İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل وإن لقيه الشفيع في غير بلده فلم يطالبه وقال إنما تركت المطالبة لأطالبه في البلد الذي فيه البيع أو المبيع أو لأخذ الشقص في موضع الشفعة سقطت شفعته لأن ذلك ليس بعذر في ترك المطالبة فإنها لا تقف على تسليم الشقص ولا على حضور البلد الذي هو فيه وإن قال نسيت فلم أذكر المطالبة أو نسيت البيع سقطت شفعته لأنها خيار على الفور فإذا أخره نسيانا بطل كالرد بالعيب وكما لو أمكنت المعتقة زوجها من وطئها نسيانا ويحتمل أن لا تسقط المطالبة لأنه تركها لعذر فأشبه ما لو تركها لعدم علمه بها وإن تركها جهلا باستحقاقه لها بطلت كالرد بالعيب فصل وإذا قال الشفيع للمشتري بعني ما اشتريت أو قاسمني بطلت شفعته لأنه لا يدل على رضاه بشرائه وتركه للشفعة وإن قال صالحني على مال سقطت أيضا وقال القاضي لا تسقط لأنه لم يرض بإسقاطها وإنما رضي بالمعاوضة عنها ولم تثبت المعاوضة فبقيت الشفعة ولنا إنه رضي بتركها وطلب عوضها فيثبت الترك المرضي به ولم يثبت العوض كما لو قال بعني فلم يبعه ولأن ترك المطالبة بها كان في سقوطها فمع طلب عوضها أولى ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فإن صالحه عنها بعوض لم يصح وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يصح لأنه عوض عن إزالة ملك فجاز أخذ العوض عنه كتمليك امرأة أمرها ولنا إنه خيار لا يسقط إلى مال فلم يجز أخذ العوض عنه كخيار الشرط ويبطل ما قاله بخيار الشرط وأما الخلع فهو معاوضة عما ملكه بعوض وها هنا بخلافه فصل وإن قال آخذ نصف الشقص سقطت شفعته وبهذا قال محمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعي وقالأبو يوسف لا تسقط لأن طلبه ببعضها طلب بجميعها لكونها لا تتبعض ولا يجوز أخذ بعضها ولنا إنه تارك لطلب بعضها فيسقط ويسقط باقيها لأنها لا تتبعض ولا يصح ما ذكره فإن طلب بعضها ليس بطلب لجميعها وما لا يتبعض لا يثبت حتى يثبت السبب في جميعه كالنكاح ويخالف السقوط فإن الجميع يسقط بوجود السبب في بعضه كالطلاق والعتاق فصل وإن أخذ الشقص بثمن مغصوب ففيه وجهان أحدهما لا تسقط شفعته لأنه بالعقد استحق الشقص بمثل ثمنه في الذمة فإذا عينه فيما لا يملكه سقط التعيين وبقي الاستحقاق في الذمة فأشبه ما لو أخر الثمن أو كما لو اشترى شيئا آخر ونقد فيه ثمنا مغصوبا والثاني تسقط شفعته لأن أخذه للشقص بما لا يصح أخذه به ترك له وإعراض عنه فتسقط الشفعة كما لو ترك الطلب بها فصل ومن وجبت له الشفعة فباع نصيبه عالما بذلك سقطت شفعته لأنه لم يبق له ملك يستحق به ولأن الشفعة ثبتت له لإزالة الضرر الحاصل بالشركة عنه وقد زال ذلك ببيعه وإن باع بعضه ففيه وجهان أحدهما تسقط أيضا لأنها استحقت بجميعه فإذا باع بعضه سقط ما تعلق بذلك من استحقاق الشفعة فيسقط باقيها لأنها لا تتبعض فيسقط جميعها بسقوط بعضها كالنكاح والرق وكما لو عفي عن بعضها والثاني لا تسقط لأنه قد بقي من نصيبه مما يستحق به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد فكذلك إذا بقي وللمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني في المسألة الأولى وفي الثانية إذا قلنا تسقط شفعة البائع الأول لأنه شريك في المبيع وإن قلنا لا تسقط شفعة البائع فله أخذ الشقص من المشتري الأول وهل للمشتري الأول شفعة على المشتري الثاني فيه وجهان أحدهما له الشفعة لأنه شريك فإن الملك ثابت له يملك التصرف فيه بجميع التصرفات ويستحق نماءه وفوائده واستحقاق الشفعة به من فوائده والثاني لا شفعة له لأن ملكه يوجد بها فلا تؤخذ الشفعة به ولأن ملكه متزلزل ضعيف فلا يستحق الشفعة به لضعفه والأول أقيس فإن استحقاق أخذه منه لا يمنع أن يستحق به الشفعة كالصداق قبل الدخول والشقص الموهوب للولد فعلى هذا للمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني
سواء أخذ منه المبيع بالشفعة أو لم يأخذ وللبائع الثاني إذا باع بعض الشقص الأخذ من المشتري الأول في أحد الوجهين فأما إن باع الشفيع ملكه قبل علمه بالبيع الأول فقال القاضي تسقط شفعته إيضا لما ذكرناه ولأنه زال السبب الذي استحق به الشفعة وهو الملك الذي يخاف الضرر بسببه فصار كمن اشترى معيبا فلم يعلم عيبه حتى زال أو حتى باعه فعلى هذا حكمه حكم ما لو باع مع علمه سواء فيما إذا باع جميعه أو بعضه وقالأبو الخطاب لا تسقط شفعته لأنها تثبت له ولم يوجد منه رضى بتركها ولا يدل على إسقاطها والأصل بقاؤها فتبقى وفارق ما إذا علم فإن بيعه دليل على رضاه بتركها فعلى هذا للبائع الثاني أخذ الشقص من المشتري الأول فإن عفي عنه فللمشتري الأول أخذ الشقص من المشتري الثاني وإن أخذ منه فهل للمشتري الأول الأخذ من الثاني على وجهين مسألة قال ( ومن كان غائبا وعلم بالبيع في وقت قدومه فله الشفعة وإن طالت غيبته ) وجملة ذلك أن الغائب له شفعة في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن شريح والحسن وعطاء وبه قال مالك والليث والثوري والأوزاعي والشافعي والعنبري وأصحاب الرأي وروي عن النخعي ليس للغائب شفعة وبه قال الحارث العكلي والبتي إلا للغائب القريب لأن إثبات الشفعة له يضر بالمشتري ويمنع من استقرار ملكه وتصرفه على حسب اختياره خوفا من أخذه فلم يثبت ذلك كثبوته للحاضر على التراخي ولنا عموم قوله عليه السلام الشفعة فيما لم يقسم وسائر الأحاديث ولأن الشفعة حق مالي وجد سببه بالنسبة إلى الغائب فيثبت له كالإرث ولأنه شريك لم يعلم بالبيع فتثبت له الشفعة عند علمه كالحاضر إذا كتم عنه البيع والغائب غيبة قريبة وضرر المشتري يندفع بإيجاب القيمة له كما في الصورة المذكورة إذا ثبت هذا إنه إذا لم يعلم بالبيع إلا وقت قدومه فله المطالبة وإن طالت غيبته لأن هذا الخيار يثبت لإزالة الضرر عن المال فتراخي الزمان قبل العلم به لا يسقطه كالرد بالعيب ومتى علم فحكمه في المطالبة حكم الحاضر في أنه إن طالب على الفور استحق وإلا بطلت شفعته وحكم المريض والمحبوس وسائر من لم يعلم البيع لعذر حكم الغائب لما ذكرنا مسألة قال ( وإن علم وهو في السفر فلم يشهد على مطالبته فلا شفعة له ) ظاهر هذا أنه متى علم الغائب بالبيع وقدر على الإشهاد وعلى المطالبة فلم يفعل أن شفعته تسقط سواء قدر على التوكيل أو عجز عنه أو سار عقيب العلم أو أقام وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب في الغائب له الشفعة إذا بلغه أشهد وإلا فليس له شيء وهو وجه للشافعي والوجه الآخر لا يحتاج إلى الإشهاد لأنه ثبت عذره فالظاهر أنه ترك الشفعة لذلك فقبل قوله فيه ولنا إنه قد يترك الطلب للعذر وقد يترك لغيره وقد يسير لطلب الشفعة وقد يسير لغيره وقد قدر أن يبين ذلك بالإشهاد فإذا لم يفعل سقطت شفعته كتارك الطلب مع حضوره وقال القاضي إن سار عقيب علمه إلى البلد الذي فيه المشتري من غير إشهاد احتمل أن لا تبطل شفعته لأن ظاهر سيره أنه للطلب وهو قول أصحاب الرأي والعنبري وقول للشافعي وقال أصحاب الرأي له من الأجل بعد العلم قدر السير فإن مضى الأجل قبل أن يبعث أو يطلب بطلت شفعته وقال العنبري له مسافة الطريق ذاهبا وجائيا لأن عذره في ترك الطلب ظاهر فلم يحتج معه إلى الشهادة وقد ذكرنا وجه قول الخرقي ولا خلاف في أنه إذا عجز عن الإشهاد في سفره أن شفعته لا تسقط لأنه معذور في تركه فأشبه ما لو ترك الطلب لعذره أو لعدم العلم ومتى قدر على الإشهاد فأخره كان كتأخير الطلب للشفعة إن كان لعذر لم تسقط الشفعة وإن كان لغير عذر سقطت لأن الإشهاد قائم مقام الطلب ونائب عنه فيعتبر له ما يعتبر للطلب
ومن لم يقدر إلا على إشهاد من لا تقبل شهادته كالصبي والمرأة والفاسق فترك الإشهاد لم تسقط شفعته بتركه لأن قولهم غير معتبر فلم يلزم إرشادهم كالأطفال والمجانين وإن لم يجد من يشهده إلا من لا يقدم معه إلى موضع المطالبة فلم يشهد فالأولى أن شفعته لا تبطل لأن إشهاده لا يفيد فأشبه إشهاد من لا تقبل شهادته فإنه لم يجد إلا مستوري الحال فلم يشهدهما احتمل أن تبطل شفعته لأن شهادتهما يمكن إثباتها بالتزكية فأشبها العدلين ويحتمل أن لا تبطل لأنه يحتاج في إثبات شهادتهما إلى كلفة كثيرة وقد لا يقدر على ذلك فلا تقبل شهادتهما وإن أشهدهما لم تبطل شفعته سواء قبلت شهادتهما أو لم تقبل لأنه لم يمكنه أكثر من ذلك فأشبه العاجز عن الإشهاد كذلك إن لم يقدر إلا على إشهاد واحد فأشهده أو ترك إشهاده فصل أذا أشهد على المطالبة ثم أخر القدوم مع إمكانه فظاهر كلام الخرقي أن الشفعة بحالها وقال القاضي تبطل شفعته وإن لم يقدر على المسير وقدر على التوكيل في طلبها فلم يفعل بطلت أيضا لأنه تارك للطلب بها مع قدرته عليه فسقطت كالحاضر أو كما لو لم يشهد وهذا مذهب الشافعي ألا أن لهم فيما إذا قدر على التوكيل فلم يفعل وجهين أحدهما لا تسقط شفعته لأن له غرضا بأن يطالب لنفسه لكونه أقوم بذلك أو يخالف الضرر من جهة وكيله بأن يقر عليه برشوة أو غير ذلك فيلزمه إقراره فكان معذورا ولنا إن عليه في السفر ضررا الالتزامه كلفته وقد يكون له حوائج وتجارة ينقطع عنها وتضيع بغيبته والتوكيل إن كان بجعل لزمه غرم وإن كان بغير جعل لزمته منة وبخاف الضرر من جهته فاكتفى بالإشهاد فأما إن ترك السفر لعجزه عنه أو لضرر يلحقه فيه لم تبطل شفعته وجها واحدا لأنه معذور فأشبه من لم يعلم وإن لم يقدر على الإشهاد وأمكنه السفر أو التوكيل فلم يفعل بطلت شفعته لأنه تارك للطلب بها مع إمكانه من غير وجود ما يقوم مقام الطلب فسقطت كما لو كان حاضرا فصل ومن كان مريضا مرضا لا يمنع المطالبة كالصداع اليسير والألم القليل فهو كالصحيح وإن كان مرضا يمنع المطالبة كالحمى وأشباهها فهو كالغائب في الإشهاد والتوكيل وأما المحبوس فإن كان محبوسا ظلما أو بدين لا يمكنه أداؤه فهو كالمريض فإن كان محبوسا بحق يلزمه أداؤه وهو قادر عليه فهو كالمطلق إن لم يبادر إلى المطالبة ولم يوكل فيها بطلت شفعته لأنه تركها مع القدرة عليها مسألة قال ( فإن لم يعلم حتى تبايع ذلك ثلاثة أو أكثر كان له أن يطالب بالشفعة من شاء منهم فإن طالب الأول رجع الثاني بالثمن الذي أخذ منه والثالث على الثاني ) وجملة ذلك أن المشتري إذا تصرف في المبيع قبل أخذ الشفيع أو قبل علمه فتصرفه صحيح لأنه ملكه وصح قبضه له ولم يبق إلا أن الشفيع ملك أن يتملكه عليه وذلك لا يمنع من تصرفه كما لو كان أحد العوضين في البيع معيبا لم يمنع التصرف في الآخر والموهوب له يجوز له التصرف في الهبة وإن كان الواهب ممن له الرجوع فيه فمتى تصرف فيه تصرفا صحيحا تجب به الشفعة مثل أن باعه فالشفيع بالخيار إن شاء فسخ البيع الثاني وأخذه بالبيع الأول بثمنه لأن الشفعة وجبت له قبل تصرف المشتري وإن شاء أمضى تصرفه وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني لأنه شفيع في العقدين فكان له الأخذ بما شاء منهما وإن تبايع ذلك ثلاثة فله أن يأخذ المبيع بالبيع الأول وبنفسخ العقدان الأخيران وله أن يأخذه بالثاني وينفسخ الثالث وحده وله أن يأخذه بالثالث
ولا ينفسخ شيء من العقود فإذا أخذه من الثالث دفع إليه الثمن الذي اشترى به ولم يرجع على أحد لأنه وصل إليه الثمن الذي اشترى به وإن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به ورجع الثالث عليه بما أعطاه لأنه قد انفسخ عقده وأخذ الشقص منه فيرجع بثمنه على الثاني لأنه أخذه منه وإن أخذ بالبيع الأول دفع إلى المشتري الأول الثمن الذي اشترى به وانفسخ عقد الآخرين ورجع الثالث على الثاني بما أعطاه ورجع الثاني على الأول بما أعطاه فإذا كان الأول اشتراه بعشرة ثم اشتراه الثاني بعشرين ثم اشتراه الثالث بثلاثين فأخذه بالبيع الأول دفع إلى الأول عشرة وأخذ الثاني من الأول عشرين وأخذ الثالث من الثاني ثلاثين لأن الشقص إنما يؤخذ من الثالث لكونه في يده وقد انفسخ عقده فيرجع بثمنه الذي ورثه ولا نعلم في هذا خلافا وبه يقول مالك والشافعي والعنبري وأصحاب الرأي وما كان في معنى البيع مما تجب به الشفعة فهو كالبيع فيما ذكرنا وإن كان مما لا تجب به الشفعة فهو كالهبة والوقف على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فصل وإن تصرف المشتري في الشقص بما لا تجب به الشفعة كالوقف والهبة والرهن وجعله مسجدا فقال أبو بكر للشفيع فسخ ذلك التصرف ويأخذه بالثمن الذي وقع البيع به وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي لأن الشفيع ملك فسخ البيع الثاني والثالث مع إمكان الأخذ بهما فبأن يملك فسخ عقد لا يمكنه الأخذ به أولى ولأن حق الشفيع أسبق وجنبته أقوى فلم يملك المشتري أن يتصرف تصرفا يبطل حقه ولا يمتنع أن يبطل الوقف لأجل حق الغير كما لو وقف المريض أملاكه وعليه دين فإنه إذا مات رد الوقف إلى الغرماء والورثة فيما زاد على ثلثه بل لهم إبطال العتق فالوقف أولى وقال القاضي المنصوص عن أحمد في رواية علي بن سعيد وبكر بن محمد إسقاط الشفعة فيما إذا تصرف بالوقف والهبة وحكي ذلك عن الماسرجسي في الوقف لأن الشفعة إنما تثبت في المملوك وقد خرج هذا عن كونه مملوكا وقال ابن أبي موسى من اشترى دارا فجعلها مسجدا فقد استهلكها ولا شفعة فيها ولأن في الشفعة ها هنا إضرارا بالموهوب له والموقوف عليه لأن ملكه يزول عنه بغير عوض ولا يزال الضرر بالضرر بخلاف البيع فإنه إذا فسخ البيع الثاني رجع المشتري الثاني بالثمن الذي أخذ منه فلا يلحقه ضرر ولأن ثبوت الشفعة ها هنا يوجب رد العوض إلى غير المالك وسلبه عن المالك فإذا قلنا بسقوط الشفعة فلا كلام وإن قلنا بثبوتها فإن الشفيع يأخذ الشقص ممن هو في يده ويفسخ عقده ويدفع الثمن إلى المشتري وحكي عن مالك أنه يكون للموهوب له لأنه يأخذ ملكه ولنا إن الشفيع يبطل الهبة ويأخذ الشقص بحكم العقد الأول ولو لم يكن وهب كان الثمن له كذلك بعد الهبة المفسوخة فصل فإن جعله صداقا أو عوضا في خلع أو صلح عن دم عمد انبنى ذلك على الوجهين في الأخذ بالشفعة فإن قايل البائع المشتري أو رده عليه بعيب فللشفيع فسخ الإقالة والرد والأخذ بالشفعة لأن حقه سابق عليهما ولا يمكنه الأخذ معهما وإن تحالفا على الثمن وفسخا البيع فللشفيع أن يأخذ الشقص بما حلف عليه البائع لأن البائع مقر بالبيع بالثمن الذي حلف عليه ومقر للشفيع باستحقاق بذلك فإذا بطل حق المشتري بإنكاره لم يبطل حق الشفيع بذلك وله أن يبطل فسخهما ويأخذ لأن حقه أسبق فصل وإن اشترى شقصا بعبد ثم وجد بائع الشقص بالعبد عيبا فله رد العبد واسترجاع الشقص ويقدم على حق الشفيع لأن في تقديم حق الشفيع إضرارا بالبائع بإسقاط حقه من الفسخ الذي استحقه والشفعة لا تثبت لإزالة الضرر فلا تثبت على جه يحصل بها الضرر فإن الضرر لا يزال بالضرر وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين يقدم حق الشفيع لأن حقه أسبق فوجب تقديمه كما لو وجد المشتري بالشقص عيبا فرده ولنا إن في الشفعة إبطال حق البائع وحقه أسبق
لأنه استند إلى وجوب العيب وهو موجود لا حال البيع والشفعة ثبتت بالبيع فكان حق البائع سابقا وفي الشفعة إبطاله فلم تثبت ويفارق ما إذا كان الشقص معيبا فإن حق المشتري إنما هو في استرجاع الثمن وقد حصل له من الشفيع فلا فائدة في الرد وفي مسألتنا حق البائع في استرجاع الشقص ولا يحصل ذلك مع الأخذ بالشفعة فافترقا فإن لم يرد البائع العبد المعيب حتى أخذ الشفيع كان له رد العبد ولم يملك استرجاع المبيع لأن الشفيع ملكه بالأخذ فلم يملك البائع إبطال ملكه كما لو باعه المشتري لأجنبي فإن الشفعة بيع في الحقيقة ولكن يرجع بقيمة الشقص لأنه بمنزلة التالف والمشتري قد أخذ من الشفيع قيمة العبد فهل يتراجعان فيه وجهان أحدهما لا يتراجعان لأن الشفيع أخذ بالثمن الذي وقع عليه العقد وهو قيمة العبد صحيحا لا عيب فيه بدليل أن البائع إذا علم بالعيب ملك رده ويحتمل أن يأخذه بقيمته معيبا لأن إنما أعطى عبدا معيبا فلا يأخذ قيمة غير ما أعطى والثاني يتراجعان لأن الشفيع إنما يأخذ بالثمن الذي استقر عليه العقد والذي استقر عليه العقد قيمة الشقص فإذا قلنا يتراجعان فأيهما كان ما دفعه أكثر رجع بالفضل على صاحبه وإن لم يرد البائع العبد ولكن أخذ أرشه لم يرجع المشتري على الشفيع بشيء لأنه إنما دفع إليه قيمة العبد غير معيب وإن أدى قيمته معيبا رجع المشتري عليه بما أدى من إرشه وإن عفا عنه ولم يأخذ أرشا لم يرجع الشفيع عليه بشيء لأن البيع لازم من جهة المشتري لا يملك فسخه فأشبه ما لو حط عنه بعض الثمن بعد لزوم العقد وإن عاد الشقص إلى المشتري ببيع أو هبة أو إرث أو غيره فليس للبائع أخذه بالبيع الأول لأن ملك المشتري زال عنه وانقطع حقه منه وانتقل حقه إلى القيمة فإذا أخذها لم يبق له حق بخلاف ما لو غصب شيئا لم يقدر على رده فأدى قيمته ثم قدر عليه فإنه يرده لأن ملك المغصوب لم يزل عنه فصل ولو كان ثمن الشقص مكيلا أو موزونا فتلف قبل قبضه بطل البيع وبطلت الشفعة لأنه تعذر التسليم فتعذر إمضاء العقد فلم تثبت الشفعة كما لو فسخ البيع في مدة الخيار بخلاف الإقالة والرد بالعيب وإن كان الشفيع قد أخذ الشقص فهو كما لو أخذه في المسألة التي قبلها لأن المشتري الشقص التصرف فيه قبل تقبيض ثمنه فأشبه ما لو اشتراه منه أجنبي فصل وإن اشترى شقصا بعبد أو ثمن معين فخرج مستحقا فالبيع باطل ولا شفعة فيه لأنها إنما تثبت في عقد ينقل الملك إلى المشتري وهو العقد الصحيح فأما الباطل فوجوده كعدمه فإن كان الشفيع قد أخذ بالشفعة رد ما أخذ على البائع ولا يثبت ذلك إلا ببينة أو إقرار من الشفيع والمتبايعين فإن أقر المتبايعان وأنكر الشفيع لم يقبل قولهما عليه وله الأخذ بالشفعة ويرد العبد على صاحبه ويرجع البائع علء المشتري بقيمة الشقص وإن أقر الشفيع والمشتري دون البائع لم تثبت الشفعة ووجب على المشتءي رد قيمة العبد على صاحبه ويبقى الشقص معه يزعم أنه للبائع والبائع ينكره ويدعي عليه وجوب رد العبد والبائع ينكره فيشتري الشقص منه ويتبارآن وإن أقر الشفيع والبائع وأنكر المشتري وجب على البائع رد العبد على صاحبه ولم تثبت الشفعة ولم يملك البائع مطالبة المشتري بشيء لأن البيع صحيح في الظاهر وقد أدى ثمنه الذي هو ملكه في الظاهر وإن أقر الشفيع وحده لم تثبت الشفعة ولا يثبت شيء من أحكام البطلان في حق المتبايعين فأما إن اشترى الشقص بثمن في الذمة ثم نقد الثمن فبان مستحقا كانت الشفعة واجبة لأن البيع صحيح فإن تعذر قبض الثمن من المشتري لإعساره أو غيره فللبائع فسخ البيع ويقدم حق الشفيع لأن الأخذ بها يحصل للمشتري ما يوفيه ثمنا فتزول عسرته ويحصل الجميع بين الحقين فكان أولى فصل وإذا وجبت الشفعة وقضى القاضي بها والشقص في يد البائع ودفع الثمن إلى المشتري فقال البائع للشفيع أقلني فأقاله لم تصح الإقالة
لأنها تصح بين المتبايعين وليس بين الشفيع والبائع بيع وإنما هو مشتر من المشتري فإن باعه إياه صح البيع لأن العقار يجوز التصرف فيه قبل قبضه مسألة قال ( وللصغير إذا كبر المطالبة بالشفعة ) وجملة ذلك أنه إذا بيع في شركة الصغير ثبتت له الشفعة في قول عامة الفقهاء منهم الحسن وعطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وسواء العنبري وأصحاب الرأي وقال ابن أبي ليلى لا شفعة له وروي ذلك عن النخعي والحارث العكلي لأن الصبي لا يمكنه الأخذ ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ لما فيه من الإضرار بالمشتري وليس للولي الأخذ لأن من لا يملك العفو لا يملك الأخذ ولنا عموم الأحاديث ولأنه خيار لإزالة الضرر عن المال فيثبت في حق الصبي كخيار الرد بالعيب وقولهم لا يمكن الأخذ غير صحيح فإن الولي يأخذ بها كما يرد المعيب قولهم لا يمكنه العفو يبطل بالوكيل فيه وبالرد بالعيب فإن ولي الصبي لا يمكنه العفو ويمكنه الرد ولأن في الأخذ تحصيلا للملك للصبي ونظرا له وفي العفو تضييع وتفريط في حقه ولا يلزم من ملك ما فيه الحط ملك ما فيه تضييع ولأن العفو إسقاط لحقه والأخذ استيفاء له ولا يلزم من ملك الولي استيفاء حق المولى عليه ملك إسقاطه بدليل حقوقه وديونه وإن لم يأخذ الولي انتظر بلوغ الصبي كما ينتظر قدوم الغائب وما ذكروه من الضرر في الانتظار يبطل بالغائب إذا ثبت هذا فإن ظاهر قول الخرقي أن للصغير إذا كبر الأخذ به سواء عفا عنها الولي أو لم يعف وسواء كان في الأخذ بها أو في تركها وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور له الشفعة إذا بلغ فاختار ولم يفرق وهذا قول الأوزاعي وزفر ومحمد بن الحسن وحكاه بعض أصحاب الشافعي عنه لأن المستحق للشفعة يملك الأخذ بها سواء كان له الحظ أو لم يكن فلم يسقط بترك غيره كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها وقال أبو عبدالله بن حامد إن تركها الولي لحظ الصبي أو لأنه ليس للصبي ما يأخذها به سقطت وهذا ظاهر مذهب الشافعي لأن الولي فعل ما له فعله يجز للصبي نقضه كالرد بالعيب ولأنه فعل ما فيه الحظ للصبي فصح كالأخذ مع الحظ وإن تركها لغير ذلك لم تسقط وقال أبو حنيفة تسقط بعفو الولي عنها في الحالين لأن من ملك الأخذ بها ملك العفو عنها كالمالك وخالفه صاحباه في هذا لأنه أسقط حقا للمولى عليه لاحظ له في إسقاطه فلم يصح كالإبراء وإسقاط خيار الرد بالعيب ولا يصح قياس الولي على المالك لأن للمالك التبرع والإبراء وما لا حظ له فيه بخلاف الولي
فصل فأما الولي فإن كان للصبي حظ في الأخذ بها مثل أن يكون الشراء رخيصا أو بثمن المثل وللصبي مال لشراء العقار لزم وليه الأخذ بالشفعة لأن عليه الاحتياط له والأخذ بما فيه الحظ فإذا أخذ بها ثبت الملك للصبي ولم يملك نقضه بعد البلوغ في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي ليس للولي الأخذ بها لأنه لا يملك العفو عنها فلا يملك الأخذ بها كالأجنبي وإنما يأخذ بها الصبي إذا كبر ولا يصح هذا لأنه خيار جعل لإزالة الضرر عن المال فملكه الولي في حق الصبي كالرد بالعيب وقد ذكرنا فساد قياسه فيما مضى فإن تركها الولي مع الحظ فللصبي الأخذ بها إذا كبر ولا يلزم الولي لذلك غرم لأنه لم يفوت شيئا من ماله وإنما ترك تحصيل ما له الحظ فيه فأشبه ما لو ترك شراء العقار مع الحط في شرائه وإن كان الحظ في تركها مثل أن يكون المشتري قد غبن أو كان في الأخذ بها يحتاج ألى أن يستقرض ويرهن مال الصبي فليس له الأخذ لأنه لا يملك فعل ما لا حظ للصبي فيه فإن أخذ فهل يصح على روايتين إحداهما لا يصح ويكون باقيا على ملك المشتري لأنه اشترى له ما لا يملك شراءه فلم يصح كما لو اشترى بزيادة كثيرة على ثمن المثل أو اشترى معيبا يعلم عيبه ولا يملك الولي المبيع لأن الشفعة تؤخذ بحق الشركة ولا شركة للولي ولذلك لو أراد الأخذ لنفسه لم يصح فأشبه ما لو تزوج لغيره بغير إذنه فإنه يقع باطلا ولا يصح لواحد منهما كذا ها هنا وهذا مذهب الشافعي والرواية الثانية يصح الأخذ للصبي لأنه يشتري له ما يندفع عنه الضرر به فصح كما لو اشترى معيبا لا يعلم عيبه والحظ يختلف ويخفى فقد يكون له حظ في الأخذ بأكثر من ثمن المثل لزيادة قيمة ملكه والشقص الذي يشتريه بزوال الشركة أو لأن الضرر الذي يندفع بأخذه كثير فلا يمكن اعتبار الحظ بنفسه لخفائه ولا بكثرة الثمن لما ذكرناه فسقط اعتباره وصح البيع فصل وإذا باع وصي الأيتام فباع لأحدهم نصيبا في شركة آخر كان له الأخذ للآخر بالشفعة لأنه كالشراء له وإن كان الوصي شريكا لمن باع عليه لم يكن له الأخذ لأنه متهم في بيعه ولأنه بمنزلة من يشتري لنفسه من مال يتيمه ولو باع الوصي نصيبه كان له الأخذ لليتيم بالشفعة إذا كان له الحظ فيها لأن التهمة منتفية فإنه لا يقدر على الزيادة في ثمنه لكون المشتري لا يوافقه ولأن الثمن حاصل له من المشتري كحصول من اليتيم بخلاف بيعه مال اليتيم فإنه يمكنه تقليل الثمن ليأخذ الشقص به فإذا رفع الأمر إلى الحاكم فباع عليه فللوصي الأخذ حينئذ لعدم التهمة وإن كان مكان الوصي أب فباع شقص الصبي فله أن يأخذه بالشفعة لأن له أن يشتري من نفسه مال ولده لعدم التهمة وإن بيع شقص في شركة حمل لم يكن لوليه أن يأحذ له بالشفعة لأنه لا يمكن تمليكه بغير الوصية وإذا ولد الحمل ثم كبر فله الأخذ بالشفعة كالصبي إذا كبر
فصل وإذا عفا ولي الصبي عن شفعته التي له فيها الحظ ثم أراد الأخذ بها فله ذلك في قياس المذهب لأنها لم تسقط بإسقاطه ولذلك ملك الصبي الأخذ بها إذا كبر ولو سقطت لم يملك الأخذ بها ويحتمل أن لا يملك الأخذ بها لأن ذلك يؤدي إلى ثبوت حق الشفعة على التراخي وذلك على خلاف الخبر والمعنى ويخالف أخذ الصبي بها إذا كبر لأن الحق يتجدد له عند كبره فلا يملك تأخيره حينئذ وكذلك أخذ الغائب بها إذا قدم فأما إن تركها لعدم الحظ فيها ثم أراد الأخذ بها والأمر على ما كان لم يملك ذلك كما لم يملكه ابتداء وإن صار فيها حظ أو كان معسرا عند البيع فأيسر بعد ذلك انبنى ذلك على سقوطها بذلك فإن قلنا لا تسقط وللصبي الأخذ بها إذا كبر فحكمها حكم ما فيه الحظ وإن قلنا تسقط فليس له الأخذ بها بحال لأنها قد سقطت على الإطلاق فأشبه ما لو عفا الكبير عن شفعته فصل والحكم في المجنون المطبق كالحكم في الصبي سواء لأنه محجور عليه لحظه وكذلك السفيه لذلك وأما المغمى عليه فلا ولاية عليه وحكمه حكم الغائب والجنون ينتظر إفاقته وأما المفلس فله الأخذ بالشفعة والعفو عنها وليس لغرمائه الأخذ بخا لأن الملك لم يثبت لهم في أملاكه قبل قسمتها ولا إجباره على الأخذ بها لأنها معاوضة فلا يجبر عليها كسائر المعاوضات وليس لهم إجباره على العفو لأنه إسقاط حق فلا يجبر عليه وسواء كان له حظ في الأخذ بها أو لم يكن لأنه يأخذ في ذمته وليس بمحجور عليه في ذمته لكن لهم منعه من دفع ماله في ثمنها لتعلق حقوقهم بماله فأشبه ما لو اشترى في ذمته شقصا غير هذا ومتى ملك الشقص المأخوذ بالشفعة تعلقت حقوق الغرماء به سواء أخذه برضاهم أو بغيره لأنه ماله فأشبه ما لو اكتسبه وأما المكاتب فله الأخذ والترك وليس لسيده الاعتراض عليه لأن التصرف يقع له دون سيده فأما المأذون له في التجارة من العبيد فله الأخذ بالشفعة لأنه مأذون له في الشراء وإن عفا عنها لم ينفذ عفوه لأن الملك لسيده ولم يأذن له في إبطال حقوقه وإن أسقطها السيد سقطت ولم يكن للعبد أن يأخذ لأن للسيد الحجر عليه ولأن الحق قد أسقطه مستحقه فيسقط بإسقاطه فصل وإذا بيع شقص في شركة مالك المضاربة فللعامل الأخذ بها إذا كان الحظ فيها فإن تركها فلرب المال الأخذ لأن مال المضاربة ملكه ولا ينفذ عفو العامل لأن الملك لغيره فلم ينفذ عفوه كالمأذون له وإن اشترى المضارب بمال المضاربة شقصا في شركة رب المال فهل لرب المال فيه شفعة على وجهين مبنيين على شراء رب المال من مال المضاربة وقد ذكرناهما وإن كان المضارب شفيعه ولا ربح في المال فله الأخذ بها لأن الملك لغيره وإن كان فيه ربح وقلنا لا يملك بالظهور فكذلك وإن قلنا يملك بالظهور ففيه وجهان كرب المال ومذهب الشافعي في هذا كله على ما ذكرنا فإن باع المضارب شقصا في شركته لم يكن له أخذه بالشفعة لأنه متهم فأشبه شراءه من نفسه فصل ولا شفعة بشركة الوقف ذكره القاضيانابن أبي موسى وأبو يعلى وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه لا يؤخذ بالشفعة فلا تجب فيه كالمجاور وغير والمنقسم ولأننا إن قلنا هو غير مملوك فالموقوف عليه غير مالك وإن قلنا هو مملوك فملكه غير تام لأنه لا يفيد إباحة التصرف في الرقبة فلا يملك به ملكا تاما وقال أبو الخطاب إن قلنا هو مملوك وجبت به الشفعة لأنه مملوك بيع في شركته شقص فوجبت به الشفعة كالطلق ولأن الضرر يندفع عنه بالشفعة كالطلق فوجبت فيه كوجوبها في الطلق وإنما لم يستحق بالشفعة لأن الأخذ بها بيع وهو مما لا يجوز بيعه مسألة قال ( وإذا بنى المشتري أعطاه الشفيع قيمة بنائه إلا أن يشاء المشتري أن يأخذ بناءه فله ذلك إذا لم يكن في أخذه ضرر )
وجملته أنه يتصور بناء المشتري وغرسه في الشقص المشفوع على وجه مباح في مسائل منها أن يظهر المشتري أنه وهب له أو أنه اشتراه بأكثر من ثمنه أو غير ذلك مما يمنع الشفيع من الأخذ بها فيتركها ويقاسمه ثم يبني المشتري ويغرس فيه ومنها أو يكون غائبا فيقاسمه وليه ونحو ذلك ثم يقدم الغائب أو يبلغ الصغير فيأخذ بالشفعة وكذلك إن كان غائبا أو صغيرا فطالب المشتري الحاكم بالقسمة فقاسم ثم قدم الغائب وبلغ الصغير فأخذه بالشفعة بعد غرس المشتري وبنائه فإن للمشتري قلع غرسه وبنائه إن اختار ذلك لأن ملكه فإذا قلعه فليس عليه تسوية الحفر ولا نقص الأرض ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأنه غرس وبنى في ملكه وما حدث من النقص إنما حدث في ملكه وذلك مما لا يقابله ثمن وظاهر كلام الخرقي أن عليه ضمان النقص الحاصل بالقلع لأنه اشترط في قلع الغرس والبناء عدم الضرر وذلك لأنه نقص دخل على ملك غيره لأجل تخليص ملكه فلزمه ضمانه كما لو كسر محبرة غيره لإخراج ديناره منها وقولهم إن النقص حصل في ملكه ليس كذلك فإن النقص الحاصل بالقلع إنما هو ملك الشفيع فأما نقص الأرض الحاصل بالغرس والبناء فلا يضمنه لما ذكروه فإن لم يختر المشتري القلع فالشفيع بالخيار بين ثلاثة أشياء ترك الشفعة وبين دفع قيمة الغراس والبناء فيملكه مع الأرض وبين قلع الغرس والبناء ويضمن له ما نقص بالقلع وبهذا قال الشعبي والأوزاعي وابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي والبتي وسوار وإسحاق وقال حماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي يكلف المشتري القلع ولا شيء له لأنه بنى فيما استحق غيره أخذه فأشبه الغاصب ولأنه بنى في حق غيره بغير إذنه فأشبه ما لو بانت متسحقة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ولا يزول الضرر عنهما إلا بذلك ولأنه بنى في ملكه الذي تملك بيعه فلم يكلف قلعه مع الإضرار كما لو لم يكن مشفوعا وفارق ما قاسوا عليه فإنه بنى في ملك غيره ولأنه عرق ظالم وليس لغرق ظالم حق بخلاف مسألتنا فإنه غير ظالم فيكون له حق إذا ثبت هذا فإنه لا يمكن إيجاب قيمته مستحقا للبقاء في الأرض لأنه لا يستحق ذلك ولا قيمته مقلوعا لأنه لو وجبت قيمته مقلوعا لملك قلعه ولم يضمن شيئا ولأنه قد يكون مما لا قيمة له إذا قلعه ولم يذكر أصحابنا كيفية وجوب القيمة فالظاهر أن الأرض تقوم وفيها الغراس والبناء ثم تقوم خالية منهما فيكون ما بينهما قيمة الغرس والبناء فيدفعه الشفيع إلى المشتري إن أحب أو ما نقص منه إن اختار لأن ذلك هو الذي زاد بالغرس والبناء ويحتمل أن يقوم الغرس والبناء مستحقا للترك بالأجرة أو لأخذه بالقيمة إذا امتنعا من قلعه فإن كان للغرس وقت يقلع فيه فيكون له قيمة وإن قلع قبله لم يكن له قيمة أو تكون قيمته قليلة فاختار الشفيع قلعه قبل وقته فله ذلك لأنه يضمن النقص فيجبر به ضرر المشتري سواء كثر النقص أو قل ويعود ضرر كثرة النقص على الشفيع وقد رضي باحتماله وإن غرس أو بنى مع الشفيع أو وكيله في المشاع ثم أخذه الشفيع فالحكم في أخذ نصيبه من ذلك كالحكم في أخذ جميعه بعد المقاسمة فصل وإن زرع في الأرض فللشفيع الأخذ بالشفعة ويبقى زرع المشتري إلى أوان الحصاد لأن ضرره لا يتباقى ولا أجرة عليه لأنه زرعه في ملكه ولأن الشفيع اشترى الأرض وفيها زرع للبائع فكان له مبقي إلى الحصاد بلا أجرة كغير المشفوع وإن كان في الشجر ثمر ظاهر أثمر في ملك المشتري فهو له مبقي إلى الجذاذ كالزرع فصل وإذا نما المبيع في يد المشتري لم يخل من حالين أحدهما أن يكون نماء متصلا كالشجر إذا كثر أو ثمرة غير ظاهرة فإن الشفيع يأخذه بزيادته لأن هذه زيادة غير متميزة فتبعت الأصل كما لو رد بعيب أو خيار أو إقالة
فإن قيل فلم يرجع الزوج في نصفه زائدا إذا طلق قبل الدخول قلنا لأن الزوج يقدر على الرجوع بالقيمة إذا فاته الرجوع بالعين وفي مسألتنا إذا لم يرجع في الشقص سقط حقه من الشفعة فلم يسقط حقه من الأصل لأجل ما حدث من البائع وإذا أخذ تبعه نماؤه المتصل كما ذكرنا في الفسوخ كلها الحال الثاني أن تكون الزيادة منفصلة كالغلة والأجرة والطلع المؤبر والثمرة الظاهرة فهي للمشتري لا حق للشفيع فيها لأنها حدثت في ملكه وتكون للمشتري مبقاة في رؤوس النخل إلى الجذاذ لأن أخذ الشفيع من المتشري شراء ثان فيكون حكمه حكم ما لو اشترى برضاه فإن اشتراه وفيه طلع غير مؤبر فأبره ثم أخذه الشفيع أخذ الأصل دون الثمرة ويأخذ الأرض والنخيل بحصتهما من الثمن كما لو كان المبيع شقصا وسيفا فصل وإن تلف الشقص أو بعضه في يد المشتري فهو من ضمانه لأنه ملكه تلف في يده ثم إن أراد الشفيع بعد تلف بعضه أخذ الموجود بحصته من الثمن سواء كان التلف بفعل الله تعالى أو بفعل آدمي وسواء تلف باختيار المشتري كنقضه للبناء أو بغير اختياره مثل أن انهدم ثم إن كانت الانقاض موجودة أخذها مع العرصة بالحصة وإن كانت معدومة أخذ العرصة وما بقي من البناء وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن القاسم وهذا قول الثوري والعنبري وأبي يوسف وقول الشافعي وقال أبو عبدالله بن حامد إن كان التلف بفعل آدمي كما ذكرنا وإن كان بفعل الله تعالى كانهدام البناء بنفسه أو حريق أو غرق فليس للشفيع أخذ الباقي إلا بكل الثمن أو يترك وهذا قول أبي حنيفة وقول الشافعي لأنه متى كان النقص بفعل آدمي رجع بدله إلى المشتري فلا يتضرر ومتى كان بغير ذلك لم يرجع إليه شيء فيكون الأخذ منه إضرارا به والضرر لا يزال بالضرر ولنا إنه تعذر على الشفيع أخذ الجميع وقدر على أخذ البعض فكان له بالحصة من الثمن كما لو تلف بفعل آدمي سواه أو كما لو كان له شفيع آخر أو نقول أخذ بعض ما دخل معه في العقد فأخذه بالحصة كما لو كان معه سيف وأما الضرر فإنما حصل بالتلف ولا صنع للشفيع فيه والذي يأخذه الشفيع يؤدي ثمنه فلا يتضرر المشتري بأخذه وإنما قلنا يأخذ الأنقاض وإن كانت منفصلة لأن استحقاقه للشفعة كان حال عقد البيع وفي تلك الحال كان متصلا اتصالا ليس مآله إلى الانفاصل وانفصاله بعد ذلك لا يسقط حق الشفعة ويفارق الثمرة غير المؤبرة إذا تأبرت فإن مآلها إلى الانفصال والظهور فإذا ظهرت فقد انفصلت فلم تدخل في الشفعة وإن نقصت القيمة مع بقاء صورة المبيع مثل أن انشق الحائط واستهدم البناء وشعث الشجر وبارت الأرض فليس له إلا الأخذ بجميع الثمن أو الترك لأن هذه المعاني لا يقابلها الثمن بخلاف الأعيان ولهذا قلنا لو بنى المشتري أعطاه الشفيع قيمة بنائه ولو زاد المبيع زيادة متصلة دخلت الشفعة مسألة قال ( وإن كان الشراء وقع بعين أو ورق أعطاه الشفيع مثل ذلك وإن كان عرضا أعطاه قيمته ) وجملته أن الشفيع يأخذ الشقص من المشتري بالثمن الذي استقر عليه العقد لما روي في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هو أحق بالثمن رواه أبو إسحاق الجوزجاني في كتابه ولأن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع فكان مستحقا له بالثمن كالمشتري فإن قيل إن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع فكان مستحقا له بالثمن كالمشتري فإن قيل إن الشفيع استحق أخذه بغير رضى مالكه فينبغي أن يأخذه بقيمته كالمضطر يأخذ طعام غيره قلنا المضطر استحق أخذه بسبب حاجة خاصة فكان المرجع في بدله إلى قيمته والشفيع استحقه لأجل البيع ولهذا لو انتقل بهبة أو ميراث لم يستحق الشفعة وإذا استحق ذلك بالبيع وجب أن يكون بالعوض الثابت بالبيع
إذا ثبت هذا فإنا ننظر في الثمن فإن كان دنانير أو دراهم أعطاه الشفيع مثله وإن كان مما لا مثل له كالثياب والحيوان فإن الشفيع يستحق الشقص بقيمة الثمن وهذا قول أكثر أهل العلم وبه يقول أصحاب الرأي والشافعي وحكي عن الحسن وسوار أن الشفعة لا تجب ها هنا لأنها تجب بمثل الثمن وهذا لا مثل له فتعذر الأخذ فلم يجب كما لو جهل الثمن ولنا إنه أحد نوعي الثمن فجاز أن تثبت به الشفعة في المبيع كالمثلي وما ذكروه لا يصح لأن المثل يكون من طريق الصورة ومن طريق القيمة كبدل المتلف فأما أن كان الثمن من المثليات غير الأثمان كالحبوب والأدهان فقال أصحابنا يأخذه الشفيع بمثله لأنه من ذوات الأمثال فهو كالأثمان وبه يقول أصحاب الرأي وأصحاب الشافعي ولأن هذا مثل من طريق الصورة والقيمة فكان أولى من المماثل في إحداهما ولأن الواجب بدل الثمن فكان مثله كبدل القرض والمتلف فصل ويستحق الشفيع الشقص بالثمن الذي استقر عليه العقد فلو تبايعا بقدر ثم غيراه في زمن الخيار بزيادة أو نقص ثبت ذلك التغيير في حق الشفيع لأن حق الشفيع إنما يثبت إذا تم العقد وإنما يستحق بالثمن الذي هو ثابت حال استحقاقه ولأن زمن الخيار بمنزلة حالة العقد والتغيير يلحق بالعقد فيه لأنهما على اختيارهم فيه كما لو كان حال العقد فأما إذا انقضى الخيار وانبرم العقد فزادا أو نقصا لم يلحق بالعقد لأن الزيادة بعده هبة يعتبر لهما شروط الهبة والنقص إبراء مبتدأ ولا يثبت ذلك في حق الشفيع وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يثبت النقص في حق الشفيع دون الزيادة وإن كان عنده يلحقان بالعقد لأن الزيادة تضر الشفيع فلم يملكها بخلاف النقص وقال مالك إن بقي ما يكون ثمنا أخذ به وإن حط الأكثر أخذه بجميع الثمن الأول ولنا إن ذلك يعتبر بعد استقرار العقد فلم يثبت في حق الشفيع كالزيادة ولأن الشفيع استحق الأخذ بالثمن الأول قبل التغيير فلم يؤثر التغيير بعد ذلك فيه كالزيادة وما ذكروه من العذر غير صحيح لأن ذلك لو لحق العقد لزم الشفيع وإن أضر به كالزيادة في مدة الخيار ولأنه حط بعد لزوم العقد فأشبه حط الجميع أو الأكثر عند مالك فصل وإن كان الثمن مما تجب قيمته فإنها تعتبر وقت البيع لأنه وقت الاستحقاق ولا اعتبار بعد ذلك بالزيادة والنقص وإن كان فيه خيار اعتبرت القيمة حين انقضاء الخيار واستقرار العقد لأنه حين استحقاق الشفعة وبهذا قال الشافعي وحكي عن مالك أنه يأخذه بقيمته يوم المحاكمة وليس بصحيح لأن وقت الاستحقاق وقت العقد وما زاد بعد ذلك حصل في ملك البائع فلا يقوم للمشتري وما نقص فمن مال البائع فلا ينقص به حق المشتري فصل وإذا كان الثمن مؤجلا أخذه الشفيع بذلك الأجل إن كان مليئا وإلا أقام ضمينا مليئا وأخذ به وقال مالك وعبد الملك وإسحاق وقال الثوري لا يأخذها إلا بالنقد حالا وقال أبو حنيفة لا يأخذها إلا بثمن حال أو ينتظر مضي الأجل ثم يأخذ وعن الشافعي كمذهب أبي حنيفة لأنه يمكنه الأخذ بالمؤجل لأنه يفضي إلى أن يلزم المشتري قبول ذمة الشفيع والذمم لا تتماثل وإنما يأخذ بمثله ولا يلزمه أن يأخذ بمثله حالا لئلا يلزمه أكثر مما يلزم المشتري ولا بسلعة الثمن إلى الأجل لأنه إنما يأخذه بمثل الثمن أو القيمة والسلعة ليست واحدة منهما فلم يبق إلا التخيير ولنا إن الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته والتأجيل من صفاته ولأن في الحلول زيادة على التأجيل فلم يلزم الشفيع كزيادة القدر وما ذكروه من اختلاف الذمم فإننا لا نوجبها حتى توجد الملاءة في الشفيع أو في ضمينه بحيث ينحفظ المال فلا يضر اختلافهما فيما وراء ذلك كما لو اشترى الشقص بسلعة وجبت قيمتها ولا يضر اختلافهما ومتى أخذه الشفيع بالأجل فمات الشفيع أو المشتري وقلنا يحل الدين بالموت حل الدين على الميت منهما دون صاحبه لأن سبب حلوله الموت فاختص بمن وجد في حقه
فصل وإذا باع شقصا مشفوعا ومعه ما لا شفعة فيه كالسيف والثوب في عقد واحد ثبتت الشفعة في شقص بحصته من الثمن دون ما معه فيقوم كل واحد منهما ويقسم الثمن على قدر قيمتهما فما يخص الشقص يأخذه الشفيع وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ويحتمل أن لا تجب الشفعة لئلا تتبعض صفقة المشتري وفي ذلك إضرار به فأشبه ما لو أراد الشفيع أخذ بعض الشقص وقال مالك تثبت الشفعة فيهما لذلك ولنا إن السيف لا شفعة فيه ولا هو تابع لما فيه الشفعة فلم يؤخذ بالشفعة كما لو أفرده وما يلحق المشتري من الضرر فهو ألحقه بنفسه بجمعه في العقد بين ما ثبتت فيه الشفعة وما لا تثبت ولأن في أخذ الكل ضررا بالمشتري أيضا لأنه ربما كان غرضه في إبقاء السيف له ففي أخذه منه إضراره من غير سبب يقتضيه فصل وإذا باع شقصين من أرضين صفقة واحدة لرجل واحد والشريك في أحدهما غير الشريك في الآخر فلهما أن يأخذا ويقتسما الثمن على قدر القيمتين وإن أخذ أحدهما دون الآخر جاز ويأخذ الشقص الذي في شركته بحصته من الثمن ويتخرج أنه لا شفعة له كالمسألة التي قبلها وليس له أخذهما معا لأن أحدهما لا شركة له فيه ولا هو تابع لما فيه الشفعة فجرى مجرى الشقص والسيف وإن كان الشريك فيهما واحدا فله أخذهما وتركهما لأنه شريك فيهما وإن أحب أخذ أحدهما دون الآخر فله ذلك وهذا منصوص الشافعي ويحتمل أنه لا يملك ذلك ومتى اختاره سقطت الشفعة فيهما لأنه أمكنه أخذ المبيع كله فلم يملك أخذ بعضه كما لو كان شقصا واحدا ذكره أبو الخطاب وبعض أصحاب الشافعي ولنا إنه يستحق كل واحد منهما بسبب غير الآخر فجرى مجرى الشريكين ولأنه لو جرى مجرى الشقص الواحد لوجب إذا كانا شريكين فترك أحدهما شفعته أن يكون للآخر أخذ الكل والأمر بخلافه فصل ولا يأخذ بالشفعة من لا يقدر على الثمن لأن في أخذه بدون دفع الثمن إضرارا بالمشتري ولا يزال الضرر بالضرر فإن أحضر رهنا أو ضمينا لم يلزم المشتري قبوله لأن في تأخير الثمن ضررا فلم يلزم المشتري ذلك كما لو أراد تأخير ثمن حال فإن بذل عوضا عن الثمن لم يلزمه قبوله لأنها معاوضة لم يجبر عليها وإذا أخذ بالشفعة لم يلزم المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن فإن كان موجودا سلمه وإن تعذر في الحال قال أحمد في رواية حرب ينظر الشفيع يوما أو يومين بقدر ما يرى الحاكم فإذا كان أكثر فلا وهذا قول مالك وقال ابن شبرمة وأصحاب الشافعي ينظر ثلاثا لأنها آخر حد القلة فإن أحضر الثمن وإلا فسخ عليه وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يأخذ بالشفعة ولا يقضي القاضي بها حتى يحضر الثمن لأن الشفيع يأخذ الشقص بغير اختيار المشتري فلا يستحق ذلك إلا لإحضار عوضه كتسليم المبيع
ولنا إنه تملك للمبيع بعوض فلا يقف على إحضار العوض كالبيع وأما التسليم في البيع فالتسليم في الشفعة مثله وكون الأخذ بغير اختيار المشتري يدل على قوته فلا يمنع من اعتباره في الصحة فإذا أجلناه مدة فأحضر الثمن فيها وإلا فسخ الحاكم الأخذ ورده إلى المشتري وهكذا فلو هرب الشفيع بعد الأخذ والأولى أن للمشتري الفسخ من غير حاكم لأنه فات شرط الأخذ ولأنه تعذر على البائع الوصول إلى الثمن فملك الفسخ كغير من أخذت الشفعة منه وكما لو أفلس الشفيع ولأن الأخذ بالشفعة لا يقف على حكم الحاكم فلا يقف فسخ الأخذ بها على الحاكم كفسخ غيرها من البيوع وكالرد بالعيب ولأن وقف ذلك على الحاكم يفضي إلى الضرر بالمشتري لأنه قد يتعذر عليه إثبات ما يدعيه وقد يصعب عليه حضور مجلس الحاكم لبعده أو غير ذلك فلا يشرع فيها ما يفضي إلى الضرر ولأنه لو وقف الأمر على الحاكم لم يملك الأخذ إلا بعد إحضار الثمن لئلا يفضي إلى هذا الضرر وإن أفلس الشفيع خير المشتري بين الفسخ إلا بعد إحضار الثمن لئلا يفضي إلى هذا الضرر وإن أفلس الشفيع خير المشتري بين الفسخ وبين أن يضرب مع الغرماء بالثمن كالبائع إذا أفلس المشتري فصل لا يحل الاحتيال لإسقاط الشفعة وإن فعل لم تسقط قال أحمد في رواية اسماعيل بن سعيد وقد سألته عن الحيلة في إبطال الشفعة فقال لا يجوز شيء من الحيل في ذلك ولا في إبطال حق مسلم وبهذا قال أبو أيوب وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وقال عبد الله بن عمر من يخدع الله يخدعه وقال أيوب السختياني إنهم ليخادعون الله كما يخدعون صبيا لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل علي ومعنى الحيلة أن يظهروا في البيع شيئا لا يؤخذ بالشفعة معه ويتواطؤون في الباطن على خلافه مثل أن يشتري شقصا يساوي عشرة دنانير بألف درهم ثم يقضيه عنها عشرة دنانير أو يشتريه بمائة دينار ويقضيه عنها مائة درهم أو يشتري البائع من المشتري عبدا قيمته مائة بألف في ذمته ثم يبيعه الشقص لالألف أو يشتري شقصا بألف ثم يبرؤه البائع من تسعمائة أو يشتري جزءا من الشقص بمائة ثم يهب له البائع باقيه أو يهب الشقص للمشتري ويهب المشتري له الثمن أو يعقد البيع بثمن مجهول المقدار كحفنة قراضة أو جوهرة معينة أو سلعة معينة غير موصوفة أو بمائة درهم ولؤلؤة وأشباه هذا فهذا كله إذا وقع من غير تحيل سقطت الشفعة وإن تحيلا به على إسقاط الشفعة لم يسقط ويأخذ الشفيع الشقص في الصورة الأولى بعشرة دنانير أو قيمتها من الدراهم وفي الثانية بمائة درهم أو قيمتها ذهبا وفي الثالثة بقيمة العبد المبيع وفي الرابعة بالباقي بعد الإبراء وهو المائة المقبوضة وفي الخامسة يأخذ الجزء المبيع من الشقص بقسطه من الثمن ويحتمل أن يأخذ الشقص كله بجميع الثمن لأنه إنما وهبه بقية الشقص عوضا عن الثمن الذي اشترى به جزءا من الشقص وفي السادسة يأخذ بالثمن الموهوب وفي سائر الصور المجهول ثمنها يأخذه الثمن إو بقيمته إن لم يكن مثلها إذا كان الثمن موجودا وإن لم يوجد عينه دفع إليه قيمة الشقص لأن الأغلب وقوع العقد على الأشياء بقيمتها وقال أصحاب الرأي والشافعي يجوز ذلك كله وتسقط به الشفعة لأنه لم يأخذ بما وقع البيع به فلم يجز كما لو لم يكن حيلة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من أدخل فرسا بين فرسين ولم يأمن أن يسبق فليس بقمار وإن أمن أن يسبق فهو قمار رواه أبو داود وغيره فجعل إدخال الفرس المحلل قمارا في الموضع الذي يقصد به إباحة إخراج كل واحد من المتسابقين جعلا مع عدم معنى المحلل فيه وهو كونه بحال يحتمل أن يأخذ سبقيهما وهذا يدل على إبطال كل حيلة لم يقصد بها إلا إباحة المحرم مع عدم المعنى فيها
واستدل أصحابنا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تركبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه متفق عليه ولأن الله تعالى ذم المخادعين له بقوله تعالى يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون البقرة 9 والحيل مخادعة وقد مسخ الله تعالى الذين اعتدوا في السبت قردة بحيلتهم فإنه روي أنهم كانوا ينصبون شباكهم يوم الجمعة ومنهم من يحفر جبابا ويرسل الماء إليها يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان يوم السبت وقعت في الشباك والجباب فيدعونها إلى ليلة الأحد فيأخذونها ويقولون ما اصطدنا يوم السبت شيئا فمسخهم الله تعالى بحيلتهم وقال تعالى فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين البقرة 66 قيل يعني به أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي لتتعظ بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيجتنبوا مثل ما فعل المعتدون ولأن الحيلة خديعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الخديعة لمسلم ولأن الشفعة وضعت لدفع الضرر فلو سقطت بالتحيل للحق الضرر فلم تسقط كما لو أسقطها المشتري بالبيع والوقف وفارق ما لم يقصد به التحيل لأنه لا خداع فيه ولا قصد به إبطال حق والأعمال بالنيات فإن اختلفا هل وقع شيء من هذا حيلة أو لا فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه أعلم بنيته وحاله إذا ثبت هذا فإن الغرر في الصورتين الأوليين على المشتري لشرائه ما يساوي عشرة بمائة وما يساوى مائة درهم بمائة دينار وأشهد على نفسه أن عليه ألفا فربما طلبه بذلك فلزمته في ظاهر الحكم وفي الثالثة الغرر على البائع لأنه اشترى عبدا يساوي مائة بألف وفي الرابعة على المشتري لأنه اشترى شقصا قيمته مائة بألف وكذلك في الخامسة لأنه اشترى بعض الشقص بثمن جميعه وفي السادسة على البادىء منهما بالهبة لأنه قد لا يهب له الآخر شيئا فإن خالف أحدهما ما لو تواطآ عليه فطالب صاحبه بما أظهراه لزمه في ظاهر الحكم لأنه عقد البيع مع صاحبه بذلك مختارا فأما فيما بينه وبين الله تعالى فلا يحل لمن غر صاحبه الأخذ بخلاف ما تواطآ عليه لأن صاحبه إنما رضي بالعقد للتواطؤ فمع فواته لا يتحقق الرضى به مسألة قال ( وإن اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري إلا أن يكون للشفيع بينة ) وجملته أن الشفيع والمشتري إذا اختلفا في الثمن فقال المشتري اشتريته بمائة فقال الشافعي بل بخمسين فالقول قول المشتري لأنه العاقد فهو أعرف بالثمن ولأن الشقص ملكه فلا ينزع من يده بالدعوى بغير بينة وبهذا قال الشافعي فإن قيل فهلا قلتم القول قول الشفيع لأنه غارم ومنكر للزيادة فهو كالغاصب والمتلف والضامن لنصيب شريكه إذا أعتق قلنا الشفيع ليس بغارم لأنه لا شيء عليه وإنما يريد أن يملك الشقص بثمنه بخلاف الغاصب والمتلف والمعتق فأما إن كان للشفيع بينة حكم بها وكذلك إن كان للمشتري بينة حكم بها واستغني عن يمينه ويثبت ذلك بشاهد ويمين وشهادة رجل وامرأتين ولا تقبل شهادة البائع لأنه إذا شهد للشفيع كان متهما لأنه يطلب تقليل الثمن خوفا من الدرك عليه وإن أقام كل واحد منهما بينة احتمل تعرضهما لأنهما يتنازعان فيما وقع عليه العقد فيصيران كمن لا بينة لهما وذكر الشريف أن البينة بينة الشفيع ويقتضيه مذهب الخرقي لأن بينة الخارج عنده مقدمة على بينة الداخل والشفيع ويقتضيه مذهب الخرقي لأن بينة الخارج عنده مقدمة على بينة الداخل والشفيع هو الخارج وهذا قول أبي حنيفة وقال صاحباه البينة بينة المشتري لأنها تسترجع بقول المشتري فإنه مقدم على قول الشفيع ويخالف الخارج والداخل لأن بينة الداخل يجوز أن تكون مستنده إلى يده وفي مسألتنا البينة تشهد على نفس العقد كشهادة بينة الشفيع
ولنا أنهما بينتان تعارضتا فقدمت بينة من لا يقبل قوله عند عدمها كالداخل والخارج ويحتمل أن يقرع بينهما لأنهما يتنازعان في العقد ولا يدلهما عليه فصارا كالمتنازعين عينا في يد غيرهما فصل وإن قال المشتري لا أعلم مبلغ الثمن فالقول قوله لأن ما يدعيه ممكن لجواز أن يكون اشتراه جزافا أو بثمن نسي مبلغه ويحلف فإذا حلف سقطت الشفعة لأنها لا تستحق بغير بذل ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدعيه فإن ادعى أنك فعلت ذلك تحيلا على إسقاط الشفعة فعليه اليمين على نفي ذلك فصل فإن اشترى شقصا بعرض واختلفا في قيمته فإن كان موجودا عرضناه على المقومين وإن تعذر إحضاره فالقول قول المشتري كما لو اختلفا في قدر الثمن وإن ادعى جهل قيمته فهو على ما ذكرنا فيما إذا ادعى جهل ثمنه وإن اختلفا في الغراس والبناء في الشقص فقال المشتري أنا حدثته وأنكر الشفيع فالقول قول المشتري لأنه ملكه والشفيع يريد تملكه عليه فالقول قول المالك فصل إذا ادعى الشفيع على بعض الشركاء أنك اشتريت نصيبك فلي أخذه بالشفعة فإنه يحتاج إلى تحرير دعواه فيحدد المكان الذي فيه الشقص ويذكر قدر الشقص والثمن ويدعي الشفعة فيه فإذا فعل ذلك سئل المدعى عليه فإن أقر لزمه وإن أنكر وقال إنما اتهبته أو ورثته فلا شفعة لك فيه فالقول قول من ينفيه كما لو ادعى عليه نصيبه من غير شفعة فإن حلف برىء وإن نكل قضي عليه وإن قال لا تستحق علي شفعة فالقول قوله مع يمينه على حسب قوله في الإنكار وإذا نكل وقضي عليه بالشفعة عرض عليه الثمن فإن دفع إليه وإن قال لا أستحقه ففيه ثلاثة أوجه أحدها يقر في يد الشفيع إلى أن يدعيه المشتري فيدفع إليه كما لو أقر له بدار فأنكرها والثاني أن يأخذه الحاكم فيحفظه لصاحبه إلى أن يدعيه المشتري ومتى ادعاه دفع إليه والثالث يقال له إما أن تبرىء منه كسيد المكاتب إذا جاءه المكاتب بمال المكاتبة فادعى أنه حرام اختار هذا القاضي وهذا مفارق للمكاتب لأن سيده يطالبه بالوفاء من غير هذا الذي أتاه به فلا يلزمه ذلك بمجرد دعوى سيده تحريم ما أتاه وهذا لا يطلب الشفيع بشيء فلا ينبغي أن يكلف إبراء مما لا يدعيه والوجهه الأول إن شاء الله تعالى فصل وإن قال اشتريته لفلان وكان حاضرا استدعاه الحاكم وسأله فإن صدقه كان الشراء له والشفعة عليه وإن قال هذا ملكي ولم أشتره انتقلت الخصومة إليه وإن كذبه حكم بالشراء لمن اشتراه وأخذ منه بالشفعة وإن كان المقر له غائبا أخذه الحاكم ودفعه إلى الشفيع وكان الغائب على حجته إذا قدم لأننا لو وقعنا الأمر في الشفعة إلى حضور المقر له لكان في ذلك إسقاط الشفعة لأن كل مشتر يدعي أنه لغائب وإن قال اشتريته لابني الطفل أو لهذا الطفل وله عليه ولاية ففيه وجهان أحدهما لا تثبت الشفعة لأن الملك ثبت للطفل ولا تجب الشفعة بإقرار الولي عليه لأنه إيجاب حق في مال صغير بإقرار وله والثاني تثبت لأنه يملك الشراء له فصح إقراره كما يصح إقراره بعيب في مبيعه فأما إن ادعى عليه شفعة في شقص فقال هذا لفلان الغائب أو لفلان الطفل ثم أقر بشرائه له لم يثبت فيه الشفعة إلا أن تثبت بينة أو يقدم الغائب ويبلغ الطفل فيطالبهما بها لأن الملك يثبت لهما بإقراره به فإقراره بالشراء بعد ذلك إقرار في ملك غيره فلا يقبل بخلاف ما إذا أقر بالشراء ابتداء لأن الملك ثبت لهما بذلك الإقرار المثبت للشفعة فثبتا جميعا وإن لم يذكر سبب الملك لم يسأله الحاكم عنه ولم يطالب ببيانه لأنه لو صرح بالشراء لم تثبت به شفعة فلا فائدة في الكشف عنه ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كمذهبنا
فصل وإذا كانت دار بين حاضر وغائب فادعى الحاضر على من في يده نصيب الغائب أنه اشتراه منه وأنه يستحقه بالشفعة فصدقه فللشفيع أخذه بالشفعة لأن من في يده العين يصدق في تصرفه فيما في يديه وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان أحدهما ليس له أخذه لأن هذا إقرار على غيره ولنا إنه أقر بما في يده فقبل إقراره كما لو أقر بأصل ملكه وهكذا لو ادعى عليه أنك بعت نصيب الغائب بإذنه وأقر له الوكيل كان كإقرار البائع بالبيع فإذا قدم الغائب فأنكر البيع أو الإذن في البيع فالقول قوله مع يمينه وينتزع الشقص ويطالب بأجره من شاء منهما ويستقر الضمان على الشفيع لأن المنافع تلفت تحت يده فإن طالب الوكيل رجع على الشفيع وإن طالب الشفيع لم يرجع على أحد وإن ادعى على الوكيل أنك اشتريت الشقص الذي في يدك فإنكر وقال إنما أنا وكيل فيه أو مستودع له فالقول قوله مع يمنيه فإن كان للمدعي بينة حكم بها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي مع أن أبا حنيفة لا يرى القضاء على الغائب لأن القضاء هنا على الحاضر بوجوب الشفعة عليه واستحقاق انتزاع الشقص من يده وحصل القضاء على الغائب ضمنا فإن لم تكن بينة وطالب الشفيع بيمينه فنكل عنها واحتمل أن يقضى عليه لأنه لو أقر لقضي عليه فكذلك إذا نكل واحتمل أن لا يقضى عليه لأنه قضاء على الغائب بغير بينة ولا إقرار من الشقص في يده فصل وإذا ادعى على رجل شفعة في شقص اشتراه فقال ليس له ملك في شركتي فعلى الشفيع إقامة البينة أنه شريك وبه قال أبو حنيفة ومحمد والشافعي وقال أبو يوسف إذا كان في يده استحق به الشفعة لذلك لأن الظاهر من اليد الملك ولنا إن الملك لا يثبت بمجرد اليد وإذا لم يثبت الملك الذي يستحق به الشفعة لم تثبت ومجرد الظاهر لا يكفي كما لو ادعى ولد أمة في يده فإن ادعى أن المدعي يعلم أنه شريك فعلى المشتري اليمين أنه لا يعلم ذلك لأنها يمين على نفي فعل الغير فكان على العلم كاليمين على نفي دين الميت فإذا حلف سقطت دعواه وإن نكل قضي عليه فصل إذا ادعى على شريكه إنك اشتريت نصيبك من عمرو فلى شفعته فصدقه عمرو فأنكر الشريكان وقال بل ورثته من أبي فأقام المدعي بينة أنه كان ملك عمرو لم تثبت الشفعة بذلك وقال محمد تثبت ويقال له إما أن تدفعه وتأخذ الثمن وإما أن ترده إلى البائع فيأخذه الشفيع منهما لأنهما شهدا بالملك لعمرو فكأنهما شهدا بالبيع ولنا إنهما لم يشهدا بالبيع وإقرار عمرو على المنكر بالبيع لا يقبل لأنه إقرار على غيره فلا يقبل في حقه ولا تقبل شهادته عليه وليست الشفعة من حقوق العقد فيقبل فيها قول البائع فصار بمنزلة ما لو حلف أني ما اشتريت الدار فقال من كانت الدار ملكا له أنا بعته إياها لم يقبل عليه في الحنث ولا يلزم إذا أقر البائع بالبيع والشقص في يده فأنكر المشتري للشراء لأن الذي في يده الدار مقر بها للشفيع ولا منازع له فيها سواه وها هنا من الدار في يده يدعيها لنفسه والمقر بالبيع لا شيء في يده ولا يقدر على تسليم الشقص فافترقا
فصل وإذا كانت دار بين رجلين فادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه يستحق ما في يديه بالشفعة سألناهما متى ملكتماها فإن قالا ملكناها دفعة واحدة فلا شفعة لأحدهما على الآخر لأن الشفعة إنما تثبت بملك سابق في ملك متجدد بعده وإن قال كل واحد منهما ملكي سابق ولأحدهما بينة بما ادعاه قضي له وإن كان لكل واحد منهما بينة قدمنا أسبقهما تاريخا وإن شهدت بينة كل واحد منهما بسبق ملكه وتجدد ملك صاحبه تعارضتا وإن لم تكن لواحد منهما بينة نظرنا إلى السابق بالدعوى فقدمنا دعواه وسألنا خصمه فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه لأنه منكر فإن حلف سقطت دعوى الأول ثم تسمع دعوى الثاني على الأول فإن أنكر وحلف سقطت دعواهما جميعا وإن ادعى الأول فنكل الثاني عن اليمين قضينا عليه ولم تسمع دعواه لأن خصمه قد استحق ملكه وإن حلف الثاني ونكل الأول قضينا عليه فصل إذا اختلف المتبايعان في الثمن فادعى البائع أن الثمن ألفان وقال المشتري هو ألف فأقام البائع بينة أن الثمن ألفان أخذهما من المشتري وللشفيع أخذه بالألف لأن المشتري مقر له باستحقاقه بألف ويدعي أن البائع ظلمه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن حكم الحاكم عليه بألفين أخذه الشفيع بهما لأن الحاكم إذا حكم عليه بالبينة بطل قوله وثبت ما حكم به الحاكم ولنا إن المشتري مقر بأن هذه البينة وأنه ظلمه بألف فلم يحكم له به وإنما حكم بها للبائع لأنه لا يكذبها فإن قال المشتري صدقت البينة وكنت أنا كاذبا أو ناسا ففيه وجهان أحدهما لا يقبل رجوعه لأنه رجوع عن إقرار تعين به حق آدمي غيره فأشبه ما لو أقر له بدين والثاني يقبل قوله وقال القاضي هو قياس المذهب عندي كما لو أخبر في المرابحة بثمن ثم قال غلطت والثمن أكثر قبل قوله مع يمينه بل ها هنا أولى لأنه قامت البينة وبكذبه وحكم الحاكم بخلاف قوله فقبل رجوعه عن الكذب وإن لم تكن للبائع بينة فتحالفا فللشفيع أخذه بما حلف عليه البائع وإن أراد أخذه بما حلف عليه المشتري لم يكن له ذلك لأن للبائع فسخ البيع وأخذه بما قال المشتري يمنع ذلك فإن رضي المشتري يأخذه بما قال البائع جاز وملك الشفيع أخذه بالثمن الذي حلف عليه المشتري لأن حق البائع من الفسخ قد زال فإن عاد المشتري فصدق البائع وقال الثمن ألفان وكنت غالطا فهل للشفيع أخذه بالثمن الذي حلف عليه ففيه وجهان كما لو قامت به بينة فصل وإن اشترى شقصا له شفيعان فادعى على أحد الشفيعين أنه عفا عن الشفعة وشهد له بذلك الشفيع الآخر قبل عفوه عن شفعته لم تقبل شهادته لأنه يجر إلى نفسه نفعا وهو توفر الشفعة عليه فإذا ردت شهادته ثم عفا عن الشفعة ثم عاد تلك الشهادة لم تقبل لأنها ردت للتهمة فلم تقبل بعد زوالها كشهادة الفاسق إذا ردت ثم تاب وأعادها لم تقبل ولو لم يشهد حتى عفا قبلت شهادته لعدم التهمة ويحلف المشتري مع شهادته ولو لم تكن بينة فالقول قول المنكر مع يمينه وإن كانت الدعوى على الشفيعين معا فحلفا ثبتت الشفعة وإن حلف أحدهما ونكل الآخر نظرنا في الحالف فإن صدق شريكه في الشفعة في أنه لم يعف لم يحتج إلى يمين وكانت الشفعة بينهما لأن الحق له فإن الشفعة تتوفر عليه إذا سقطت شفعة شريكه وإن ادعى أنه عفا فنكل قضي له بالشفعة كلها وسواء ورثا الشفعة أو كانا شريكين وإن شهد أجنبي بعفو أحد الشفيعين واحتيج إلى يمين معه قبل عفو الآخر حلف وأخذ الكل بالشفعة وإن كان بعده حلف المشتري وسقطت الشفعة وإن كانوا ثلاثة شفعاء فشهد اثنان منهم على الثالث بالعفو بعد عفوهما قبلت وإن شهدا قبله ردت وإن شهدا بعد عفو أحدهما وقبل عفو الآخر ردت شهادة غير العافي وقبلت شهادة العافي وإن شهد البائع بعفو الشفيع بعد قبض الثمن قبلت شهادته وإن كان قبله ففيه وجهان أحدهما تقبل لأنهما سواء عنده
والثاني لا تقبل لأنه يحتمل أن يكون قصد ذلك ليسهل استيفاء الثمن لأن المشتري يأخذه من الشفيع فيسهل عليه وفاؤه أو يتعذر على المشتري الوفاء لفلسه فيستحق استرجاع المبيع وإن شهد لمكاتبه بعفو شفعة أو شهد بشراء شيء لمكاتبه فيه شفعة لم تقبل لأن المكاتب عبده فلا تقبل شهادته له كمدبره ولأن ما يحصل للمماتب ينتفع به السيد لأنه إن عجز صار له وإن لم يعجز سهل عليه الوفاء له وإن شهد على مكاتبه بشيء من ذلك قبلت شهادته لأنه غير متهم فأشبه الشهادة على ولده مسألة قال ( وإذا كانت دار بين ثلاثة لأحدهم نصفها وللآخر ثلثها وللآخر سدسها فباع أحدهم كانت الشفعة بين النفسين على قدر سهامهما ) الصحيح في المذهب أن الشقص المشفوع إذا أخذه الشفعاء قسم بينهم على قدر أملاكهم اختاره أبو بكر وروي ذلك عن الحسن وابن سيرين وعطاء وبه قال مالك وسوار والعنبري وإسحاق وأبو عبيد وهو أحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية ثانية إنه يقسم بينهم على عدد رؤوسهم اختارها بان عقيل وروي عن ذلك عن النخعي والشعبي وبه قال بان أبي ليلى وابن شبرمة والثوري وأصحاب الرأي لأن كل واحد منهم لو انفرد لاستحق الجميع فإذا اجتمعوا تساووا كالبنين في الميراث وكالمعتقين في سراية العتق ولنا إنه حق يستفاد بسبب الملك فكان على قدر الأملاك كالغلة ودليلهم ينتقض بالابن والأب أو الجد وبالجد مع الإخوة وبالفرسان مع الرجالة في الغنيمة وبأصحاب الديون والوصايا إذا نقص ماله عن دين أحدهما أو الثلث عن وصية أحدهم وفارق الأعيان لأنه إتلاف والإتلاف يستوى فيه القليل والكثير كالنجاسة تلقى في مائع وأما البنون فإنهم تساووا في التسبب وهو البنوة فتساووا في الإرث بها فنظيره في مسألتنا تساوي الشفعاء في سهامهم فعلى هذا ننظر مخرج سهام الشركاء كلهم فنأخذ منها سهام الشفعاء فإذا علمت عدتها قسمت السهم المشفوع عليها ويصير العقار بين الشفعاء على تلك العدة كما يفعل في مسائل الرد سواء ففي هذه المسألة التي ذكر الخرقي مخرج سهام الشركاء ستة فإن باع صاحب النصف فسهام الشفعاء ثلاثة لصاحب الثلث سهمان وللآخر سهم فالشفعة بينهم على ثلاثة ويصير العقار بينهم أثلاثا لصاحب الثلث ثلثاه وللآخر ثلثه وإن باع صاحب الثلث كانت بين الآخرين إرباعا لصاحب النصف ثلاثة أرباعه وللآخر ربعه وإن باع صاحب السدس كانت بين الآخرين أخماسا لصاحب النصف ثلاثة أخماسه وللآخر خمساه وعلى الرواية الأخرى يقسم الشقص المشفوع بين الآخرين نصفين على كل حال فإن باع صاحب النصف قسم النصف بين شريكيه لكل واحد الربع فيصير لصاحب الثلث ثلث وربع وللآخر ربع وسدس وإن باع صاحب الثلث صار لصاحب النصف الثلثان وللآخر الثلث وإن باع صاحب السدس فلصاحب الثلث نصف وربع ولصاحب الثلث ربع وسدس والله أعلم فصل ولو ورث أخوان دارا أو اشترياها بينهما نصفين أو غير ذلك فمات أحدهما عن ابنين فباع أحدهما نصيبه فالشفعة بين أخيه وعمه وبهذا قال أبو حنيفة والمزني والشافعي في الجديد وقال في القديم إن أخاه أحق بالشفعة وبه قال مالك لأن أخاه أخص بشركته من العم لاشتراكهما في سبب الملك
ولنا إنهما شركان حال ثبوت الشفعة فكانت بينهما كما لو ملكوا كلهم بسبب واحد ولأن الشفعة تثبت لدفع ضرر الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته وهذا يوجد في حق الكل وما ذكروه ولا أصل له ولم يثبت اعتبار الشرع له في موضع والاعتبار بالشركة لا بسببها وهل تقسم بين العم وابن أخيه نصفين أو على قدر ملكيهما على روايتين وهكذا لو اشترى رجل نصف دار ثم اشترى ابناه نصفها الآخر أو ورثاه أو اتهباه أو وصل إليهما بسبب من أسباب الملك فباع أحدهما نصيبه أو لو ورث ثلاثة دارا فباع أحدهم نصيبه من اثنين ثم باع أحد المشترين نصيبه فالشفعة بين جميع الشركاء وكذلك لو مات رجل وخلف ابنتين وأختين فباعت إحدى الأختين نصيبها أو إحدى الابنتين فالشفعة بين جميع الشركاء ولو مات رجل وخلف ثلاثة بنين وأرضا فمات أحدهم عن ابنين فباع أحد العمين نصيبه فالشفعة بين أخيه وابني أخيه ولو خلف ابنين وأوصى بثلثه اثنين فباع أحد الوصيين أو أحد الابنين فالشفعة بين شركائه كلهم ولمخالفينا في هذه المسائل اختلاف يطول ذكره فصل وإن كان المشتري شريكا فللشفيع الآخر أن يأخذ بقدر نصيبه وبهدا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن الحسن والشعبي والبتي لا شفعة للآخر لأنها تثبت لدفع ضرر الشريك الداخل وهذا شركته متقدمة فلا ضرر في شرائه وحكى ابن الصباغ عن هؤلاء أن الشفعة كلها لغير المشتري فيها لأنها تستحق عليه فلا يستحقها على نفسه ولنا إنهما تساويا في الشركة فتساويا في الشفعة كما لو اشترى أجنبي بل المشتري أولى لأنه قد ملك الشقص المشفوع وما ذكرناه للقول الأول لا يصح لأن الضرر يحصل بشراء هذا السهم المشفوع من غير نظر إلى المشتري وقد حصل شراؤه والثاني لا يصح أيضا لأننا نقول إنه يأخذ من نفسه بالشفعة وإنما يمنع الشريك أن يأخذ قدر حقه بالشفعة فيبقى على ملكه ثم لا يمنع أن يستحق الإنسان على نفسه لأجل تعلق الغير به ألا ترى أن العبد المرهون إذا جنى على عبد آخر لسيده ثبت للسيد على عبده أرش الجناية لأجل تعلق حق المرتهن به ولو لم يكن رهنا ما تعلق به إذا ثبت هذا فإن الشريك المشتري أخذ قدر نصيبه لا غير أو العفو وإن قال به المشتري قد أسقطت شفعتي فخذ الكل أو أترك لم يلزمه ذلك ولا يصح إسقاط المشتري لأن ملكه استقر على قدر حقه فجرى مجرى الشفيعين إذا أخذ بالشفعة ثم عفا أحدهما عن حقه وكذلك إذا حضر أحد الشفيعين فأخذ جميع الشقص بالشفعة ثم حضر الآحر فله أخذ للنصف من ذلك فإن قال الأول خذ الكل أو دع فإني قد أسقطت شفعتي لم يكن له ذلك فإن قيل هذا تبعيض للصفقة على المشتري قلنا هذا التبعيض اقتضاه دخوله في العقد فصار كالرضى منه به كما قلنا في الشفيع الحاضر إذا أخذ جميع الشقص وكما لو اشترى شقصا وسيفا مسألة قال ( فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر أن يأخذ إلا الكل أو يترك ) وجملته أنه إذا كان الشقص بين شفعاء فترك بعضهم فليس للباقين ألا أخذ الجميع أو ترك الجميع وليس لهم أخذ البعض وقال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على هذا وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولأن في أخذ البعض إضرارا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه والضرر لا يزال بالضرر لأن الشفعة إنما تثبت على خلاف الأصل دفعا لضرر الشريك الداخل خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة فإذا أخذ بعض الشقص لم يندفع عنه الضرر فلم يحقق المعنى المجوز لمخالفة الأصل فلا تثبت ولو كان الشفيع واحدا لم يجز له أخذ بعض المبيع لذلك فإن فعل سقطت شفعته لأنها لا تتبعض فإذا سقط بعضها سقط جميعها كالقصاص وإن وهب بعض الشركاء نصيبه من الشفعة بعض شركائه أو غيره لم يصح لأن ذلك عفو وليس بهبة فلم يصح لغير من هو عليه كالفعو عن القصاص
فصل فإن كان الشفعاء غائبين لم تسقط الشفعة لموضع العذر فإذا قدم أحدهم فلبس له الأخذ إلا الكل أو يترك الكل أو يترك لأنا لا نعلم اليوم مطالبا سواه ولأن في أخذه البعض تبعيضا لصفقة المشتري فلم يجز ذلك كما لو لم يكن معه غيره ولا يمكن تأخير حقه إلى أن يقدم شركاؤه لأن في التأخير إضرارا بالمشتري فإذا أخذ الجميع ثم حضر آخر قاسمه إن شاء أو عفا فيبقى للأول لأن المطالبة إنما وجدت منهما فإن قاسمه ثم حضر الثالث قاسمهما إن أحب أو عفا فيبقى للأولين فإن نما الشقص في يد الأول نماء منفصلا لم يشاركه فيه واحد منهما لأنه انفصل في يد المشتري قبل الأخذ بالشفعة وكذلك إذا أخذ الثاني فنما في يده نماء منفصلا لم يشاركه الثالث فيه وإن خرج الشقص مستحقا فالعهدة على المشتري يرجع الثلاثة عليه ولا يرجع أحدهم على الآخر فإن الأخذ وإن كان من الأول فهو بمنزلة النائب عن المشتري في الدفع إليهما والنائب عنهما في دفع الثمن إليه لأن الشفعة مستحقة عليه لهم وهذا ظاهر مذهب الشافعي وإن امتنع الأول من المطالبة حتى يحضر صاحباه أو قال آخذ قدر حقي ففيه وجهان أحدهما يبطل حقه لأنه قدر على أخذ الكل وتركه فأشبه المنفرد الثاني لا يبطل لأنه تركه لعذر وهو خوف قدوم الغائب فينتزعه منه والترك لعذر لا يسقط الشفعة بدليل ما لو أظهر المشتري ثمنا كثيرا فترك لذلك ثم بان بخلافه فإن ترك الأول شفعته على صاحبيه فإذا قدم الأول منهما فله أخد الجميع على ما ذكرنا في الأول فإن أخذ الأول بها ثم رد ما أخذه فكذلك وبهذا قال الشافعي وحكي عن محمد بن الحسن أنها لا تتوفر عليهما وليس لهما أخذ نصيب الأول لأنه لم يعف وإنما رد نصيبه لأجل العيب فأشبه ما لو رجع إلى المشتري ببيع أو هبة ولنا إن الشفيع فسخ ملكه ورجع إلى المشتري بالسبب الأول فكان لشريكه أخذه كما لو عفا ويفارق عوده بسبب آخر لانه عاد غير الملك الأول الذي تعلقت به الشفعة فصل وإذا حضر الثاني بعد أخذ الأول فأخذ نصف الشقص منه واقتسما ثم قدم الثالث فطالب بالشفعة وأخذ بها بطلت القسمة لأن هذا الثالث إذا أخذ بالشفعة كان كأنه مشارك في حال القسمة لثبوت حقه ولهذا لو باع المشتري ثم قدم الشفيع كان له إبطال البيع فإن قيل فكيف تصح القسمة وشريكهما الثالث غائب قلنا يحتمل أن يكون وكل في القسمة قبل البيع أو قبل علمه أو يكون الشريك رفعا ذلك إلى الحاكم وطالباه بالقسمة عن الغائب فقاسمهما وبقي الغائب على شفعته فإن قبل فكيف تصح مقاسمتهما للشقص وحق الثالث ثابت فيه قلنا ثبوت حق الشفعة لا يمنع التصرف بدليل أنه يصح بيعه وهبته وغيرهما ويملك الشفيع إبطاله كذا ها هنا إذا ثبت هذا فإن الثالث إذا قدم فوجد أحد شريكيه غائبا أخذ من الحاضر ثلث ما في يده لأنه قدر ما يستحقه ثم إن قضى له القاضي على الغائب أخذ ثلث ما في يده أيضا وإن لم يقض له انتظر الغائب حتى يقدم لأنه موضع عذر