Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V06/P213–V06/P214

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجبت الزكاة وليس في البلد الذي فيه المال أحد من الأصناف نقلها إلى أقرب البلاد إليه لأنهم أقرب إلى المال . فإن وجد فيه بعض الأصناف ففيه طريقان أحدهما : يغلب حكم المكان فيدفع إلى من في بلد المال من الأصناف والثاني : يغلب حكم الأصناف فيدفع إلى من بلد المال بسهمهم ، وينقل الباقي إلى بقية الأصناف في غير بلد المال وهو الصحيح ، لأن استحقاق الأصناف أقوى لأنه ثبت بنص الكتاب ، واعتبار البلد ثبت بخبر الواحد ، فقدم من ثبت حقه بنص الكتاب ، فإن قسم الصدقة على الأصناف فنقص نصيب بعضهم عن كفايتهم ونصيب الباقين على قدر كفايتهم دفع إلى كل واحد منهم ما قسم له ، ولا يدفع إلى من ينقص سهمه عن كفايته من نصيب الباقين شيء ، لأن كل صنف منهم ملك سهمه ، فلا ينقص حقه لحاجة غيره ، وإن كان نصيب بعضهم ينقص عن كفايته ونصيب البعض يفضل عن كفايته فإن قلنا : المغلب اعتبار البلد الذي فيه المال صرف ما فضل إلى بقية الأصناف في البلد ، وإن قلنا : المغلب اعتبار الأصناف صرف الفاضل إلى ذلك الصنف الذي فضل عنهم بأقرب البلاد . + الشرح : قال أصحابنا : إذا عدم في بلد جميع الأصناف وجب نقل الزكاة إلى أقرب البلاد إلى موضع المال ، فإن نقل إلى الأبعد كان على الخلاف في نقل الزكاة وإن عدم بعضهم فإن جوزنا نقل الزكاة نقل نصيب المعدوم إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد ، وإن لم نجوزه فوجهان مشهوران ، وحكاهما المصنف طريقين ، والمعروف في كتب الأصحاب وجهان ، ولعله أراد أنهما بالتفريع عليهم يصيران طريقين أصحهما : عند المصنف وجماعة يغلب حكم الأصناف ، فينقل لما ذكره المصنف وأصحهما : عند آخرين ، منهم الرافعي يغلب حكم البلد ، فيرد على باقي الأصناف في البلد ، لأن عدم الشيء في موضعه كعدمه مطلقا ، كما أن من عدم الماء تيمم مع أنه موجود في موضع آخر . ( فإن قلنا ) : ينقل ، نقل إلى أقرب البلاد ، وصرف إلى ذلك الصنف ، فإن نقل إلى أبعد أو لم ينقل وفرقه على الباقين ضمن ( وإن قلنا ) : لا ينقل فنقل ضمن ، ولو وجد كل الأصناف ونقص سهم بعضهم عن الكفاية ، وزاد سهم بعضهم على الكفاية ، فهل يصرف ما زاد إلى هذا الصنف الناقص سهمه أم ينقل إلى الصنف الذين زاد سهمهم عنهم بأقرب البلاد فيه هذا الخلاف ( فإن قلنا ) يصرف إلى الناقصين فكانوا أصنافا قسم بينهم بالسوية ، ولو زاد نصيب جميع الأصناف على الكفاية ، أو نصيب بعضهم ولم ينقص نصيب الآخرين ، نقل ما زاد إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد بلا خلاف ، والله تعالى أعلم .

Section V06/P214–V06/P215

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجبت عليه زكاة الفطر وهو في بلد وماله فيه وجب إخراجها إلى الأصناف في البلد ، لأن مصرفها مصرف سائر الزكوات ، وإن كان ماله في بلد وهو في بلد آخر ففيه وجهان أحدهما : أن الاعتبار بالبلد الذي فيه المال والثاني : أن الاعتبار بالبلد الذي هو فيه ، لأن الزكاة تتعلق بعينه ، فاعتبر الموضع الذي هو فيه كالمال في سائر الزكوات . + الشرح : قال أصحابنا : إذا كان في وقت وجوب زكاة الفطر في بلد وماله فيه ، وجب صرفها فيه ، فإن نقلها عنه كان كنقل باقي الزكوات ففيه الخلاف والتفصيل السابق ، وإن كان في بلد وماله في آخر فأيهما يعتبر فيه وجهان أحدهما : بلد المال كزكاة المال وأصحهما : بلد رب المال ، ممن صححه المصنف في التنبيه والجرجاني في التحرير والغزالي والبغوي والرافعي وآخرون ، فعلى هذا لو كان له من تلزمه نفقته وفطرته وهو في بلد آخر ، قال صاحب البيان : الذي يقتضيه المذهب أنه يبني على الوجهين في أنها تجب على المؤدي ابتداء أم على المؤدى عنه . والله أعلم . ولو كان بعض ماله معه في بلد وبعضه في بلد آخر وجبت زكاة الفطر في البلد الذي هو فيه بلا خلاف . قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا وجبت الزكاة لقوم معينين في بلد فلم يدفع إليهم حتى مات بعضهم انتقل حقه إلى ورثته لأنه تعين حقه في حال الحياة ، فانتقل بالموت إلى ورثته . + الشرح : قال أصحابنا رحمهم الله تعالى : للشافعي رضي الله عنه في هذه المسألة نصان ، قال في موضع : إنما يستحق أهل السهمان يوم القسم إلا العامل فإنه يستحق بالعمل ، وقال في موضع آخر يستحقون يوم الوجوب ، وقال في موضع : لو مات واحد منهم بعد وجوب الزكاة كان حقه لورثته ، سواء كان غنيا أو فقيرا وهذا النص بمعنى الذي قبله . قال أصحابنا : ليست المسألة على قولين ، بل على حالين ، فالموضع الذي قال فيه : يعتبر الوجوب ، فإذا مات أحدهم انتقل حقه إلى ورثته أراد به إذا كانت قد وجبت لقوم معينين في بلد بأن لم يكن فيه من صنف إلا ثلاثة ، فيتعين نصيب ذلك الصنف لهم ، ولا يتغير بحدوث شيء ، فلو مات أحدهم وجب نصيبه لوارثه وإن غاب أو استغنى فحقه باق بحاله ، وإن قدم غريب لم يشاركهم . والموضع الذي اعتبر فيه وقت القسمة أراد به إذا لم يكونوا معينين ، بأن كل في البلد من كل صنف أكثر من ثلاثة ، فإن الزكاة لا تتعين لهم ، وإن مات بعضهم بعد الوجوب وقبل القسمة أو استغنى فلا حق له ، وإن قدم غريب شاركهم ، فلو كان غنيا وقت الوجوب ، فقيرا وقت القسمة أعطي منها . هذا التفصيل الذي ذكرته هو طريقة أصحابنا العراقيين . وقال الخراسانيون : الموضع الذي اعتبر فيه حال الوجوب أراد إذا لم يكن في البلد إلا ثلاثة أو أقل ، ومنعنا نقل الزكاة والموضع الذي اعتبر فيه يوم القسمة إذا كانوا أكثر من ثلاثة ، وجوزنا نقل الزكاة ، والله أعلم .

Section V06/P215–V06/P217

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز دفع زكاة إلى هاشمي لقوله صلى الله عليه وسلم : نحن أهل بيت لا تحل لنا الصدقة ولا يجوز دفعها إلى مطلبي لقوله صلى الله عليه وسلم : إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد ، وشبك بين أصابعه ولأنه حكم واحد يتعلق بذوي القربى فاستوى فيه الهاشمي والمطلبي كاستحقاق الخمس . وقال أبو سعيد الاصطخري : إن منعوا حقهم من الخمس جاز الدفع إليهم ، لأنهم إنما حرموا الزكاة لحقهم في خمس الخمس ، فإذا منعوا الخمس وجب أن يدفع إليهم ، والمذهب الأول ، لأن الزكاة حرمت عليهم لشرفهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس ، وفي مواليهم وجهان أحدهما : يدفع إليهم والثاني : لا يدفع إليهم وقد بينا وجه المذهبين في سهم العامل . + الشرح : الحديث الأول رواه البخاري ومسلم بمعناه ، ولفظ روايتهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الحسن بن علي رضي الله عنهما أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كخ كخ ، ليطرحها ثم قال : أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة وفي رواية لمسلم إنا لا تحل لنا الصدقة وفي رواية البخاري أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة وعن المطلب بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس ، وأنها لا تحل لمحمد ولا آل محمد رواه مسلم ، وسبق بيانه بطوله في أول هذا الباب في بعث الإمام السعاة . وأما : الحديث الآخر إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه فرواه البخاري في صحيحه من رواية جبير بن مطعم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : شيء واحد روي بشين معجمة مفتوحة وهمز آخره وري سي بسين مهملة مكسورة وياء مشددة بلا همز والسيء بالمهملة المثل . وأما الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث بي أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل أعطاه إياها من الصدقة يبدلها فجوابه من وجهين أجاب بهما البيهقي . أحدهما : أن يكون قبل تحريم الصدقة على بني هاشم ، ثم صار منسوخا بما ذكرناه والوجه الثاني : أن يكون قد اقترض من العباس للفقراء إبلا ثم أوفاه إياها من الصدقة ، وقد جاء في رواية أخرى ما يدل على هذا ، وبهذا الثاني أجاب الخطابي ، والله تعالى أعلم . أما قوله : وقد بينا وجه المذهبين في سهم العامل فمراده أنه بينه في أول الباب في فصل بعث السعاة ، ولم يذكره في سهم العامل ، وعبارته موهمة ، ولو قال في أول الباب لكان أجود . أما الأحكام : فالزكاة حرام على بني هاسم وبني المطلب بلا خلاف ، إلا ما سبق فيما إذا كان أحدهما عاملا ، والصحيح تحريمه ، وفي مواليهم وجهان أصحهما : التحريم ، ودليل الجميع في الكتاب ، ولو منعت بنو هاشم وبنو المطلب حقهم من خمس الخمس هل تحل الزكاة فيه الوجهان المذكوران في الكتاب أصحهما : عند المصنف والأصحاب لا تحل والثاني : تحل ، وبه قال الاصطخري ، قال الرافعي : وكان محمد بن يحيى صاحب الغزالي يفتي بهذا ، ولكن المذهب الأول وموضع الخلاف إذا انقطع حقهم من خمس الخمس لخلو بيت المال من الفيء والغنيمة أو لاستيلاء الظلمة واستبدادهم بهما والله تعالى أعلم . هذا مذهبنا ، وجوز أبو حنيفة صرف الزكاة إلى بني المطلب ، ووافق على تحريمها على بني هاشم ، ودليلنا ما ذكره المصنف ، والله تعالى أعلم .

Section V06/P217–V06/P218

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز دفعها إلى كافر لقوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ رضي الله عنه : أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم وسبق بيانه في فصل نقل الزكاة وغيره ، ولا يجوز دفع شيء من الزكوات إلى كافر ، سواء زكاة الفطر وزكاة المال وهذا لا خلاف فيه عندنا . قال ابن المنذر : أجمعت الأمة أنه لا يجزىء دفع زكاة المال إلى الذمي ، واختلفوا في زكاة الفطر ، فجوزها أبو حنيفة ، وعن عمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل ومرة الهمداني أنهم كانوا يعطون منها الرهبان ، وقال مالك والليث وأحمد وأبو ثور : لا يعطون ، ونقل صاحب البيان عن ابن سيرين والزهري جواز صرف الزكاة إلى الكفار . قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا بجوز دفعها إلى غني من سهم الفقراء لقوله صلى الله عليه وسلم : لا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب ولا يجوز دفعها إلى من يقدر على كفايته بالكسب للخبر ، ولأن غناه بالكسب كغناه بالمال . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وسبق بيانه في فصل أسلم عن أخيه عن أبيه عن عمر رضي الله عنه قال : وروي أيضا من وجهين آخرين عن عمر مفسرا في القضاء ، ثم ذكره البيهقي بأسانيده عن عمر رضي الله عنه ، وفيه التصريح بالقضاء . فأحد الوجهين عن علي بن حنظلة عن أبيه ، وكان أبوه صديقا لعمر ، قال : كنت عند عمر رضي الله عنه في رمضان فأفطر وأفطر الناس ، فصعد المؤذن ليؤذن فقال : أيها الناس هذه الشمس لم تغرب ، فقال عمر رضي الله عنه : من كان أفطر فليصم يوما مكانه وفي الرواية الأخرى فقال عمر : لا نبالي ، والله نقضى يوما مكانه ثم قال البيهقي : وفي تظاهر هذه الروايات عن عمر رضي الله عنه في القضاء ، دليل على خطأ رواية زيد بن وهب في ترك القضاء ، ثم روى البيهقي ذلك بإسناده عن يعقوب بن سفيان الحافظ ، عن عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن زيد بن وهب قال : بينما نحن جلوس في مسجد المدينة في رمضان والسماء متغيمة ، فرأينا أن الشمس قد غابت وأنا قد أمسينا ، فأخرجت لنا عساس من لبن من بيت حفصة فشرب عمر رضي الله عنه وشربنا ، فلم نلبث أن ذهب السحاب وبدت الشمس ، فجعل بعضنا يقول لبعض : نقضي يومنا هذا ، فسمع بذلك عمر فقال : والله لا نقضيه ، وما يجانفنا الاثم قال البيهقي : كذا رواه شيبان ، ورواه حفص بن عتاب وأبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب . قال البيهقي : وكان يقول ابن سفيان يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة وبعدها مما خولف فيه . قال البيهقي : وزيد ثقة إلا أن الخطأ غير مأمون والله تعالى يعصمنا من الزلل والخطأ بمنه وسعة رحمته ، ثم روى البيهقي بإسناده عن شعيب بن عمرو بن سليم الأنصاري قال : أفطرنا مع صهيب الخير في شهر رمضان في يوم غيم وطش فبينا نحن نتعشى إذ طلعت الشمس ، فقال صهيب : طعمة الله أتموا صيامكم إلى الليل واقضوا يوما مكانه . قوله عساس من لبن بكسر العين وبسين مهملة مكررة ، وهي الأقداح ، وأحدها عسي بضم العين ، وأجاب أصحابنا عن حديث إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ أنه هنا محمول على رفع الاثم فإنه عام خص منه غرامات المتلفات وانتقاض الوضوء بخروج الحدث سهوا ، والصلاة بالحدث ناسيا وأشباه ذلك ، فيخص هنا بما ذكرناه ، والله تعالى أعلم . سهم الفقراء . قال أصحابنا : لا يجوز صرف الزكاة إلى غني من سهم الفقراء والمساكين ولا إلى قادر على كسب يليق به يحصل له منه كفايته وكفاية عياله ، وسبق بيان هذا في فصل سهم الفقراء . وأما الصرف إليه من غير سهم الفقراء والمساكين مع الغني فيجوز إلى العامل والغازي والغارم لذات البين والمؤلف ، ولا يجوز إعطاء المكاتب مع الغني ولا ابن السبيل إن كان غنيا هنا ، ولا يضر غناه في موضع آخر كما سبق ، ولا يعطي الغارم لمصلحة نفسه مع الغنى على أصح القولين كما سبق . وأما القدرة على الكسب فتمنع إعطاء الفقير والمسكين كما سبق ، وأما باقي الأصناف فيعطون مع القدرة على الكسب بلا خلاف لأنهم مضطرون في الحال إلى ما يأخذون بخلاف الفقراء والمساكين ، وفي الغارم لمصلحة نفسه والمكاتب وجه شاذ ضعيف أنهما لا يعطيان إذا قدرا على الكسب ، وقد سبق بيانه في فصليهما ، والله أعلم .

Section V06/P218

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز دفعها إلى من تلزمه نفقته من الأقارب والزوجات من سهم الفقراء ، لأن ذلك إنما جعل للحاجة ، ولا حاجة بهم مع وجوب النفقة . + الشرح : هذا الذي ذكره متفق عليه عندنا ، وقد اختصر المصنف هذه المسألة ، وهي مبسوطة في كتب الأصحاب أكمل بسط ، وأنا أنقل فيها عيون ما ذكروه إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا : لا يجوز للإنسان أن يدفع إلى ولده ولا والده الذي يلزمه نفقته من سهم الفقراء والمساكين لعلتين إحداهما : أنه غني بنفقته والثانية : أنه بالدفع إليه يجاب إلى نفسه نفعا ، وهو منع وجوب النفقة عليه . قال أصحابنا : ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغزاة إذا كانا بهذه الصفة ، ولا يجوز أن يدفع إليه من سهم المؤلفة إن كان ممن يلزمه نفقته لأن نفعه يعود إليه ، وهو إسقاط النفقة ، فإن كان ممن لا يلزمه نفقته جاز دفعه إليه . وأما سهم ابن السبيل فالمذهب أنه إذا كان من أبناء السبيل أعطاه من النفقة ما يزيد على نفقة الحضر ويعطيه المركوب والحمولة ، لأن هذا لا يلزم المنفق ولا يعطيه قدر نفقة الحضر لأنها لازمة ، وبهذا قطع كثيرون من الأصحاب أو أكثرهم والثاني : وبه قطع المحاملي لا يعطيه شيئا من النفقة ، بل يعطيه الحمولة لأن نفقته واجبة عليه في الحضر والسفر والحمولة ليست بواجبة في السفر . قال أصحابنا المتقدمون : له أن يعطي ولده ووالده من سهم العامل إذا كان عاملا كما قدمناه . قال القاضي أبو الفتوح من أصحابنا : هذا لا يصح لأنه لا يتصور أن يعطى العامل شيئا من زكاته ، قال صاحب الشامل : أراد الأصحاب إذا كان الدافع هو الإمام فله أن يعطي ولد رب المال ووالده من سهم العامل إذا كان عاملا من زكاة والده وولده ، هذا كله إذا كان الذي يعطيه هو الذي يلزمه نفقته ، فلو أعطاه غيره فقد أطلق الخراسانيون فيه وجهين أصحهما : لا يعطى لأنه مستغن بالنفقة الواجبة له على قريبه . وأما إذا كان الولد أو الوالد فقيرا مسكينا وقلنا في بعض الأحوال : لا تجب نفقته فيجوز لوالده وولده دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء والمساكين بلا خلاف لأنه حينئذ كالأجنبي ، وأما الزوجة فإن أعطاها غير الزوج من سهم الفقراء والمساكين ففيها الوجهان كالولد والوالد ، والأصح لا يجوز ، وأما الزوج فقطع العراقيون بأنه لا يجوز له أن يعطيها شيئا من سهم الفقراء والمساكين ، وقال الخراسانيون : فيه الوجهان كالأجنبي لأنه لا يدفع النفقة عن نفسه ، بل نفقتها عوض لازم سواء كانت غنية أم فقيرة ، كما لو استأجر فقيرا فإن له صرف الزكاة إليه مع الأجرة والصحيح طريقة العراقيين وعليها التفريع ، وقد سبقت هذه المسألة بفروعها مستقصاة في سهم الفقراء ، والله تعالى أعلم .

Section V06/P218

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن دفع الإمام الزكاة إلى من ظاهره الفقر ثم بان أنه غني لم يجزىء ذلك عن الفرض . فإن كان باقيا استرجع ودفع إلى فقير ، وإن كان فانيا أخذ البدل وصرفه إلى فقير ، فإن لم يكن للمدفوع إليه مال لم يجب على رب المال ضمانه لأنه قد سقط عنه الفرض بالدفع إلى الإمام ولا يجب على الإمام لأنه أمين غير مفرط فهو كالمال الذي تلف في يد الوكيل ، وإن كان الذي دفع رب المال فإن لم يبين عند الدفع أنه زكاة لم يكن له أن يرجع لأنه قد يدفع عن زكاة واجبة وعن تطوع فإذا ادعى الزكاة متهما فلم يقبل قوله ، ويخالف الإمام فإن الظاهر من حاله إنه لا يدفع إلا الزكاة فثبت له الرجوع ، وإن كان قد بين إنها زكاة رجع فيها إن كانت باقية وفي بدلها إن كانت فانية فإن لم يكن للمدفوع مال فهل يضمن رب المال الزكاة فيه قولان أحدهما : لا يضمن لأنه دفع ( إليه ) بالإجتهاد فهو كالإمام والثاني : يضمن لأنه كان يمكنه أن يسقط الفرض بيقين بأن يدفعه إلى الإمام فإذا فرق بنفسه فقد فرط فلزمه الضمان بخلاف الإمام ، وإن دفع الزكاة إلى رجل ظنه مسلما فكان كافرا أو إلى رجل ظنه حرا فكان عبدا فالمذهب إن حكمه حكم ما لو دفع إلى رجل ظنه فقيرا فكان غنيا . ومن أصحابنا من قال : يجب الضمان ههنا قولا واحدا ، لأن حال الكافر والعبد لا يخفى فكان مفرطا في الدفع إليهما ، وحال الغني قد يخفى فلم يكن مفرطا . + الشرح : قال أصحابنا : إذا دفع رب المال الزكاة إلى الإمام ودفعها الإمام إلى من ظاهره الفقر فبان غنيا لم يجز عن الزكاة فيسترجع منه المدفوع ، سواء بين الإمام حال الدفع أنها زكاة أم لا ، والظاهر من الإمام إنه لا يدفع تطوعا ولا يدفع إلا واجبا من زكاة واجبة أو كفارة أو نذر أو غير ذلك ، فإن تلف فبدله ويصرف إلى غيره ، فإن تعذر الاسترجاع من القابض لم يجب الضمان على الإمام ولا على رب المال لما ذكره المصنف ، وإن بان المدفوع إليه عبدا أو كافرا أو هاشميا أو مطلبيا فلا ضمان على رب المال . وهل يجب على الإمام فيه ثلاث طرق أصحها : فيه قولان أصحهما : لا ضمان عليه والثاني : يضمن . والطريق الثاني : يضمن قطعا لتفريطه ، فإن هؤلاء لا يخفون إلا بإهمال والثالث : لا يضمن قطعا لأنه أمين ولم يتعمد . هذا كله إذا فرق الإمام ، فلو فرق رب المال فبان المدفوع إليه غنيا لم يجز عن الفرض ، فإن لم يكن بين أنها زكاة لم يرجع وإن بين رجع في عينها ، فإن تلفت ففي بدلها ، فإذا قبضه صرفه إلى فقير آخر ، فإن تعذر الاسترجاع فهل يجب الضمان والإخراج ثانيا على المالك فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : وهو الجديد يجب ( والقديم ) لا يجب ، والقولان جاريان سواء بين وتعذر الاسترجاع أم لم يبين ومنعنا الاسترجاع . ولو دفعها رب المال إلى من ظنه مستحقا فبان عبدا أو كافرا أو هاشميا أو مطلبيا وجب الاسترجاع ، فإن استرجع أخرجه إلى فقير آخر ، فإن تعذر الاسترجاع فطريقان مشهوران ، ذكر المصنف دليلهما ( المذهب ) أنها لا تجزئه ويلزمه الإخراج ثانيا . ولو دفع إليه سهم الغازي والمؤلف فبان أمره فهو كمن بان عبدا . ذكره القاضي أبو الفتوح . وحكاه صاحب البيان عنه . قال البغوي وغيره : وحكم الكفارة وزكاة الفطر فيما لو بان المدفوع إليه غير مستحق حكم الزكاة في جميع ما ذكرناه ، وإذا كان المدفوع إليه عبدا تعلق الغرم بذمته لا برقبته .

Section V06/P218

ذكره البغوي والرافعي وغيرهما لأنه واجب وجب عليه برضى مستحقه ، والقاعدة أن ما لزمه برضى مستحقة تعلق بذمته لا برقبته ، والله تعالى أعلم .

Section V06/P218

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن وجبت عليه الزكاة وتمكن من أدائها فلم يفعل حتى مات وجب قضاء ذلك من تركته لأنه حق مال لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الآدمي فإن اجتمع الزكاة ودين الآدمي ولم يتسع المال للجميع ففيه ثلاثة أقوال أحدها : يقدم دين الآدمي لأن مبناه على التشديد والتأكيد ، وحق الله تعالى مبني على التخفيف ، ولهذا لو وجب عليه قتل قصاص وقتل ردة قدم قتل القصاص والثاني : تقدم الزكاة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحج : فدين الله أحق أن يقضى والثالث : يقسم بينهما لأنهما تساويا في الوجوب فتساويا في القضاء . + الشرح : هذا الحديث في صحيحي البخاري ومسلم من رواية ابن عباس رضي الله عنهما في الصوم أن رجلا قال : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها فقال صلى الله عليه وسلم : لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها قال : نعم ، قال : فدين الله أحق أن يقضى . وقول المصنف ( حق مال ) احتراز من الصلاة ، وقوله ( لزمه في حال الحياة ) احتراز ممن مات قبل الحول . أما أحكام الفصل : فمن وجبت عليه زكاة وتمكن من أدائها فمات قبل أدائها عصى ووجب إخراجها من تركته عندنا بلا خلاف ، وبه قال جمهور العلماء ، وقال أبو حنيفة : تسقط عنه الزكاة بالموت ، وهو مذهب عجيب ، فإنهم يقولون : الزكاة تجب على التراخي وتسقط بالموت ، وهذا طريق إلى سقوطها . ودليلنا ما ذكره المصنف . وإذا اجتمع في تركة الميت دين لله تعالى ودين لآدمي ، كزكاة وكفارة ونذر وجزاء صيد وغير ذلك ، ففيه ثلاثة أقوال مشهورة ذكرها المصنف بأدلتها أصحها : يقدم دين الله تعالى والثاني : دين الآدمي والثالث : يستويان فتوزع عليهما بنسبتهما . وحكى بعض الخراسانيين طريقا آخر أن الزكاة المتعلقة بالعين تقدم قطعا ، وإنما الأقوال في الكفارات وغيرها مما يسترسل في الذمة مع حقوق الآدمي . وقد تكون الزكاة من هذا القبيل بأن يكون له مال فيتلف بعد الحول والإمكان ، ثم يموت وله تركة فالزكاة هنا متعلقة بالذمة ففيها الأقوال . وأجابوا عن حجة من قدم دين الآدمي وقياسه على قتل الردة وقطع السرقة بأنه إنما قدمنا حق الآدمي هناك لاندراج حق الله تعالى في ضمنه وحصول مقصوده ، وهو إعدام نفس المرتد ويد السارق وقد حصل بخلاف الديون ، ولأن الحدود مبنية على الدرء والإسقاط ، بخلاف حقوق الله تعالى المالية . والله تعالى أعلم . فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : قال الصيمري وصاحب البيان حكاية عنه : كان الشافعي رضي الله عنه في القديم يمسي ما يؤخذ من الماشية صدقة ومن المعشرات عشرا ومن النقدين زكاة فقط ، ثم رجع عنه في الجديد وقال : يسمى الجميع صدقة وزكاة . وذكر البيهقي بابا في قسم الصدقات من سننه ترجمته ( باب الأعلب على أفواه @ 2243 @ العامة ) أن في التمر العشر وفي الماشية الصدقة وفي الورق الزكاة . قال : وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كله صدقة . قال الشافعي : والعرب تقول له صدقة وزكاة ومعناهما عندهم واحد . ثم ذكر البيهقي رحمه الله تعالى حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليس فيما دون خمس ذود صدقة ، ولا فيم دون خمس أواق صدقة ، ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة رواه البخاري ومسلم . وحديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من رجل يموت فيترك غنما أو إبلا أو بقرا لم يؤد زكاتها إلا جاءت أعظم ما يكون تطؤه بأظلافها الحديث رواه البخاري ومسلم .

Section V06/P218–V06/P219

وحديث عتاب بن أسيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم : يخرص كما يخرص النخل ، ثم تؤدى زكاته زبيبا كما تؤدى من زكاة النخل تمرا وهذا الحديث سبق بيانه في أول زكاة الثمار ، فهذه الأحاديث كلها تبطل القول بالفرق . . والله تعالى أعلم . الثانية : إذا دفع المالك أو غيره الزكاة إلى المستحق ، ولم يقل : هي زكاة ولا تكلم بشيء أصلا أجزأه ووقع زكاة ، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور ، وقد صرح بالمسألة إمام الحرمين في باب تعجيل الزكاة وآخرون وهي مفهومة من تفاريع الأصحاب وكلامهم ، وفي كلام المصنف في هذا الباب وغيره مواضع كثيرة مصرحة بذلك . منها : قوله في هذا الفصل الأخير : إذا دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر فبان غنيا فإن لم يبين عند الدفع إنها زكاة لم يرجع ، واستعمل مثل هذا في مواضع من باب تعجيل الزكاة وغيره ، وكذلك الأصحاب . وقال القاضي أبو القاسم بن كج في آخر قسم الصدقات من كتابه التجريد : إذا دفع الزكاة إلى الإمام أو الفقير لا يحتاج أن يقول بلسانه شيئا قال : وقال أبو علي بن أبي هريرة : لا بد من أن يقول بلسانه كالهبة ، وهذا ليس بشيء ، فنبهت عليه لئلا يغتر به ، والله تعالى أعلم . قال صاحب البحر : لو دفع الزكاة إلى فقير ، والدافع غير عارف بالمدفوع بأن كان مشدودا في خرقة ونحوها لا يعلم جنسه وقدره ، وتلف في يد المسكين ففي سقوط الزكاة احتمالان ، لأن معرفة القابض لا تشترط ، فكذا معرفة الدافع هذا كلامه ( والأظهر ) الإجزاء . الثالثة : قال الغزالي في الإحياء : يسأل الآخذ دافع الزكاة عن قدرها ، فيأخذ بعض الثمن بحيث يبقى من الثمن ما يدفعه إلى اثنين من صنفه ، فإن دفع إليه الثمن بكماله حرم عليه أخذه ، قال : وهذا السؤال واجب في أكثر الناس ، فإنهم لا يراعون هذا ، إما لجهل ، وإما لتساهل ، وإنما يجوز ترك السؤال عن مثل هذا إذا لم يغلب على الظن احتمال التحريم . الرابعة : الأفضل في الزكاة إظهار إخراجها ليراه غيره فيعمل عمله ولئلا يساء الظن به ، وهذا كما أن الصلاة المفروضة يستحب إظهارها ، وإنما يستحب الإخفاء في نوافل الصلاة والصوم . الخامسة : قال الدارمي في الإستذكار : إذا أخر تفريق الزكاة إلى السنة الثانية فمن كان فقيرا أو مسكينا أو غارما أو مكاتبا من سنته إلى السنة الثانية خصوا بصدقة الماضي ، وشاركوا غيرهم في الثانية ، فيعطون من صدقة العاملين ، ومن كان غازيا أو ابن سبيل أم مؤلفا لم يخصوا بشيء . السادسة : لا يجوز دفع القيمة في شيء من الزكوات إلا في مواضع مخصوصة سبق بيانها في آخر باب زكاة الغنم . والله تعالى أعلم . & باب صدقة التطوع &

Section V06/P219–V06/P226

قال المصنف رحمه الله تعالى : لا يجوز أن يتصدق بصدقة التطوع وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته أو نفقة عماله لما روى أبو هريرة رضي الله عنه : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله عندي دينار ، فقال : أنفقه على نفسك ، قال عندي آخر . قال : أنفقه على ولدك ، قال عندي آخر ، قال : أنفقه على أهلك ، قال عندي آخر : قال : أنفقه على خادمك ، قال عندي آخر ، قال : أنت أعلم به وقال صلى الله عليه وسلم : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ولا يجوز لمن عليه دين ، وهو محتاج إلى ما يتصدق به لقضاء دينه لأنه حق واجب ، فلم يجز تركه بصدقة التطوع كنفقة عياله . + الشرح : حديث أبي هريرة حديث حسن رواه أبو داود والنسائي في سننهما بإسناد حسن ، ولكن وقع في المهذب في الدينار الثالث أنفقه على أهلك وفي سنن أبي داود تصدق به على زوجتك أو زوجك كذا جاء على الشك ، وهما لغتان في المرأة ، يقال لها : زوج وزوجة ، وحذف الهاء أفصح وأشهر ، وبه جاء القرآن الغزيز ، ووقع في المهذب في كل الدنانير أنفقه على كذا وفي سنن أبي داود تصدق به بدل أنفقه . وأما الحديث الآخر كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت فرواه أبو داود بلفظه بإسناد صحيح ورواه مسلم في صحيحه بمعناه كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته وهو من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص . أما الأحكام : ففيه مسألتان إحداهما : إذا كان محتاجا إلى ما معه لنفقة نفسه أو عياله ، هل يتصدق صدقة التطوع فيه ثلاثة أوجه أحدها : لا يستحب ذلك ، ولا يقال مكروه ، وبهذا قطع الماوردي والغزالي وجماعة من الخراسانيين وتابعهم الرافعي فقال : لا يستحب له التصدق ، وربما قيل يكره ، وقال الماوردي صدقة التطوع قبل أداء الواجبات من الزكوات والكفارات ، وقيل الإنفاق على من تجب نفقتهم من الأقارب والزوجات غير مستحبة ولا مختارة ، هذا لفظه والثاني : يكره ذلك ، وبه قطع المتولي . والثالث : وهو الأصح لا يجوز ، وبه قطع المصنف هنا وفي التنبيه وشيخه القاضي أبو الطيب والدرامي وابن الصباغ والبغوي وصاحب البيان وآخرون ، وظاهر نص الشافعي رضي الله عنه إشارة إلى الوجه الأول لأنه قال في مختصر المزني أحب أن يبدأ بنفسه ثم بمن يعول ، لأن نفقة من يعول فرض ، والفرض أولى به من النفل ، ثم بقرابته ، ثم من شاء ، هذا نصه رضي الله عنه . ( فإن قيل ) يرد على المصنف وموافقيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا من الأنصار بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه ، فقال لامرأته : نومي الصبيان ، وأطفئي السراج ، وقدمي للضيف ما عندك فنزلت هذه الآية ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة الحشر : 9 هذا حديث صحيح رواه الترمذي بهذا اللفظ ، وهو في صحيحي البخاري ومسلم أبسط من هذا فالجواب : من وجهين . أحدهما : أن هذا ليس من باب صدقة التطوع ، إنما هو ضيافة ، والضيافة لا يشترط فيها الفضل عن عياله ونفسه لتأكدها ، وكثرة الحث عليها ، حتى إن جماعة من العلماء أوجبوها . والثاني : أنه محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين حينئذ ، بل كانوا قد أكلوا حاجتهم وأما : الرجل وإمرأته فتبرعا بحقهما ، وكانا صابرين فرحين بذلك ، ولهذا جاء في الآية والحديث الثناء عليهما .

Section V06/P226

( فإن قيل ) قوله : نومي صبيانك وغير هذا اللفظ مما جاء في الحديث يدل على أن الصبيان كانوا جياعا فالجواب : أن الصبيان لا يتركون الأكل عند حضور الطعام ، ولو كانوا شباعا ، فخاف إن بقوا مستيقظين أن يطلبوا الأكل عند حضور الطعام على العادة فينكدوا عليهما ، وعلى الضيف لقلة الطعام . والله تعالى أعلم . المسألة الثانية : إذا أراد صدقة التطوع وعليه دين ، فقد أطلق المصنف وشيخه أبو الطيب وابن الصباغ والبغوي وآخرون ، أنه لا تجوز صدقة التطوع لمن هو محتاج إلى ما يتصدق به لقضاء دينه ، وقال المتولي وآخرون يكره ، وقال الماوردي والغزالي وآخرون : لا يستحب ، وقال الرافعي : لا يستحب ، وربما قيل : يكره هذا كلامه ، والمختار أنه إن غلب على ظنه حصول الوفاء من جهة أخرى فلا بأس بالصدقة وقد تستحب ، وإلا فلا تحل ، وعلى هذا التفصيل يحمل كلام الأصحاب المطلق ، والله أعلم .

Section V06/P226–V06/P227

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن فضل عما يلزمه استحب له أن يتصدق لقوله صلى الله عليه وسلم ليتصدق الرجل من ديناره ، وليتصدق من درهمه ، وليتصدق من صاع بره ، وليتصدق من صاع تمره . وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أطعم جائعا أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقى مؤمنا على ظمأ سقاه الله عز وجل يوم القيامة من الرحيق المختوم ، يوم القيامة ومن كسا مؤمنا عاريا كساه الله تعالى من خضر الجنة ويستحب الإكثار منه في شهر رمضان ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان فإن كان ممن يصبر على الإضافة استحب له التصدق بجميع ماله ، لما روى عمر رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتصدق فوافق ذلك مالا عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما ، فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك فقلت : ( أبقيت لهم ) مثله وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك فقال : أبقيت لهم الله ورسوله ، فقلت : لا أسابقك إلى شيء أبدا وإن كان ممن لا يصبر على الإضافة كره له ذلك ، لما روى جابر رضي الله عنه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل بمثل البيضة من الذهب أصابها من بعض المعادن ، فأتاه من ركنه الأيسر ، فقال : يا رسول الله خذها صدقة ، فوالله ما أصبحت أملك غيرها فأعرض عنه ، ثم جاءه من ركنه الأيمن ، فقال مثل ذلك فأعرض عنه ، ثم أتاه من بين يديه ، فقال مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاتها مغضبا فحذفه بها حذفة لو أصابه لأوجعه أو عقره ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ، ثم يجلس بعد ذلك يتكفف الناس ، وإنما الصدقة عن ظهر غني . + الشرح : أما الحديث الأول ليتصدق الرجل من ديناره إلى آخره ، فصحيح رواه مسلم في صحيحيه بلفظه هذا من رواية جرير بن عبد الله وهو بعض حديث وأما : حديث أبي سعيد فرواه أبو داود والترمذي ، وإسناده جيد ، وحديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم بلفظه ، وحديث عمر رضي الله عنه صحيح رواه أبو داود في كتاب الزكاة ، والترمذي في المناقب ، وقال : حديث صحيح ، وحديث جابر رواه أبو داود وإسناده كله صحيح ، إلا أنه من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة . ومحمد بن إسحاق مدلس والمدلس إذا قال ( عن ) لا يحتج به . وأما ألفاظ الفصل : فالظمأ : العطش ، والرحيق : الخمر الصافية ، وخضر الجنة بإسكان الضاد أي ثيابها الخضر ، قوله ( وكان أجود ما يكون في رمضان ) روى برفع الدال ونصبها والرفع أجود ، وحديث عمر رضي الله عنه هكذا هو في كتب الحديث كما هو في المهذب .

Section V06/P227–V06/P229

وأما قول صاحب الوسيط في آخره إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بينكما كما بين كلمتيكما فزيادة لا تعرف في الحديث ، وقوله ( بينما نحن ) أي بين أوقات قعودنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله ( من ركنه ) بضم الراء ، أي جانبه ووقع في المهذب تغيير في ترتيبه ولفظه ، والذي في سنن أبي داود جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال : يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك ، فأعرض عنه ، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته ثم ذكر نحو الباقي . وقوله في رواية الكتاب ( هاتها ) هو بكسر التاء ولا يجوز فتحها بلا خلاف وقوله ( مغضبا ) بفتح الضاد وهو منصوب على الحال وقوله ( فحذفه بها ) الحاذف هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحذفه بالحاء المهملة أي رماه بها ، وإنما قيدته بالحاء المهملة لأني رأيت من صحفه ، والصواب المعروف في كتب الحديث وغيرها حذف بالحاء المهملة . وقوله ( لأوجعه أو عقره ) أي جرحه ، وفي رواية أبي داود ( لأوجعته أو عقرته ) يعني القطعة المحذوف بها ، وقوله ( يتكفف الناس ) أي يطلب الصدقة ويتعرض لأخذ ما يكفيه ، وفي رواية أبي داود ( يستكف ) وهما صحيحان ، قال أهل اللغة : يقال فيه : تكفف واستكف . وقوله ( عن ظهر غنى ) قال الخطابي : معناه عن غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب . ذكر صاحب الحاوي له معنيين ( هذا ) والثاني : أن معناه الاستغناء عن أداء الواجبات ، والأصح ما قاله غيرهما أن المراد غنى النفس ، إنما تصلح الصدقة لمن قويت نفسه واستغنت بالله سبحانه وتعالى ، وثبت يقينه وصبر على الفقر . والله تعالى أعلم . أما حكم الفصل : فقال المصنف والأصحاب والعلماء كافة : يستحب لمن فضل عن كفايته وما يلزمه شيء أن يتصدق ، لما ذكره المصنف ، ودلائله مشهورة في القرآن والسنة والإجماع ، قال الشافعي والأصحاب : يستحب الإكثار من الصدقة في شهر رمضان للحديث المذكور . قال الشافعي والأصحاب : وهي في رمضان آكد منها في غيره للحديث ، ولأنه أفضل الشهور ، ولأن الناس يشتغلون فيه عن المكاسب بالصيام وإكثار الطاعات ، فتكون الحاجة فيه أشد . قال الماوردي : يستحب أن يوسع فيه على عياله ، ويحسن إلى ذوي أرحامه وجيرانه ، لاسيما في العشر الأواخر . قال أصحابنا : يستحب الإكثار من الصدقة عند الأمور المهمة وعند الكسوف والسفر وبمكة والمدينة ، وفي الغزو والحج والأوقات الفاضلة ، كعشر ذي الحجة وأيام العيد ونحو ذلك ، ففي كل هذه المواضع هي آكد من غيرها . قال الرافعي وغيره : وهل يستحب له التصدق بجميع الفاضل عن دينه ونفقته ونفقة عياله وسائر مؤنهم فيه ثلاثة أوجه أحدها : نعم والثاني : لا وأصحها : إن صبر على الإضافة فنعم ، وإلا فلا ، وبهذا قطع المصنف والجمهور . والله تعالى أعلم .

Section V06/P229–V06/P230

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يخص بالصدقة الأقارب لقوله صلى الله عليه وسلم لزينب إمرأة عبد الله بن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم وفعلها في السر أفضل ، لقوله عز وجل : إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم البقرة : 172 . ولما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلة الرحم تزيد في العمر ، وصدقة السر تطفىء غضب الرب ، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء . وتحل صدقة التطوع للأغنياء ولبني هاشم وبني المطلب ، لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة ، فقيل له أتشرب من الصدقة فقال : إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة . + الشرح : حديث إمرأة ابن مسعود رواه البخاري ومسلم ولفظهما أن زينب امرأة ابن مسعود وامرأة أخرى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالتا لبلال : سل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجنا ويتامى في حجورنا ، هل يجزىء ذلك عنهما عن الصدقة يعني النفقة عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم لهما أجران : أجر القرابة وأجر الصدقة وفي صحيحي البخاري ومسلم عن ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة لها في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك . وأما حديث ابن مسعود ، صلة الرحم تزيد في العمر إلى آخره فرواه ويغني عنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه رواه البخاري ومسلم . وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة لتطفيء عضب الرب وتدفع مسبة السوء رواه الترمذي وقال حسن غريب . قلت : في إسناده عبد الله بن عيسى الخزاز ، قال أبو زرعة : هو منكر الحديث ومعنى الزيادة في العمر البركة فيه ، بالتوفيق للخير والحماية من الشر ، وقيل هو بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة بأن يقال لهم : عمر فلان إن لم يصل رحمه خمسون سنة فإن وصله فستون ، فيزيد بالصلة بالنسبة إليهم . وأما بالنسبة إلى علم الله تعالى فلا زيادة ، لأنه سبحانه وتعالى قد علم أنه سيصل رحمه ويعيش الستين . والله تعالى أعلم . وأما جعفر بن محمد فهو جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين . والله أعلم . أما أحكام الفصل : ففيه مسائل إحداها : أجمعت الأمة على أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب ، والأحاديث في المسألة كثيرة مشهورة . قال أصحابنا : ولا فرق في استحباب صدقة التطوع على القريب وتقديمه على الأجنبي بين أن يكون القريب ممن يلزمه نفقته أو غيره . قال البغوي : دفعها إلى قريب يلزمه نفقته أفضل من دفعها إلى الأجنبي وأما ترتيب الأقارب في التقديم فقد سبق بيانه واضحا في آخر باب قسم الصدقات حيث ذكره المصنف ، قال أصحابنا : ويستحب تخصيص الأقارب على الأجانب بالزكاة حيث يجوز دفعها إليهم كما قلنا في صدقة التطوع ولا فرق بينهما ، وهكذا الكفارات والنذور والوصايا والأوقاف وسائر جهات البر يستحب تقديم الأقارب فيها حيث يكونون بصفة الاستحقاق . والله تعالى أعلم . قال أبو علي الطبري و السرخسي وغيرهما من أصحابنا : يستحب أن يقصد بصدقته من أقاربه أشدهم له عداوة ليتألف قلبه ويرده إلى المحبة والألفة ، ولما فيه من مجانبة الرياء وحظوظ النفوس .

Section V06/P230–V06/P232

المسألة الثانية : يستحب الإخفاء في صدقة التطوع لما ذكره المصنف ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فذكر منهم ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه رواه البخاري ومسلم ، وأما الزكاة فيستحب إظهارها بإتفاق أصحابنا وغيرهم من العلماء كما أن صلاة الفرض يستحب إظهارها في المسجد والنافلة بندب إخفاؤها وقد سبقت المسألة قريبا في آخر قسم الصدقات . الثالثة : تحل صدقة التطوع للأغنياء بلا خلاف فيجوز دفعها إليهم ويثاب دافعها عليها ، ولكن المحتاج أفضل ، قال أصحابنا : ويستحب للغني التنزه عنها ، ويكره التعرض لأخذها ، قال صاحب البيان : ولا يحل للغني أخذ صدقة التطوع مظهرا للفاقة ، وهذا الذي قاله صحيح وعليه حمل الحديث الصحيح أن رجلا من أهل الصفة مات فوجد له ديناران ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كيتان من نار . والله أعلم . وأما إذا سأل الغني صدقة التطوع فقد قطع صاحب الحاوي والسرخسي وغيرهما بتحريمها عليه ، قال صاحب الحاوي : إذا كان غنيا عن المسألة بمال أو بضيعة فسؤاله حرام وما يأخذه محرم عليه . هذا لفظه . قال الغزالي وغيره من أصحابنا في كتاب النفقات : في تحريم السؤال على القادر على الكسب وجهان ، قالوا : وظاهر الأخبار تدل على تحريمه ، وهو كما قالوا ، ففي الأحاديث الصحيحة تشديد أكيد في النهي عن السؤال ، وظواهر كثيرة تقتضي التحريم وأما : السؤال للمحتاج العاجز عن الكسب فليس بحرام ولا مكروه ، صرح به الماوردي وهو ظاهر . والله تعالى أعلم . الرابعة : هل تحل صدقة التطوع لبني هاشم وبني المطلب فيه طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف والأكثرون : تحل والثاني : حكاه البغوي وآخرون من الخراسانيين فيه قولان أصحهما : تحل والثاني : تحرم . وأما : صدقة التطوع للنبي صلى الله عليه وسلم ففيها قولان مشهوران حكاهما الشيخ أبو حامد إمام العراقيين وغيره ، منهم القفال والمروزي إمام الخراسانيين وغيرهم منهم أصحهما : التحريم ، فحصل في صدقة التطوع في حق النبي صلى الله عليه وسلم وحق بني هاشم وبني المطلب ثلاثة أقوال أصحها : تحل لهم دونه صلى الله عليه وسلم والثاني : لهم وله والثالث : تحرم عليه وعليهم . والله تعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا وغيرهم : يستحب أن يتصدق بما تيسر ، ولا يستقله ، ولا يمتنع من الصدقة به لقلته وحقارته ، فإن قليل الخير كثير عند الله تعالى ، وما قبله الله تعالى وبارك فيه فليس هو بقليل ، قال الله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة : 7 وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا النار ولو بشق تمرة وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرس شاة قال أهل اللغة : الفرس من البعير والشاة كالحافر من غيرهما ، وفي المسألة أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة . فرع : يستحب أن يخص بصدقته الصلحاء وأهل الخير وأهل المروءات والحاجات ، فلو تصدق على فاسق أو على كافر من يهودي أو نصراني أو مجوسي جاز ، وكان فيه أجر في الجملة . قال صاحب البيان : قال الصيمري : وكذلك الحربي ، ودليل المسألة قول الله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا الإنسان : 8 ومعلوم أن الأسير حربي .

Section V06/P232–V06/P234

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق ، فأصبحوا يتحدثون : تصدق على سارق ، فقال : اللهم لك الحمد ، لأتصدقن بصدقة فخرج فوضعها في يد زانية فأصبح الناس يتحدثون : تصدق على زانية ، فقال : اللهم لك الحمد ، لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني ، فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني ، فقال : اللهم لك الحمد على سارق ، وعلى زانية ، وعلى غني ، فأتي فقيل له : أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته ، وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها ، وأما الغني فلعله يعتبر ، وينفق مما آتاه الله تعالى رواه البخاري ومسلم . وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج ، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى عن العطش فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلع مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ، ثم أمسكه بفيه حتى رقي ، فسقى الكلب ، فشكر الله له فغفر له قالوا : يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرا فقال في كل كبد رطبة أجر رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لهما بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش ، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فاستقت له به ، فسقته فغفر لها به الموق الخف . فرع : يكره تعمد الصدقة بالرديء ، قال الله تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون البقرة : 762 . ويستحب تعمد أجود ماله وأحبه إليه ، قال الله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون آل عمران : 3 . وفي المسألة أحاديث صحيحة . فرع : قال أصحابنا : تكره الصدقة بما فيه شبهة ، ويستحب أن يختار أحل ماله وأبعده من الحرام والشبهة ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها ، كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ روايته والفلو بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو ، ويقال بكسر الفاء وإسكان اللام ، هو ولد الفرس في صغره . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، قال عز وجل : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم المؤمنون : 15 وقال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم البقرة : 271 ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك رواه مسلم . فرع : من دفع إلى وكيله أو ولده أو غلامه أو غيرهم شيئا يعطيه لسائل أو غيره صدقة تطوع ، لم يزل ملكه عنه حتى يقبضه المبعوث إليه ، فإن لم يتفق دفعه إلى ذلك المعين استحب له ألا يعود فيه ، بل يتصدق به على غيره ، فإن استرده وتصرف فيه جاز لأنه باق على ملكه . فرع : قال البندنيجي والبغوي وسائر أصحابنا في مواضع متفرقة : يكره لمن تصدق بشيء صدقة تطوع أو دفعه إلى غيره زكاة أو كفارة أو عن نذر وغيرها من وجوه الطاعات أن يتملكه من ذلك المدفوع إليه بعينه بمعاوضة أو هبة ولا يكره ملكه منه بالإرث ، ولا يكره أيضا أن يتملكه من غيره إذا انتقل إليه .

Section V06/P234–V06/P236

واستدلوا في المسألة بحديث عمر رضي الله عنه قال : حملت على فرسي في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده ، فأردت أن أشتريه منه ، العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه رواه البخاري ومسلم . وعن بريدة رضي الله عنه قال : بينما أنا جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت : إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت ، فقال : وجب أجرك وردها عليك الميراث رواه مسلم ، واتفق أصحابنا على أنه لو ارتكب المكروه واشتراها من المدفوع إليه صح الشراء وملكها ، لأنها كراهة تنزيه ، ولا يتعلق النهي بعين المبيع . فرع : يتسحب دفع الصدقة بطيب نفس ، وبشاشة وجه ، ويحرم المن بها فلو من بطل ثوابه ، قال الله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى البقرة : 462 وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، قال : فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، قال أبو ذر : خابوا وخسروا ، من هم يا رسول الله قال : المسبل ، والمنان ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم ، والمراد المسبل إزاره أو ثوبه تحت الكعبين للخيلاء . فرع : قال صاحب المعاياة : لو نذر صوما أو صلاة في وقت بعينه ، لم يجز فعله قبله ، ولو نذر التصدق في وقت بعينه جاز التصدق قبله ، كما لو عجل الزكاة . فرع في مسائل مهمة ذكرها الغزالي في الإحياء منها قال : اختلف السلف في أن المحتاج هل الأفضل له أن يأخذ من الزكاة أو صدقة التطوع ، وكان الجنيد وإبراهيم الخواص وجماعة يقولون : الأخذ من الصدقة أفضل لئلا يضيق على أصناف الزكاة ، ولئلا يخل بشرط من شروط الآخذ ، بخلاف الصدقة ، فإن أمرها أهون من الزكاة ، وقال آخرون الأخذ من الزكاة أفضل ، لأنه إعانة على واجب ، ولو ترك أهل الزكاة كلهم أخذها أثموا ، ولأن الزكاة لا منة فيها . قال الغزالي : والصواب أنه يختلف بالأشخاص ، فإن عرض له شبهة في استحقاقه لم يأخذ الزكاة وإن قطع باستحقاقه نظر إن كان المتصدق إن لم يتصدق على هذا لا يتصدق فليأخذ الصدقة ، فإن إخراج الزكاة لا بد منه ، وإن كان لا بد من إخراج تلك الصدقة ولم يضيق بالزكاة تخير ، وأخذ الزكاة أشد في كسر النفس ، وذكر أيضا اختلاف الناس في إخفاء ( أخذ ) الصدقة وإظهاره أيهما أفضل وفي كل واحد منهما فضيلة ومفسدة ، ثم قال : وعلى الجملة الأخذ في الملأ ، وترك الأخذ في الخلاء أحسن . والله تعالى أعلم . فرع : جاءت أحاديث كثيرة في الحث على سقي الماء ، منها حديث أبي سعيد المتقدم في الكتاب ومنها : حديث أبي هريرة السابق قريبا في فرع تخصيص الصدقة بالصلحاء . ومنها : عن الحسن البصري عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أن أمه ماتت فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي ماتت أفأتصدق عنها قال : نعم ، قال : فأي الصدقة أفضل قال : سقي الماء رواه أحمد بن حنبل في مسنده هكذا وهو مرسل فإن الحسن لم يدرك سعدا ورواه أبو داود عن رجل لم يسم عن سعد بمعناه قال : فأي الصدقة أفضل قال : الماء ورواه النسائي عن سعيد بن المسيب عن سعد ، ولم يدركه أيضا فهو مرسل ، لكنه قد أسند قريب من معناه كما سبق . ولأنه من أحاديث الفضائل ويعمل فيها بالضعيف ، فبهذا أولى ، وعن سراقة بن مالك قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل تغشى حياضي هل لي من أجر إن سقيتها قال : نعم . .

Section V06/P236–V06/P239

في كل ذات كبد حرى أجر رواه أحمد وابن ماجة . فرع : في قوله تعالى : ويمنعون الماعون الماعون : 7 قال ابن مسعود وابن عباس وجماعة : هو إعارة القدر والدلو والفأس وسائر متاع البيت ، وقال علي وابن عباس في رواية : هو الزكاة . فرع : تستحب المنيحة . وهي أن تكون له ناقة أو بقرة أو شاة ذات لبن فيدفعها إلى من يشرب لبنها مدة ، ثم يردها إليه لحديث ابن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز ، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعدها إلا أدخله الله تعالى الجنة بها رواه البخاري . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم المنيحة اللقحة الصفي منحة أو الشاة الصفى ، تغدو بإناء وتروح بإناء رواه البخاري ، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من منح منيحة غدت بصدقة صبوحها وغبوقها رواه مسلم . وفي المسألة أحاديث أخر صحيحة . فرع في ذم البخل والشح والحث على الإنفاق في الطاعات ووجوه الخيرات قال الله تعالى : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون الحشر : 9 وقال تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك الإسراء : 92 وقال عز وجل : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه سبأ : 93 وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم رواه مسلم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من يوم يصبح العباد فيه ، إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا رواه البخاري ومسلم ، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : أنفق ينفق عليك رواه البخاري ومسلم . وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا توكي فيوكى عليك رواه البخاري ومسلم . وعن عائشة رضي الله عنها إنهم ذبحوا شاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بقي منها قالت : ما بقي منها إلا كتفها قال : بقي كلها غير كتفها ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله تعالى إلا رفعه الله رواه مسلم . فرع في فضل صدقة الصحيح الشحيح الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل قال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخاف الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا وفلان كذا ألا وقد كان لفلان رواه البخاري ومسلم . فرع في أجر الوكيل في الصدقة وبيان أنه أحد المتصدقين إذا أمضاه بشرطه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به فيعطيه كاملا موفرا طيبة به نفسه ، فيدفعه إلى الذي أمر به أحد المتصدقين رواه البخاري ومسلم وضبطوا المتصدقين على التثنية والجمع . فرع : يجوز للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها للسائل وغيره بما أذن فيه صريحا ، وبما لم يأذن فيه ولم ينه عنه إذا علمت رضاه به ، وإن لم تعلم رضاه به فهو حرام .

Section V06/P239–V06/P240

هكذا ذكر المسألة السرخسي وغيره من أصحابنا وغيرهم من العلماء ، وهذا الحكم متعين وعليه تحمل الأحاديث الواردة في ذلك ، وهكذا حكم المملوك المتصرف في مال سيده على هذا التفصيل منها : حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه ، وما أنفقت من كسبه عن غير أمره فإن نصف أجره له رواه مسلم ، ورواه البخاري بمعناه ، وهو محمول على ما أنفقته وتعلم أنه لا يكرهه فلها أجر وله أجر كما سبق ، وعن عمير مولى أبي اللحم بهمزة ممدودة وكسر الباء قال : أمرني مولاي أن أقدد لحما ، فجاءني مسكين فأطعمته منه ، فعلم بذلك مولاي فضربني ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فدعاه فقال : لم ضربته فقال : يعطي طعامي من غير أن آمره ، فقال : الأجر بينكما رواه مسلم . وفي رواية لمسلم كنت مملوكا فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتصدق من مال مولاي قال : نعم والأجر بينكما نصفان وهذا محمول على ما يرضي به سيده ، والرواية الأولى محمولة على أنه ظن أن سيده يرضى بذلك القدر فلم يرض لكونه كان محتاجا إليه أو لمعنى آخر فيثاب السيد على إخراج ماله ويثاب العبد على نيته . وأعلم أن المراد بما جاء في هذه الأحاديث من كون الأجر بينهما نصفين أنه قسمان لكل واحد منهما أجر ولا يلزم أن يكونا سواء فقد يكون أجر صاحب العطاء أكثر . وقد يكون أجر المرأة والخازن والمملوك أكثر بحسب قدر الطعام وقدر التعب في إنفاذ الصدقة وإيصالها إلى المساكين . والله تعالى أعلم . فرع : ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اليد العليا خير من اليد السفلى وثبت في الصحيحين أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اليد العليا المنفقة واليد السفلى السائلة وفي رواية في البخاري : العليا المنفقة وعقد البيهقي في المسألة بابا . فرع : يكره للإنسان أن يسأل بوجه الله تعالى غير الجنة ، ويكره منع من سأل بالله وتشفع به ، لحديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسأل بوجه الله تعالى إلا الجنة رواه أبو داود . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من استعاذ بالله فأعيذوه ، ومن سأل فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه ، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافئتموهم حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي بإسناد الصحيحين ، وفي رواية البيهقي فأثنوا عليه بدل فادعوا له . فرع : إذا عرض عليه مال من حلال على وجه أخذه ولم يكن منه مسألة ولا تطلع إليه جاز له أخذه بلا كراهية ولا يجب . وقال بعض أهل الظاهر : يجب لحديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول : أعطه أفقر مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذه ، وما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك ، قال : فكان سالم لا يسأل أحدا شيئا ، ولا يرد شيئا أعطيه رواه البخاري ومسلم .

Section V06/P240–V06/P243

دليلنا حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم قال : يا حكيم . . إن هذا المال كالذي يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى . قال حكيم : فقلت يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا . فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا ، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله ، فقال : يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له في هذا الفيء فيأبى أن يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي رواه البخاري ومسلم . وقوله يرزأ براء ثم زاي وآخره مهموز معناه لم يأخذ من أحد شيئا ، وأصل الرزء النقص ، أي لم ينقص أحدا شيئا بالأخذ منه ، وموضع الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على هذا . وكذا أبو بكر وعمر وسائر الصحابة الحاضرين رضي الله عنهم ، وحديث عمر محمول على الندب والإجابة كقوله تعالى : وإذا حللتم فاصطادوا المائدة : 2 والله أعلم . فرع : في بيان أنواع الصدقة الشرعية وما على كل سلامي منها والسلامي العضو والمفصل وجمعه سلاميات بفتح الميم واللام مخففة في المفرد والجمع . أعلم أن حقيقة الصدقة إعطاء المال ونحوه بقصد ثواب الآخرة ، وقد يطلق على غير ذلك مما سنذكره إن شاء الله تعالى . من ذلك حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويجزيء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى رواه مسلم . وعنه أيضا قال : قلت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال : الإيمان بالله والجهاد في سبيله ، قلت : أي الرقاب أفضل قال : أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا ، قلت : فإن لم أفعل قال : تعين صانعا أو تصنع لأخرق ، قلت : يا رسول الله . . أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل ، قال : تكف شرك عن الناس ، فإنها صدقة منك على نفسك رواه البخاري ومسلم . وعنه أيضا أن ناسا قالوا : يا رسول الله . . ذهب أهل الدثور بالأجور ، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ، قال : أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به ، إن كل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة . قالوا : يا رسول الله . . أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر رواه مسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل سلامي من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة ، أو يعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة ، والكلمة الطيبة صدقة ، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة ، ويميط الأذى عن الطريق صدقة رواه البخاري ومسلم .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 103 · Qur'an & Sunnah