابه أعلاها الظاهر للناس ليروه فيتزين به فلا دليل فيه فصل ولا ترجح الدعوى بالتزويق والتحسين ولا بكون أحدهما له على الآجر سترة غير مبينة عليه لأنه مما يتسامح به ويمكن إحداثه فصل وإن تنازع صاحب العلو والسفل في حوائط البيت السفلاني فهي لصاحب السفل لإنه المنتفع بها وهي من جملة البيت فكانت لصاحبه وإن تنازعا حوائط العلو فهي لصاحب العلو لذلك وإن تنازعا السقف تحالفا وكان بينهما وبهذا قال الإمام الشافعي وقال أبو حنيفة هو لصاحب السفل لأن السقف على ملكه فكان القول قوله كما لو تنازعا سرجا على دابة أحدهما كان القول قول صاحبها وحكي عن مالك أنه لصاحب السفل
وحكي عنه أنه لصاحب العلو لأنه يجلس عليه ويتصرف فيه ولا يمكنه السكنى إلا به ولنا إنه حاجز بين ملكيهما ينتفعان به غير متصل ببناء أحدهما اتصال البنيان فكان بينهما كالحائط بين الملكين وقولهم هو على ملك صاحب السفل يبطل بحيطان العلو ولا يشبه السرج على الدابة لأنه لا ينتفع به غير صاحبها ولا يراد إلا لها فكان في يده وهذا السقف ينتفع به كل واحد منهما لأنه سماء صاحب السفل يظله وأرض صاحب العلو تقله فاستويا فيه فصل وإن تنازع صاحب العلو والسفل في الدرجة التي يصعد منها فإن لم يكن تحتها مرفق لصاحب السفل كسلم مسمر أو دكة فهي لصاحب العلو وحده لأن له اليد أيضا والتصرف وحده لأنها مصعد صاحب العلو لا غير والعرصة التي عليها الدرجة له أيضا لانتفاعه بها وحده وإن كان تحتها بينت لأجله لتكون مدرجا للعلو فهي بينهما لأن يديهما عليها ولأنها سقف للسفلاني وموطىء للفوقاني فهي كالسقف الذي بينهما وإن كان تحتها طاق صغير لم تبن الدرجة لأجله وإنما جعل مرفقا يجعل فيه جب الماء ونحوه فهي لصاحب العلو لأنها بينت لأجله وحده ويحتمل أن تكون بينهما لأن يدهما عليها وانتفاعهما حاصل بها فهي كالسقف فصل ولو تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر تحالفا وكانت بينهما لأنها حاجز بين ملكيهما فهي كالحائط بين الملكين فصل إذا كان بينهما حائط مشترك فانهدم فطلب أحدهما إعادته وأبى لآخر فهل يجبر الممتنع على إعادته قال القاضي فيه روايتان إحداهما يجبر نقلها ابن القاسم وحرب وسندي قال القاضي هي أصح وقال ابن عقيل وعلى ذلك أصحابنا وبه قال مالك في إحدى روايتيه والشافعي في قديم قوليه واختاره بعض أصحابه وصححه لأن في ترك بنائه إضرارا فيجبر عليه كما يجبر على القسمة إذا طلبها أحدهما وعلى النقض إذا خيف سقوطه عليهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وهذا وشريكه يتضرران في ترك بنائه والرواية الثانية لا يجبر نقل عن أحمد ما يدل على ذلك وهو أقوى دليلا ومذهب أبي حنيفة لأنه ملك لا حرمة له في نفسه فلم يجبر مالكه على الإنفاق عليه كما لو انفرد به ولأنه بناء حائط فلم يجبر عليها كالابتداء ولأنه لا يخلو إما أن يجبر على بنائه لحق نفسه أو لحق جاره أو لحقيهما جميعا لا يجوز أن يجبر عليه لحق نفسه بدليل ما لو انفرد به ولا لحق غيره كما لو انفرد به جاره فإذا لم يكن كل واحد منهما موجبا عليه فكذلك إذا اجتمعا وفارق القسمة فإنها دفع للضرر عنهما بما لا ضرر فيه والبناء فيه مضرة لما فيه من الغرامة وإنفاق ماله ولا يلزم من إجباره على إزالة الضرر بما لا ضرر فيه أجباره على إزالته بما فيه ضرر بدليل قسمة ما في قسمة ضرر ويفارق هدم الحائط إذا خيف سقوطه لأنه يخاف سقوط حائطه على ما يتلفه فيجبر على ما يزيل ذلك ولهذا يجبر عليه وإن انفرد بالحائط بخلاف مسألتنا ولا نسلم أن في تركه إضرارا فإن الضرر إنما حصل بانهدامه وإنما ترك البناء ترك لما يحصل النفع به وهذا لا يمنع الإنسان منه بدليل حالة الابتداء وإن سلمنا أنه إضرار لكن في الإجبار إضرار ولا يزال الضر بالضرر وقد يكون الممتنع لا نفع له في الحائط أو يكون الضرر عليه أكثر من النفع أو يكون معسرا ليس معه ما يبني به فيكلف الغرامة مع عجزه عنها فعلى هذه الرواية إذا امتنع أحدهما لم يجبر فإن أراد شريكه البناء فليس له منعه منه لأن له حقا في الحمل ورسما فلا يجوز منعه منه وله بناؤه بأنقاضه إن شاء وبناؤه بآلة من عنده فإن بناه بآلته وأنقاضه فالحائط بينهما على الشركة كما كان لأن المتفق عليه إنما أنفق على التالف وذلك أثر لا عين يملكها وإن بناه بآلة من عنده فالحائط ملكه خاصة وله منع شريكه من الانتفاع به ووضع خشبه ورسومه عليه لأن الحائط له
وإذا أراد نقضه فإن كان بناه بآلته لم يملك نقضه لأنه ملكهما فلم يكن له التصرف فيما به مضرة عليهما وإن بناه بآلة من عنده فله نقضه لأنه ملكه خاصة فإن قال شريكه أنا أدفع إليك نصف قيمة البناء ولا تنقضه لم يجبر لأنه لما لم يجبر على البناء لم يجبر على الإبقاء وإن أراد غير الباني نقضه أو إجبار بانيه على نقضه لم يكن له ذلك على الروايتين جميعا لأنه إذا لم يملك منعه من بنائه فلأن لا يملك إجباره على نقضه أولى فإن كان له على الحائط رسم انتفاع ووضع خشب قال له إما أن تأخذ مني نصف قيمته وتمكنني من النتفاعي ووضع خشبي وإما أن تقلع حائطك لنعيد البناء بيننا فيلزم الآخر إجابته لأنه لا يملك إبطال رسومه وانتفاعه ببنائه وإن لم يرد الانتفاع به فطالبه الباني بالغرامة أو القيمة لم يلزمك ذلك لأنه إذا لم يجبر على البناء فأولى أن لا يجبر على الغرامة إلا أن يكون قد أذن في البناء والاتفاق فيلزمه ما أذن فيه فأما على الرواية الأولى فمتى امتنع أجبره الحاكم على ذلك فإن لم يفعل أخذ الحاكم من ماله وأنفق عليه وإن لم يكن له مال فأنفق عليه الشريك بإذن الحاكم أو إذن الشريك رجع عليه متى قدر وإن أراد بناءه لم يملك الشريك منعه وما أنفق إن تبرع به لم يكن له الرجوع به وإن نوى الرجوع به فهل له الرجوع بذلك يحتمل وجهين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه وإن بناه لنفسه بآلته فهو بينهما وإن بناه بآلة من عنده فهو له خاصة فإن أراد نقضه فله ذلك إلا أن يدفع إليه شريكه نصف قيمته فلا يكون له نقضه لأنه إذا أجبر على بنائه فأولى أن يجبر على إبقائه فصل فإن لم يكن بين ملكيهما حائط قديم فطلب أحدهما من الآخر مباناته حائطا يحجز بين ملكيهما فامتنع لم يجبر عليه رواية واحدة وإن أراد البناء وحده لم يكن له البناء إلا في ملكه خاصة لأنه لا يملك التصرف في ملك جاره المختص به ولا في الملك المشترك بغير ماله فيه رسم وهذا لا رسم له ولا أعلم في هذا خلافا فصل فإن كان السفل لرجل والعلو لآخر فانهدم السقف الذي بينهما فطلب أحدهما المباناة من الآخر فهل يجبر الممتنع على ذلك على روايتين كالحائط بين البيتين وللشافعي قولان كالروايتين وإن انهدمت حيطان السفل فطالبه صاحب العلو بإعادتها فعلى روايتين إحداهما يجبر وهو قول مالك وأبي ثور واحد قولي الشافعي فعلى هذه الرواية يجبر على البناء وحده لأنه ملكه الخاص والثانية لا يجبر وهو قول أبي حنيفة وإن أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع من ذلك على الروايتين جميعا فإن بناه فهو على كل ما كان وإن بناه بآلته من عنده فقد روي عن أحمد لا يمتنع به صاحب السفل يعني حتى يؤدي القيمة فيحتمل أن لا يسكن وهو قول أبي حنيفة لأن البيت إنما يبنى للسكنى فلم يملكه كغيره ويحتمل أنه أراد الانتفاع بالحيطان خاصة من طرح الخشب وسمر الوتد وفتح الطاق ويكون له السكنى من غير تصرف في ملك غيره وهذا مذهب الشافعي لأن السكنى إنما هي إقامته في فناء الحيطان من غير تصرف فيها فأشبه الاستظلال بها من خارج فأما إن طالب صاحب السفل بالبناء وأبى صاحب العلو ففيه روايتان إحداهما لا يجبر على بنائه ولا مساعدته وهو قول الشافعي لأن الحائط ملك صاحب السفل مختص به فلم يجبره غيره على بنائه ولا المساعدة فيه كما لو لم يكن عليه علو والثانية يجبر على مساعدته والبناء معه وهو قول أبي الدرداء لأنه حائط يشتركان في الانتفاع به أشبه الحائط بين الدارين
فصل فإن كان بين البيتين حائط لأحدهما فانهدم فطلب أحدهما من الآخر بناءه أو المساعدة في بنائه فامتنع لم يجبر لأنه كان الممتنع مالكه لم يجبر على بناء ملكه المختص به كحائط الآخر وإن كان الممتنع الآخر لم يجبر على بناء ملك غيره ولا المساعدة فيه ولا يلزم على هذا حائط السفل حيث يجبر صاحبه على بنائه مع اختصاصه بملكه لأن الظاهر أن صاحب العلو كملكه مستحقا لأبقائه على حيطان السفل دائما فلزم صاحب السفل تمكينه مما يستحقه وطريقة البناء فلذلك وجب بخلاف مسألتنا وإن أراد صاحب الحائط بناءه أو نقضه بعد بنائه لم يكن لجاره منعه لأن ملكه خاصة وإن أراد جاره بناءه أو نقضه أو التصرف فيه لم يملك ذلك لأنه لا حق له فيه فصل ومتى هدم أحد الشريكين الحائط المشترك أو السقف الذي بينهما نظرت فإن خيف سقوطه ووجب هدمه فلا شيء على هادمه ويكون كما لو انهدم بنفسه لأن فعل الواجب وأزال الضرر الحاصل بسقوطه وإن هدمه لغير ذلك فعليه إعادته سواء هدمه لحاجة أو غيرها وسواء التزام إعادته أو لم يلتزم لأن الضرر حصل بفعله فلزمه إعادته فصل فإن اتفقا على بناء الحائط المشترك بينهما نصفين وملكه بينهما الثلث والثلثان لم يصح لأنه يصالح على بعض ملكه ببعض فلم يصح كما لو أقر به بدار فصالحه على سكناها ولو اتفقا على أن يحمله كل واحد منهما ما شاء لم يجز لجهالة الحمل فإن يحمله من الأثقال ما لا طاقة له بحمله وإن اتفقا على أن يكون بينهما نصفين جاز فصل فإن كان بينهما نهر أو قناة أو دولاب أو ناعورة أو عين فاحتاج إلى عمارة ففي إجبار الممتنع منهما روايتان وحكي عن أبي حنيفة أنه يجبر ههنا على الإنفاق لأنه لا يتمكن شريكه من مقاسمته فيضر به بخلاف الحائط فإنه يمكنهما قسمة العرصة والأولى التسوية لأن في قسمة العرصة إضرارا بهما والإنفاق أرفق بهما فكانا سواء والحكم في الدولاب والناعورة كالحكم في الحائط على ما ذكرناه وأما البئر والنهر فلكل واحد منهما الإنفاق عليه وإذا أنفق عليه لم يكن له منع الآخر من نصيبه من الماء لأن الماء ينبع من ملكيهما وإنما أثر أحدهما في نقل الطين منه وليس له في عين مال فأشبه الحائط إذا بناه بآلته والحكم في الرجوع بالنفقة كحكم الرجوع في النفقة على الحائط على ما مضى فصل إذ كان لرجلين بابان في الزقاق غير نافذ أحدهما قريب من باب الزقاق والآخر في داخله فللقريب من الباب نقل بابه إلى ما يلي باب الزقاق لأن له الاستطراق إلى بابه القديم فقد نقص من استطراقه ومتى أراد رد بابه إلى موضعه الأول كان له حقه لم يسقط وإن أراد نقل بابه تلقاء صدر الزقاق لم يكن له ذلك نص عليه أحمد لأنه يقدم بابه إلى موضع لا استطراق له فيه ويحتمل جواز ذلك لأنه كان له أن يجعل بابه في أول البناء في أي موضع شاء فتركه في موضع لا يسقط حقه كما أن تحويله بعد فتحه لا يسقط ولأن له أن يرفع حائطه كله فلا يمنع من رفعه موضع الباب وحده فأما صاحب الباب الثاني فإن كان في داخل الدرب باب لآخر في التقديم والتأخير حكم صاحب الباب الأول سواء وإن لم يكن له ثم باب آخر له تحويل بابه حيث شاء لأنه على على الأول لا منازع له فيما تجاوز الباب الأول وعلى الاحتمال الذي ذكرناه لكل واحد منهما ذلك ولو أراد كل واحد أن يفتح في داره بابا آخر أو يجعل داره دارين يفتح لكل واحدة منهما بابا جاز إذا وضع البابين في موضع استطراقه وإن كان ظهر دار أحدهما إلى شارع نافذ أو زقاق نافذ ففتح في حائطه بابا إليه جاز ولأنه يرتفق بما لم يتعين ملك أحد عليه فإن قيل في هذا إضرار بأهل بأهل الدرب لأنه يجعله نافذا يستطرق إليه من الشارع قلنا لا يصير الدرب نافذا
وإنما تصير داره نافذة وليس لأحد استطراق داره فأما إن كان بابه في الشارع وظهر داره إلى الزقاق الذي لا ينفذ فأراد أن يفتح بابا إلى الزقاق للاستطراق لم يكن ذلك لأنه ليس له حق في الدرب الذي قد تعين ملك أربابه ويحتمل الجواز كما ذكرنا في الوجه الذي قد تقدم وإن أراد أن يفتح فيه بابا لغير الاستطراق أو يجعل له بابا يسمره أو شباكا جاز لأنه كان له رفع الحائط بجملته فبعضه أولى قال ابن عقيل ويحتمل عندي أنه لا يجوز لأن شكل الباب مع تقادم العهد ربما استدل به على حق الاستطراق فيضر بأهل الدرب بخلاف رفع الحائط فإنه لا يدل على شيء فصل وإذا كان لرجل داران متلاصقتان ظهر كل واحد منهما إلى ظهر الأخرى وباب كل واحدة منهما في زقاق غير نافذ فرفع الحاجز بينهما وجعلهما دارا واحدة جاز وإن فتح من كل واحدة منهما بابا إلى الأخرى ليتمكن من التطرق من كل واحدة منهما إلى كلا الدارين لم يجز ذكره القاضي لأن ذلك يثبت الاستطراق في الدرب الذي لا ينفذ من دار لم يكن لها فيه طريق ولأن ذلك ربما دى إلى إثبات الشفعة في قول من يثبتها بالطريق لكل واحدة من الدارين في زقاق الأخرى ويحتمل جواز ذلك لأن له رفع الحاجز جميعه فبعضه أولى وهذا أشبه وما ذكرناه للمنع كنتقض بما إذا رفع الحائط جميعه وفي كل وموضع قلنا ليس له فعله إذا صالحه أهل الدرب بعوض معلوم أو أذنوا له بغير عوض جاز فصل إذا تنازع صاحب البابين في الدرب وتداعياه ولم يكن فيه باب لغيرهما ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يحكم بالدرب من أوله إلى الباب الذي يلي أوله بينهما لأن لهما الاستطراق فيه جميعا وما بعده إلى صدر الدرب للآخر لأن الاستطراق في ذلك له وحده فله اليد والتصرف والوجه الثاني أن من أوله إلى أقصى حائط الأول بينهما لأن ما يقابل ذلك لهما التصرف فيه بناء على أن للأول أن يفتح بابه فيما شاء من حائطه وما بعد ذلك للثاني لأنه ليس بفناء للأول ولا له فيه استطراق والثالث يكون بينهما لأن لهما جميعا يدا وتصرفا وهكذا الحكم فيما إذا كان لرجل علو خان ولآخر سفله ولصاحب العلو درجة في أثناء صحن الخان فاختلفا في الصحن فما كان من الدرجة إلى باب الخان بينهما وما وراء ذلك إلى صدر الخان على الوجهين أحدهما هو لصاحب السفل والثاني هو بينهما فإن كانت الدرجة في صدر الصحن فالصحن بينهما لوجود اليد والتصرف منهما جميعا فعلى الوجه الذي يقول إن صر الدرب مختص بصاحب الباب الصدراني أن يستبدل بما يختص به منه بأن يجعله دهليزا لنفسه أو يدخله في داره على وجه لا يضر بجاره ولا يضع على حائطه شيئا لأن ذلك ملك له ينفرد به فصل وليس للرجل التصرف في ملكه تصرفا يضر بجاره نحو أن يبني فيه حماما بين الدور أو يفتح خبازا بين العطارين أو يجعله دكان قصارة يهز الحيطان ويخربها أو يحفر بئرا إلى جانب بئر جاره يجتذب ماءها وبهذا قال بعض أصحاب أبي حنيفة وعن أحمد رواية أخرى لا يمنع وبه قال الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة لأنه تصرف في ملكه المختص به ولم يتعلق به حق غيره فلم يمنع منه كما لو طبخ في داره أو خبز فيها وسلموا أن يمنع الدق الذي يهدم الحيطان وينثرها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ولأن هذا إضرار بجيرانه فمنع منه كالدق الذي يهز الحيطان وينثرها وكسقي الأرض الذي يتعدى إلى هدم حيطان جاره أو إشعال نار تتعدى إلى إحراقها قالوا ههنا تعدت النار التي أضرمها والماء الذي أرسله فكان مرسلا لذلك في ملك غيره فأشبه ما لو أرسله إليها قصدا قلنا والدخان هو أجزاء الحريق الذي أحرقه فكان مرسلا له في ملك جاره فهو كأجزاء النار والماء وأما دخان الخبز والطبيخ فإن ضرره يسير ولا يمكن التحرز منه وتدخله المسامحة
فصل وإن كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر فليس لصاحب الأعلى الصعود على سطحه على وجه يشرف على سطح جاره إلا أن يبني سترة تستره وقال الشافعي لا يلزمه عمل سترة لأن هذا حاجز بين ملكيهما فلا يجبر أحدهما عليه كالأسفل ولنا إنه إضرار بجاره فمنع منه كدق يهز الحيطان وذلك لأنه يكشف جاره ويطلع على حرمه فأشبه ما لو اطلع عليه من صير بابة أو خصاصة وقد دل على المنع من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لو أن رجلا اطلع إليك حذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح ويفارق الأسفل فإن تصرفه لا يضر بالأعلى ولا يكشف داره فصل إذا كانت بينهما عرصة حائط فاتفقا على قسمها طولا جاز ذلك سواء اتفقا على قسمها طولا أو عرضا لأنها ملكهما ولا تخرج عنهما وإن اختلفا فطلب أحدهما قسمها وهو أن يجعل له نصف الطول في جميع العرض وللآخر مثله فقال أصحابنا يجبر الممتنع على القسمة وهو مذهب الشافعي لأن ذلك لا يضر فإذا اقتسما اقترعا فكان لكل واحد منهما ما تخرج به القرعة فإن كان مبنيا فلا كلام وإن كان غير مبني كان لكل واحد منهما أن يبني في نصيبه وإن أحب أن يدخل بعض عرصته في داره فعل وإن أحب أن يزيد في حائطه من عرصته فعل ويحتمل أن لا يجبر على القسمة لأنها توجب اختصاص كل واحد منهما ببعض الحائط المقابل لملك شريكه وزوال ملك شريكه فيتضرر لأنه لا يقدر على حائط يستر ملكه وربما اختار أحدهما أن لا يبني حائطه فيبقى ملك كل واحد منهما مكشوفا أو يبينه ويمنع جاره من وضع خشبه عليه وهذا ضرر لا يرد الشرع بالإجبار عليه فإن قيل فإن كان مشتركا تمكن أيضا مع منع شريكه وضع خشبه عليه قلنا إذا كان له عليه رسم وضع خشبه أو انتفاع به لم يملك منعه من رسمه وههنا يملك منعه بالكلية وأما إن طلب قسمها عرضا وهو أن يجعل لكل واحد منهما نصف العرض في كمال الطول نظرنا فإن كانت العرصة لا تتسع لحائطين لم يجبر الممتنع من قسمها واختلفوا واختار ابن عقيل أنه يجبر وهو ظاهر كلام الشافعي لأنها عرصة فأجبر على قسمها كعرصة الدار ولنا إن في قسمها ضررا فلم يجبر الممتنع من قسمها عليه كالدار الصغيرة وما ذكروه ينتقض بذلك وإن كانت تتسع لحائطين بحيث يحصل لكل واحد منهما ما يبني فيه حائطا ففي إجبار الممتنع وجهان أحدهما يجبر قال أبو الخطاب لأنه لا ضرر في القسمة لكون كل واحد منهما يحصل له ما يندفع به حاجته فأشبه عرصة الدار التي يحصل لكل واحد منهما ما يبني فيه دارا والثاني لا يجبر ذكره القاضي لأن هذه القسمة لا تقع فيها قرعة لأننا لو أقرعنا بينهما لم نأمن أن تخرج قرعة كل واحد منهما على ما يلي ملك جاره فلا ينتفع به فلو أجبرناه على القسمة لأجبرناه على أخذ ما يلي داره من غير قرعة وهذا لا نظير له ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ومتى اقتسما العرصة طولا فبنى كل واحد منهما لنفسه حائطا وبقيت بينهما فرجة لم يجبر أحدهما على سدها ولم يمنع من سدها لأن ذلك يجري مجرى بناء الحائط في عرصته فصل وإن كان بينهما حائط فاتفقا على قسمته طولا جاز ويعلم بين نصيبيهما بعلامة وإن اتفقا على قسمته عرضا فقال أصحابنا يجوز القسمة لأن الحق لهما لا يخرج عنهما فأشبه العرصة ويحتمل أن لا تجوز القسمة لأنها لا تكون إلا بتمييز نصيب أحدهما من الآخر بحيث يمكنه الانتفاع بنصيبه دون نصيب صاحبه وههنا لا يتميز ولا يمكن انتفاع أحدهما بنصيبه منفردا لأنه إن وضع خشبه على أحد جانبي الحائط كان ثقله على الحائط كله وإن فتح فيه طاقا يضعفه كله وإن وقع بعضه تضرر النصيب الآخر وإن طلب أحدهما قسمه وأبى الآخر فذكر القاضي أن الحكم في الحائط كالحكم في عرصته سواء ولا يجبر على قسم الحائط إلا أن يطلب أحدهما قسمه طولا
ويحتمل أن لا يجبر على قسمه أيضا وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنهما إن قطعاه بينهما فقد فقد أتلفا جزءا من الحائط ولا يجبر الممتنع من ذلك كما لو كان بينهما ثوب فطلب أحدهما قطعه وإن لم يقطع وعلما علامة على نصفه كانت انتفاع أحدهما بنصيبه انتفاعا بنصيب الآخر ووجه الأول أنه يجبر على قسم الدار وقسم حائطها المحيط بها وكذلك قسم البستان وحائطه ولا يجبر على القطع المضر بل يعلمه بخط بين نصيبهما ولا يلزم من ذلك انتفاع أحدهما بنصيب الآخر وإن اتصل به بدليل الحائط المتصل في دارين والله أعلم كتاب الحوالة والضمان الحوالة ثابتة بالسنة والإجماع أما السنة فما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مطل الغنى ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع متفق عليه وفي لفظ من أحيل بحقه على مليء فليتحل وأجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة واشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة وقد قيل إنها بيع فإن المحيل يشتري ما في ذمته بما له في ذمة المحال عليه وجاز تأخير القبض رخصة لأنه موضوع على الرفق فيدخلها المجلس لذلك والصحيح أنها عند إرفاق منفرد بنفسه ليس بمحمول على غيره لأنها لو كانت بيعا لما جازت لكونها دين بدين ولما جاز التفرق قبل القبض لأنه بيع مال الربا بجنسه ولجازت بلفظ البيع ولجازت بين جنسين كالبيع كله ولأن لفظها يشعر بالتحول لا بالبيع فعلى هذا لا يدخلها خيار وتلزم بمجرد العقد وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله ولا بد فيها من محيل ومحتال عليه ويشترط في صحتها رضى المحيل بلا خوف فإن الحق عليه ولا يتعين عليه جهة قضائه وأما المحتال والمحال عليه فلا يعتبر رضاهما على ما سنذكره إن شاء الله تعالى مسألة قال ( ومن أحيل بحقه على من عليه مثل ذلك الحق فرضي فقد برىء المحيل أبدا ) ومن شرط صحة الحوالة شروط أربعة أحدها تماثل الحقين لأنها تحويل للحق ونقل له فينقل على صفته ويعتبر تماثلهما في أمور ثلاثة أحدها الجنس فيحيل من عليه بذهب ومن عليه فضة بفضة ولو أحال من عليه ذهب بفضة أو من عليه فضة بذهب لم يصح الثاني الصفة فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة أو من عليه مصرية بأميرية لم يصح الثالث الحلول والتأجيل ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين فإن كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا أو أجل أحدهما إلى شهر والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة ولو كان الحقان حالين فشرط من المحتال أن يقبض حقه أو بعضه بعد شهر لم تصح الحوالة لأن الحال لا يتأجل ولأنه شرط ما لو كان ثابتا في نفس الأمر لم تصح الحوالة فكذلك إذا شرطه وإذا اجتمعت هذه الأمور وصحت الحوالة وتراضيا بأن يدفع المحال عليه خيرا من حقه أو رضي المحتال بدون الصفة أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله أو رضي من له الحال بإنظاره جاز لأن ذلك يجوز في القرض ففي الحوالة أولى وإن مات المحيل أو المحال فالأجل بحاله وإن مات المحال عليه ففي حلول الحق روايتان مضى ذكرهما الشرط الثاني أن تكون على دين مستقر ولا يعتبر أن يحيل بدين مستقر إلا أن السلم لا تصح الحوالة به ولا عليه لأن دين السلم ليس بمستقر لكونه يعرض الفسخ لانقطاع المسلم فيه ولا تصح الحوالة به لأنها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه والسلم لا يجوز أخذ العوض عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره ولا تصح الحوالة على المكاتب بمال الكتابة لأنه غير مستقر فإن له أن يمتنع من أدائه ويسقط بعجزه وتصح الحوالة عليه بدين غير دين الكتابة لأن حكمه حكم الأحرار في المداينات وإن أحال المكاتب سيده بنجم قد حل عليه صح وبرئت ذمة المكاتب بالحوالة ويكون ذلك بمنزلة القبض وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول لم يصح لأنه غير مستقر وإن أحالها الزوج به صح
لأنه له تسليمه إليها وحوالته به تقوم مقام تسليمه وإن أحالت به بعد الدخول صح لأنه مستقر وإن أحال البائع بالثمن على المشتري في مدة الخيار لم يصح في قياس ما ذكرنا وإن أحاله المشتري به صح لأنه بمنزلة الوفاء وله الوفاء قبل الاستقرار وإن أحال البائع وإن أحال البائع بالثمن على المشتري ثم ظهر على عيب لم يتبين أن الحوالة كانت باطلة لأن الثمن كان ثابتا مستقرا والبيع كان لازما وإنما ثبت الجواز عند العلم بالعيب بالنسبة إلى المشتري ويحتمل أن تبطل الحوالة لأن سبب الجواز عيب المبيع وقد كان موجودا وقت الحوالة وكل موضع أحال من عليه دين غير مستقر به ثم سقط الدين كالزوجة ينفسخ نكاحها بسبب من جهتها أو المشتري يفسخ البيع ويرد المبيع فإن كان ذلك قبل القبض من المحال عليه ففيه وجهان أحدهما تبطل الحوالة لعدم الفائدة في بقائها ويرجع المحيل بدينه على المحال عليه والثاني لا تبطل لأن الحق انتقل عن المحيل فلم يعد إليه وثبت للمحتال فلم يزل عنه ولأن الحوالة بمنزلة القبض فكأن أقبض المحتال دينه فيرجع عليه به ويأخذ المحتال من المحال عليه وسواء تعذر القبض من المحال أو لم يتعذر وإن كان بعد القبض لم يبطل وجها واحدا ويرجع المحيل على المحتال به فصل وإن أحال من لا دين له عليه رجلا على آخر له عليه دين فليس ذلك بحوالة بل هي وكالة تثبت فيه أحكامها لأن الحوالة مأخوذة من تحول الحق وانتقاله ولا حق ههنا ينتقل ويتحول وإنما جازت الوكالة بلفظ الحوالة لاشتراكهما في المعنى وهو استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدين كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه وتحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى المحيل وإن أحال من عليه دين من لا دين عليه فليست حوالة أيضا نص عليه أحمد فلا يلزم المحال عليه الأداء ولا المحتال قبول ذلك لأن الحوالة معاوضة ولا معاوضة ههنا وإنما هو اقتراض فإن القبض المحتال منه الدين رجع على المحيل لأن قرض وإن أبرأه ولم يقبض منه شيئا لم تصح البراءة لأنها براءة لمن لا دين عليه وإن قبض منه الدين ثم وهبه إياه رجع المحال عليه على المحيل به لأنه قد غرم عنه وإنما عاد إليه المال بعقد مستأنف ويحتمل أن لا يرجع عليه لكونه ما غرم عنه شيئا وإن أحال من لا دين عليه فهي وكالة في اقتراض وليست حوالة لأن الحوالة إنما تكون بدين على دين ولم يوجد واحد منهما فصل الشرط الثالث أن تكون بمال معلوم لأنها إن كانت بيعا فلا تصح في مجهول وإن كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم والجهالة تمنع منه فتصح بكل ما يثبت مثله في الذمة بالإتلاف من الأثمان والحبوب والأدهان ولا تصح فيما لا يصح السلم فيه لأنه لا يثبت في الذمة ومن شرط تساوي الدينين فأما ما يثبت في الذمة سلما غير المثليات كالمذروع والمعدود ففي صحة الحوالة به وجهان أحدهما لا تصح لأن المثل فيه لا يتحرر ولهذا لا يضمنه بمثله في الإتلاف وهذا ظاهر مذهب الشافعي والثاني تصح ذكره القاضي ولأنه حق ثابت في الذمة فأشبه ما له مثل ويحتمل أن يخرج هذان الوجهان فيما يقتضي به قرض هذه الأموال فإن كان عليه إبل من الدية وله على آخر مثلها في السن فقال القاضي تصح لأنها تختص بأقل ما يقع عليه الاسم في السن والقيمة وسائر الصفات وقال أبو الخطاب لا تصح في أحد الوجهين لإنها مجهولة ولأن الإبل ليست من المثليات التي تضمن بمثلها في الإتلاف ولا تثبت في الذمة سلما في رواية وأن كان عليه إبل من دية وله على آخر مثلها قرضا فأحاله عليه فإن قلنا يرد في القرض قيمتها لم تصح الحوالة لاختلاف الجنس وإن قلنا يرد في القرض قيمتها لم تصح الحوالة لاختلاف الجنس وإن قلنا يرد مثلها اقتضى قول القاضي صحة الحوالة لأنه أمكن استيفاء الحق على صفته من المحال عليه
ولأن الخيرة في التسليم إلى من عليه الدين وقد رضي بتسليم ما له في ذمة المقترض وإن كانت بالعكس فاحتال المقرض بإبل الدية لم تصح لأننا إن قلنا تجب القيمة في القرض فقد اختلف الجنس وإن قلنا يجب المثل فللمقرض مثل ما أقرض في صفاته وقيمته والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك فصل الشرط الرابع أن يحيل برضائه لأن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذي على المحال عليه ولا خلاف في هذا فإذا اجتمعت شروط الحوالة وصحت برئت ذمة المحيل في قول عامة الفقهاء إلا ما يروى عن الحسن أنه كان لا يرى الحوالة براءة إلا أن يبرئه وعن زفر أنه قال لا تنقل الحق وأجراها مجرى الضمان وليس بصحيح لأن الحوالة مشتقة من تحويل الحق بخلاف الضمان فإنه مشتق من ضم ذمة إلى ذمة فعلق على كل واحد مقتضاه وما دل عليه لفظه إذا ثبت أن الحق انتقل فمتى رضي بها المحتال ولم يشترط اليسار لم يعد الحق إلى المحيل أبدا سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذر لمطل أو فلس أو موت أو غير ذلك هذا ظاهر كلام الخرقي وبه قال الليث والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر وعن أحمد ما يدل على أنه إذا كان المحال عليه مفلسا ولم يعلم المحتال بذلك فله الرجوع إلا أن يرضى بعد العلم وبه قال جماعة من أصحابنا ونحوه قول مالك لأن الفلس عيب في المحال عليه فكان له الرجوع كما لو اشترى سلعة فوجدها معيبة ولأن المحيل غره فكان له الرجوع كما لو دلس المبيع وقال شريح والشعبي والنخعي متى أفلس أو مات رجع على صاحبه وقال أبو حنيفة يرجع عليه في حالين إذا مات المحال عليه مفلسا وإذا جحده وحلف عليه عند الحاكم وقال أبو يوسف ومحمد يرجع عليه في هاتين الحالتين وإذا حجر عليه لفلس لأنه روي عن عثمان أنه سئل عن رجل أحيل فمات المحال عليه مفلسا يرجع بحقه لا توى على مال امرىء مسلم ولأنه عقد معاوضة لم يسلم العوض فيه لأحد المتعاوضين فكان له الفسخ كما لو اعتاض بثوب فلم يسلم إليه ولنا إن حزنا جد سعيد بن المسيب كان على علي رضي الله عنه دين فأحاله به فمات المحال عليه فأخبره فقال اخترت علينا أبعدك الله فأبعده بمجرد احتياله ولم يخبره أن له الرجوع ولأنها براءة من دين لا ليس فيها قبض ممن عليه ولا ممن يدفع عنه فلم يكن فيها رجوع كما لو برأه من الدين وحديث عثمان لم يصح يرويه خالد بن جعفر عن معاوية بن قرة عن عثمان ولم يصح سماعه منه وقد روي أنه قال في حوالة أو كفالة وهذا يوجب التوقف ولا يصح ولو صح كان قول علي مخالفا له وقولهم إنه معاوضة لا يصح لأنه يفضي إلى بيع الدين بالدين وهو منهي عنه ويفارق المعاوضة بالثوب لأنه في ذلك قبضا يقف استقرار العقد عليه وههنا الحوالة بمنزلة القبض وإلا كان بيع دين بدين فصل فإن شرط ملاءة المحال عليه فبان معسرا رجع على المحيل وبه قال بعض الشافعية وقال بعضهم لا يرجع لأن الحوالة لا ترد بالإعسار إذا لم يشترط الملاءة فلا ترد به وإن شرط كما لو اشترط كونه مسلما ويفارق البيع فإن الفسخ يثبت بالإعسار فيه من غير شرط بخلاف الحوالة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم ولأنه شرط ما فيه مصلحة العقد في عقد معاوضة فيثبت الفسخ بفواته كما لو اشترط صفة في المبيع وقد يثبت بالشرط ما لا يثبت بإطلاق العقد بدليل استراط صفة في المبيع فصل ولو لم يرض المحتال بالحوالة ثم بأن المحال عليه مفلسا أو ميتا رجع على المحيل بلا خلاف فإن لا يلزمه الاحتيال على غير مليء لما عليه فيه من الضرر وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبول الحوالة إذا أحيل على مليء ولو أحاله على مليء فلم يقبل حتى أعسر فله الرجوع أيضا على ظاهر قول الخرقي
لكونه اشترط في براءة المحيل إبداء رضي المحتال مسألة قال ( ومن أحيل بحقه على مليء فواجب عليه أن يحتال ) المليء هو القادر على الوفاء جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى يقول من يقرض المليء غير المعدم وقال الشاعر تطيلين لياني وأنت مليئة وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا يعني قادرة على وفائي والظاهر أن الخرقي أراد بالمليء ههنا القادر على الوفاء غير الجاحد ولا المماطل قال أحمد في تفسير المليء كأن المليء عنده أن يكون مليا بماله وقوله وبدنه ونحو هذا فإذا أحيل على من هذه صفته لزم المحتال والمحال عليه القبول ولم يعتبر رضاهما وقال أبو حنيفة يعتبر رضاهما لأنها معاوضة فيعتبر الرضا من المتعاقدين وقال مالك والشافعي يعتبر رضى المحتال لأن حقه في ذمة الميل فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه كما لا يجوز أن يجبره على أن يأخذ بالدين عرضا فأما المحال عليه فقال مالك لا يعتبر رضاه إلا أن يكون المحتال عدوه وللشافعي في اعتبار رضائه قولان أحدهما يعتبر وهو يحكى عن الزهري لأنه أحد من تتم به الحوالة فأشبه المحيل والثاني لا يعتبر أنه إقامه في القبض مقام نفسه فلم يفتقر إلى رضى من عليه الحق كالتوكيل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع ولأن للمحيل أن يوفي الحق الذي عليه بنفسه وبوكيله وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض فلزم المحال القبول كما لو وكل رجلا في إبقائه وفارق ما إذا أراد أن يعطيه عما في ذمته عرضا لأنه يعطيه غير ما وجب له فلم يلزمه قبوله فصل إذا أحال رجلا على زيد بألف فأحاله زيد بها على عمرو فالحوالة صحيحة لأن حق الثاني ثبات مستقر في الذمة فصح أن يحيل به كالأول وهكذا لو أحال الرجل عمرا على زيد بما يثبت له في ذمته صح أيضا لما ذكرنا وتكرر المحتال والمحيل لا يضر فصل إذا اشترى عبدا فأحال المشتري البائع بالثمن ثم ظهر العبد حرا أو مستحقا فالبيع باطل والحوالة باطلة لأننا تبينا أنه لا ثمن على المشتري وإنما ثبت حريته ببينة أو اتفاقهم فإن اتفق المحيل والمحال عليه على حريته وكذبهما المحتال ولا بينة بذلك لم يقبل قولهما عليه لأنهما يبطلان حقه أشبه ما لو باع المشتري العبد ثم اعترف هو وبائعه أنه كان حرا لم يقبل قولهما على المشتري الثاني وإن أقاما بينة لم تسمح لأنهما كذباها بدخولهما في التبايع وإن أقام العبد بينة بحريته قبلت وبطلت الحوالة وإن صدقهما المحتال وادعى أن الحوالة بغير ثمن العبد فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل صحة الحوالة وهما يدعيان وهما يدعيان بطلانها فكانت جنبته أقوى فإن أقاما البينة أن الحوالة كانت بالثمن قبلت لأنهما لم يكذباها وإن اتفق المحيل والمحتال على حرية العبد وكذبهما المحال عليه لم يقبل قولهما عليه في حرية العبد لأنه إقرار على غيرهما وتبطل الحوالة لاتفاق المرجوع عليه بالدين والراجع به على استحقاق الرجوع والمحال عليه يتعرف للمحتال بدين لا يصدقه فيه فلا يأخذ منه شيئا وإن اعترف المحتال والمحال عليه بحرية العبد عتق لإقرار من هو في يده بحريته وبطلت الحوالة بالنسبة إليهما ولم يكن للمحتال الرجوع على المحيل لأن دخوله معه في الحوالة اعتراف ببراءته فلم يكن له الرجوع عليه فصل وإن اشترى عبدا فأحال المشتري البائع بالثمن على آخر فقبضه من المحال عليه ثم رد المشتري العبد بالعيب أو مقايلة أو اختلاف في ثمن فقد برىء المحال عليه لأنه قبض منه بإذنه ويرجع المشتري على البائع وإن رده قبل القبض فقال القاضي تبطل الحوالة ويعود المشتري إلى ذمة المحال عليه ويبرأ البائع فلا يبقى له دين ولا عليه لأن الحوالة بالثمن وقد سقط بالفسخ فيجب أن تبطل لذهاب حقه من المال المحال به وقال أبو الخطاب لا تبطل الحوالة في حد الوجهين لأن المشتري عوض البائع عما في ذمته ما له في ذمة المحال عليه
ونقل حقه إليه نقلا صحيحا وبرىء من الثمن وبرىء المحال عليه من دين المشتري فلم يبطل ذلك بفسخ العقد الأول كما لو أعطاه بالثمن ثوبا وسلمه إليه ثم فسخ العقد لم يرجع بالثوب كذا ههنا فإن قلنا لا تبطل رجع المشتري على البائع بالثمن ويأخذه البائع من المحال عليه فإذا عاد البائع فأحال المشتري صح بالثمن على من أحاله المشتري عليه صح وبرىء البائع وعاد المشتري إلى غريمه وإن كانت المسألة بحالها لكن أحال البائع أجنبيا على المشتري ثم رد العبد المبيع ففي الحوالة وجهان أحدهما لا تبطل لأن ذمة المشتري برئت بالحوالة من حق البائع وصار الحق عليه للأجنبي المحتال فأشبه ما لو دفعه المشتري إلى المحيل فعلى هذا يرجع المشتري على البائع بالثمن ويسلم إلى المحتال ما أحاله به والثاني تبطل الحوالة إن كان الرد قبل القبض لسقوط الثمن الذي كانت الحوالة به ولأنه لا فائدة في بقاء الحوالة البائع بدينه ويبرأ المشتري منهما كالمسألة قبلها وإذا قلنا لا تبطل فأحال المشتري المحال عليه بالثمن على البائع صح وبرىء المشتري منهما فصل إذا كان لرجل على آخر دين لآخر في قبضه ثم اختلف هو المأذون له فقال وكلتك في قبض ديني بلفظ التوكيل فقال بل أحلتني بلفظ الحوالة أو كانت بالعكس فقال أحلتك بدينك قال بل وكلتني فالقول قول مدعي الوكالة منهما مع يمينه لأنه يدعي بقاء الحق على ما كان وينكر انتقاله والأصل معه فإن كان لأحدهما بينه حكم بها لأن اختلافهما في اللفظ وهو مما يمكن إقامة البينة عليه وإن اتفقا على أنه قال أحلتك بالمال الذي لي قبل زيد ثم اختلفا فقال المحيل إنما وكلتك في القبض لي وقال الآخر بل أحلتني بديني عليك فالقول قول مدعي الحوالة في أحد الوجهين لأن الظاهر معه فإن اللفظ حقيقة في الحوالة دون الوكالة فيجب حمل اللفظ على ظاهره كما لو اختلفا في دار في يد أحدهما والثاني القول قول المحيل لأن الأصل بقاء المحيل على المحال عليه والمحتال يدعي نقله والمحيل ينكره والقول قول المنكر فعلى الوجه الأول يحلف المحتال ويثبت حقه في ذمة المحال عليه ويستحق مطالبته ويسقط على المحيل وعلى الثاني يحلف المحيل ويبقى حقه في ذمة المحال عليه وعلى كلا الوجهين إن كان المحتال قد قبض الحق من المحال عليه وتلف في يده فقد برىء كل واحد منهما من صاحبه ولا ضمان عليه سواء تلف بتفريطه أو غيره لأنه إن تلف بتفريط وكان المحتال محقا فقد أتلف ماله وإن كان مبطلا ثبت لكل واحد منهما في ذمة الآخر مثل ما في ذمته له فيتقاصان ويسقطان وإن تلف بغير تفريط فالمحال قد قبض حقه وتلف في يده وبرىء منه المحيل بالحوالة والمحال عليه بتسلمه والمحيل يقول قد تلف المال في يد وكيلي بغير تفريط فلا ضمان عليه وإن لم يتلف احتمل أن لا يملك المحيل طلبه لأنه معترف أن له عليه من الدين مثل ما له في يده وهو مستحق لقبضه فلا فائدة في أن يقبضه منه ثم يسلمه إليه ويحتمل أن يملك أخذه منه ويملك المحتال مطالبته بدينه وقيل يملك المحيل أخذه منه ولا يملك المحتال المطالبة بدينه لاعترافه ببراءة المحيل منه وليس بصحيح لأن المحتال إن اعترف بذلك فهو يدعي أنه قبض هذا المال منه بغير حق ولأنه يستحق المطالبة به فعلى كلا الحالين هو مستحق للمطالبة بمثل هذا المال المقبوض منه في قولهما جميعا فلا وجه لإسقاطه ولا موضع للبينة في هذه المسألة لأنهما لا يختلفان في لفظ يسمع ولا فعل يرى وإنما يدعي المحيل بينة وهذا لا تشهد به البينة نفيا ولا إثباتا فصل وإن كانت المسألة بالعكس فقال أحلتك بدينك فقال بل وكلتني ففيها الوجهان أيضا ولما قدمناه فإن قلنا القول قول المحيل فحلف برىء من حق المحتال وللمحتال قبض المال من المحال عليه لنفسه لأنه يجوز له ذلك لقولهما معا فإذا قبضه كان له بحقه وإن قلنا القول قول المحتال فحلف كان له مطالبة المحيل بحقه ومطالبة المحتال عليه
لأنه إما وكيل وإما محتال فإن قبض منه قبل أخذه من المحيل قله أخذ ما قبض لنفسه لأن المحيل يقول هو لك والمحتال يقول هو أمانة في يدي ولي مثله على صاحبه وقد أذن لي في أخذه ضمنا فإذا أخذه لنفسه حصل غرضه ولم يأخذ من المحيل شيئا وإن استوفى من المحيل رجع على المحال في أحد الوجهين لأنه قد ثبت الوكالة بيمين المحتال وبقي الحق في ذمة المحال عليه للمحيل والثاني لا يرجع عليه لأنه يعترف أنه قد برىء من حقه وإنما المحتال ظلمه بأخذ ما كان عليه قال القاضي والأول أصح وإن كان قد قبض الحوالة فتلفت في يده بتفريط أو أتلفها سقط حقه على الوجهين لأنه إن كان محقا فقد أتلف حقه وإن كان مبطلا فقد أتلف مثل دينه فيثبت في ذمته ويتقاصان وإن تلفت بغير تفريطة فعلى الوجه الأول يسقط حقه أيضا لأن ماله تلف تحت يده وعلى الثاني له أن يرجع على المحيل بحقه وليس للمحيل الرجوع على المحال عليه لأنه يعترف ببراءته فصل وإن اتفقا على أن المحيل قال أحلتك بدينك ثم اختلفا فقال أحدهما هي حوالة بلفظها وقال الآخر هي وكالة بلفظ الحوالة فالقول قول مدعي الحوالة وجها واحدا لأن الحوالة بدينه لا تحتمل الوكالة فلم يقبل قول مدعيها وسواء اعترف المحيل بدين المحتال أو قال لا دين لك علي لأن قوله أحلتك بدينك اعتراف بدينه فلا يقبل جحده له بعد ذلك فأما إن لم يقل بدينك اعتراف بدينه فلا يقبل جحده له بعد ذلك فأما إن لم يقل بدينك بل قال أحلتك ثم قال ليس لك علي دين وإنما عنيت التوكيل بلفظ الحوالة أو قال أردت أن أقول وكلتك فسبق لساني فقلت أحلتك وادعى المحتال أنها حوالة بدينه وأن دينه كان ثابتا على المحيل فهل ذلك اعتراف بالدين أو لا فيه وجهان سبق توجههما فصل وإذا كان لرجل دين على آخر فطالبه به فقال قد أحلت به علي فلانا الغائب وأنكر صاحب الدين فالقول قوله مع يمينه وإن كان لمن عليه الدين بينة بدعواه سمعت بينته لإسقاط حق المحيل عليه وإن ادعى رجل أن فلانا الغائب أحالني عليك فأنكر المدعى عليه فالقول قوله فإن أقام المدعي بينة ثبتت في حقه وحق الغائب لأن البينة يقضى بها على الغائب ولزم الدفع إلى المحتال وإن لم يكن له بينة فأنكر المدعى عليه فهل تلزمه اليمين فيه وجهان بناء على ما لو اعترف له هل يلزمه الدفع على وجهين أحدهما يلزمه الدفع إليه لأن مقر بدينه عليه ووجوب دفعة إليه فلزمه الدفع إليه كما لو كانت بينة والثاني لا يلزمه الدفع إليه لأنه لا يأمن من إنكار المحيل ورجوعه عليه فكان له الاحتياط لنفسه كما لو ادعى عليه إني وكيل فلان في قبض دينه منك فصدقه وقال لا أدفعه إليك فإذا قلنا يلزمه الدفع مع الإقرار لزمه اليمين مع الإنكار فإذا حلف برىء ولم يكن للمحتال الرجوع على المحيل لاعترافه ببراءته وكذلك إن قلنا لا تلزمه اليمين فليس للمحتال الرجوع على المحيل ثم ينظر في المحيل فإن صدق المدعي في أنه أحاله ثبتت الحوالة له لأن رضى المحال عليه لا يعتبر وإن أنكر الحوالة حلف وسقط حكم الحوالة وإن نكل المحال عليه عن اليمين فقضى عليه بالنكول واستوفى الحق منه ثم إن المحيل صدق المدعي فلا كلام وأن أنكر الحوالة فالقول قوله وله أن يستوفي من المحال عليه لأنه معترف له بالحق ويدعي أن المحتال ظلمه ويبقى دين المحتال على المحيل وإن كان المحيل ينكر أن له عليه دينا فالقول قوله بغير يمين لأن المحتال يقر ببراءته منه لاستيفائه من المحال عليه وإن كان المحيل يعترف به لم يكن للمحتال المطالبة به لأنه يقر بأنه قد برىء منه بالحوالة والمحيل يصدق المحال عليه في كون المحتال قد ظلمه واستوفى منه بغير حق والمحتال يزعم أن المحيل قد أخذ منه أيضا بغير حق وأنه يجب عليه أن يرد ما أخذه منه إليه
فينبغي أن يقبضها المحتال ويسلمها إلى المحال عليه أو يأذن للمحيل في دفعها إلى المحال عليه وإن صدق المحال عليه المحتال في الحوالة ودفع إليه فأنكر المحيل الحوالة حلف ورجع على المحال عليه والحكم في الرجوع بما على المحيل من الدين على ما ذكرنا في التي قبلها فصل فإن كان عليه ألف ضمنه رجل فأحال الضامن صاحب الدين به برئت ذمته وذمة المضمون عنه لأن الحوالة كالتسليم ويكون الحكم ههنا كالحكم فيما لو قضى عنه الدين فإن كان الألف على رجلين على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحد كفيل عن الآخر بذلك فأحاله أحدهما بالألف برئت ذمتهما معا كما لو قضاها وإن أحال صاحب الألف رجلا على أحدهما بعينه بالألف صحت الحوالة لأن الدين على كل واحد منهما مستقر وإن أحال عليهما جميعا ليستوفي منهما أو من أيهما شاء صحت الحوالة أيضا عند القاضي لأنه الأفضل ههنا في نوع ولا أجل ولا عدد وإنما هو زيادة استيثاق فلم يمنع ذلك صحة الحوالة كحوالة المعسر على المليء وقال بعض أصحاب الشافعي لا تصح الحوالة لأن الفضل قد دخلها فإن المحتال ارتفق بالتخيير بالاستيفاء منهما أو من أيهما شاء فأشبه ما لو أحاله على رجلين له على كل واحد منهما ألف ليستوفي من أيهما شاء والأول أصح والفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا أحاله بألفين أنه لا فضل بينهما في العدد ههنا وثم تفاضلا فيه ولأن الحوالة ههنا بألف معين وثم الحوالة بأحدهما من غير تعيين وأنه إذا قضاه أحدهما الألف فقد قضى جميع الدين وثم إذا قضى أحدهما بقي ما على الآخر ولو لم يكن كل واحد من الرجلين ضامنا عن صاحبه فأحال عليهما صحت الحوالة بغير إشكال لأنه لما كان له أن يستوفي الألف من واحد كان له أن يستوفي من اثنين كالوكيلين باب الضمان مسألة ( ومن ضمن عنه حق بعد وجوبه أو قال ما أعطيته فهو علي فقد لزمه ما صح أنه أعطاه ) الضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق فيثبت في ذمتهما جميعا ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما واشتقاقه من الضم وقال القاضي هو مشتق من الضمين لأن ذمة الضامن تتضمن الحق والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم يوسف 72 وقال ابن عباس الزعيم الكفيل وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الزعيم غارم رواه أبو داود والترمذي قال حديث حسن وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل ليصلي عليه فقال عل عليه دين قالوا نعم ديناران قال هل ترك لهما وفاء قالوا لا فتأخر فقيل لم لم تصل عليه فقال ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة إلا إن قام أحدكم فضمنه فقام أبو قتادة فقال هما علي يا رسول الله فصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وأجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة وإنما اختلفوا في فروع نذكرها إن شاء الله تعالى إذا ثبت هذا فإنه يقال ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم وصبير بمعنى واحد ولا بد في الضمان من ضامن ومضمون عنه ومضمون له ولا بد من رضى الضامن فإن أكره على الضمان لم يصح ولا يعتبر رضى المضمون عنه لا نعلم فيه خلافا لأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح فكذلك إذا ضمن عنه ولا يعتبر رضى المضمون له وقال أبو حنيفة ومحمد يعتبر لأنه إثبات مال لآدمي فلم يثبت إلا برضاه أو رضى من ينوب عنه كالبيع والشراء وعن أصحاب الشافعي كالمذهبين ولنا إن قتادة ضمن من غير رضى المضمون عنه فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك روي عن علي رضي الله عنه ولأنها وثيقة لا يعتبر فيها قبض فأشبهت الشهادة ولأنه ضمان دين فأشبه ضمان بعض الورثة دين الميت للغائب وقد سلموه
فصل ولا يعتبر أن يعرفهما الضامن وقال القاضي يعتبر معرفتهما ليعلم هل المضمون عنه أهل لاصطناع المعروف إليه أو لا وليعرف المضمون له فيؤدي إليه وذكر وجها آخر أنه تعتبر معرفة المضمون له لذلك ولا تعتبر معرفة المضمون عنه لأنه لا معاملة بينه وبينه ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه نحو هذه ولنا حديث علي وأبي قتادة فإنهما ضمنا لمن لا يعرفاه عمن لم يعرفاه ولأنه تبرع بالتزام مال فلم يعتبر معرفة من يتبرع له به كالنذر فصل وقد دلت مسألة الخرقي على أحكام منها صحة ضمان المجهول لقوله ما أعطيته فهو علي وهذا مجهول فمتى قال أنا ضامن لك ما لك على فلان أو ما يقضى به عليه أو ما تقوم به البينة أو يقر به لك أو ما يخرج في روز مانجك صح الضمان وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الثوري والليث وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر لا يصح لأنه التزام مال فلم يصح مجهولا كالثمن في المبيع ولنا قول الله تعالى ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم يوسف 72 وحمل البعير غير معلوم لأن حمل البعير يختلف باختلافه وعموم قوله عليه السلام الزعيم غارم ولأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة فصح في المجهول كالنذر والإقرار ولأنه يصح تعليقه بضرر وخطر وهو ضمان العهدة وإذا قال ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه أو قال ادفع ثيابك إلى هذا الوفاء وعلي ضمانها فصح المجهول كالعتق والطلاق ومنها صحة ضمان ما لم يجب فإن معنى قوله ما أعطيته في المستقبل بدليل أنه عطفه على من ضمن عنه حق بعد وجوبه عليه فيدل على أنه غيره ولو كان ما أعطيته في الماضي كان معنى المسألتين سواء أو إحداهما داخلة في الأخرى والخلاف في هذه المسألة ودليل القولين كالتي قبلها إلا أنهم قالوا الضمان ضم ذمة إلى ذمة في التزام الدين فإذا لم يكن على المضمون عنه شيء فلا ضم فيه فلا يكون ضمانا قلنا قد ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه في أنه يلزمه وأن ما ثبت في ذمة مضمونه يثبت في ذمته وهذا كاف وقد سلموا ضمان مال يلقيه في البحر قبل وجوبه بقوله ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه وسلم أصحاب الشافعي في أحد الوجهين ضمان الجعل في الجعالة قبل العمل وما وجب شيء بعد ومنها أن الضمان إذا صح لزم الضامن أداء ما ضمنه وكان المضمون له مطالبته ولا نعلم في هذا خلافا وهو فائدة الضمان وقد دل قول النبي صلى الله عليه وسلم والزعيم غارم واشتقاق اللفظ ومنها صحة الضمان عن كل من وجب عليه حق حيا كان أو ميتا مليئا أو مفلسا لعموم لفظه فيه وهذا قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة لا يصح ضمان دين الميت إلا أن يخلف وفاء فإن خلف بعض الوفاء صح ضمانه بقدر ما خلف لأنه دين ساقط فلم يصح ضمانه كما لو سقط بالإبراء ولأن ذمته قد خرجت خرابا لا تعمر بعده فلم يبق فيها دين والضمان ضم ذمة إلى ذمة في التزامه ولنا حديث أبي قتادة وعلي فإنهما ضمنا دين ميت لم يخلف وفاء والنبي صلى الله عليه وسلم حضهم على ضمانه في حديث أبي قتادة بقوله ألا قام أحدكم فضمنه وهذا صريح في المسألة ولأنه دين ثابت فصح ضمانه كما لو خلف وفاء ودليل ثبوته أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه جاز لصاحب الدين اقتضاؤه ولو ضمنه حيا ثم مات لم تبرأ ذمة الضامن ولو برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن وفي هذا انفصال عما ذكروه ومنها صحة الضمان في كل حق أعني من الحقوق المالية الواجبة أو التي تؤول إلى الوجوب كثمن المبيع في مدة الخيار وبعده والأجرة والمهر قبل الدخول أو بعده لأن هذه الحقوق لازمه وجواز سقوطها لا يمنع ضمانها كالثمن في المبيع بعد انقضاء الخيار ويجوز أن يسقط برد بعيب أو مقايلة وبهذا كله قال الشافعي فصل فيما يصح ضمانه ويصح ضمان الجعل في الجعالة
وفي المسابقة والمناضلة وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين لا يصح ضمانه لأنه لا يؤول إلى اللزوم فلم يصح ضمانه كمال الكتابة ولنا قول الله تعالى ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم يوسف 72 ولأنه يؤول إلى اللزوم إذا عمل العمل وإنما الذي لا يلزم العمل والمال يلزم بوجوده والضمان للمال دون العمل ويصح ضمان أرش الجناية سواء كانت نقودا كقيم المتلفات أو حيوانا كالديات وقال أصحاب الشافعي لا يصح ضمان الحيوان الواجب فيها لأنه مجهول وقد مضى الدليل على صحة ضمان المجهول ولأن الإبل الواجبة في الذمة معلومة الأسنان والعدد وجهالة اللون أو غيره من الصفات الباقية تضر لأنه إنما يلزمه أدنى لون أو صفة فتحصل معلومة وكذلك غيرها من الحيوان ولأن جهل ذلك لم يمنع وجوبه بالإتلاف فلم يمنع وجوبه بالالتزام ويصح ضمان نفقة الزوجة سواء كانت نفقة يومها أو مستقبلة لأن نفقة اليوم واجبة والمستقبلة مآلها إلى اللزوم ويلزمه ما يلزم الزوج في قياس المذهب وقال القاضي إذا ضمن نفقة المستقبل لم تلزمه إلا نفقة المعسر لأن الزيادة على ذلك تسقط بالإعسار وهذا مذهب الشافعي على القول الذي قال فيه يصح ضمانها ولنا إنه يصح ضمان ما لم يجب واحتمال عدم وجوب الزيادة لا يمنع صحة ضمانها بدليل الجعل في الجعالة والصداق قبل الدخول والبيع في مدة الخيار فأما النفقة في الماضي فإن كانت واجبة إما بحكم الحاكم بها أو قلنا بوجوبها بدون حكمه صح ضمانها وإلا فلا يصح ضمان مال السلم في إحدى الروايتين والأخرى لا يصح لأنه يؤدي إلى استيفاء المسلم فيه من غير المسلم إليه فلم يجز كالحوالة به والأول أصح لأنه لازم فصح ضمانه كالأجرة وثمن المبيع ولا يصح ضمان مال الكتابة في إحدى الروايتين وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم والأخرى يصح لأنه دين على المكاتب فصح ضمانه كسائر الديون عليه والأولى أصح لأنه ليس بلازم ولا مال له إلى اللزوم فإن للكاتب تعجيز نفسه والامتناع عن أدائه فإنه لم يلزم الأصيل فالضمين أولى ويصح ضمان الأعيان المضمونة كالمغضوب والعارية وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين وقال في الآخر لا يصح لأن الأعيان غير ثابتة في الذمة وإنما يضمن ما ثبت في الذمة ووصفنا لها بالضمان إنما معناه أنه يلزمه قيمتها إن تلف والقيمة مجهولة ولنا إنها مضمونة على من هي في يده فصح ضمانها كالحقوق الثابتة في الذمة وقولهم إن الأعيان لا تثبت في الذمة قلنا الضمان في الحقيقة إنما هو ضمان استنفاذها وردها والتزام تحصيلها أو قيمتها عند تلفها وهذا مما يصح ضمانه كعهدة المبيع فإن ضمانها يصح وهو في الحقيقة التزام رد الثمن أو عوضه إن ظهر المبيع أو خرج مستحقا فأما الأمانات كالوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط فهذه إن ضمنها من غير تعد فيها لم يصح ضمانها لأنها غير مضمونة على من هي في يده فكذلك على ضامنها وإن ضمنها إن تعدى فيها فظاهر كلام أحمد رحمه الله يدل على صحة الضمان فإنه قال في رواية الأثرم في رجل يتقبل من الناس الثياب فقال له رجل ادفع إليه ثيابك وأنا ضامن فقال له هو ضامن لما دفعه إليه يعني إدا تعدى أو تلف بفعله فعلى هذا إن تلف بغير تفريط منه ولا أفعله لم يلزم الضامن شيء لما ذكرنا وإن تلف بفعله أو تفريط لزمه ضمانها ولزم ضامنه ذلك لأنها مضمونة على من هي في يده فلزم ضامنه كالمغصوب والعواري وهذا في الحقيقة ضمان ما لم يجب وقد بينا جوازه ويصح ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشتري وعن المشتري للبائع فضمانه على المشتري هو أن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه وإن ظهر فيه عيب أو استحق رجع بذلك على الضامن وضمانه عن البائع للمشتري هو أن يضمن عن البائع الثمن متى خرج المبيع مستحقا أو رد بعيب أو أرش العيب فضمان العهدة في الموضعين هو ضمان الثمن أو جزء منه عن أحدهما للآخر
وحقيقة العهدة الكتاب الذي يكتب فيه وثيقة البيع ويذكر فيه الثمن فعبر به عن الثمن الذي يضمنه وممن أجاز ضمان العهدة في الجملة أبو حنيفة ومالك والشافعي ومنع منه بعض الشافعية لكونه ضمان ما لم يجب ضمان وضمان مجهول وضمان عين وقد بينا جواز الضمان في ذلك كله ولأن الحاجة تدعو إلى الوثيقة على البائع والوثائق ثلاثة الشهادة والرهن والضمان فأما الشهادة فلا يستوفى منها الحق وأما الرهن فلا يجوز في ذلك بالإجماع لأنه يؤدي إلى أن يبقى أبدا مرهونا فلم يبق إلا الضمان ولأنه لا يضمن إلا ما كان واجبا حال العقد لأنه إنما يتعلق بالضمان حكم إذا خرج مستحقا أو معيبا حالا العقد ومتى كان كذلك فقد ضمن ما وجب حين العقد والجهالة منتفية لأنه ضمن الجملة فإذا خرج بعضه مستحقا لزمه بعض ما ضمنه إذا ثبت هذا فإنه يصح ضمان العهدة عن البائع للمشتري قبل قبض الثمن وبعده وقال الشافعي إنما يصح بعد القبض لأنه قبل القبض لو خرج مستحقا لم يجب على البائع شيء وهذا ينبني على ضمان ما لم يجب إذا كان مفضيا إلى الوجوب كالجعالة وألفاظ ضمان العهدة أن يقول ضمنت عهدته أو ثمنه أو دركه أو يقول للمشتري ضمنت خلاصك منه أو يقول متى خرج المبيع مستحقا فقد ضمنت لك الثمن وحكي عن أبي يوسف أنه قال ضمنت لك العهدة والعهدة في الحقيقة هي الصك المكتوب فيه الابتياع هكذا فسره به أهل اللغة فلا يصح ضمانه للمشتري لأنه ملكه وليس بصحيح لأن العهدة صارت في العرف عبارة عن الدرك وضمان الثمن والكلام المطلق يحمل على الأسماء العرفية دون اللغوية كالرواية تحمل عند إطلاقها على المزادة لا على الجمل وإن كان هو الموضوع فأما إن ضمن له خلاص المبيع فقال أبو بكر هو باطل لأنه إذا خرج حرا أو مستحقا لا يستطيع تخليصه ولا يحل وقد قال أحمد في رجل باع عبدا أو أمة وضمن له الخلاص فقال كيف يستطيع الخلاص إذا خرج حرا فإن ضمن عهدة المبيع وخلاصه بطل في الخلاص وهل يصح في العهدة على وجهين بناء على تفريق الصفقة إذا ثبت صحة ضمان العهدة فالكلام فيما يلزم الضامن فنقول إن استحقاق رجوع المشتري بالثمن لا يخلو إما أن يكون بسبب حادث بعد العقد أو مقارن له فإما الحادث فمثل تلف المبيع من المكيل أو الموزون في يد البائع أو بغضب من يده أو يتقايلان فإن المشتري يرجع على البائع دون الضامن لأن هذا الاستحقاق لم يكن موجودا حال العقد وإنما ضمن الاستحقاق الموجود حال العقد ويحتمل أن يرجع به على الضامن لأن ضمان ما لم يجب جائز بالشفعة فإن المشتري يأخذ الثمن من الشفيع ولا يرجع ولا يرجع على البائع ولا الضامن ومتى لم يجب على المضمون عنه شيء لم يجب على الضامن بطريق الأولى وأما إن زال ملكه عن المبيع بسبب مقارن لتفريط من البائع باستحقاق أو حرية أو رد بعيب قديم فله الرجوع إلى الضامن وهذا ضمان العهدة فإن أراد أخذ أرش العيب رجع على الضامن أيضا لأنه إذا لزمه كل الثمن لزمه بعضه إذا استحق ذلك على المضمون عنه وسواء ظهر كل المبيع مستحقا أو بعضه لأنه إذا ظهر بعضه مستحقا بطل العقد في الجميع في إحدى الروايتين فقد خرجت العين كلها من يده بسبب الاستحقاق وعلى الرواية الأخرى يبطل العقد في الجميع ولكن استحق ردها فإن ردها كلها فالحكم كذلك وإن أمسك المملوك منها فله المطالبة بالأرش كما لو وجد بها عيبا ولو باعه عينا أو أقرضه شيئا بشرط أن يرهن عنده عينها فتكفل رجل بتسليم الرهن لم تصح الكفالة لأنه لا يلزم الراهن إقباضه وتسليمه فلا يلزم الكفيل الأصل وإن ضمن للمشتري قيمة ما يحدث في المبيع من بناء أو غراس صح سواء ضمنه البائع أو أجنبي فإذا بنى أو غرس واستحق المبيع رجع المشتري على الضامن بقيمة ما تلف أو نقص وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح
لأنه ضمان مجهول وضمان ما لم يجب وقد بينا جواز ذلك فصل فيمن يصح ضمانه ومن لا يصح ضمان كل جائز التصرف في ماله سواء كان رجلا أو امرأة لأنه عقد يقصد به المال فصح من المرأة كالمبيع ولا يصح من المجنون والمبرسم ولا من صبي غير مميز بغير خلاف لأنه إيجاب مال بعقد فلم يصح منهم كالنذر ولا يصح في السفيه المحجور عليه ذكره أبو الخطاب وهو قول الشافعي وقال القاضي يصح ويتبع بعد فك الحجر عنه لأن من أصلنا إن إقراره صحيح يتبع به من بعد فك الحجر عنه صح فكذلك ضمانه والأول أولى أنه إيجاب مال بعقد فلم يصح منه كالبيع والشراء ولا يشبه الإقرار لأنه إخبار بحق سابق وأما الصبي المميز فلا يصح ضمانه في الصحيح من الوجهين وهو قول الشافعي وخرجه أصحابنا على الروايتين في صحة إقراره وتصرفاته بإذن وليه ولا يصح هذا الجمع لأن هذا التزام مال لا فائدة له فيه فلم يصح منه كالتبرع والنذر بخلاف البيع وإن اختلفا في وقت الضمان بعد بلوغه فقال الصبي قبل بلوغي وقال المضمون له بعد البلوغ فقال القاضي قياس قول أحمد أن القول قول المضمون له لأن معه سلامة العقد فكان القول قوله كما لو اختلفا في شرط فاسد ويحتمل أن القول قول الضامن لأن الأصل عدم البلوغ وعدم وجوب الحق عليه وهذا قول الشافعي ولا يشبه هذا ما إذا اختلفا في شرط فاسد لأن المختلفين ثم متفقان على أهمية التصرف والظاهر أنهما لا يتصرفان إلا تصرفا صحيحا فكان قول مدعي الصحة هو الظاهر وههنا اختلفا في أهلية الصرف وليس مع من يدعي الأهلية ظاهر يستند إليه ولا أصل يرجع إليه فلا ترجح دعواه والحكم فيمن عرف له حال جنون كالحكم في الصبي وإن لم يعرف له حال جنون فالقول قول المضمون له لأن الأصل عدمه فأما المحجور عليه لفلس فيصح ضمانه ويتبع به بعد فك الحجر عنه لأنه من أهل التصرف والحجر عليه في ماله لا في ذمته فأشبه الراهن فصح تصرفه فيما عدا الرهن فهو كما لو اقترض أو أقر أو اشترى في ذمته ولا يصح ضمان العبد بغير إذن سيده سواى كان مأذونا له في التجارة أو غير مأذون له وبهذا قال ابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة ويحتمل أن يصح ويتبع به بعد العتق وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه من أهل التصرف فصح تصرفه بما لا ضرر على السيد فيه كالإقرار بالإتلاف ووجه الأول أنه عقد تضمن إيجاب مال فلم يصح بغير إذن كالنكاح وقال أبو ثور إن كان من جهة التجارة جاز وإن كان من غير ذلك لم يجز فإن ضمن بإذن سيده صح لأن سيده لوأذن له فيا لتصرف صح قال القاضي وقال المذهب تعلق المال برقبته وقال ابن عقيل ظاهر المذهب وقياسه أنه يتعلق بذمة السيد وقال أبو الخطاب هل يتعلق برقيته أو بذمة سيده على روايتين كاستندانته بإذن سيده وقد سبق الكلام فيها فإن أدن له سيده في الضمان ليكون القضاء من المال الذي في يده صح ويكون في ذمته متعلقا بالمال الذي في يد العبد كتعلق حقالجناية برقبة الجاني كما لو قال الحر ضمنت لك الدين على أن تأخذ من مالي هذا صح وأما المكاتب فلا يصح ضمانه بغير إذن سيده كالعبد القن لأنه تبرع بالتزام مال فأشبه نذر الصدقة بغير مال ويحتمل أن يصح ويتبع به بعد عتقه كقولنا في العبد وأن ضمن بإذنه ففيه وجهان أحدهما لا يصح أيضا لأنه ربما أدى إلى تفويت الحرية والثاني لا يصح لأن الحق لهما لا يخرج عنهما فأما المريض فإن كان مرضه غير مخوف أو غير مرض الموت فحكمه حكم الصحيح وإن كان مرض الموت المخوف فحكم ضمانه حكم تبرعه بحسب من ثلثه لأنه تبرع بالتزام مال لا يلزمه ولم يأخد عنه عوضا فأشبه الهبة وإذا فهمت إشارة الأخرس صح ضمانه
لأنه يصح بيعه وإقراره وتبرعه فصح ضمانه كالناطق ولا يثبت الضمان بكتابة منفردة عن إشارة يفهم بها أنه قصد الضمان لأنه قد يكتب عبثا أو تجربة فلم يثبت الضمان مع الاحتمال ومن لا تفهم إشارته لا يصح منه الضمان لأنه لا يدري بضمانه ولأنه لا يصح سائر تصرفاته فكذلك ضمانه فصل إذا ضمن الدين الحال مؤجلا صح ويكون حالا على المضمون عنه مؤجلا على الضامن يملك مطالبة المضمون عنه دون الضامن وبهذا قال الشافعي قال أحمد في رجل ضمن ما على فلان أن يؤديه في ثلاث سنين فهو عليه ويؤديه كما ضمن ووجه ذلك ما روى ابن عباس أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عندي شيء أعطيكه فقال والله لا أفارقنك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل فجره إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كم تستنظره قال شهرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا أحمل فجاء في الوقت الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من أين أصبت هذا قال من معدن قال لا خير فيها وقضاها عنه رواه ابن ماجه في سننه ولأنه ضمن مالا بعقد مؤجل فكان مؤجلا كالبيع فإن قيل فعندكم الدين الحال لا يتأجل فكيف يتأجل على الضامن أم كيف يثبت في ذمة الضامن على غير الوصف الذي يتصف به في ذمة المضمون عنه قلنا الحق يتأجل في ابتداء ثبوته إذا كان بعقد وهذا ابتداء ثبوته في حق الضامن فإنه لم يكن ثابتا عليه حالا ويجوز أن يخالف ما في ذمة الضامن ما في ذمة المضمون عنه بدليل ما لو مات المضمون عنه والدين مؤجل إذا ثبت هذا وكان الدين مؤجلا إلى فضمنه إلى شهرين لم يكن له مطالبة الضامن إلى شهرين فإن قضاه قبل الأجل فله الرجوع به فيا لحال على الرواية التي تقول إذا قضى دينه بغير إذن رجع به لأن أكثر ما في ههنا أنه قضى بغير إذن وعلى الرواية الأخرى لا يرجع به قبل الأجل لأنه لم يأذن له في القضاء قبل ذلك وإن كان الدين مؤجلا فضمنه حالا لم يصر المضمون عنه ولأن المضمون عنه لو ألزم نفسه تعجيل هذا الدين لم يلزمه تعجيله فبأن لا يلزم الضامن أولى ولأن الضمان التزام دين في الذمة فلا يجوز أن يلتزم ما لا يلزم المضمون عنه فعلى هذا إن قضاه حالا لم يرجع به قبل أجله لأن ضمانه لم يغيره عن تأجيله والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن الدين الحال ثابت في الذمة مستحق القضاء في جميع الزمان فإذا ضمنه مؤجلا فقد التزم بعض ما يجب على المضمون عنه فصح كما لو كان الدين عشرة فضمن خمسة وأما الدين المؤجل فلا يستحق قضاؤه إلا عند أجله فإذا ضمنه حالا التزام ما لم يجب على المضمون فأشبه ما لو كان الدين عشرة فضمن عشرين وقيل يحتمل أن يصح ضمان الدين المؤجل حالا كما يصح ضمان الحال مؤجلا قياسا لإحداهما على الأخرى وقد فرقنا بينهما بما يمنع القياس إن شاء الله تعالى فصل وإذا ضمن دينا مؤجلا عن إنسان فمات أحدهما إما الضامن وإما المضمون عنه فهل يحل الدين على الميت منهما على روايتين تقدم ذكرهما فإن قلنا يحل على الميت لم يحل على الآخر لأن الدين لا يحل على شخص بموت غيره فإن كان الميت المضمون عنه لم يستحق مطالبة الضامن قبل الأجل فإن قضاه قبل الأجل كان متبرعا بتعجيل القضاء وهل له مطالبة المضمون عنه قبل الأجل يخرج على الروايتين فيمن قضى بغير إذن من هو عليه وإن كان الميت الضامن فاستوفى الغريم الدين من تركته لم يكن لورثته مطالبة المضمون عنه حتى يحل الحق لأنه مأجل عليه فلا يستحق مطالبته قبل أجله وهذا مذهب الشافعي وحكي عن زفر أن لهم مطالبته لأنه أدخله في ذلك مع علمه أنه يحل بموته
ولنا أنه دين مؤجل فلا تجوز مطالبته به قبل الأجل كما لو لم يمت وقوله أدخله فيه قلنا إنما أدخله في المؤجل وحلوله بسبب من جهته فهو كما لو قضى قبل الأجل مسألة قال ( ولا يبرأ المضمون عنه بأداء الضامن ) يعني أن المضمون عنه لا يبرأ بنفس الضمان كما يبرأ المحيل بنفس الحوالة قبل القبض بل يثبت الحق في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة وبعد الموت وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي وقال أبو ثور الكفالة والحوالة سواء وكلاهما ينقل الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما وضعت قال هل على صاحبكم من دين قالوا نعم درهمان فقال صلوا على صاحبكم فقال علي هما علي يا رسول الله وأنا لهما ضامن فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه ثم أقبل على علي فقال جزاك الله خيرا عن الإسلام وفك رهانك كما فككت رهان أخيك فقيل يا رسول الله هذا لعلي خاصة أم للناس عامة فقال للناس عامة رواه الدارقطني فدل على أن المضمون عنه برىء بالضمان وروى الإمام أحمد في في المسند عن جابر قال توفي صاحب لنا فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فخطا خطوة ثم قال أعليه دين قلنا ديناران فانصرف فتحملهما أبو قتادة فقال الديناران علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب حق الغريم وبرىء الميت منهما قال نعم فصلى عليه ثم قال بعد ذلك ما فعل الديناران قال إنما مات أمس قال فعاد إليه من الغد فقال قد قضيتهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن بردت جلدته وهذا صريح في براءة المضمون عنه لقوله وبرىء الميت منهما ولأنه دين واحد فإذا صار في ذمة ثانية برئت الأولى منه كالمحال به وذلك لأن الدين الواحد لا يحل في محلين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه وقوله في خبر أبي قتادة الآن بردت جلدته حين أخبره أنه قضى دينه ولأنهما وثيقة فلا تنقل الحق كالشهادة وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المضمون عنه فلأنه بالضمان صار له وفاء وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع من الصلاة على مدين لم يخلف وفاء وأما قوله لعلي فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلما ضمنه فكه من ذلك أو مما في معناه وقوله برىء الميت منهما صرت أنت المطالب بهما وهذا على سبيل التأكيد لثبوت الحق في ذمته ووجوب الأداء عليه بدليل قوله في سياق الحديث حين أخبره بالقضاء الآن بردت عليه جلدته ويفارق الضمان الحوالة فإن الضمان مشتق من الضم فيقضي الضم بين الذمتين في تعلق الحق بهما وثبوته فيهما والحوالة من التحول فتقضي تحول الحق من محله إلى ذمة المحال عليه وقولهم إن الدين الواحد لا يحل في محلين قلنا يجوز تعلقه بمحلين على سبيل الاستيثاق كتعلق دين الرهن به وبذمة الراهن وقال أبو بكر عبد العزيز أما الحي فلا يبرأ بمجرد الضمان رواية واحدة وأما الميت ففي براءته بمجرد الضمان وآيتان إحدهما يبرأ بمجرد الضمان نص عليه أحمد في رواية يوسف بن موسى لما ذكرنا الخبرين ولأن فائدة الضمان في حقه تبرئة ذمته فينبغي أن تحصل هذه الفائدة بمجرد الضمان بخلاف الحي فإن المقصود من الضمان في حقه الاستيثاق وثبوته في الذمتين آكد في الاستيثاق بالحق والثانية لا يبرأ إلا بالأداء لما ذكرناه ولأنه ضمان يبرأ به المضمون عنه كالحي فصل ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما وحكي عن مالك في إحدى الروايتين عنه أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه