Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V09/P110

وقال مالك : إن أدركه من يومه أكله في الكلب والسهم إذا كان فيه أثر جارحة ، وإن غابت عنه لم يؤكل ، وعن أحمد ثلاث روايات إحداها : يؤكل والثاني : يؤكل ما لم يبت عنه والثالث : إن كانت الإصابة موحية حل وإلا فلا . فرع : إذا رمى الصيد فقده قطعتين فمات فجميعه حلال ، سواء كانت القطعتان سواء أو متفاوتين وبه قال داود ، وهو الأصح عن أحمد . وقال أبو حنيفة : إن كانتا سواء أو كانت التي مع الرأس أقل حل جميعه ، وإن كانت التي مع الرأس أكبر حلت وحرمت الأخرى . وقال مالك : إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه حل جميعه ، وإن قطع فخذه حرمت الفخذ وحل الباقي . دليلنا أن ما كان ذكاة لبعضه كان ذكاة لكله كموضع الاتفاق .

Section V09/P110–V09/P111

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نصب احبولة وفيها حديدة فوقع فيها صيد ، فقتلته الحديدة لم يحل لأنه مات بغير فعل من جهة أحد ، فلم يحل . + الشرح : قال الشافعي رحمه الله : ولا يؤكل ما قتلته الأحبولة كان فيها سلاح أو لم يكن ، قال أصحابنا : الأحبولة بفتح الهمزة هو ما ينصب للصيد فيعلق به من حبل أو شبكة أو شرك ، ويقال لها أيضا حبالة بكسر الحاء جمعها حبائل ، فإذا وقع في الأحبولة صيد فما لم يحل أكله بلا خلاف ، لأنه لم يذكه أحد ، وإنما مات بفعل نفسه ، ولم يوجد من الصائد إلا سبب فهو كمن نصب سكينا فربضت عليها شاة فقطعت حلقها فإنها حرام قطعا ، ولو كان رأس الحبل الذي في الأحبولة في يده فجره ومات به الصيد فحرام أيضا ، لأنه من جملة المنخنقة والله أعلم . فرع : هذا الذي ذكرناه من تحريم صيد الأحبولة ونحوها إذا لم يدرك ذكاته هو مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه يحل إن كان سمي وقت نصبها .

Section V09/P111–V09/P112

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أرسل سهما على صيد فأصاب غيره فقتله حل أكله لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ثعلبة : ما رد عليك قوسك فكل ولأنه مات بفعله ، ولم يفقد إلا القصد ، وذلك لا يعتبر في الذكاة ، والدليل عليه أنه تصح ذكاة المجنون وإن لم يكن له قصد ، فإن أرسل كلبا على صيد فأصاب غيره فقتله نظرت فإن أصابه في الجهة التي أرسله فيها حل لقوله صلى الله عليه وسلم : ما رد عليك كلبك ولم تدرك ذكاته فكل وإن عدل إلى جهة أخرى فأصاب صيدا غيره ففيه وجهان أحدهما : لا يحل ، وهو قول أبي إسحاق ، لأن للكلب اختيارا ، فإذا عدل كان صيده باختياره فلم يحل . كما لو استرسل بنفسه فأخذ الصيد . ومن أصحابنا من قال : يحل لأن الكلب لا يمكن دفعه من العدول في طلب الصيد . + الشرح : حديث أبي ثعلبة والحديث الآخر سبق بيانهما ، قال أصحابنا : إذا رمى صيدا يراه أو لا يراه ، لكن يحس به في ظلمة أو من وراء حجاب ، بأن كان بين أشجار ملتفة وقصده حل ، فإن لم يعلم به بأن رمى وهو لا يرجو صيدا فأصاب صيدا ، لم يحل على الصحيح المنصوص ، وفيه وجه وإن كان يتوقع صيدا فبنى الرمي بأن رمى في ظلمة الليل وقال : ربما أصبت صيدا فأصاب صيدا فطريقان أحدهما : القطع بحله والثاني : فيه ثلاثة أوجه أصحها : التحريم مطلقا والثاني : يحل والثالث : إن توقعه بظن غالب حل ، وإن كان مجرد تجويز حرم ، ولو رمى إلى سرب من الظباء أو أرسل عليها كلبا فأصاب واحدة منها فقتلها فهي حلال بلا خلاف . ولو قصد واحدة منها معينة بالرمي فأصاب غيرها ففيه طريقان أحدهما : القطع بحلها وبه قطع المصنف وكثيرون أو الأكثرون والثاني : فيه أربعة أوجه الحل : مطلقا لما ذكره المصنف والثاني : التحريم والثالث : إن كان حالة الرمي يرى المصاد حل ، وإلا فلا والرابع : إن كان المصاب من السرب الذي رآه ورماه حل ، وإن كان من غيره لم يحل وسواء عدل السهم عن الجهة التي قصدها إلى غيرها أم لم يعدل . ولو رمى شاخصا يعتقده حجرا ، وكان حجرا فأصاب ظبية ففي حلها وجهان الأصح : لا تحل ، وبه قطع الصيدلاني وغيره ، فإن كان الشاخص صيدا وما السهم عنه وأصاب صيدا آخر ففيه الوجهان وأولى بالتحليل . ولو رمى شاخصا ظنه خنزيرا وكان خنزيرا أو كان صيدا فلم يصبه وأصاب ظبية لم تحل على الصحيح في الصورتين ، لأنه قصد محرما ، والخلاف فيما إذا كان خنزيرا أضعف ، ولو رمى شاخصا ظنه صيدا فبان حجرا أو خنزيرا وأصاب السهم صيدا قال البغوي : إن اعتبرنا ظنه فيما إذا رمى ما ظنه حجرا فكان صيدا وأصاب السهم صيدا آخر ، وقلنا بالتحريم ، فهنا يحل الصيد الذي أصابه ، وإن اعتبرنا الحقيقة وقلنا بالحل هناك حرم هنا .

Section V09/P112

وهذا كله في رمي السهم أما إذا أرسل كلبا على صيد فقتل صيدا آخر فينظر وإن لم يعدل عن جهة الإرسال ، بل كان فيها صيود فأخذ غير ما أرسل عليه وقتله فطريقان المذهب : أنه يحل ، وبه قطع المصنف والأكثرون ، ودليله في الكتاب والثاني : فيه وجهان أصحهما : يحل والثاني : يحرم ، كما لو استرسل بنفسه ، وإن عدل إلى جهة أخرى فثلاثة أوجه أصحها : الحل ، لأنه بغير تكليفه ترك العدول ، ولأن الصيد لو عدل فتبعه الكلب وقتله حل قطعا والثاني : يحرم ، كما ذكره المصنف والثالث : وهو اختيار الماوردي إن خرج عادلا عن الجهة حرم ، وإن خرج إليها ففاته الصيد فعدل إلى غيرها وصاد حل ، لأنه يدل على حذقه حيث لم يرجع خائبا ، وقطع إمام الحرمين بالتحريم إذا عدل وظهر من عدوله اختياره بأن امتد في جهة الإرسال زمانا ، ثم ظهر صيد آخر فاستدبر المرسل إليه وقصد الآخر ، والله أعلم .

Section V09/P112–V09/P114

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أرسل كلبا ، وهو لا يرى صيدا فأصاب صيدا لم يحل ، لأنه أرسله على غير صيد ، فلم يحل ما اصطاده كما لو حل رباطه فاسترسل بنفسه واصطاد ، وإن أرسل سهما في الهواء وهو لا يرى صيدا فأصاب صيدا ففيه وجهان قال : أبو إسحاق : يحل لأنه قتله بفعله ، ولم يفقد إلا القصد إلى الذبح ، وذلك لا يعتبر ، ما لو قطع شيئا وهو يظن أنه خشبة فكان حلق شاة ومن : أصحابنا من قال : لا يحل وهو الصحيح ، لأنه لم يقصد صيدا بعينه فأشبه إذا نصب أحبولة فيها حديدة فوقع فيها صيد فقتلته ، وإن كان في يده سكين فوقعت على حلق شاة فقتلتها حل في قول أبي إسحاق ، لأنه حصل الذبح بفعله ، وعلى قول الآخر لا تحل ، لأنه لم يقصد ، وإن رأى صيدا فظنه حجرا أو حيوانا غير الصيد ، فرماه فقتله حل أكله ، لأنه قتله بفعل قصده ، وإنما جهل حقيقته ، والجهل بذلك لا يؤثر ، كما لو قطع شيئا فظنه غير الحيوان فكان حلق شاة ، وإن أرسل على ذلك كلبا فقتله . ففيه وجهان أحدهما : يحل كما يحل إذا رماه بسهم والثاني : لا يحل ، لأنه أرسله على غير صيد ، فأشبه إذا أرسله على غير شيء . + الشرح : قال أصحابنا : إذا أرسل كلبا وهو لا يرى صيدا فاعترض صيدا فقتله لم يحل لما ذكره المصنف وهذا هو المذهب وبه قطع المصنف والجمهور ، وحكى الروياني في كتابه الكافي وغيره من أصحابنا فيه وجها أنه يحل ، وهو شاذ ضعيف ، ولو أرسل سهما في الهواء وهو لا يرى صيدا ، أو أرسله في فضاء الأرض لاختبار قوته ، أو رمى إلى هدف فاعترض صيدا فأصابه وقتله ، وكان لايخطر له الصيد ، أو كان يراه ولكن رمى إلى هدف أو ذئب ، ولم يقصد الصيد ، فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : المنصوص لا يحل لعدم قصده والثاني : يحل ، قاله أبو إسحاق ، ولو كان يحل سيفه فأصاب عنق شاة وقطع الحلقوم والمرىء من غير علم بالحال فطريقان المذهب : أنه ميتة محرمة ، وبه قطع إمام الحرمين وغيره والثاني فيه وجهان . ولو رمى ما ظنه حجرا أو جرثومة أو آدميا معصوما أو غير معصوم ، أو خنزيرا أو حيوانا آخر محرما ، فكان صيدا فقتله ، أو ظنه صيدا غير مأكول ، فكان مأكولا ، أو قطع في ظلمة ما ظنه ثوبا فكان حلق شاة ، فانقطع الحلقوم والمرىء ، أو أرسل كلبا إلى شاخص يظنه حجرا فكان صيدا ، أو لم يغلب على ظنه شيء من ذلك ، أو ذبح في ظمة حيوانا فظنه محرما ، وكان شاة ، فالمذهب أنه حلال في جميع هذه الصور ، وفي الجميع وجه ضعيف أنه حرام لعدم القصد ، ولو رمى إلى شاته الربيطة سهما جارحا فأصاب الحلقوم والمرىء وفاقا ، وقطعهما ففي حل الشاة مع القدرة على ذبحها احتمال لإمام الحرمين ، قال : ويجوز أن يفرق بين أن يقصد الذبح بسهمه ، وبين أن يقصد الشاة فيصيب المذبح ، والأصح الحل ، والله تعالى أعلم . فرع : في مذاهب العلماء فيمن رمى شيئا يظنه حجرا وكان صيدا فقتله ، قد ذكرنا أن الصحيح عندنا حله ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال مالك : لا يحل ، وقال محمد بن الحسن : إن ظنه حجرا لم يحل ، وإن ظنه حيوانا محرما كالكلب والخنزير حل إلا أن يظنه آدميا فلا يحل ، وكذا قال أحمد : إذا ظنه إنسانا لم يحل ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إذا رأى خنزيرا بريا أو أسدا أو ذئبا وكان ظبيا حل ، وقال زفر : لا يحل . فرع : في مذاهبهم فيمن أرسل كلبا على صيد وأخذ غيره في طريقه وسمته ، مذهبنا أنه حلال كما سبق ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد ، وقال مالك وداود : لا يحل .

Section V09/P114–V09/P115

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن توحشى أهلي أو ند بعير أو تردى في بئر فلم يقدر على ذكاته في حلقه فذكاته حيث يصاب من بدنه ، لما روى رافع بن خديج قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة وقد أصاب القوم غنما وإبلا فند منها بعير فرمى بسهم فحبسه الله به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش ، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا وقال ابن عباس رضي الله عنه : ما اعجزك من البهائم فهو بمنزلة الصيد ولأنه يتعذر ذكاته في الحلق ، فصار كالصيد ، وإن تأنس الصيد فذكاته ذكاة الأهلي . كما أن الأهلي إذا توحش فذكاته ذكاة الوحش . + الشرح : حديث رافع رواه البخاري ومسلم ، والأثر المذكور عن ابن عباس صحيح رواه البيهقي بإسناده ، وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم ، فهو صحيح عنده وقوله : ند هو بفتح النون وتشديد الدال أي هرب ، والأوابد بفتح الهمزة وبالباء الموحدة وهي النفور والتوحش جمع آبدة بالمد وكسر الباء ويقال : أبدت بفتح الباء والتخفيف يأبد ويأبد بكسر الباء وضمها وتأبدت أي توحشت ونفرت من الإنس . أما الأحكام : فقال أصحابنا : الحيوان المأكول الذي لا تحل ميتته ضربان مقدورعلى ذبحه ومتوحش فالمقدور عليه لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة كما سبق ، وهذا مجمع عليه ، وسواء في هذا الإنسي والوحشي إذا قدر على ذبحه ، بأن أمسك الصيد ، أو كان متوحشا فلا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة لما ذكره المصنف ، وأما المتوحش كالصيد فجميع أجزائه مذبح ، ما دام متوحشا ، فإذا رماه بسهم ، أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئا من بدنه ومات به ، حل بالإجماع ، ولو توحش إنسي بأن ند بعير أو بقرة أو فرس ، أو شردت شاة أو غيرها ، فهو كالصيد يحل بالرمي إلى غير مذبحه ، وبإرسال الكلب من الجوارح عليه ، وهذا بلا خلاف عندنا ، لما ذكره المصنف ، ولو تردى بعير أو غيره في بئر ولم يمكن قطع حلقومه فهو كالبعير الناد في حله بالرمي بلا خلاف ، وفي حله بإرسال الكلب وجهان حكاهما الماوردي والروياني والشاشي وغيرهم أصحهما : عندهم ، في الحاوي والبحر والمستظهري التحريم واختار : البصريون الحل والأول أرجح والله تعالى أعلم . قال أصحابنا : وليس المراد بالتوحش مجرد الإفلات بل متى تيسر اللحوق بعدو أو استعانة بمن يمسكه ، فليس ذلك توحشا ، ولا يحل حينئذ إلا بالذبح في المذبح قال الرافعي : ولو تحقق العجز في الحال فقد أطلق الأصحاب أن البعير ونحوه كالصيد ، لأنه قد يريد الذبح في الحال . فتكليفه الصبر إلى القدرة يشق عليه . قال إمام الحرمين : والظاهر عندي أنه لا يلحق بالصيد بذلك لأنها حالة عارضة قربتها له ، قال : لكن لو كان الصبر والطلب يؤدي إلى مهلكة أو مسبعة فهو حينئذ كالصيد ، وإن كان يؤدي إلى موضع لصوص وعصبات مترصدين فوجهان ، والفرق أن تصرفهم وإتلافهم متدارك بالضمان . هذا كلام الإمام . قال الرافعي : والمذهب ما قدمناه عن الأصحاب ، والله أعلم . فرع : في كيفية الجرح المفيد للحل في الناد والمتردي وجهان أصحهما : وبه قطع المصنف والجمهور أنه يكفي جرح يفضي إلى الزهوق كيف كان والثاني : لا بد من جرح مذفف ، واختاره القفال وإمام الحرمين .

Section V09/P115–V09/P116

فرع : حيث جرح الناد والمتردي فقتله حل ، سواء كانت الجراحة في فخذه أو خاصرته أو غيرهما من بدنه ، هذا هو المذهب ، وهو المنصوص ، وبه قطع العراقيون وجمهور الخراسانيين ، وقال الغزالي في الوسيط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو طعنت خاصرته لحلت لك قال : فقال المراوزة خصص الخاصرة ليكون الجرح مذففا فلا يجوز جرح آخر ، وإن كان يفضي إلى الموت . قال : ومنهم من قال : يكفي كل جراحة تفضى إلى الموت ، هذا لفظه في الوسيط ، وفيها منكرات منها : تغيير الحديث ومنها : تغيير الحكم . أما : الحديث فقد سبق بإنكاره الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فقال : هذا اختصار من الغزالي لحديث استدل به في ذلك شيخه إمام الحرمين قال : روى أن رجلا يعرف بأبي العشراء تردى له بعير في بئر فهلك ، فرفعت القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأبي العشراء : وأبيك لو طعنت في خاصرتها لحلت لك قال أبو عمرو : وفيما ذكره إمام الحرمين ثلاثة أغلاط ، وذلك أن هذا الحديث تفرد بروايته حماد بن أبي سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة قال : وأبيك لو طعنتها في فخذها لأجزأ عنك رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في كتبهم المعتمدة . وأبي العشراء بضم العين وبالمد على وزن الشعراء اسمه أسامة بن مالك ، وقيل غير ذلك ، فوقع فيما ذكره إمام الحرمين الغلظ من أوجه . أحدها : جعله أبا العشراء هو الذي خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو أبوه وأبو العشراء تابعي مشهور . والثاني : في ذكره : تردى البعير في بئر ، الحديث ، وليس ذلك من الحديث ، وإنما هو تفسير من أهل العلم للحديث ، قالوا : هذا عند الضرورة في التردي في البئر وأشباهه . وإن كان الشيخ أبو حامد الاسفراييني قد قال بعد ذكره الحديث دون ذكر التردي : وفي بعض الأخبار أنه سئل عن بعير تردى في بئر فقال : أما تصلح الذكاة إلا في الحلق واللبة وذكر الحديث ، فإن ذلك أيضا باطل لا يعرف . والثالث : في قوله : لو طعنت في خاصرتها وإنما قال : في فخذها وذكر الخاصرة ورد في أثر رويناه ، وذكره الشافعي رحمه الله قال : ترى بعير في بئر وطعن في شاكلته فسئل عبد الله بن عمر فأمر بأكله والشاكلة الخاصرة ، ولا يثبت والحالة هذه ما رامه المراوزة من تخصيص الخاصرة وأشباهها ، فالصحيح إذن قول غيرهم : إنه يكفي في أي موضع كان لقوله صلى الله عليه وسلم : لو طعنت في فخذها هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو ، وهو كما قال ، وهذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم حديث ضعيف ، فقد اتفقوا على أن مداره على أبي العشراء ، قالوا : وهو مجهول لا يعرف إلا في هذ الحديث ، ولم يرو عنه غير حماد بن أبي سلمة ، وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن من لم يرو عنه غير واحد فهو مجهول إلا أن يكون مشهورا بعلم أو صلاح أو شجاعة ونحو ذلك ، ولم يوجد شيء من هذا الاستثناء في أبي العشراء فهو مجهول .

Section V09/P116–V09/P117

واتفقوا على أنه لم يرو عنه غير حماد بن أبي سلمة ، قال الترمذي : هو حديث غريب لا يعرف إلا من حديث حماد ، قال : ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث ، وقال البخاري في تاريخه في حديث أبي العشراء وسماعه من أبيه : فيه نظر والله أعلم ، فالصواب أنه في أي موضع جرحه فمات منه حل ، سواء الخاصرة والفخذ وغيرهما ، لحديث رافع بن خديج المذكور في الكتاب ، وقوله صلى الله عليه وسلم : فيما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا وهو ثابت في الصحيح كما سبق ، ولا معارض له ، ولم يثبت له مخصص ، فيجب العمل بعمومه وإطلاقه في كل معجوز عنه كما قاله الأصحاب ، ونص عليه الشافعي ، ويتعين رد ما حكي عن المراوزة ، والله أعلم . فرع : لو وقع بعيران في بئر ، أحدهما فوق الآخر فطعن الأعلى فمات الأسفل بثقله حرم الأسفل ، فلو تعدت الطعنة فأصابته أيضا حلا جميعا فإن شك هل مات بالطعنة النافذة أم بالثقل وقد علم أن الطعنة أصابته قبل مفارقة الروح حل ، وإن شك هل أصابته قبل مفارقة الروح أم بعدها قال البغوي في الفتاوى : يحتمل وجهين بناء على القولين في العبد الغائب المنقطع خبره ، هل يجزىء في الكفارة فرع : لو رمى حيوانا غير مقدور عليه فصار مقدورا فأصاب غير المذبح لم يحل ، ولو رمى مقدورا عليه فصار غير مقدور عليه ، فأصاب غير مذبحه حل . فرع : في مذاهب العلماء فيما إذا توحش الحيوان الإنسي المأكول فلم يقدر عليه كالبعير الناد ، أو الشاة أو البقرة ، أو تردى في بئر وعجز عن عقره في محل الذكاة . فمذهبنا أن كل موضع من بدنه محل لذكاته ، فحيث جرحه فقتله حل أكله ، وبه قال جمهور العلماء ، منهم علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وطاوس وعطاء والشعبي والحسن البصري والأسود بن يزيد والحكم وحماد والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود ، وقال سعيد بن المسيب وربيعة والليث بن سعد ومالك : لا يحل إلا بذكاته في موضع الذبح ، وهو الحلق واللبة ، ولا يتغير موضع الذكاة بتوحشه وترديه . دليلنا حديث رافع بن خديج السابع .

Section V09/P117–V09/P119

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن ذكى ما يؤكل لحمه ووجد في جوفه جنينا ميتا حل أكله ، لما روى أبو سعيد قال : قلنا : يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها الجنين ، أنلقيه أم نأكله فقال : كلوه إن شئتم ، فإن ذكاته ذكاة أمه ولأن الجنين لا يمكن ذبحه ، فجعل ذكاة الأم ذكاة له ، وإن خرج الجنين حيا وتمكن من ذبحه لم يحل من غير ذبح ، وإن مات قبل أن يتمكن من ذكاته حل . + الشرح : حديث أبي سعيد الخدري هذا رواه أبو داود بلفظه ، ورواه أبو داود أيضا والترمذي وابن ماجه من رواية مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ذكاة الجنين ذكاة أمه قال الترمذي : حديث حسن ، قال : وقد روى من غير هذا الوجه عن أبي سعيد قال : والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، قال : وفي الباب عن جابر وأبي أمامة وأبي الدرداء وأبي هريرة : هذا كلام الترمذي ، وهذه الرواية مع رواية المصنف التي نقلها عن سنن أبي داود مدارها على مجالد وهو ضعيف لا يحتج ، وقد قال الترمذي : إنه حديث حسن فلعله روى من طريق آخر تقوى بعضها ببعض فيصير حسنا ، كما قال الترمذي ، فإنه قد ذكر أنه روى من طريق آخر عن أبي سعيد ، ورواه البيهقي من طريق جابر مرفوعا ذكاة الجنين ذكاة أمه بإسناد جيد إلا أن فيه رجلا جرحه الأكثرون ، واحتج به البخاري في صحيحه ثم قال البيهقي : في الباب عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وأبي هريرة وأبي الدرداء والبراء بن عازب رضي الله عنهم مرفوعا ، فقد تعاضدت طرقه كما ترى ، فلهذا صار حديثا حسنا يحتج به كما قاله الترمذي ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وقوله : ذكاة الجنين ذكاة أمه هو بالرفع في ذكاة أمه تقديره ذكاة الجنين حاصلة بذكاة أمه . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : إذا ذبح المأكولة فوجد في جوفها جنينا ميتا فهو حلال بلا خلاف ، سواء أشعر أم لا ، قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق : إنما يحل إذا سكن في البطن عقب ذبح الأم ، أما إذا بقي زمنا طويلا يضطرب ويتحرك ، ثم سكن فوجهان الصحيح : أنه حرام ، قال أصحابنا : ولو جرح الجنين وبه حركة مذبوح ثم مات حل ، لأنه في معنى الذي مات في البطن قبل الذبح ، وإن جرح وفيه حياة مستقرة وأمكن ذبحه فلم يذبحه حتى مات فهو حرام ، وإن لم يتمكن من ذبحه حتى مات فهو حلال كما قاله المصنف والأصحاب ، قياسا على الصيد ، ولو أخرج رأسه وفيه حياة مستقرة ثم ذبحت الأم فمات قبل انفصاله فوجهان أصحهما : وبه قطع القفال : يحل ، لأن خروج بعض الولد كعدم خروجه في العدة وسائر الأحكام والثاني : وبه قطع القاضي حسن والبغوي لا يحل إلا بذبحه ، لأنه مقدور عليه . قال البغوي : ولو أخرج رجله فقياس ما قال القاضي حسين أنه يجرحه بسكين ونحوه ليحل كما لو تردى بعير في بئر ، ولو وجد في جوف المذكاة مضغة لم تتبين فيها الصورة ، ولا تشكلت الأعضاء ، ففي حلها وجهان ، بناء على وجوب الغرة فيها ، وثبوت حكم الاستيلاد ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في المسألة . مذهبنا أن الحيوان المأكول إذا ذكى فخرج من جوفه جنين ميت حل ، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من علماء الأمصار إلا أبا حنيفة وزفر ، فقالا : لا يحل حتى يخرج حيا فيذكي .

Section V09/P119

وقال مالك : إن خرج ميتا تام الخلق وتم شعره فحلال بذكاة الأم . وإن لم يتم ولم ينبت شعره فحرام ، قال ابن المنذر : كان الناس على إباحته لا نعلم أحدا خالف ما قالوه إلى أن جاء أبو حنيفة فحرمه ، وقال : ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين : ونقل الخطابي أن ابن المنذر قال في كتاب آخر له : إنه لم يقل بقول أبي حنيفة أحد من العلماء غيره ، قال : ولا أحسب أصحابه وافقوه عليه قال الخطابي : وقد ذهب أكثر العلماء إلى إباحته لكن اشترط بعضهم فيه الإشعار . واحتج لأبي حنيفة بأن ذكاة حيوان لا تكون ذكاة حيوان آخر ، قال : وتأولوا حديث : ذكاة الجنين ذكاة أمه أي ذكاته كذكاة أمه أي ذكوه كما تذكون أمه . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف من الحديث ، والقياس على الصيد ، قال الخطابي والأصحاب : وهذا المنقول عن رواية أبي داود المذكورة في الكتاب صريح في الدلالة لمذهبنا ، ومبطل لتأويلهم المذكور ، ولأن حقيقة الجنين ما كان في البطن ، وذبحه في البطن لا يمكن ، فعلم أنه ليس المراد أنه يذكي كذكاة أمه ، بل ذكاة أمه كافية في حله ، ومما يؤيد هذا أن في رواية البيهقي : ذكاة الجنين في ذكاة أمه وفي رواية له أيضا : ذكاة الجنين بذكاة أمه ولأنه لو كان المراد ما قالوه لم يكن للجنين مزية ، ولأنه يتبعها في العتق فيتبعها في الذكاة كالأعضاء والله أعلم .

Section V09/P119–V09/P121

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أثبت صيدا بالرمي أو بالكلب فازال امتناعه ملكه لأنه حبسه بفعله فملكه ، كما لو أمسكه بيده ، فإن رماه اثنان واحد بعد واحد فهو لمن اثبته منهما فإن ادعى كل واحد منهما أنه هو الذي سبق وازال امتناعه وأن الآخر رماه فقتله فعليه الضمان ، لم يحل أكله ، لأنهما اتفقا على أنه قتل بعد إمكان ذبحه ، فلم يحل ، ويتحالفان ، فإذا حلفا برىء كل واحد منهما مما يدعي الآخر وإن اتفقا على أن أحدهما هو السابق غير أن السابق ادعى أنه هو الذي أثبته بسهمه ، وادعى الآخر أنه بقي على الامتناع إلى أن رماه هو ، فالقول قول الثاني ، لأن الأصل بقاؤه على الامتناع وإن كان الصيد مما يمتنع بالرجل والجناح كالقبج والقطا فرماه أحدهما فأصاب الرجل ثم رماه فأصاب الجناح ، ففيه وجهان أحدهما : أنه يكون بينهما لأنه زال الامتناع بفعلهما فتساويا والثاني : أنه للثاني ، وهو الصحيح لأن الامتناع لم يزل إلا بفعل الثاني ، فوجب أن يكون له . + الشرح : في الفصل مسألتان : أحدهما : فيما يملك به الصيد . والثانية : في الازدحام عليه فأما : الثانية فنؤخر شرحها ونذكره مع الفصلين بعدها إن شاء الله تعالى وأما الأولى : فقال أصحابنا : يملك الصيد بطرق منها : أن يضبطه بيده فيملكه ولا يشترط فيه قصد التملك في أخذه بيده حتى لو أخذ صيدا لينظر إليه ملكه بلا خلاف . ولو سعى وراء صيد ليأخذه فوقف الصيد للإعياء لم يملكه حتى يقبضه ومنها : أن يجرحه جراحة مذففة أو رمية شخنة أو يرميه فيملكه ، وكذا إن كان طائرا فكسرجناحه فعجز عن العدو والطيران جميعا ، قالوا : ويكفي المتملك إبطال شدة العدو وصيرورته بحيث يسهل لحاقه ، ولو جرحه فعطش وثبت لم يملكه إن كان عطشه لعدم الماء ، وإن كان لعجزه عن الوصول إلى الماء ملكه ، لأن عجزه بالجراحة . ومنها : لو نصب شبكة ونحوها للصيد فوقع فيها صيد ملكه ، فلو طرده طارد فوقع في الشبكة ، فهو لصاحب الشبكة لا للطارد ، وقال الماوردي وغيره : ولو وقع طائر في الشبكة ثم تقطعت الشبكة فأفلت وذهب فإن كان ذلك بقطع الصيد الواقع فيها عاد مباحا فيملكه من صاده بعد ذلك لأن الأول لم تثبته شبكته وإلا فيملكه صاحب الشبكة وهو باق على ملكه فلا يملكه من أخذه ، وقال الغزالي في الوسيط ، في باب البئر : لو وقع في الشبكة فأفلت لم يزل ملكه على الصحيح ، هكذا أطلقه الغزالي ، والمذهب التفصيل الذي ذكره الماوردي . ولو تغفل الصيد بالشبكة ، ثم قلع الشبكة وذهب بها فأخذه إنسان نظر إن كان يعدو ويمتنع مع الشبكة فله الأخذ ، فإن أبطل ثقل الشبكة امتناعه بحيث تيسر أخذه فهو لصاحب الشبكة ولا يملكه غيره . ومنها : إذا أرسل كلبا فأثبت صيدا ملكه المرسل ، فلو أرسل سبعا آخر فعقره وأثبته ، قال الماوردي : إن كان له على السبع يد ملك الصيد ، وإلا فلا ، ولو أفلت الصيد بعدما أخذه الكلب قال الروياني : قال بعض الأصحاب : إن كان ذلك قبل أن يدركه صاحبه لم يملكه ، وإن كان بعده فوجهان أصحهما : لا يملكه ، لأنه لم يقبضه ولا زال امتناعه ، فعلى هذا يملكه من صاحبه بعد ذلك . ومنها : وإذا ألجأه إلى مضيق لا يقدر على الإفلات منه ملكه ، وذلك بأن يدخله بيتا ونحوه ، ولو اضطر سمكة إلى بركة صغيرة أو حوض صغير على شط نهر ملكه ، كما لو اضطر الصيد إلى بيت .

Section V09/P121–V09/P122

والصغير هو ما يسهل أخذها منه ، ولو اضطرها إلى بركة واسعة يعسر أخدها منها أو دخلتها السمكة فسد منافذها ففيها الخلاف الذي سنذكره إنشاء الله تعالى قريبا ، فيما إذا دخل الصيد ملكه فإن قلنا : بالأصح إنه لا يملكه بالدخول فسد منازل البركة ملك السمكة ، لأنه تسبب إلى ضبطها ، والله أعلم . قال الرافعي : وقد ترجع جميع هذه الطرق إلى شيء واحد ، وهو أن يقال : سبب ملك الصيد إبطال زوال امتناعه ، وحصول الاستيلاء عليه ، وذلك يحصل بالطرق المذكورة والله تعالى أعلم . فرع : لو توحل صيد بأرض إنسان وصار مقدورا عليه فوجهان أحدهما : يملكه كما لو وقع في شبكته وأصحهما : لا يملكه ، لأنه لا يقصد بسقي الأرض الاصطياد ، قال إمام الحرمين ، الخلاف فيما إذا لم يكن سقى الأرض مما يقصد به الاصطياد ونوحل الصيود ، فإن كان يقصد فهو كنصب الشبكة ، ولم يتعرض الروياني لأرض الشخص ، بل قال : لو توحل وهو في طلبه لم يملكه ، لأن الطين ليس من فعله فلو كان هو أرسل الماء في الأرض ملكه ، لأن الوحل حصل بفعله ، فهو كالشبكة قال الرافعي : ويشبه أن يكون هذا عائدا إلى ما ذكره الإمام من قصد الاصطياد بالسقي . ولو وقع صيد في أرض وصار مقدورا عليه أو عشش في أرضه طائر وباض وفرخ ، وحصلت القدرة على البيض والفرخ ، لم يملكه على أصح الوجهين وبه قطع البغوي وغيره والثاني : يملكه . قال البغوي : ولو حفر حفرة لا للصيد فوقع فيها صيد لم يملكه ، وإن حفر للصيد ملك ما وقع فيها ، ولو أغلق اباب الدار لئلا يخرج صار ملكا له . قال إمام الحرمين : قال الأصحاب : إذا قلنا : لا يملكه صاحب الأرض والدار ، فهو أولى بملكه ، وليس لغيره أن يدخل ملكه ويأخذه ، فإن فعل فهل يملكه فيه وجهان كمن يحجر مواتا وأحياء غيره ، هل يملكه وهذه الصور أولى بثبوت الملك ، لأن الحجر للإحياء ولا يقصد ببناء الدار وقوع الصيد فيها والأصح : في الصورتين أن المحيي وآخذ الصيد يملكان ، وإن كانا غاصبين بتفويت حق المتحجر وصاحب الأرض . ولو قصد ببناء الدار تعشيش الطير فعشش فيها طير ، أو وقعت الشبكة من يده بغير قصد فتغفل فيها صيد فوجهان ، لأنه وجد في الأولى قصد ، لكنه ضعيف ، وفي الثانية حصل الاستيلاء بملكه . لكنه بلا قصد والأصح : أنه يملكه في الصورة الأولى دون الثانية . فرع : لو دخل بستان غيره أو داره ، وصاد فيه طائرا أو غيره . ملكه الصائد بلا خلاف ولو دخل صيد دار إنسان وقلنا بالأصح : إنه لا يملكه فأغلق أجنبي عليه لم يملكه صاحب الدار ، ولا الأجنبي ، لأنه متعد لم يحصل الصيد في يده بخلاف من غصب شبكة واصطاد بها . فرع : لو أخذ الكلب المعلم صيدا بغير إرسال ثم أخذه أجنبي من فمه يملكه الآخذ ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وحكى الرافعي فيه وجها شاذا أنه لا يملكه . واحتجوا للأول بما لو أخذ فرخ طائر من شجر غيره ، فإن الآخذ يملكه وأما الكلب الذي ليس بمعلم إذا أرسله صاحبه فأخذه منه أجنبي وهو حي ، فقال الرافعي : ينبغي أن يكون للمرسل ، ويكون إرساله كنصب شبكة تغفل بها الصيد ، قال : فاحتمل خلافه لأن للكلب اختيارا .

Section V09/P122–V09/P123

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن رمى الصيد اثنان أحدهما بعد الآخر . ولم يعلم بإصابة من منهما صار غير ممتنع ، فقد قال في المختصر : إنه يؤكل ، ويكون بينهما فحمل أبو إسحاق هذا على ظاهره فقال : يحل أكله ، لأن الأصل أنه بقي بعد عقر الأول على الامتناع ، إلى أن قتله الآخر فيحل ويكون بينهما ، لأن الظاهر أنهما مشتركان فيه بحكم اليد ومن أصحابنا من قال : إن بقي على الامتناع حتى رماه الآخر فقتله حل ، وكان للثاني ، وإن زال امتناعه بالأول فهو للأول ، ولا يحل بقتل الثاني . لأنه صار مقدورا عليه فيجب أن يتأول عليه إذا لم يمتنع الصيد حتى أدركه وذكاه فيحل . واختلفا في السابق منهما فيكون بينهما فإن رمى رجل صيدا فأزال امتناعه ثم رماه الآخر نظرت فإن أصاب الحلقوم والمرىء فقتله حل أكله ، لأنه قد صار ذكاته في الحلق واللبة وقد ذكاه في الحلق واللبة ويلزمه للأول ما بين قيمته مجروحا ومذبوحا كما لو ذبح له شاة مجروحة . وإن أصاب غير الحلق واللبة نظرت فإن وحاه لم يحل أكله لأنه قد صار ذكاته في الحلق واللبة فقتله بغير ذكاة فلم يحل . ويجب عليه قيمته لصاحبه مجروحا كما لو قتل له شاة مجروحة فإن لم يوجه وبقي مجروحا ثم مات نظرت فإن مات قبل أن يدركه صاحبه أو بعدما أدركه وقبل أن يتمكن من ذبحه وجب عليه قيمته مجروحا لأنه مات من جنايته وإن أدركه وتمكن من ذبحه فلم يذبحه حتى مات لم يحل أكله ، لأنه ترك ذكاته في الحلق مع القدرة واختلف أصحابنا في ضمانه فقال أبو سعيد الاصطخري : تجب عليه قيمته مجروحا لأنه لم يوجد من الأول أكثر من الرمي الذي ملك وهو فعل مباح وترك ذبحه إلى أن مات ، وهذا لا يسقط الضمان كما لو جرح رجل شاة لرجل فترك صاحبها ذبحها حتى ماتت . والمذهب أنه لا يجب عليه كمال القيمة ، لأنه مات بسببين محظورين ، جناية الثاني وسراية جرح الأول ، فالسراية كالجناية في إيجاب الضمان ، فيصير كأنه مات من جناية اثنين ، وما هلك بجناية اثنين لا يجب على أحدهما كمال القيمة ، وإذا قلنا بهذا قسم الضمان على الجانبين ، فما يخص الأول يسقط عن الثاني ، ويجب عليه الباقي ونبين ذلك في جنايتين مضمونتين ، ليعرف ما يجب على كل واحد منهما ، فما وجب على الأول منهما من قيمته اسقطناه عن الثاني فنقول : إذا كان لرجل صيد قيمته عشرة فجرحه رجل جراحة نقص من قيمته درهم ثم جرحه آخر فنقص درهم ، ثم مات ، ففيه لأصحابنا ستة طرق أحدها : وهو قول المزني أنه يجب على كل واحد منهما أرش جنايته ، ثم تجب قيمته بعد الجنايتين بينهما نصفين ، فيجب على الأول درهم ، وعلى الثاني درهم ، ثم تجب قيمته بعد الجنايتين وهي ثمانية ، بينهما نصفان على كل واحد منهما أربعة ، فيحصل على كل واحد منهما خمسة ، لأن كل واحد منهما انفرد بجنايته فوجب عليه أرشها ثم هلك الصيد بجنايتهما ، فوجب عليهما قيمته .

Section V09/P123–V09/P124

والثاني : وهو قول أبي إسحاق أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم الجناية ونصف أرش جنايته ، فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف ، وسقط عنه النصف لأن أرش الجناية يدخل في النفس ، وقد ضمن نصف النفس والجناية كانت على النصف الذي ضمنه ، وعلى النصف الذي ضمنه الآخر ، فما حصل على النصف الذي ضمنه يدخل في الضمان ، فيسقط وما حصل على النصف الذي ضمنه الآخر يلزم فيحصل عليه خمسة دراهم ونصف ، والآخر جزكر قيمته تسعة ، فيلزمه نصف قيمته أربعة ونصف وأرش جنايته درهم فيدخل نصفه في النصف الذي ضمنه ، ويبقى النصف لأجل النصف الذي ضمنه الأول ، فيجب عليه خمسة دراهم ، ثم يرجع الأول على الثاني ينصف الأرش الذي ضمنه وهو نصف درهم ، لأن هذا الأرش وجب بالجناية على النصف الذي ضمنه الأول وقد ضمن الأول كمال قيمة النصف ، فرجع بأرش الجناية عليه ، كرجل غصب من رجل ثوبا فخرقه رجل ثم هلك الثوب ، وجاء صاحبه وضمن الغاصب كمال قيمة الثوب ، فإنه يرجع على الجاني بارش الخرق ، فيحصل على الأول خمسة دراهم وعلى الثاني خمسة دراهم ، فهذا يوافق قول المزني في الحكم وإن خالفه في الطريق . والثالث : وهو قول أبي الطيب بن سلمة أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته حال الجناية ، ونصف أرش جنايته ، ويدخل النصف فيما ضمنه صاحبه ، كما قال أبو إسحاق إلا أنه قال : لا يعود من الثاني إلى الأول شيء ، ثم ينظر لما حصل على كل واحد منهما ، ويضم بعضه إلى بعض ، وتقسم عليه العشرة فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف ، وعلى الثاني خمسة دراهم ، فذلك عشرة ونصف ، فتقسم العشرة على عشرة ونصف فما يخص خمسة ونصفا يجب على الأول وما يخص خمسا ، يجب على الثاني . والرابع : ما قال بعض أصحابنا إنه يجب على الأول أرش جنايته ثم تجب قيمته بعد ذلك بينهما نصفين ولا يجب على الثاني أرش جنايته ، فيجب على الأول درهم ثم تجب التسعة بينهما نصفين على كل واحد منهما أربعة دراهم ونصف ، فيحصل على الأول خمسة دراهم ونصف ، وعلى الثاني أربعة دراهم ونصف ، لأن الأول انفرد بالجناية ، فلزمه أرشها ثم اجتمع جناية الثاني وسراية الأول ، فحصل الموت منهما فكانت القيمة بينهما . والخامس : ما قال بعض أصحابنا إن الأرش يدخل في قيمة الصيد ، فيجب على الأول نصف قيمته حال الجناية ، وهو خمسة وعلى الثاني نصف قيمته حال الجناية ، وهو أربعة ونصف ، ويسقط نصف درهم قال : لأني لم أجد محلا أوجبه فيه . والسادس : وهو قول أبي علي بن خيران ، وهو أن أرش جناية كل واحد منهما يدخل في القيمة ، فتضم قيمة الصيد عند جناية الأول إلى قيمة الصيد عند جناية الثاني ، فتكون تسعة عشر ، ثم تقسم العشرة على ذلك ، فما يخص عشرة فهو على الأول وما يخص تسعة فهو على الثاني ، وهذا أصح الطرق ، لأن أصحاب الطرق الأربعة لا يدخلون الأرش في بدل النفس ، وهذا لا يجوز لأن الأرش يدخل في بدل النفس ، وصاحب الطريق الخامس يوجب في صيد قيمته عشرة ، تسعة ونصفا ، ويسقط من قيمته نصف درهم ، وهذا لا يجوز .

Section V09/P124–V09/P126

+ الشرح : هذا الفصل مع الفصل الذي قبله والفصل الذي بعده مرتبطة ، ومسائلها متداخلة ، وهي متشعبة ، وقد لخصها الرافعي رحمه الله تعالى ، فأنا إن شاء الله أنقل ما ذكره ، وأضم إليه ما تركه مع التنبيه على كلام المصنف رحمه الله ، قال الرافعي : الاشتراك في الصيد والازدحام عليه له أربعة أحوال : الحال الأول : أن يتعاقب جرحان من اثنين ، فالأول منهما إن لم يكن مذففا ولا مزمنا ، بل بقي على امتناعه ، وكان الثاني مذففا أو مزمنا فالصيد للثاني ولا شيء له على الأول بجراحته ، وإن كان جرح الأول مدفقان فالصيد للأول وعلى الثاني أرش ما نقص من لحمه وجلده برميه وإن كان جرح الأول مزمنا ملك الصيد به ونفصل في الثاني ، فإن ذفف فقطع الحلقوم والمرىء فهو حلال للأول ، وعلى الثاني للأول ما بين قيمته مذبوحا ومزمنا ، قال الإمام : إنما يظهر التفاوت إذا كان فيه حياة مستقرة . وإن كان متألما بحيث لو لم يذبح لهلك ، فعندي أنه لا ينقص منه بالذبح شيء ، فإن ذفف الثاني لا بقطع الحلقوم والمرىء أو لم يذفف ومات بالجرحين فهو صيد ، وكذا الحكم لو رمى إلى الصيد فأزمنه ثم رمى إليه ثانيا وذفف لا بقطع المذبح ، ويجب على الثاني كمال قيمة الصيد مجروحا ، إن كان ذفف ، فإن كان جرح لا يذفف ومات بالجرحين ، ففيما يجب عليه كلام له مقدمة نذكرها أولا وهي : إذا جنى رجل على عبد إنسان أو بهيمته ، أو صيد مملوك قيمته عشرة دنانير ، جراحة أرشها دينار ثم جرحه آخر جراحة أرشها دينار أيضا فمات بالجرحين ففيما يلزم الجارحين ستة أوجه مشهورة : أحدها : يجب على الأول خمسة دنانير ، وعلى الثاني أربعة ونصف لأن الجرحين سريا وصارا قتلا ، فلزم كل واحد نصف قيمته وهذا قول ابن سريج ، وضعفه الأصحاب ، لأن فيه ضياع نصف دينار على المالك . والثاني : قاله المزني وأبو إسحاق المروزي والقفال يلزم كل واحد خمسة دنانير لأن كل واحد كان أرش جنايته دينارا فلزمه ثم مات بجرحيهما فلزمهما باقي قيمته وهي ثمانية بينهما نصفين فصار على كل واحد خمسة ، وعلى هذا لو نقصت جناية الأول دينارا وجناية الثاني دينارين لزم الأول أربعة ونصف ولزم الثاني خمسة ونصف ، ولو نقصت جناية الأول دينارين وجناية الثاني دينارا انعكس ، فيلزم الأول خمسة ونصف ويلزم الثاني أربعة ونصف ، وضعف الأصحاب هذا الوجه أيضا ، لأنه سوى بينهما مع اختلاف قيمته حال أخذهما . والواجه الثالث : حكاه إمام الحرمين عن القفال أيضا أنه يلزم الأول خمسة ونصف ، والثاني خمسة ، لأن جناية كل واحد نقصت دينارا ثم سريا والأرش يسقط إذا صارت الجناية نفسا ، فيسقط عن كل واحد نصف الأرش لأن الموجود منه نصف القتل ( واعترضوا ) على هذا بأن فيه زيادة الواجب على المتلف ، وأجاب القفال بأن الجناية قد تنجر إلى إيجاب زيادة ، كمن قطع يدي عبد ثم قتله آخر ( وأجيب ) عنه بأن قاطع اليدين لا شركة له في القتل ، بل القتل يقطع أثر القطع ويقع موقع الاندمال ، وهنا بخلافه . والوجه الرابع : قاله أبو الطيب بن سلمة يلزم كل واحد نصف قيمته يوم جنايته ، ونصف الأرش لكن لا يزيد الواجب على القيمة ، فيجمع ما لزمهما تقديرا ، وهو عشرة ونصف ، وتقسم القيمة وهي عشرة على العشرة والنصف ليراعي التفاوت بينهما ، فيبسط أنصافا فيكون إحدى وعشرين فيلزم الأول إحدى عشرة جزءا من إحدى وعشرين جزءا من عشرة ، ويلزم الثاني عشرة من إحدى وعشرين من عشرة وهو ضعيف لإفراد أرش الجناية عن بدل النفس .

Section V09/P126–V09/P127

والوجه الخامس : قاله صاحب التقريب وغيره ، واختاره إمام الحرمين : يلزم الأول خمسة ونصف ، والثاني أربعة ونصف ، لأن الأول لو انفرد بالجرح والسراية لزمه العشرة ، فلا يسقط عنه إلا ما لزم الثاني ، والثاني إنما جنى على نصف ما يساوي تسعة ، وفيه ضعف أيضا . والوجه السادس : قاله ابن خيران ، واختاره صاحب الإفصاح ، وأطبق العراقيون على ترجيحه أنه يجمع بين القيمتين فيكون تسعة عشر فيتم عليه ما فوتا ، وهي عشرة ، فيكون على الأمل عشرة أجزاء من تسعة عشر جزءا من عشرة ، وعلى الثاني تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءا من عشرة ، والله سبحانه وتعالى أعلم . أما إذا كانت الجناة ثلاثة ، وأرش كل جناية دينار ، والقيمة عشرة ، فعلى طريقة المزني يلزم كل واحد ثلاثة وثلث ، وعلى الوجه الثالث يلزم الأول أربعة منها ثلاثة وثلث ، هي ثلث سهم القيمة ، وثلثان هما ثلثا الأرش ويلزم الثالث ثلاثة منها ديناران وثلث هي ثلث القيمة يوم جنايته وثلثان هما ثلثا الأرش فالجملة عشرة وثلثان ، وعلى الوجه الرابع توزع العشرة على عشرة وثلثين ، وعلى الخامس يلزم الأول أربعة وثلث ويلزم الثاني ثلاثة ، والثالث ديناران وثلثان ، وعلى السادس تجمع القيم فتكون سبعة وعشرين فتقسم العشرة عليها . أما : إذا جرح مالك العبد أو الصيد جراحة ، وأجنبي أخرى ، فينظر في جناية المالك أهي الأولى أم الثانية ويخرج على الأوجه فتسقط حصته ، وتجب حصة الأجنبي ، وعن القاضي أبي حامد المروذي أن المذكور في الجنايتين على العبد هو فيما إذا لم يكن للجناية أرش مقدر ، فإن كان فليس العبد فيها كالبهيمة والصيد المملوك ، حتى لو جنى على عبد غيره جناية ليس لها أرش مقدر ، وقيمته مائة ، فنقصت الجناية عشرة ، ثم جنى آخر جناية لا أرش لها فنقصت عشرة أيضا ، ومات العبد منهما . فعلى الأول خمسة وخمسون ، وعلى الثاني خمسون ، يدفع منها خمسة إلى الأول . قال : فلو قطع رجل يد عبد قيمته مائة ، ثم قطع آخر يده الأخرى ، لزم الأول نصف أرش اليد وهو خمسة وعشرون ، ونصف القيمة يوم جنايته وهو خمسون ، ولزم الثاني نصف أرش اليد خمسة وعشرون ، ونصف القيمة يوم جنايته وهو أربعون ، فالجملة مائة وأربعون جميعها للسيد لأن الجناية التي لها أرش مقدر يجوز أن يزيد واجبها على قيمة العبد كما لو قطع يديه فقتله آخر . هذا بيان المقدمة . ونعود إلى الصيد فنقول : إذا جرح الثاني جراحة غير مذففة ومات الصيد بالجرحين ، نظر إن مات قبل أن يتمكن الأول من ذبحه لزم الثاني تمام قيمته مزمنا لأنه صار ميتا بفعله بخلاف ما لو جرح شاة نفسه وجرحها آخر وماتت . فإنه لا يجب على الثاني إلا نصف القيمة ، لأن كل واحد من الجرحين هناك حرام والهلاك حصل بهما ، وهنا فعل الأول اكتساب وذكاة ، ثم مقتضى كلام الأصحاب أن يقال : إذا كان الصيد يساوي عشرة غير مزمن وتسعة مزمنا لزم الثاني تسعة ، واستدرك صاحب التقريب فقال : فعل الأول وإن لم يكن إفسادا فيؤثر في الذبح ، وحصول الزهوق قطعا فينبغي أن يعتبر ، فيقال : إذا كان غير مزمن يساوي عشرة ، ومزمنا تسعة ، ومذبوحا ثمانية تلزمه ثمانية ونصف فإن الدرهم أثر في فواته الفعلان فوزع عليهما قال الإمام : وللنظر في هذا مجال ويجوز أن يقال المفسد يقطع أثر فعل الأول من كل وجه والأصح ما ذكره صاحب التقريب . وإن تمكن من ذبحه فذبحه لزم الثاني أرش جراحته إن نقص بها ، وإن لم يذبحه وتركه حتى مات فوجهان أحدهما : لا شيء على الثاني سوى أرش النقص ، لأن الأول مقصر بترك الذبح وأصحهما : يضمن زيادة على الأرش .

Section V09/P127–V09/P128

ولا يكون تركه الذبح مسقطا للضمان كما لو جرح رجل شاته فلم يذبحها مع التمكن لا يسقط الضمان فعلى هذا فيما يضمن وجهان : قال الإصطخري : يضمن كمال قيمته مزمنا كما لو ذهب بخلاف ما إذا جرح عبده أو شاته وجرحه غيره أيضا ، لأن كل واحد من الفعل هناك إفساد ، والتحريم حصل بهما ، وهنا الأول إصلاح والأصح قول جمهور الأصحاب لا يضمن جميع القيمة بل هو كمن جرح عبده وجرحه غيره ، لأن الموت حصل بهما ، وكلاهما إفساد أما الثاني فظاهر ، وأما الأول فلأن ترك الذبح مع التمكن يجعل الجرح وسرايته إفسادا ، ولهذا لو لم يوجد الجرح الثاني فترك الذبح كان الصيد ميتة ، فعلى هذا تجىء الأوجه في كيفية التوزيع على الجرحين : فما هو في حصة الأول يسقط وتجب حصة الثاني ، والله أعلم . الحال الثاني : أن يقع الجرحان معا فينظر إن تساويا في سبب الملك فالصيد بينهما ، وذلك بأن يكون بكل واحد منهما مذففا أو مزمنا أو انفردا وأحدهما مذففا والآخر مزمنا ، وسواء تفاوت الجرحان صغرا وكبرا أو تساويا ، أو كانا في المذبح أو في غيره أو أحدهما فيه ، والآخر في غيره ، وإن كان أحدهما مزمنا أو مذففا لو انفرد ، والآخر غير مؤثر ، فالصيد لمن ذفف أو أزمن ، ولا ضمان على الثاني ، لأن لم يجرح ملك الغير ، ولو احتمل أن يكون الإزمان بهما ، واحتمل أن يكون هذا دون ذاك ، وذاك دون هذا ، فالصيد بينهما في ظاهر الحكم ، ويستحب أن يستحل كل واحد منهما الآخر تورعا ، ولو علمنا أن أحدهما مذفف وشككنا هل الآخر أثر في الإزمان والتذفيف أم لا قال القفال : هو بينهما فقيل له : لو جرح رجل جراحة مذففة وجرحه آخر جراحة لا يدري أمذففة هي أم لا فسات فقال : يجب القصاص عليهما ، قال الإمام : هذا بعيد ، والوجه تخصيص القصاص بصاحب المذففة ، وفي الصيد يسلم نصفه لمن جرحه مذففا ويوقف نصفه بينهما إلى المصالحة أو تبين الحال ، فإن لم يتوقع بيان جعل النصف الآخر بينهما نصفين ، والله سبحانه أعلم . الحال الثالث : إذا ترتب الجرحان وأحدهما مزمن لو انفرد والآخر مذفف وارد على المذبح ، ولم يعرف السابق ، فالصيد حلال ، وإن اختلفا وادعى كل واحد أنه جرحه أولا وأزمنه ، أو أنه له فلكل واحد تحليف الآخر ، فإن حلف فالصيد بينهما ، ولا شيء لأحدهما على الآخر ، وإن حلف أحدهما فقط فالصيد له ، وعلى الآخر أرش ما نقص بالذبح ، ولو ترتبا وأحدهما مزمن والأخر منفف في غير المذبح ولم يعرف السابق ، فالمذهب الذي قطع به الجمهور أن الصيد حرام ، لاحتمال تقدم الإزمان فلا يحل بعده إلا بقطع الحلقوم والمرىء ، وقيل قولان كمسألة الإيماء السابعة ، ووجه الشبه اجتماع المبيح والمحرم والفرق على المذهب أنه سبق هناك جرح يحال عليه ، فإن ادعى كل واحد أنه أزمنه أولا وأن الآخر أفسده ، فالصيد حرام ، ولكل واحد تحليف الآخر ، فإن حلفا فلا شيء لأحدهما على الآخر ، وإن حلف أحدهما لزم الثاني كل قيمته مزمنا .

Section V09/P128–V09/P130

ولو قال الجارح أولا : أزمنته أنا ، ثم أفسدته أنت بقتلك ، فعليك القيمة ، وقال الثاني : لم تزمنه أنت بل كان امتناعه إلى أن رميته فأزمنته ، أو ذففته ، فإن اتفقا على غير جراحة الأول وعلمنا أنه لا يبقى امتناع معها ككسر وكسر رجل الممتنع بالعدو فالقول قول الأول بلا يمين ، وإلا فالقول قول الثاني ، لأن الأصل بقاء الامتناع ، فإن حلف فالصيد له ولا شيء على الأول ، وإن نكل حلف الأول واستحق قيمته مجروحا الجراحة الأولى ، ولا يحل الصيد لأنه ميتة بزعمه ، وهل للثاني أكله فيه وجهان قال : القاضي أبو الطيب : لا ، لأن إلزامه القيمة حكم بكونه ميتة ، وقال غيره : له أكله لأن النكول في خصومة الآدمي لا تغير الحكم فيما بينه وبين الله تعالى ، ولو علمنا أن الجراحة المذففة سابقة على التي لو انفردت لكانت مزمنة فالصيد حلال ، فإن قال كل واحد : أنا ذففته فلكل واحد تحليف الآخر ، فإن حلفا كان بينهما وإن حلف أحدهما كان له وعلى الآخر ضمان ما نقص . فرع : قال الشافعي رحمه الله تعالى في المختصر : لو رماه الأول والثاني ووجدناه ميتا ولم يدر أجعله الأول ممتنعا أم لا لجعلناه بينهما نصفين ، وقال في الأم : حل أكله وكان بينهما نصفين واعترض عليه فقيل : ينبغي أن يحرم هذا الصيد لاجتماع ما يقتضي الإباحة والتحريم والأصل التحريم وعلى تقدير الحل ينبغي أن لا يكون بينهما بل يكون لمن أثبته منهما ، واختلف الأصحاب في الجواب عن هذين الاعتراضين على ثلاثة أوجه أحدها : ترك ظاهر كلام الشافعي ، وتسليم ما قاله المعترض وتأويل كلام الشافعي وأما : قوله : إنه يحل أكله ، فأراد به إذا عقره أحدهما فأثبته ، ثم أصاب الثاني محل الذكاة ، فقطع الحلقوم والمرىء أو أثبتاه ولم يصر في حكم الممتنع ، ثم أدركه أحدهما فذكاه فيحل أكله وأما : قوله : إنه بينهما فأراد إذا كانت يدهما عليه ، ولا يعلم مستحقه منهما فيقسم بينهما . فأما : إذا وجداه ميتا من الجراحتين فلا يحل أكله ، فإن اتفقا على أن الثاني هو القاتل كان عليه القيمة وإن اختلفا فيه حلف كل واحد منهما لصاحبه كما سبق . قال أصحابنا : ولا يمتنع التصوير فيما ذكرناه ، فقد يجعل الشيء لاثنين ، وإن كنا نعلمه في الباطن لأحدهما ، كمن مات عن اثنين مسلم ونصراني ادعى كل وحد أن أباه مات على دينه والوجه : الثاني ترك ظاهر كلام الشافعي أيضا وتأويله على أن مراده صيد ممتنع برجله وجناحه كالحجل ، فأصاب أحدهما رجله فكسرها وأصاب الآخر جناحه فكسره ففيه وجهان أحدهما : أنه بينهما لأن امتناعه حصل بفعلهما وأصحهما : أنه للثاني ، لأنه كان ممتنعا بعد إصابة الأول . وإنما زال امتناعه بإصابة الثاني فكان له . فإن قلنا : بينهما فالمسألة مفروضة فيه وإن قلنا : هو للثاني لم يعلم الثاني منهما ويدهما عليه فكان بينهما . الوجه الثالث : وهو قول أبي إسحاق المروزي أن النص على ظاهره ، فإن أزمناه ومات الصيد ولم يدر هل أثبته الأول أم لا فالأصل بقاؤه على امتناعه إلى أن عقره الثاني ، فيكون عقره ذكاة ، ويكون بينهما لاحتمال الإثبات من كليهما ، ولا مزية لأحدهما ، قال صاحب البيان قإن قيل : قد قلتم الأصل بقاؤه على الامتناع إلى أن رماه الثاني . فكيف لم تزل يد الأول قلنا : هذا لا ب يزال به حكم اليد ، ولهذا لو كان في يده شيء يدعيه حكم له بذلك وإن كان الأصل عدم الملك ، فدل على أن اليد أقوى من حكم الأصل ، ومن أصحابنا من قال : في حل هذا الصيد قولان كمسألة الإيماء السابقة والله سبحانه أعلم .

Section V09/P130–V09/P131

الحال الرابع : إذا ترتبت الجرحان وحصل الإزمان بهما ، وكل واحد لو انفرد لم يزمن فوجهان أصحهما : عند الجمهور أو الصيد للثاني والثاني : أنه بينهما ورجحه إمام الحرمين والغزالي فإن قلنا : إنه للثاني أو كان الجرح الثاني مزمنا لو انفرد ، فلا شيء على الأول بسبب جرحه فلو عاد الأول بعد إزمان الثاني وجرحه جراحة أخرى نظر إن أصاب المذبح فهو حلال ، وعليه للثاني ما نقص من قيمته بالذبح ، وإلا فالصيد حرام . وعليه إن ذفف قيمته مجروحا بجراحته الأولى وجراحه الثاني ، وكذا إن لم يذفف ولم يتمكن الثاني من ذبحه فإن تمكن وترك الذبح عاد الخلاف السابق ، فعلى أحد الوجهين ليس على الأول إلا أرش الجراحة الثانية لتقصير المالك ، وعلى أصحهما لا يقصد بالضمان عليه ، وعلى هذا فوجهان : أحدهما : يلزمه نصف القيمة ، وخرجه جماعة على الخلاف فيمن جرح عبدا مرتدا فأسلم ثم جرحه سيده ثم عاد الأول وجرحه ثانيا ومات منهما ، وفيما يلزمه وجهان أحدهما : ثلث القيمة والثاني : ربعها قاله القفال فعلى هذا هنا ربع القيمة ، وعن صاحب التقريب أنه يعود في التوزيع الأوجه الستة السابقة ، واختار الغزالي وجوب تمام القيمة ، والمذهب التوزيع كما سبق والله تعالى أعلم . فرع : الاعتبار في الترتيب ، والمفسد ، بالإصابة ، لا ببدء الرمي والله أعلم . فرع : لو أقام رجلان كل واحد منهما بينة أنه اصطاد هذا الصيد ففيه القولان في تعارض البينتين أصحهما : سقوطها ، ويرجع إلى قول من هو في يده . فرع : لو كان في يده صيد فقال آخر : أنا اصطدته ، فقال صاحب اليد : لا علم لي بذلك ، قال بن كج : ولا نقنع منه بهذا الجواب : بل يدعيه لنفسه أو ليسلمه إلى مدعيه . فرع : قال ابن المنذر : لو أرسل جماعة كلابهم على صيد فأدركه المرسلون قتيلا ، وادعى كل واحد أن كلبه القاتل ، قال أبو ثور : إن مات الصيد بينهم فهو حلال ، فإذا اخلفوا فيه وكانت الكلاب متعلقة به فهو بينها ، وإن كان مع أحد الكلاب فهو لصاحب هذا الكلب وإن كان قتيلا والكلاب نابحة أقرع بينهم ، وأعطى كل واحد حصته بالقرعة . وقال غير أبي ثور : لا تجىء القرعة ، بل يوقف بينهم حتى يصطلحوا ، فإن خيف فساده بيع ووقف الثمن بينهم حتى يصطلحوا ، هذا كلام ابن المنذر .

Section V09/P131–V09/P132

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن ملك صيدا ثم خلاه ففيه وجهان أحدهما : يزول ملكه ، كما لو ملك عبدا ثم أعتقه والثاني : لا يزول ملكه كما لو ملك بهيمة ثم سيبها ، وبالله التوفيق . + الشرح : قال أصحابنا : إذا ملك صيدا ثم أفلت منه لم يزل ملكه عنه بلا خلاف ومن أخذه لزمه رده إليه ، وسواء كان يدور في البلد وحوله ، أو التحق بالوحوش . ولا خلاف في شيء من هذا . ولو أرسله مالكه وخلاه ليرجع صيدا كما كان فهل يزول ملكه عنه فيه وجهان مشهوران . ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : باتفاق الأصحاب : لا يزول وهو المنصوص ، كما لو أرسل بهيمته ونوى إزالة ملكه عنها ، فإنه لا يزول بلا خلاف ولأنه يشبه سوائب الجاهلية ، وقد قال الله تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام المائدة : 103 وفي المسألة وجه ثالث ، وهو قول أبي علي الطبري في الإفصاح ، وحكاه الأصحاب عنه أنه إن كان قصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى زال ملكه ، وإلا فلا ، والمذهب المنصوص أنه لا يزول مطلقا . قال أصحابنا : فإن قلنا : يزول ، عاد مباحا ، فمن صاده ملكه وإن قلنا : لا يزول لم يجز لغيره أن يصيده إذا عرفه ، فإن قال عند إرساله : أبحته لمن أخذه حصلت الإباحة ، ولا ضمان على من أكله ، لكن لا ينفذ تصرف الآخذ فيه ببيع أو نحوه ، وإذا قلنا بالوجه الثالث فأرسله تقربا إلى الله تعالى فهل يحل اصطياده فيه وجهان أحدهما : لا ، كالعبد المعتق وأصحهما : نعم ، لأنه رجع للإباحة ، ولئلا يصير في معنى سوائب الجاهلية والله تعالى أعلم . فرع : لو ألقى كسرة خبز معرضا عنها ، فهل يملكها من أخذها فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره ، قالوا : وهما مرتبان على إرسال الصيد وأولى بأن لا تملك ، بل تبقى على ملك الملقى . لأن سبب الملك في الصيد اليد وقد أزالها ، ورده إلى الإباحة قال إمام الحرمين : هذا الخلاف في زوال الملك وأما الإباحة فحاصلها لمن أراد أكلها على ظاهر المذهب لأن القرائن الظاهرة كافية في الإباحة هذا لفظ الإمام . قال الرافعي : ويوضحه ما نقل على الصالحي من التقاط السنابل هذا كلام الرافعي قلت : الأصح الذي قطع به المصنف في التفسير وغيره من الأصحاب أنه يملك ما تركه الوارث أعراضا ، كالكسرة وغيرها من الطعام والسنابل ، وأما الذي يصيبه في شيء ونحو ذلك ، ويصح تمزق الأخذ فيه بالتتبع وغيره ، هذا ظاهر قول السلف ، ولم ينقل أنهم منعوا التصرف في شيء من ذلك ، والله أعلم . فرع : قد سبق في باب أخريات الأطعمة أن الثمار الساقطة من الأشجار إن كانت داخل الجدار لم تحل ، وإن كانت خارجة فكذلك إن لم تجر عاداتهم باباحتها ، فإن جرت بذلك فهل تجري العادة المطردة مجرى الإباحة فيه وجهان أصحهما : تجري وسبق هناك حكم الأكل من مال صديقه ، ومن مال الأجنبي وثماره وزرعه والله أعلم . ولو أعرض عن جلد ميتة فأخذه غيره فدبغه ملكه على المذهب ، لأنه لم يكن مملوكا للأول ، وإنما كان له اختصاص فضعف بالإعراض ، ولو أعرض عن خمر فأخذها غيره فتخللت عنده ، ففيه تفصيل وخلاف سنذكره في آخر كتاب الغصب حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى . فرع : لو صاد صيدا علي أثر ملك ، بأن كان مرسوما أو مقرظا أو مخضوبا أو مقصوص الجناح لم يملكه الصائد ، بل هو لقطة ، لأنه يدل على أنه كان مملوكا فأفلت ، ولا ينظر إلى احتمال أنه صاده محرم ففعل به ذلك ثم أرسله لأنه تقدير بعيد ، وهذا كله لا خلاف فيه .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 150 · Qur'an & Sunnah