İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل قلت بلى يا رسول الله قال فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا متفق عليه فأخبر أن للمرأة عليه حقا وقد اشتهرت قصة كعب بن سور رواهما عمر بن شبة في كتاب قضاة البصرة من وجوه إحداهن عن الشعبي أن كعب بن سور كان جالسا عند عمر بن الخطاب فجاءت امرأة فقالت يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي والله إنه ليبيت ليلة قائما ويظل نهاره صائما فاستغفر لها وأثنى عليها واستحيت المرأة وقامت راجعة فقال كعب يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها فجاء فقال لكعب اقض بينهما فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهم قال فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن ولها يوم وليلة فقال عمر والله ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر اذهب فأنت قاض على أهل البصرة وفي رواية فقالعمر نعم القاضي أنت وهذه قضية انتشرت فلم تنكر فكانت إجماعا ولأنه لو لم يكن حقا لم تستحق فسخ النكاح لتعذره بالجب والعنة وامتناعه بالإيلاء ولأنه لو لم يكن حقا للمرأة لملك الزوج تخصيص إحدى زوجتيه به كالزيادة في النفقة على قدر الواجب إذا ثبت هذا فقال أصحابنا حق المرأة ليلة من كل أربع وللأمة ليلة من كل سبع لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث حرائر ولها السابعة والذي يقوى عندي أن لها ليلة من ثمان لتكون على النصف مما للحرة فإن حق الحرة من كل ثمان ليلتان ليس لها أكثر من ذلك فلو كان للأمة ليلة من سبع لزاد على النصف ولم يكن للحرة ليلتان وللأمة ليلة ولأنه إذا كان تحته ثلاث حرائر وأمة فلم يرد أن يزيدهن على الواجب لهن فقسم بينهن سبعا فماذا يصنع في الليلة الثامنة إن أوجبنا عليه مبيتها عند حرة فقد زادها على ما يجب لها وإن باتها عند الأمة جعلها كالحرة ولا سبيل إليه وعلى ما اختزن تكون هذه الليلة الثامنة له إن أحب انفرد فيها وإن أحب بات عند الأولى مستأنفا للقسم وإن كان عنده حرة وأمة قسم لهن ثلاث ليال من ثمان وله الانفراد في خمس وإن كان تحته حرتان وأمة فلهن خمس وله ثلاث وإن كان حرتان وأمتان فلهن ست وله اثنتان وإن كانت أمة واحدة فلها ليلة وله سبع وعلى قولهم لها ليلة وله ست فصل والوطء واجب على الرجل إذا لم يكن له عذر وبه قال مالك وعلى قول القاضي لا يجب إلا أن يتركه للإضرار وقال الشافعي لا يجب عليه لأنه حق له فلا يجب عليه كسائر حقوقه ولنا ما تقدم في الفصل الذي قبله وفي بعض روايات حديث كعب أنه حين قضى بين الرجل وامرأته قال إن لها عليك حقا يا بعل تصيبها في أربع لمن عدل فأعطها ذاك ودع عنك العلل فاستحسن عمر قضاءه ورضيه ولأنه حق واحب بالإنفاق وإذا حلف على تركه فيجب قبل أن يحلف كسائر الحقوق الواجبة يحقق هذا أنه لو لم يكن واجبا لم يصر باليمين على تركه واجبا كسائر ما لا يجب ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين ودفع الضرر عنهما وهو مفض إلى دفع ضرر الشهوة عن المرأة كإفضائه إلى دفع ذلك عن الرجل فيجب تعليله بذلك ويكون النكاح حقا لهما جميعا ولأنه لو لم يكن لها فيه حق لما وجب استئذانها في العزل كالأمة إذا ثبت وجوبه فهو مقدر بأربعة أشهر نص عليهأحمد ووجهه أن الله تعالى قدره بأربعة أشهر في حق المولى فكذلك في حق غيره
لأن اليمين لا توجب ما حلف على تركه فيدل على أنه واجب بدونها فإن أصر على ترك الوطء وطالبت المرأة فقد روى ابن منصور عن أحمد في رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها يقول غدا أدخل بها غدا أدخل بها إلى شهر هل يجبر على الدخول فقال اذهب إلى أربعة أشهر إن دخل بها وإلا فرق بينهما فجعله أحمد كالمولى وقال أبو بكر بن جعفر لم يرو مسألة ابن منصور غيره وفيها نظر وظاهر قول أصحابنا أنه لا يفرق بينهما لذلك وهو قول أكثر الفقهاء لأنه لو ضرب له المدة لذلك وفرق بينهما لم يكن للإيلاء أثر ولا خلاف في اعتباره فصل وإن سافر عن امرأته لعذر وحاجة سقط حقها من القسم والوطء وإن طال سفره ولذلك لا يصح نكاح المفقود إذا ترك لامرأته نفقة وإن لم يكن له عذر مانع من الرجوع فإن أحمد ذهب إلى توقيته بستة أشهر فإنه قيل له كم يغيب الرجل عن زوجته قال ستة أشهر يكتب إليه فإن أبى أن يرجع فرق الحاكم بينهما وإنما صار إلى تقديره بهذا الحديث عمر رواه أبو حفص بإسناده عن زيد بن أسلم قال بينا عمر بن الخطاب يحرس المدينة فمر بامرأة في بيتها وهي تقول تطاول هذا الليل واسود جانبه وطال علي أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا خشية الله وحده لحرك من هذا السرير جوانبه فسأل عنها عمر فقيل له هذه فلانة زوجها غائب في سبيل الله فأرسل إليها امرأة تكون معها وبعث إلى زوجها فأقفله ثم دخل على حفصة فقال يا بنية كم تصبر المرأة عن زوجها فقالت سبحان الله مثلك يسأل مثلي عن هذا فقال لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك قالت خمسة أشهر ستة أشهر فوقت للناس في مغازيهم ستة أشهر يسيرون شهرا ويقيمون أربعة ويسيرون شهرا راجعين وسئل أحمد كم للرجل أن يغيب عن أهله قال يروى ستة أشهر وقد يغيب الرجل أكثر من ذلك لأمر لا بد له فإن غاب أكثر من ذلك لغير عذر فقال بعض أصحابنا يراسله الحاكم فإن أبى أن يقدم فسخ نكاحه ومن قال لا يفسخ نكاحه إذا ترك الوطء وهو حاضر فهاهنا أولى وفي جميع ذلك لا يجوز الفسخ عند من يراه إلا بحكم حاكم لأنه مختلف فيه فصل وسئل أحمد يؤجر الرجل أن يأتي أهله وليس له شهوة فقال إي والله يحتسب الولد وإن لم يرد الولد يقول هذه امرأة شابة لم لا يؤجر وهذا صحيح فإن أبا ذر روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مباضعتك أهلك صدقة قلت يا رسول الله أنصيب شهوتنا ونؤجر قال أرأيت لو وضعه في غير حقه كان عليه وزر قال قلت بلى قال أفتحتسبون بالسيئة ولا تحتسبون بالخير ولأنه وسيلة إلى الولد وإعفاف نفسه وامرأته وغض بصره وسكون نفسه أو إلى بعض ذلك فصل وليس عليه التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن قال أحمد في الرجل له امرأتان له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والكسي إذا كانت الأخرى في كفاية ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه وتكون تلك في كفاية وهذا لأن التسوية في هذا كله تشق فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج فسقط وجوبه كالتسوية في الوطء مسألة قال ( وعماد القسم الليل ) لا خلاف في هذا وذلك لأن الليل للسكن والإيواء يأوي فيه الإنسان إلى منزله ويسكن إلى أهله وينام في فراشه مع زوجته عادة والنهار للمعاش والخروج والتكسب والاشتغال
قال الله تعالى وجعل الليل سكنا الأنعام 96 وقال تعالى وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا النبأ 10 11 وقال ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله القصص فعلى هذا يقسم الرجل بين نسائه ليلة وليلة ويكون في النهار في معاشه وقضاء حقوق الناس وما شاء مما يباح له إلا أن يكون ممن معاشه بالليل كالحراس ومن أشبههم فإنه يقسم بين نسائه بالنهار ويكون الليل في حقه كالنهار في حق غيره فصل والنهار يدخل في القسم تبعا لليل بليل ما روي أن سودة وهبت يومها لعائشة متفق عليه وقالت عائشة قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي وإنما قبض النبي صلى الله عليه وسلم نهارا ويتبع اليوم الليلة الماضية ولأن النهار تابع لليل ولهذا يكون أول الشهر الليل ولو نذر اعتكاف شهر دخل معتكفه قبل غروب شمس الشهر الذي قبله ويخرج منه بعد غروب شمس آخر يوم منه فيبدأ بالليل وإن أحب أن يجعل النهار مضافا إلى الليل الذي يتعقبه جاز لأن ذلك لا يتفاوت فصل فإن خرج من عند بعض نسائه في زمانها فإن كان ذلك في النهار أو الليل أو آخره الذي جرت العادة بالانتشار فيه والخروج إلى الصلاة جاز فإن المسلمين يخرجون لصلاة العشاء ولصلاة الفجر قبل طلوعه وأما النهار فهو للمعاش والانتشار وإن خرج في غير ذلك ولم يلبث أن عاد لم يقض لها لأنه لا فائدة في قضاء ذلك وإن أقام قضاه لها سواء كانت إقامته لعذر من شغل أو حبس أو لغير عذر لأن حقها قد فات بغيبته عنها وإن أحب أن يجعل قضاءه لذلك غيبته عن الأخرى مثل ما غاب عن هذه جاز لأن التسوية تحصل بذلك ولأنه إذا جاز له ترك الليلة بكمالها في حق كل واحدة منهما فبعضها أولى ويستحب أن يقضي لها في مثل ذلك الوقت لأنه أبلغ في المماثلة والقضاء تعتبر المماثلة فيه كقضاء العبادات والحقوق وإن قضاه في غيره من الليل مثل أن فاتها في أول الليل فقضاه في آخره أو من آخره فقضاه في أوله ففيه وجهان أحدهما يجوز لأنه قد قضى قدر ما فاته من الليل والآخر لا يجوز لعدم المماثلة إذا ثبت هذا فإنه لا يمكن قضاؤه كله من ليلة الأخرى لئلا يفوت حق الأخرى فتحتاج إلى قضاء ولكن إما أن ينفرد بنفسه في ليلة فيقضي منها وإما أن يقسم ليلة بينهن ويفضل هذه بقدر ما فات من حقها وإما أن يترك من ليلة كل واحدة مثل ما فات من ليلة هذه وإما أن يقسم المتروك بينهما مثل أن يترك من ليلة إحداهما ساعتين فيقضي لها من ليلة الأخرى ساعة واحدة فيصير الفائت على كل واحدة منهما ساعة فصل وأما الدخول على ضرتها في زمنها فإن كان ليلا لم يجز إلا لضرورة مثل أن يكون منزولا بها فيريد أن يحضرها أو توصي إليه أو ما لا بد منه فإن فعل ذلك ولم يلبث أن خرج لم يقض وإن أقام وبرئت المرأة المريضة قضى للأخرى من ليلتها بقدر ما أقام عندها وإن خرج لحاجة غير ضرورية أتم والحكم في القضاء كما لو دخل لضرورة لأنه لا فائدة في قضاء اليسير وإن دخل عليها فجامعها في زمن يسير ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه قضاؤه لأن الوطء لا يستحق في القسم والزمن اليسير لا يقضي
والثاني يلزمه أن يقضيه وهو أن يدخل على المظلومة في ليلة المجامعة فيجامعها ليعدل بينهما ولأن اليسير مع الجماع يحصل به السكن فأشبه الكثير وأما الدخول في النهار إلى المرأة في يوم غيرها فيجوز للحاجة من دفع النفقة أو عيادة أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته أو زيارتها لبعد عهده بها ونحو ذلك لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل علي في يوم غيري فينال مني كل شيء إلا الجماع وإذا دخل إليها لم يجامعها ولم يطل عندها لأن السكن يحصل بذلك وهي لا تستحقه وفي الاستمتاع منها بما دون الفرج وجهان أحدهما يجوز لحديث عائشة والثاني لا يجوز لأنه يحصل لها به السكن فأشبه الجماع فإن أطال المقام عندها قضاه وإن جامعها في الزمن اليسير ففيه وجهان على ما ذكرنا ومذهب الشافعي على نحو ما ذكرنا إلا أنهم قالوا لا يقضي إذا جامع في النهار ولنا إنه زمن من يقضيه إذا طال المقام فيقضيه إذا جامع فيه كالليل فصل والأولى أن يكون لكل واحدة منهن مسكن يأتيها فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم هكذا ولأنه أصون لهن وأستر حتى لا يخرجن من بيوتهن وإن اتخذ لنفسه منزلا يستدعي إليه كل واحدة منهن في ليلتها ويومها كان له ذلك لأن للرجل نقل زوجته حيث شاء ومن امتنعت منهن من إجابته سقط حقها من القسم لنشوزها وإن اختار أن يقصد بعضهن في منازلهن ويستدعي البعض كان له ذلك لأن له أن يسكن كل واحدة منهن حيث شاء وإن حبس الزوج فأحب القسم بين نسائه بأن يستدعي كل واحدة في ليلتها فعليهن طاعته إن كان ذلك سكنى مثلهن وإن لم يكن لم تلزمهن إجابته لأن عليهن في ذلك ضررا وإن أطعنه لم يكن له أن يترك العدل بينهن ولا استدعاء بعضهن دون بعض كما في غير الحبس مسألة قال ( ولو وطىء زوجته ولم يطأ الأخرى فليس بعاص ) لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع وهو مذهب مالك والشافعي وذلك لأن الجماع طريقة الشهوة والميل ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الأخرى قال الله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم النساء 129 قال عبيدة السلماني في الحب والجماع وإن أمكنت التسوية بينهما في الجماع كان أحسن وأولى فإنه أبلغ في العدل وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بينهن فيعدل ثم يقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك وروى أنه كان يسوي بينهن حتى في القبل ولا تجب التسوية بينهن في الاستمتاع بما دون الفرج من القبل واللمس ونحوهما لأنه إذا لم تجب التسوية في الجماع ففي دواعيه أولى مسألة قال ( ويقسم لزوجته الأمة ليلة وللحرة ليلتين وإن كانت كتابية ) وبهذا قال علي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب ومسروق والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وذكر أبو عبيد أنه مذهب الثوري والأوزاعي وأهل الرأي وقال مالك في إحدى الروايتين عنه يسوي بين الحرة والأمة في القسم لأنهما سواء في حقوق النكاح من النفقة والسكنى وقسم الابتداء كذلك هاهنا ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين رواه الدارقطني واحتج به أحمد ولأن الحرة يجب تسليمها ليلا ونهارا فكان حظها أكثر في الإيواء ويخالف النفقة والسكنى فإنه مقدر بالحاجة وحاجتها إلى ذلك كحاجة الحرة وأما قسم الابتداء فإنما شرع ليزول الاحتشام من كل واحد منهما من صاحبه ولا يختلفان في ذلك وفي مسألتنا يقسم لهام لتساوي حظهما فصل والمسلمة والكتابية سواء في القسم فلو كان له امرأتان أمة مسلمة وحرة كتابية قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين وإن كانتا جميعا حرتين فليلة وليلة
قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء كذلك قال سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي والزهري والحكم وحماد ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وذلك لأن القسم من حقوق الزوجية فاستوت فيه المسلمة والكتابية كالنفقة والسكنى ويفارق الأمة لأن الأمة لا يتم تسليمها ولا يحصل لها الإيواء التام بخلاف الكتابية فصل فإن أعتقت الأمة في أثناء مدتها أضاف إلى ليلتها ليلة أخرى لتساوي الحرة وإن كان بعد انقضاء مدتها استؤنف القسم متساويا ولم يقض لها ما مضى لأن الحرية حصلت بعد استيفاء حقها وإن عتقت وقد قسم للحرة ليلة لم يزدها على ذلك لأنها تساويا فيسوي بينهما فصل والحق في القسم للأمة دون سيدها فلها أن تهب ليلتها لزوجها ولبعض ضرائرها كالحرة وليس لسيدها الاعتراض عليها ولا أن يهبه دونها لأن الإيواء والسكن حق لها دون سيدها فملكت إسقاطه وذكر القاضي أن قياس قول أحمد أنه يستأذن سيد الأمة في العزل عنها أن لا تجوز هبتها لحقها من القسم إلا بإذنه ولا يصح هذا لأن الوطء لا يتناوله القسم فلم يكن للولي فيه حق ولأن المطالبة بالفيئة للأمة دون سيدها وفسخ النكاح بالجب والعنة لها دون سيدها فلا وجه لإثبات الحق له هاهنا فصل ولا قسم على الرجل في ملك يمينه فمن كان له نساء وإماء فله الدخول على الإماء كيف شاء والاستمتاع بهن إن شاء كالنساء وإن شاء أقل وإن شاء أكثر وإن شاء ساوى بين الإماء وإن شاء فضل وإن شاء استمتع من بعضهن دون بعض بدليل قول الله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم النساء 3 وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية وريحانة فلم يكن يقسم لها ولأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع ولذلك لا يثبت لها الخيار يكون السيد مجبوبا أو عنينا ولا تضرب لها مدة الإيلاء لكن إن احتاجت إلى النكاح فعليه إعفافها إما بوطئها أو تزويجها أو بيعها فصل ويقسم بين نسائه ليلة ليلة فإن أحب الزيادة على ذلك لم يجز إلا برضاهن وقال القاضي له أن يقسم ليلتين ليلتين وثلاثا ثلاثا ولا تجوز الزيادة على ذلك إلا برضاهن والأولى مع هذا ليلة وليلة لأنه أقرب لعهدهن به وتجوز الثلاث لأنها في حد القلة فهي كالليلة وهذا مذهب الشافعي ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قسم ليلة وليلة ولأن التسوية واجبة وإنما جوزت البداءة بواحدة لتعذر الجمع فإذا بات عند واحدة ليلة تعينت الليلة الثانية حقا للأخرى فلم يجز جعلها للأولى بغير رضاها ولأنه تأخير لحقوق بعضهن فلم يجز بغير رضاهن كالزيادة على الثلاث ولأنه إذا كان له أربع نسوة فجعل لكل واحدة ثلاثا حصل تأخير الأخيرة في تسع ليال وذلك كثير فلم يجز كما لو كان له امرأتان فأراد أن يجعل لكل واحدة تسعا ولأن للتأخير آفات فلا يجوز مع إمكان التعجيل بغير رضا المستحق كتأخير الدين الحال والتحديد بالثلاث تحكم لا يسمع من غير دليل وكونه في حد القلة لا يوجب جواز تأخير الحق كالديون الحالة وسائر الحقوق فصل فإن قسم لإحداهما ثم طلق الأخرى قبل قسمها أثم لأنه فوت حقها الواجب لها فإن عادت إليه برجعة أو نكاح قضى لها لأنه قدر على إيفاء حقها فلزمه كالمعسر إذ أيسر بالدين فإن قسم لإحداهما ثم جاء ليقسم للثانية فأغلقت الباب دونه أو منعته من الاستمتاع بها أو قالت لا تدخل علي أو لا تبت عندي أو ادعت الطلاق سقط حقها من القسم
فإن عادت بعد ذلك إلى المطاوعة استأنف القسم بينها ولم يقض الناشز لأنها أسقطت حق نفسها وإن كان له أربع نسوة فأقام عند ثلاث منهن ثلاثين ليلة لزمه أن يقيم عند الرابعة عشرا لتساويهن فإن نشزت إحداهن عليه وظلم واحدة فلم يقسم لها وأقام عند الاثنين ثلاثين ليلة ثم أطاعته الناشز وأراد القضاء للمظلومة فإنه يقسم لها ثلاثا وللناشز ليلة خمسة أدوار فيكمل للمظلومة خمس عشرة ليلة ويحصل للناشز خمس ثم يستأنف القسم بين الجميع فإن كان له ثلاث نسوة فقسم بين اثنتين ثلاثين ليلة وظلم الثالثة ثم تزوج جديدة ثم أراد أن يقضي للمظلومة فإنه يخص الجديدة بسبع إن كانت بكرا وثلاث إن كانت ثيبا لحق العقد ثم يقسم بينها وبين المظلومة خمسة أدوار على ما قدمنا للمظلومة من كل دور ثلاثا وواحدة للجديد فصل فإن كان امرأتاه في بلدين فعليه العدل بينهما لأنه اختار المباعدة بينهما فلا يسقط حقهما عنه بذلك فإما أن يمضي إلى الغائبة في أيامها وإما أن يقدمها إليه ويجمع بينهما في بلد واحد فإن امتنعت من القدوم مع الإمكان سقط حقها لنشوزها وإن أحب القسم بينهما في بلديهما لم يكن أن يقسم ليلة وليلة فيجعل المدة بحسب ما يمكن كشهر وشهر وأكثر أو أقل على حسب ما يمكنه وعلى حسب تقارب البلدين وتباعدهما فصل ويجوز للمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها أو لبعض ضرائرها أو لهن جميعا ولا يجوز إلا برضى الزوج لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه فإذا رضيت هي والزوج جاز لأن الحق في ذلك لهما لا يخرج عنهما فإن أبت الموهوبة قبول الهبة لم يكن لها ذلك لأن حق الزوج في الاستمتاع بها ثابت في كل وقت إنما منعته المزاحمة بحق صاحبتها فإذا زالت المزاحمة بهبتها ثبت حقه في الاستمتاع بها وإن كرهت كما لو كانت منفردة وقد ثبت أن سودة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة متفق عليه ويجوز ذلك في جميع الزمان وفي بعضه فإن سودة وهبت يومها في جميع زمانها وروى ابن ماجة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على صفية بنت حيي في شيء فقالت صفية لعائشة هل لك أن ترضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك يومي فأخذت خمارا مصبوغا بزعفران فرشته ليفوح ريحه ثم اختمرت به وقعدت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك يا عائشة إنه ليس يومك قالت ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فأخبرته بالأمر فرضي عنها فإذا ثبت هذا فإن وهبت ليلتها لجميع ضرائرها صار القسم بينهن كما لو طلق الواهبة وإن وهبتها للزوج فله جعلها لمن شاء لأنه لا ضرر على الباقيات في ذلك إن شاء جعلها للجميع وإن شاء خص بها واحدة منهن وإن شاء جعل لبعضهن فيها أكثر من بعض وإن وهبتها لواحدة منهن كفعل سودة جاز ثم إن كانت تلك الليل تلي ليلة الموهوبة والى بينهما وإن كانت لا تليها لم يجز له الموالاة بينهما إلا برضاء الباقيات ويجعلها لها في الوقت الذي كان للواهبة لأن الموهوبة قامت مقام الواهبة في ليلتها فلم يجز تغييرها عن موضعها كما لو كانت باقية للواهبة ولأن في ذلك تأخير حق غيرها وتغييرا لليلتها بغير رضاها فلم يجز وكذلك الحكم إذا وهبتها للزوج فآثر بها امرأة منهن بعينها وفيه وجه آخر أنه يجوز الموالاة بين الليلتين لعدم الفائدة في التفريق والأول أصح وقد ذكرنا فيه فائدة فلا يجوز اطراحها ومتى رجعت الواهبة في ليلتها فلها ذلك في المستقبل لأنها هبة لم تقبض وليس لها الرجوع فيما مضى لأنه بمنزلة المقبوض ولو رجعت في بعض الليل كان على الزوج أن ينتقل إليها فإن لم يعلم حتى أتم الليلة لم يقبض لها شيئا لأن التفريط منها
فصل فإن بذلت ليلتها بمال لم يصح لأن حقها في كون الزوج عندها وليس ذلك بمال فلا يجوز مقابلته بمال فإذا أخذت عليه مالا لزمها رده وعليه أن يقضي لها لأنها تركته بشرط العوض ولم يلم لها وإن كان عوضها غير المال مثل إرضاء زوجها أو غيره عنها جاز فإن عائشة أرضت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفية وأخذت يومها وأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره مسألة قال ( وإذا سافرت زوجته بإذنه فلا نفقة لها ولا قسم وإن كان هو أشخصها فهي على حقها من ذلك ) وجملة الأمر أنها إذا سافرت في حاجتها بإذن زوجها لتجراة لها أو زيارة أو حج تطوع أو عمرة لم يبق لها حق في نفقة ولا قسم هكذا ذكر الخرقي والقاضي وقال أبو الخطاب في ذلك وجهان وللشافعي فيه قولان أحدهما لا يسقط حقها لأنها سافرت بإذنه أشبه ما لو سافرت معه ولنا إن القسم للأنس والنفقة للتمكين من الاستمتاع وقد تعذر ذلك بسبب من جهتها فسقط كما لو تعذر ذلك قبل دخوله بها وفارق ما إذا سافرت معه لأنه لم يتعذر ذلك ويحتمل أن يسقط القسم وجها واحدا لأنه لو سافر عنها لسقط قسمها والتعذر من جهته فإذا تعذر من جهتها بسفرها كان أولى ويكون في النفقة الوجهان وفي هذا تنبيه على سقوطهما إذا سافرت بغير إذنه فإنه إذا سقط حقها من ذلك لعدم التمكين بأمر ليس فيه نشوز ولا معصية فلأن يسقط بالنشوز والمعصية أولى وهذا لا خلاف فيه نعلمه فأما إن أشخصها وهو يبعثها لحاجته أو يأمرها بالنقلة من بلدها لم يسقط حقها من نفقة ولا قسم لأنها لم تفوت عليه التمكين ولا فات من جهتها وإنما حصل بتقويته فلم يسقط حقها كما لو أتلف المشتري المبيع لم يسقط حق البائع من تسليم ثمنه إليه فعلى هذا يقضي لها بحسب ما أقام عند ضرتها وإن سافرت معه فهي على حقها منهما جميعا مسألة قال ( وإذا أراد سفرا فلا يخرج معه منهن إلا بقرعة فإذا قدم ابتدأ القسم بينهن ) وجملته أن الزوج إذا أراد سفرا فأحب حمل نسائه معه كلهن أو تركهن كلهن لم يحتج إلى قرعة لأن القرعة لتعيين المخصوصة منهن بالسفر وهاهنا قد سوى وإن أراد السفر ببعضهن لم يجز له أن يسافر بها إلا بقرعة وهذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن مالك أن له ذلك من غير قرعة وليس بصحيح فإن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه وأيتهن خرج سهمها خرج بها معه متفق عليه ولأن في المسافرة ببعضهن من غير قرعة تفضيلا لها وميلا إليها فلم يجز بغير قرعة كالبداية بها في القسم وإن أحب المسافرة بأكثر من واحدة أقرع أيضا فقد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه فصارت القرعة لعائشة وحفصة رواه البخاري ومتى سافر بأكثر من واحدة سوى بينهن كما يسوي بينهن في الحضر ولا يلزمه القضاء للحاضرات بعد قدومه وهذا معنى قول الخرقي فإذا قدم ابتدأ القسم بينهن وهذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن داود أنه يقضي لقول الله تعالى فلا تميلوا كل الميل النساء 129 ولنا إن عائشة لم تذكر قضاء في حديثها ولأن هذه التي سافر بها يلحقها من مشقة السفر بإزاء ما حصل لها من السكن ولا يحصل لها من السكن مثل ما يحصل في الحضر فلو قضى للحاضرات لكان قد مال على المسافرة كل الميل لكن إن سافر بإحداهن بغير قرعة أثم وقضى للبواقي بعد سفره وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يقضي لأن قسم الحضر ليس بمثل قسم السفر فيتعذر القضاء ولنا إنه خص بعضهن بمدة على وجه تلحقه التهمة فيه فلزمه القضاء كما لو كان حاضرا
إذا ثبت هذا فينبغي أن لا يلزمه قضاء المدة وإنما يقضي منها ما أقام منها معها بمبيت ونحوه فأما زمان السير فلم يحصل لها منه إلا التعب والمشقة فلو جعل للحاضرة في مقابلة ذلك مبيتا عندها واستمتاعا بها لمال كل الميل فصل إذا خرجت القرعة لإحداهن لم يجب عليه السفر بها وله تركها والسفر وحده لأن القرعة لا توجب وإنما تعين من تستحق التقديم وإن أراد السفر بغيرها لم يجز لأنها تعينت بالقرعة فلم يجز العدول عنها إلى غيرها وإن وهبت حقها من ذلك لغيرها جاز إذا رضي الزوج لأن الحق لها فصحت هبتها له كما لو وهبت ليلتها في الحضر ولا يجوز بغير رضا الزوج لما ذكرنا في هبة الليلة في الحضر وإن وهبته للزوج أو للجميع جاز وإن امتنعت من السفر معه سقط حقها إذا رضي الزوج وإن أبي فله إكراهها على السفر معه لما ذكرنا وإن رضي بذلك استأنف القرعة بين البواقي وإن رضي الزوجات كلهن بسفر واحدة معه من غير قرعة جاز لأن الحق لهن إلا أن لا يرضى الزوج ويريد غير من اتفقن عليها فيصار إلى القرعة ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين السفر الطويل والقصير لعموم الخبر والمعنى وذكر القاضي احتمالا ثانيا أنه يقضي للبواقي في السفر القصير لأنه في حكم الإقامة وهو وجه لأصحاب الشافعي ولنا إنه سافر بها بقرعة فلم يقض كالطويل ولو كان في حكم الإقامة لم يجز المسافرة بإحداهن دون الأخرى كما لا يجوز إفراد إحداهن بالقسم دون الأخرى ومتى سافر بإحداهن بقرعة ثم بدا له فأبعد السفر نحو أن يسافر إلى بيت المقدس ثم يبدو له فيمضي إلى مصر فله استصحابها معه لأنه سفر واحدة قد أقرع له وإن أقام في بلدة مدة إحدى وعشرين صلاة فما دون لم يحتسب عليه بها لأنه في حكم السفر تجري عليه أحكامه وإن زاد على ذلك قضى الجميع مما أقامه لأنه خرج عن حكم السفر وإن أزمع على المقام قضى ما أقامه وإن قل لأنه خرج عن حكم السفر ثم إذا خرج بعد ذلك إلى بلده أو بلد أخرى لم يقض ما سافره لأنه في حكم السفر الواحد وقد أقرع له فصل إذا أراد الانتقال بنسائه إلى بلد آخر فأمكنه استصحابهن كلهن في سفره فعل ولم يكن له إفراد إحداهن به لأن هذا السفر لا يختص بواحدة بل يحتاج إلى نقل جميعهن فإن خص إحداهن قضى للباقيات كالحاضر فإن لم يمكنه صحبة جميعهن أو شق عليه ذلك وبعث بهن جميعا من غيره ممن هو محرم لهن جاز ولا يقضي لأحد ولا يحتاج إلى قرعة لأنه سوى بينهن وإن أراد إفراد بعضهن بالسفر معه لم يجز إلا بقرعة فإذا وصل إلى البلد الذي انتقل إليه فأقامت معه فيه قضى للباقيات مدة كونها معه في البلد خاصة لأنه صار مقيما وانقطع حكم السفر عنه فصل إذا كانت له امرأة فتزوج أخرى وأراد السفر بهما جميعا قسم للجديدة سبعا إن كانت بكرا وثلاثا إن كانت ثيبا ثم يقسم بعد ذلك بينهما وبين القديمة وإن أراد السفر بإحداهما أقرع بينهما فإن خرجت قرعة الجديدة سافر بها معه ودخل حق العقد في قسم السفر لأنه نوع قسم وإن وقعت القرعة للأخرى سافر بها فإن حضر قضى للجديدة حق العقد لأنه سافر بعد وجوبه عليه وإن تزوج اثنتين وعزم على السفر أقرع بينهما فسافر بالتي تخرج لها القرعة ويدخل حق العقد في قسم السفر فإذا قدم قضى للثانية حق العقد في أحد الوجهين لأنه حق وجب لها قبل سفره لم يؤده إليها فلزمه قضاؤه كما لو لم يسافر بالأخرى معه والثاني لا يقضيه لئلا يكون تفضيلا لها على التي سافر بها لأنه لا يحصل للمسافرة من الإيواء والسكن والمبيت عندها مثل ما يحصل في الحضر فيكون ميلا فيتعذر قضاؤه فإن قدم من سفره قبل مضي مدة ينقضي فيها حق عقد الأولى أتمه في الحضر وقضى للحاضرة مثله وجها واحدا وفيما زاد الوجهان
ويحتمل في المسألة الأولى وجها ثالثا وهو أن يستأنف قضاء حق العقد لكل واحدة منهما ولا يحتسب على المسافرة بمدة سفرها كما لا يحتسب به عليها فيما عدا حق العقد وهذا أقرب إلى الصواب من إسقاط حق العقد الواجب بالشرع بغير مسقط مسألة قال ( وإذا أعرس عند بكر أقام عندها سبعا ثم دار ولا يحتسب عليها بما أقام عندها وإن كانت ثيبا أقام عندها ثلاثا ثم دار ولا يحتسب عليها أيضا بما أقام عندها ) متى تزوج صاحب النسوة امرأة جديدة قطع الدور وأقام عندها سبعا إن كانت بكرا ولا يقضيها للباقيات وإن كانت ثيبا أقام عندها ثلاثا ولا يقضيها إلا أن تشاء هي أن يقيم عندها سبعا فإنه يقيمها عندها ويقضي الجميع للباقيات روى ذلك عن أنس وبه قال الشعبي والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وابن المنذر وروي عن سعيد بن السيب والحسن وخلاس بن عمرو ونافع مولى ابن عمر للبكر ثلاث وللثيب ليلتان ونحوه قال الأوزاعي وقال الحكم وحماد وأصحاب الرأي لا فضل للجديدة في القسم فإن أقام عندها شيئا قضاه للباقيات لأنه فضلها بمدة فوجب قضاؤها كما لو أقام عند الثيب سبعا ولنا ما روى أبو قلابة عن أنس قال من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم قال أبو قلابة لو شئت لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثا وقال ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي رواه مسلم وفي لفظ وإن شئت ثلثت ثم درت وفي لفظ وإن شئت زرتك ثم حاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث وفي لفظ رواه الدارقطني إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك وإن شكت سبعت لك ثم سبعت لنسائي وهذا يمنع قياسهم ويقدم عليه قال ابن عبد البر الأحاديث المرفوعة في هذا الباب على ما قلناه وليس مع من خالفنا حديث مرفوع والحجة مع من أدلى بالسنة فصل والأمة الحرة في هذا سواء ولأصحاب الشافعي في هذا ثلاثة أوجه أحدها كقولنا والثاني الأمة على النص من الحرة كسائر القسم والثالث للبكر من الإماء أربع وللثيب ليلتان تكميلا لبعض الليلة ولنا عموم قوله عليه السلام للبكر سبع وللثيب ثلاث ولأنه يراد للأنس وإزالة الاحتشام 241 والأمة والحرة سواء في الحاجة إليه فاستويا فيه كالنفقة فصل يكره أن يزف إليه امرأتان في ليلة واحدة أو في مدة حق عقد إحداهما لأنه لا يمكنه أن يوفيهما حقهما وتستضر التي لا يوفيها حقهما وتستوحش فإن فعل فأدخلت إحداهما قبل الأخرى بدأ بها فوفاها حقها ثم عاد فوفي الثانية ثم ابتدأ القسم وإن زفت الثانية في أثناء مدة حق العقد أتمه للأولى ثم قضى حق الثانية وإن أدخلتا عليه جميعا في مكان واحد أقرع بينهما وقدم من خرجت لها القرعة منهما ثم وفى الأخرى بعدها فصل وإذا كانت عنده امرأتان فبات عند إحداهما ليلة ثم تزوج ثالثة قبل ليلة الثانية قدم المزفوفة بلياليها لأن حقها آكد لأنه ثبت بالعقد وحق الثانية ثبت بفعله فإذا قضى حق الحديدة بدأ بالثانية فوفاها ليلتها ثم يبيت عند الجديدة ثم يبتدىء القسم وذكرالقاضي أنه إذا وفى الثانية ليلتها بات عند الجديدة نصف ليلة ثم يبتدىء القسم لأن الليلة التي يوفيها للثانية نصفها من حقها ونصفها من حق الأخرى فيثبت للجديدة في مقابلة ذلك نصف ليلة بإزاء ما حصل لكل واحدة من ضرتيها وعلى هذا القول يحتاج أن ينفرد بنفسه في نصف ليلة وفيه حرج فإنه ربما لا يجد مكانا ينفرد فيه أو لا يقدر على الخروج إليه في نصف الليلة أو المجيء منه وفيما ذكرناه من البداية بها بعد الثانية وفاء بحقها بدون هذا الحرج فيكون أولى إن شاء الله
فصل وحكم السبعة والثلاثة التي يقيمها عند المزفوفة حكم سائر القسم في أن عماده الليل وله الخروج نهارا لمعاشه وقضاء حقوق الناس وإن تعذر عليه المقام عندها ليلا لشغل أو حبس أو ترك ذلك لغير عذر قضاه لها وله الخروج لصلاة الجماعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك الجماعة لذلك ويخرج لما لا بد له منه فإن أطال قضاه وإن كان يسيرا فلا قضاء عليه مسألة قال ( وإذا ظهر منها ما يخاف معه نشوزها وعظها فإن أظهرت نشوزا هجرها فإن أردعها وإلا فله أن يضربها ضربا لا يكون مبرحا ) معنى النشوز معصية الزوج فيما فرض الله عليها من طاعته مأخوذ من النشز وهو الارتفاع فكأنها ارتفعت وتعالت عما أوجب الله عليها من طاعته فمتى ظهرت منها أمارات النشوز مثل أن تتثاقل وتدافع إذا دعاها ولا تصير إليه إلا بتكره ودمدمة فإنه يعظها فيخوفها الله سبحانه ويذكر ما أوجب الله له عليها من الحق والطاعة وما يلحقها من الإثم بالمخالفة والمعصية وما يسقط بذلك من حقوقها من النفقة والكسوة ومايباح له من ضربها وهجرها لقول الله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن النساء 34 فإن أظهرت النشوز وهي أن تعصيه وتمتنع من فراشه أو تخرج من منزله بغير إذنه فله أن يهجرها في المضجع لقول الله تعالى واهجروهن في المضاجع النساء 34 قال ابن عباس لا تضاجعها في فراشك فأما الهجران في الكلام فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام وظاهر كلام الخرقي أنه ليس له ضربها في النشوز في أول مرة وقد روي عن أحمد إذا عصت المرأة زوجها فله ضربها ضربا غير مبرح فظاهر هذا إباحة ضربها بأول مرة لقول الله تعالى واضربوهن النساء 34 ولأنها صرحت المنع فكان له ضربها كما لو أصرت ولأن عقوبات المعاصي لا تختلف بالتكرار وعدمه كالحدود ووجه قول الخرقي المقصود زجرها عن المعصية في المستقبل وما هذا سبيله يبدأ فيه بالأسهل فالأسهل كمن هجم منزله فأراد إخراجه وأما قوله واللاتي تخافون نشوزهن النساء 34 ففيها إضمار تقديره واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع فإن أصررن فاضربوهن كما قال سبحانه إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض المائدة 33 والذي يدل على هذا أنه رتب هذه العقوبات على خوف النشوز ولا خلاف في أنه لا يضر بها لخوف النشوز قبل إظهاره وللشافعي قولان كهذين فإن لم ترتدع بالوعظ والهجر فله ضربها لقوله تعالى واضربوهن النساء 34 وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح رواه مسلم معنى غير مبرح أي ليس بالشديد قال الخلال سألت أحمد بن يحيى عن قوله ضربا غير مبرح قال غير شديد وعليه أن يجتنب الوجه والمواضع المخوفة لأن المقصود التأديب لا الإتلاف وقد روى أبو داود عن حكيم في معاوية القشيري عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال أن يطمها إذا طعمت ويكسوها إذا اكتست ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت وروى عبد الله بن زمعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم ولا يزيد في ضربها على عشرة أسواط لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط حدود الله متفق عليه فصل وله تأديبها على ترك فرائض الله وسأل اسماعيل بن سعيد أحمد عما يجوز ضرب المرأة عليه قال على فرائض الله
وقال في الرجل له امرأة لا تصلي يضربها ضربا رفيقا غير مبرح وقال علي رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا التحريم 6 قال علموهم أدبوهم وروى أبو محمد الخلال بإسناده عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله عبدا علق في بيته سوطا يؤدب أهله فإن لم تصل فقد قال أحمد أخشى أن لا يحل لرجل يقيم مع امرأة لا تصلي ولا تغتسل من جنابة ولا تتعلم القرآن قال أحمد في الرجل يضرب امرأته لا ينبغي لأحد أن يسأله ولا أبوها لم ضربتها والأصل في هذا ما روى الأشعث عن عمر أنه قال يا أشعث احفظ عني شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسألن رجلا فيما ضرب امرأته رواه أبو داود ولأنه قد يضربها لأجل الفراش فإن أخبر بذلك استحيي وإن أخبر بغيره كذب فصل وإذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها لرغبته عنها إما لمرض بها أو كبر أو دمامة فلا بأس أن تضع عنه بعض حقوقها تسترضيه بذلك لقول الله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا النساء 128 روى البخاري عن عائشة وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا النساء 128 قالت هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج عليها تقول له أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري فأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي وعنعائشة أن سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله يومي لعائشة فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قالت في ذلك أنزل الله جل ثناؤه وفي أشباهها أراه قال وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا النساء 128 رواه أبو داود ومتى صالحته على ترك شيء من قسمها أو نفقتها أو على ذلك كله جاز فإن رجعت فلها ذلك قال أحمد في الرجل يغيب عن امرأته فيقول لها إن رضيت على هذا وإلا فأنت أعلم فتقول قد رضيت فهو جائز فإن شاءت رجعت مسألة قال ( والزوجان إذا وقعت بينهما العداوة وخشي عليهما أن يخرجهما ذلك إلى العصيان بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا إذا رأيا أو يفرقا فما فعلا من ذلك لزمهما ) وجملة ذلك أن الزوجين إذا وقع بينهما شقاق نظر الحاكم فإن بان له أنه من المرأة فهو نشوز قد مضى حكمه وإن بان أنه من الرجل أسكنهما إلى جانب ثقة يمنعه من الإضرار بها والتعدي عليها وكذلك إن بان من كل واحد منهما تعد أو ادعى كل واحد منهما أن الآخر ظلمه أسكنهما إلى جانب من يشرف عليهما ويلزمهما الإنصاف فإن لم يتهيأ ذلك وتمادى الشر بينهما وخيف الشقاق عليهما والعصيان بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها فنظر بينهما وفعلا ما يريان المصلحة فيه من جمع أو تفريق لقول الله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما النساء 35 واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الحكمين ففي إحدى الروايتين عنه أنهما وكيلان لهما لا يملكان التفريق لهما إلا بإذنهما وهذا مذهب عطاء وأحد قولي الشافعي وحكي ذلك عن الحسن وأبي حنيفة لأن البضع حقه والمال حقها وهما رشيدان فلا يجوز لغيرهما التصرف فيه إلا بوكالة منهما أو ولاية عليهما والثانية أنهما حاكمان ولهما أن يفعلا ما يريان من جمع وتفريق بعوض وغير عوض ولا يحتاجان إلى توكيل الزوجين ولا رضاهما
وروي نحو ذلك عن علي وابن عباس وأبي سلمة بن عبد الرحمن والشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومالك والأوزاعي وإسحاق وابن المنذر لقول الله تعالى فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها النساء 35 فسماهما حكمين ولم يعتبر رضا الزوجين ثم قال إن يريدا إصلاحا النساء 35 فخاطب الحكمين بذلك وروى أبو بكر بإسناده عن عبيدة السلماني أن رجلا وامرأة أتيا عليا مع كل واحد منهما فئام من الناس فقال علي رضي الله عنه ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها فبعثوا حكمين ثم قال علي للحكمين هل تدريان ما عليكما من الحق عليكما من الحق إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما فقالت المرأة رضيت بكتاب الله علي ولي فقال الرجل أما الفرقة فلا فقال علي كذبت حتى ترضى بما رضيت به وهذا يدل على أنه أجبره على ذلك ويروى أن عقيلا تزوج فاطمة بنت عتبة فتخاصما فجمعت ثيابها ومضت إلى عثمان فبعث حكما من أهله عبد الله بن عباس وحكما من أهلها معاوية فقال ابن عباس لأفرقن بينهما وقال معاوية ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف فلما بلغا الباب كانا قد غلقا الباب واصطلحا ولا يمتنع أن تثبت الولاية على الرشيد عند امتناعه من أداء الحق كما يقضي الدين عنه من ماله إذا امتنع ويطلق الحاكم على المولى إذا امتنع إذا ثبت هذا فإن الحكمين لا يكونان إلا عاقلين بالغين عدلين مسلمين لأن هذه من شروط العدالة سواء قلنا هم 2 ا حاكمان أو وكيلان لأن الوكيل إذا كان متعلقا بنظر الحاكم لم يجز أن يكون إلا عدلا كما لو نصب وكيلا لصبي أو مفلس ويكونان ذكرين لأنه مفتقر إلى الرأي والنظر قال القاضي ويشترط كونهما حرين وهو مذهب الشافعي لأن العبد عنده لا تقبل شهادته فتكون الحرية من شروط العدالة والأولى إن كانا وكيلين لم تعتبر الحرية لأن توكيل العبد جاز وإن كانا حكمين اعتبرت الحرية لأن الحاكم لا يجوز أن يكون عبدا ويعتبر أن يكونا عالمين بالجمع والتفريق لأنهما يتصرفان في ذلك فيعتبر علمهما به والأولى أن يكونا من أهلهما لأمر الله تعالى بذلك ولأنهما أشفق وأعلم بالحال فإن كانا من غير أهلهما جاز لأن القرابة ليست شرطا في الحكم ولا الوكالة فكان الأمر بذلك إرشادا واستحبابا فإن قلنا هما وكيلان فلا يفعلان شيئا حتى يأذن الرجل لوكيله فيما يراه من طلاق أو صلح وتأذن المرأة لوكيلها في الخلع والصلح على ما يراه فإن امتنعا من التوكيل لم يجبر أو إن قلنا إنهما حكمان فإنهما يمضيان ما يريانه من طلاق وخلع فينفذ ذلك عليهما رضياه أو أبياه فصل فإن غاب الزوجان أو أحدهما بعد بعث حكمين جاز للحكمين إمضاء رأيهما إن قلنا إنهما وكيلان لأن الوكالة لا تبطل بالغيبة وإن قلنا إنهما حاكمان لم يجز لهما إمضاء الحكم لأن كل واحد من الزوجين محكوم له وعليه والقضاء للغائب لا يجوز إلا أن يكونا قد وكلاهما فيفعلان ذلك بحكم التوكيل لا بالحكم وإن كان أحدهما قد وكل جاز لوكيله فعل ما وكله فيه مع غيبته وإن جن أحدهما بطل حكم وكيله لأن الوكالة تبطل بجنون الموكل وإن كان حاكما كما لم يجز له الحكم لأن من شرط ذلك بقاء الشقاق وحضور المتداعين ولا يتحقق ذلك مع الجنون فصل فإن شرط الحكمان شرطا أو شرطه الزوجان لم يلزم مثل أن يشترط ترك بعض النفقة والقسم لم يلزم الوفاء به لأنه لم يلزم برضى الموكلين فبرضى الوكيلين أولى وإن أبرأ وكيل المرأة من الصداق أو دين لها لم يبرأ للزوج إلا في الخلع وإن أبرأ وكيل الزوج من دين له أو من الرجل لم تبرأ الزوجة لأنهما وكيلان فيما يتعلق بالإصلاح لها في إسقاط الحقوق كتاب الخلع مسألة قال ( والمرأة إذا كانت مبغضة للرجل وتكره أن تمنعه ما تكون عاصية بمنعه فلا بأس أن تفتدي نفسها منه )
وجملة الأمر أن المرأة إذا كرهت زوجها لخلقه أو خلقه أو دينه أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك وخشيت أن لا تؤدي حق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه لقوله الله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به البقرة 229 وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنك قالت لا أنا ولا ثابت لزوجها فلما جاء ثابت قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر وقالت حبيبة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها وهذا حديث صحيح ثابت الإسناد رواه الأئمة مالك وأحمد وغيرهما وفي رواية البخاري قال جاءت امرأة ثابت بنت قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته فقالت نعم فردتها عليه وأمره ففارقها وفي رواية فقال له اقبل الحديقة وطلقها تطليقة وبهذا قال جميع الفقهاء بالحجاز والشام قال ابن عبد البر ولا نعلم أحدا خالفه إلا بكر بن عبد الله المزني فإنه لم يجزه وزعم أن آية الخلع منسوخة بقوله سبحانه وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج النساء 20 الآية وروي عن ابن سيرين وأبي قلابة أنه لا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلا لقول الله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة النساء 19 ولنا الآية التي تلوناها والخبر وأنه قول عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة لم نعرف لهم في عصرهم مخالفا فيكون إجماعا ودعوى النسخ لا تسمع حتى يثبت تعذر الجمع وأن الآية الناسخة متأخره ولم يثبت شيء من ذلك إذا ثبت هذا فإن هذا يسمى خلعا لأن المرأة تنخلع من لباس زوجها قال الله تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن البقرة 187 ويسمى افتداء لأنها تفتدي نفسها بمال تبذله قال الله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به البقرة 229 فصل ولا يفتقر الخلع إلى حاكم نص عليه أحمد فقال يجوز الخلع دون السلطات وروى البخاري ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما وبه قال شريح والزهري ومالك والشافعي وإسحاق وأهل الرأي وعن الحسن وابن سيرين لا يجوز إلا عند السلطان ولنا قول عمر وعثمان ولأنه معاوضة فلم يفتقر إلى السلطان كالبيع والنكاح ولأنه قطع عقد بالتراضي أشبه الإقالة فصل ولا بأس بالخلع في الحيض والطهر الذي أصابها فيه لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحقها بطول العدة والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه وذلك أعظم من ضرر طول العدة فجاز دفع أعلاهما بأدناهما ولذلك لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم المختلعة عن حالها ولأن ضرر تطويل العدة عليها والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضاء منها به ودليلا على رجحان مصلحتها فيه مسألة قال ( ولا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها ) هذا القول يدل على صحة الخلع بأكثر من الصداق وأنهما إذا تراضيا على الخلع بشيء صح وهذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقبيصة بن ذؤيب والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ويروى عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها وعقاص رأسها كان ذلك جائزا وقال عطاء وطاوس والزهري وعمرو بن شعيب لا يأخذ أكثر مما أعطاها وروي ذلك عن علي بإسناد منقطع واختاره أبو بكر قال فإن فعل رد الزيادة
وعن سعيد بن المسيب قال ما أرى أن يأخذ كل ما لها ولكن ليدع لها شيئا واحتجوا بما روي أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكن أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته قالت نعم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد رواه ابن ماجة ولأنه بدل في مقابلة فسخ فلم يزد على قدره في ابتداء العقد كالعوض في الإقالة ولنا قول الله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به البقرة 229 ولأنه قول من سمينا من الصحابة قالت الربيع بنت معوذ اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي فأجاز ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه ومثل هذا يشتهر فلم ينكر فيكون إجماعا ولم يصح عن علي خلافه فإذا ثبت هذا فإنه لا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها وبذلك قال سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والحكم وحماد وإسحاق وأبو عبيدة فإن فعل جاز مع الكراهة ولم يكرهه أبو حنيفة ومالك والشافعي قال مالك لم أزل أسمع إجازة الفداء بأكثر من الصداق ولنا حديث جميلة وروي عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها رواه أبو حفص بإسناده وهو صريح في الحكم فنجمع بين الآية والخبر فنقول الآية دالة على الجواز والنهي عن الزيادة للكراهة والله أعلم مسألة قال ( ولو خالعته لغير ما ذكرنا كره لها ذلك ووقع الخلع ) في بعض النسخ بغير ما ذكرنا بالباء فيحتمل أنه أراد بأكثر من صداقها وقد ذكرنا ذلك في المسألة التي قبل هذه والظاهر أنه أراد إذا خالعته لغير بغض وخشية من أن لا تقيم حدود الله لأنه لو أراد الأول لقال كره له فلما قال كره لها دل على أنه أراد مخالعتها له والحال عامرة والأخلاق ملتئمة فإنه يكره لها ذلك فإن فعلت صح الخلع في قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي ويحتمل كلام أحمد تحريمه فإنه قال الخلع مثل حديث سهلة تكره الرجل فتعطيه المهر فهذا الخلع وهذا يدل أنه لا يكون الخلع صحيحا إلا في هذه الحال وهذا قول ابن المنذر وداود وقالابن المنذر وروي معنى ذلك عن ابن عباس وكثير من أهل العلم وذلك لأن الله تعالى قال ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به البقرة 229 فدل بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف ثم غلظ بالوعيد فقال تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون البقرة 229 وروى ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة رواه أبو داود وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المختلعات والمنتزعات هن المنافقات رواه أبو حفص ورواه أحمد في المسند وذكره محتجابه وهذا يدل على تحريم الخالعة لغير حاجة ولأنه إضرار بها وبزوجها وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة فحرم لقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار واحتج من أجازه بقوله الله سبحانه فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا النساء 4 قال ابن المنذر لا يلزم من الجواز في غير عقد الجواز في المعاوضة بدليل الربا حرمه الله في العقد وأباحه في الهبة ولحجة مع من حرمه وخصوص الآية في التحريم يجب تقديمه على عموم آية الجواز مع ما عضدها من الأخبار والله أعلم
فصل فأما إن عضل زوجته وضارها بالضرب والتضييق عليها أو منعها حقوقها من النفقة والقسم ونحو ذلك لتفتدي نفسها منه ففعلت فالخلع باطل والعوض مردود روي ذلك عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي والنخعي والقاسم بن محمد وعروة وعمرو بن شعيب وحميد بن عبد الرحمن والزهري وبه قال مالك والثوري وقتادة والشافعي وإسحاق وقالأبو حنيفة العقد صحيح والعوض لازم وهو آثم عاص ولنا قوله الله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله البقرة 229 وقال الله تعالى لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن النساء 19 ولأنه عوض أكرهن على بذله بغير حق فلم يستحق كالثمن في البيع والأجر في الإجارة وإذا لم يملك العوض وقلنا الخلع طلاق وقع الطلاق بغير عوض فإن كان أقل من ثلاث فله رجعتها لأن الرجعة إنما سقطت بالعوض فإذا سقط العوض ثبتت الرجعة وإن قلنا هو فسخ ولم ينو به الطلاق لم يقع شيء لأن الخلع بغير عوض لا يقع على إحدى الروايتين وعلى الرواية الأخرى إنما رضي بالفسخ هاهنا بالعوض فإذا لم يحصل له العوض لا يحصل المعوض وقال مالك إن أخذ منها شيئا على هذا الوجه رده ومضى الخلع عليه ويتخرج لنا مثل ذلك إذ قلنا يصح الخلع بغير عوض فصل فأما إن ضربها على نشوزها ومنعها حقها لم يحرم خلعها لذلك لأن ذلك لا يمنعهما أن يخافا أن لا يقيما حدود الله وفي بعض حديث حبيبة أنها كانت تحت ثابت بن قيس فضربها فكسر ضلعها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال خذ بعض مالها وفارقها ففعل رواه أبو داود وهكذا لو ضربها ظلما لسوء خلقه أو غيره لا يريد بذلك أن تفتدي نفسها لم يحرم عليه مخالعتها لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها ولكن عليه إثم الظلم فصل فإن أتت بفاحشة فعضلها لتفتدي نفسها منه ففعلت صح الخلع لقوله الله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة النساء 19 والاستثناء من النهي إباحة ولأنها متى زنت لم يأمن أن تلحق به ولدا من غيره وتفسد فراشه فلا تقيم حدود الله في حقه فتدخل في قول الله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به البقرة 229 وهذا أحد قولي الشافعي والقول الآخر لا يصح لأنه عوض أكرهت عليه أشبه ما لو لم تزن والنص أولى فصل إذا خالع زوجته أو بارأهابعوض فإنهما يتراجعان بما بينهما من الحقوق فإن كان قبل الدخول فلها نصف المهر وإن كانت قبضته كله ردت نصفه وإن كانت مفوضة فلها المتعة وهذا قول عطاء والزهري والشافعي وقال أبو حنيفة ذلك براءة لكل واحد منهما مما لصاحبه عليه من المهر وأما الديون التي ليست من حقوق الزوجية فعنه فيها روايتان ولا تسقط النفقة في المستقبل لأنها ما وجبت بعد ولنا إن المهر حق لا يسقط بالخلع إذا كان بلفظ الطلاق فلا يسقظ بلفظ الخلع والمبارأة كسائر الديون ونفقة العدة إذا كانت حاملا ولأن نصف المهر الذييصير له لم يجب له قبل الخلع فلم يسقط بالمبارأة كنفقة العدة والنصف لها لا يبرأ منه بقولها بارأتك لأن ذلك يقتضي براءتها من حقوقه لا براءته من حقوقها مسألة قال ( والخلع فسخ في إحدى الروايتين والأخرى أنه تطليقة بائنة )
اختلفت الرواية عن أحمد في الخلع ففي إحدى الروايتين أنه فسخ وهذا اختيار أبي بكر وقول ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور وأحمد قولي الشافعي والرواية الثانية أنه طلقة بائنة روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وقبيصة وشريح ومجاهد وأبى سلمة بن عبد الرحمن والنخعي والشعبي والزهري ومكحول وابن أبي نجيح ومالك والأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي وقد روي عن عثمان وعلي وابن مسعود لكن ضعف أحمد الحديث عنهم وقال ليس في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ واحتج ابن عباس بقوله تعالى الطلاق مرتان البقرة 229 ثم قال فلا جناح عليهما فيما افتدت البقرة 229 ثم قال فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره البقرة 230 فذكر تطليقتين والخلع وتطليقة بعدها فلو كان الخلع طلاقا لكان أربعا ولأنها فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته فكانت فسخا كسائر الفسوخ ووجه الثانية أنها بذلت العوض للفرقة والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون طلاقا ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصدا فراقها فكان طلاقا كغير الخلع وفائدة الروايتين أنا إذا قلنا هو طلقة فخالعها مرة حسبت طلقة فينقص بها عدد طلاقه وإن خالعها ثلاثا طلقت ثلاثا فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وإن قلنا هو فسخ لم تحرم عليه وإن خالعها مائة مرة وهذا الخلاف فيم إذا خالعها بغير لفظ الطلاق ولم ينوه فأما إن بذلت له العوض على فراقها فهو طلاق لا اختلاف فيه وإن وقع بغير لفظ الطلاق مثل كنايات الطلاق أو لفظ الخلع والمفاداة ونحوهما ونوى به الطلاق فهو طلاق أيضا لأنه كناية نوى الطلاق فكانت طلاقا كما لو كان بغير عوض فإن لم ينو به الطلاق فهو الذي فيه الروايتان والله أعلم فصل وألفاظ الخلع تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح ثلاثة ألفاظ خالعتك لأنه ثبت له العرف والمفاداة لأنه ورد به القرآن بقوله سبحانه فلا جناح عليهما فيما افتدت البقرة 229 وفسخت نكاحك لأنه حقيقة فيه فإذا أتى بأحد هذه الألفاظ وقع من غير نية وما عدا هذه مثل بارأتك وأبرأتك وأبنتك فهو كناية لأن الخلع أحد نوعي الفرقة فكان له صريح وكناية كالطلاق وهذا قول الشافعي إلا أن له في لفظ الفسخ وجهين فإذا طلبت الخلع وبذلك العوض فأجابها بصريح الخلع وكنايته صح من غير نية لأن دلالة الحال من سؤال الخلع وبذل العوض صارفة إليه فأغنى عن النية فيه وإن لم يكن دلالة حال فأتى بصريح الخلع وقع من غير نية سواء قلنا هو فسخ أو طلاق ولا يقع بالكناية إلا بنية ممن تلفظ به منهما ككنايات الطلاق مع صريحه والله أعلم فصل ولا يحصل الخلع بمجرد بذل المال وقوله من غير لفظ الزوج قال القاضي هذا الذي عليه شيوخنا البغداديون وقد أومأ إليه أحمد وذهبأبو حفص العكبري وابن شهاب إلى وقوع الفرقة بقبول الزوج للعوض وأفتى بذلك ابن شهاب بعكبرا واعترض عليه أبو الحسن بن هرمز واستفتى عليه من كان ببغداد من أصحابنا فقال ابن شهاب المختلعة على وجهين مستبرئة ومفتدية هي التي تقول لا أنا ولا أنت ولا أبر لك قسما وأنا أفتدي نفسي منك فإذا قبل الفدية وأخذ المال انفسخ النكاح لأن إسحاق بن منصور روى قال قلت لأحمد كيف الخلع قال إذا أخذ المال فهي فرقة وقال إبراهيم النخعي أخذا المال تطليقة بائنة ونحو ذلك عن الحسن وعن علي رضي الله عنه من قبل مالا على فراق فهي تطليقة بائنة لا رجعة لها فيها واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم لجميلة أتردين عليه حديقته قالت نعم ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما وقال خذ ما أعطيتها ولا تزدد ولم يستدع منه لفظا ولأن دلالة الحال تغني عن اللفظ بدليل ما لو دفع ثوبه إلى قصار أو خياط معروفين بذلك فعملاه استحقا الأجرة وإن لم يشترطا عوضا
ولنا إن هذا أحد نوعي الخلع فلم يصح بدون اللفظ كما لو سألته أن يطلقها بعوض ولأنه تصرف في البضع بعوض فلم يصح بدون اللفظ كالنكاح والطلاق ولأن أخذ المال قبض لعوض فلم يقم بمجرده مقام الإيجاب كقبض أحد العوضين في البيع ولأن الخلع إن كان طلاقا فلا يقع بدون صريحه أو كنايته وإن كان فسخا فهو أحد طرفي عقد النكاح فيعتبر فيه اللفظ كابتداء العقد وأما حديث جميلة فقد رواه البخاري أقبل الحديقة وطلقها تطليقة وهذا صريح في اعتبار اللفظ وفي رواية فأمره ففارقها ومن لم يذكر الفرقة فإنما اقتصر على بعض القصة بدليل رواية من روى الفرقة والطلاق فإن القصة واحدة والزيادة من الثقة مقبولة ويدل على ذلك أنه قال ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقال خذ ما أعطيتها فجعل التفريق قبل العوض ونسب التفريق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يباشر التفريق فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به ولعل الراوي استغنى بذكر العوض عن ذكر اللفظ لأنه معلوم منه وعلى هذا يحمل كلام أحمد وغيره من الأئمة ولذلك لم يذكروا من جانبها لفظا ولا دلالة حال ولا بد منه اتفاقا مسألة قال ( ولا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق ولو واجهها به ) وجملة ذلك أن المختلعة لا يلحقها طلاق بحال وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن والشعبي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وحكي عن أبي حنيفة أنه يلحقها الطلاق الصريح المعين دون الكناية والطلاق المرسل وهو أن يقول كل امرأة لي طالق وروي نحو ذلك عن سعيد المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري لما روى عنالنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة ولنا أنه قول ابن عباس وابن الزبير ولا نعرف لهما مخالف في عصرها ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد فلم يلحقها طلاقه كالمطلقة قبل الدخول أو المنقضية عدتها ولأنه لا يملك بضعها فلم يلحقها طلاقه كالأجنبية ولأنها لا يقع الطلاق المرسل ولا تطلق بالكناية فلم يلحقها الصريح المعين كما قبل الدخول ولا فرق بين أن يواجهها به فيقول أنت طالق أو لا يواجهها به مثل أن يقول فلانه طالق وحديثهم لا نعرف له أصلا ولا ذكره أصحاب السنن فصل ولا يثبت في الخلع رجعة سواء هو فسخ أو طلاق في قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وعطاء وطاوس الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وحكي عن الزهري وسعيد ابن المسيب أنهما قالا الزوج بالخيار بين إمساك العوض ولا رجعة له وبين رده وله الرجعة وقال أبو ثور إن كان الخلع بلفظ الطلاق فله الرجعة لأن الرجعة من حقوق الطلاق فلا تسقط بالعوض كالولاء مع العتق ولنا قوله سبحانه فيما افتدت به البقرة 229 وإنما يكون فداء إذا خرجت به عن قبضته وسلطانه وإذا كانت له الرجعة فهي تحت حكمه ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر وفارق الولاء فإن العتق لا ينفك منه والطلاق ينفك عن الرجعة فيما قبل الدخول وإذا أكمل العدد
فصل فإن شرط في الخلع أن له الرجعة فقال ابن حامد يبطل الشرط ويصح الخلع وهو قول أبي حنيفة وأحد الروايتين عن مالك لأن الخلع لا يفسد يكون عوضه فاسدا فلا يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح ولأنه لفظ يقتضي البينونة فإذا شرط الرجعة معه بطل الشرط كالطلاق الثلاث ويحتمل أن يبطل الخلع وتثبت الرجعة وهو منصوص الشافعي لأن شرط العوض والرجعة متنافيان فإذا شرطاهما سقطا وبقي مجرد الطلاق فنثبت الرجعة بالأصل لا بالشرط ولأنه شرط في العقد ما ينافي مقتضاه فأبطله كما لو شرط أن لا يتصرف في المبيع وإذا حكمنا بالصحة فقال القاضي يسقط المسمى في العوض لأنه لم يرض به عوضا حتى ضم إليه الشرط فإذا سقط الشرط وجب ضم النقصان الذي نقصه من أجله إليه فيصير مجهولا فيسقط ويجب المسمى في العقد ويحتمل أن يجب المسمى لأنهما تراضيا به عوضا فلم يجب غيره كما لو خلا عن شرط الرجعة فصل فإن شرط الخيار لها أو له يوما أو أكثر وقبلت المرأة صح الخلع وبطل الخيار وبه قال أبو حنيفة فيما إذا كان الخيار للرجل وقال إذا جعل الخيار للمرأة ثبت لها الخيار ولم يقع الطلاق ولنا إن سبب وقوع الطلاق وجد وهو اللفظ به فوقع كما لو أطلق ومتى وقع فلا سبيل إلى رفعه فصل نقل مهنا في رجل قالت له امرأته اجعل أمري بيدي وأعطيك عبدي هذا فقبض العبد وجعل أمرها بيدها وباع العبد قبل أن تقول المرأة شيئا هو له إنما قالت اجعل أمري بيدي وأعطيك فقيل له متى شاءت تختار قال نعم ما لم يطأها أو ينقض فجعل له الرجوع ما لم تطلق وإذا رجع فينبغي أن ترجع عليه بالعوض لأنه استرجع ما جعل لها فتسترجع منه ما أعطته ولو قال إذا جاء رأس الشهر فأمرك بيدك ملك إبطال هذه الصفة لأن هذا يجوز الرجوع فيه لو لم يكن معلقا فمع التعليق أولى كالوكالة قال أحمد ولو جعلت له امرأته ألف درهم على أن يخيرها فاختارت الزوج لا يرد عليها شيئا ووجهه أن الألف في مقابلة تمليكه إياها الخيار وقد فعل فاستحق الألف وليست الألف في مقابلة الفرقة فصل إذا قالت امرأته طلقني بدينار فطلقها ثم ارتدت لزمها الدينار ووقع الطلاق بائنا ولا تؤثر الردة لأنها وجدت البينونة وإن طلقها بعد ردتها وقبل دخوله بها بانت الردة ولم يقع الطلاق لأنه صادفها بائنا فإن كان بعد الدخول وقلنا إن الردة ينفسخ بها النكاح في الحال فكذلك وإن قلنا يقف على انقضاء العدة كان الطلاق مراعى فإن أقامت على ردتها حتى انقضت عدتها تبينا أنها لم تكن زوجته حين طلقها فلم يقع ولا شيء له عليها وإن رجعت إلى الإسلام بان أن الطلاق صادف زوجة فوقع واستحق عليها العوض مسألة قال ( وإن قالت له اخلعني على ما في يدي من الدراهم ففعل فلم يكن في يدها شيء لزمه ثلاثة دراهم ) وجملة ذلك أن الخلع بالمجهول جائز وله ما جعل له وهذا قول أصحاب الرأي وقال أبو بكر لا يصح الخلع ولا شيء له لأنه معاوضة فلا يصح بالمجهول كالبيع وهذا قول أبي ثور وقال الشافعي يصح الخلع وله مهر مثلها لأنه معاوضة بالبضع فإذا كان العوض مجهولا وجب مهر المثل كالنكاح
ولنا إن الطلاق معنى يجوز تعليقه بالشرط فجاز أن يستحق به العوض المجهول كالوصية ولأن الخلع إسقاط لحقه من البعض وليس فيه تمليك شيء والإسقاط تدخله المسامحة ولذلك جاز عن غير عوض بخلاف النكاح وإذا صح الخلع فلا يجب مهر المثل لأنها لم تبذله ولا فوتت عليه ما يوجبه فإن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم بدليل ما لو أخرجته من ملكه بردتها أو رضاعها لمن يفسخ به نكاحها لم يجب عليها شيء ولو قتلت نفسها أو قتلها أجنبي لم يجب للزوج عوض عن بعضها ولو وطئت بشبهة أو مكرهة لوجب المهر لها دون الزوج ولو طاوعت لم يكن للزوج شيء وإنما يتقوم البضع على الزوج في النكاح خاصة وأباح لها افتداء نفسها لحاجتها إلى ذلك فيكون الواجب ما رضيت ببذله فأما إيجاب شيء لم ترض به فلا وجه له فعلى هذا إن خلعها على ما في يدها من الدراهم صح فإن كان في يدها من الدراهم فهي له وإن لم يكن في يدها شيء فله عليها ثلاثة نص عليه أحمد لأنه أقل ما يقع عليه اسم الدراهم حقيقة ولفظها دل على ذلك فاستحقه كما لو له بدراهم وإن كان في يدها أقل من ثلاثة احتمل أن لا يكون له غيره لأنه من الدراهم وهو في يدها واحتمل أن يكون له ثلاثة كاملة لأن اللفظ يقتضيها فيما إذا لم يكن في يدها شيء فكذلك إذا كان في يدها فصل والخلع عل مجهول ينقسم أقساما أحدها أن يخالع على عدد مجهول من شيء غير مختلف كالدنانير والدراهم كالتي يخالعها على ما في يدها من الدراهم فهي هذه التي ذكر الخرقي حكمها والثاني أن يكون ذلك من شيء مختلف لا يعظم اختلافه مثل أن يخالعها على عبد مطبق أو عبيد أو يقول إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فإنها تطلق بأي عبد أعطته إياه ويملكه بذلك ولا يكون له غيره وكذلك إن خالعته عليه فليس له إلا ما يقع عليه اسم العبد وإن خالعته على عبيد فله ثلاثة هذا ظاهر كلام أحمد وقياس قوله وقول الخرقي في المسألة التي قبلها وقد قال أحمد فيما إذا قال إذا أعطيتني عبدا فأنت طالق فإذا أعطته عبدا فهي طالق والظاهر من كلامه ما قلناه وقال القاضي له عليها وسط وتأول كلام أحمد على أنها أعطته عبدا وسطا والظاهر خلافه ولنا إنها خالعته على مسمى مجهول فكان له أقل ما يقع عليه الاسم كما لو خالعها على ما في يدها من الدراهم ولأنه إذا قال إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فأعطته عبدا فقد وجد شرطه فيجب أن يقع الطلاق كما لو قال إن رأيت عبدا فأنت طالق ولا يلزمها أكثر منه لأنها لم تلتزم له شيئا فلا يلزمها شيء كما لو طلقها بغير خلع الثالث أن يخالعها على مسمى تعظم الجهالة فيه مثل أن يخالعها على دابة أو بعير أو بقرة أو ثوب أو يقول إن أعطيتني ذلك فأنت طالق فالواجب في الخلع ما يقع عليه الاسم من ذلك ويقع الطلاق بها إذا أعطته إياه فيما إذا علق طلاقها على عطيته إياه ولا يلزمها غير ذلك في قياس ما قبلها وقال القاضي وأصحابه من الفقهاء ترد عليه ما أخذت من صداقها لأنها فوتت البضع ولم يحصل له العوض لجهالته فوجب عليها قيمة ما فوتت وهو المهر ولنا ما تقدم ولأنها ما التزمت له المهر المسمى ولا مهر المثل فلم يلزمها كما لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق ولأن المسمى قد استوفى بدله بالوطء فكيف يجب بغير رضى ممن يجب عليه والأشبه بمذهب أحمد أن يكون الخلع بالمجهول كالوصية به ومن هذا القسم لو خالعها على ما في بيتها من المتاع فإن كان فيه متاع فهو له قليلا كان أو كثيرا معلوما أو مجهولا وإن لم يكن فيه متاع فله أقل ما يقع عليه اسم المتاع وفي قول القاضي عليها المسمى في الصداق وهو قول أصحاب الرأي والوجه للقولين ما تقدم
الرابع أن يخالعها على حمل أمتها أو غنمها أو غيرهما من الحيوان أو قال على ما في بطونها أو ضروعها فيصح الخلع وروي عن أبي حنيفة يصح الخلع على ما في بطنها ولايصح على حملها ولنا إن حملها هو ما في بطنها فصح الخلع عليه كما لو قال على ما في بطنها إذا ثبت هذا فإنه إن خرج الولد سليما أو كان في ضروعها شيء من اللبن فهو له وإن لم يخرج شيء فقال القاضي لا شيء له وهو قول مالك وأصحاب الرأي وقال ابن عقيل لها مهر المثل وقال أبو الخطاب له المسمى وإن خالعها على ما يثمر نخلها أو تحمل أمتها صح قال أحمد إذا خالع امرأته على ثمرة نخلها سنين فجائز فإن لم يحمل نخلها ترضيه بشيء قيل له فإن حمل نخلها قال هذا أجود من ذاك قيل له يستقيم هذا قال نعم جائز فيحتمل قول أحمد ترضيه بشيء أي له أقل ما يقع عليه اسم الثمرة أو الحمل فتعطيه عن ذلك شيئا أي شيء كان مثل ما ألزمناه في مسألة المتاع وقال القاضي لا شيء له وتأول قول أحمد ترضيه بشيء على الاستحباب لأنه لو كان واجبا لتقدر بتقدير يرجع إليه وفرق بين هاتين المسألتين ومسألة الدراهم والمتاع حيث يرجع فيهما بأقل ما يقع عليه الاسم إذا لم يجد شيئا وهاهنا لا يرجع بشيء إذا لم يجد حملا ولا ثمرة ثم أوهمته أن معها دراهم وفي بيتها متاع لأنها خاطبته بلفظ يقتضي الوجود مع إمكان علمها به فكان له ما دل عليه لفظها كما لو خالعته على عبد فوجده حرا وفي هاتين المسألتين دخل معها في العقد مع تساويهما في العلم في الحال ورضاهما بما فيه من الاحتمال فلم يسكن له شيء غيره كما لو قال خالعتك على هذا الحر وقال أبو حنيفة لا يصح العوض هاهنا لأنه معدوم ولنا إن ما جاز في الحمل في البطن جاز فيما يحمل كالوصية واختار أبو الخطاب أن له في هذه الأقسام الثلاثة المسمى في الصداق وأوجب له الشافعي مهر المثل ولم يصحح أبو بكر الخلع في هذا كله وقد ذكرنا نصوص أحمد على جوازه والدليل عليه والله أعلم فصل إذا خالعته على رضاع ولده سنتين صح وكذلك إن جعلا وقتا معلوما قل أو كثر وبهذا قال الشافعي لأن هذا مما تصح المعاوضة عليه في غير الخلع ففي الخلع أولى فإن خالعته على رضاع ولده مطلقا ولم يذكرا مدته صح أيضا وينصرف إلى ما بقي من الحولين نص عليه أحمد قيل له ويستقيم هذا الشرط رضاع ولدها ولا يقول ترضعه سنتين قال نعم وقال أصحاب الشافعي لا يصح حتى يذكرا مدة الرضاع كما لا تصح الإجازة حتى يذكرا المدة ولنا إن الله تعالى قيده بالحولين فقال تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين البقرة 233 وقال سبحانه وفصاله في عامين لقمان 14 وقال وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف 15 ولم يبين مدة الحمل هاهنا والفصال فحمل على ما فسرته الآية الأخرى وجعل الفصال عامين والحمل ستة أشهر وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا رضاع بعد فصال يعني بعد العامين فيحمل المطلق من كلام الادمي على ذلك ولا يحتاج إلى وصف الرضاع لأن جنسه كاف كما لو ذكر جنس الخياطة في الإجارة فإن ماتت المرضعة أو جف لبنها فعليها أجر المثل لما بقي من المدة وإن مات الصبي فكذلك وقال الشافعي في أحد قوليه لا ينفسخ ويأتيها بصبي ترضعه مكانه لأن الصبي مستوفى به لا معقودا عليه فأشبه ما لو استأجر دابة ليركبها فماتت