Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال المصنف رحمه الله تعالى : وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم ، فإن شوتم قال : إني صائم ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل ، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم . + الشرح : حديث أبي هريرة رواه البخاري ومسلم ، والرفث الفحش في الكلام ، ومعنى شاتمه شقه متعرضا لمشاتمته ، وقوله صلى الله عليه وسلم فيقل ( إني صائم ) ذكر العلماء فيه تأويلين أحدهما : يقوله بلسانه ويسمعه لصاحبه ليزجره عن نفسه والثاني : وبه جزم المتولي يقوله في قلبه لا بلسانه ، بل يحدث نفسه بذلك ويذكرها أنه صائم لا يليق به الجهل والمشاتمة والخوض مع الخائضين ، قال هذا القائل لأنه يخالف عليه الرياء إذا تلفظ به ، ومن قال بالأول يقصد زجره لا للرياء ، والتأويلان حسنان والأول أقوى ، ولو جمعهما كان حسنا ، وقول المصنف ( ينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم ) معناه يتأكذ التنزه عن ذلك في حق الصائم أكثر من غيره للحديث ، وإلا فغير الصائم ينبغي له ذلك أيضا ويؤمر به في كل حال ، والتنزه التباعد ، فلو اغتاب في صومه عصى ولم يبطل صومه عندنا ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا الأوزاعي فقال : يبطل الصوم بالغيبة ويجب قضاؤه . واحتج بحديث أبي هريرة المذكور وبحديثه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه رواه البخاري ، وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر رواه النسائي وابن ماجة في سننهما ، ورواه الحاكم في المستدرك قال : وهو صحيح على شرط البخاري . وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الصيام من الأكل والشرب فقط ، الصيام من اللغو والرفث رواه البيهقي ورواه الحاكم في المستدرك وقال : هو صحيح على شرط مسلم ، وبالحديث الآخر خمس يفطرن الصائم : الغيبة والنميمة والكذب والقبلة واليمين الفاجرة وأجاب أصحابنا عن هذه الأحاديث سوى الأخير بأن المراد أن كمال الصوم وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الردىء لا أن الصوم يبطل به . وأما الحديث الأخير خمس يفطرن الصائم فحديث باطل لا يحتج به ، وأجاب عنه الماوردي والمتولي وغيرهما بأن المرد بطلان الثواب لا نفس الصوم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره الوصال في الصوم ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والوصال ، وإياكم والوصال . قالوا إنك تواصل يا رسول الله ، قال : إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني وهل هو كراهة تحريم أو كراهة تنزيه فيه وجهان أحدهما : أنه كراهة تحريم ، لأن النهي يقضي التحريم والثاني : أنه كراهة تنزيه إنما نهى عنه حتى لا يضعف عن الصوم ، وذلك أمر غير محقق فلم يتعلق به أثم ، فإن واصل لم يبطل صومه لأن النهي لا يرجع إلى الصوم فلا يوجب بطلانه . + الشرح : حديث أبي هريرة رواه البخاري ومسلم ، والوصال بكسر الواو ، ويطعمني بضم الياء ويسقيني بضم الياء وفتحها ، والفتح أفصح وأشهر . وقوله : لأنه إنما نهى عنه بضم النون وفتحها . أما حكم الوصال فهو مكروه بلا خلاف عندنا ، وهل هي كراهة تحريم أم تنزيه فيه وجهان اللذان ذكرهما المصنف وهما مشهوران ودليلهما في الكتاب أصحهما : عند أصحابنا وهو ظاهر نص الشافعي كراهة تحريم ، لأن الشافعي رضي الله عنه قال في المختصر : فرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له ، وحظرها عليهم ، وذكر منها الوصال . وممن صرح به من أصحابنا بتصحيح تحريمه صاحب العدة والرافعي وآخرون . وقطع به جماعة من أصحابنا منهم القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد ، والخطابي في المعالم وسليم الداري في الكفاية ، وإمام الحرمين في النهاية والبغوي والروياني في الحلية ، والشيخ نصر في كتابه الكافي ، وآخرون كلهم صرحوا بتحريمه من غير خلاف . قال أصحابنا : وحقيقة الوصال المنهي عنه أن يصوم يومين فصاعدا ولا يتناول في الليل شيئا لا ماء ولا مأكولا ، فإن أكل شيئا يسيرا أو شرب فليس وصالا . وكذا إن أخر الأكل إلى السحر لمقصود صحيح أو غيره فليس بوصال وممن صرح بأن الوصال أن لا يأكل ولا يشرب ، ويزول الوصال بأكل أو شرب وإن قل صاحب الحاوي وسليم الرازي والقاضي أبو الطيب وإمام الحرمين والشيخ نصر والمتولي وصاحب العدة وصاحب البيان ، وخلائق لا يحصون من أصحابنا . وأما قول المحاملي في المجموع وأبي علي بن الحسن بن عمر البندنيجي في كتابه الجامع والغزالي في الوسيط والبغوي في التهذيب : الوصال أن لا يأكل شيئا في الليل ، وخصوه بالأكل فضعيف ، بل هو متأول على موافقة الأصحاب ويكون مرادهم لا يأكل ولا يشرب كما قاله الجماهير ، واكتفوا بذكر أحد القرينين كقوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر النحل : 18 أي والبرد ، ونظائره معروفة ، وقد بالغ إمام الحرمين فقال في النهاية في بيان ما يزول به الوصال ، فقيل يزول الوصال بقطرة يتعاطاها كل ليلة ، ولا يكفي اعتقاده أن من جن عليه الليل فقد أفطر . هذا لفظه بحروفه . واعلم أن الجمهور قد أطلقوا في بيان حقيقة الوصال أنه صوم يومين فأكثر من غير أكل ولا شرب في الليل . وقال الروياني في الحلية : الوصال أن يصل صوم الليل بصوم النهار قصدا ، فلو ترك الأكل بالليل لا على قصد الوصال والتقرب إلى الله به لم يحرم . وقال البغوي : العصيان في الوصال لقصده إليه وإلا فالفطر حاصل بدخول الليل ، كالحائض إذا صلت عصت ، وإن لم يكن لها صلاة ، وهذا الذي قالاه خلاف إطلاق الجمهور وخلاف ما صرح به إمام الحرمين كما سبق قريبا ، وقد قال المحاملي في المجموع : الوصال ترك الأكل بالليل دون نية الفطر ، لأن الفطر يحصل بالليل ، سواء نوى الإفطار أم لا . هذا كلامه . وظاهره مخالف لقول الروياني والبغوي . والله أعلم . فالصواب أن الوصال ترك الأكل والشرب في الليل بين الصومين عمدا بلا عذر .
فرع : اتفق أصحابنا وغيرهم على أن الوصال لا يبطل الصوم سواء حرمناه أو كرهناه ، لما ذكره المصنف أن النهي لا يعود إلى الصوم ، والله أعلم . فرع : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن الوصال من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مكروه في حقنا ، إما كراهة تحريم على الصحيح وإما تنزيه ، ومباح له صلى الله عليه وسلم كذا قاله الشافعي والجمهور . وقال إمام الحرمين : هو قربة في حقه ، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على الفرق بيننا وبينه في ذلك بقوله إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني واختلف أصحابنا في تأويل هذا الحديث على وجهين مشهورين في الحاوي ومنهاج القاضي أبي الطيب والمعالم للخطابي والعدة والبيان وغيرها . أحدهما : وهو الأصح أن معناه أعطي قوة الطاعم الشارب ، وليس المراد الأكل حقيقة إذ لو أكل حقيقة لم يبق وصال ، ولقال : ما أنا مواصل ، ويؤيد هذا التأويل ما سنذكره إن شاء الله تعالى قريبا في فرع بيان الأحاديث في حديث أنس ، وقوله صلى الله عليه وسلم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني ولا يقال : ظل إلا في النهار فدل على أنه لم يأكل . والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من الجنة كرامة له لا تشاركه فيها الأمة ، وذكر صاحب العدة والبيان تأويلا ثالثا مع هذين قالا وقيل : معناه أن محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب ، والحب البالغ يشغل عنهما . فرع : قال أصحابنا : الحكمة في النهي عن الوصال لئلا يضعف عن الصيام والصلاة وسائر الطاعات ، أو يملها ويسأم منها لضعفه بالوصال ، أو يتضرر بدنه أو بعض حواسه وغير ذلك من أنواع الضرر . فرع في مذاهب العلماء في الوصال ذكرنا أن مذهبنا أنه منهى عنه ، وبه قال الجمهور . وقال العبدري : هو قول العلماء كافة إلا ابن الزبير ، فإنه كان يواصل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن المنذر : كان ابن الزبير وابن أبي نعيم يواصلان ، وذكر الماوردي في الحاوي أن عبد الله بن الزبير واصل سبعة عشر يوما ثم أفطر على سمن ولبن وصبر . قال : وتأول في السمن أنه يلين الأمعاء ، واللبن ألطف غذاء والصبر يقوي الأعضاء دليلنا الحديث السابق وما سنذكره من الأحاديث إن شاء الله تعالى . فرع : في بيان جملة من أحاديث الوصال ، عن ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال قالوا : إنك تواصل ، قال : إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل في رمضان فواصل الناس فنهاهم ، قيل له : أنت تواصل ، قال : إني لست مثلكم ، إن أطعم وأسقى . وعن أبي هريرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقال رجل : فإنك يا رسول الله تواصل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال ، فقال : لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا رواه البخاري ومسلم ، وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أياكم والوصال مرتين قيل : إنك تواصل قال : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون رواه البخاري بهذا اللفظ ومسلم بمعناه واكلفوا بفتح اللام معناه خذوا برغبة ونشاط . وعن عائشة قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال .
رحمة لهم قالوا : إنك تواصل ، قال : إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني رواه البخاري ومسلم ، وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تواصلوا قالوا : إنك تواصل قال : إني لست كأحد منكم ، إني أطعم وأسقى رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه وعنه قال : واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول شهر رمضان فواصل ناس فبلغه ذلك ، فقال لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا ، يدع المتعمقون تعمقهم إنكم لستم مثلي أو قال إني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني رواه مسلم هنا ، والبخاري في باب : لو من كتاب التمني من صحيحه . وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ، قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله ، قال : إني لست كهيئتكم إني أبيت مطعم يطعمني وساق يسقيني رواه البخاري .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يتسحر للصوم ، لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تسحروا فإن في السحور بركة ولأن فيه معونة على الصوم ، ويستحب تأخير السحور لما روي أنه قيل لعائشة : إن عبد الله يعجل الفطر ويؤخر السحور ، فقالت : هكذا كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفعل ولأن السحور يراد للتقوي على الصوم ، والتأخير أبلغ في ذلك فكان أولى ، والمستحب أن يعجل الفطر إذا تحقق غروب الشمس لحديث عائشة رضي الله عنها ، ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يزال هذا الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر ، إن اليهود والنصارى يؤخرون . + الشرح : حديث أنس رواه البخاري ومسلم ، وحديث عائشة في قصة عبد الله رواه مسلم ، وعبد الله هذا هو ابن مسعود ، وينكر على المصنف قوله : روي بصيغة التمريض ، وهو حديث صحيح ، وإنما تقال صيغة التمريض في ضعيف . وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات كثيرة . وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود بلفظه هذا ، إلا أنه قال : لأن اليهود والنصارى يؤخرون وفي نسخ المهذب ( إن اليهود ) وكذا رواه البيهقي في السنن الكبير وابن ماجه بإسناد صحيح فينبغي أن يقرأ بفتح الهمزة من أن ليوافق رواية أبي داود ، وهذا الحديث أصله في الصحيحين من رواية سهل بن سعد كما سأذكره في فرع منفرد للأحاديث الواردة في السحور ، ورواية أبي هريرة التي ذكرها المصنف وأبو داود وإسنادها صحيح على شرط مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم : فإن في السحور بركة روي بفتح السين وهو المأكول كالخبز وغيره وبضمها وهو الفعل والمصدر ، وسبب البركة فيه تقويته الصائم على الصوم ، وتنشيطه له ، وفرحه به ، وتهوينه عليه ، وذلك سبب لكثرة الصوم . أما حكم المسألة : فاتفق أصحابنا وغيرهم من العلماء على أن السحور سنة ، وأن تأخيره أفضل وعلى أن تعجيل الفطر سنة بعد تحقق غروب الشمس ، ودليل ذلك كله الأحاديث الصحيحة ، ولأن فيهما إعانة على الصوم ، ولأن فيهما مخالفة للكفار كما في حديث أبي هريرة المذكور في الكتاب ، والحديث الصحيح الذي سأذكره إن شاء الله تعالى فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر ولأن محل الصوم هو النهار فلا معنى لتأخير الفطر والإمتناع من السحور في آخر الليل ولأن بغروب الشمس صار مفطرا فلا فائدة في تأخير الفطر . قال أصحابنا : وإنما يستحب تأخير السحور ما دام متيقنا بقاء الليل : فمتى حصل شك فيه فالأفضل تركه ، وقد سبقت المسألة في فصل وقت الدخول في الصوم . وقد نص الشافعي في الأم على أنه إذا شك في بقاء الليل ولم يتسحر يستحب له ترك السحور ، فإن تسحر في هذه الحالة صح صومه لأن الأصل بقاء الليل . قال القاضي أبو الطيب في المجرد : قال الشافعي في الأم إذا أخر الإفطار بعد تحقق غروب الشمس ، فإن كان يرى الفضل في تأخيره كرهت ذلك لمخالفة الأحاديث ، وإن لم ير الفضل في تأخيره فلا بأس لأن الصوم لا يصلح في الليل . هذا نصه . فرع : وقت السحور بين نصف الليل وطلوع الفجر . فرع : يحصل السحور بكثير المأكول وقليله ، ويحصل بالماء أيضا ، وفيه حديث سنذكره . فرع : قال ابن المنذر في الأشراف : أجمعت الأمة على أن السحور مندوب إليه مستحب لا أثم على من تركه . فرع في الأحاديث الواردة في السحور وتأخيره وتعجيل الفطر عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسحروا فإن في السحور بركة رواه البخاري ومسلم .
وعن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر رواه مسلم . أكلة السحر بفتح الهمزة هي السحور ، وعن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عليكم بهذا السحور فإنه هو الغذاء المبارك رواه النسائي بإسناد جيد ورواه أبو داود والنسائي من رواية العرباض بن سارية بمعناه وفي إسناده نظر ، وعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر رواه البخاري ومسلم وسبق في الكتاب معناه من رواية أبي هريرة بزيادة . وعن أبي عطية قال : دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا : يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة ، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة ، فقالت : أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة قلنا : عبد الله بن مسعود . قالت : كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم ، وفي رواية له يعجل المغرب . وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور رواه الإمام أحمد ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله عز وجل : أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا رواه الترمذي وقال حديث حسن . وعن ابن عمر قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، قال : ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا رواه البخاري ومسلم . وعن نافع عن ابن عمر ، وعن القاسم عن عائشة إن بلالا كان يؤذن بليل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر رواه البخاري . وعن زيد بن ثابت قال : تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة ، قلت : كم كان قدر ما بينهما قال : خمسين آية رواه البخاري ومسلم ، وعن سهل بن سعد قال : كنت أتسحر في أهلي ثم تكون سرعتي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري . وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تسحروا ولو بجرعة ماء وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : أكلة السحر بركة فلا تدعوه ، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء رواهما ابن أبي عاصم في كتابه بإسنادين ضعيفين ، وفي الباب أحاديث كثيرة غير ما ذكرته . وأما : ما رواه مالك والشافعي والبيهقي بأسانيدهم الصحيحة عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر وعثمان رضي الله عنهما كان يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان فقال البيهقي في المبسوط : قال الشافعي : كأنهما يريان تأخير الفطر واسعا ، لا أنهما يتعمدان فضيلة في ذلك .
ونقل الماوردي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يؤخران الإفطار ، وأجاب بأنهما أرادا بيان جواز ذلك لئلا يظن وجوب التعجيل ، وهذا التأويل ظاهر ، فقد روى البيهقي بإسناده الصحيح عن عمرو بن ميمون ، وهو من أكبر التابعين قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعجل الناس إفطارا ، وأبطأهم سحورا وأما الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة فضعيف ، رواه البيهقي هكذا من رواية ابن عباس ، ومن رواية ابن عمر ، ومن رواية أبي هريرة ، وقال : كلها ضعيفة وأصح : ما ورد فيه من كلام عائشة موقوفا عليها وفي حديث رواه البيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نعم سحور المؤمن التمر .
قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يفطر على تمر فإن لم يجد فعلى الماء ، لما روى سلمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور والمستحب أن يقول عند إفطاره : اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت لما روى أبو هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صام ثم أفطر قال : اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ويستحب أن يفطر الصائم ، لما روى زيد بن خالد الجهيني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من فطر صائما فله مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم شيء . + الشرح : حديث سلمان بن عامر رواه أبو داود والترمذي وقال : هو حديث حسن صحيح ، وأما حديث زيد بن خالد فرواه الترمذي وقال : هو حديث صحيح ورواه النسائي أيضا وغيرهوأما : حديث أبي هريرة فغريب ليس معروفا ، ورواه أبو داود عن معاذ بن زهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، ورواه الدارقظني من رواية ابن عباس مسندا متصلا بإسناد ضعيف . أما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : يستحب أن يفطر على تمر ، فإن لم يجد فعلى الماء ولا يخلل بينهما هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور ، ونص عليه في حرمله ، ودليله حديث سلمان السابق . وعن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم يكن رطبات فتميرات ، فإن لم يكن تميرات حسا حسوات من ماء رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن ورواه الدارقطني ، وقال : إسناده صحيح ، وقال الروياني يفطر على تمر ، فإن لم يجد فعلى حلاوة ، فإن لم يجد فعلى الماء وقال القاضي حسين : الأولى في زماننا أن يفطر على ما يأخذه بكفه من النهر ليكون أبعد عن الشبهة ، وهذا الذي قالاه شاذ ، والصواب ما سبق كما صرح به الحديث الصحيح فإنه صلى الله عليه وسلم قدم التمر ونقل منه إلى الماء بلا واسطة . فرع : ذكر صاحب البيان أنه يكره للصائم إذا أراد أن يشرب أن يتمضمض يمجه ، وكأن هذا شبيه بكراهة السواك للصائم بعد الزوال ، فإنه يكره لكونه يزيل الخلوف . الثانية : قال المصنف وسائر الأصحاب : يستحب أن يدعو عند إفطاره : اللهم لك صمت ، وعلى رزقك أفطرت . وفي سنن أبي داود والنسائي عن ابن عمر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى . وفي كتاب ابن ماجه عن ابن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد وكان ابن عمرو إذا أفطر يقول : اللهم برحمتك التي وسعت كل شيء اغفر لي . الثالثة : يستحب أن يدعو الصائم ويفطره في وقت الفطر ، وهذا لا خلاف في استحبابه للحديث ، قال المتولي فإن لم يقدر على عشائه فطره على تمرة أو شربة ماء أو لبن ، قال الماوردي : إن بعض الصحابة قال : يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مرقة لبن .
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا كان عليه قضاء أيام من رمضان ولم يكن له عذر لم يجز له أن يؤخره إلى أن يدخل رمضان آخر ، فإن أخره حتى أدركه رمضان آخر وجب عليه لكل يوم مد من طعام ، لما روي عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة أنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان آخر : يطعم عن الأول فإن أخره سنتين ففيه وجهان أحدهما : يجب لكل سنة مد . لأنه تأخير سنة فأشبهت السنة الأولى والثاني : لا يجب للثانية شيء لأن القضاء مؤقت بما بين رمضانين ، فإذا أخره عن السنة الأولى فقد أخره عن وقته فوجبت الكفارة ، وهذا المعنى لا يوجد فيما بعد السنة الأولى فلم يجب بالتأخير كفارة ، والمستحب أن يقضي ما عليه متتابعا لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه لأن فيه مبادرة إلى أداء الفرض ، ولأن ذلك أشبه بالأداء فإن قضاه متفرقا جاز لقوله تعالى : فعدة من أيام أخر البقرة : 481 و 581 ولأنه تتابع وجب لأجل الوقت فسقط بفوات الوقت ، وإن كان عليه قضاء اليوم الأول فصام ونوى به اليوم الثاني ، فإنه يحتمل أن يجزئه لأن باثنين ، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة . واحتج لأبي حنيفة بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة ، ولا مانع من الرؤية ، ويراه واحد أو إثنان دونهم . واحتج من شرط اثنين بحديث الحارث بن حاطب ، وهو صحيح وسبق بيانه . واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر قال : تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام ، وأمر الناس بصيامه وهو صحيح كما سبق بيانه قريبا ، حيث ذكره المصنف . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت الهلال يعني رمضان فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله ، قال : نعم ، قال : أتشهد أن محمدا رسول الله ، قال : نعم ، قال : يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا رواه أبو داود وهذا لفظه والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم أبو عبيد الله في المستدرك وغيرهم . وقال الحاكم : هو حديث صحيح ، قال الترمذي وغيره : وقد روي مرسلا عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر ابن عباس ، وكذا رواه أبو داود من بعض طرقه مرسلا ، قال أبو داود والترمذي : ورواه جماعة مرسلا ، وكذا ذكره البيهقي من طرق موصولا ومن طرق مرسلا ، وطرق الاتصال صحيحة ، وقد سبق مرات أن المذهب الصحيح أن الحديث إذا روى مرسلا ومتصلا احتج به ، لأن مع من وصله زيادة وزيادة الثقة مقبولة ، وقد حكم الحاكم بصحته كما سبق ، فهذان الحديثان هما العمدة في المسألة . وأما : حديث طاوس عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم قالا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل واحد على هلال رمضان ، وكان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين فرواه البيهقي وضعفه ، قال : وهذا مما لا ينبغي أن يحتج تعيين اليوم غير واجب ، ويحتمل أن لا يجزئه ، لأنه نوى غير ما عليه فلم يجزئه كما لو كان عليه عتق عن اليمين فنوى عتق الظهار . + الشرح : حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه رواه الدارقطني والبيهقي وضعفاه .
وأما الآثار التي ذكرها المصنف عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة في الإطعام ، فرواها الدارقطني ، وقال في إسناده عن أبي هريرة : هذا إسناد صحيح ورواه عنه مرفوعا وإسناده ضعيف جدا ، وإسناد ابن عباس صحيح أيضا . ولفظ الروايات عن أبي هريرة من مرض ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر ، قال : يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم مكان كل يوم مسكينا ولفظ الباقي بمعناه ، ولم يبين المصنف في روايته عنهم أنه يجب قضاء الصوم . وقوله : ولأنه تتابع وجب لأجل الوقت ، فيه احتراز من التتابع في صوم الكفارة أو في النذر المتتابع . أما أحكام الفصل : ففيه مسائل : إحداها : إذا كان عليه قضاء رمضان أو بعضه ، فإن كان معذورا في تأخير القضاء بأن استمر مرضه أو سفره ونحوهما جاز له التأخير ما دام عذره ولو بقي سنين ، ولا تلزمه الفدية بهذا التأخير ، وإن تكررت رمضانات ، وإنما عليه القضاء فقط ، لأنه يجوز تأخير أداء رمضان بهذا العذر ، فتأخير القضاء أولى بالجواز ، فإن لم يكن عذر لم يجز التأخير إلى رمضان آخر بلا خلاف ، بل عليه قضاؤه قبل مجيء رمضان السنة القابلة . قال أصحابنا : والفرق بين الصوم والصلاة حيث لا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر ، ويجوز تأخير الصلاة إلى ما بعد صلاة أخرى مثلها ، بل إلى سنين أن تأخير الصوم إلى رمضان آخر تأخير له إلى زمن لا يقبل صوم القضاء ولا يصح فيه ، فهو كتأخيره إلى الموت فلم يجز ، بخلاف الصلاة فإنها تصح في جميع الأوقات . فلو أخر القضاء إلى رمضان آخر بلا عذر أثم ، ولزمه صوم رمضان الحاضر ويلزمه بعد ذلك قضاء رمضان الفائت ويلزمه بمجرد دخول رمضان الثاني عن كل يوم من الفائت مد من طعام مع القضاء لما ذكره المصنف ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب إلا المزني فقال : لا تجب الفدية . والمذهب الأول ، ولو أخره حتى مضى رمضانان فصاعدا فهل يتكرر المد عن كل يوم بتكرر السنين أم يكفي مد عن كل السنين فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يتكرر ، صححه إمام الحرمين وغيره وقطع به القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد ، وخالفهم صاحب الحاوي فقال : الأصح أنه يكفي مد واحد لجميع السنين والأول أصح ، ولو أفطر عدوانا وقلنا : تجب فيه الفدية فأخر القضاء حتى دخل رمضان آخر فعليه لكل يوم مع القضاء فديتان فدية للإفطار عدوانا ، وآخرى للتأخير ، هذا هو المذهب وبه قطع البغوي وغيره . واحتج له البغوي بأن سببهما مختلف فلا يتداخلان بخلاف الحدود . وقال إبراهيم المروزي : إن عددنا الفدية بتعدد رمضان فهنا أولى ، وإلا فوجهان ، ولو أخر القضاء مع الإمكان حتى مات بعد دخول رمضان قبل أن يقضي ، وقلنا : الميت يطعم عنه فوجهان مشهوران ، حكاهما المصنف في الفصل الذي بعد هذا أصحهما : عند الأصحاب يجب لكل يوم مدان من تركته مد عن الصوم ومد عن التأخير . قال الماوردي : وهذا مذهب الشافعي وسائر أصحابنا سوى ابن سريج والثاني : يجب مد واحد ، لأن الفوات يضمن بمد واحد كالشيخ الهرم ، قال الماوردي : هذا غلط ، وأما إذا قلنا : يصوم عنه وليه فصام حصل تدارك أصل الصوم ويجب مد للتأخير لأنه كان واجبا عليه في حياته . وإذا قلنا بالأصح وهو التكرر فكان عليه عشرة أيام فمات ولم يبق من شعبان إلا خمسة أيام وجب في تركته خمسة عشر مدا ، عشرة لأجل الصوم وخمسة للتأخير ، لأنه لو عاش لم يمكنه إلا قضاء خمسة .
وأما إذا أفطر بلا عذر وقلنا : يلزمه الفدية فأخر الصوم حتى دخل رمضان آخر ومات قبل القضاء ، فالمذهب وجوب ثلاثة أمداد لكل يوم ، فإن تكررت السنون زادت الأمداد ، وإذا لم يبق بينه وبين رمضان الثاني ما يتأتى فيه قضاء جميع الفائت فهل تلزمه الفدية في الحال عما لا يسعه الوقت أم لا يلزمه إلا بعد دخول رمضان فيه وجهان كالوجهين فيمن حلف ليأكلن هذا الرغيف غدا فتلف قبل الغد ، هل يحنث في الحال أم بعد مجىء الغد . فرع : إذا أراد تعجيل فدية التأخير قبل مجىء رمضان الثاني ليؤخر القضاء مع الإمكان ففي جوازه وجهان ، كالوجهين في تعجيل الكفارة عن الحنث المحرم وقد سبقت هذه المسألة مع نظائر كثيرة لها في آخر باب تعجيل الزكاة . فرع : إذا أخر الشيخ الهرم المد عن السنة فالمذهب أنه لا شيء عليه ، وقال الغزالي في الوسيط : في تكرر مد آخر لتأخيره وجهان ، وهذا شاذ ضعيف . المسألة الثانية : إذا كان عليه قضاء شيء من رمضان يستحب قضاؤه متتابعا فإن فرقه جاز ، وذكر المصنف دليلهما الثالثة : إذا كان عليه قضاء اليوم الأول من رمضان فصام ونوى به اليوم الثاني ، ففي اجزائه وجهان مشهوران حكاهما البغوي وغيره أصحهما : لا يجزئه ، وبه قطع البندنيجي والمتولي ، ذكره في مسائل النية ، وجعل المصنف الإحتمالين له لكونه لم ير النقل الذي ذكره غيره ، وقد سبقت المسألة مع نظائرها في هذا الباب في مسائل النية ، والله أعلم . فرع : إذا لزمه قضاء رمضان أو بعضه ، فإن كان فواته بعذر ، كحيض ونفاس ومرض وإغماء وسفر ومن نسى النية أو أكل معتقدا أنه ليل فبان نهارا أو المرضع والحامل ، فقضاؤه على التراخي بلا خلاف ما لم يبلغ به رمضان المستقبل ولكن يستحب تعجيله ، وإن فاته بغير عذر فوجهان كالوجهين في قضاء الصلاة الفائتة بلا عذر أرجحهما : عند أكثر العراقيين أنه على التراخي أيضا والثاني : وهو الصحيح ، صححه الخراسانيون ومحققو العراقيين ، وقطع به جماعات أنه على الفور . وكذا الخلاف في قضاء الحجة المفسدة الأصح : على الفور ، وقد سبق بيان هذا كله في آخر باب مواقيت الصلاة ، وسبق هناك حكم الكفارة وهي كالصوم سواء ، فيفرق بين ما وجبت بسبب محرم وغيرها ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء فيمن أخر قضاء رمضان بغير عذر حتى دخل رمضان آخر قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يلزمه صوم رمضان الحاضر ثم يقضى الأول ويلزمه عن كل يوم فدية ، وهي مد من طعام ، وبهذا قال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن رباح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي ومالك و الثوري وأحمد وإسحاق ، إلا أن الثوري قال : الفدية مدان عن كل يوم ، وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة والمزني وداود : يقضيه ولا فدية عليه ، أما إذا دام سفره ومرضه ونحوهما من الأعذار حتى دخل رمضان الثاني فمذهبنا أنه يصوم رمضان الحاضر ثم يقضى الأول ولا فدية عليه لأنه معذور ، وحكاه ابن المنذر عن طاوس و الحسن البصري والنخعي وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق ، وهو مذهب أبي حنيفة والمزني وداود . قال ابن المنذر : وقال ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة : يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر ، ويفدى عن الغائب ولا قضاء عليه .
فرع في مذاهبهم في تفريق قضاء رمضان وتتابعه أنه يستحب تتابعه ويجوز تفريقه ، وبه قال علي ابن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس و أنس وأبو هريرة والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور رضي الله عنهم ، وعن ابن عمر وعائشة والحسن البصري وعروة بن الزبير والنخعي وداود الظاهري أنه يجب التتابع ، قال داود : هو واجب ليس بشرط ، وحكى صاحب البيان عن الطحاوي أنه قال : التتابع والتفريق سواء ، ولا فضيلة في التتابع . فرع : يجوز قضاء رمضان عندنا في جميع السنة غير رمضان الثاني وأيام العيد والتشريق ، ولا كراهة في شيء من ذلك سواء ذو الحجة وغيره ، وحكاه ابن المنذر عن سعيد بن المسيب وأحمد و إسحاق وأبي ثور ، وبه قال جمهور العلماء . قال ابن المنذر : وروينا عن علي ابن أبي طالب أنه كره قضاءه في ذي الحجة ، قال : وبه قال الحسن البصري والزهري ، قال ابن المنذر : وبالأول أقول لقوله تعالى : فعدة من أيام أخر البقرة : 481 و 581 .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولو كان عليه قضاء شيء من رمضان فلم يصم حتى مات نظرت فإن أخره لعذر اتصل بالموت لم يجب عليه شيء ، لأنه فرض لم يتمكن من فعله إلى الموت فسقط حكمه كالحج ، وإن زال العذر وتمكن فلم يصمه حتى مات أطعم عنه لكل مسكين مدا من طعام عن كل يوم ، ومن أصحابنا من قال : فيه قول آخر أنه يصام عنه لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من مات وعليه صيام صام عنه وليه ولأنه عبادة تجب بإفسادها الكفارة ، فجاز أن يقضى عنه بعد الموت كالحج ، والمنصوص في الأم هو الأول وهو الصحيح ، والدليل عليه ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من مات وعليه صيام فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين ولأنه عبادة لا تدخلها النيابة في حال الحياة فلا تدخلها النيابة بعد الموت كالصلاة . ( فإن قلنا ) إنه يصوم عنه وليه أجزأه ، فإن أمر أجنبيا فصام عنه بأجرة أو بغير أجرة أجزأه كالحج ، وإن قلنا يطعم عنه نظرت فإن مات قبل أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه عن كل يوم مسكين ، وإن مات بعد ما أدركه رمضان آخر ففيه وجهان أحدهما : يلزمه مدان مد للصوم ، ومد للتأخير والثاني : يكفيه مد واحد للتأخير ، لأنه إذا أخرج مدا للتأخير زال التفريط بالمد ، فيصير كما لو أخره بغير تفريط فلا تلزمه كفارة . + الشرح : حديث عائشة رواه البخاري ومسلم ، وحديث ابن عمر رواه الترمذي ، وقال : هو غريب ، قال : والصحيح أنه موقوف على ابن عمر من قوله . وقول المصنف : عبادة تجب بإفسادها الكفارة احتراز من الصلاة وقوله عبادة لا تدخلها النيابة في حال الحياة ، احتراز من الحج في حق المعضوب . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : من مات وعليه قضاء رمضان أو بعضه فله حالان : أحدهما : أن يكون معذورا في تفويت الأداء ودام عذره إلى الموت كمن اتصل مرضه أو سفره أو إغماؤه أو حيضها أو نفاسها أو حملها أو إرضاعها ونحو ذلك بالموت لم يجب شيء على ورثته ، ولا في تركته لا صيام ولا إطعام ، وهذا لا خلاف فيه عندنا ، ودليله ما ذكره المصنف من القياس على الحج . الحال الثاني : أن يتمكن من قضائه سواء فاته بعذر أم بغيره ، ولا يقضيه حتى يموت ، ففيه قولان مشهوران أشهرهما وأصحهما : عند المصنف والجمهور وهو المنصوص في الجديد أنه يجب في تركته لكل يوم مد من طعام ، ولا يصح صيام وليه عنه ، قال القاضي أبو الطيب في المجرد : هذا هو المنصوص للشافعي في كتبه الجديدة ، وأكثر القديمة والثاني : وهو القديم وهو الصحيح عند جماعة من محققي أصحابنا وهو المختار ، أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه ، ويصح ذلك ويجزئه عن الإطعام وتبرأ به ذمة الميت ، ولكن لا يلزم الولي الصوم ، بل هو إلى خيرته ، ودليلهما في الكتاب ، وسأفرد له فرعا أبسط أدلته فيه إن شاء الله . قال المصنف والأصحاب : فإذا قلنا بالقديم فأمر الولي أجنبيا فصام عن الميت بأجرة أو بغيرها ، جاز بلا خلاف كالحج ، ولو صام الأجنبي مستقلا به من غير إذن الولي فوجهان مشهوران أصحهما : لا يجزئه ، قال صاحب البيان : وهذا هو المشهور في المذهب ، وقد أشار إليه المصنف بقوله : وإن أمر أجنبيا ، وأما المراد بالولي الذي يصوم عنه وليه .
وقال صاحب الحاوي : مذهب الشافعي في القديم والجديد أنه يطعم عنه ، ولا يصام عنه ، قال : وحكى بعض أصحابنا عن القديم أنه يصوم عنه وليه ، لأنه قال فيه : قد روى ولك في ذلك خبر ، فإن صح قلت به فجعله قولا ثانيا قال : وأنكر سائر أصحابنا أن يكون صوم الولي عنه مذهبا للشافعي رضي الله عنه ، وتأولوا الأحاديث الواردة من مات وعليه صوم صام عنه وليه إن صح على أن المراد الإطعام يفعل عنه ما يقوم مقام الصيام وهو الإطعام ، وفرقوا بينه وبين الحج بأن الحج تدخله النيابة في الحياة ولا تدخل الصوم النيابة في الحياة بلا خلاف هذا هو المشهور عند الأصحاب . والقول الثاني : وهو القديم أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه ولا يلزمه ذلك ، وعلى هذا القول لو أطعم عنه جاز ، فهو على القديم مخير بين الصيام والإطعام ، هكذا نقله البيهقي وغيره وهو متفق عليه على القديم وهذا القديم هو الصحيح عند جماعة من محققي أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث ، واستدلوا له بالأحاديث الصحيحة منها : حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم من مات وعليه صيام صام عنه وليه رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها فقال : لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها قال : نعم ، قال : فدين الله أحق أن يقضى رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عباس أيضا قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر ، أفأصوم عنها قال : أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها قالت : نعم قال : فصومي عن أمك رواه مسلم ورواه البخاري أيضا تعليقا بمعناه . وعن بريدة قال : بينا أنا جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت : يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية ، وإنها ماتت فقال : وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت : يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها قال : صومي عنها ، قالت : إنها لم تحج قط أفأحج عنها قال : حجي عنها رواه مسلم . وعن ابن عباس أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرا فنجاها الله سبحانه وتعالى فلم تصم حتى ماتت ، فجاءت بنتها أو أختها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تصوم عنها رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح رجاله رجال الصحيحين ، وفي المسألة أحاديث غير ما ذكرته ، وروى البيهقي في السنن الكبير هذه الأحاديث ، وأحاديث كثيرة بمعناها ، ثم قال : فثبت بهذه الأحاديث جواز الصيام ، قال : وكان الشافعي قال في القديم : قد روى في الصوم عن الميت شيء فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه . وأما في الجديد فقال : روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصوم عنه وليه قال : وإنما لم نأخذ به لأن الزهري روى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نذرا ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس ، فلما روى غيره عن رجل عن ابن عباس غير ما في حديث عبيد الله أشبه أن لا يكون محفوظا .
قال البيهقي : يعني به حديث الشافعي عن مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس إن سعد ابن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أمي ماتت وعليها نذر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أقضه عنها قال البيهقي : وهذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم من رواية مالك وغيره عن الزهري ، إلا أن في رواته سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة سألت يعني عن الصوم عن أمها ، وكذلك رواه الحكم بن عيينة وسلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عباس ، وفي رواية عن مجاهد عن ابن عباس ، وفي رواية عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير عن ابن عباس ، ورواه عكرمة عن ابن عباس ، ورواه بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال البيهقي أيضا في معرفة السنن والآثار : قد ثبت جواز قضاء الصوم عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة عن ابن عباس ، وفي رواية أكثرهم إن امرأة سألت وقد ثبت الصوم عنه من رواية عائشة ورواية بريدة ثم قال البيهقي في الكتابين : فالأشبه أن تكون قصة السؤال عن الصيام بعينه غير قصة سعد بن عبادة ، التي سأل فيها عن نذر مطلق ، كيف وقد ثبت الصوم عنه بحديث عائشة وحديث بريدة . قال البيهقي : وقد رأيت بعض أصحابنا يضعف حديث ابن عباس بما روى عن بريدة بن زريع عن حجاج الأحول عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال : لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه . وفي رواية عن ابن عباس أنه في صيام رمضان يطعم عنه ، وفي النذر يصوم عنه وليه قال : ورأيت بعضهم ضعف حديث عائشة بما روى عن عمارة بن عمير عن امرأة عن عائشة في امرأة ماتت وعليها صوم قالت يطعم عنها ، وروي عن عائشة لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم . قال البيهقي : وليس فيما ذكروا ما يوجب ضعف الحديث في الصيام عنه ، لأن من يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه ، قال : وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر ، والأحاديث المرفوعة أصح إسنادا وأشهر رجالا ، وقد أودعها صاحبا الصحيحين كتابيهما ، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها ونظائرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى . هذا آخر كلام البيهقي . قلت : الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت سواء صوم رمضان والنذر وغيره من الصوم الواجب للأحاديث الصحيحة السابقة ، ولا معارض لها ويتعين أن يكون هذا مذهب الشافعي ، لأنه قال : إذا صح الحديث فهو مذهبي واتركوا قولي المخالف له وقد صحت في المسألة أحاديث كما سبق ، والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه كما سبق ، ولو وقف على جميع طرقه وعلى حديث بريدة ، وحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخالف ذلك كما قال البيهقي فيما قدمناه عنه في آخر كلامه ، فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة فيتعين العمل بها لعدم المعارض لها . وأما حديث ابن عمر في الإطعام عنه فقد سبق قول الترمذي فيه أنه لا يصح مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن الصحيح أنه موقوف على ابن عمر . وكذا قال البيهقي وغيره من الحفاظ : لا يصح مرفوعا ، وإنما هو من كلام ابن عمر ، وإنما رفعه محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يموت وعليه رمضان لم يقضه ، قال : يطعم عنه لكل يوم نصف صاع بر قال البيهقي : هذا خطأ من وجهين أحدهما : رفعه ، وإنما هو موقوف الثاني : قوله ( نصف صاع ) فإنما قال ابن عمر مدا من حنطة .
قلت : وقد اتفقوا على تضعيف محمد بن أبي ليلى ، وأنه لا يحتج بروايته ، وإن كان إماما في الفقه . ما حكاه البيهقي عن بعض أصحابنا من تضعيف حديث ابن عباس وعائشة بمخالفتهما لروايتهما فغلط من زاعمه ، لأن عمل العالم وفتياه بخلاف حديث رواه لا يوجب ضعف الحديث ولا يمنع الاستدلال به ، وهذه قاعدة معروفة في كتب المحدثين والأصوليين لاسيما وحديثاهما في إثبات الصوم عن الميت في الصحيح والرواية عن عائشة في فتياها من عند نفسها بمنع الصوم ضعيف لم يحتج بها لو لم يعارضها شيء ، كيف وهي مخالفة للأحاديث الصحيحة . وأما تأويل من تأول من أصحابنا صام عنه وليه أي أطعم بدل الصيام ، فتأويل باطل يرده باقي الأحاديث . فرع : إذا قلنا : لا يصام عن الميت بل يطعم عنه ، فإن مات قبل رمضان الثاني أطعم عنه لكل يوم مد من طعام بلا خلاف عندنا ، وإن مات بعد مجىء رمضان الثاني فوجهان حكاهما المصنف والأصحاب وهما مشهوران ذكر المصنف دليلهما أحدهما : قاله ابن سريج يطعم لكل يوم مد وأصحهما : عن كل يوم مدان ، وبه قال جمهور أصحابنا المتقدمين ، واتفق المتأخرون على تصحيحه ، وقد سبقت هذه المسألة واضحة مع نظائرها قبل هذا الفصل بقليل ، وسبق تفريع كثير على القولين . فرع : حكم صوم النذر والكفارة وجميع أنواع الصوم الواجب سواء في جميع ما ذكرناه ، ففي الجديد يطعم عنه لكل يوم مد ، وفي القديم للولي أن يطعم عنه وله أن يصوم عنه كما سبق ، والصحيح هو القديم كما سبق . فرع : إذا قلنا إنه يجوز صوم الولي عن الميت وصوم الأجنبي بإذن الولي فصام عنه ثلاثون إنسانا في يوم واحد هل يجزئه عن صوم جميع رمضان فهذا مما لم أر لأصحابنا كلاما فيه . وقد ذكر البخاري في صحيحه عن الحسن البصري أنه يجزئه ، وهذا هو الظاهر الذي نعتقده . فرع : قال أصحابنا وغيرهم : ولا يصام عن أحد في حياته بلا خلاف ، سواء كان عاجزا أو قادرا . فرع : لو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يفعلهما عنه وليه ، ولا يسقط عنه بالفدية صلاة ولا اعتكاف . هذا هو المشهور في المذهب والمعروف من نصوص الشافعي في الأم وغيره . ونقل البويطي عن الشافعي أنه قال في الإعتكاف : يعتكف عنه وليه . وفي رواية يطعم عنه . قال البغوي : ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مد ، فإذا قلنا بالإطعام في الإعتكاف فالقدر المقابل بالمد هو اعتكاف يوم بليلته . هكذا ذكره إمام الحرمين عن نقل شيخه . ثم قال الإمام وهو مشكل ، فإن اعتكاف لحظة عبادة تامة . ونقل صاحب البيان في آخر كتاب الإعتكاف أن الصيدلاني حكى أنه يطعم في الإعتكاف عنه لكل يوم مسكين ، قال : ولم أجد هذا لغير الصيدلاني . فرع : في حكم الفدية وبيانها ، سواء الفدية المخرجة عن الميت وعن المرضع والحامل والشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه ، ومن عصى بتأخير قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر ، ومن أفطر عمدا وألزمناه الفدية على وجه ضعيف ، وغيرهم ممن تلزمه فدية في الصوم وهي مد من طعام لكل يوم جنسه جنس زكاة الفطر ، فيعتبر غالب قوت بلده في أصح الأوجه ، وفي الثاني : قوت نفسه ، وفي الثالث : يتخير بين جميع الأقوات ويجىء فيه الخلاف والتفريع السابق هناك ، ولا يجزىء الدقيق ولا السويق ولا الحب المعيب ولا القيمة ، ولا غير ذلك مما سبق هناك .
ومصرفها الفقراء أو المساكين ، وكل مد منها منفصل عن غيره ، فيجوز صرف أمداد كثيرة عن الشخص الواحد والشهر الواحد إلى مسكين واحد أو فقير واحد ، بخلاف أمداد الكفارة فإنه يجب صرف كل مد إلى مسكين ولا يصرف إلى مسكين من كفارة واحدة مدان ، لأن الكفارة شيء واحد وأما الفدية عن أيام رمضان فكل يوم مستقل بنفسه لا يفسد بفساد ما قبله ولا ما بعده ، وممن صرح بمعنى هذه الجملة البغوي والرافعي . فرع في مذاهب العلماء فيمن مات وعليه صوم فاته بمرض أو سفر أو غيرهما من الأعذار ولم يتمكن من قضائه حتى مات ذكرنا أن مذهبنا أنه لا شيء عليه ولا يصام عنه ولا يطعم عنه بلا خلاف عندنا . وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور . قال العبدري : وهو قول العلماء كافة إلا طاوسا وقتادة فقالا : يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين ، لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهرم . واحتج البيهقي وغيره من أصحابنا لمذهبنا بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم رواه البخاري ومسلم واحتجوا أيضا بالقياس على الحج كما ذكره المصنف ، وفرقوا بينه وبين الشيخ الهرم بأن الشيخ عامر الذمة ومن أهل العبادات بخلاف الميت . فرع في مذاهبهم فيمن تمكن من صوم رمضان فلم يصمه حتى مات قد ذكرنا أن في مذهبنا قولين أشهرهما : يطعم عنه لكل يوم مد من طعام وأصحهما : في الدليل يصوم عنه وليه ، وممن قال بالصيام عنه طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود . وقال ابن عباس وأحمد وإسحاق : يصام عنه صوم النذر ، ويطعم عن صوم رمضان . وقال ابن عباس وابن عمر وعائشة ومالك وأبو حنيفة والثوري : يطعم عنه ، ولا يجوز الصيام عنه ، لكن حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري أنه يطعم عن كل يوم مدان . فرع في مسائل تتعلق بكتاب الصيام إحدها : يستحب أن يدعو عند رؤية الهلال بما رواه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال : اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام ، ربي وربك الله رواه الترمذي ، وقال حديث حسن ، وعن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال : الله أكبر ، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان ، والسلامة والإسلام والتوفيق لما تجب وترضى ، ربنا وربك الله رواه الدارمي في مسنده ، وروى أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن قتادة قال : بلغني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال : هلال خير ورشد ، هلال خير ورشد ، هلال خير ورشد ، آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات ثم يقول : الحمد الله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا هكذا رواه عن قتادة مرسلا ، وفي المسألة أذكار أخر ذكرتها في كتاب الأذكار . الثانية : يستحب للصائم أن يدعو في حال صومه بمهمات الآخره والدنيا له ولمن يحب وللمسلمين ، لحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر ، والإمام العادل ، والمظلوم رواه الترمذي وابن ماجه ، قال الترمذي : حديث حسن ، وهكذا الرواية حتى بالتاء المثناة فوق فيقتضي استحباب دعاء الصائم من أول اليوم إلى آخره ، لأنه يسمى صائما في كل ذلك . الثالثة : عن أبي بكر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقول أحدكم : إني صمت رمضان كله وقمته ، فلا أدري أكره التزكية أو قال : لا بد من نومة أو رقدة رواه أبو داود والنسائي بأسانيد حسنة أو صحيحة ، وممن ذكره من أصحابنا صاحب البيان .
الرابعة : قال المصنف في التنبيه وغيره من أصحابنا : يكره صمت يوم إلى الليل للصائم ولغيره من غير حاجة لحديث علي رضي الله عنه قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل رواه أبو داود بإسناد حسن ، وعن قيس بن أبي حازم قال : دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم ، فقال : ما لها لا تتكلم فقالوا حجت مصمتة ، فقال لها : تكلمي فإن هذا لا يحل ، هذا من عمل الجاهلية فتكلمت رواه البخاري في صحيحه . قوله : امرأة من أحمس هو بالحاء والسين المهملتين وهي قبيلة معروفة والنسبة إليهم أحمسي ، قال الخطابي في معالم السنن في تفسير الحديث الأول : كان أهل الجاهلية من نسكهم الصمات ، وكان أحدهم يعتكف اليوم والليلة فيصمت لا ينطق فنهوا يعني في الإسلام عن ذلك وأمروا بالذكر والحديث بالخير . هذا كلام الخطابي ، وهذا الذي ذكرناه هو المعروف لأصحابنا ولغيرهم أن الصمت إلى الليل مكروه . وقال صاحب التتمة في هذا الباب : جرت عادة بعض الناس بترك الكلام في رمضان جملة ، وليس له أصل في الشرع ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يلازم أحد منهم الصمت في رمضان ، لكن له أصل في شرع من قبلنا وهو قصة زكريا عليه السلام إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا مريم : 62 أراد بالصوم الصمت فمن قال من أصحابنا : شرع من قبلنا يلزمنا عند عدم النهي ، جعل ذلك قربة ، ومن قال : شرع من قبلنا لا يلزمنا ، قال : لا يستحب ذلك ، هذا كلام صاحب التتمة ، وهو كلام بناه على أن شرعنا لم يرد فيه نهي ، وقد ورد النهي كما قدمناه فهو الصواب . الخامسة : قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى : الجود والإفضال يستحب في كل وقت ، وهو في رمضان آكد ، ويسن زيادة الإجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان ، ودليل المسألتين الأحاديث الصحيحة منها : حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان ، حين يلقاه جبريل ، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة رواه البخاري ومسلم . قال العلماء : قوله : كالريح المرسلة أي في الإسراع والعموم . وعن عائشة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهده في غيره وعن علي رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الأواخر ويرفع المئزر رواه الترمذي . وقال حديث حسن صحيح ، وعن أنس قال : قيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال : صدقة رمضان رواه البيهقي . قال أصحابنا : والجود والإفضال مستحب في شهر رمضان ، وفي العشر الأواخر أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالسلف ، ولأنه شهر شريف فالحسنة فيه أفضل من غيره ، ولأن الناس يشتغلون فيه بصيامهم وزيادة طاعاتهم عن المكاسب فيحتاجون إلى المواساة وإعانتهم . فرع : قال الماوردي : ويستحب للرجل أن يوسع على عياله في شهر رمضان وأن يحسن إلى أرحامه وجيرانه لاسيما في العشر الأواخر منه .
السادسة : قال أصحابنا : السنة كثرة تلاوة القرآن في رمضان ومدارسته ، وهو أن يقرأ على غيره ويقرأ غيره عليه ، للحديث السابق قريبا عن ابن عباس ويسن الإعتكاف فيه وآكده العشر الأواخر منه ، لحديث ابن عمر وعائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان رواهما البخاري ومسلم ، وفي الصحيح عن جماعة من الصحابة وغيرهم معناه ، وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأولى والعشر الوسط من رمضان من رواية أبي سعيد الخدري . السابعة : يستحب صون نفسه في رمضان عن الشهوات فهو سر الصوم ، ومقصوده الأعظم ، وسبق أنه يحترز عن الغيبة والكلام القبيح والمشاتمة والمسافهة وكل ما لا خير فيه من الكلام . الثامنة : يستحب تقديم غسل الجنابة من جماع أو احتلام على طلوع الفجر والأحاديث الصحيحة في تأخيره محمولة على بيان الجواز ، وإلا فالكثير من رسول الله صلى الله عليه وسلم تقديمه على الفجر . التاسعة : قال الشافعي والأصحاب : يكره للصائم السواك بعد الزوال هذا هو المشهور ، ولا فرق بين صوم النفل والفرض ، وقال القاضي حسين : لا يكره في النفل ليكون أبعد من الرياء ، وهذا غريب ضعيف ، وللشافعي قول غريب أن السواك لا يكره في كل صوم لا قبل الزوال ولا بعده ، وقد سبقت المسألة في باب السواك مبسوطة ، قال أصحابنا : وإذا استاك فلا فرق بين السواك الرطب واليابس بشرط أن يحترز عن ابتلاع شيء منه أو من رطوبته ، فإن ابتلعه أفطر . والإستياك قبل الزوال بالرطب واليابس جائز بلا كراهة ، وبه قال ابن عمر وعروة ومجاهد وأيوب وأبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبو ثور و داود ، وكرهه بالرطب جماعة حكاه ابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل والشعبي والحكم و قتادة ومالك وأحمد وإسحاق ، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يكره ، وقال ابن المنذر : وممن قال بالسواك للصائم قبل الزوال وبعده عمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وابن سيرين والنخعي وأبو حنيفة ومالك وكرهه بعد الزوال عطاء ومجاهد و أحمد وإسحاق وأبو ثور . العاشرة : قد سبق أن الحيض والنفاس والجنون والردة كل واحد منها يبطل الصوم ، سواء طال أم كان لحظة من النهار ، وصوم الصبي المميز صحيح والذي لا يميز لا يصح ، وكذا لا يصح صوم السكران ، قال أصحابنا : شرط الصوم الإسلام والتمييز إلا المغمى عليه والنائم كما سبق فيهما ، والنقاء عن الحيض والنفاس والوقت القابل للصوم احترازا عن العيد والتشريق . الحادية عشرة : عن أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فقدمت له طعاما فقال : كلي . فقالت : إني صائمة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا رواه الإمام أحمد والترمذي ، وقال : حديث حسن . & باب صوم التطوع والأيام التي نهى عن الصوم فيها &
قال المصنف رحمه الله تعالى : يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال ، لما روى أبو أيوب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر . + الشرح : حديث أبي أيوب رواه مسلم ولفظه من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر ورواه أبو داود بإسناد صحيح بلفظه في المهذب واسم أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري النجاري بالنون والجيم شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله . وقوله صلى الله عليه وسلم : بست من شوال أو ستا من شوال من غير هاء التأنيث في آخره ، هذه لغة العرب الفصيحة المعروفة يقولون : صمنا خمسا وصمنا ستا وصمنا عشر وثلاثا ، وشبه ذلك بحذف الهاء ، وإن كان المراد مذكرا وهو الأيام ، فما لم يصرحوا بذكر الأيام يحذفون الهاء ، فإن ذكروا المذكر أثبتوا الهاء فقالوا : صمنا ستة أيام وعشرة أيام وشبه ذلك ، وهذا مما لا خلاف بينهم في جوازه ، وممن نقله عن العرب من أهل اللغة المشهورين وفضلائهم المتقين ومعتمديهم المحققين الفراء ، ثم ابن السكيت وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين . قال أبو إسحاق الزجاج في تفسير قول الله تعالى : أربعة أشهر وعشرا البقرة : 432 إجماع أهل اللغة سرنا خمسا بين يوم وليلة ، وأنشد الجعدي : فطافت ثلاثا بين يوم وليلة ومما جاء مثله في القرآن العظيم قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ( البقرة : 432 ) مذهبنا ومذهب الجمهور أن المراد عشرة أيام بلياليها ولا تنقضي العدة حتى تغرب الشمس من اليوم العاشر وتدخل الليلة الحادية عشرة . ومثله قوله سبحانه وتعالى : يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا طه : 301 أي عشرة أيام بدليل قوله تعالى : إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما طه : 401 . قال أهل اللغة في تعليل هذا الباب : وإنما كان كذلك لتغليب الليالي على الأيام وذلك لأن أول الشهر الليل ، فلما كانت الليالي هي الأوائل غلبت لأن الأوائل أقوى ، ومن هذا قول العرب : خرجنا ليالي الفتنة وخفنا ليالي إمارة الحجاج ، والمراد الأيام بلياليها ، والله أعلم . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : يستحب صوم ستة أيام من شوال لهذا الحديث قالوا : ويستحب أن يصومها متتابعة في أول شوال فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز . وكان فاعلا لأصل هذه السنة لعموم الحديث وإطلاقه . وهذا لا خلاف فيه عندنا وبه قال أحمد وداود . قال مالك وأبو حنيفة : يكره صومها . قال مالك في الموطأ : وصوم ستة أيام من شوال لم أر أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ، ولم يبلغه ذلك عن أحد من السلف وأن أهل العلم كانوا يكرهون ذلك ويخافون بدعته ، وأن يلحق برمضان أهل الجفاء والجهالة ما ليس منه لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ، ورأوهم يعملون ذلك هذا كلام مالك في الموطأ . ودليلنا الحديث الصحيح السابق ولا معارض له . وأما قول مالك : لم أر أحدا يصومها فليس بحجة في الكراهة لأن السنة ثبتت في ذلك بلا معارض ، فكونه لم ير لا يضر . وقولهم : لأنه قد يخفى ذلك فيعتقد وجوبه ضعيف لأنه لا يخفى ذلك على أحد ، ويلزم على قوله : ( إنه يكره ) صوم يوم عرفة وعاشوراء وسائر الصوم المندوب إليه وهذا لا يقوله أحد .