Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V09/P284–V09/P285

فرع : قال الروياني : لو كان المبيع مضبوطا بخبر ففي بيعه طريقان أحدهما : يصح والثاني : فيه القولان في بيع الغائب . فرع : قال أصحابنا : الاعتبار في رؤية المبيع وعدمها بالعاقد ، فإذا وكل من يشتري له عينا ، فإن رآها الوكيل حال العقد أو قبله . واكتفينا بالرؤية السابقة ، صح البيع قولا واحدا ، سواء كان الموكل رآها أم لا ، ولا خيار إذا رآها بعد العقد ، وإن لم يرها الوكيل ، ولكن رآها الموكل ، فهو بيع غائب ، ففيه القولان . فرع : قال أصحابنا : لو كان الثوب على منسج قد نسج بعضه ، فباعه على أن ينسج البائع باقيه ، لم يصح البيع بلا خلاف ، ونص عليه الشافعي في كتاب الصرف لعلتين . فرع : إذا اشترى جبة محشوة ، ورأى الجبة دون الحشو ، صح البيع ، كما يصح بيع الدار وإن لم ير أساسها ، وقد نقل المازري المالكي وغيره الإجماع على صحة بيع الجبة ، وقد ذكرناه في أول هذا الباب . فرع : في مذاهب العلماء في بيع العين الغائبة . قد ذكرنا أن أصح القولين في مذهبنا بطلانه ، وبه قال الحكم وحماد ، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمدى وابن المنذر وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم : يصح ، نقله البغوي وغيره عن أكثر العلماء ، قال ابن المنذر : فيه ثلاثة مذاهب مذهب : الشافعي أنه لا يصح والثاني : يصح البيع إذا وصفه ، وللمشتري الخيار ، إذا رآه ، سواء كان على تلك الصفة أم لا ، وهو قول الشعبي والحسن والنخعي والثوري وأبي حنيفة وغيره من أهل الرأي والثالث : يصح البيع ، وللمشتري الخيار إن كان على غير ما وصف ، وإلا فلا خيار ، قاله ابن سيرين وأيوب السختياني ومالك وعبيد الله بن الحسن وأحمد وأبو ثور وابن نصر ، قال ابن المنذر : وبه أقول . واحتج لمن صححه بقوله تعالى : وأحل الله البيع البقرة : 275 وهذا على عمومه إلا بيعا منعه كتاب أو سنة أو إجماع وبحديث أبي بكر بن عبد الله ابن أبي مريم عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه وبحديث عمر بن إبراهيم ابن خالد عن وهب البكري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه وبحديث عثمان وطلحة المذكور في الكتاب وقد سبق بيانه قالوا : وقياسا على النكاح فإنه لا يشترط رؤية الزوجين بالإجماع وقياسا على بيع الرمان والجوز واللوز في قشره الأسفل ، وقياسا على ما لو رآه قبل العقد ، واحتج الأصحاب بحديثي أبي هريرة وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر رواهما مسلم ، وهذا غرر ظاهر فأشبه بيع المعدوم الموصوف ، كحبل الحبلة وغيره ، وبحديث : لا تبع ما ليس عندك وسبق بيانه ، وقياسا على من باع النوى في التمر . وأما : الجواب على احتجاجهم بالآية الكريم فهي عامة مخصوصة بحديث النهي عن بيع الغرر والجواب : عن حديث مكحول فهو أنه حديث ضعيف باتفاق المحدثين وضعفه من وجهين أحدهما : أنه مرسل لأن مكحولا تابعي والثاني : أن أحد رواته ضعيف ، فإن أبا بكر ابن أبي مريم المذكرو ضعيف باتفاق المحدثين ، وكذا الجواب عن حديث أبي هريرة فإنه أيضا ضعيف باتفاقهم وعمر بن إبراهيم بن خالد مشهور بالضعف ووضع الحديث . وممن روى هذين الحديثين وضعفهما الدارقطني والبيهقي ، قال الدارقطني : أبو بكر ابن أبي مريم ضعيف ، وعمر بن إبراهيم يضع الحديث قال : وهذا حديث باطل لم يروه غيره ، وإنما يروى هذا عن ابن سيرين من قوله .

Section V09/P285–V09/P286

والجواب : عن قصة عثمان وطلحة وجبير بن مطعم أنه لم ينتشر ذلك في الصحابة رضي الله عنهم والصحيح : عندنا أن قول الصحابة ليس بحجة إلا أن ينتشر من غير مخالفة والجواب : عن قياسهم على النكاح أن المعقود عليه هناك استباحه الاستمتاع ولا يمكن رؤيتها ، ولأن الحاجة تدعو إلى ترك الرؤية هناك لمشقتها غالبا والجواب : عن قياسهم على الرمان والجوز أن ظاهرهما يقوم مقام باطنهما في الرؤية ، كصبرة الحنطة ، ولأن في استتار باطنها مصلحة لها كأساس الدار بخلاف بيع الغائب . والجواب : عن قياسهم على ما لو رآه قبل العقد أن المبيع هناك يكون معلوما للمشتري حال العقد ، بخلاف مسألتنا والله سبحانه وتعالى أعلم .

Section V09/P286–V09/P287

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن باع الأعمى أو اشترى شيئا لم يره فإن قلنا : إن بيع ما لم يره البصير لا يصح ، لم يصح بيع الأعمى وشراؤه وإن قلنا : يصح ففي بيع الأعمى وشرائه وجهان أحدهما يصح ، كما يصح من البصير فيما لم يره ، ويستنيب في القبض والخيار كما يستنيب في شرط الخيار والثاني : لا يصح لأن بيع ما لم يره يتم بالرؤية وذلك لا يوجد في حق الأعمى ، ولا يمكنه أن يوكل في الخيار لأنه خيار ثبت بالشرع ، فلا تجوز الاستنابة فيه كخيار المجلس بخلاف خيار الشرط . + الشرح : قال أصحابنا : المذهب بطلان بيع الأعمى وشرائه وهذا مختصره وتفصيله أنه إن لم نجوز بيع الغائب وشراءه لم يصح بيع الأعمى ولا شراؤه ، وإن جوزناه فوجهان أصحهما : لا يجوز أيضا لأنه لا طريق له إلى رؤيته فيكون كبيع الغائب على أن لا خيار والثاني : يجوز ، فيقام وصف غيره له مقام رؤيته ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد فإن صححناه قال المتولي وغيره : يثبت له الخيار عند وصف السلعة له ، ويكون الوصف بعد العقد كرؤية البصير فإن قلنا : لا يصح بيعه وشراؤه لم تصح أيضا إجارته ورهنه وهبته ، وفي مكاتبته عبده وجهان حكاهما المتولي وآخرون أصحهما : جوازه ، صححه المتولي تغليبا للعتق والثاني : لا يجوز ، وبه قطع البغوي ، ويجوز أن يؤجر نفسه ، وللعبد الأعمى أن يشتري نفسه ، وأن يقبل الكابة على نفسه لعلمه بنفسه . ويجوز أن يتزوج بلا خلاف . وفي ثبوت ولايته في النكاح وجهان مشهوران أحدهما : لا يصح تزويجه وأصحهما : يصح فعلى هذا إذا زوج وكان الصداق مالا معيبا لم يثبت المسمى ، بل يجب مهر المثل وكذا لو جامع على مال معين أما إذا أسلم في شيء أو أسلم إليه فإن كان عمى بعد بلوغه سن التمييز صح السلم بلا خلاف ، لأنه يعرف الأوصاف ثم يوكل من يقبض عنه ، ولا يصح قبضه بنفسه على أصح الوجهين ، لأنه لا تمييز بين المستحق وغيره ، فإن خلق أعمى أو أعمى قبل التمييز فوجهان أحدهما : لا يصح ، وهو الأصح عند المتولي وأصحهما : عند العراقيين والجمهور من غيرهم الصحة ، وهو المنصوص أو ظاهر النص ، لأنه يغرف بالسماع ، فعلى هذا إنما يصح إذا كان رأس المال موصوفا ، وعين في المجلس ، فإن كان معينا في العقد فهو كبيعه العين والمذهب بطلانه . قال أصحابنا : وكل ما لا يصح من الأعمى من التصرفات فطريقه أن يوكل وتحتمل صحة وكالته للضرورة ، وهذه المسألة مما ينكر على المصنف في باب الوكالة من المهذب و التنبيه ، حيق قال : من لا يجوز تصرفه فيما يوكل فيه لا يجوز توكيله ، فالأعمى لا يصح بيعه وشراؤه ونحوهما على المذهب ويجوز توكيله في ذلك بلا خلاف كما ذكرناه والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : لو كان الأعمى رأى شيئا لا يتغير صح بيعه وشراؤه إياه إذا صححنا ذلك من البصير ، وهو المذهب كما سبق والله سبحانه أعلم . فرع : إذا ملك الأعمى شيئا بالسلم أو الشراء حيث صححناه ، لم يصح قبضه ذلك بنفسه ، بل يوكل بصيرا يقبضه له بتلك الأوصاف ، فلو قبضه الأعمى لم يعتد به ، قال المتولي : ولو اشترى البصير شيئا ثم عمى قبل قبضه ، وقلنا لا يصح شراء الأعمى فهل ينسخ هذا البيع فيه وجهان كما إذا اشترى الكافر كافرا فأسلم العبد قبل القبض ، قلت : الأصح لا يبطل .

Section V09/P287

فرع : الأعمى يخالف البصير في مسائل كثيرة إحداها : لا يجتهد في الأواني والثياب في قول الثانية : يكره أن يكون مؤذنا راتبا إلا مع بصير ، كابن أم مكتوم مع بلال الثالثة : لا يجتهد في القبلة الرابعة : لا جمعة عليه إذا لم يجد قائدا الخامسة : البصير أولى منه بغسل الميت السادسة : لا حج عليه إذا لم يجد قائدا السابعة : تكره ذكاته كراهة تنزيه بلا خلاف ولا يحل صيده بإرساله كلبا أو سهما في أصح الوجهين الثامنة : لا يصح بيعه وشراؤه وإجارته ورهنه وهبته ومساقاته ونحوها من المعاملات على المذهب الصحيح العاشرة : لا يجوز كونه وصيا في وجه الحادية عشرة : لا تجوز مكاتبته عبده في أحد الوجهين الثانية عشرة : لا يكون وليا في النكاح في وجه الثالثة عشرة : لا يجزىء في الكفارة الرابعة عشرة : لا تؤخذ عين البصير بعينه الخامسة عشرة : لا يكون سلطانا السادسة عشرة : لا جهاد عليه السابعة عشرة : لا يكون قابضا الثامنة عشرة : لا تقبل شهادته إلا فيما تحمله قبل العمى أو العمى أو بالاستفاضة أو على من تعلق به .

Section V09/P287–V09/P288

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا رأى بض المبيع دون بعض نظرت فإن كان مما لا تختلف أجزاؤه كالصبرة من الطعام ، والجرة من الدبس جاز بيعه ، لأن لرؤية البعض يزول غرر الجهالة ، لأن الظاهر أن الباطن كالظاهر ، وإن كان مما يختلف نظرت فإن كان مما يشق رؤية باقية كالجوز في القشر الأسفل جاز بيعه ، لأن رؤية الباطن تشق فسقط اعتبارها كرؤية أساس الحيطان ، وإن لم تشق رؤية الباقي كالثوب المطوي ، ففيه طريقان من أصحابنا من قال : فيه قولان كبيع ما لم ير شيئا منه ومنهم من قال : يبطل البيع قولا واحدا لأن ما رآه لا خيار فيه ، وما لم يره فيه الخيار وذلك لا يجوز في عين واحدة . + الشرح : هذا الفصل سبق بيانه قريبا في الفروع السابقة ، والله سبحانه أعلم .

Section V09/P288–V09/P289

قال المصنف رحمه الله تعالى : واختلف أصحابنا في بيع الباقلاء في قشرته فقال أبو سعيد الاصطخري : يجوز لأنه يباع في جميع البلدان من غير إنكار ومنهم من قال : لا يجوز وهو المنصوص في الأم ، لأن الحب قد يكون صغارا ، وقد يكون كبارا وقد يكون في بيوته ما لا شيء فيه ، وقد يكون فيه حب متغير ، وذلك غرر من غير حاجة ، فلم يجز . واختلفوا أيضا في بيع نافجة المسك فقال أبو العباس : يجوز بيعها ، لأن النافجة فيها صلاح للمسك ، لأن بقاءه فيها أكثر ، فجاز بيعه فيها ، كالجوز في القشر الأسفل ، ومن أصحابنا من قال ، لا يجوز . وهو ظاهر النص ، لأنه مجهول القدر ، مجهول الصفة ، وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز واختلفوا في بيع الطلع في قشره ، فقال أبو إسحاق : لا يجوز بيعه ، لأن المقصود مستور بما لا يدخر فيه ، فلم يصح بيعه كالثمر في الجراب وقال أبو علي ابن أبي هريرة : يجوز لأنه مستور بما يؤكل معه من القشر ، فجاز بيعه فيه كالقثاء والخيار . واختلف قوله في بيع الحنطة في سنبلها فقال في القديم : يجوز ، لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود ، وعن بيع الحب حتى يشتد وقال في الجديد : لا يجوز لأنه لا يعلم قدر ما فيها من الحب ولا صفة الحب ، وذلك غرر لا تدعو الحاجة إليه فلم يجز . + الشرح : حديث أنس رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وآخرون بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن ، وفي الباقلا لغتان سبقتا في أول كتاب الطهارة التخفيف مع المد ، والتشديد مع القصر وقوله : غرر من غير حاجة ، احتراز من أساس الدار ومن السلم . ونافجة المسك بالنون والفاء والجيم وهي ظرفه الذي يكون فيه من أصله ، والجراب بكسر الجيم وفتحها الكسر أفصح والقثاء بكسر القاف وضمها الكسر أفصح . وهو ممدود . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : يجوز بيع الباقلا في القشر الأسفل بلا خلاف ، وسواء كان أخضر أو يابسا وأما بيعه في قشره الأعلى والأسفل فإن كان يابسا لم يجز على قولنا بمنع بيع الغائب فإن جوزناه جاز ، هكذا صرح به إمام الحرمين والبغوي والجمهور . وحكى المتولي وجها أنه يصح إن منعنا بيع الغائب ، وهذا شاذ ضعيف ، لأنه مستور بما لا يحتاج إلى بقائه فيه ، ولا حاجة إلى شرائه كذلك . وإن كان رطبا ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : وهو قول الاصطخري يجوز ، وادعى إمام الحرمين والغزالي أن الأصح صحته ، لأن الشافعي رضي الله عنه أمر أن يشترى له الباقلا الرطب والثاني : لا يجوز ، وهو المنصوص في الأم كما ذكره المصنف والأصحاب وهذا هو الأصح عند البغوي وآخرين وقطع به المصنف في التنبيه . الثانية : في بيع طلع النخل مع قشره وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : جوازه وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة . الثالثة : المسك طاهر ، ويجوز بيعه بلا خلاف ، وهو إجماع المسلمين ، نقل جماعة فيه الإجماع ، ونقل صاحب الشامل وآخرون عن بعض اناس أنه نجس لا يجوز بيعه ، قال الماوردي : هو قول الشيعة .

Section V09/P289–V09/P290

قالوا : لأنه دم ، ولأنه منفصل من حيوان حي ، وما أبين من حي فهو ميت ، وهذا المذهب خلط صريح وجهالة فاحشة ، ولولا خوف الاغترار به لما تجاسرت على حكايته ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة عن عائشة وغيرها من الصحابة أنهم رأوا وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وانعقد إجماع المسلمين على طهارته وجواز بيعه وأما قوله : إنه دم فلا يسلم ولو سلم لم يلزم منه نجاسته فإنه دم غير مسفوح كالكبد والطحال . وأما : قوله : منفصل من حيوان حي فأجاب الأصحاب عنه بجوابين أحدهما : أن الظبية تلقيه كما تلقى الولد ، كما يلقى الطائر البيضة ، فيكون طاهرا كولد الحيوان المأكول وبيضه ، ولأنه لو كان من حيوان لا يؤكل لم يلزم من ذلك نجاسته ، فإن العسل من حيوان لا يؤكل وهو طاهر حلال بلا شك والجواب الثاني : أن هذا قياس منابذ للسنة ، فلا يلتفت إليه والله سبحانه وتعالى أعلم . وأما : بيع المسك في فأرته ، وهي نافجته ففيه ثلاثة أوجه أحدها : يجوز مطلقا ، قاله ابن سريج لما ذكره المصنف والثاني : إن كانت مفتوحة وشاهد المسك فيها ولم يتفاوت ثمنها صح البيع وإلا فلا ، وبه قطع المتولي وصاحب البيان والثالث : وهو الصحيح لا يصح بيعه فيها مطلقا ، سواء بيع معها أو دونها ، مفتوحة وغير مفتوحة ، كما لا يصح بيع اللحم في الجلد ، وهذا هو المنصوص ، ولو رأى المسك خارج الفأرة ثم رده إليه وباعه فيها وهي مفتوحة الرأس صح البيع قطعا ، وإن كانت غير مفتوحة فقد قالوا : فيه القولان في بيع الغائب ، وهذا محمول على أنه مضى عليه زمن يتغير فيه غالبا ، وإلا فيصح قولا واحدا لأنه قد رآه ، قال أصحابنا : ولو باع المسك المخلوط بغيره لم يصح قولا واحدا ، لأن المقصود مجهول كما لا يصح بيع اللبن المخلوط بالماء ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال الماوردي : وأما الزباد فهو لبن سنور ، يكون في البحر ، قال : ولأصحابنا في جواز بيعه وجهان ، إذا قلنا بنجاسة ما لا يؤكل لحمه أحدهما : نجس ، لا يجوز بيعه والثاني : طاهر ويجوز بيعه كالمسك ، هذا كلام الماوردي ، والصواب طهارته وصحة بيعه ، لأن الصحيح حل لحم كل حيوان البحر ، وحل لبنه كما سبق في بابه ، وقد سبقت هذه المسألة في باب إزالة النجاسة . فرع : قال أصحابنا : لا يجوز بيع اللبن والخل ونحوهما إذا كان مخلوطا بالماء ، لأن المقصود مجهول . فرع : اتفق أصحابنا على أنه لو باع المسك المختلط بغيره لم يصح ، لأن المقصود مجهول ، كما لا يصح بيع اللبن المختلط بالماء ، والمراد إذا خالط المسك غيره لا على وجه التركيب فإن كان معجونا مع غيره كالغالية والند جاز بيعه ، ولم يجز المسلم فيه . فرع : اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز بيع تراب المعدن قبل تصفيته . وتمييز الذهب والفضة منه ، وكذا تراب الصاغة ، سواء باعه بذهب أم بفضة أم بغيرهما . هذا مذهبنا ، وقال الحسن والنخعي وربيعة والليث : يجوز بيع تراب الفضة بالذهب ، وبيع تراب الذهب بالفضة ، وقال مالك : يجوز بيع تراب المعدن بمايخالفه بالوزن إن كان ذهبا ووافقنا أنه لا يجوز بيع تراب الصاغة بحال . دليلنا أن المقصود مستور بما لا مصلحة له فيه العادة ، فلم يصح بيعه فيه كبيع اللحم في الجلد بعد الذبح ، وقبل السلخ .

Section V09/P290–V09/P292

المسألة الرابعة : قال أصحابنا : يشترط ظهور المقصود في بيع الثمرة والزرع ونحو ذلك ، فإذا باع ثمرة لا كمام لها كالتين والعنب والكمشري والمشمش والخوخ والأجاص ونحو ذلك صح البيع بالإجماع ، سواء باعها على الأرض أو على الشجر ، لكن يشترط في بيعها على الشجر كونه بعد بدو الصلاح ، أو يشترط القطع ، قال أصحابنا : ولو باع الشعير أو الذرة أو السلت مع سنبله جاز قبل الحصاد وبعده بلا خلاف ، لأن حباته ظاهرة ، ولو كان للثمر والحب كمام لا يزال إلا عند الأكل كالرمان ونحوه والعلس ، جاز بيعه في كمامه أيضا بلا خلاف وأما ماله كمامان يزال أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل كالجوز واللوز والرانج فيجوز بيعه في القشر الأسفل بلا خلاف ، ولا يجوز في القشر الأعلى ، لا على الأرض ولا على الشجر ، لا رطبا ولا يابسا ، وفي قول ضعيف حكاه الخراسانيون يجوز ما دام رطبا والمذهب البطلان مطلقا . أما : ما لا يرى حبه في سنبله كالحنطة والعدس والحمص والسمسم والحبة السوداء فما دام في سنبله لا يجوز بيعه منفردا عن سنبله بلا خلاف ، كما لا يجوز بيع تراب الصاغة والمعدن ، قال أصحابنا : ولو باع الحنطة لم يصح بلا خلاف لما ذكرناه أما إذا باع هذا النوع من سنبله فقولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما الأصح : الحديد : لا يصح بيعه والقديم : صحته . وفي الأرز طريقان المذهب : صحة بيعه في سنبله كالشعير ، ولأنه يدخر في قشره فأشبه العلس وبهذا الطريق قال ابن القاص وأبو علي الطبري والأكثرون ، وصححه القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل والرافعي والثاني : فيه القولان كالحنطة ، قاله الشيخ أبو حامد والله تعالى أعلم . فرع : لا يجوز بيع الجزر والثوم والبصل والفجل والسلق في الأرض ، لأن المقصود مستور ، ويجوز بيع أوراقها الظاهرة بشرط القطع ، ويجوز بيع القنبيط في الأرض لظهوره ، وكذا نوع من الشلجم يكون ظاهرا ، وهو بالشين المعجمة والجيم والقنبيط بضم القاف وفتح النون المشددة كذا هو في صحاح الجوهري وغيره ، وقد سبقت هذه المسألة قريبا . فرع : قال أصحابنا : يجوز بيع اللوز في الأعلى قبل انعقاد الأسفل ، لأنه مأكول كله كالتفاح . فرع : حيث قلنا ببطلان البيع في هذه الصورة السابقة فهل هو تفريع على بطلان بيع الغائب فيه طريقان سبقا عن حكاية الماوردي أحدهما : وبه قطع إمام الحرمين هو مفرع عليه ، فإن جوزنا بيع الغائب صح البيع في كل هذه الصور والطريق الثاني : وبه قطع البغوي في بيع الجزر ونحوه ليس هو مفرعا عليه ، بل هو باطل على القولين ، لأن في بيع الغائب يمكن رد المبيع بعد العقد بصفته ، وهنا لا يمكن وهذا الطريق هو الأصح ، وقد سبق عن الماوردي أنه نقله عن جمهور أصحابنا ، وسبق إيضاح الفرق . فرع : إذا قلنا بالبطلان في هذه الصورة فباع الجوز مثلا في قشره الأعلى مع الشجر ، أو باع الحنطة في سنبلها مع الأرض فطريقان أحدهما : يبطل البيع في الجوز والحنطة ، وفي بطلانه في الشجر والأرض قولا تفريق الصفقة وأصحهما : القطع بالبطلان في الجميع ، للجهل بأحد المقصودين ، وتعذر التوزيع ، ولو باع أرضا مبذورة مع البذر فوجهان مشهوران ، وقد ذكرهما المصنف في باب بيع الأصول والثمار أحدهما : يصح في الأرض وفي البذر تبعا لها والثاني : وهو الصحيح باتفاق الأصحاب بطلان البيع في البذر ، ثم في الأرض الطريقان ، قال الرافعي : ومن قال بالصحة لا يقول بالتوزيع ، بل يوجب جميع الثمن بناء على قولنا بالضعيف في تفريق الصفقة أنه لا يأخذ بجميع الثمن ، والله سبحانه أعلم .

Section V09/P292

فرع : ثبتت الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة قال العلماء : المحاقلة بيع الحنطة في سنبلها بكيل معلوم من الحنطة ، واتفق العلماء على بطلانها ، وله علتان مع الحديث إحداهما : أنه بيع حنطة وتبن بحنطة ، وذلك ربا والثانية : أنه بيع حنطة في سنبلها فلو باع شعيرا في سنبله بحنطة خالصة صافية وتقابضا في المجلس جاز بلا خلاف ، ولو باع زرعا قبل ظهور حبه بحب من جنسه صح البيع بلا خلاف ، لأن الحشيش ليس ربويا . فرع : في مذاهب العلماء في بيع الحنطة في سنبلها ، ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا بطلانه ، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : يصح ، دليلنا ما ذكره المصنف . فرع : في مذاهبهم في بيع الجزر والبصل والثوم والشلجم والفجل وهو غائب في منبته ، قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور بطلان بيعه ، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأحمد ، قال : وأجازه مالك والأوزاعي وإسحاق ، قال ابن المنذر : وببطلانه أقول ، لأنه غرر .

Section V09/P292–V09/P294

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع مجهول القدر ، فإن قال : بعتك بعض هذه الصبرة لم يصح البيع لحديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وفي بيع البعض غرر ، لأنه يقع على القليل والكثير ، ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بقدر المبيع كالسلم ، وإن قال : بعتك هذه الصبرة ، جاز وإن لم يعرف قفزانها ، وإن قال : بعتك هذه الدار أو هذا الثوب جاز ، وإن لم يعرف ذرعانهما لأن غرر الجهالة ينتفى عنهما بالمشاهدة قال الشافعي : وأكره بيع الصبرة جزافالأنه يجهل قدرها على الحقيقة ، وإن قال : بعتك ثلثها أو ربعها ، أو بعتكها إلا ثلثها أو ربعها جاز ، لأن من عرف الشيء عرف ثلثه أو ربعه ، وما يبقى بعدهما ، وإ قال : بعتك هذه الصبرة إلا قفيزا منها أو هذه الدار ، أو هذا الثوب إلا ذراعا منه نظرت فإن علما مبلغ قفزان الصبرة وذرعان الدار والثوب جاز ، لأن المبيع معلوم ، وإن لم يعلما ذلك لم يجز ، لما روى جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثنيا ولأن المبيع هو الباقي بعد القفيز والذراع ، وذلك مجهول . وإن قال : بعتك عشرة أقفزة من هذه الصبرة جاز ، لأنها معلومة القدر والصفة ، فإن اختلفا فقال البائع : أعطيك من أسفلها ، وقال المشتري : من أعلاها فالخيار إلى البائع فمن أي موضع أعطاه جاز لأنه أعطاه من الصبرة ، وإن قال : بعتك عشرة أذرع من هذه الدار ، أو عشرة أذرع من هذا الثوب ، فإن كانا يعلمان مبلغ ذرعان الدار والثوب ، وأنها مائة ذراع صح البيع في عشرها لأن العشرة من المائة عشرها ، فلا فرق بين أن يقول بعتك عشرها ، وبين أن يقول بعتك عشرة من مائة ذراع منها ، وإن لم يعلما مبلغ ذرعان الدار والثوب لم يصح ، لأنه إن جعل البيع في عشرة أذرع مشاعة لم يعرف قدر المبيع أنه عشرها أو ثلثها أو سدسها . وإن جعل البيع في عشرة أذرع من موضع بعينه لم يعرف صفة المبيع ، فإن أجزاء الثوب والدار تختلف ، وقد يكون بعضها أجود من بعض ، وإن قال : بعتك عشرة أذرع ابتداؤها من هذا المكان ، ولم يبين المنتهى ، ففيه وجهان أحدهما : لا يصح ، لأن أجزاء المبيع مختلفة ، وقد ينتهى إلى موضع يخالف موضع الابتداء والثاني أنه يصح لأنه يشاهد السمت ، وإن بين الابتداء والانتهاء صح في الدار وأما في الثوب فإنه إن كان مما لا ينقص قيمته بالقطع فهو كالدار ، وإن كان مما ينقص لم يصح لأنه شرط إدخال نقص عليه فيما لم يبع من الثوب ، ومن أصحابنا من قال : يصح لأنه رضي بما يدخل عليه من الضرر . + الشرح : حديث أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن بيع الغرر صحيح رواه مسلم وسبق بيانه ، وحديث جابر المذكور في الكتاب أنالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثنيا رواه مسلم في صحيحه هكذا من رواية الترمذي والنسائي وزاد نهى عن بيع لثنيا إلا أن يعلم قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وهذه الزيادة التي ذكرها الترمذي والنسائي حسنة ، فإنها مبينة لرواية مسلم المذكورة في الكتاب ، وقد سبق بيان القفيز وأن الذراع تؤنث وتذكر ، والتأنيث أفصح وقوله : لأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بقدره احتراز من شرط الثواب في الهبة على أحد القولين ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

Section V09/P294–V09/P295

أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : يشترط العلم بمقدار المبيع وهذا لا خلاف فيه للحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر فلو قال بعتك بعض هذه الصبرة أو بعض العبد أو الثوب ونحوه لم يصح بلا خلاف ، لأنه يقع على القليل والكثير أما إذا قال : بعتك صاعا من هذه الصبرة فله حالان أحدهما : أن يعلما مبلغ صيعانها ، فيصح البيع بلا خلاف ، وينزل على الإشاعة ، فإذا كانت الصبرة مائة صاع فالمبيع عشر عشرها ، فلو تلف بعضها تلف بقدره من المبيع ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور وحكى إمام الحرمين في تنزيله وجهين أحدهما : هذا والثاني : المبيع صاع من الجملة غير مشاع ، أي صاع كان ، وعلى هذا قالوا : يبقى المبيع ما بقي صاع ، ولو تلف بعضها لم يقسط على المبيع وغيره . الحال الثاني : إن كانا لا يعلمان أو أحدهما مبلغ صيعانها فوجهان أحدهما : وهو اختيار القفال لا يصح البيع كما لو فرق صيعانها ، وقال : بعتك صاعا منها ، فإنه لا يصح على المذهب ، وبه قطع الأصحاب إلا القاضي أبا الطيب فصححه ، وسبق نقله عنه والوجه الثاني : يصح ، وهو المذهب المنصوص ، وبه قطع المصنف وسائر العراقيين ، وطوائف من غيرهم ، لأن المبيع معلوم القدر ، فصار كالبيع بدرهم مطلقا ، فإنه يصح وينزل على النقد الغالب ، ولا يشترط أن يبين صفة الدرهم ولا وزنه ، لكونه معروفا وكذا الصاع ، وفي فتاوي القفال أنه كان إذا سئل عن هذه المسألة يفتى بالصحة مع أنه يعتقد البطلان ، فيقال له فيقول : المستفتي يستفتيني عن مذهب الشافعي رضي الله عنه لا عن اعتقادي . فإن قلنا : بالمذهب وهو الصحة فالمبيع صاع منها ، أي صاع كان فلو تلف جميعها إلا صاعا تعين العقد فيه ، والبائع بالخيار إن شاء سلم صاعا من أعلاها ، وإن شاء من أسفلها ، وإن شاء من جوانبها ، ولا يضر كون باطن الصبرة غير مرئي ، لأن رؤية ظاهر الصبرة كرؤية كلها ، وهذا الذي ذكرناه من أنه إذا تلفت إلا صاعا واحدا تعين العقد هو المذهب ، وبه قطع الجمهور منهم إمام الحرمين والروياني والرافعي ، وقال صاحبا العدة والبيان : لا يتعين خلافا لأبي حنيفة . بل يكون مشتركا ، وهذا شاذ باطل ، والصواب الأول قال الروياني : فلو تلفت كلها إلا بعض صاع يسلمه إلى المشتري إن رضيه وسقط من الثمن بقدر ما فات من الصاع والله سبحانه أعلم . فرع : قال الشافعي والأصحاب لو قال : بعتك هذه الصبرة إلا صاعا منها فإن كانت مجهولة الصيعان لم يصح البيع لأن المبيع مجهول القدر ، وليس متميزا حتى تكفي فيه المشاهدة ، وإن كانت معلومة الصيعان صح البيع ونزل على الإشاعة كما سبق . فإن كانت عشرة آصع كان المبيع تسعة أعشارها ، واحتج القفال فيما إذا كانت مجهولة بأنه لا يصح بيع صاع من صبرة حكينا عن اختياره ، قال الغزالي في الوسيط في توجيه قول القفال : أي فرق بين استثناء المعلوم من المجهول والمجهول من المعلوم والإبهام يعمهما ، قال : وفي الفرق غموض واعتراض على الغزالي في هذا بأنه ليس فيه غموض لأن المبيع معلوم المقدار في مسألة بيع صاع من الصبرة ، بخلاف الصبرة إلا صاعا ، والله سبحانه أعلم . فرع : إذا باع الصبرة من الحنطة أو الشعير أو الجوز أو غير ذلك جزافا ولم يعلم واحد منهما قدرها كيلا ولا وزنا ، ولكن شاهداها فالبيع صحيح بلا خلاف عندنا ، ويكفي رؤية ظاهرها لأن الظاهر أن أجزاءها متساوية ، ويشق تقليبها والنظر إلى جميع أجزائها بخلاف الثوب المطوي .

Section V09/P295–V09/P296

قال الشافعي والأصحاب : وكذا لو باع بصبرة من الدراهم جزافا لا يعلم واحد منهما قدرها ، لكنها مشاهدة لهما صح البيع بلا خلاف عندنا ، لكن هل يكره بيع الصبرة جزافا والبيع بصبرة الدراهم جزافا فيه قولان حكاهما الخراسانيون أصحهما : يكره ، وبه قطع المصنف وآخرون . لما فيه من الغرر والثاني : لا يكره لأنها مشاهدة ، وممن حكى القولين من العراقيين صاحب البيان ونقل أصحابنا عن مالك أنه قال إذا علم البائع كيل الصبرة ولم يبينه بطل البيع . فرع : إذا باعه نصف هذه الصبرة أو ثلثها أو ربعها أو عشرها أو غير ذلك من أجزائها المعلومة أو باعها إلا نصفها أو ربعها أو غير ذلك من أجزائها المعلومة صح البيع بلا خلاف أما إذا قال : بعتك بعض هذه الصبرة أو نصيبا منها أو أجزاء أو سهما أو ما شئت ، ونحو هذا من العبارات التي ليس فيها قدر معلوم ، فالبيع باطل بلا خلاف ، لأنه غرر ، ولو قال : بعتك هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة على أن أنقصك قفيزا منها جاز ، لأنه باعه تسعة أعشارها . ولو قال : بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم ، أو هذا الثوب كل ذراع بدرهم ، أو هذه الأغنام كل شاة بدرهم ، صح البيع في الجميع كما ذكرنا ، ولا تضر جهالة جملة الثمن لأن الثمن معلوم التفصيل ، والمبيع معلوم بالمشاهدة فانتفى الغرر هذا هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب في طرقهم . وحكى الدارمي والرافعي وجها لأبي الحسين ابن القطان أنه لا يصح البيع في شيء في ذلك ، وهذا شاذ ضعيف . ولو قال : بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح ، لأن من للتبعيض ولفظ كل للعدد ، فيصير كأنه قال : بعتك أقفزة من هذه الصبرة ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور . وفيه وجه ضعيف لابن سريج أنه يصح في صاع واحد بدرهم ، حكاه عنه الروياني وآخرون وحكاه الدارمي ، كما قال في نظيره في الإجارة إذا قال : أجرتك من هذه الصبرة كل شهر بدرهم أنه يصح في الشهر الأول بدرهم . ونقل إمام الحرمين في كتاب الإجارة عن الأصحاب أنهم قالوا : إذا قال : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم لم يصح البيع ، لأنه لم يضف إلى جميع الصبرة ، بخلاف ما لو قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم قال : وكان ينبغي أن يفرق فيقال : إن قال : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم بطل على المذهب ، ويصح قول ابن سريج في صاع واحد ، قال : وكذلك يفرق في الإجارة ، وقد قال بهذا الشيخ أبو محمد الجويني ، فسوى بين قوله : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم ، وبين قوله : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم ، فصحح البيع في الصورتين في جميع الصبرة ، والمذهب الذي قطع به الجمهور الفرق وهو صحته في : بعتك الصبرة كل صاع بدرهم ، وبطلانه في : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم ، والله سبحانه أعلم . أما : إذا قال : بعتك عشرة من هذه الأغنام بمائة درهم ، وعلم عدد الشياه فلا يصح البيع بلا خلاف ، بخلاف مثله في الصبرة والثوب والأرض فإنه يصح البيع وينزل على الإشاعة لأن قيمة الشياه تختلف .

Section V09/P296–V09/P298

ولو قال : بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم كل صاع بدرهم ، أو قال مثله في الأرض أو الثوب نظر إن خرج المبيع كما ذكر صح البيع ، وإن كان زائدا أو ناقصا فقولان مشهوران أصحهما : لا يصح البيع لتعذر الجمع بين الأمرين والثاني : يصح لوجود الإشارة إلى الصبرة ويلغو الوصف ، فعلى هذا إن خرج ناقصا فللمشتري الخيار ، فإن أجاز فوجهان أصحهما : يخير بقسط الموجود ، لأنه قابل كل صاع بدرهم والثاني : يخير بجميع الثمن لأنه قابل الجملة به ، وإن خرج زائدا فلمن تكون الزيادة فيه وجهان أصحهما : للمشتري ، فعلى هذا لا خيار له قطعا ، ولا للبائع على أصح الوجهين والثاني : يكون للبائع ، فعلى هذا لا خيار له في ثبوته للمشتري وجهان أصحهما : ثبوته ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : لو الصبرة على موضع من الأرض فيه ارتفاع وانخفاض فباعها وهي كذلك ، أو باع السمن أو نحوه في ظرف مختلف الأجزاء رقة وغلظا ، ففيه ثلاثة طرق أصحها : أن في صحة البيع قولي بيع الغائب ، لأنه لم يحصل رؤية تفيد المعرفة والثاني : القطع بالصحة والثالث : القطع بالبطلان وهذا ضعيف ، قال الرافعي : وهو ضعيف وإن كان منسوبا إلى المحققين فإن قلنا : بالصحة فوقت الخيار هنا معرفة مقدار الصبرة أو التمكن من تخمينه برؤية ما تحتها وإن قلنا بالبطلان فلو باع الصبرة والمشتري يظنها على أرض مستوية ، فبان تحتها دكة ، فهل يتبين بطلان البيع فيه وجهان أصحهما : لا ، بل هو صحيح ، وللمشتري الخيار كالعيب والتدليس ، وبهذا قطع صاحب الشامل وغيره والثاني : يبطل ، وهو اختيار الشيخ أبي محمد لأن معرفة المقدار تخمينا أو تحقيقا شرط ، وقد تبينا فواتها . فرع : قال أصحابنا : إذا قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أزيدك صاعا ، فإن أراد بذلك هبة فباع لم يصح ، لأنه شرط عقد في عقد ، وإن أراد بيعه فباع آخر من غير الصبرة لم يصح ، لأنه إن كان الصاع مجهولا فهو بيع مجهول ، وإن كان معلوما لم يصح إذا كانت الصبرة مجهولة الصيعان ، لأنا نجعل تفصيل الثمن وجملته ، وإن أراد أنه يزيده صاعا من هذه الصبرة وأنها إن خرجت عشرة آصع كان الثمن تسعة دراهم ، فينظر إن كانت الصبرة مجهولة الصيعان لم يصح البيع بلا خلاف . لأنه لا يعلم حصة كل صاع . وإن كانت معلومة الصيعان فوجهان مشهوران في كتب العراقيين حكاهما الشيخ أبو حامد ومتابعوه وغيرهم أصحهما : يصح ، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي والبغوي والرافعي ومعظم الخراسانيين ، وإذا كانت عشرة آصع فقد باعه كل صاع وتسع صاع بدرهم والثاني : لا يصح ، رجحه الشيخ أبو حامد والروياني ، وادعى الروياني أن العراقيين كلهم جزموا به سوءا القاضي أبي الطيب ، وغلط في هذه الدعوى فالخلاف مشهور في ذلك في كتب العراقيين كالشيخ أبي حامد والماوردي والمحاملي وغيرهم ، والمذهب الصحة . وإن قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أنقصك صاعا فإن أراد رد صاع إليه فالبيع باطل ، وإن أراد أنها إن خرجت تسعة آصع أخذت منك عشرة دراهم ، فإن كانت الصيعان مجهولة ، لم يصح البيع بلا خلاف وإن كانت معلومة فوجهان الصحيح : الذي قطع به العراقيون والجمهور وغيرهم صحة البيع ، فإذا كانت تسعة آصع فقد باع كل صاع بدرهم وتسع والثاني : لا يصح لقصور العبارة عن الحمل المذكور ، حكاه الرافعي .

Section V09/P298–V09/P299

ولو قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أزيدك صاعا أو أنقصك صاعا ولم يبين أنه ينقصه أو يزيده لا يصح البيع بلا خلاف ، قال الروياني : ولو قال : بعتكها كل صاع بدرهم على أن تهب لي منها صاعا لم يصح لأنه شرط هبة البائع ، وإن أراد أن الثمن بجملته يقابل جميع الصبرة إلا صاعا منها وهي معلومة الصيعان صح البيع ، ويصير كأنه باع كل صاع بدرهم وتسع درهم ، أعني إذا كانت عشرة آصع ، فإن أراد أنه يأخذ جميع الصيعان العشرة ويعطيه أحد عشر درهما جاز أيضا إذا كانت معلومة ، وإن قال : أزيدك من غيرها لم يصح بكل حال للجهالة . قال : فلو قال : بعتك هذا الثوب أو الأرض كل ذراع بدرهم على أن أزيدك ذراعا أو قال : على أن أنقصك ذراعا فحكمه حكم نظيره من الصبرة . فرع : لو كانت له صبرة بعضها حنطة وبعضها شعير مختلط ، وباع جميعها جزافا جاز ، لأن المبيع مشاهد ، وإن باع صاعا منها ، فإن كانت الحنطة والشعير سواء جاز قطعا وإلا فوجهان ، حكاهما الروياني أصحهما : الجواز . فرع : لو كان له صبرة ، ولآخر صبرة ، فقال : بعتك من صبرتي بقدر صبرتك بدينار ، لم يصح البيع ، نص عليه الشافعي في كتاب الصرف واتفقوا عليه . فرع : فيما إذا كان المبيع فيما لا تتساوى أجزاؤه ، كالأرض والدار والثوب ، ففيه مسائل : إحداها : إذا قال : بعتك هذه الدار كل ذراع بدرهم جاز سواء علما ذرعانها أم لا ، كما قلنا في بيع الصبرة كل صاع بدرهم ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقال الماوردي : إن علما ذرعانها صح وإلا فوجهان أحدهما : وهو قول أصحابنا البصريين يجوز كالصبرة والثاني : وهو قول أصحابنا البغداديين لا يجوز ، للجهل بجملة الثمن ، قال الروياني : لعله أراد بالبغداديين بعضهم . أما : إذا قال : بعتك ربع هذه الدار أو ثلثها ، فيصح قطعا ، سواء علما ذرعانها أم لا ، وإن قال : بعتك من هذه الدار كل ذراع بدرهم لم يصح قطعا ولا يجىء فيه الوجه السابق في نظيره من الصبرة عن ابن سريج أنه يصح في صاع واحد ، لأن أجزاء الدار تختلف بخلاف الصبرة ، ولو قال : بعتك من هذه الدار عشرة أذرع كل ذراع بدرهم ، فإن كانت ذرعانها مجهولة لهما أو لأحدهما لم يصح البيع بلا خلاف ، بخلاف نظيره من الصبرة ، فإنه يصح على الأصح ، والفرق ما ذكرناه الآن من اختلاف أجزاء الدار دون الصبرة ، وإن كانت ذرعانها معلومة لهما صح البيع عندنا ، وحمل على الإشاعة ، فإذا كانت مائة ذراع كان المبيع عشرها مشاعا . وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة : لا يصح ، وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الرافعي والصحيح : المشهور الصحة ، وبه قطع الأصحاب قال إمام الحرمين : إلا أن يقصد أذرعا معينة فيبطل البيع كشاة من القطيع . ولو اختلفا فقال المشتري : أردت الإشاعة فالعقد صحيح ، فقال البائع : بل أردت معينا ففيمن يصدق احتمالات أرجعهما يصدق البائع . لأنه أعلم بنيته وهذا بخلاف ما لو اختلفا في شرط مفسد للعقد ، فإن الأصح تصديق مدعى الصحة ، لأنه ليس هناك مرجح ، والظاهر جريان عقود المسلمين صحيحة وأما هنا فيترجح جانب الناوي ، لأنه أعلم بنيته والله سبحانه أعلم .

Section V09/P299–V09/P300

الثانية : إذا قال في الدار أو الأرض : بعتك من هنا إلى هنا يصح البيع بلا خلاف ، وإن وقف في وسطها فقال : بعتك أذرعا ابتداؤها من هنا ولم يبين إلى أي جهة تذرع ، لم يصح بلا خلاف ، لأنه يختلف ويتفاوت به الغرض وإن قال : ابتداؤها من هنا إلى هذه الجهة في جميع العرض . ولم يبين إلى أين ينتهي فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب أصحهما : الصحة وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي ابن أبي هريرة ، وصححه الأكثرون ومنهم الرافعي وغيره لانتفاء الغرر والثاني : لا يصح لأنه قد ينتهي الذرع إلى موضع يخالف الابتداء ، وصحح الروياني في البحر هذا . الثالثة : إذا باع ذراعا أو أذرعا من ثوب ، فإن كانت ذرعانه معلومة لهما صح البيع ونزل على الإشاعة ، فإن كان باعه ذراعا والجملة عشرة كان المبيع العشر شائعا كما سبق في الصبرة وفي الأرض والدار . هذا هو المذهب ، وفيه الوجه الشاذ السابق في الدار والأرض والصبرة أنه لا يصح البيع والصواب الأول . وإن كانت ذرعانه مجهولة لهما أو لأحدهما نظر إن كان الثوب مما لا تنقص قيمته بالقطع كالكرباس الغليظ ونحوه فوجهان حكاهما الشيخ أبو محمد الجويني وإمام الحرمين والغزالي ومن تابعهم أصحهما : وبه قطع المصنف والجمهور : يصح البيع كبيع أذرع من أرض وصيعان من صبرة والثاني : لا يصح ، لأنه لا يلزم منه تغيير عين المبيع ، وإن كان تنقص قيمته بالقطع فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب الصحيح : المنصوص أنه لا يصح لأنه شرط إدخال نقص في عين المبيع والثاني : يصح لأنه رضي بالضرر ، وهذا الوجه قول ابن سريج واختاره صاحب التقريب القاسم بن القفال الشاشي ، وقاسوه على بيع ذراع من الدار وعلى بيع أحد زوجي الخف فإنه يصح ، وإن نقصت قيمتها بتقدير التفريق والفرق أن ذلك النقص ليس في نفس الخف بخلاف مسألتنا . وإذا جمعت صورتي الثوب قلت : إذا باع ذراعا من ثوب مجهول الذرعان فثلاثة أوجه أحدها : الصحة والثاني : البطلان وأصحهما : إن لم تنقص قيمته بالقطع صح ، وإلا فلا ، وطريق من أراد شراء ذراع من ثوب حيث قلنا : لا يصح أن يواطىء صاحبه على شرائه ، ثم يقطع قبل الشراء ، ثم يشتريه بعد قطعه ، فيصح بلا خلاف ، والله تعالى أعلم . فرع : إذا باع جزءا شائعا من سيف أو سكين أو إناء أو نحوها ، صح بلا خلاف ، وصار مشتركا ، ولو عين بعضه وباعه لم يصح ، هكذا قطع به اوصحاب ، قال الرافعي : القياس أن يجيء فيه الوجهان السابقان في ذراع من ثوب ينقص بالقطع أما إذا باع جزءا معينا من جدار أو أسطوانة ونحوها فإن كان فوقه شيء لم يصح ، لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما فوقه ، وإن لم يمكن نظر إن كان قطعة واحدة من طين أو خشب أو غيرهما لم يصح ، وإن كان من لبن أو آجر جاز ، هكذا أطلقه صاحب التلخيص ، قال الرافعي : وهو محمول عند الأصحاب على ما إذا جعلت النهاية صنفا من الآجر أو اللبن دون ما إذا جعل المقطع نصف سمكها ، قال الرافعي : وفي تجويزه إذا كان من آجر أو لبن إشكال ، وإن جعلت النهاية ما ذكروه لأن موضع الشق قطعة واحدة ولأن رفع بعض الجدار ينقص قيمة الباقي فليفسد البيع ولهذا قالوا : لو باع جذعا في بناء لم يصح البيع لأن النقص يحصل بالهدم قال : ولا فرق بين الجذع والآجر وكذا الحكم لو باع فصا في خاتم .

Section V09/P300–V09/P301

فرع : قال أصحابنا إذا قال : بعتك ثمرة هذا البستان بثلاثة آلاف درهم إلا ما يخص ألفا إذا وزعت الثمرة على ثلاثة آلاف صح البيع ، ويكون قد استثنى ثلثها ، فيحصل البيع في ثلثها بثلاثة آلاف ، ولو قال : بعتكها بأربعة آلاف إلا ما يخص ألفا صح البيع في ثلاثة أرباعها بأربعة آلاف ، ولو قال : إلا ما يساوي ألفا لم يصح البيع لأن ما يساوي الألف مجهول . فرع : لو قال : بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة ففي صحة البيع وجهان أحدهما : لا يصح كما لو أسلم في ملئه وأصحهما : الصحة ، لأنه لا غرر فيه في صورة البيع ، ولو عين في البيع أو السلم مكيالا معتادا فوجهان أحدهما : يفسد البيع والسلم ، لاحتمال تلفه وأصحهما : الصحة في البيع والسلم ، ويلغو تعيينه كسائر الشروط التي لا غرض فيها ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

Section V09/P301

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن قال : بعتك هذا السمن مع الظرف كل منا بدرهم نظرت فإن لم يعلما مقدار السمن والظرف لم يجز ، لأن ذلك غرر ، لأن الظرف قد يكون خفيفا ، وقد يكون ثقيلا ، وإن علما وزنهما جاز ، لأنه لا غرر فيه . + الشرح : المنا على وزن العصا هو رطلان بالبغدادي ، وفيه لغة ضعيفة من بتشديد النون ، قال أصحابنا : في بيع السمن في الظرف مسائل : إحداها : إذا كان السمن أو الزيت أو غيرهما من الأدهان ونحوها مما لا يختلف في ظرف ، فرآه ثم اشترى منه رطلا أو أرطالا صح البيع ، كما سبق بيانه في مسائل الصبرة . هكذا قطعوا به ، ويجيء فيه الوجه السابق عن القفال في بيع صاع من الصبرة ، وقد أشار إليه صاحب التتمة . الثانية : إذا رآه ثم اشتراه مع ظرفه بعشرة دراهم مثلا صح البيع ، سواء كان ظرفه من فخار أو خشب أو حديد أو نحاس ، أو كان زقا ، وسواء عرفا وزنهما أم لا ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، قال الروياني : وحكى بعض أصحابنا الخراسانيين قولين فيما إذا لم يعلما الوزن ، قال : وليس هذا بشيء ، ولو اشترى نصفه أو ربعه صح . الثالثة : إذا قال : بعتك جميع هذا السمن كل رطل بدرهم صح البيع ، ويوزن السمن في شيء آخر ، ويوزن في ظرفه ثم يسقط وزن الظرف بعد تفريغه ، هكذا قطع به الأصحاب ، وينبغي أن يجىء فيه الوجه السابق عن أبي الحسين بن القطان في مثله في الصبرة . الرابعة : إذا قال : بعتكه كل رطل بدرهم على أن يوزن معه الظرف ، ثم يحط وزن الظرف ، صح البيع بالاتفاق كالصورة التي قبلها ، لأنها هكذا تباع في العادة ، ولأنه لا غرر . الخامسة : إذا قال : بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم على أن يوزن الظرف معه ويحسب على المشتري وزنه ، ولا يكون الظرف مبيعا ، فالبيع باطل باتفاق الأصحاب ، لأنه شرط في بيع السمن أن يزن معه غيره ، وليس ذلك الوزن معه مبيعا فلم يصح ، كما لو قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أكيل معها شعيرا ، هكذا أطلقه الأصحاب ، ولم يفرقوا بين أن يعلما وزن الظرف أم لا ، قال ابن الصباغ : وينبغي أن يجوز إذا علما وزن الظرف والسمن ، ويكون كقوله : بعتك الصبرة على أن أنقصك صاعا وأحسب ثمنه عليك ، وهي معلومة الصيعان ، لأنه لا غرر حينئذ ، وحكى المتولي هذا وجها لبعض الأصحاب ، وحكى الروياني كلام الأصحاب ثم حكى كلام ابن الصباغ عن بعض الأصحاب ، ولم يسمه ، ومراده ما نقله المتولي أو ما قاله ابن الصباغ فهو كثير النقل عنهما .

Section V09/P301–V09/P303

السادسة : إذا قال : بعتك هذا السمن بظرفه ، كل رطل من المجمد بدرهم فثلاثة أوجه أصحها : عند الجمهور وأشهرها ، وبه قطع المصنف والشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب في المجرد ، وجمهور سائر العراقيين وصححه المتولي وآخرون ، أنهما إن علما وزن كل واحد صح البيع ، وإلا فلا لما ذكره المصنف والثاني : يصح مطلقا وهو الأصح عند البغوي ، وبه قال الدارمي ، واختاره ابن الصباغ ، لأن جملة المبيع مرئية ، ولا يضر اختلاف قيمتها ، كما لو اشترى فواكه من أجناس وهي مختلطة وزنا أو حنطة مختلطة بالشعير كيلا ، فإنه يصح والثالث : أنه لا يصح مطلقا حكاه البغوي وغيره ، لأن المقصود السمن ، وهو مجهول بخلاف الفواكه ، فإنها كلها مقصودة ، قال أصحابنا : وصورة المسألة أن يكون للظرف قيمة ، فإن لم يكن له قيمة لم يصح البيع بلا خلاف ، لأنه شرط عليه ما لا قيمة له وأخذ الثمن في مقابلة وزنه . السابعة : إذا قال : بعتك هذا السمن بعشرة على أن أزنه بظرفه ، ثم أسقط الثمن بقسط وزن الظرف ، قال الروياني والأصحاب : إن كانا عند العقد عالمين قدر وزن الظرف وقدر قسطه صح البيع ، وإن جهلاه أو أحدهما لم يصح ، لأنهما لا يعلمان هل يكون المسقط درهمين فيكون الثمن عشرة أو أقل أو أكثر ، فصار الثمن مجهولا ، قالوا : وهذا بخلاف ما لوقال : بعتك هذا السمن كل رطل ثم أظرف ، كذا وزن الظرف ، فإنه يصح كما سبق ، لأن حاصله بيع السمن جميعه ، كل رطل بدرهم ، فلا يضر جهالة وزن الظرف . فرع : ذكرنا أنه إذا اشترى السمن ونحوه مع ظرفه جزافا صح البيع هكذا أطلقه الجمهور ، قال القاضي حسين والمتولي : هذا إذا كانا قد شاهدا الظرف فارغا ، وعرفا قدر ثخانته أو كانت ثخانته معلومة بالعادة ، وإن كان الظرف مما تختلف ثخانته وتتفاوت لم يصح البيع ، لأنه لو باع السمن وحده والحالة هذه لم يصح البيع للجهل بقدره ، فإذا باعهما فأولى بالبطلان . قال القاضي حسين : ولو كان الظرف يستوفيه ورأى أعلاها فإن كانت جوانبها مستترة لم يصح البيع وإن كانت مكشوفة ولكن أسفلها مستتر ، قال الأصحاب : لا يصح ، قال القاضي : وعندي أنه يصح ، لأنه يستدل بالجوانب على الأسفل لأن الغالب استواؤهما فإن خرج أغلظ من الجوانب ثبت الخيار ، كما لو اشترى صبرة فخرج تحتها دكة . فرع : قال البغوي والأصحاب : لو قال : بعتك المسك مع فأرته ، كل مثقال بدينار ، فهو كبيع السمن بظرفه كل رطل بدرهم ، ويجىء فيه باقي المسائل . فرع : قد ذكرنا أنه إذا باع السمن مع ظرفه جزافا صح البيع ، قال أصحابنا : ولو باع لبنا مخلوطا بالماء لم يصح بلا خلاف ، والفرق أن المقصود وهو اللبن غير متميز ولا معلوم وأما هنا فالمقصود السمن ، وهو متميز ، فصار كما لو باع عبدا وعليه ثوب مع الثوب ، فإنه يصح بالإجماع . فرع : إذا اشترى جامدا في ظرفه كالدقيق والحنطة والتمر والزبيب وغير ذلك موازنة ، كل رطل بدرهم ، بشرط أن يوزن مع ظرفه ، ثم يسقط قدر وزن الظرف ، فوجهان حكاهما الماوردي والروياني أحدهما : لا يصح البيع ، لأن الجامد لا يحتاج إلى وزنه مع ظرفه ، لإمكان وزنه بدونه ، قالا : وإلى هذا ميل أبي إسحاق المروزي والثاني : يصح وهذا مقتضى كلام جمهور الأصحاب ، وهو الصواب إذا لا مفسدة فيه ولا غرر ولا جهالة .

Section V09/P303

فرع : إذا اشترى سمنا أو غيره من المائعات أو غيرها في ظرفه ، كل رطل بدرهم مثلا ، على أن يوزن بظرفه ، ويسقط أرطال معينة بسبب الظرف ، ولا يوزن الظرف فالبيع باطل بلا خلاف ، لأنه غرر ظاهر ، وهذا من المنكرات المحرمة التي تقع في كثير من الأسواق .

Section V09/P303–V09/P304

قال المصنف رحمه الله تعالى : واختلف أصحابنا في بيع النحل في الكندوج فقال أبو العباس : يجوز بيعه لأنه يعرف مقداره حال دخوله وخروجه ، ومن أصحابنا من قال : لا يجوز ، وهو قول أبي حامد الإسفرايني لأنه قد يكون في الكندوج مالا يخرج ، وإن اجتمع فرخه في موضع ، وشوهد جميعه جاز بيعه لأنه معلوم مقدور على تسليمه ، فجاز بيعه . + الشرح : الكندوج بكاف مضمومة ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مضمومة ثم واو ثم جيم وهو الخلية ، وهو عجمي معرب ، والخلية عربية ، ويقال لها الكوارة أيضا ، قال أصحابنا : بيع النحل في الجملة جائز ، لأنه جيوان طاهر منتفع به ، فأشبه الحمام ، فإن كان فرخه مجتمعا على غصن أو غيره وشاهده كله صح بيعه بلا خلاف عندنا ، فإن كان في الخلية ولم يره في دخوله وخروجه فهو من بيع الغائب ، وقد سبق بيانه فيفرق بين أن يصفه أو لا يصفه ، فإن رآه في دخوله وخروجه ولم يعرف أنه خرج جميعه وقلنا : لا يجوز بيع الغائب ففي بيعه والحالة هذه وجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما الأصح : الصحة ، لأنه يعرف غالبا ولأن الحاجة تدعو إليه ولا تمكن رؤيته مجتمعا إلا في لحظة لطيفة في نادر من الأحوال فلو اشترطت رؤيته مجتمعا لامتنع بيعه غالبا ، وفي ذلك حرج والثاني : لا يصح ، وصححه الروياني وصاحب الانتصار . فلو طار ليرعى فباعه وهو طائر ، وعادته أن يعود في آخر النهار كما هو الغالب ، وقد رآه قبل طيرانه ، ففي صحة بيعه وجهان ، حكاهما الماوردي والروياني وآخرون أحدهما : لا يجوز بيعه ، وبه قطع البغوي لأنه غير مقدور عليه في الحال ، فلم يصح بيعه ، كالحمام وغيره من الطير الألوف إذا باعه في حال طيرانه وأصحهما يصح ، وبه قال ابن سريج قطع به المتولي لأن الغالب عوده إلى موضعه ، فجاز بيعه كعبد خرج لقضاء شغل ، ويخالف سائر الطيور ، لأنه يمكن إمساكها وحبسها عن الطيران بالعلف في برجها وأما النحل فلا بد من الطيران ليرعى ، ولو حبس عنه تلف ، ولا يمكن الانتفاع به إلا إذا طار واجتنى ما يحصل به العسل ، والطير يمكن الانتفاع به محبوسا ، والله سبحانه أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في أصل بيع النحل ، ذكرنا أن مذهبنا ، جوازه وبه قال أحمد ومحمد والحسن ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز كالزنبور والحشرات واحتج أصحابنا بأنه حيوان طاهر منتفع به ، فجاز بيعه كالشاة بخلاف الزنبور والحشرات فإنه لا منفعة فيها ، والله سبحانه أعلم .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 157 · Qur'an & Sunnah