Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Section V05/P117–V05/P118

قلنا ومثله ها هنا فإنه إن كان المقر به كبيرا فلا بد من تصديقه فقد أقر به كل من يعتبر إقراره وإن كان صغيرا غير معتبر القول لم يثبت النسب بقول الآخر كما لو كانا ابنين أحدهما صغير فأقر البالغ بأخ لم يقبل ولم يقولوا إنه لا تعتبر موافقته كذا ها هنا ولأنه لو كان في يد إنسان عبد محكوم له بمله فأقر به لغيره ثبت للمقر له وإن كان المقر يخرج بالإقرار عن كونه مالكا كذا ها هنا فصل فإن خلف ابنا فأقر بأخ ثبت نسبه ثم إن أقر بثالث ثبت نسبه أيضا لأنه إقرار من جميع الورثة فإن قال الثالث الثاني ليس بأخ لنا فقال القاضي يسقط نسب الثاني لأن الثالث وارث منكر لنسب الثاني فأشبه ما لو كان نسبه ثابتا قبل الثاني وفيه وجه آخر لا يسقط نسبه ولا ميراثه لأن نسبه ثبت بقول الأول وثبت ميراثه فلا يسقط بعد ثبوته ولأنه أقر من هو كل الورثة حين الإقرار وثبت ميراثه فلا يسقط بعد ثبوته ولأن الثاني لو أنكر الثالث لم يثبت نسبه وإنما ثبت نسبه بإقراره فلا يجوز له إسقاط نسب من يثبت نسبه بقوله كالأول ولأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الأصل بالفرع الذي يثبت به فصل وإن أقر الابن بأخويه دفعة واحدة فصدق كل واحد منهما صاحبه ثبت نسبهما وإن تكاذبا ففيهما وجهان أحدهما لايثبت نسبهما وهو مذهب الشافعي لأن كل واحد منهما لم يقر به كل الورثة والثاني يثبت نسبهما لأن كل واحد منهما وجد الإقرار به من ثابت النسب هو كل الورثة حين الإقرار فلم تعتبر موافقة غيره كما لو كانا صغيرين فإن كان أحدهما يصدق صاحبه دون الآخر ثبت نسب المتفق عليه منهما وفي الآخر وجهان وإن كانا توأمين ثبت نسبهما ولم يلتفت إلى إنكار المنكر منهما سواء تجاحدا معا أو جحد أحدهما صاحبه لأننا نعلم كذبهما فإنهما لا يفترقان ولو أقر الوارث بنسب أحدهما ثبت نسب الآخر لأنهما لا يفترقان في النسب وإن أقر بنسب صغيرين دفعة واحدة ثبت نسبهما على الوجه الذي يثبت فيه نسب الكبيرين المتجاحدين وهل يثبت على الوجه الآخر يحتمل أن يثبت لأنه أقر به كل الورثة حين الإقرار ولم يجحده أحد فأشبه ما لو انفرد ويحتمل ألا يثبت لأن أحدهما وارث ولم يقر بصاحبه فلم يجتمع كل الورثة على الإقرار به ويدفع المقر إلى كل واحد منهما ثلث الميراث سواء قلنا بثبوت النسب أو لم نقل لأنه مقر به فصل إذا خلف امرأة وأخا فأقرت المرأة بابن للميت وأنكر الأخ لم يثبت نسبه ودفعت إليه ثمن الميراث وهو الفضلة التي في يد الزوجة عن ميراثها وإن أقر به الأخ وحده لم يثبت نسبه ودفع إليه جميع ما في يده وهو ثلاثة أرباع المال فإن خلف اثنين فأقر أحدهما بامرأة لأبيه وأنكر الآخر لم تثبت الزوجية ويدفع إليها ثمن نصف الميراث ولأصحاب الشافعي في هذه المسألة كقولنا لأن الزوجية زالت بالموت وإنما المقر به حقها من الميراث ولهم وجه آخر لا شيء لها وإن كان للميت امرأة أخرى فلا شيء للمقر لها لأن الفضل الذي تستحقه في يد غير المقر وكذلك ما كان مثل هذا مثل أن يخلف أخا من أب وأخا من أم فيقر الأخ من الأم بأخ للميت فلا شيء للمقر به سواء أقر بأخ من أبوين أو من أب أو من أم لأن ميراثه في يد غير المقر وإن أقر بأخوين من أم دفع إليهما ثلث ما في يده لأنه يقر أنهم شركاء في الثلث لكل واحد منهما تسع وفي يده سدس وهو تسع ونصف تسع فيفضل في يده نصف تسع وهو ثلث ما في يده فصل وإذا شهد من الورثة رجلان عدلان بنسب مشارك لهم في الميراث ثبت نسبه إذا لم يكونا متهمين وكذلك إن شهد على إقرار الميت به وإن كانا متهمين كأخوين من أم يشهدان بأخ من أبوين في مسألة فيها زوج وأختان من أبوين لم تقبل شهادتهما

Section V05/P118–V05/P119

لأن ثبوت نسبه يسقط العول فيتوفر عليهما الثلث وكذلك لو شهدا بأخ من أب في مسألة معهما أم وأخت من أبوين وأخت من أب لم تقبل شهادتهما لأن ثبوت نسبه يسقط أخته فنذهب العول من المسألة فإن لم يكونا وارثين أو لم يكن للميت تركة قبلت شهادتهما وثبت النسب لعدم التهمة فصل وإن أقر رجلان عدلان بنسب مشارك لهما في الميراث وثم وارث وغيرهما لم يثبت النسب ألا أن يشهدا به ويهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يثبت لأنهما بينة ولنا إنه إقرار من بعض الورثة فلم يثبت به النسب كالواحد وفارق الشهادة لأنه تعتبر فيها العدالة والذكورية والأقرار بخلافه فصل وإذا أقر بنسب ميت صغير أو مجنون ثبت نسبه وورثه وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن يثبت نسبه دون ميراثه لأنه متهم في قصد أخذ ميراثه وقال أبو حنيفة لا يثبت نسبه ولا إرثه لذلك ولنا إن علة ثبوت نسبه في حياته الإقرار به وهو موجود بعد الموت فيثبت به كحالة الحياة وما ذكروه يبطل ما إذا كان المقر به حيا موسرا أو المقر فقيرا فإنه يثبت نسبه ويملك المقر التصرف في ماله وإيقافه منه على نفسه وإن كان المقر به كبيرا عاقلا فكذلك في قول القاضي وظاهر مذهب الشافعي لأنه لا قول له أشبه الصغير وفيه وجه آخر أنه لا يثبت نسبه لأن نسب المكلف لا يثبت إلا بتصديقه ولم يوجد ويجاب عن هذا بأنه غير مكلف فإن ادعى نسب المكلف في حياته فلم يصدقه حتى مات المقر ثم صدقه ثبت نسبه لأنه وجد الإقرار والتصديق من المقر به فأشبه ما لو صدقه في حياته وقالأبو الخطاب وإذا أقر رجل يزوجية امرأة أو أقرت أن فلانا زوجها فلم يصدقه المقر إلا بعد موته ورثه لأنه وجد الإقرار والتصديق معا فصل وإذا خلف رجل امرأة وابنا من غيرها فأقر الابن بأخ له لم يثبت نسبه لأنه لم يقر به كل الورثة وهل يتوارثان فيها وجهان أحدهما يتوارثان لأن كل واحد منهما يقر أنه لا وارث له سوى صاحبه ولا منازع لهما والثاني لا يتوارثان لأن النسب بينهما لم يثبت لما كان لكل واحد منهما وارث غير صاحبه لم يرثه لأنه منازع في الميراث ولم يثبت نسبه فصل وإذا ثبت النسب بالإقرار ثم أنكر المقر لم يقبل إنكاره لأنه نسب ثبت بحجة شرعية فلم يزل بإنكاره كما لو ثبت ببينة أو بالفراش وسواء كان المقر به غير مكلف أو مكلفا فصدق المقر ويحتمل أن يسقط نسب المكلف باتفاقهما على الرجوع عنه لأنه ثبت باتفاقهما فزال برجوعهما كالمال والأول أصح لأنه نسب ثبت بالإقرار فأشبه نسب الصغير والمجنون وفارق المال لأن النسب يحتاط لإثباته فصل وإن أقرت المرأة بولد ولم تكن ذات زوج ولا نسب قبل إقرارها وإن كانت ذات زوج فهل يقبل إقرارها على روايتين إحداهما لايقبل لأن فيه حملا لنسب الولد على زوجها ولم يقر به أو إلحاقا للعار به بولادة امرأته من غيره والثانية يقبل لأنها شخص أقر بولد يحتمل أن يكون منه فقبل كالرجل وقال أحمد في رواية ابن منصور في امرأة ادعت ولدا فإن كان لها إخوة أو نسب معروف فلا بد من أن يثبت أنه ابنها فإن لم يكن لها دافع فمن يحول بينها وبينه وهذا لأنها متى كانت ذات أهل فالظاهر أنه لا تخفي عليهم ولادتها فمتى ادعت ولدا لا يعرفونه فالظاهر كذبها ويحتمل أن تقبل دعواها مطلقا لأن النسب يحتاط له فأشبهت الرجل فصل ولو قدمت امرأة من بلد الروم ومعها طفل فأقر به رجل لحقه لوجود الإمكان وعدم المنازع لأنه يحتمل أن يكون دخل أرضهم أو دخلت في دار الإسلام ووطئها والنسب يحتاط لإثباته ولهذا لو ولدت امرأة رجل وهو غائب عنها بعد عشرين سنة من غيبته لحقه وإن لم يعرف له قدوم إليها ولا عرف لها خروج من بلدها فصل وإن أقر بنسب صغير لم يكن مقرا بزوجية أمه

Section V05/P119–V05/P120

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا كانت مشهورة بالحرية كان مقرا بزوجيتها لأن أنساب المسلمين وأحوالهم يجب حملها على الصحة وذلك أن تكون ولدته منه في نكاح صحيح ولنا إن الزوجية ليست مقتضى لفظه ولا مضمونه فلم يكن مقرا بها كما لو لم تكن معروفة بالحرية وما ذكروه لا يصح فإن النسب محمول على الصحة وقد يلحق بالوطء في النكاح الفاسد والشبهة فلا يلزمه بحكم إقراره ما لم يتضمنه لفظه ولم يوجبه فصل وإذا كان له أمة لها ثلاثة أولاد لا زوج لها ولا أقر بوطئها فقال أحد هؤلاء ولدي فإقراره صحيح ويطالب بالبيان فإن عين أحدهم ثبت نسبه وحريته ثم يسأل عن كيفية الاستيلاد فإن قال كان بنكاح فعلى الوالد الولاء لأنه قد مسه رق والأم وولداها الآخران رقيق قن وإن قال استولدتها في ملكي فالمقر به حر الأصل لا ولاء عليه والأمة أم ولد ثم إن كان المقر به الأكبر فأخواه أبناء أو ولد حكمهما حكمها في العتق بموت سيدها وإن كان الأوسط فالأكبر قن والأصغر له حكم أمه وإن عين الأصغر فأخواه رقيق قن لأنها ولدتهما قبل الحكم بكونها أم ولد وإن قال هو من وطء شبهة فالوالد حر الأصل وأخواه مملوكان وإن مات قبل أن يبين أخذ ورثته بالبيان ويقوم بيانهم مقام بيانه فإن بينوا النسب ولم يبينوا الاستيلاد ثبت النسب وحرية الولد ولم يثبت للأم ولا لولديها حكم الاستيلاد لأنه يحتمل أن يكون من نكاح أو وطء شبهة وإن لم يبينوا النسب وقالوا لا نعرف ذلك ولا الاستيلاد فإنا نريه القافة فإن ألحقوا به واحدا منهم ألحقناه ولا يثبت حكم الاستيلاد لغيره فإن لم تكن قافة أقرع بينهم فمن وقعت له القرعة عتق وورث وبهذا قال الشافعي إلا أنه لا يورثه بالقرعة ولنا إنه حر استندت حريته إلى إقرار أبيه فورث كما لو عينه في إقراره فصل وإذا كان له أمتان لكل واحدة منهما ولد فقال أحد هذين ولدي من أمتي نظرت فإن كان لكل واحدة منهما زوج يمكن إلحاق الولد به لم يصح إقراره ولحق الولدان بالزوجين وإن كان لإحدهما زوج دون الأخرى انصرف الإقرار إلى ولد الأخرى لأنه الذي يمكن إلحاقه به وإن لم يكن لواحدة منهما زوج ولكن أقر السيد بوطئهما صارتا فراشا ولحق ولداهما به إذا أمكن أن يولد بعد وطئه وإن أمكن في أحداهما دون الأخرى انصرف الإقرار إلى من أمكن لأنه ولده حكما وإن لم يكن أقر بوطر واحدة منهما صح إقراره وتثبت حرية المقر به لأنه أقر بنسب صغير مجهول النسب مع الإمكان لا منازع له فيه فلحقه نسبه ثم يكلف البيان كما لو طلق إحدى نسائه فإذا بين قبل بيانه لأن المرجع في ذلك إليه ثم يطالب ببيان كيفية الولادة فإن قال استولدتها في ملكي فالولد حر الأصل لا ولاء عليه وأمه أم ولد وإن قال في نكاح فعلى الولد الولاء لأنه مسه رق والأمة قن لأنها علقت بمملوك وإن قال بوطء شبهة فالولد حر الأصل والأمة قن لأنها علقت به في غير ملك وإن ادعت الأخرى أنها التي استولدها فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم الاستيلاد فأشبه ما لو ادعت ذلك من غير إقراره بشيء فإذا حلف رقت ورق ولدها وإذا مات ورثه ولده المقر به وإن كانت أمه قد صارت أم ولد عتقت أيضا وإن لم تصر أم ولد عتقت على ولدها إن كان هو الوارث وحده وإن كان معه غيره عتق منها بقدر ما ملك فإن مات قبل أن يبين قام وارثه مقامه في البيان لأنه يقوم مقامه في إلحاق النسب وغيره فإذا بين كان كما لو بين الموروث وإن لم يعلم الوارث كيفية الاستيلاد ففي الأمة وجهان أحدهما يكون رقيقا لأن الرق الأصل فلا يزول بالاحتمال والثاني يعتق لأن الظاهر أنها ولدته في ملكه

Section V05/P120–V05/P121

لأنه أقر بولدها وهي في ملكه وهذا منصوص الشافعي فإن لم يكن وارث أو كان وارث فلم يعين عرض للقافة فإن ألحقت به أحدهما ثبت نسبه وكان حكمه كما عين لو الوارث فإن لم تكن قافة أو كانت فلم تعرف أقرع بين الولدين فيعتق أحدهما بالقرعة لأن للقرغة مدخلا في أثبات الحرية وقياس المذهب ثبوت نسبه وميراثه على ما ذكرنا في التي قبلها وقال الشافعي لا يثبت نسب ولا ميراث واختلفوا في الميراث فقال المزني يوقف نصيب ابن لأننا تيقنا ابنا وارثا ولهم وجه آخر لا يوقف شيء لأنه لا يرجى انكشافه وقال أبو حنيفة يعتق من كل واحد نصفه ويستسعى في باقيه ولا يرثان وقال ابن أبي ليلى مثل ذلك إلا أنه يجعل الميراث بينهما نصفين ويدفعانه في سعايتهما والكلام على قسمة الحرية والسعاية يأتي في العتق إن شاء الله تعالى مسألة قال ( وكذلك إن أقر بدين على أبيه لزمه من الدين بقدر ميراثه ) وجملة ذلك أن الوارث إذا أقر بدين على موروثه قبل إقراره بغير خلاف نعلمه ويتعلق ذلك بتركة الميت كما لو أقر به الميت قبل موته فإن لم يخلف تركة لم يلزم الوارث بشيء لأنه لا يلزمه أداء دينه إذا كان حيا مفلسا فكذلك إذا كان ميتا وإن خلف تركة تعلق الدين بها فإن أحب الوارث تسليمها في الدين لم يلزمه إلا ذلك وإن أحب استخلاصها وإيفاء الدين من ماله فله ذلك ويلزمه أقل الأمرين من قيمتها أو قدر الدين بمنزلة الجاني وإن كان الوارث واحدا فحكمه ما ذكرنا وإن كانا اثنين أو أكثر وثبت الدين بإقرار الميت أو بينة أو إقرار جميع الورثة فكذلك وإذا اختار الورثة أخذ التركة وقضاء الدين من أموالهم فعلى كل واحد منهم من الدين بقدر ميراثه وإن أقر أحدهم لزمه من الدين بقدر ميراثه والخيرة إليه في تسليم نصيبه في الدين أو استخلاصه وإذا قدره من الدين فإن كانا اثنين لزمه النصف وإن كانوا ثلاثة فعليه الثلث وبهذا قال النخعي والحسن والحكم وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور والشافعي في أحد قوليه وقال أصحاب الرأي يلزمه جميع الدين أو جميع ميراثه وهذا آخر قولي الشافعي رجع إليه بعد قوله كقولنا لأن الدين يتعلق بتركته فلا يستحق الوارث منهما إلا ما فضل من الدين لقول الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 ولأنه يقول ما أخذه المنكر أخذخ بغير استحقاق فكان غاصبا فتعلق الدين بما بقي من التركة كما لو غصبه أجنبي ولنا إنه لا يستحق أكثر من نصف الميراث فلا يلزمه أكثر من نصف الدين كما لو أقر أخوه ولأنه إقرار يتعلق بحصته وحصة أخيه فلا يجب عليه إلا ما يخصه كالإقرار بالوصية وإقرار أحد الشريكين على مال الشركة ولأنه حق لو ثبت ببينة أو قول الميت أو إقرار الوارثين لم يلزمه إلا نصفه فلم يلزمه بإقراره أكثر من نصفه كالوصية ولأن شهادته بالدين مع غيره تقبل ولو لزمه أكثر من حصته لم تقبل شهادته لأنه يجر بها إلى نفسه نفعا

Section V05/P121–V05/P122

فصل إذا ادعى رجلان دارا بينهما ملكاها بسبب يوجب الاشتراك مثل أن يقولا ورثناها أو ابتعناها معا فأقر المدعى عليه بنصفها لأحدهما فذلك لهما جميعا لأنهما اعترفا أن الدار لهما مشاعة فإذا غصب غاصب نصفها كان منهما والباقي بينهما وإن لم يكونا ادعيا شيئا يقتضي الاشتراك بل ادعى كل واحد منهما نصفها فأقر لأحدهما بما ادعاه لم يشاركهه الآخر وكان على خصومته لأنهما لم يعترفا بالاشتراك فإن أقر لأحدهما بالكل وكان المقر له يعترف للآخر بالنصف سلمه إليه وكذلك إن كان قد تقدم إقراره بذلك وجب تسليم النصف إليه لأن الذي هي في يده قد اعترف له بها فصار بمنزلته فيثبت لمن يقر له وإن لم يكن اعترف للآخر وادعى جميعها أو ادعى أكثر من النصف فهو له فإن قيل فكيف يملك ولم يدع إلا نصفها قلنا ليس من شرط صحة الإقرار تقدم الدعوى بل متى أقر الإنسان بشيء فصدقه المقر له ثبت وقد وجد التصديق ها هنا في النصف الذي لم يسبق دعواه ويجوز أن يكون اقتصر على دعوى ألف لأن له حجة به أو لأن النصف الآخر قد اعترف له به فادعى النصف الذي لم يعترف به فإن لم يصدقه في إقراره بالنصف الذي لم يدعه ولم يعترف به للآخر ففيه ثلاثة أوجه أحدها يبطل الإقرار لأنه أقر به لمن يدعيه الثاني ينزعه الحاكم من يده حتى يثبت لمدعيه ويؤجره ويحفظ أجرته لمالكه والثالث يدفع إلى مدعيه لعدم المنازع فيه ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كنحو ما ذكرنا مسألة قال ( وكل من قلت القول قوله فلخصمه عليه اليمين ) يعني في هذا الباب وفيما أشبه مثل أن يقول عندي ألف ثم قال وديعة أو قال علي ثم قال وديعة أو قال له عندي رهن فقال المالك وديعة ومثل الشريك والمضارب والمنكر للدعوى وإذا اختلفا في قيمة الرهن أو قدره أو قدر الدين الذي الرهن به وأشباه هذا فكل من قلنا القول قوله فعليه لخصمه اليمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم لو أعطى الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم ولأن اليمين يشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه تقوية لقوله واستظهارا والذي جعل القول قوله كذلك فيجب أن تشرع اليمين في حقه فصل إذا أقر أنه وهب وأقبض الهبة أو رهن وأقبض أو أنه قبض المبيع أو أجر المستأجر ثم أنكر ذلك وسأل إحلاف خصمه ففيه روايتان إحداهما لا يستحلف وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأن دعواه تكذيب لإقراره فلا تسمع كما لو أقر المضارب أنه ربح ألفا ثم قال غلطت ولأن الإقرار أقوى من البينة ولو شهدت البينة فقال احلفوه لي مع بينته لم يستحلف كذا ها هنا والثانية يستحلف وهو قول الشافعي وأبي يوسف لأن العادة جارية بالإقرار قبل القبض فيحتمل صحة ما قاله فينبغي أن يستحلف خصمه لنفي الاحتمال ويفارق الإقرار البينة لوجهين أحدهما أن العادة جارية بالإقرار بالقبض ولم تجر العادة بالشهادة على القبض قبله لأنها تكون شهادة زور والثاني أن إنكاره مع الشهادة طعن في البينة وتكذيب لها وفي الإقرار بخلافه ولم يذكر القاضي في المجرد غير هذا الوجه وكذلك لو أقر أنه اقترض منه ألفا وفبضها أو قال له علي ألف ثم قال ما كنت قبضتها وإنما أقررت لأقبضها فالحكم كذلك ولأنه يمكن أن يكون قد أقر بقبض ذلك بناء على قول وكيله وظنه والشهادة لا تجوز إلا على اليقين فأما إن أقر أنه وهبه طعاما ثم قال ما أقبضتكه وقال المتهب بل أقبضتنيه فالقول قول الواهب لأن الأصل عدم القبض وإن في يد المتهب فقال أقبضتينها بل أخذتها مني بغير إذن فالقول قول الواهب أيضا لأن الأصل عدم الإذن وإن كانت حين الهبة في يد المتهب لم يعتبر إذن الواهب وإنما يعتبر مضي مدة يتأتى القبض فيها وعلى من قلنا القول قوله منهما اليمين لما ذكرنا

Section V05/P122–V05/P124

مسألة قال ( والإقرار بدين في مرض موته كالإقرار في الصحة إذا كان لغير وارث ) هذا ظاهر المذهب وهو قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المريض في مرضه لغير الوارث جائز وحكى أصحابنا رواية أخرى أنه لا يقبل لأنه إقرار في مرض الموت أشبه الإقرار لوارث وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه لا يقبل إقراره بزيادة على الثلث لأنه ممنوع من عطية ذلك لأجنبي كما هو ممنوع من عطية الوارث فلا يصح إقراره بما لا يملك عطيته بخلاف الثلث فما دون ولنا إنه إقرار غير متهم فيه فقبل كالإقرار في الصحة يحققه أن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه وإبراء ذمته وتحري الصدق فكان أولى بالقبول وفارق الإقرار للوارث لأنه متهم فيه على ما سنذكره فصل فإن أقر لأجنبي بدين في مرضه وعليه دين ثبت ببينة أو إقرار في صحته وفي المال سعة لهما سواء وإن ضاق عن قضائهما فظاهر كلام الخرقي أنهما سواء وهو اختيار التميمي وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور وذكر أبو عبيد أنه قول أكثر أهل المدنية لأنهما حقان يجب قضاؤهما من رأس المال لم يختص أحدهما برهن فاستويا كما لو ثبتا ببينة وقال أبو الخطاب لا يحاص غرماء الصحة وقال القاضي هو قياس المذهب لنص أحمد في المفلس أنه إذا أقر وعليه دين ببينة يبدأ بالدين الذي بالبينة وبهذا قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي لأنه أقر بعد تعلق الحق بتركته فوجب أن لا يشارك المقر له من ثبت دينه ببينة كغريم المفلس الذي أقر له بعد الحجر عليه والدليل على تعلق الحق بماله منعه من التبرع ومن الإقرار لوارث ولأنه محجور عليه ولهذا لا تنفذ هباته وتبرعاته فلم يشارك من أقر له قبل الحجر ومن ثبت دينه ببينة كالذي إقر له المفلس وإن أقر لهما جميعا في المرض تساويا ولم يقدم السباق منهما لأنهما استويا في الحال فأشبها غريمي الصحة مسألة قال ( وإن أقر لوارث لم يلزم باقي الورثة قبوله إلا ببينة ) وبهذا قالشريح وأبو هاشم وابن أذينة والنخعي ويحيى الأنصاري وأبو حنيفة وأصحابه وروي ذلك عن القاسم وسالم وقال عطاء والحسن وإسحاق وأبو ثور يقبل لأن من صح الإقرار له في الصحة صح في المرض كالأجنبي وللشافعي قولان كالمذهبين وقال مالك يصح إذا لم يتهم ويبطل إن اتهم كمن له بنت وابن عم فأقر لابنته لم يقبل وإن أقر لابن عمه قبل لانه لا يتهم في أنه يزوي ابنته ويوصل المال إلى ابن عمه وعلة منع الإقرار التهمة فاختص المنع بموضعها ولنا إنه إيصال لماله إلى وارثه بقوله في مرض موته فلم يصح بغير رضى ورثته كهبته ولأنه محجور عليه في حقه فلم يصح إقراره له كالصبي في حق جميع الناس وفارق الأجنبي فإن هبته له تصح وما ذكره مالك لا يصح فإن التهمة لا يمكن اعتبارها بنفسها فوجب اعتبارها بمظنتها وهو الإرث وكذلك اعتبر في الوصية والتبرع وغيرهما فصل وإن أقر لامرأته بمهر مثلها أو دونه صح في قولهم جميعا لا نعلم فيه مخالفا إلا الشعبي قال لا يجوز إقراره لها لأنه إقرار لوارث ولنا إنه إقرار بما تحقق سببه وعلم وجوده ولم تعلم البراءة منه فأشبه ما لو كان عليه دين ببينة فأقر بأنه لم يوفه وكذلك إن اشترى من وارثه شيئا فأقر له بثمن مثله لأن القول قول المقر له في أنه لم يقبض ثمنه وإن أقر لامرأته بدين سوى الصداق لم يقبل وإن أقر لها ثم أبانها ثم رجع تزوجها ومات في مرضه لم يقبل إقراره لها وقال محمد بن الحسن يقبل لأنها صارت إلى حال لا يتهم فيها فأشبه ما لو أقر المريض ثم برأ ولنا إنه إقرار لوارث في مرض الموت أشبه ما لو لم يبنها وفارق ما إذا صح من مرضه لأنه لايكون مرض الموت

Section V05/P124–V05/P125

فصل وإن أقر لوارث فصار غير وارث كرجل أقر لأخيه ولد له ثم ولد له ابن لم يصح إقراره له وإن أقر لغير وارث ثم صار وارثا صح إقراره له نص عليه أحمد في رواية ابن منصور إذا أقر لامرأة بدين في المرض ثم تزوجها جاز إقراره لأنه غير متهم وحكي له قول سفيان في رجل له ابنان فأقر لأحدهما بدين في مرضه ثم مات الابن وترك ابنا والأب حي ثم مات بعد ذلك جاز إقراره فقال أحمد لا يجوز وبهذا قال عثمان البتي وذكر أبو الخطاب رواية أخرى في الصورتين مخالفة لما قلنا وهو قول سفيان الثوري والشافعي لأنه معنى يعتبر فيه عدم الميراث فكان الاعتبار فيه بحالة الموت كالوصية ولنا إنه قول تعتبر فيه التهمة فاعتبرت حال وجوده دون غيره كالشهادة ولأنه إذا أقر لغير وارث ثبت الإقرار وصح لوجوده من أهله خاليا عن تهمة فيثبت الحق به ولم يوجد مسقط له فلا يسقط وإذا أقر لوارث وقع باطلا لاقتران التهمة به فلا يصح بعد ذلك ولأنه إقرار لوارث فلم يصح كما لو استمر الميراث وإن أقر لغير وارث صح واستمر كما لو استمر عدم الإرث أما الوصية فإنها عطية بعد الموت فاعتبرت فيها حالة الموت بخلاف مسألتنا فصل وإن أقر لوارث وأجنبي بطل في حق الوارث وصح في حق الأجنبي ويحتمل أن لا يصح في حق الأجنبي كما لو شهد بشهادة يجر إلى نفسه بعضها بطلت شهادته في الكل وكما لو شهد لابنه وأجنبي وقال أبو حنيفة إن أقر لهما بدين من الشركة فاعترف الأجنبي بالشركة صح الإقرار لهما وإن جحدها صح له دون الوارث ولنا إنه إقرار لوارث وأجنبي فيصح للأجنبي دون الوارث كما لو أقر بلفظين أو كما لو جحد الأجنبي الشركة ويفارق الإقرار الشهادة لقوة الإقرار ولذلك لا تعتبر فيه العدالة ولو أقر بشيء له فيه نفع كالإقرار بنسب موسر قبل ولو أقر بشيء يتضمن دعوى على غيره قبل فيما عليه دون ما له كما لو قال لامرأته خلعتك على ألف بانت بإقراره والقول قولها في نفي العوض وإن قال لعبده اشتريت نفسك مني بألف فكذلك فصل ويصح إقرار المريض بوارث في أحدى الروايتين والأخرى لا يصح لأنه إقرار لوارث فأشبه الإقرار له بمال والأول أصح لأنه عند الإقرار غير وارث ويصح كما لو لم يصر وارثا ويمكن بناء هذه المسألة على ما إذا أقر لغير وارث ثم صار وارثا فمن صحح الإقرار ثم صححه ها هنا ومن أبطله أبطله وإن ملك ابن عمه فأقر في مرضه أنه كان أعتقه في صحته وهو أقرب عصبته عتق ولم يرثه لأن توريثه بوجب إبطال الإقرار بحريته وإذا بطلت الحرية سقط الإرث فصار توريثه سببا إلى إسقاط توريثه فأسقطنا التوريث وحده ويحتمل أن يرث لأنه حين الإقرار غير وارث فصح إقراره له كالمسألة قبلها فصل ويصح الإقرار من المريض بإحبال الأمة لأنه يملك ذلك فملك الإقرار به وكذلك كل ما ملكه ملك الإقرار به فإذا أقر بذلك ثم مات فإن بين أنه استولدها في ملكه فولده حر الأصل وأمه أم ولد تعتق من رأس المال وإن قال من نكاح أو وطء شبهة لم تصر الأمة أم ولد وعتق الولد فإن كان من نكاح فعليه الولاء لأنه مسه رق وإن قال من وطء شبهة لم تصر الأمة أم ولد وأن لم يتبين السبب فالأمة مملوكة لأن الأصل الرق ولم يثبت سبب الحرية ويحتمل أن تصير أم ولد لأن الظاهر استيلادها في ملكه من قبل أنها مملوكته والولادة موجودة ولا ولاء على الولد لأن الأصل عدمه فلا يثبت إلا بدليل فصل في الألفاظ التي يثبت بها الإقرار إذا قال له علي ألف أو قال له لي عليك ألف فقال نعم أو أجل أو صدقت أو لعمري أو أنا مقر به أو بما ادعيت أو بدعواك كان مقرا في جميع ذلك لأن هذه الألفاظ وضعت للتصديق قال الله تعالى فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم الأعراف 44

Section V05/P125–V05/P126

وإن قال أليس لي عندك ألف قال بلى كان إقرارا صحيحا لأن بلى جواب للسؤال بحرف النفي قال الله تعالى ألست بربكم قالوا بلى الأعراف 172 وإن قال لك علي ألف في علمي أو فيما أعلم كان مقرا به لأن ما في علمه لا يحتمل إلا الوجوب وإن قال اقضني الألف الذي لي عليك قال نعم كان مقرا به لأنه تصديق لما ادعاه وإن قال اشتر عبدي هذا أو أعطني عبدي هذا فقال نعم كان إقرارا لما ذكرنا وإن قال لك علي ألف إن شاء الله تعالى كان مقرا به نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي ليس بإقرار لأنه علق إقراره على شرط فلم يصح كما لو علقه على مشيئة زيد ولأن ما علق على مشيئة الله تعالى لا سبيل إلى معرفته ولنا إنه وصل إقراره بما يرفعه كله ولا يصرفه إلى غير الإقرار فلزمه ما أقر به وبطل ما وصله به كما لو قال له علي ألف إلا ألفا ولأنه عقب الإقرار بما لا يفيد حكما آخر ولا يقتضي رفع الحكم أشبه ما لو قال له علي ألف في مشيئة الله تعالى وإن قال له علي ألف إلا أن يشاء الله صح الإقرار لأنه أقر ثم علق رفع الإقرار على أمر لا يعلم فلم يرتفع وإن قال لك علي ألف إن شئت أو إن شاء زيد لم يصح الإقرار وقال القاضي يصح لأنه عقبه بما يرفعه فصح الإقرار دون ما يرفعه كاستثناء الكل وكما لو قال إن شاء الله ولنا إنه علقه على شرط يمكن علمه فلم يصح كما لو قال له علي ألف إن شهد بها فلان وذلك لأن الإقرار إخبار بحق سابق فلا يتعلق على شرط مستقبل ويفارق التعليق على مشيئة الله تعالى فإن مشيئة الله تعالى تذكر في الكلام تبركا وصلة وتفويضا إلى الله تعالى لا للاشتراط كقول الله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم الفتح 27 وقد علم الله أنهم سيدخلون بعير شك ويقول الناس صلينا إن شاء الله تعالى مع تيقنهم صلاتهم بخلاف مشيئة الآدمي الثاني أن ميشئة الله تعالى لا تعلم ألا بوقوع الأمر فلا يمكن وقف الأمر على وجودها ومشيئة الآدمي يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا بتوقف الأمر على وجودها والماضي لا يمكن وقفه فيتعين حمل الأمر ها هنا على المستقبل فيكون وعدا لا إقرارا وإن قال بعتك إن شاء الله تعالى أو زوجتك إن شاء الله تعالى فقال أبو إسحاق بن شاقلا لا أعلم خلافا عنه في أنه إذا قيل له قبلت هذا النكاح فقال نعم ءن شاء الله تعالى إن النكاح وقع به قال أبو حنيفة ولو قال بعتك بألف إن شئت فقال قد شئت وقبلت صح لأن هذا الشرط من موجب العقد ومقتضاه فإن الإيجاب إذا وجد من البائع كان القبول إلى مشيئة المشتري واختياره وإن قال له علي ألفان إن قدم فلان لم يلزمه لأنه لم يقر بها في الحال وما لا يلزمه في الحال لا يصير واجبا عند وجود الشرط وإن قال إن شهد فلان علي لك بألف صدقته لم يكن إقرار لأنه يجوز إن يصدق الكاذب وإن قال إن شهد بها فلان فهو صادق احتمل أن لا يكون إقرارا لأنه علقه على شرط فأشبهت التي قبلها واحتمل أن يكون إقرارا في الحال لأنه يتصور صدقه إذا شهد بها إلا أن تكون ثابتة في الحال وقد أقر بصدقه وإن قال له علي ألف إن شهد بها فلان لم يكن إقرارا لأنه معلق على شرط

Section V05/P126–V05/P127

فصل وإن قال لي عليك ألف فقال أنا أقر لم يكن إقرارا لأنه وعد بالإقرار في المستقبل وإن قال لا أنكر لم يكن إقرارا لأنه لا يلزم من عدم الأنكار الإقرار فإن بينهما قسما آخر وهو السكوت عنهما وإن قال لا أنكر أن تكون محقا لم يكن إقرارا لذلك وإن قال أنا مقر ولم يزد احتمل أن يكون مفرا لأن ذلك عقيب الدعوى فيصرف إليها وكذلك إن قال أقررت قال الله تعالى قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا آل عمران 81 ولم يقولوا أقررنا بذلك ولا زادوا عليه فكان منهم إقرارا واحتمل أن لا يكون مقرا لأنه يحتمل أن يريد غير ذلك مثل أن يريد أنا مقر بالشهادة أو ببطلان دعواك وإن قال لعل أو عسى لم يكن مقرا لأنهما للترجي وإن قال أظن أو أحب أو أقدر لم يكن إقرارا لأن هذه الألفاظ تستعمل للشك وإن قال خذ أو اتزن لم يكن مقرا لأنه يحتمل خذ الجواب أو اتزن شيئا آخر وإن قال خذها أو اتزنها أو هي صحاح ففيه وجهان أحدهما ليس بإقرار لأن الصفة ترجع إلى المدعي ولم يقر بوجوبه ولأنه يحوز أن يعطيه ما يدعيه من غير أن يكون واجبا عليه فأمره بأخذها أولى أن لا يلزم منه الوجوب والثاني يكون إقرارا لأن الضمير يعود إلى ما تقدم وإن قال له علي ألف إذا جاء رأس الشهر أو إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف فقال أصحابنا الأول إقرار والثاني ليس بإقرار وهذا منصوص الشافعي لأنه في الأول بدأ بالإقرار والثاني ليس بإقرار ثم عقبه بما لا يقتضي رفعه لأن قوله إذا جاء رأس الشهر يحتمل أنه أراد المحل فلا يبطل الإقرار بأمر محتمل وفي الثاني بدأ بالشرط فعلق عليه لفظا يصلح للإقرار ويصلح للوعد فلا يكون إقرارا مع الاحتمال ويحتمل أنه لا فرق بينهما لأن تقديم الشرط وتأخيره سواء فيكون فيهما جميعا وجهان كتاب العارية مسألة قال ( والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير ) العارية إباحة الانتفاع بيعن من أعيان المال مشتقة من عار الشيء إذا ذهب وجاء منه قيل للبطال عيار لتردده في بطالته والعرب تقول أعاره وعاره مثل أطاعه وطاعه والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى ويمنعون الماعون الماعون 7 روي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا العواري وفسرها ابن مسعود فقال القدر والميزان والدلو وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة عام حجة الوداع العارية مؤداة والدين مقضي والمنحة مردودة والزعيم غارم أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وروى صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعا يوم حنين فقال أغصبا يا محمد قال بل عارية مضمونة رواه أبو داود وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها لأنه لما جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع ولذلك صحت الوصية بالأعيان والمنافع جميعا إذا ثبت هذا فإن العارية مندوب إليها وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم وقيل هي واجبة للآية ولما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها الحديث قيل يا رسول الله وما حقها قال إعارة دلوها وإطراق فحلها ومنحة لبنها يوم وردها فذم الله تعالى مانع العارية وتوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكر في خبره

Section V05/P127–V05/P128

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك رواه ابن المنذر وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ليس في المال حق سوى الزكاة وفي حديث الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذا فرض الله علي من الصدقة قال الزكاة فقال هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع شيئا أو كما قال والآية فسرها ابن عمر والحسن البصري بالزكاة وكذلك زيد بن أسلم وقال عكرمة إذا جمع ثلاثتها فله الويل إذا سها عن الصلاة وراءى ومنع الماعون ويجب رد العارية إن كانت باقية بغير خلاف ويجب ضمانها إن كانت تالفه تعدى فيها المستعير أو لم يتعد روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة إليه ذهب عطاء الشافعي واسحاق وقال الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن شبرمة هي أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على المستعير غير المغل ضمان ولأنه قبضتها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة قالوا وقول النبي صلى الله عليه وسلم العارية مؤداة يدل على أنها أمانة لقول الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان بل عارية مضمونة وروى الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال على اليد ما أخذت حتى تؤديه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفردا بنفعه من غير استحقاق ولا إذن في الإتلاف فكان مضمونا كالغاصب والمأخوذ على وجه السوم وحديثهم يرويه عمر بن عبد الجبار عن عبيد بن حسان عن عمرو بن شعيب وعمر وعبيد ضعيفان قاله الدارقطني ويحتمل أنه أراد ضمان المنافع والأجزاء وقياسهم منقوض بالمقبوض على وجه السوم فصل وإن شرط نفي الضمان لم يسقط وبهذا قال الشافعي وقال أبو حفص العكبري يسقط قال أبو الخطاب أومأ إليه أحمد وهو قول قتادة والعنبري لأنه لو أذن في إتلافها لم يجب ضمانها فكذلك إذا أسقط عنه ضمانها وقيل بل مذهب قتادة والعنبري أنها لا تضمن إلا أن يشترط ضمانها فيجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان بل عارية مضمونة ولنا إن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط كالمقبوض ببيع صحيح أو فاسد ما اقتضى الأمانة فكذلك كالوديعة والشركة والمضاربة والذي كان من النبي صلى الله عليه وسلم إخبار بصفة العارية وحكمها وفارق ما إذا أذن في الإتلاف فإن الإتلاف فعل يصح الإذن فيه ويسقط حكمه إذ لا ينعقد موجبا للضمان مع الإذن فيه وإسقاط الضمان ها هنا نفي للحكم مع وجود سببه وليس ذلك للمالك ولا يملك الإذن فيه فصل وإذا انتفع بها وردها على صفتها فلا شيء عليه لأن المنافع مأذون في إتلافها فلا يجب عوضها وإن تلف شيء من أجزائها التي لا تذهب بالاستعمال فعليه ضمانها لأن ما ضمن جملته ضمنت أجزاؤه كالمغصوب وأما أجزاؤها التي تذهب بالاستعمال كمخمل المنشفة والقطيفة وخف الثوب يلبسه ففيه وجهان أحدهما يجب ضمانه لأنها أجزاء عين مضمونة فكانت مضمونة كما لو كانت مغصوبة ولأنها أجزاء يجب ضمانها لو تلفت العين قبل استعمالها فتضمن إذا تلفت وحدهما كسائر الأجزاء والثاني لا يضمنها وهو قول الشافعي لأن الإذن في الاستعمال تضمنه فلا يجب ضمانه كالمنافع وكما لو أذن في إتلافها صريحا وفارق إذا تلفت العين قبل استعمالها لأنه لا يمكن تمييزها من العين ولأنه إنما أذن في إتلافها على وجه الانتفاع فإذت تلفت العين قبل ذلك فقد فاتت على غير الوجه الذي أذن فيه فضمنها كما لو أجر العين المستعارة فإنه يضمن منافعها فإذا قلنا لا يضمن الأجزاء فتلفت العين بعد ذهابها بالاستعمال فإنها تقوم حال التلف لأن الأجزاء التالفة تلفت غير مضمونة لكونها مأذونا في إتلافها فلا يجوز تقويمها عليه

Section V05/P128–V05/P130

وإن قلنا يجب ضمان الأجزاء قومت العين قبل تلف أجزائها وإن تلفت العين قبل ذهاب أجزائها ضمنها كلها بأجزائها وكذلك لو تلفت الأجزاء باستعمال غير مأذون فيه مثل أن يعيره ثوبا ليلبسه فحمل فيه ترابا فإنه يضمن نقصه ومنافعه لأنه تلف بتعديه وإن تلف بغير تعد منه ولا استعمال كتلفها لطول الزمان عليها ووقوع نار عليها فينبغي أن يضمن ما تلف منها بالنار ونحوها لأنه تلف لم يتضمنه الاستعمال المأذون فيه فأشبه تلفها بفعل غير مأذون فيه وما تلف بمرور الزمان عليه يكون حكمه حكم ما تلف بالاستعمال لأنه تلف بالإمساك المأذون فيه فأشبه تلفه بالفعل المأذون فيه فصل فأما ولد العارية فلا يجب ضمانه في أحد الوجهين لأنه لم يدخل في الأعارة فلم يدخل في الضمان ولا فائدة للمستعير فيه فأشبه الوديعة ويضمنه في الآخر لأنه ولد عين مضمونة فيضمن كولد المغصوبة والأول أصح فإن ولد المغصوبة لا يضمن إذا لم يكن مغصوبا وكذلك ولد العارية إذا لم يوجد مع أمه وإنما يضمن ولد المغصوبة إذا كان مغصوبا فلا أثر لكونه ولدا لها فصل ويجب ضمان العين بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال فإن لم تكن مثلية ضمنها بقيمتها يوم تلفها إلا على الوجه الذي فيه ضمان الإجزاء التالفة بالانتفاع المأذون فيه فإنه يضمنها بقيمتها قبل تلف أجزائها إن كانت قيمتها حينئذ أكثر وإن كانت أقل ضمنها بقيمتها يوم تلفها على الوجهين جميعا فصل وإن كانت العين باقية فعلى المستعير ردها إلى المعير أو وكيله في قبضها ويبرأ بذلك من ضمانها وإن ردها إلى المكان الذي أخذها منه أو إلى ملك صاحبها لم يبرأ من ضمانها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يبرأ لأنها صارت كالمقبوضة فإن رد العواري في العادة يكون إلى أملاك أربابها فيكون مأذونا فيه من طريق العادة ولنا إنه لم يردها إلى مالكها ولا نائبه فيها فلم يبرأ منها كما لو دفعها إلى أجنبي وما ذكره يبطل بالسارق إذا رد المسروق إلى الحرز ولا تعرف العادة التي ذكرها وإن ردها إلى من جرت عادته بجريان ذلك على يديه كزوجته المتصرفة في ماله ورد الدابة إلى سائسها فقياس المذهب أنه يبرأ قاله القاضي لأن أحمد قال في الوديعة إذا سلمها المودع إلى امرأته لم يضمنها ولأنه مأذون في ذلك عرفا أشبه ما لو أذن فيه نطقا ومؤنة الرد على المستعير لقول النبي صلى الله عليه وسلم العارية مؤداة وقوله على اليد ما أخذت حتى تؤديه وعليه ردها إلى الموضع الذي أخذها منه إلا أن يتفقا على ردها إلى غيره لأن ما وجب رده لزم رده إلى موضعه كالمغصوب فصل ولا تصح العارية ألا من جائز التصرف لأنه تصرف في المال فأشبه التصرف بالبيع وتعقد بكل فعل أو لفظ يدل عليها مثل قوله أعرتك هذا أو يدفع إليه شيئا ويقول أبحتك الانتفاع به أو خذ هذا فانتفع به أو يقول أعرني هذا أو أعطنيه أركبه أو أحمل عليه ويسلمه إليه وأشباه هذا لأنه إباحة للتصرف فصح بالقول والفعل الدال عليه كإباحة الطعام بقوله وتقديمه إلى الضيف فصل وتجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها على الدوام كالدور والعقار والعبيد والجواري والدواب والثياب والحلي للبس والفحل للضراب والكلب للصيد وغير ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعار أدراعا وذكر إعارة دلوها وفحلها وذكر ابن مسعود عارية القدر والميزان فيثبت الحكم في هذه الأشياء وما عداها مقيس عليها إذا كان في معناها ولأن ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع ملك إباحته إذا لم يمنع منه مانع كالثياب ولأنها أعيان تجوز إجارتها فجازت إعارتها كالثياب ويجوز استعارة الدراهم والدنانير وليزن بها فإن استعارها لينفقها فهذا قرض وهذا قول أصحاب الرأي وقيل ليس هذا جائزا ولا تكون العارية في الدنانير وليس له أن يشتري بها شيئا ولنا إن هذا معنى القرض فانعقد القرض به كما لو صرح به فصل ولا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر لأنه لا يجوز تمكينه من استخذامه

Section V05/P130–V05/P131

فلم تجز إعارته لذلك ولا إعارة الصيد لمحرم لأنه لا يجوز له إمساكه ولا إعارة المرأة الجميلة لرجل غير محرمها وإنا كان يخلو بها أو ينظر إليها لأنه لا يؤمن عليها وتجوز إعارتها لامرأة ولذي محرمها ولا تجوز إعارة العين لنفع محرم كإعارة الدار لمن يشرب فيها الخمر أو يبيعه فيها أو يعصي الله تعالى فيها ولا إعارة عبده للزمر أو ليسقيه الخمر أو يحملها له أو يعصرها أو نحو ذلك ويكره أن يستعير والديه لخدمته لأنه يكره له استخدامها فكره استعارتهما لذلك فصل وتجوز الإعارة مطلقا ومقيدا لأنها إباحة فجاز فيها ذلك كإباحة الطعام ولأن الجهالة إنما تؤثر في العقود اللازمة فإذا أعاره شيئا مطلقا أبيح له الانتفاع به في كل ما هو مستعد له من الانتفاع به فإذا أعاره أرضا مطلقا فله أن يزرع فيها ويغرس ويبني ويفعل فيها كل ما هي معدة له من الانتفاع لأن الإذن مطلق وإن أعاره للغراس أو للبناء فله أن يزرع فيها ما شاء لأن ضرره دون ضررهما فكأنه استوفى بعض ما أذن له فيه وإن استعارها للزرع لم يغرس ولم يبن لأن ضررهما أكثر فلم يكن الإذن في القليل إذنا في الكثير وإن استعارها للغراس أو للبناء ملك المأذون فيه منهما دون الآخر لأن ضررهما مختلف فإن ضرر الغراس في باطن الأرض لانتشار العروق فيها وضرر البناء في ظاهرها فلم يكن الإذن في أحدهما إذنا في الآخر وإن استعارها لزرع الحنطة فله زرعها وزرع ما هو أقل ضررا منها كالشعير والباقلا والعدس وله زرع ما ضرره كضرر الحنطة لأن الرضى بزراعة شيء رضى بضرره وما هو دونه وليس له زرع ما هو أكثر ضررا منه كالذرة والدخن والقطن لأن ضرره أكثر وحكم إباحة الانتفاع في العارية كحكم الانتفاع في الإجارة فيما له أن يستوفيه وما يمنع منه وسنذكر في الإجارة تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى وإن أذن له في زرع مرة لم يكن له أن يزرع أكثر منها وإن أذن له في غرس شجرة فانقلعت لم يكن له غرس أخرى وكذلك إن أذن له في وضع خشبة على حائط فانكسرت لم يملك وضع أخرى لأن الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه فصل وإن استعار شيئا فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله لأن وكيله نائب عنه ويده كيده وليس له أن يؤجره لأنه لم يملك المنافع فلا يصح أن يملكها ولا نعلم في هذا خلافا ولا خلاف بينهم أن المستعير لا يملك العين وأجمعوا على أن للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه وليس له أن يعيره غيره وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقالوا في الآخر له ذلك وهو قول أبي حنيفة لأنه يملكه على حسب ما ملكه فجاز كما للمستأجر أن يؤجر قال أصحاب الرأي إذ استعار ثوبا ليلبسه هو فأعطاه غيره فلبسه فهو ضامن وإن لم يسم من يلبسه فلا ضمان عليه وقالمالك إذا لم يعمل بها إلا الذي كان يعمل بها الذي أعيرها فلا ضمان عليه ولنا إن العارية إباحة المنفعة فلم يجز أن يبيحها غيره كإباحة الطعام وفارق الإجارة لأنه ملك الانتفاع على كل وجه فملك أن يملكها وفي العارية لم يملكها إنما ملك استيفاءها على وجه ما أذن له فأشبه من أبيح له أكل الطعام فعلى هذا إن أعار فللمالك الرجوع بأجر المثل وله إن يطالب من شاء منهما لأن الأول سلطه غيره على أخذ مال غيره بغير إذنه والثاني استوفاه بغير إذنه فإن ضمن الأول رجع على الثاني لأن الاستيفاء حصل منه فاستقر الضمان عليه وإن ضمن الثاني لم يرجع على الأول إلا أن يكون الثاني لم يعلم بحقيقة الحال فيحتمل أن يستقر الضمان على الأول لأنه غر الثاني ودفع إليه العين على أنه يستوفي منافعها بغير عوض وإن تلفت العين في يد الثاني استقر الضمان عليه بكل حال لأنه قبضها على أن تكون مضمونة عليه فإن رجع على الأول رجع الأول على الثاني وإن رجع على الثاني لم يرجع على أحد

Section V05/P131–V05/P132

فصل وإن أعاره شيئا وأذن له في إجارته مدة معلومة أو في إعارته مطلقا أو مدة جاز لأن الحق لمالكه فجاز ما أذن فيه وليس له الرجوع بعد عقد الإجارة حتى ينقضي لأن عقد الإجارة لازم وتكون العين مضمونة على المستعير غير مضمونة على المستأجر لأن عقد الإجارة لا يوجب ضمانا وإن أجره بغير إذن لم تصح الإجارة ويكون على المستأجر الضمان وللمالك تضمين من شاء منهما على ما ذكرناه في العارية فصل ويجوز أن يستعير عبدا يرهنه قال ابن المنذر أجمعوا على أن الرجل إذا استعار من الرجل شيئا يرهنه عند رجل على شيء معلوم إلى وقت معلوم فرهن ذلك على ما أذن له فيه أن ذلك جائز وذلك لأنه استعاره ليقضي به حاجته فصح كسائر العواري ولا يعتبر العلم بقدر الدين وجنسه لأن العارية لا يعتبر فيها العلم وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي يعتبر ذلك لأن الضرر يختلف بذلك ولنا إنها عارية لجنس من النفع فلم تعتبر معرفة قدره كعارية الأرض للزرع ولا يصير المعير ضامنا للدين وقال الشافعي في أحد قوليه يصير ضامنا له في رقبة عبده لأن العارية ما يستحق به منفعة العين والمنفعة ها هنا للمالك فدل على أنه ضمان ولنا إنه أعاره ليقضي منها حاجته فلم يكن ضامنا كسائر العواري وإنما يستحق بالعارية النفع المأذون فيه وما عداه من النفع فهو لمالك العين وإن عين المعين قدر الدين الذي يرهنه به وجنسه أو محلا تعين لأن العارية تتعين بالتعيين فإن خالفه في الجنس لم يصح لأنه عقد لم يأذن له فيه أشبه ما لو لم يأذن في رهنه وكذلك إذا أذن له في محل فخالفه فيه لأنه إذا أذن له في رهنه بدين مؤجل فرهنه بحال فقد لا يجد ما يفكه به في الحال وإن أذن في رهنه بحال فرهنه بمؤجل فلم يرض أن يحال بينه وبين عبده إلى أجل لم يصح وإن رهنه بأكثر مما قدره له لم يصح لأن من رضي بقدر من الدين لم يلزم أن يرضى بأكثر منه وإن رهنه بأنقص منه جاز لأن من رضي بعشرة رضي بما دونها عرفا فأشبه من أمر بشراء شيء بثمن فاشتراه بدونه وللمعير مطالبة الراهن بفكاك الرهن في الحال سواء كان بدين حال أو مؤجل لأن للمعير الرجوع في العارية متى شاء وإن حل الدين فلم يفكه الراهن جاز بيعه في الدين لأن ذلك مقتضى الرهن فإذا بيع في الدين أو تلف رجع السيد على الراهن بقيمته لأن العارية تضمن بقيمتها وإن تلف بغير تفريط فلا شيء على المرتهن لأن الرهن لا يضمن من غير تعد وإن استعار عبدا من رجلين فرهنه بمائة ثم قضى خمسين على أن تخرج حصة أحدهما لم تخرج لأنه رهنه بجميع الدين في صفقة فلا ينفك بعضه بقضاء بعض الدين كما لو كان العبد لواحد فصل وتجوز العارية مطلقة ومؤقتة لأنها إباحة فأشبهت إباحة الطعام وللمعير الرجوع في العارية أي وقت شاء سواء كانت مطلقة أو مؤقتة ما لم يأذن في شغله بشيء يتضرر بالرجوع فيه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك إن كانت مؤقتة فليس له الرجوع قبل الوقت وإن لم تؤقت له مدة لزمه تركه مدة ينتفع بها في مثلها لأن المعير قد ملكه المنفعة في مدة وصارت العين في يده بعقد مباح فلم يملك الرجوع فيها بغير اختيار المالك كالعبد الموصى بخدمته والمستأجر ولنا إن المنافع المستقبلة لم تحصل في يده فلم يملكها بالإعارة كما لو لم تحصل العين في يده وأما العبد الموصى بخدمته فللموصي الرجوع ولم يملك الورثة الرجوع لأن التبرع من غيرهم وأما المستأجر فإنه مملوك بعقد معاوضة فيلزم بخلاف مسألتنا ويجوز للمستعير الرد متى شاء بغير خلاف نعلمه لأنه إباحة فكان لمن أبيح له تركه كإباحة الطعام فصل وإذا أطلق المدة في العارية فله أن ينتفع بها ما لم يرجع وإن وقتها فله أن ينتفع ما لم يرجع أو ينقضي الوقت

Section V05/P132–V05/P133

لأنه استباح ذلك بالإذن ففيما عدا محل الإذن يبقى على أصل التحريم فإن كان المعار أرضا لم يكن له أن يغرس ولا يبني ولا يزرع بعد الوقت أو الرجوع فإن فعل شيئا من ذلك لزمه قلع غرسه وبنائه وحكمه حكم الغاصب في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس لعرق ظالم حق وعليه أجر ما استوفاه من نفع الأرض على وجه العدوان ويلزمه القلع وتسوية الحفر ونقص الأرض وسائر أحكام الغصب لأنه عدوان فصل فإن أعاره شيئا لينتفع به انتفاعا يلزم من الرجوع في العارية في أثنائه ضرر بالمستعير لم يجز له الرجوع لأن الرجوع يضر بالمستعير فلم يجز له الإضرار به مثل أن يعيره لوحا يرقع به سفينته فرقعها به ولجج بها في البحر لم يجز الرجوع ما دامت في البحر وله الرجوع قبل دخولها في البحر وبعد الخروج منه لعدم الضرر فيه وإن أعاره أرضا ليدفن فيها فله الرجوع ما لم يدفن فيها فإذا دفن لم يكن له الرجوع ما لم يبل الميت وإن أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه جاز كما تجوز إعارة الأرض للبناء والغراس وله الرجوع ما لم يضعه وبعد وضعه ما لم يبن عليه لأنه لا ضرر فيه فإن بنى عليه لم يجز الرجوع لما في ذلك من هدم البناء وإن قال أنا أدفع إليك أرش ما نقص بالقلع لم يلزم المستعير ذلك لأنه إذا قلعه انقلع ما في ملك المستعير منه ولا يجب على المستعير قلع شيء من ملكه بضمان القيمة وإن انهدم الحائط وزال الخشب عنه أو أزاله المستعير باختياره لم يملك إعادته سواء بنى الحائط بآلته أو بغيرها لأن العارية لا تلزم وإنما امتنع الرجوع قبل انهدامه لما فيه من الضرر بالمستعير بإزالة المأذون في وضعه وقد زال ذلك وكذلك إذا سقط الخشب والحائط بحاله وإن أعاره أرضا لزراعة شيء فله الرجوع ما لم يزرع فإذا زرع لم يملك الرجوع فيها إلى أن ينتهي الزرع فإن بذل له قيمة الزرع ليملكه لم يكن له ذلك نص عليه أحمد لأن له وقتا ينتهي إليه فإن كان مما يحصد قصيلا فله الرجوع في وقت إمكان حصاده لعدم الضرر فيه وإن لم يكن كذلك لم يكن له الرجوع حتى ينتهي وإن أذن له في البناء والغراس فيها فله الرجوع قبل قلعه فإذا غرس وبنى فللمالك الرجوع فيما بين الغراس والبناء لأنه لم يتعلق به ملك المستعير ولا ضرر عليه في الرجوع منه فأشبه ما لم يبن في الأرض شيئا ولم يغرس فيها ثم إن اختار المستعير أخذ بنائه وغراسه فله ذلك لأنه ملكه فملك نقله ويلزمه تسوية الحفر ذكره القاضي لأن المستعير رضي بذلك حيث أعاره مع علمه بأن له قلع غرسه ويحتمل أن عليه تسوية الحفر لأن القلع باختياره فإنه لو امتنع منه لم يجبر عليه فلزمه تسوية الحفر كما لو خرب أرضه التي لم يستعرها وإن أبى القلع فبذل له المعير ما ينقص بالقلع أو قيمة غراسه وبنائه قائما ليأخذه المعير أجبر المستعير عليه لأنه رجوع في العارية من غير إضرار وإن قال المستعير أنا أدفع قيمة الأرض لتصير لي لم يكن له لأن الغراس تابع والأرض أصل ولذلك يتبعها الغراس والبناء في البيع ولا تتبعهما وبهذا كله قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يطالب المستعير بالقلع من غير ضمان إلا أن يكون أعاره مدة معلومة فرجع فيها قبل انقضائها لأن المعير لم يعره فكان عليه القلع كما لو شرط عليه ولنا إنه بنى وغرس بإذن المعير من غير شرط القلع فلم يلزمه القلع من غير ضمان كما لو طالبه قبل انقضاء الوقت وقولهم لم يعره ممنوع فإن الغراس والبناء يراد للتبقية وتقدير المدة ينصرف إلى ابتدائه كأنه قال له لا تغرس بعد هذه المدة فإن امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النقص وامتنع المستعير عن القلع ودفع الأجرة لم يقلع لأن الإعارة تقتضي الانتفاع من غير ضمان والإذن فيما يبقى على الدوام وتضر إزالته رضا بالإبقاء

Section V05/P133–V05/P135

وقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس لعرق ظالم حق يدل بمفهومه على أن العرق الذي ليس بظالم له حق فعند ذلك إن اتفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها ودفع إلى كل واحد منهما قدر حقه فعند ذلك إن اتفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها ودفع إلى كل واحد منهما قدر حقه فيقال كم قيمة الأرض غير مغروسة ولا مبنية فإذا قيل عشرة قلنا وكم تساوي مغروسة ومبينة فإن قالوا خمسة عشر قلنا فللمعير ثلثا الثمن وللمستعير ثلثه وإن امتنعا عن البيع بقيا على حالهما وللمعير دخول أرضه كيف شاء والانتفاع بها بما لا يضر الغراس والبناء ولا ينتفع بهما وليس لصاحب الغراس والبناء الدخول إلا لحاجة مثل السقي وإصلاح الثمرة لأن الإذن في الغراس إذن فيما يعود بصلاحه وأخذ ثماره وسقيه وليس له دخولها للتفرج لأنه قد رجع في الإذن له ولكل واحد منهما بيع ما يختص به من الملك منفردا فيكون للمشتري مثل ما كان لبائعة وقال بعض أصحاب الشافعي ليس للمستعير بيع الشجر لأن ملكه فيه غير مستقر بدليل أن للمعير أخذه متى شاء بقيمته قلنا عدم استقراره لا يمنع بيعه بدليل الشقص المشفوع والصداق قبل الدخول وفي جميع هذه المسائل متى كان المعير شرط على المستعير القلع عند رجوعه ورد العراية غير مشغولة لزمه ذلك لأن المسلمين على شروطهم ولأن العارية مقيدة غير مطلقة فلم تتناول ما عدا المقيد لأن المستعير دخل في العارية راضيا بالتزام الضرر الداخل عليه بالقلع وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه ولا نعلم في هذا خلافا وأما تسوية الحفر الحاصلة بالقلع من الحفر ونحوه حيث اشترط القلع ولم يذكر أصحابنا على المستعير أجرا فيي شيء من هذه المسائل إلا فيما إذا استعار أرضا للزرع فزرعها ثم رجع المعير فيها قبل كمال الزرع فإن عليه أجر مثله من حين رجع المعير لأن الأصل جواز الرجوع وإنما منع من القلع لما فيه من الضرر ففي دفع الأجر جمع بين الحقين فيخرج في سائر المسائل مثل هذا الوجود هذا المعنى فيه ويحتمل أن لا يجب الأجر في شيء من المواضع لأن حكم العارية باق فيه لكونها صارت لازمة للضرر اللاحق بفسخها والإعارة تقتضي الانتفاع بغير عوض فصل وإذا استعار دابة ليركبها جاز لأن إجارتها لذلك جائزة والإعارة أوسع لجوازها فيما لا تجوز إجارته مثل إعارة الكلب للصيد فإن استعارها إلى موضع فجاوزه فقد تعدى وعليه الأجرة للزيادة خاصة فإذا استعارها إلى طبرية فتجاوز إلى القدس فعليه أجر ما بين طبرية والقدس خاصة وإن اختلفا فقال المالك أعرتكها إلى طبرية وقال المستعير أعرتنيها إلى القدس فالقول قول المالك وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك إن كان يشبه ما قال المستعير فالقول قوله وعيه الضمان ولنا إن المالك مدعى عليه فكان القول قوله لقول النبي صلى الله عليه وسلم لكن اليمين على المدعى عليه فصل ومن استعار شيئا فانتفع به ثم ظهر مستحقا فلمالكه أجر مثله يطالب به من شاء منهما فإن ضمن المستعير رجع على المعير بما غرم لأنه غره بذلك وغرمه لأنه دخل على أن لا أجر له وإن رجع على المعير لم يرجع على أحد فإن الضمان استقر عليه قال أحمد في قصار دفع ثوبا إلى غير ضاحبه فلبسه فالضمان على القصار دون اللابس وإن تلف فالقيمة تستقر على المستعير لأنه دخل على العين أن مضمونة عليه فإن ضمن المعير رجع على المستعير وإن ضمن المستعير لم يرجع على أحد لأن الضمان استقر عليه وإن نقصت العين بالاستعمال انبنى على ضمان النقص فإن قلنا هو على المستعير فحكمه حكم القيمة وإن قلنا هو على المعير فهو كالأجر على ما بيناه فصل وإذا حمل السيل بذر رجل من أرضه إلى أرض غيره فنبت فيها لم يجبر على قلعه وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين يجبر على ذلك إذا طالبه رب الأرض به لأن ملكه حصل في ملك غيره بغير إذنه فأشبه ما لو انتشرت إغصان شجرته في هواء ملك جاره

Section V05/P135–V05/P136

ولنا إن قلعه إتلاف للمال على ملكه ولم يوجد منه تفريط ولا يدوم ضرره فلا يجبر على ذلك كما لو حصلت دابته في دار غيره على وجه لا يمكن خروجها إلا بقلع الباب أو قتلها فإننا لا نجبره على قتلها ويفارق أغصان الشجرة فإنه يدوم ضرره ولا يعرف قدر ما يشغل من الهواء فيؤدي أجره إذا ثبت هذا فإنه يقر في الأرض إلى حين حصاده بأجر مثله وقال القاضي ليس عليه أجر لأنه حصل في أرض غيره بغير تفريطه فأشبه ما لو باتت دابته في أرض إنسان بغير تفريطه وهذا بعيد لأن إلزامه تبقية زرع ما أذن فيه في أرضه بغير أجر ولا انتفاع إضرار به وشغل لملكه بغير اختياره من غير عوض فلم يجز كما لو أراد إبقاء بهيمته في دار غيره عاما ويفارق مبيتها لأن ذلك لا يجبر المالك عليه ولا يمنع من إخراجها فإذا تركها اختيارا منه كان راضيا به بخلاف مسألتنا ويكون الزرع لمالم البذر لأنه من عين ماله ويحتمل أن يكون حكم هذا الزرع حكم الزرع الغاصب على ما سنذكره لأنه حصل في أرضه بغير إذنه فأشبه ما لو زرعه مالكه والأول أولى لأن هذا بغير عدوان وقد أمكن جبر حق مالك الأرض بدفع الأجر إليه وإن أحب مالكه قلعه فله ذلك وعليه تسوية الحفر وما نقصت الأرض لأنه أدخل النقص على ملك غيره لاستصلاح ملكه فأشبه المستعير وأما إن كان السيل حمل نوى فنبت شجرا في أرض غيره كالزيتون والنخيل ونحوه فهو لمالك النوى لأنه من نماء ملكه فهو كالزرع ويجبر على قلعه ها هنا لأن ضرره يدوم فأجبر على إزالته كأغصان الشجرة المنتشرة في هواء ملك غير ملكها وإن حمل السيل أرضا بشجرها فنبتت في أرض آخر كما كانت فهي لمالكها يجبر على إزالتها كما ذكرنا وفي كل ذلك إذا ترك صاحب الأرض المنتقلة أو الشجر أو الزرع ذلك لصاحب الأرض التي انتقل إليها لم يلزمه نقله ولا أجر ولا غير ذلك لأنه حصل بغير تفريطه ولا عدوانه وكانت الخيرة إلى أصحاب الأرض المشغولة به إن شاء أخذه لنفسه وإن شاء قلعه فصل وإذا اختلف رب الدابة وراكبها فقال الراكب هي عارية وقال المالك بل اكتريتها فإن كانت الدابة باقية لم يخل من أن يكون الاختلاف عقيب العقد أو بعد مضي مدة لمثلها فإن كانت الدابة باقية لم يخل من أن يكون الاختلاف عقيب العقد أو بعد مضي مدة لمثلها فأن كان عقيب العقد فالقول قول الراكب لأن الأصل عدم عقد الإجارة وبراءة ذمة الراكب منها فيحلف ويرد الدابة إلى مالكها لأنها عارية وكذلك إن ادعى المالك أنها عارية وقال الراكب بل اكتريتها فالقول قول المالك مع يمينه لما ذكرنا وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجر فادعى المالك الإجارة فالقول قوله مع يمينه وحكي ذلك عن مالك وقال أصحاب الرأي القول قول الراكب وهو منصوص الشافعي لأنهما اتفقا على تلف المنافع على ملك الراكب وادعى المالك عوضا لها والأصل عدم وجوبه وبراءة ذمة الراكب منه فكان القول قوله ولنا إنهما اختلفا في كيفية انتقال المنافع إلى ملك الراكب فكان القول قول المالك كما لو اختلفا في عين فقال المالك بعتكها وقال الآخر وهبتنيها ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان في الملك والعقد عليها ولو اختلفا في الأعيان كان القول قول المالك كذا ها هنا وما ذكروه يبطل بهذه المسألة ولأنهما اتفقا على أن المنافع لا تنتقل إلى الراكب إلا بنقل المالك لها فيكون القول قوله في كيفية الانتقال كالأعيان فيحلف المالك ويستحق الأجر وفي قدره وجهان أحدهما أجر المثل لأنهما لو اتفقا على وجوبه واختلفا في قدره وجب أجر المثل فمع الاختلاف في أصله أولى والثاني المسمى لأنه وجب بقول المالك ويمينه فوجب ما حلف عليه كالأصل وإن كان اختلافهما في أثناء المدة فالقول قول الراكب فيما مضى منها

Section V05/P136–V05/P138

والقول قول المستعير فيما بقي لأن ما بقي بمنزلة ما لو اختلفا عقيب العقد وإن ادعى المالك هذه الصورة أنها عارية وادعى الراكب أنها بأجر فالراكب يدعي استحقاق المنافع ويعترف بالأجر للمالك والمالك ينكر ذلك كله فالقول قوله مع يمينه فيحلف ويأخذ بهيمته وإن اختلفا في ذلك بعد تلف البهيمة قبل مضي مدة لمثلها أجر فالقول قول المالك سواء ادعى الإجارة أو الإعارة لأنه إن ادعى الإجارة فهو معترف للراكب ببراءة ذمته من ضمانها فيقبل إقراره على نفسه وإن ادعى الإعارة فهو يدعي قيمتها فالقول قوله لأنهما اختلفا في صفة القبض والأصل فيما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان لقول النبي صلى الله عليه وسلم على اليد ما أخذت حتى تؤديه فإذا حلف المالك استحق القيمة والقول في قدرها قول الراكب مع يمينه لأنه ينكر الزيادة المختلف فيها والأصل عدمها وإن اختلفا في ذلك بعد مضي مدة لمثلها أجر وتلف البهيمة وكان الأجر بقدر قيمتها أو كان ما يدعيه المالك منهما أقل مما يعترف به الراكب فالقول قول المالك بغير يمين سواء ادعى الإجارة أو الإعارة إذ لا فائدة في اليمين على شيء يعترف له به ويحتمل أن لا يأخذه إلا بيمين لأنه يدعي شيئا لا يصدق فيه ويعترف له الراكب بما يدعيه فيحلف على ما يدعيه وإن كان ما يدعيه المالك أكثر مثل إن كانت قيمة البهيمة أكثر من أجرها فادعى المالك أنها عارية لتجب له القيمة وأنكر استحقاق الأجرة وادعى الراكب أنها مكتراة أو كان الكراء أكثر من قيمتها فادعى المالك أنه أجرها ليجب له الكراء وادعى الراكب أنها عارية فالقول قول المالك في الصورتين لما قدمنا فإذا حلف استحق ما حلف عليه ومذهب الشافعي في هذا كله نحو ما ذكرنا فصل وإن قال المالك غصبتها وقال الراكب بل أعرتنيها فإن كان الاختلاف عقيب العقد والدابة قائمة لم يتلف منها شيء فلا معنى للاختلاف ويأخذ المالك بهيمته وكذلك إن كانت الدابة تالفة لأن القيمة على المستعير كوجوبها على الغاصب وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجر فالاختلاف في وجوبه والقول قول المالك وهذا ظاهر قول الشافعي ونقلالمزني عنه أن القول قول الراكب لأن المالك يدعي عليه عوضا الأصل براءة ذمته من اليد أنها بحق فكان القول قول صاحبها ولنا ما قدمنا في الفصل الذي قبل هذا بل هذا أولى لأنهما ثم اتفقا على أن المنافع ملك للراكب وههنا لم يتفقا على ذلك فإن المالك ينكر انتقال الملك فيها إلى الراكب والراكب يدعيه والقول قول المنكر لأن الأصل عدم الانتقال فيحلف ويستحق الأجر وإن قال المالك غصبتها وقال الراكب أجرتنيها فالاختلاف ها هنا في وجوب القمية لأن الأجر يجب في الموضعين إلا أن يختلف المسمى وأجر المثل والقول قول المالك مع يمينه فإن كانت الدابة تالفة عقيب أخذها حلف وأخذ قيمتها وإن كانت قد بقيت مدة لمثلها أجر والمسمى بقدر أجر المثل أخذه المالك لاتفاقهما على استحقاقه وكذلك إن كان أجر المثل دون المسمى وفي اليمين وجهان وإن كان زائدا على المسمى لم يستحقه إلا بيمين وجها واحدا كتاب الغصب الغصب هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء 29 وقوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون البقرة 188 وقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا المائدة 38 والسرقة نوع من الغصب وأما السنة فروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا رواه مسلم وغيره وعن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه من سبع أرضين متفق عليه

Section V05/P138–V05/P139

وروى أبو حرة الرقاشي عن عمه وعمرو بن يثربي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه رواه أبو إسحاق الجوزجاني وأجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة وإن اختلفوا في فروع منه إذا ثبت هذا فمن غصب شيئا لزمه رده ما كان باقيا بغير خلاف نعلمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم على اليد ما أخذت حتى تؤديه ولأن حق المغصوب منه معلق بعين ماله وماليته ولا يتحقق ذلك إلا برده فإن تلف في يده لزمه بدله لقول الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة 194 ولأنه لما تعذر رد العين وجب رد ما يقوم مقامها في المالية ثم ينظر فإن كان مما تتماثل أجزاؤه وتتفاوت صفاته كالحبوب والأدهان وجب مثله لأن المثل أقرب إليه من القيمة وهو مماثل له من طريق الصورة والمشاهدة والمعنى والقيمة مماثلة عن طريق الظن والاجتهاد فكان ما طريقه المشاهدة مقدما كما يقدم النص على القياس لكون النص طريقه الإدراك بالسماع والقياس طريقه الظن والاجتهاد وإن كان غير متقارب الصفات وهو ما عدا المكيل والموزون وجبت قيمته في قول الجماعة وحكي عن العنبري يجب في كل شيء مثله لما روت جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما رأيت صانعا مثل حفصة صنعت طعاما فبعثت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذني الأفكل فكسرت الإناء فقلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت فقال إناء مثل الإناء وطعام مثل الطعام رواه أبو داود وعن أنس أن إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم كسرت قصعة الأخرى فدفع النبي صلى الله عليه وسلم قصعة الكاسرة إلى رسول صاحبة المكسورة وحبس المكسورة في بيته رواه أبو داود مطولا ورواه الترمذي ونحوه وقال حديث حسن صحيح ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بعيرا ورد مثله ولنا ما روى عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل متفق عليه فأمر بالتقويم في حصة الشريك لأنها متلفة بالعتق ولم يأمر بالمثل ولأن هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها وتتباين صفاتها فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها فكانت أولى وأما الخبر فمحمول على أنه جوز ذلك بالتراضي وقد علم أنها ترضى بذلك فصل وما تتماثل أجزاأه وتتقارب صفاته كالدراهم والدنانير والحبوب والأدهان ضمن بمثله بغير خلاف قال ابن عبد البر كل مطعوم من مأكول أو مشروب فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله ولا قيمته وأما سائر المكيل والموزون فظاهر كلام أحمد أنه يضمن بمثله أيضا فإنه قال في رواية حرب وإبراهيم بن هانىء ما كان من الدراهم والدنانير وما يكال ويوزن فعليه مثله دون القيمة فظاهر هذا وجوب المثل في كل مكيل وموزون إلا أن يكون مما فيه صناعة كمعمول الحديد والنحاس والرصاص من الأواني والآلات ونحوها والحلي من الذهب والفضة وشبهه والمنسوج من الحرير والكتان والقطن والصوف والشعر والمغزول من ذلك فإنه يضمن بقيمته لأن الصناعة تؤثر في قيمته وهي مختلفة فالقيمة فيه أحصر فأشبه غير الكيل والموزون

Section V05/P139–V05/P140

وذكر القاضي أن النقرة والسبيكة من الأثمان والعنب والرطب والكمثرى يضمن بقيمته وظاهر كلام أحمد يدل على ما قلنا وإنما خرج منه ما فيه الصناعة لما ذكرنا ويحتمل أن يضمن النقرة بقيمتها لتعذر وجود مثلها إلا بتكسير الدراهم المضروبة وسببكها وفيه إتلاف فعلى هذا إن كان المضمون بقيمته من جنس الأثمان وجبت قيمته من غالب نقد البلد فإن كانت من غير جنسه وجبت بكل حال وإن كانت من جنسه فكانت موزونة وجبت قيمته وإن كانت أقل أو أكثر قوم بغير جنسه لئلا يؤدي إلى الربا وقال القاضي إن كانت فيه صناعة مباحة فزادت قيمته من أجلها جاز تقويمه بجنسه لأن ذلك قيمته والصناعة لها قيمة وكذلك لو كسر الحلي وجب أرش كسره ويخالف البيع لأن الصناعة لا يقابلها العوض في العقود ويقابلها في الإتلاف ألا ترى أنها لا تنفرد بالعقد وتنفرد بضمانها بالإتلاف قال بعض أصحاب الشافعي هذا مذهب الشافعي وذكر بعضهم مثل القول الأول وهو الذي ذكره أبو الخطاب لأن القيمة مأخوذة على سبيل العوض فالزيادة فيه ربا كالبيع والنقص وقد قال أحمد في رواية ابن منصور إذا كسر الحلي يصلحه أحب إلي قال القاضي وهذا محمول على أنهما تراضيا بذلك لا أنه على طريق الوجوب وهذا فيما إذا كانت الصناعة مباحة فإن كانت محرمة كالأواني وحلي الرجال لم يجز ضمانه بأكثر من وزنه وجها واحدا لأن الصناعة لا قيمة لها شرعا فهي كالمعدومة مسألة قال ( ومن غصب أرضا فغرسها أخذ بقلع غرسه وأجرتها إلى وقت تسليمها ومقدار نقصانها إن كان نقصها الغرس ) الكلام في هذه المسألة في فصول أحدها أنه يتصور غصب العقار من الأراضي والدور ويجب ضمانها على غاصبها هذا ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عن أصحابه وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وروى ابن منصور عن أحمد فيمن غصب أرضا فزرعها ثم أصابها غرق من الغاصب غرم قيمة الأرض وإن كان شيئا من السماء لم يكن عليه شيء وظاهر هذا أنها لا تضمن بالغصب وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يتصور غصبها ولا تضمن بالغصب وإن أتلفها ضمنها بالإتلاف لأنه لا يوجد فيها النقل والتحريم فلم يضمنها كما لو حال بينه وبين متاعه فتلف المتاع لأن الغصب إثبات اليد على المال عدوانا على وجه تزول به يد المالك ولا يمكن ذلك في العقار ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين رواه البخاري عن عائشة وفي لفظ من غصب شبرا من الأرض فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغصب ويظلم فيه ولأن ما ضمن في البيع وجب ضمانه في الغصب كالمنقول ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع وأما إذا حال بينه وبين متاعه فما استولى على ماله فنظيره ها هنا أن يحبس المالك ولا يستولي عل داره وأما ما تلف من الأرض بفعله أو سبب فعله كهدم حيطانها وتغريقها وكشط ترابها وإلقاء الحجارة فيها أو نقص يحصل بغرسه أو بنائه فيضمنه بغير اختلاف في المذهب ولا بين العلماء لأن هذا إتلاف والعقار يضمن بالإتلاف من غير اختلاف ولا يحصل الغصب من غير استيلاء فلو دخل أرض إنسان أو داره لم يضمنها بدخوله سواء دخلها بإذنه أو غير إذنه وسواء كان صاحبها فيها أو لم يكن وقال بعض أصحاب الشافعي إن دخلها بغير إذنه ولم يكن صاحبها فيها ضمنها سواء قصد ذلك أو ظن أنها داره أذن له في دخولها لأن يد الداخل ثبتت عليها بذلك فيصير غاصبا فإن الغصب إثبات اليد العادية وهذا قد ثبتت يده بدليل أنهما لو تنازعا في الدار ولا بينة لهما حكم بها لمن هو فيها دون الخارج منها

Section V05/P140–V05/P141

ولنا إنه غير مستول عليها فلم يضمنها كما لو دخلها بإذنه أو دخل صحراءه ولأنه إنما يضمن بالغصب ما يضمنه في العارية وهذا لا تثبت به العراية ولا يجب به الضمان فيها فكذلك لا يثبت به العصب إذا كان بغير إذن الفصل الثاني أنه إذا غرس في أرض غيره بغير إذنه أو بنى فيها فطلب صاحب الأرض قلع غراسه أو بنائه لزم الغاصب ذلك ولا نعلم فيه خلافا لما روى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس لعرق ظالم حق رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وروى أبو داود وأبو عبيد في الحديث أنه قال فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلا غرس في أرض رجل من الأنصار من بني بياضة فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للرجل بأرضه وقضى للآخر أن ينزع نخله قال فلقد رأيتها تضرب في أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عم ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه فلزمه تفريغه كما لو جعل فيه قماشا وإذا قلعها لزمه تسوية الحفر ورد الأرض إلى ما كانت عليه لأنه ضرر حصل بفعله في ملك غيره فلزمته إزالته وإن أراد صاحب الأرض أخذ الشجر والبناء بغير عوض لم يكن له ذلك لأنه عين مال الغاصب فلم يملك صاحب الأرض أخذه كما لو وضع فيها أثاثا أو حيوانا وإن طلب أخذه بقيمته وأبى مالكه إلا القلع فله القلع لأنه ملكه فملك نقله ولا يجبر على أخذ القيمة لأنها معاوضة فلم يجبر عليها وإن اتفق على تعويضه عنه بالقيمة أو غيرها جاز لأن الحق لهما فجاز ما اتفقا عليه وإن وهب الغاصب الغراس والبناء لمالك الأرض ليتخلص من قلعه وقبله المالك جاز وإن أبى قبوله وكان في قلعه غرض صحيح لم يجبر على قبوله لما تقدم وإن لم يكن في قلعه غرض صحيح احتمل أن يجبر على قبوله لأن فيه رفع الخصومة من غير غرض يفوت ويحتمل أن لا يجبر لأن فيه إجبارا على عقد يعتبر الرضى فيه وإن غصب أرضا وغراسا من رجل واحد فغرسه فيه فالكل لمالك الأرض فإن طالبه المالك بقلعه وفي قلعه غرض أجبر على قلعه لأنه فوت عليه غرضا مقصودا بالأرض فأخذ بإعادتها إلى ما كانت وعليه تسوية الأرض ونقصها ونقص الغراس لما ذكرنا وإن لم يكن في قلعه غرض لم يجبر على قلعه لأنه سفه فلا يجبر على السفه وقيل يجبر لأن المالك محكم في ملكه والغاصب غير محكم فإن أراد الغاصب قلعه ومنعه الحاكم لم يملك قلعه لأن الجميع ملك للمغصوب منه فلم يملك غيره التصرف فيه بغير إذنه فصل والحكم فيما إذا بنى في الأرض كالحكم فيما إذا غرس فيها في هذا التفصيل جميعه ألا أنه يتخرج أنه إذا بذل مالك الأرض القمية لصاحب البناء أجبر على قبولها إذا لم يكن في النقض غرض صحيح لأن النقص سفه والأول أصح لما روى الخلال بإسناده عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى في رباع قوم بإذنهم فله القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض ولأن ذلك معاوضة فلا يجبر عليها وإذا كانت الآلة من تراب الأرض وأحجارها فليس للغاصب النقض على ما ذكرنا في الغرس فصل وإن غصب دارا فجحصصها وزوقها وطالبه ربها بإزالته وفي إزالته غرض لزمه إزالته وأرش نقصها إن نقصت وإن لم يكن فيه غرض فوهبه الغاصب لمالكها أحبر على قبوله لأن ذلك صفة في الدار فأشبه قصارة الثوب ويحتمل أن لا يجبر لأنها أعيان متميزة فصارت بمنزلة القماش وإن طلب الغاصب قلعه ومنعه المالك

Questions