Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V08/P122–V08/P124

السابعة : يستحب أن يغتسل بالمزدلفة بعد نصف الليل للوقوف بالمشعر الحرام وللعيد ، ولما فيها من الإجتماع ، فإن عجز عن الماء تيمم كما سبق . وهذه الليلة ليلة عظيمة جامعة لأنواع من الفضل منها : شرف الزمان والمكان . فإن المزدلفة من الحرم كما سبق ، وانضم إلى هذا جلالة أهل المجمع الحاضرين بها وهم وفد الله تعالى ومن لا يشقى بهم جليسهم ، فينبغي أن يعني الحاضر هناك بإحيائها بالعبادة من صلاة أو تلاوة وذكر ودعاء وتضرع ، ويتأهب بعد نصف الليل للإغتسال أو الوضوء ، ويحصل حصاة الجمار وتهيئة متاعه . الثامنة : قال الشافعي والأصحاب : يستحب أن يأخذ من المزدلفة سبع حصيات لرمي جمرة العقبة يوم النحر ، والإحتياط أن يزيد فربما سقط منها شيء ، وهل يستحب أن يأخذ مع ذلك لرمي أيام التشريق فيه وجهان أحدهما : يستحب وهو ظاهر نص الشافعي في المختصر ، وبه قطع ابن القاص في المفتاح والقاضي حسين في تعليقه والبغوي . فعلى هذا يأخذ سبعين حصاة ، سبعا لجمرة العقبة يوم النحر ، وثلاثا وستين لأيام التشريق والثاني : وهو المشهور لا يأخذ إلا سبع حصيات لجمرة العقبة ، وبهذا قطع المصنف والشيخ أبو حامد والصيمري والماوردي والقاضي أبو الطيب في كتابه التعليق و المجرد والمحاملي في كتبه الثلاثة : المجموع و التجريد و المقنع وصاحبا الشامل و البيان والجمهور ، وهو المنصوص في الأم ، ونقله الشيخ أبو حامد وغيره عن نصه في الأم . وكذا نقله الرافعي عن الجمهور . قال ونقلوه عن نصه . قال : وجعلوه بيانا لما أطلقه في المختصر . قال وجمع ما بين الكلامين بعضهم فقال : يستحب الأخذ للجميع ، لكن ليوم النحر أشد استحبابا هذا كلامه . وهذا الوجه القائل بالجمع بين الكلامين غريب ضعيف مخالف لنصه في الأم ولصريح كلام الأصحاب . وقد صرح الصيمري والماوردي بأنه لا يأخذ زيادة على سبع حصيات والله أعلم . فرع : قال جمهور الأصحاب : يأخذون الحصى من المزدلفة في الليل لئلا يشتغلوا بالنهار بتحصيله . وخالفهم البغوي فقال : يأخذونه بعد صلاة الصبح . والمذهب الأول . فرع : قال الشافعي والأصحاب : يستحب أن يكون أخذ الحصى من المزدلفة قال الماوردي قال قوم يأخذها من المأزمين والصواب الأول قال الشافعي والأصحاب : ومن أي موضع أخذها أجزأه . لكن يكره من أربعة مواضع . المسجد والحل والموضع النجس ومن الجمار التي رماها هو وغيره . لأنه روى عن ابن عباس موقوفا ، وعن أبي سعيد الخدري موقوفا ومرفوعا ، وعن ابن عمر مرفوعا أن ما تقبل منها رفع وما لم يقبل ترك . ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين قال البيهقي : المرفوعان ضعيفان . وكره بعض أصحابنا أخذها من جميع منى لانتشار ما رمي فيها ولم يتقبل . قال الشافعي والأصحاب : ولو رمى بكل ما كرهناه أجزأه . ولنا وجه ضعيف شاذ أنه إذا رمى حصاة ثم أخذها ورماها هو في تلك الجمرة في ذلك اليوم لا يجزئه . ووافق هذا القائل على أنه لو اختلف الشخص أو الزمان أو المكان أجزأه الرمي بالرمي بلا خلاف . وهذا الوجه ضعيف جدا لأنه يسمى رميا . والله أعلم . فرع : اتفق أصحابنا على أنه يستحب أن لا يكسر الحصى بل يلتقطه . ونص عليه الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتقاط الحصيات له وقد سبق بيان هذا الحديث . وقد ورد نهي في الكسر ههنا . ولأنه قد يفضي إلى الأذى . فرع : قال الشافعي : ولا أكره غسل حصى الجمار ، بل لم أزل أعمله وأحبه . هذا نصه ، قال أصحابنا : غسله مستحب ، حتى قال البغوي يستحب غسله وإن كان طاهرا .

Section V08/P124–V08/P126

فرع : قال الشافعي والأصحاب : السنة أن يكون الحصى صغارا بقدر حصى الخذف لا أكبر ولا أصغر ، ويكره بأكبر منه وسنوضحه إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف في الفصل الذي بعد هذا . فرع : قال الشافعي والأصحاب : السنة تقديم الضعفاء من النساء وغيرهن من مزدلفة قبل طلوع الفجر بعد نصف الليل إلى منى ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس لحديث عائشة قالت : استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل خطمة الناس ، وكانت امرأة ثبطه فأذن لها رواه البخاري ومسلم ، وسبق بيانه . وعن ابن عباس قال : أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل ، فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع ، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ، ومنهم من يقدم بعد ذلك ، فإذا قدموا رموا الجمرة ، وكان ابن عمر يقول أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم . وعن عبد الله مولى أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة ، فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت : يا بني هل غاب القمر قلت : لا ، فصلت ساعة ثم قالت يا بني هل غاب القمر قلت ، نعم . قالت : فارتحلوا ، فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها ، فقلت لها : ما أرانا إلا قد غسلنا قالت يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن رواه البخاري ومسلم . وعن أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل رواه مسلم ، وفي المسألة أحاديث صحيحة سوى ما ذكرته والله أعلم . هذا حكم الضعفة فأما غيرهم فيمكثون بمزدلفة حتى يصلوا الصبح بها كما سبق بيانه والله أعلم . التاسعة : قال الشافعي والأصحاب : السنة إذا طلع الفجر أن يبادر الإمام والناس بصلاة الصبح في أول وقتها ، قالوا : والمبالغة في التبكير بها في هذا اليوم آكد من باقي الأيام ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم للحديث الذي ذكره المصنف ، وليتسع الوقت لوظائف هذا اليوم من المناسك ، فإنها كثيرة في هذا اليوم ، فليس في أيام الحج أكثر عملا منه والله أعلم . العاشرة : السنة أن يرتحلوا بعد صلاة الصبح من موضع مبيتهم متوجهين إلى المشعر الحرام ، وهو قزح بضم القاف وفتح الزاي وبالحاء المهملة وبالمزدلفة ، وهو آخر المزدلفة ، وهو جبل صغير ، فإذا وصله صعده إن أمكنه وإلا وقف عنده وتحته . ويقف مستقبل الكعبة فيدعو ويحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويوحده ، ويكثر من التلبية . استحب أصحابنا أن يقول : اللهم كما وفقتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا . واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك . وقولك الحق ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام . واذكروه كما هداكم . وإن كنتم من قبله لمن الضالين . ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس . واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) ويكثر من قوله : اللهم آتنا في الدنيا حسنة . وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . ويدعو بما أحب ويختار الدعوات الجامعة والأمور المهمة ، ويكرر دعواته ، ودليل المسألة مذكور في الكتاب . وقد استبدل الناس بالوقوف على قزح الوقوف على بناء مستحدث في وسط المزدلفة وفي حصول أصل هذه السنة بالوقوف في ذلك المستحدث وغيره من مزدلفة مما سوى قزح وجهان . أحدهما : لا يحصل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قزح وقد قال صلى الله عليه وسلم : لتأخذوا عني مناسككم .

Section V08/P126–V08/P127

والثاني : وهو الصحيح بل الصواب أنها تحصل ، وبه جزم القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والرافعي وغيره ، لحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ، ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف ، ووقفت ههنا وجمع كلها موقف رواه مسلم وجمع هي المزدلفة ، والمراد وقفت على قزح وجميع المزدلفة موقف . لكن أفضلها قزح كما أن عرفات كلها موقف وأفضلها موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصخرات والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : والسنة أن يبقوا واقفين على قزح للذكر والدعاء إلى أن يسفر الصبح إسفارا جدا ، لحديث جابر السابق الذي ذكره المصنف ثم بعد الإسفار يدفعون إلى منى . قال الشافعي والأصحاب : ولو تركوا هذا الوقوف من أصله فاتهم الفضيلة ولا إثم عليهم . ولا دم كسائر الهيئات والسنن والله أعلم قال القاضي حسين في تعليقه : ويكفي من أصل هذا الوقوف بقزح المذكور كما قلنا في الموقف بعرفات والله أعلم . الحادية عشرة : إذا أسفر الفجر فالسنة أن يدفع من المشعر الحرام متوجها إلى منى ويكون ذلك قبل طلوع الشمس . فإنه دفع بعد طلوع الشمس فهو مكروه كراهة تنزيه ، كذا جزم به المصنف وشيخه أبو الطيب في كتابه المجرد وآخرون وقال الماوردي : هو خلاف السنة ولم يقل : إنه مكروه ، وكذا مقتضى عبارة آخرين والله أعلم . قال أصحابنا : ويدفع إلى منى وعليه السكينة والوقار . قال المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب وغيرهما : فإذا وجد فرجة أسرع كما سبق في الدفع من عرفات . ويكون شعاره في دفعه التلبية والذكر . وليتجنب الإيذاء في المزاحمة . فإذا بلغ وادي محسر استحب للراكب تحريك دابته قدر رمية حجر . ويستحب للماشي الإسراع قدر رمية حجر أيضا حتى يقطعا عرض الوادي وقد سبق ضبط وادي محسر وتحديده . قال أصحابنا وغيرهم : وليس وادي محسر من مزدلفة ولا من منى بل هو مسيل ما بينهما ، وهذا الذي ذكرنا من استحباب الإسراع في وادي محسر متفق عليه ، ولا خلاف فيه إلا وجها شاذا ضعيفا حكاه الرافعي أنه لا يستحب الإسراع للماشي وليس بشيء ودليل المسألة مذكور في الكتاب . قال أصحابنا : واستحب الإسراع فيه للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأن وادي محسر كان موقف النصارى فاستحب مخالفتهم واستدلوا بما رواه البيهقي بإسناده عن المسور بن مخرمة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يوضع ويقول : إليك تعدو قلقا وضينها مخالفا دين النصارى دينها قال البيهقي : يعني الإيضاع في وادي محسر ، ومعنى هذا البيت أن ناقتي تعدو إليك يا رب مسرعة في طاعتك قلقا وضينها ، وهو الحبل الذي كالحزام ، وإنما صار قلقا من كثرة السير والإقبال التام والإجهاد البالغ في طاعتك ، والمراد صاحب الناقة . وقوله مخالف دين النصارى دينها بنصب دين النصارى ورفع دينها ، أي إني لا أفعل فعل النصارى ولا أعتقد اعتقادهم . قال القاضي حسين في تعليقه : يستحب للمار بوادي محسر أن يقول هذا الذي قاله عمر رضي الله عنه ، والله تعالى أعلم . وأما تقييد المصنف والأصحاب مسافة استحباب الإسراع في وادي محسر بقدر رمية حجر ، فيستدل له بما ثبت في موطأ مالك عن نافع أن ابن عمر كان يحرك راحلته في بطن محسر قدر رمية بحجر وقد سبق في حديث علي رضي الله عنه في المسألة الأولى من هذه المسائل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى وادي محسر قرع راحلته فخبت حتى جاوز الوادي والله أعلم . فرع : ثم يخرج من وادي محسر سائرا إلى منى .

Section V08/P127–V08/P129

قال أصحابنا : ويستحب أن يسلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى العقبة لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بطن محسر فحرك قليلا ، ثم سلك الطريق التي تخرج إلى الجمرة الكبرى رواه مسلم . فرع : قد ذكرنا أن الإسراع في وادي محسر سنة ، وقد تظاهرت الأحاديث على ذلك ، وقد جاء في بعض الأحاديث ما يقتضي خلافها ، فمن الأحاديث المثبتة للإسراع حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من المشعر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا رواه مسلم . وفي رواية للبيهقي بإسناد على شرط البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضع في وادي محسر . وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من قزح حتى انتهى إلى وادي محسر ، فقرع ناقته فخبت حتى جاوز الوادي رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وعن الفضل بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من المشعر الحرام حتى إذا بلغ محسرا أوضع شيئا رواه البيهقي . وعن المسور بن مخرمة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يوضع ، قال وكان ابن الزبير يوضع أشد الإيضاع أخذه عن عمر رواه البيهقي وقال : يعني الإيضاع في وادي محسر . وروى مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان يحرك راحلته في بطن محسر قدر رمية بحجر وهذا صحيح عن ابن عمر ، رواه البيهقي أيضا عن عائشة ثم قال : ورويناه عن ابن مسعود وحسين بن علي رضي الله عنهم . وأما الأحاديث المعارضة فمنها عن ابن عباس قال إنما كان بدو الإيضاع من أهل البادية كانوا يقفون حافتي الناس قد علقوا القعاب والعصي ، فإذا أفاضوا يقعقعون فأنفرت بالناس ، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ذفرى ناقته ليمس حاركها وهو يقول : يا أيها الناس عليكم بالسكينة رواه البيهقي ورواه الحاكم في المستدرك وقال هو حديث صحيح على شرط ( البخاري ولم يخرجاه ) . وعن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه حين أفاض من عرفة فأفاض بالسكينة وقال : ليس البر بإيجاف الخيل والإبل فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى منى رواه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ، فهذان الحديثان ظاهرهما مخالفة ما سبق ، والجواب عنهما من وجهين أحدهما : أنه ليس فيهما تصريح بترك الإسراع في وادي محسر فلا يعارضان الصريح بإثبات الإسراع والثاني : أنه لو صرح فيهما بترك الإسراع كانت رواية الإسراع أولى لوجهين . أحدهما : أنها إثبات وهو مقدم على النفي والثاني : أنها أكثر رواة وأصح أسانيد وأشهر فهي أولى ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة . أجمع العلماء على جواز الجمع بينهما بمزدلفة في وقت العشاء للمسافر ، فلو جمع بينهما في وقت المغرب أو في غير المزدلفة جاز هذا مذهبنا وبه قال عطاء وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير ومالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف وأبو ثور وابن المنذر . وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة ومحمد وداود وبعض أصحاب مالك : لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة ولا قبل وقت العشاء ، والخلاف مبني على أن جمعهم بالنسك أم بالسفر فعندنا بالسفر ، وعند أبي حنيفة بالنسك . فرع : في مذاهبهم في الأذان إذا جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة . قد ذكرنا أن الأصح في مذهبنا أنه يؤذن للأولى ويقيم لكل واحدة ، وبه قال أحمد في رواية ، وأبو ثور وعبد الملك بن الماجشون المالكي والطحاوي الحنفي وقال مالك : يصليهما بأذانين وإقامتين ، وهو مذهب ابن مسعود .

Section V08/P129–V08/P131

قال ابن المنذر وروي هذا عن عمر ، وقال عبد الله بن عمر وابنه سالم والقاسم بن محمد وإسحاق وأحمد في رواية يصليهما بإقامتين وقال ابن عمر في رواية صحيحة عنه وسفيان الثوري : يصليهما بإقامة واحدة ، والله أعلم . دليلنا حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما بأذان وإقامتين رواه مسلم ، وسبقت المسألة بأدلتها مستوفاة في باب الأذان . فرع : في مذاهبم في المبيت بمزدلفة ليلة النحر . قد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا أنه ليس بركن ، فلو تركه صح حجه . قال القاضي أبو الطيب وأصحابنا : وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف ، وقال خمسة من أئمة التابعين : هو ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات ، هذا قول علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري ، وبه قال من أصحابنا ابن بنت الشافعي وأبو بكر بن خزيمة . واحتج لهم بقوله تعالى : فاذكروا الله عند المشعر الحرام وبالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من فاته المبيت بالمزدلفة فقد فاته الحج . واحتج أصحابنا بحديث عروة بن مضرس السابق في فضل الوقوف بعرفات وهو حديث صحيح كما سبق ، وأجابوا عن الآية بأن المأمور به فيها إنما هو الذكر وليس هو بركن بالإجماع . وأما الحديث فالجواب عنه من وجهين أحدهما : أنه ليس بثابت ولا معروف والثاني : أنه لو صح لحمل على فوات كمال الحج لا فوات أصله . فرع : قد ذكرنا أن السنة عندنا أن يبقى بمزدلفة حتى يطلع الفجر إلا الضعفة ، فيستحب لهم الدفع قبل الفجر ، فإن دفع غير الضعفة قبل الفجر بعد نصف الليل جاز ولا دم . هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد . وقال أبو حنيفة : لا يجوز الدفع قبل طلوع الفجر فإن دفع قبل الفجر لزمه دم واحتج أصحابنا عليه بالأحاديث الصحيحة السابقة في دفع النساء والضعفة فإن قيل : إنما أرخص في الدفع قبل الفجر للضعفة قلنا : لو كان حراما لما اختلف بالضعفة وغيرهم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أن يقف بعد صلاة الصبح على قزح ولا يزال واقفا به يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدا ، وبه قال ابن مسعود وابن عمر وأبو حنيفة وجماهير العلماء . قال ابن المنذر : وهو قول عامة العلماء غير مالك ، فإنه كان يرى أن يدفع منه قبل الإسفار . دليلنا حديث جابر السابق الذي ذكره المصنف ، وهو صحيح . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب الإسراع في وادي محسر ، وذكرنا الأحاديث الصحيحة فيه ، وقد نقله ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير ، قال : وتبعهم عليه أهل العلم ، وقد قدمنا عن ابن عباس خلاف هذا ، والله أعلم . فرع : المشعر الحرام المذكور في القرآن الذي يؤمر بالوقوف عليه هو قزح ، جبل معروف بالمزدلفة . هذا مذهبنا . وقال جمهور المفسرين وأصحاب الحديث والسير : المشعر الحرام جميع المزدلفة ، ومما يستدل به لأصحابنا ما ثبت في صحيح البخاري في باب من قدم ضعفة أهله بليل عن سالم بن عبد الله قال كان عبد الله بن عمر يقدم ضعفة أهله ، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة ، فيذكرون الله . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب غسل حصى الجمار ، ويستحب التقاطها ، ويستحب أن لا يكسرها ، قال الماوردي : واختار قوم كسرها واختار قوم أن لا تغسل بل كرهوا غسلها ، قال ابن المنذر : لا يعلم في شيء من الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم غسلها وأمر بغسلها ، قال : ولا معنى لغسلها ، قال : وكان عطاء والثوري ومالك وكثير من أهل العلم لا يرون غسلها ، قال : وروينا عن طاوس أنه كان يغسلها .

Section V08/P131–V08/P132

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا أتى منى بدأ برمي جمرة العقبة ، وهو من واجبات الحج ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى وقال : خذوا عني مناسككم والمستحب أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بضعفة أهله فأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس وإن رمى بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر أجزأه ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة رضي الله عنها يوم النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت ، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها والمستحب أن يرمي من بطن الوادي ، وأن يكون راكبا وأن يكبر مع كل حصاة لما روت أم سلمة رضي الله عنها قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب وهو يكبر مع كل حصاة والمستحب أن يرفع يده حتى يرى بياض إبطه ، لأن ذلك أعون على الرمي ويقطع التلبية مع أول حصاة ، لما روى الفضل بن العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ولأن التلبية للإحرام ، فإذا رمى فقد شرع في التحلل فلا معنى للتلبية ، ولا يجوز الرمي إلا بالحجر ، فإن رمى بغيره من مدر أو خزف لم يجزه لأنه لا يقع عليه اسم الحجر . والمستحب أن يرمي بمثل حصى الخذف ، وهو بقدر الباقلا ، لما روى الفضل بن العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عشيتة عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا : عليكم بمثل حصى الخذف فإن رمى بحجر كبير أجزأه لأنه يقع عليه اسم الحجر ، ولا يرمي بحجر قد رمي به ، لأن ما قبل منها يرفع وما لا يقبل منها يترك والدليل عليه ما روى أبو سعيد قال قلنا يا رسول الله إن هذه الجمار ترمى كل عام فنحسب أنها تنقص . قال : أما إنه ما يقبل منها يرفع ، ولولا ذلك لرأيتها مثل الجبال فإن رمى بما رمى به أجزأه لأنه يقع عليه الإسم ، ويجب أن يرمي فإن أخذ الحصاة وتركها في المرمى لم يجزه لأنه لم يرم ، ويجب أن يرميها واحدة واحدة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى واحدة واحدة وقال : خذوا عني مناسككم ويجب أن يقصد بالرمي إلى المرمى ، فإن رمى حصاة في الهواء فوقعت في المرمى لم يجزه لأنه لم يقصد الرمي إلى المرمى ، وإن رمى حصاة فوقعت على أخرى ووقعت الثانية في المرمى لم يجزه لأنه لم يقصد رمي الثانية . وإن رمى حصاة فوقعت على محمل أو أرض فازدلفت ووقعت على المرمى أجزأه ، لأنه حصل في المرمى بفعله ، وإن رمى فوق المرمى فتدحرج لتصويب المكان الذي أصابه فوقع في المرمى ففيه وجهان أحدهما : أنه يجزئه ، لأنه لم يوجد في حصوله في المرمى فعل غيره والثاني : لا يجزئه ، لأنه لم يقع في المرمى بفعله ، وإنما أعان عليه تصويب المكان ، فصار كما لو وقع في ثوب رجل فنفضه حتى وقع في المرمى . + الشرح : أما حديث ابن عباس فصحيح ، رواه بلفظه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

Section V08/P132–V08/P134

وأما : حديث عائشة في إرسال أم سلمة فصحيح ، رواه أبو داود بلفظه بإسناد صحيح على شرط مسلم وأما : قوله : لما روت أم سلمة قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي إلى آخره ، فرواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيدهم عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة هكذا رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وجميع أصحاب كتب الحديث عن سليمان بن عمرو عن أمه ، ويقال لها أم جندب الأزدية ، ووقع في نسخ المهذب أم سلمة ، وفي بعضها أم سليم وكلاهما غير صحيح وتصحيف ظاهر . والصواب : أم سليمان بالنون أو أم جندب ، وهذا لا خلاف فيه ، وقد أوضحته بأكثر من هذا في تهذيب الأسماء و اللغات . وإسناد حديثها هذا ضعيف ، لأن مداره على يزيد بن زياد وهو ضعيف ، لكن يغنى عنه حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الجمرة يعني يوم النحر ، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف ، وهي من بطن الوادي ثم انصرف رواه مسلم بهذا اللفظ ، والله أعلم . وأما : الحديث الأول عن الفضل بن عباس فرواه البخاري ومسلم وأما : الحديث الثاني عن الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا عليكم بمثل حصى الخذف . فرواه مسلم ، وفي رواية مسلم عليكم بحصى الخذف وفي المهذب : بمثل حصى الخذف . وأما : حديث أبي سعيد في رفع الجمار . فرواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف من رواية يزيد بن سنان الرهاوي وهو ضعيف عند أهل الحديث ظاهر الضعف ، قال البيهقي : وروي من وجه آخر ضعيف أيضا عن ابن عمر موقوفا وإنما هو مشهور عن ابن عباس موقوفا عليه . وأما : حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى واحدة واحدة فصحيح ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر الذي ذكرته قبل حديث الفضل ، وقوله فيه يكبر مع كل حصاة صريح بأنه رمي واحدة واحدة . وأما : حديث خذوا عني مناسككم فصحيح رواه مسلم وأبو داود والبيهقي وغيرهم من رواية جابر ، وقد سبق إيضاحه في مواضع كثيرة من هذا الباب أولها فضل الطواف ، والله أعلم . وأما لغات الفصل وألفاظه : فمنها منى ، وسبق بيان ضبطها واشتقاقها في فصل المزدلفة ، وسبق هناك ذكر حدها قوله : بضعفة أهله هو بفتح الضاد والعين جمع ضعيف ، والمراد النساء والصبيان ونحوهم قوله : يرى بياض إبطه هو بضم أول يرى والإبط ساكنة الباء ويؤنث ويذكر لغتان والتذكير أفصح وفي الباقلا لغتان سبقتا المد والقصر ، والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية وقوله : التصويت المكان أي لكونه في حدور ونزول . أما الأحكام : ففي الفصل مسائل : إحداها : قد ذكرنا أنه إذا خرج من وادي محسر يسلك إلى منى الطريق الوسطى وشعاره الذكر والتلبية وعليه السكينة والوقار ، فإذا وجد فرجة أسرع فإذا وصل منى بدأ بجمرة العقبة ، وتسمى الجمرة الكبرى ، ولا يعرج على شيء قبلها ، وهي تحية منى ، فلا يبدأ قبلها بشيء ، بل يرميها قبل نزوله ، وحط رحله وهي على يمين مستقبل الكعبة إذا وقف في الجادة ، والمرمى مرتفع قليل في سفح الجبل .

Section V08/P134–V08/P135

واعلم أن الأعمال المشروعة للحاج يوم النحر بعد وصوله منى أربعة ، وهي رمي جمرة العقبة ، ثم ذبح الهدي ، ثم الحلق ، ثم طواف الإفاضة ، وترتيب هذه الأربعة هكذا سنة ، وليس بواجب ، فلو طاف قبل أن يرمي أو ذبح في وقت الذبح قبل أن يرمي جاز ، ولا فدية عليه ، لكن فاته الأفضل ، ولو حلق قبل الرمي والطواف ، فإن قلنا : الرمي استباحة محظور لزمه الفدية على المذهب ، وإن قلنا : إنه نسك لم يلزمه الدم على الصحيح ، وفيه وجه شاذ أنه يلزمه ، حكاه الدارمي والرافعي ، وسأعيد المسألة واضحة إن شاء الله تعالى في فصل الحلق ، والله أعلم . والسنة أن يرمي بعد ارتفاع الشمس قدر رمح كما سنذكره ، ثم يذبح ثم يحلق ثم يذهب إلى مكة لطواف الإفاضة ، فيقع الطواف ضحوة ، ويدخل وقت الرمي والطواف بنصف ليلة النحر ، بشرط تقدم الوقوف بعرفات ، وقال ابن المنذر : لا يجزىء الرمي قبل طلوع الفجر بحال ، والمذهب الأول . قال أصحابنا : ويدخل أيضا وقت الحلق بنصف الليلة ، إن قلنا : نسك ولا آخر لوقت الطواف والحلق بل يمتد وقتهما ما دام حيا . وإن مضى سنون متطاولة وكذلك السعي . ففي آخر وقته وجهان سنذكرهما قريبا إن شاء الله تعالى . المسألة الثانية : رمي جمرة العقبة واجب بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، وليس هو بركن . فلو تركه حتى فات وقته صح حجه ولزمه الدم ، وأما وقت الرمي فقال الشافعي والأصحاب : السنة أن يصلوا منى بعد طلوع الشمس . ويرموا بعد ارتفاعها قدر رمح . فإن قدموا الرمي على هذا جاز بشرط أن يكون بعد نصف ليلة النحر وبعد الوقوف . ولو أخروه عنه جاز . ويكون أداء إلى آخر نهار يوم النحر بلا خلاف . وهل يمتد إلى طلوع فجر تلك الليلة فيه وجهان مشهوران ، وممن حكاهما صاحب التقريب والشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين وآخرون أصحهما : لا يمتد والثاني : يمتد . الثالثة : الصحيح المختار في كيفية وقوفه لرمي جمرة العقبة أن يقف تحتها في بطن الوادي ، فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل العقبة ثم يرمي وبهذا جزم الدارمي ، وفيه وجه آخر أنه يقف مستقبل الجمرة مستدبر الكعبة ومكة ، وبهذا جزم الشيخ أبو حامد في تعليقه ، والبندنيجي وصاحب البيان والرافعي وآخرون وفيه وجه ثالث أنه يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه ، والمذهب الأول ، لحديث عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله بن مسعود انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمي بسبع حصيات ثم قال : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية للبخاري قال عبد الرحمن بن يزيد رمى عبد الله في بطن الوادي فقلت يا أبا عبد الرحمن إن ناسا يرمونها من فوقها فقال : والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وفي رواية للبخاري عن عبد الرحمن أنه كان مع ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة ، فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم قال : من ههنا والذي لا إله غيره قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة قلت إنما خص سورة البقرة بالذكر لأن معظم المناسك فيها . والله تعالى أعلم . الرابعة : السنة أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ، إن كان قدم منى راكبا ، للحديث الصحيح السابق . الخامسة : السنة أن يكبر مع كل حصاة للحديث السابق ويقطع التلبية عند أول حصاة ، لما ذكره المصنف . وقال القفال : إذا رحلوا من مزدلفة خلطوا التلبية بالتكبير في مسيرهم ، فإذا افتتحوا الرمي محضوا التكبير قال إمام الحرمين : ولم أر هذا لغير القفال .

Section V08/P135–V08/P137

قال بعض أصحابنا : يستحب في هذا التكبير مع الرمي أن يقول : الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر . وهذا الذي ذكره هذا القائل غريب في كتب الحديث والفقه ، وإنما في الأحاديث الصحيحة وكتب الفقه ، يكبر مع كل حصاة ، وهذا مقتضاه مطلق التكبير . والذي ذكره هذا القائل طويل لا يحسن التفريق بين الحصيات به . وقال الماوردي : قال الشافعي : يكبر مع كل حصاة فيقول : الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد ، والله أعلم . قال أصحابنا : ولو قدم الحلق والطواف على الرمي قطع التلبية بشروعه في أول الطواف ، وكذا في أول الحلق إذا بدأ به ، وقلنا : هو نسك ، لأنهما من أسباب التحلل . قال أصحابنا : وكذا المعتمر يقطع التلبية بشروعه في الطواف ، لأنه من أسباب تحللها . والله أعلم . السادسة : يستحب أن يرفع يده في الرمي حتى يرى بياض إبطه ، ويسن أن يكون الرمي بيده اليمنى ، فلو رمى باليسرى أجزأه لحصول الرمي ، ودليل استحباب اليمنى ما قدمناه من الأحاديث وغيرها في باب صفة الوضوء في استحباب التيمن في الطهور والتنعل واللباس ونحوها . والله أعلم . السابعة : شرط المرمى به أن يكون حجرا . قال الشافعي والأصحاب : فيجوز الرمي بالمرمر والبرام والكذان والرخام والصوان . نص عليه في الأم وسائر أنواع الحجر . ويجزىء حجر النورة قبل أن يطبخ ويصير نورة . وأما حجر الحديد فالمذهب القطع بإجزائه لأنه حجر في الحال إلا أن فيه حديدا كامنا يستخرج بالعلاج . وتردد فيه الشيخ أبو محمد الجويني . وفيما يتخذ منه الفصوص كالفيروزج والياقوت والعقيق والزمرد والزبرجد والبلور ونحوها وجهان أصحهما : الإجزاء لأنها أحجار . وبهذا قطع البندنيجي والقاضي حسين والمتولي والبغوي . وأما ما ليس بحجر كالماء والنورة والزرنيخ والإثمد والمدر والجص والآجر والخزف والجواهر المنطبعة كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد ونحوها ، فلا يجزىء الرمي بشيء من هذا بلا خلاف ، والله أعلم . الثامنة : السنة أن يرمي بحصى مثل حصى الخذف . وهذا لا خلاف فيه . ودليله ما ذكره المصنف مع أحاديث كثيرة صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بمثل حصى الخذف ، وأمر أن يرمي بمثل حصى الخذف قال أصحابنا : وحصاة الخذف دون الأصبع طولا وعرضا ، وفي قدر حبة الباقلا . وقيل كقدر النواة . قال صاحب الشامل : قال الشافعي : حصاة الخذف أصغر من الأنملة طولا وعرضا . قال : منهم من قال كقدر النواة . ومنهم من قال كالباقلا ، قال صاحب الشامل : وهذه المقادير متقاربة . قال أصحابنا : فإن رمى بأصغر من ذلك أو أكبر كره كراهة تنزيه وأجزأه باتفاق الأصحاب ، لوجود الرمي بحجر . واستدل الأصحاب لكراهة أكبر من حصى الخذف بحديث ابن عباس قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته هات القط لي فلقطت له حصيات من حصى الخذف ، فلما وضعتهن في يده قال : بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين رواه النسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم . فرع : في كيفية الرمي وجهان أحدهما : يستحب أن يكون كصفة رمي الحاذف فيضع الحصاة على بطن إبهامه ويرميها برأس السبابة ، وبهذا الوجه قطع البغوي والمتولي والرافعي والثاني : وهو الصحيح وبه قطع الجمهور أنه يرميه على غير صفة الخذف .

Section V08/P137–V08/P138

وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن معقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن الخذف وقال : إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو ، وإنه يفقأ العين ويكسر السن ) رواه البخاري ومسلم . وهذا الحديث عام يتناول الخذف في رمي الجمار وغيره . فلا يجوز تخصيصه إلا بدليل ولم يصح فيما قاله صاحب الوجه الأول شيء . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه على العلة في كراهة الخذف وهو أنه لا يأمن أن يفقأ العين أو يكسر السن . وهذه العلة موجودة في رمي الجمار والله أعلم . التاسعة : يجوز الرمي بكل أنواع الحجر ، لكن يكره بأربعة أنواع أحدها : الحجر المأخوذ من الحلي والثاني : المأخوذ من مسجد في الحرم والثالث : الحجر النجس الرابع : الحجر الذي رمى به هو أو غيره مرة أخرى فهذه الأنواع الأربعة مكروهة كراهة تنزيه ، فإن رمى بها أجزأه ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب إلا وجها شاذا ضعيفا حكاه الخراسانيون فيما إذا اتجد الزمان والمكان والشخص ، فإذا رمى بحصاة في جمرة ثم أخذها في الحال ، ورمى بها في تلك الجمرة لا يجزئه . ووافق صاحب هذا الوجه على أنه لو اختلف الزمان بأن رمى بالحصاة الواحدة في جمرة لكن في يومين ، أو اختلف المكان بأن رمي الشخص الواحد في يوم واحد بالحصاة الواحدة لكن في جمرتين ، أو اختلف الشخص بأن رمى بالحصاة فأخذها آخر فرماها في الحال في تلك الجمرة أجزأه ، والمذهب الإجزاء مطلقا . وعلى أنه يتصور أن يرمي جميع الحجاج بحصاة واحدة جميع الرمي المشروع لهم إن اتسع لهم الوقت ، وقاسه أصحابنا على ما لو دفع مد طعام في كفارة إلى فقير ثم اشتراه ثم دفعه إلى آخر ، ثم فعل ذلك ثالثا ورابعا وأكثر حتى بلغ قدر الكفارة فإنه يجزئه بلا خلاف ، لكن يكره له شراء ما أخرجه في كفارة أو زكاة أو صدقة ، كما يكره الرمي بما رمى به . وحكى القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وغيرهما عن المزني أنه قال : لا يجوز أن يرمي ما رمى به هو ، ويجوز بما رمى به غيره وغلطوه فيه ، والله أعلم . فإن قيل : لم جوزتم الرمي بحجر قد رمي به ولم تجوزوا الوضوء بما توضىء به قلنا : قال القاضي أبو الطيب وغيره : الفرق أن الوضوء بالماء إتلاف له فأشبه العتق فلا يعتق العبد عن الكفارة بخلاف الرمي ، ونظير الحصاة الثوب في ستر العورة ، فإنه يجوز أن يصلي في الثوب الواحد صلوات . والله أعلم . العاشرة : يشترط في الرمي أن يفعله على وجه يسمى رميا ، لأنه مأمور بالرمي ، فاشترط فيه ما يقع عليه اسم الرمي ، فلو وضع الحجر في المرمى لم يعتد به ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه شاذ ضعيف أنه يعتد به ، حكاه الدارمي وصاحب التقريب وإمام الحرمين والرافعي وغيرهم ، وهو قريب الشبه من الخلاف السابق في مسح الرأس ، هل يكفي فيه وضع اليد عليه بلا مر وكذا في المضمضة لو وضع الماء في فيه ولم يدره والأصح الإجزاء في الرأس والمضمضة ، والصحيح هنا عدم الإجزاء ، والفرق من وجهين أحدهما : أن مبنى الحج على التعبد بخلافهما والثاني : أن في مسألة وضع الحجر لم يأت بشيء من أجزاء الرمي بخلاف مسألة الوضوء . قال أصحابنا : ويشترط قصد المرمى ، فلو رمي في الهواء فوقع الحجر في المرمى لم يجزه بلا خلاف لما ذكره المصنف ، قال أصحابنا : ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى ، فلو رماه فوقع في المرمى ثم تدحرج منه وخرج عنه أجزأه لأنه وجد الرمي إلى المرمى وحصوله فيه .

Section V08/P138–V08/P140

ولو انصدمت الحصاة المرمية بالأرض خارج الجمرة أو بمحمل في الطريق أو عنق بعير أو ثوب إنسان ثم ارتدت فوقعت في المرمى أجزأته بلا خلاف لما ذكره المصنف من حصولها في المرمى بفعله من غير معاونة ، فلو حرك صاحب المحمل محمله أو صاحب الثوب ثوبه فنفضها ، أو تحرك البعير فدفعها فوقعت في المرمى لم يعتد بها بلا خلاف لأنها لم تحصل في المرمى بمجرد فعله . ولو تحرك البعير فوقعت في المرمى ولم يدفعها فوجهان حكاهما البندنيجي أصحهما : لا يجزئه ، وهو مقتضى كلام الأصحاب . ولو وقعت على المحمل أو على عنق البعير ثم تدحرجت إلى المرمى فوجهان أصحهما : لا يجزئه لاحتمال تأثرها به ، ولو وقعت في غير المرمى من الأرض المرتفعة ثم تدحرجت إلى المرمى أو ردتها الريح فوجهان أصحهما : يجزئه لحصوله في المرمى لا بفعل غيره وممن صححه المحاملي في المجموع والبغوي والرافعي وغيرهم قال أصحابنا : ولا يشترط وقوف الرامي خارج المرمى بل لو وقف في طرفه ورمى إلى طرفه الآخر أو وسطه أجزأه لوجود الرمي في المرمى والله أعلم . ولو رمى حصاة فوقعت على حصاة خارج المرمى فوقعت هذه الحصاة في المرمى ولم تقع المرمى بها لم تجزه بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، والله أعلم . فرع : لو رمى حصاة إلى المرمى وشك هل وقعت فيه أم لا فقولان مشهوران في الطريقتين ، حكاهما الشيخ أبو حامد والدارمي وأبو علي البندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وابن الصباغ وصاحب البيان وآخرون من العراقيين ، والقاضي حسين والمتولي وآخرون من الخراسانيين ، قالوا كلهم : هما جديد وقديم الجديد : الصحيح لا يجزئه ، لأن الأصل عدم الوقوع فيه ، والأصل أيضا بقاء الرمي عليه والقديم : يجزئه لأن الظاهر وقوعه في المرمى قاله القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي في المجموع والقاضي حسين في تعليقه . قال أصحابنا : هذا القول المنقول عن القديم ليس مذهبا للشافعي ، بل حكاه عن غيره . والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا يجزئه الرمي عن القوس ولا الدفع بالرجل ، لأنه لا ينطلق عليه اسم الرمي . قال البندنيجي : ولو رمى حصاة إلى فوق فوقعت في المرمى لم يجزه ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي رحمه الله : الجمرة الحصى لا ما سال من الحصى ، فمن أصاب مجتمع الحصى بالرمي أجزأه ، ومن أصاب سائل الحصى الذي ليس بمجتمعه لم يجزه ، والمراد مجتمع الحصى في موضعه المعروف ، وهو الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو حول والعياذ بالله ورمى الناس في غيره واجتمع الحصى فيه لم يجزه ، ولو نحى الحصى إلى موضعه الشرعي ورمى إلى نفس الأرض أجزأه لأنه رمى في موضع الرمي ، هذا الذي ذكرته هو المشهور ، وهو الصواب . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه إذا رمى حصاة فوقعت في مسيل الماء فيه قولان . قال في الأم : لا يجزئه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى إلى المرمى مع قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم والقول الثاني : يجزئه لأن مسيل الماء متصل بالمرمى ليس بينهما حائل فهو كجزء منه ، هذا نقل القاضي وهو غريب ضعيف . والله أعلم . الحادية عشرة : قال الشافعي والأصحاب يشترط أن يرمي الحصيات في دفعات لما ذكره المصنف ، فلو رمى حصاتين أو سبعا دفعة فإن وقعن في المرمى في حالة واحدة حسبت حصاة واحدة بلا خلاف ، وإن ترتبن في الوقوع فالمذهب أن المحسوب حصاة واحدة أيضا . وهذا نص الشافعي وبه قطع العراقيون وجماهير الخراسانيين ، لأنها رمية واحدة . وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجها شاذا ضعيفا أنه يحسب بعدد الحصيات المترتبات في الوقوع . قال الإمام : هذا ليس بشيء .

Section V08/P140–V08/P141

ولو رمى حصاتين أحدهما بيده اليمنى والأخرى باليسرى دفعة واحدة لم يحسب إلا واحدة بالاتفاق ، ذكره الدارمي . ولو رمى حصاة ثم أتبعها أخرى فإن وقعت الأولى في المرمى قبل الثانية فهما حصاتان بلا خلاف ، وإن وقعتا معا أو الثانية قبل الأولى فوجهان مشهوران حكاهما الدارمي والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والمتولي وغيرهم ، واتفقوا على أن أصحهما أنه يحسب حصاتان اعتبارا بالمرمي والثاني : حصاة اعتبارا بالوقوع . قال إمام الحرمين : الصواب أنهما حصاتان وما سواه خبط . قال الدارمي : القائل حصاتان أبو حامد يعني المروزي ، والقائل حصاة ( . . . ) والله أعلم . فرع : الموالاة بين الحصيات والموالاة بين جمارات أيام التشريق هل يشترط فيها الخلاف السابق في الطواف الصحيح لا يشترط لكن يستحب والثاني : يشترط ، هذا إذا فرق طويلا . فأما التفريق اليسير فلا يضر بلا خلاف ، وممن ذكر المسألة المتولي والرافعي . فرع : قد ذكرنا أنه إذا رمي سبع حصيات دفعة واحدة حسبت حصاة واحدة ولو وجب الحد على إنسان فجلد بمائة مشدودة دفعة واحدة حسبت مائة قال أصحابنا : الفرق من وجهين أحدهما : أن الحدود مبنية على التخفيف والثاني : أن المقصود منها الإيقاع وقد حصل . وأما الرمي فتعبد فاتبع فيه التوقيف والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في رمي جمرة العقبة . قد ذكرنا أنه واجب ليس بركن ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وداود . قال العبدري : وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك هو ركن دليلنا القياس على رمي أيام التشريق . فرع : مذهبنا جواز رمي جمرة العقبة بعد نصف ليلة النحر ، والأفضل فعله بعد ارتفاع الشمس ، وبه قال عطاء وأحمد وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد . وقال مالك وأبو حنيفة وإسحاق : لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس واحتج لهم بحديث ابن عباس السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس وهو حديث صحيح كما سبق . واحتج أصحابنا بحديث أم سلمة وغيره من الأحاديث الصحيحة السابقة في مسألة تعجيل دفع الضعفة من مزدلفة إلى منى وأما : حديث ابن عباس فمحمول على الأفضل جمعا بين الأحاديث . قال ابن المنذر : أجمعوا على أن من رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس أجزأه . فرع : في مذاهبهم في وقت قطع التلبية يوم النحر . قد ذكرنا أنه يقطعها عند أول شروعه في رمي جمرة العقبة ، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وقال أحمد وإسحاق وطائفة : يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة ، وأشار ابن المنذر إلى اختياره ، وقال مالك : يقطعها قبل الوقوف بعرفات ، وحكاه عن علي وابن عمر وعائشة ، وقال الحسن البصري : يقطعها عقب صلاة الصبح يوم عرفة ، دليلنا ما ذكره المصنف . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أخذ حصاة الجمار من مزدلفة ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وإسحاق قال : قال عطاء ومالك وأحمد : يأخذ من حيث شاء ، قال ابن المنذر : ولا أعلم خلافا بينهم أنه من حيث أخذ أجزأه ، لكن أحب لقطه وأكره كسره . لأنه قد يؤدي . . . . . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب كون الحصى قدر حصى الخذف ، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف ، منهم ابن عمر وجابر وابن عباس وابن الزبير وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأبو ثور ، قال ابن المنذر ولا معنى لقول مالك ( أعجب من ذلك أكبر إلي ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن الرمي بمثل حصى الخذف فاتباع السنة أولى .

Section V08/P141–V08/P143

فرع : قال ابن المنذر : أجمعوا على أنه لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة . فرع : مذهبنا أنه يستحب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ، إن كان دخل منى راكبا ، ويرمي في أيام التشريق ماشيا إلا يوم النفر فراكبا ، وبه قال مالك ، قال ابن المنذر : وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة ، واستحبه أحمد وإسحاق ، وكره جابر الركوب إلى شيء من الجمار إلا لضرورة ، قال : وأجمعوا على أن الرمي يجزئه على أي حال رماه إذا وقع في المرمى ، دليلنا الأحاديث الصحيحة السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر راكبا والله أعلم . فرع : ذكرنا أن مذهبنا الصحيح أن الأفضل في موقف الرامي جمرة العقبة أن يقف في بطن الوادي ، وتكون منى عن يمينه ، ومكة عن يساره ، وبهذا قال جمهور العلماء منهم ابن مسعود وجابر والقاسم بن محمد وسالم وعطاء ونافع والثوري ومالك وأحمد ، قال ابن المنذر : وروينا أن عمر رضي الله عنه خاف الزحام فرماها من فوقها . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لو رمى بما رمى به هو أو غيره جاز مع الكراهة ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود ، قال المزني : يجوز بما رمى به غيره ولا يجوز بما رمي هو به ، قال ابن المنذر : وكره ذلك عطاء والأسود بن يزيد وسعيد بن أبي عروبة والشافعي وأحمد ، قال : ورخص فيه الشعبي ، وقال إسحاق يجزئه ، قال ابن المنذر : يكره ويجزئه ، قال : إذ لا أعلم أحدا أوجب على من فعل ذلك إعادة . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه لو رمي سبع حصيات رمية واحدة حسب له حصاة واحدة فقط ، وبه قال مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة : إن وقعن في المرمى متعاقبات أجزأه وإلا فلا ، وحكى ابن المنذر عن عطاء أنه يجزئه ويكبر لكل حصاة تكبيرة ، قال الحسن : إن كان جاهلا أجزأه . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز الرمي بكل ما يسمى حجرا ، ولا يجوز بما لا يسمى حجرا ، كالرصاص والحديد والذهب والفضة والزرنيخ والكحل ونحوها ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة يجوز بكل ما كان من جنس الأرض كالكحل والزرنيخ والمدر ولا يجوز بما ليس من جنسها ، واحتج بالأحاديث المطلقة في الرمي ، دليلنا حديث الفضل بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في غداة جمع يعني يوم النحر عليكم بحصى الخذف الذي يرمي به الجمرة رواه مسلم فأمر صلى الله عليه وسلم بالحصى ، فلا يجوز العدول عنه ، والأحاديث المطلقة محمولة على هذا المعنى .

Section V08/P143–V08/P144

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا فرغ من المرمى يذبح هديه إن كان معه ، لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى سبع حصيات من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ويجوز النحر في جميع منى ، لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال منى كلها منحر . + الشرح : حديثا جابر رواهما مسلم ، قال أصحابنا فإذا فرغ من الرمي انصرف فنزل في موضع من منى ، وحيث نزل منها جاز ، لكن أفضلها منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاربه ، وذكر الأزرقي أن منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى عن يسار مصلى الإمام ، فإذا نزل ذبح ونحر الهدي إن كان معه هدي . وأعلم أن سوق الهدي لمن قصد مكة حاجا أو معتمرا سنة مؤكدة ، وقد أعرض الناس أو أكثرهم عنها في هذه الأزمان ، والأفضل أن يكون هديه معه من الميقات مشعرا مقلدا ، ولا يجب الهدي إلا بالنذر ، والأفضل سوق الهدي من بلده ، فإن لم يكن فمن طريقه ، وإلا فمن الميقات أو ما بعده ، وإلا فمن منى . ويستحب للرجل أن يتولى ذبح هديه وأضحيته بنفسه ، وينوي عند ذبحها ، فإن كان منذورا نوى الذبح عن هديه أو أضحيته المنذورة ، وإن كان تطوعا نوى التقرب به ، ولو استناب في ذبحه جاز ويستحب أن يخص عند الذبح ، ويستحب أن يكون النائب ذكرا مسلما ، فإن استناب امرأة أو كتابيا جاز لأنهما من أهل العبادة . والمرأة الحائض والنفساء أولى من الكتابي . وينوي صاحب الهدي والأضحية عند الدفع إلى الوكيل أو عند ذبحه . فإن فوض النية إلى الوكيل جاز إن كان مسلما . فإن كان كافرا لم يصح لأنه ليس من أهل النية في العبادات . بل ينوي صاحبها عند دفعها إليه أو عند ذبحه . وأما صفة الذبح وآدابه وتقليد الهدي وإشعاره وغير ذلك من أحكامه فسنوضحها في باب الهدي إن شاء الله تعالى . وأما وقت ذبح الهدي ففيه وجهان مشهوران أصحهما : وبه قطع العراقيون وجماعات من غيرهم أنه كوقت الأضحية يختص بيوم العيد وأيام التشريق ويدخل بعد طلوع شمس يوم النحر ومضي قدر صلاة العيد والخطبتين ويخرج بخروج أيام التشريق ، فإن خرجت ولم يذبحه فإن كان نذرا لزمه ذبحه ويكون قضاء ، وإن كان تطوعا فقد فات الهدي في هذه السنة ، فإن ذبحه قال الشافعي والأصحاب كان شاة لحم لا هديا . والوجه الثاني : حكاه الخراسانيون أنه لا يختص بزمان بل يجوز قبل يوم النحر وفيه وبعد أيام التشريق ، كدماء الجبرانات ، والمذهب الأول . واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن ذبح الهدي يختص بالحرم ، ولا يجوز في غيره ، واتفقوا على أنه يجوز في أي موضع شاء من الحرم ، ولا يختص بمنى . قال الشافعي رحمه الله : الحرم كله منحر حيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة ، لكن السنة في الحج أن ينحر بمنى لأنها موضع تحلله ، وفي العمرة بمكة وأفضلها عند المروة لأنها موضع تحلله ، والله أعلم . وأما قول المصنف رحمه الله تعالى يجوز النحر في جميع منى ، فعبارة ناقصة لأنه يوهم الإختصاص بمنى دون سائر الحرم ، وهذا الإيهام غلط ، وكان ينبغي أن يقول : يجوز في كل الحرم وأفضله منى . وأفضلها موضع نحر النبي صلى الله عليه وسلم وما قاربه . والله أعلم .

Section V08/P144–V08/P146

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يحلق لما روى أنس قال لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة وفرغ من نسكه ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه . ثم أعطاه شقه الأيسر فحلقه فإن لم يحلق وقصر جاز ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يحلقوا أو يقصروا والحلق أفضل لما روى ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله المحلقين ، قالوا : يا رسول الله والمقصرين قال : رحم الله المحلقين ، قالوا : يا رسول الله والمقصرين قال : رحم الله المحلقين . قالوا : يا رسول الله والمقصرين . قال في الرابعة : والمقصرين وأقل ما يحلق ثلاث شعرات . لأنه يقع عليه اسم الجمع المطلق فأشبه الجمع . والأفضل أن يحلق الجميع لحديث أنس . وإن كان أصلع فالمستحب أن يمر الموسى على رأسه . لما روى ابن عمر رضي الله عنه أنه قال في الأصلع : يمر الموسى على رأسه ولا يجب ذلك لأنه قربة تتعلق بمحل فسقطت بفواته كغسل اليد إذا قطعت . وإن كانت امرأة قصرت ولم تحلق لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس على النساء حلق إنما على النساء تقصير ولأن الحلق في النساء مثلة فلم يفعل . وهل الحلاق نسك أو استباحه محظور فيه قولان أحدهما : أنه ليس بنسك لأنه محرم في الإحرام فلم يكن نسكا كالطيب . والثاني : أنه نسك وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم رحم الله المحلقين فإن حلق قبل الذبح جاز . لما روى عبد الله بن عمر قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى فجاءه رجل فقال : يا رسول الله لم أشعر فحلقت رأسي قبل أن أذبح فقال : اذبح ولا حرج . فجاءه آخر فقال : يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال : ارم ولا حرج . فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال : افعل ولا حرج فإن حلق قبل الرمي فإن قلنا : إن الحلق نسك جاز . لما روى ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل حلق قبل أن يذبح أو قبل أن يرمي فكان يقول : لا حرج ، لا حرج وإن قلنا : إنه استباحة محظور لم يجز لأنه فعل محظور فلم يجز قبل الرمي من غير عذر كالطيب . + الشرح : أما حديث أنس رضي الله عنه فرواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طرق منها : عن أنس قال لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه . ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه . ثم ناوله الشق الأيسر فقال : احلق فحلقه . فأعطى أبا طلحة فقال اقسمه بين الناس هذا لفظ إحدى روايات مسلم والباقي بمعناها وقوله في الرواية التي ذكرها المصنف وفرغ من نسكه يعني من ذبح هديه كما قال في رواية مسلم ونحر نسكه . وأما حديث جابر فرواه البخاري ومسلم بغير هذا اللفظ . ولفظهما عن جابر أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا هذا لفظهما . وقد روى التقصير جماعات من الصحابة في الصحيحين منها : عن ابن عمر قال حلق النبي صلى الله عليه وسلم وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم رواه البخاري ومسلم وعن معاوية قال : قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة رواه البخاري ومسلم . وفي رواية قال قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته على المروة بمشقص .

Section V08/P146–V08/P147

وأما حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم ارحم المحلقين إلى آخره فرواه البخاري ومسلم . وأما الأثر عن ابن عمر في إمرار الموسى فرواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف فيه يحيى بن عمر الجادي بالجيم وتشديد الياء وهو ضعيف . وأما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير فرواه أبو داود بإسناد حسن . وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فرواه البخاري . وأما حديث ابن عباس الذي بعده فرواه البخاري ومسلم بنحو معناه وهذا لفظهما عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : لا حرج ورواه البخاري ومسلم أيضا من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر في حجة الوداع وهم يسألونه ، فقال رجل : لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح ، فقال اذبح ولا حرج ، فجاء آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ، فقال : ارم ولا حرج . فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال : يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي . فقال : ارم ولا حرج . وأتاه رجل آخر فقال : إني ذبحت قبل أن أرمي . قال : ارم ولا حرج . قال فما رأيته سئل يومئذ عن شيء إلا قال : افعلوا ولا حرج هذا لفظ هذه الرواية لمسلم . وهي صريحة فيما استدل له المصنف . وفيها التصريح بجواز تقديم طواف الإفاضة على الرمي . والله أعلم . وأما ألفاظ الفصل : فقوله وفرغ من نسكه أي من ذبح هديه . وقد سبق بيانه في رواية مسلم . وقوله ناول الحالق هذا الذي حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم معمر بن عبد الله العدوي . هذا هو الصحيح المشهور . وفي صحيح البخاري قال زعموا أنه معمر بن عبد الله وذكر ابن الأثير في مختصر الأنساب في ترجمة الكليبي بضم الكاف خراش بن أمية الكليبي . والله أعلم . قوله يمر الموسى قال أهل اللغة : الموسى يذكر ويؤنث . قال ابن قتيبة : قال الكسائي : هو فعلى ، وقال غيره : مفعل من أوسيت رأسه أي حلقته . قال الجوهري : الكسائي والفراء يقولان : هي فعلى مؤنثة ، وعبد الله بن سعيد الأموي يقول مفعل مذكر . قال أبو عبد الله لم نسمع تذكيره إلا من الأموي قوله لأنه قربة تتعلق بمحل فسقطت بفواته احتراز من الصلاة والصوم ، فإن كلا منهما قربة تتعلق بزمان لا بمحل ولا تسقط بالفوات . وقوله الحلاق هو بكسر الحاء بمعنى الحلق ، والله أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : إذا فرغ الحاج من الرمي والذبح فليحلق رأسه وليقصر ، والحلق والتقصير ثابتان بالكتاب والسنة والإجماع . وكل واحد منهما يجزىء بالإجماع . والحلق في حق الرجل أفضل لظاهر القرآن في قوله تعالى : محلقين رؤوسكم ومقصرين والعرب تبدأ بالأهم والأفضل ، ولحديث ابن عمر المذكور اللهم ارحم المحلقين قال في الرابعة : والمقصرين ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق في حجته والإجماع على أن الحلق أفضل ، والأفضل أن يحلق جميع الرأس إن أراد الحلق أو يقصر من جميعه إن أراد التقصير لما ذكره المصنف وأقل ما يجزىء ثلاث شعرات حلقا أو تقصيرا من شعر الرأس فتجزىء الثلاث بلا خلاف عندنا ولا يجزىء أقل منها ، هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب في جميع الطرق .

Section V08/P147–V08/P149

وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجها أنه تجزىء شعرة واحدة وهو غلط ، قال إمام الحرمين : قد ذكرنا وجها بعيدا في الشعرة الواحدة أنه إذا أزالها المحرم في غير وقتها لزمه فدية كاملة كحلق الرأس ، قال : وذلك الوجه عائد هنا فتجزىء الشعرة ولكنه مزيف غير معدود من المذهب والله أعلم . قال أصحابنا : وليس لأقل المجزىء من التقصير حد ، بل يجزىء منه أقل جزء منه لأنه يسمى تقصيرا ، ويستحب أن لا ينقص على قدر أنملة والله أعلم . الثانية : إذا لم يكن على رأسه شعر بأن كان أصلع أو محلوقا فلا شيء عليه فلا يلزمه فدية ولا إمرار الموسى ولا غير ذلك لما ذكره المصنف ، ولو نبت شعره بعد ذلك لم يلزمه حلق ولا تقصير بلا خلاف ، لأنه حالة التكليف لم يلزمه ، قال الشافعي والأصحاب : ويستحب لمن لا شعر على رأسه إمرار الموسى عليه ، ولا يلزمه ذلك بلا خلاف عندنا . قال الشافعي : ولو أخذ من شاربه أو من شعر لحيته شيئا كان أحب إلى . ليكون قد وضع من شعره شيئا لله تعالى . هكذا ذكر الشافعي هذا النص ونقله الأصحاب واتفقوا عليه . وحكاه إمام الحرمين عن نص الشافعي ثم قال : ولست أرى ذلك وجها إلا أن يكون أسنده إلى أثر . وقال المتولي : يستحب أن يأخذ من الشعور التي يؤمر بإزالتها للفطرة كالشارب والإبط والعانة لئلا يخلو نسكه عن حلق . وقد روى مالك والشافعي والبيهقي بالإسناد الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه والله أعلم . ولو كان على رأسه شعر وبرأسه علة لا يمكنه بسببها التعرض للشعر لزمه الصبر إلى الإمكان . ولا يفتدي ولا يسقط عنه الحلق بلا خلاف . بخلاف من لا شعر على رأسه فإنه لا يؤمر بحلقه بعد نباته بلا خلاف كما سبق . قال إمام الحرمين وغيره : والفرق أن النسك هو حلق شعر يشتمل الإحرام عليه والله أعلم . هذا كله فيمن لم يكن على رأسه شعر أصلا . فأما من كان على رأسه ثلاث شعرات أو شعرتان أو شعرة واحدة فيلزمه إزالتها بلا خلاف . صرح به صاحب البيان وغيره لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولو كان عليه زغب يسير لزمه أن يزيل منه ثلاث شعرات . صرح به صاحب البيان وآخرون . والله أعلم . الثالثة : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن الحلق هنا لا يحصل إلا بشعر الرأس . فلا يحصل بشعر اللحية وغيرها من شعور البدن . ولا بشعر العذار وفي الشعر النابت في موضع التحذيف وشعر الصدغ خلاف سبق في باب صفة الوضوء . هل من الوجه أو من الرأس إن قلنا : من الرأس أجزأه حلقه وإلا فلا . قال الشافعي والأصحاب وإذا قصر ثلاث شعرات فأكثر جاز تقصيره مما يحاذي الرأس . ومما نزل عنه ، ومما استرسل عنه . هذا هو المذهب . وحكى الدارمي والماوردي وصاحب الشامل والمتولي وآخرون وجها شاذا أنه لا يجزىء المسترسل كما لا يجزىء المسح على المسترسل عن حده . قالوا : وهذا الوجه غلط لأن الواجب في المسح مسح الرأس وهذا خارج عنه فلا يجزىء والواجب في الحلق حلق شعر الرأس أو تقصيره . وهذا من شعر الرأس . الرابعة : قال أصحابنا : المراد بالحلق والتقصير إزالة الشعر فيقوم مقامه النتف والإحراق والأخذ بالنورة أو بالمقص والقطع بالأسنان وغيرها . ويحصل الحلق بكل واحدة مما ذكرناه بلا خلاف . وقد نص عليه الشافعي رحمه الله . الخامسة : الأفضل أن يحلق أو يقصر الجميع دفعة واحدة . فلو حلق أو قصر ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات أجزأه وفاتته الفضيلة هذا هو المذهب .

Section V08/P149–V08/P150

قال إمام الحرمين : لو حلق ثلاث شعرات في دفعات فهو مقيس بحلقها المحظور فإن كملنا الفدية مع التفريق حكمنا بكمال النسك . وإلا فلا . قال : ولو أخذ شيئا من شعرة واحدة . ثم عاد وأخذ منها . ثم عاد ثالثة وأخذ منها . فإن كان الزمان متواصلا لم يكمل الفدية . ولم يحصل النسك . وإن طال الزمان ففي المسألتين خلاف . هذا كلام إمام الحرمين . واختصر الرافعي فقال : لو أخذ ثلاث شعرات في دفعات أو أخذ من شعرة واحدة في ثلاثة أوقات . فإن كملنا الفدية به لو كان محظورا حصل النسك ، وإلا فلا . السادسة : قال أصحابنا : يستحب أن يبدأ بحلق شق رأسه الأيمن من أوله إلى آخره ثم الأيسر . وأن يستقبل المحلوق القبلة . وأن يدفن شعره ويبلغ بالحلق إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين وهذه الآداب ليست مختصة بالمحرم . بل كل حالق يستحب له هذا ودليل الشق الأيمن حديث أنس المذكور في يأذن في الكتاب قال صاحب الحاوي : في الحلق أربع سنن . أن يستقبل القبلة ، وأن يبدأ بشقه الأيمن ، وأن يكبر عند فراغه ، وأن يدفن شعره . قال : قال الشافعي : ويبلغ بالحلق إلى العظمين لأنهما منتهى نبات شعر الرأس ، ليكون مستوعبا لجميع رأسه هذا كلامه وهو حسن إلا التكبير عند فراغه فإنه غريب . وقد استحب التكبير أيضا للمحلوق البندنيجي ونقله صاحب البحر عن أصحابنا . السابعة : أجمع العلماء على أنه لا تؤمر المرأة بالحلق . بل وظيفتها التقصير من شعر رأسها . قال الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم : يكر لها الحلق . وقال القاضي أبو الطيب والقاضي حسين في تعليقهما : لا يجوز لها الحلق ولعلهما أرادا أنه مكروه ، وقد يستدل للكراهة بحديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها رواه الترمذي وقال فيه اضطراب ، ولا دلالة في هذا الحديث لضعفه لكن يستدل بعموم قوله صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد رواه مسلم ، وبالحديث الصحيح السابق مرات في نهي النساء من التشبه بالرجال . قال الشافعي والأصحاب : ويستحب للمرأة أن تقصر بقدر أنملة من جميع جوانب رأسها ، وقال الماوردي : ولا تقطع من ذوائبها ، لأن ذلك يشينها ، لكن ترفع الذوائب وتأخذ من الموضع الذي تحته ، قال أصحابنا : فلو حلقت أجزأها قال الماوردي : وتكون مسيئة ، قال القاضي أبو الفتوح في كتاب الخناثي وظيفة الخنثى التقصير دون الحلق ، قال : والتقصير أفضل كالمرأة والله أعلم .

Section V08/P150–V08/P151

الثامنة : هل الحلق نسك فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : باتفاق الأصحاب أنه نسك يثاب عليه ، ويتعلق به التحلل لما ذكره المصنف والثاني : أنه استباحة محظور ، وليس بنسك وإنما هو شيء أبيح له بعد أن كان حراما كالطيب واللباس ، وعلى هذا لا ثواب فيه ، ولا تعلق له بالتحلل ، قالوا : وعلى هذا القول الجواب عن حديث اللهم ارحم المحلقين إنما دعا لهم لتنظفهم وإزالتهم التفث ، والمذهب أنه نسك يثاب عليه ويتحلل به التحلل الأول فعلى هذا هو ركن من أركان الحج والعمرة لا يصح الحج ولا العمرة إلا به ، ولا يجبر بدم ولا غيره ، ولا يفوت وقته ما دام حيا ، لكن أفضل أوقاته ضحوة النهار يوم الأضحى ، ولا يختص بمكان ، لكل الأفضل أن يفعله الحاج بمنى والمعتمر بالمروة ، فلو فعله في بلد آخر إما وطنه وإما غيره جاز بلا خلاف ، ولا يزال حكم الإحرام جاريا عليه حتى يحلق ، وكل هذا لا خلاف فيه على قولنا : الحلق نسك ، إلا أن المصنف جعل الحلق واجبا على قولنا : إنه نسك ولم يجعله ركنا ، هكذا ذكره في آخر هذا الباب ، وكذا ذكره في التنبيه ، وليس كما قال ، بل الصواب أنه ركن على قولنا إنه نسك . قال إمام الحرمين : إذا حكمنا بأن الحلق نسك فهو ركن ، وليس كالرمي والمبيت ، ثم قال فاعلم ذلك فإنه متفق عليه ، قال : والدليل على أنه لا تقوم الفدية مقامه أنه لو فرض في الرأس علة تمنع من الحلق وجب الصبر إلى إمكان الحلق ولا تقوم الفدية مقامه ، هذا كلام إمام الحرمين . فرع : قال أصحابنا : هذا الذي سبق من أحكام الحلق هو كله فيمن لم يلتزم حلقه ، أما من نذر الحلق في وقته فيلزمه حلقه كله ، ولا يجزئه التقصير ولا حلق بعض الرأس ولا النتف والإحراق ، ولا استئصال بالمقصين ، ولا أخذه بالنورة ، لأن هذا كله لا يسمى حلقا . وذكر إمام الحرمين في استئصال الشعر بالمقصين وإمرار الموسى من غير استئصال احتمالا ، والمذهب الأول ، لأنه لا يسمى حلقا . قال الإمام : ولا يشترط الإمعان في الإستئصال بل يكفي ما يسمى حلقا قال : ويقرب الرجوع إلى اعتبار رؤية الشعر ، هذا كله فيما إذا صرح بنذر الحلق ، فلو لبد المحرم رأسه فهذا في العادة لا يفعله إلا من أراد حلقه يوم النحر للنسك . فهل ينزل هذا منزلة نذر الحلق فيه قولان مشهوران في الطريقتين ، ذكرهما الماوردي والفوراني وإمام الحرمين والمتولي وغيرهم من الأصحاب هنا . وذكرهما الأصحاب في كتاب النذر أصحهما : باتفاقهم وهو الجديد لا يلزمه حلقه لكن يستحب وله الاقتصار على التقصير والقديم : أنه يلزمه الحلق كما لو نذره . ونظير المسألة من قلد الهدي هل يصير منذورا فيه قولان ذكرهما المصنف والأصحاب في كتاب النذر أصحهما : باتفاقهم وهو الجديد لا يصير والثاني : يصير والله أعلم . واعلم أن ما ذكرناه من وجوب الحلق على من نذره متفق عليه . سواء قلنا الحلق نسك أو استباحة محظور . هكذا قطع به الجمهور . وحكى الرافعي وجها أنا إذا قلنا ليس هو بنسك لا يلزم بالنذر . لأنه ليس بقربة والله أعلم . التاسعة : قد سبق أن الأفعال المشروعة يوم النحر بعد وصوله منى أربعة وهي جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة . والسنة ترتيبها هكذا . فإن خالف ترتيبها نظر إن قدم الطواف على الجميع ، أو قدم الذبح على الجميع بعد دخول وقته ، أو قدم الحلق على الذبح ، جاز بلا خلاف للأحاديث الصحيحة السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك كله فقال لا حرج وإن طاف ثم حلق ثم رمى جاز بلا خلاف لما ذكرناه .

Section V08/P151–V08/P153

وإن قدم الحلق على الرمي والطواف فإن قلنا : إن الحلق نسك جاز ولا دم عليه . كما لو قدم الطواف وإن قلنا : ليس بنسك لم يجز ويلزمه به الدم . كما لو حلق قبل نصف ليلة النحر . هذا هو المذهب في الطريقتين ، وبه قطع المصنف وجماهير الأصحاب . وحكى الدارمي والرافعي وغيرهما وجها أنه يلزمه الدم ، وإن قلنا هو نسك ، وهذا شاذ باطل وحكى صاحب الحاوي والدارمي على قولنا : إن الحلق استباحة محظور وجهين أحدهما : قال هو قول البغداديين من أصحابنا عليه الدم لما ذكرنا والثاني : وهو قول أصحابنا البصريين : لا دم عليه ، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق عن صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن حلق قبل أن يرمي فقال لا حرج فحصل ثلاثة أوجه فيمن حلق قبل الرمي والطواف أحدها : لا دم والثاني : يجب وأصحهما : وهو المذهب المشهور إن قلنا الحلق ليس بنسك وجب الدم وإلا فلا ، والله أعلم . ويدخل وقت رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة بنصف ليلة النحر بشرط تقدم الوقوف بعرفات ، والحلق إن قلنا نسك فكالرمي والطواف ، وإلا فلا يدخل وقته إلا بفعل الرمي أو الطواف والله أعلم . فرع : وقت الحلق في حق المعتمر إذا فرغ من السعي ، فلو جامع بعد السعي وقبل الحلق ، فإن قلنا الحلق نسك فسدت عمرته لوقوع جماعه قبل التحلل وإن قلنا : ليس بنسك لم تفسد ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الحلق ، هل هو نسك ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أنه نسك ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء . وظاهر كلام ابن المنذر والأصحاب أنه لم يقل بأنه ليس بنسك أحد غير الشافعي في أحد قوليه ولكن حكاه القاضي عياض عن عطاء وأبي ثور وأبي يوسف أيضا . فرع : أجمعوا على أن الحلق أفضل من التقصير . وأن التقصير يجزىء إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول : يلزمه الحلق في أول حجة ولا يجزئه التقصير . وهذا إن صح عنه باطل مردود بالنصوص وإجماع من قبله . فرع : لو أخر الحلق إلى بعد أيام التشريق حلق ولا دم عليه . سواء طال زمنه أم لا . وسواء رجع إلى بلده أم لا . هذا مذهبنا وبه قال عطاء وأبو ثور وأبو يوسف وأحمد وابن المنذر وغيرهم . وقال أبو حنيفة إذا خرجت أيام التشريق لزمه الحلق ودم . وقال سفيان الثوري وإسحاق ومحمد : عليه الحلق ودم دليلنا : الأصل لا دم . فرع : قال ابن المنذر : أجمعوا أن لا حلق على النساء ، إنما عليهن التقصير قالوا : ويكره لهن الحلق لأنه بدعة في حقهن ، وفيه مثله . واختلفوا في قدر ما تقصره ، فقال ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : تقصر من كل قرن مثل الأنملة . وقال قتادة : نقصر الثلث أو الربع ، وقالت حفصة بنت سيرين : إن كانت عجوزا من القواعد أخذت نحو الربع ، وإن كانت شابة فلتقلل . وقال مالك : تأخذ من جميع قرونها أقل جزء ، ولا يجوز من بعض القرون . دليلنا في إجزاء ثلاث شعرات أنهن مأمورات بالتقصير . وهذا يسمى تقصيرا . فرع : من لا شعر على رأسه لا حلق عليه ولا فدية ، ويستحب إمرار الموسى على رأسه ولا يجب ، ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على أن الأصلع يمر الموسى على رأسه . وحكى أصحابنا عن أبي بكر ابن أبي داود أنه قال : لا يستحب إمراره ، وهو محجوج بإجماع من قبله . وقال أبو حنيفة : هذا الإمرار واجب ، ووافقنا مالك وأحمد أنه مستحب .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 135 · Qur'an & Sunnah