Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V02/P099–V02/P100

واحتج أصحابنا عليهم بحديث عائشة المذكور في الكتاب وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : رقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا لبنتين مستقبلا بيت المقدس مستدبرا الكعبة رواه البخاري ومسلم . وعن جابر رضي الله عنه قال : نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها حديث حسن ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي ، وهذا لفظهما ، قال الترمذي : حديث حسن . وعن مروان الأصفر قال : رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ، ثم جلس يبول إليها فقلنا يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهى عن هذا قال بلى إنما نهى عن ذلك في الفضاء ، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه أبو داود والدارقطني والحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين وقال : هو صحيح على شرط البخاري ، ولأنه تلحقه المشقة في اجتناب القبلة في البناء دون الصحراء ، فإن قالوا : خصوا الجواز بمن لحقه مشقة ، قلنا : الرخصة ترد لسبب ، ثم تعم كالقصر ، ولأن الأحاديث تعارضت في المنع والجواز فوجب الجمع بينهما ويحصل الجمع بينهما بما قلناه فإنها جاءت على فقه ولا تكاد تحصل بغيره . وأما الجواب عن الأحاديث التي احتجوا بها ، فهو أنها محمولة على من كان بالصحراء للجمع بين الأحاديث ، وأما قول أبي أيوب رضي الله عنه فننحرف ونستغفر الله تعالى فجوابه من وجهين : أحدهما : أنه شك في عموم النهي فاحتاط الإستغفار . والثاني : أن هذا مذهبه ، ولم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحا ، وقد خالفه غيره من الصحابة ، كما سبق ، وأما قولهم المنع لحرمة القبلة وما بعده فجوابه أن الشرع ورد بالفرق على ما قدمناه فلا يلتفت إلى قياس ومعنى يخالفه . ومع هذا فالفرق ظاهر فإن المشقة تلحق في البناء دون الصحراء . واحتج من أباح مطلقا بحديثي جابر وعائشة قالوا : وهما ناسخان للنهي قالوا : ولأن الأحاديث تعارضت فرجعنا إلى الأصل . واحتج أصحابنا بأن الأحاديث السابقة صحيحة فلا يجوز الغاؤها بل يجب الجمع بينها فجمعنا بينها واستعملناها ولم نعطل شيئا منها . وأما قولهم : ناسخان فخطأ لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع ولم يتعذر هنا وأما من جوز الإستدبار دون الإستقبال فمحجوج بالأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهي عنهما جميعا والله أعلم . فرع : قول المصنف : ولأن في الصحراء خلقا من الملائكة والجن يصلون ، هكذا قاله أصحابنا واعتمدوه ، ورواه البيهقي بإسناد ضعيف عن الشعبي التابعي من قوله وهو تعليل ضعيف فإنه لو قعد قريبا من حائط واستقبله ووراءه فضاء واسع جاز بلا شك صرح به إمام الحرمين والبغوي وغيرهما ويدل عليه ما قدمناه عن ابن عمر أنه أناخ راحلته وبال إليها فهذا يبطل هذا التعليل فإنه لو كان صحيحا لم يجز في هذه الصورة ، فإنه مستدبر الفضاء الذي فيه المصلون ، ولكن التعليل الصحيح أن جهة القبلة معظمة ، فوجب صيانتها في الصحراء ، ورخص فيها في البناء للمشقة ، وهذا التعليل اعتمده القاضي حسين والبغوي والروياني وغيرهم ، والله أعلم .

Section V02/P100–V02/P103

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض . + الشرح : حديث ابن عمر ضعيف رواه أبو داود والترمذي وضعفاه . وهذا الأدب مستحب بالإتفاق وليس بواجب كذا صرح به الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والمتولي وغيرهم ، ومعناه إذا أراد الجلوس للحاجة لا يرفع ثوبه عن عورته في حال قيامه بل يصبر حتى يدنو من الأرض . ويستحب أيضا أن يسبل ثوبه إذا فرع قبل انتصابه ، صرح به الماوردي في الإقناع وهذا كله إذا لم يخف تنجس ثوبه ، فإن خافه رفع قدر حاجته والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : ويرتاد موضعا للبول فإن كانت الأرض الأصلية دقها بعود أو حجر حتى لا يترشش عليه البول لما روى أبو موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله . + الشرح : حديث أبي موسى ضعيف رواه أحمد وأبو داود عن رجل عن أبي موسى ، وقوله فليرتد أي يطلب موضعا لينا ، وأبو موسى هو عبد الله ابن قيس الأشعري منسوب إلى الأشعر جد القبيلة ، توفي أبو موسى بمكة ، وقيل بالكوفة سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين وقيل أربع وأربعين وهو ابن ثلاث وستين ومناقبه مشهورة ، وقد ذكرتها في التهذيب . وهذا الأدب متفق على استحبابه ، قال أصحابنا : يطلب أرضا لينة ترابا أو رملا فإن لم يجد إلا أرضا صلبة دقها بحجر ونحوه لئلا يترشش عليه والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أن يبول قائما من غير عذر ، لما روى عن عمر رضي الله عنه ، أنه قال : ما بلت قائما منذ أسلمت ولأنه لا يأمن أن يترشش عليه ولا يكره ذلك لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما لعلة بمأبضيه . + الشرح : أما الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه ، فذكره الترمذي في كتابه تعليقا لا مسندا ، وروى ابن ماجه والبيهقي عن عمر أنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبول قائما فقال : يا عمر لا تبل قائما ، فما بلت بعد قائما لكن إسناده ضعيف . وروى عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل قائما رواه ابن ماجه والبيهقي وضعفه البيهقي وغيره ويغني عن هذا حديث عائشة رضي الله عنها قالت : من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ، ما كان يبول إلا قاعدا رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم وإسناده جيد وهو حديث حسن . وأما الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما فصحيح رواه البخاري ومسلم من رواية حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما والذي في الصحيحين أتى سباطة قوم فبال قائما وأما قوله : لعلة بمأبضيه فرواه البيهقي من رواية أبي هريرة لكن قال : لا تثبت هذه الزيادة ، وذكر الخطابي ثم البيهقي في سبب بوله صلى الله عليه وسلم قائما أوجها . أحدها : قالا وهو المروي عن الشافعي رحمه الله : أن العرب كانت تستشفى بالبول قائما لوجع الصلب فنرى أنه كان به صلى الله عليه وسلم إذ ذاك وجع الصلب قال القاضي حسين في تعليقه . وصار هذا عادة لأهل هراة يبولون قياما في كل سنة مرة إحياء لتلك السنة . والثاني : أنه لعله بمأبضيه . والثالث : أنه لم يجد مكانا يصلح للقعود ، فاحتاج إلى القيام إذا كان الطرف الذي يليه عاليا مرتفعا ويجوز وجه رابع أنه لبيان الجواز . وأما السباطة فبضم السين وهي ملقى التراب والكناسة ونحوها ، تكون بفناء الدور مرفقا للقوم ، قال الخطابي : ويكون ذلك في الغالب سهلا لينا منثالا يخد فيه البول ، ولا يرجع على البائل . وأما المئبض ، فبهمزة ساكنة بعد الميم ثم باء موحدة مكسورة ثم ضاد معجمة ، ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها ألفا كما في رأس وأشباهه ، والمئبض باطن الركبة من الآدمي وغيره ، وجمعه مآبض بالمد ، كمسجد ومساجد ، وأما بوله صلى الله عليه وسلم في سباطة القوم ، فيحتمل أوجها . أظهرها : أنه علم أن أهلها يرضون ذلك ولا يكرهونه ، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه . الثاني : أنها لم تكن مختصة بهم بل كانت بفناء دورهم للناس كلهم فأضيفت إليهم لقربها منهم . الثالث : أنهم أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة فيها بصريح الإذن أو بمعناه ، والله أعلم . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : يكره البول قائما بلا عذر كراهة تنزيه ولا يكره للعذر وهذا مذهبنا ، وقال ابن المنذر : اختلفوا في البول قائما فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما ، وروى ذلك عن علي وأنس وأبي هريرة ، وفعله ابن سيرين وعروة ، وكرهه ابن مسعود والشعبي وإبراهيم بن سعد وكان إبراهيم بن سعد لا يقبل شهادة من بال قائما . قال وقال مالك : إن كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فمكروه ، وإن كان لا يتطاير فلا كراهة قال ابن المنذر : البول جالسا أحب إلي وقائما مباح وكل ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

Section V02/P103–V02/P105

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أن يبول في ثقب أو سرب لما روى عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في جحر ولأنه ربما خرج عليه ما يلسعه أو يرد عليه البول . + الشرح : حديث ابن سرجس صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بالأسانيد الصحيحة وفي روايتهم زيادة ، قالوا لقتادة الراوي عن ابن سرجس : ما تكره من البول في جحر فقال كان يقال إنها مساكن الجن ، والثقب بفتح التاء وضمها لغتان تقدمتا في باب صفة الوضوء في فصل غسل اليد ، والفتح أفصح وأشهر ، والسرب بفتح السين والراء . فالثقب ما استدار وهو الجحر المذكور في الحديث والسرب ما كان مستطيلا وعبد الله بن سرجس وهو بصري ، وأبوه سرجس بفتح السين المهملة وكسر الجيم وآخره سين أخرى ، لا ينصرف . وهذا الذي قاله المصنف من الكراهة متفق عليه ، وهي كراهة تنزيه والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أن يبول في الطريق والظل والموارد ، لما روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا الملاعن الثلاثة : البراز في الموارد ، وقارعة الطريق ، والظل . + الشرح : هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي بإسناد جيد ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا اللعانين ، قالوا وما اللعانان يا رسول الله قال الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من سل سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه البيهقي ، السخيمة بفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة هي الغائط ، والملاعن مواضع اللعن جمع ملعنة ، كمقبرة ومجزرة موضع القبر والجزر . وأما اللعانان في رواية مسلم فهما صاحبا اللعن أي الذي يلعنهما الناس كثيرا . وفي رواية أبي داود اللاعنان ، ومعناه الأمران الجالبان للعن ، لأن من فعلهما لعنه الناس في العادة ، فلما صارا سببا للعن أضيف الفعل إليهما . قال الخطابي : وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون ، فالتقدير اتقوا الملعون فاعلهما وأما الموارد فقال الخطابي وغيره هي طرق الماء واحدها مورد ، قالوا : والمراد بالظل مستظل الناس الذي اتخذوه مقبلا مناخا ينزلونه أو يقعدون تحته ، قالوا وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة تحته ، فقد قعد النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته تحت حائش النخل . ثبت ذلك في صحيح مسلم ، وللحائش ظل بلا شك . وأما البراز ، فقال الخطابي : هو هنا بفتح الباء وهو الفضاء الواسع من الأرض كنوا به عن قضاء الحاجة كما كنوا عنه بالخلاء ، ويقال تبرز الرجل إذا تغوط كما يقال تخلى ، قال : وأهل الحديث يروونه البراز بكسر الباء وهو غلط . هذا كلام الخطابي . وقال غيره : الصواب البراز بكسر الباء وهو الغائط نفسه ، كذا ذكره أهل اللغة فإذا كان البراز بالكسر في اللغة هو الغائط ، وقد اعترف الخطابي بأن الرواة نقلوه بالكسر تعين المصير إليه ، فحصل أن المختار كسر الباء ، وقد بسطت الكلام في هذه اللفظة في تهذيب الأسماء و اللغات . وأما قارعة الطريق فأعلاه ، قاله الأزهري والجوهري وغيرهما ، وقيل صدره وقيل ما برز منه ، والطريق يذكر ويؤنث لغتان مشهورتان تقدم بيانهما . وأما معاذ الراوي فهو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري المدني من كبار الصحابة وفقهائهم ومن أعلمهم بالأحكام شهد بدرا وسائر المشاهد ، وأسلم وله ثمان عشرة سنة ، توفي سنة ثمان عشرة شهيدا في طاعون عمواس بفتح العين والميم وهي قرية بالأردن من الشام وقبره بغور بيسان ، ومناقبه كثيرة مشهورة ، رضي الله عنه . وهذا الأدب وهو إتقاء الملاعن الثلاث ، متفق عليه ، وظاهر كلام المصنف والأصحاب أن فعل هذه الملاعن أو بعضها مكروه كراهة تنزيه لا تحريم ، وينبغي أن يكون محرما لهذه الأحاديث ، ولما فيه من إيذاء المسلمين ، وفي كلام الخطابي وغيره إشارة إلى تحريمه والله أعلم .

Section V02/P105–V02/P107

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أن يبول في مساقط الثمار لأنه يقع عليه فينجس . + الشرح : هذا الذي ذكره متفق عليه ، ولا فرق بين الشجر المباح والذي يملكه ولا بين وقت الثمر وغير وقته لأن الموضع يصير نجسا ، فمتى وقع الثمر تنجس وسواء البول والغائط ، وإنما اقتصر المصنف على البول اختصارا وتنبيها للأدنى على الأعلى وإنما لم يقولوا بتحريم ذلك ، لأن تنجس الثمار به غير متيقن . قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أن يتكلم لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان ، فإن الله تبارك وتعالى يمقت على ذلك . + الشرح : هذا الحديث حسن رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد حسن ، ورواه الحاكم في المستدرك وقال : هو حديث صحيح ، وفي رواية للحاكم قال أبو سعيد : قال النبي صلى الله عليه وسلم في المتغوطين أن يتحدثا فإن الله يمقت على ذلك ومعنى يضربان الغائط يأتيانه . قال أهل اللغة : يقال ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء ، وضربت في الأرض إذا سافرت . وقوله صلى الله عليه وسلم كاشفين ، كذا ضبطناه في كتب الحديث وفي المهذب وهو منصوب على الحال ، ووقع في كثير من نسخ المهذب كاشفان بالألف وهو صحيح أيضا ، خبر مبتدأ محذوف أي وهما كاشفان والأول أصوب والمقت البغض وقيل : أشد البغض ، وقيل : تعيب فاعل ذلك . وأبو سعيد الخدري سعد بن مالك ، تقدم بيانه في آخر صفة الوضوء ، وهذا الذي ذكره المصنف من كراهة الكلام على قضاء الحاجة متفق عليه . قال أصحابنا : ويستوي في الكراهة جميع أنواع الكلام ، ويستثنى مواضع الضرورة بأن رأى ضريرا يقع في بئر ، أو رأى حية أو غيرها تقصد إنسانا أو غيره من المحترمات فلا كراهة في الكلام في هذه المواضع بل يجب في أكثرها ، فإن قيل : لا دلالة في الحديث المذكور لما إدعاه المصنف لأن الدم لمن جمع كل الأوصاف المذكورة في الحديث . قلنا ما كان بعض موجبات المقت لا شك في كراهته ، ويؤيده الرواية التي قدمناها عن الحاكم والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أن يرد السلام أو يحمد الله تعالى إذا عطس ، أو يقول مثل ما يقول المؤذن . لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلم عليه رجل فلم يرد عليه حتى توضأ ثم قال : كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر . + الشرح : هذا الحديث صحيح لكن المصنف لم يذكره على وجهه ففوت المقصود منه ، وموضع الدلالة . روى المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد على حتى توضأ ثم اعتذر إلي فقال : إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر . أو قال : على طهارة . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة . وفي رواية البيهقي فسلمت عليه وهو يتوضأ فلم يرد علي وهذه الرواية قريبة مما ذكره المصنف . وقوله صلى الله عليه وسلم كرهت أن أذكر الله إلا على طهر هذه الكراهة بمعنى ترك الأولى لا كراهة تنزيه . واحتج غير المصنف بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : مر رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه رواه مسلم وعن جابر : أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك رواه ابن ماجه . وهذا الذي ذكره المصنف من كراهة رد السلام وما بعده متفق عليه عندنا وكذا التسبيح وسائر الأذكار . قال البغوي في شرح السنة : فإن عطس على الخلاء حمد الله تعالى في نفسه ، قاله الحسن والشعبي والنخعي وابن المبارك . قال البغوي : يحمد الله تعالى في نفسه هنا وفي حال الجماع . ثم هذه الكراهة التي ذكرها المصنف والأصحاب كراهة تنزيه لا تحريم بالإتفاق . وحكى ابن المنذر الكراهة عن ابن عباس وعطاء ومعبد الجهني وعكرمة . وعن النخعي وابن سيرين قالا : لا بأس به قال ابن المنذر : وترك الذكر أحب إلي ولا أؤثم من ذكر . والله أعلم .

Section V02/P107–V02/P109

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يتكىء على رجله اليسرى لما روى سراقة بن مالك رضي الله عنه قال : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى ولأنه أسهل في قضاء الحاجة . + الشرح : هذا الحديث ضعيف رواه البيهقي عن رجل عن أبيه عن سراقة قال : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى وسراقة هو أبو سفيان سراقة بن مالك بن جعشم بضم الجيم ، وإسكان العين المهملة وضم الشين المعجمة وفتحها المدلجي توفي سنة أربع وعشرين رضي الله عنه ، وقوله يتكىء ويتوكأ بهمز آخرهما وهذا الأدب مستحب عند أصحابنا ، واحتجوا فيه بما ذكره المصنف ، وقد بينا أن الحديث لا يحتج به فيبقى المعنى ويستأنس بالحديث والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يطيل القعود لأنه روى عن لقمان عليه السلام أنه قال : طول القعود على الحاجة تتجع منه الكبد ، ويأخذ منه الباسور ، فاقعد هوينا وأخرج . + الشرح : هذا الأدب مستحب بالإتفاق ولقمان هو الحكيم الذي قال الله تعالى فيه : ولقد آتينا لقمان الحكمة لقمان : 12 قال أبو إسحاق الثعلبي المفسر : اتفق العلماء على أنه كان رجلا صالحا حكيما ولم يكن نبيا ، إلا عكرمة فانفرد وقال : كان نبيا وقوله تتجع أوله تاء مثناة فوق . ويجوز بالمثناة تحت والجيم مفتوحة يقال تجعت تتجع كمرضت تمرض والكبد بفتح الكاف وكسر الباء ، ويجوز تسكين الباء مع فتح الكاف وكسرها ، كما سبق في نظائره والباسور ضبطناه في المهذب بالباء والسين ، وفيها ثلاث لغات ذكرهن الجوهري وغيره باسور بالباء والسين وناسور بالنون وناصور بالنون والصاد . وهي علة في مقعدة الإنسان ، وقوله : هوينا هو مقصور غير منون تصغير هونى كحبلي تأنيث الأهون ، والمشهور فيه الهونا كالدنيا ، وقد قيل هونا كما قد قيل دنيا والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا بال تنحنح حتى يخرج إن كان هناك شيء ، ويمسح ذكره مع مجامع العروق ثم ينثره . + الشرح : قوله ينتره بفتح أوله وضم ثالثه والنتر جذب بجفاء كذا قاله أهل اللغة واستنتر إذا جذب بقية بوله عند الإستنجاء ، قال الشافعي رحمه الله في الأم . يستبرىء البائل من البول لئلا يقطر عليه قال : وأحب إلى أن يقيم ساعة قبل الوضوء وينتر ذكره هذا لفظ نصه ، وكذا قال جماعات يستحب أن يصبر ساعة يعنون لحظة لطيفة . وقال الماوردي والروياني وغيرهما : يستحب أن ينتر ثلاثا مع التنحنح ، وقال جماعة منهم الروياني : ويمشي بعده خطوة أو خطوات . وقال إمام الحرمين ويهتم بالإستبراء فيمكث بعد إنقطاع البول ويتنحنح قال وكل أعرف بطبعه قال والنتر ما ورد به الخبر وهو أن يمر اصبعا ليخرج بقية إن كانت ، والمختار : أن هذا يختلف باختلاف الناس ، والمقصود أن يظن أنه لم يبق في مجرى البول شيء يخاف خروجه ، فمن الناس من يحصل له هذا المقصود بأدنى عصر ومنهم من يحتاج إلى تكراره ومنهم من يحتاج إلى تنحنح ومنهم من يحتاج إلى مشي خطوات ، ومنهم من يحتاج إلى صبر لحظة ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة . قال أصحابنا : وهذا الأدب وهو النتر والتنحنح ونحوهما مستحب ، فلو تركه فلم ينتر ولم يعصر الذكر واستنجى عقيب إنقطاع البول ثم توضأ فاستنجاؤه صحيح ووضوءه كامل لأن الأصل عدم خروج شيء آخر قالوا : والإستنجاء يقطع البول فلا يبطل إستنجاؤه ووضوؤه إلا أن يتيقن خروج شيء . واحتج جماعة في هذا الأدب بما روى يزداد ، وقيل ازداد بن فساءة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات رواه أحمد وأبو داود في المراسيل وابن ماجه والبيهقي واتفقوا على أنه ضعيف . وقال الأكثرون : هو مرسل ، ولا صحبة ليزداد ، وممن نص على أنه لا صحبة له البخاري في تاريخه وأبو حاتم الرازي وابنه عبد الرحمن وأبو داود وأبو أحمد بن عدى الحافظ وغيره ، وقال يحيى بن معين وغيره لا نعرف يزداد فالتعويل على المعنى الذي ذكره الأصحاب ، ويزداد بزاي ثم دال مهملة ثم ألف ثم ذال معجمة ، وفساءة بالفاء والسين المهملة المخففة وبالمد . فرع : قال أصحابنا : يكره حشو الذكر بقطنة ونحوها ، وصرح به المتولي والروياني والرافعي ونقله الروياني عن الأصحاب والله أعلم .

Section V02/P109–V02/P111

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن لا يستنجى بالماء في موضع قضاء الحاجة لما روى عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه ، فإن عامة الوسواس منه . + الشرح : هذا الحديث حسن رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد حسن ، وروى حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وإسناده صحيح . قال الخطابي : المستحم المغتسل سمي مستحما مشتقا من الحميم وهو الماء الحار الذي يغتسل به . وعبد الله بن مغفل ، بغين معجمة مفتوحة ثم فاء مشددة مفتوحة كنيته أبو سعيد ، وقيل أبو عبد الرحمن ، وقيل أو زياد وهو ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بيعة الرضوان توفي سنة ستين رضي الله عنه . واتفق أصحابنا على أن المستحب أن لا يستنجى بالماء في موضع قضاء الحاجة لئلا يترشش عليه وهذا في غير الأخلية المتخذة لذلك . أما المتخذ لذلك كالمرحاض فلا بأس فيه لأنه لا يترشش عليه ولأن في الخروج منه إلى غيره مشقة ، وقول المصنف والأصحاب : لا يستنجى بالماء في موضعه ، احتراز من الإستنجاء بالأحجار . فإن شرطه أن لا ينتقل عن موضعه كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . فرع : في مسائل تتعلق بآداب فضاء الحاجة إحداها : قال أصحابنا لا بأس بالبول في إناء لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : يقولون أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي رضي الله عنه ، لقد دعى بالطست يبول فيها فانخنس فمات ، وما أشعر به هذا حديث صحيح رواه النسائي وابن ماجه والبيهقي في سننهم ، والترمذي في كتاب الشمائل هكذا ، ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بمعناه ، قالا : قالت فدعى بالطست ولم تقل ليبول فيها وهو محمول على الرواية الصحيحة الصريحة في البول ، والطست بالسين المهملة وهي مؤنثة . وعن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها قالت : كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير رواه أبو داود والنسائي والبيهقي ولم يضعفوه وأميمة ورقيقة ، بضم أولهما ، ورقيقة بفافين . وقولها : من عيدان هو بفتح العين المهملة وهي النخل الطوال المتجردة الواحدة عيدانة . الثانية : يحرم البول في المسجد في عير إناء ، وأما في الإناء ففيه احتمالان لابن الصباغ ذكرهما في باب الإعتكاف . أحدهما : الجواز كالفصد والحجامة في إناء . والثاني : التحريم لأن البول مستقبح فنزه المسجد منه ، وهذا الثاني هو الذي اختاره الشاشي وغيره ، وهو الأصح المختار وجزم به صاحب التتمة في باب الإعتكاف ، ونقله العبدري في باب الإعتكاف عن الأكثرين . الثالثة : يحرم البول على القبر ويكره البول بقربه . الرابعة : قال أصحابنا : يكره البول في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرا لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الماء الراكد رواه مسلم . وفي الصحيحين نحوه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه . وأما الجاري فإن كان قليلا كره ، وإن كان كثيرا لا يكره ، هكذا قاله جماعة من أصحابنا وفيه نظر ، وينبغي أن يحرم البول في القليل مطلقا لأنه ينجسه ويتلفه على نفسه وعلى غيره ، وأما الكثير الجاري فلا يحرم لكن الأولى اجتنابه ، ومما ينهي عنه التغوط بقرب الماء ، صرح به الشيخ نصر في الإنتخاب ، والكافي وهو واضح داخل في عموم النهي عن البول في الموارد .

Section V02/P111–V02/P113

الخامسة : قال أصحابنا : يكره استقبال الريح بالبول لئلا يرده عليه فيتنجس بل يستدبرها هذا هو المعتمد في كراهته ، وأما الحديث المروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره البول في الهواء فضعيف بل قال الحافظ أبو أحمد بن عدي : إنه موضوع ، وجاء عن حسان ابن عطية التابعي قال : يكره للرجل أن يبول في هواء وأن يتغوط على رأس جبل . السادسة : قال أصحابنا يستحب أن يهيىء أحجار الإستنجاء قبل جلوسه ، لحديث عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار حديث حسن رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني وغيرهم . قال الدارقطني : إسناده حسن صحيح فهذا هو المعتمد ، وأما ما احتج به جماعات من أصحابنا من حديث اتقوا الملاعن وأعدوا النبل فليس بثابت فلا يحتج به ، والنبل بضم النون وفتح الباء الموحدة الأحجار الصغار . السابعة : لا يجوز أن يبول على ما منع الإستنجاء به لحرمته كالعظم ، وسائر المطعومات . الثامنة : قال إمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون : يستحب أن لا يدخل الخلاء مكشوف الرأس ، قال بعض أصحابنا فإن لم يجد شيئا وضع كمه على رأسه ويستحب أن لا يدخل الخلاء حافيا ، ذكره جماعة منهم أبو العباس بن سريج في كتاب الأقسام . وروى البيهقي بإسناده حديثا مرسلا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه وروى البيهقي أيضا عن عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء غطى رأسه وإذا أتى أهله غطى رأسه لكنه ضعيف ، قال البيهقي : وروى في تغطية الرأس عند دخول الخلاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وهو صحيح عنه ، قلت : وقد اتفق العلماء على أن الحديث المرسل والضعيف والموقوف يتسامح به في فضائل الأعمال ويعمل بمقتضاه وهذا منها . التاسعة : قال صاحب البيان وغيره : يستحب لمن هو على قضاء الحاجة أن لا ينظر إلى فرجه ولا إلى ما يخرج منه ولا إلى السماء ولا يعبث بيده . العاشرة : قال المصنف في التنبيه وكثيرون من أصحابنا يستحب أن لا يستقبل الشمس ولا القمر ، واستأنسوا فيه بحديث ضعيف ، وهو مخالف لإستقبال القبلة في أربعة أشياء . أحدها : أن دليل القبلة صحيح مشهور ودليل هذا ضعيف بل باطل ، ولهذا لم يذكره المصنف ، ولا كثيرون ولا الشافعي ، وهذا هو المختار لأن الحكم بالإستحباب يحتاج إلى دليل ، ولا دليل في المسألة . الثاني : يفرق في القبلة بين الصحراء والبناء كما سبق ، ولا فرق هنا ، صرح به المحاملي وآخرون . الثالث : النهي في القبلة للتحريم وهنا للتنزيه . الرابع : أنه في القبلة يستوي الإستقبال والإستدبار ، وهنا لا بأس بالإستدبار وإنما كرهوا الإستقبال ، هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع المصنف في التنبيه والجمهور وقال الصيمري وأبو العباس الجرجاني في كتابه الشافي : يكره الإستدبار أيضا والله أعلم . : والإستنجاء واجب من البول والغائط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وليستنج بثلاثة أحجار ولأنها نجاسة لا تلحق المشقة في إزالتها غالبا فلا تصح الصلاة معها كسائر النجاسات . + الشرح : حديث أبي هريرة هذا صحيح رواه الشافعي وأبو داود غيرهما بأسانيد صحيحة ، وسأذكره بكماله إن شاء الله تعالى . قوله : وليستنج هو هكذا بالواو معطوف على ما قبله ، كما سأذكره بكماله إن شاء الله تعالى . وقول المصنف لا تلحقه المشقة في إزالتها احتراز من دم البراغيث ونحوه . وقوله فلم تصح الصلاة معها عبارة حسنة فإنه لو قال فوجب إزالتها لا تنقض بنجاسة على ثوب لا يصلي فيه ، والغائط معروف وتقدم في هذا الباب بيان أصله .

Section V02/P113–V02/P115

أما حكم المسألة : فالإستنجاء واجب عندنا من البول والغائط وكل خارج من أحد السبيلين نجس ملوث ، وهو شرط في صحة الصلاة وبه قال أحمد وإسحاق وداود وجمهور العلماء ورواية عن مالك . وقال أبو حنيفة : هو سنة ، وهو رواية عن مالك ، وحكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والعبدري وغيرهم عن المزني وجعل أبو حنيفة هذا أصلا للنجاسات ، فما كان منها قدر درهم بغلى عفي عنه وإن زاد فلا ، وكذا عنده في الإستنجاء إن زاد الخارج على درهم وجب وتعين الماء ولا يجزيه الحجر ولا يجب عنده الإستنجاء بالحجر . واحتجوا بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج رواه الدارمي وأبو داود وابن ماجه وهو حديث حسن ولأنها نجاسة لا تجب إزالة أثرها فكذا عينها كدم البراغيث ، ولأنه لا تجب إزالتها بالماء فلم يجب غيره ، وقال المزني : ولأنا أجمعنا على جواز مسحها بالحجر فلم تجب إزالتها كالمني . واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا لكم مثل الوالد ، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول وليستنج بثلاثة أحجار ، ونهى عن الروث والرمة وأن يستنجى الرجل بيمينه حديث صحيح رواه الشافعي في مسنده وغيره بإسناد صحيح ، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم بأسانيد صحيحة بمعناه قال البيهقي في كتابه معرفة السنن و الآثار : قال الشافعي في القديم : هو حديث ثابت . وعن سلمان رضي الله عنه قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار رواه مسلم . وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن ، فإنها تجزى عنه حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني ، وقال إسناده حسن صحيح . واحتج الأصحاب بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال : إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير . أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله وروى لا يستبرىء رواه البخاري ومسلم وفي الإستدلال به نظر . واحتجوا من القياس بما ذكره المصنف ، والجواب عن حديثهم أنه لا حرج في ترك الإيتار ، وهو محمول على الإيتار الزائد على ثلاثة أحجار جمعا بينه وبين باقي الأحاديث الصحيحة لحديث سلمان وغيره . والجواب عن قياسهم على دم البراغيث أن ذلك مشقة عظيمة بخلاف أصل الإستنجاء ، ولهذا تظاهرت الأحاديث الصحيحة على الأمر بالإستنجاء ، ولم يرد خبر في الأمر بإزالة دم البراغيث . وقياس المزني على المني لا يصح لأنه طاهر والبول نجس ، والله أعلم .

Section V02/P115

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن خرجت منه حصاة أو دودة لا رطوبة معها ، ففيه قولان أحدهما : يجب الإستنجاء لأنها لا تخلو من رطوبة والثاني : لا يجب ، وهو الأصح لأنه خارج من غير رطوبة ، فأشبه الريح . + الشرح : هذان القولان مشهوران ، وحكاهما بعض الأصحاب عن الجامع الكبير ، وخالف الغزالي وشيخه وشيخ شيخه الأصحاب ، فنقلوهما وجهين والصواب قولان ، والصحيح منهما عند المصنف والجمهور لا يجب ، واختاره المزني وقال إمام الحرمين : الأصح الوجوب ، ولو خرج المعتاد يابسا كبعرة لا رطوبة معها ، فهي كالحصاة لا يجب الإستنجاء على الصحيح ، كذا صرح به الشيخ أبو محمد في الفروق والقاضي حسين وابن الصباغ والشاشي والبغوي وجماعات ، وقطع به أبو العباس بن سريج في كتاب الأقسام . وقول المصنف : فأشبه الريح ، كذا قاسه الأصحاب وأجمع العلماء أنه لا يجب الإستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر . وحكى عن قوم من الشعية أنه يجب ، والشعية لا يعتد بخلافهم . قال الشيخ نصر في الإنتخاب : إن استنجى لشيء من هذا فهو بدعة ، وقال الجرجاني : يكره الإستنجاء من الريح ، والله أعلم .

Section V02/P115–V02/P116

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستنجى قبل أن يتوضأ ، فإن توضأ ثم استنجى صح الوضوء ، وإن تيمم ثم استنجى لم يصح اليتمم . وقال الربيع : فيه قول آخر أنه يصح . قال أبو إسحاق : هذا من كيسه ، والأول هو المنصوص عليه في الأم ، ووجهه أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة من نجاسة النجو ، فلا تستباح مع بقاء المانع ، ويخالف الوضوء فإنه يرفع الحدث فجاز أن يرفع الحدث والمانع قائم ، وإن تيمم وعلى بدنه نجاسة في غير موضع الإستنجاء ففيه وجهان : أحدهما : أنه كنجاسة النجو والثاني : أنه يصح التيمم لأن اليتمم لا تستباح به الصلاة من هذه النجاسة ، فصح فعله مع وجودها بخلاف نجاسة النجو . + الشرح : إذا توضأ أو تيمم قبل الإستنجاء ثم استنجى بالحجر أو بالماء لافا على يده خرقة أو نحوها بحيث لا يمس فرجه ، فقد نص الشافعي رحمه الله في البويطي : أنه يصح وضوءه ولا يصح تيممه ، ونقل المزني في المنثور عن الشافعي في صحة التيمم والوضوء جميعا قولين . ونقل ابن القاص أنه يصح الوضوء وفي التيمم قولان . ونقل الربيع أنه لا يصح التيمم ، قال : وفيه قول آخر أنه يصح فحصل في المسألتين ثلاثة أقوال : أحدها : يصح الوضوء والتيمم والثاني : لا يصحان : والثالث : يصح الوضوء ولا يصح التيمم . وهذا الثالث هو الصحيح عند الأصحاب ، وقطع به أكثر المتقدمين والمتأخرين وصححه الباقون قال القاضي أبو الطيب : غلط من ذكر الخلاف في الوضوء . وقال إمام الحرمين نقل الخلاف في الوضوء بعيد جدا ، ولولا أن المزني نقله في المنثور عن الشافعي لما عددته من المذهب . وقال الشيخ أبو حامد : قال أصحابنا : هذا الذي ذكره الربيع في صحة التيمم ليس بمذهب الشافعي . وقال المحاملي غلط أصحابنا الربيع في ذلك وهذا معنى قول المصنف : قال أبو إسحاق : هذا من كيس الربيع وهو بكسر الكاف ، معناه : ليس هذا منصوصا للشافعي ، بل الربيع خرجه من عند نفسه . وأما قول صاحب الإبانة : الأصح صحة التيمم فغلط مخالف للأصحاب ونصوص الشافعي والدليل ، أما إذا كان على موضع من بدنه نجاسة في غير موضع الإستنجاء فتيمم قبل إزالتها ففي صحة اليتمم الوجهان اللذان ذكرهما المصنف وهما مشهوران ونقل ابن الصباغ أن الشافعي نص في الأم على أنه لا يصح تيممه حتى يزيلها . واختلف الأصحاب في الأصح فصحح الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشيخ نصر والشاشي وآخرون من العراقيين بطلان اليتمم . وصحح إمام الحرمين والبغوي صحته وبه قطع أبو علي الطبري في الإفصاح ، ودليله ما ذكره المصنف . وقال إمام الحرمين : ولأنه لا خلاف أنه لو تيمم وهو مكشوف العورة صح تيممه ، وإن كان هذا اليتمم لا يستعقب إباحة الصلاة حتى يستر عورته . وذكر القاضي أبو الطيب نحو هذا . وهذا الذي أورداه من ستر العورة إشكال قوي . ويمكن الفرق بأن ستر العورة أخف من إزالة النجاسة ، ولهذا تصح الصلاة مع العري بلا إعادة بخلاف النجاسة ، والله أعلم . ثم صورة المسألة أن يكون مع هذا التيمم من الماء ما يكفيه لإزالة النجاسة من غير زيادة ، كذا صورها إمام الحرمين وغيره وهو الصواب ، وتتصور أيضا فيمن تيمم لجراحة أو مرض ، بحيث لا يجب إستعمال الماء في الحدث ويجب في النجس لقلته . وقال البغوي : الوجهان فيمن ليس معه ما يغسل به النجاسة ، فأما من معه ما يكفيه للنجاسة فلا يصح تيممه قبل إزالتها ، والصواب ما سبق . ولو تيمم وليس عليه نجاسة ، ثم حدثت نجاسة وقلنا النجاسة المقارنة نمنع صحة التيمم ففي الحادثة وجهان حكاهما الروياني .

Section V02/P116

قال : وهما كالوجهين فيما إذا تيمم ثم ارتد ، لأن النجاسة تمنع الصلاة كالردة . وقال القاضي حسين : إن تيمم عالما بالنجاسة صح تيممه لأن طلبه الماء ليتمم يكفيه له وللنجاسة ، وإن تيمم وعليه نجاسة لا يعلمها أو حدثت بعد اليتمم بطل التيمم لأنه يجب طلب لماء لإزالتها والله أعلم .

Section V02/P116–V02/P118

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا أراد الإستنجاء نظرت فإن كانت النجاسة بولا أو غائطا ولم تجاوز الموضع المعتاد جاز الماء والحجر ، والأفضل أن يجمع بينهما لأن الله تعالى أثنى على أهل قباء ، فقال سبحانه وتعالى : فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين التوبة : 108 فقالوا نتبع الحجارة الماء . فإن أراد الإقتصار على أحدهما فالماء أفضل لأنه أبلع في الإنقاء ، وأن أراد الإقتصار على الحجر جاز لما روت عائشة رضي الله عنها قالت بال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر خلفه بكون من ماء ، فقال ما هذا يا عمر فقال ماء نتوضأ به ، فقال ما أمرت ، كما بلت أن أتوضأ ، ولو فعلت لكان سنة ولأنه قد يتبلى بالخارج في مواضع لا يلحق الماء فيها ، فسقط وجوبه . + الشرح : أما حديث عائشة فرواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي في سننهم ، وهو حديث ضعيف ، والمراد بالوضوء هنا الإستنجاء بالماء . وقوله : لكان سنة أي واجبا لازما . ومعناه : لو واظبت على الإستناء بالماء لصار طريقة لي يجب إتباعها . وأما حديث أهل قباء فرى فيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا وكانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم ولم يضعفه أبو داود لكن إسناده ضعيف فيه يونس بن الحرث قد ضعفه الأكثرون وإبراهيم بن أبي ميمونة . وفيه جهالة . وعن عويم بن ساعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال : إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور فما هذا الطهور الذي تطهرون به قالوا والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود يغسلون أدبارهم فغسلنا كما غسلوا رواه أحمد بن حنبل في مسنده وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في صحيحه . وعن جابر وأبي أيوب وأنس رضي الله عنهم قالوا : نزلت هذه الآية فيه رجال يحبون أن يطهروا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الأنصار قد أثنى الله عليكم في الطهور فما طهوركم قالوا : نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونسنتجى بالماء . فقال هو ذلك فعليكموه وراه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وفي رواية للبيهقي فما طهوركم قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهل مع ذلك غيره قالوا لا ، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجى بالماء قال : هو ذاك فعليكموه وإسناد هذه الرواية ورواية ابن ماجه وغيره إسناد صحيح إلا أن فيه عتبة بن أبي حكيم وقد اختلفوا في توثيقه فوثقه الجمهور ولم يبين من ضعفه سبب ضعفه ، والجرح لا يقبل إلا مفسرا فيظهر الإحتجاج بهذه الرواية ، فهذا الذي ذكرته من طرق . الحديث هو المعروف في كتب الحديث أنهم كانوا يستنجون بالماء ، وليس فيها ذكر الجمع بين الماء والأحجار .

Section V02/P118–V02/P120

وأما قول المصنف : قالوا نتبع الحجارة الماء ، فكذا يقوله أصحابنا وغيرهم في كتب الفقه والتفسير ، وليس له أصل في كتب الحديث ، وكذا قال الشيخ أبو حامد في التعليق أن أصحابنا رووه قال : ولا أعرفه ، فإذا علم أنه ليس له أصل من جهة الرواية فيمكن تصحيحه من جهة الإستنباط ، لأن الإستنجاء بالحجر كان معلوما عندهم يفعله جميعهم ، وأما الإستنجاء بالماء فهو الذي انفردوا به فلهذا ذكر ولم يذكر الحجر لأنه مشترك بينهم وبين غيرهم ولكونه معلوما ، فإن المقصود بيان فضلهم الذي أثنى الله تعالى عليهم بسببه ، ويؤيد هذا قولهم : إذا خرج أحدنا من الغائط أحب أن يستنجى بالماء ، فهذا يدل على أن إستنجاءهم بالماء كان بعد خروجهم من الخلاء ، والعادة جارية بأنه لا يخرج من الخلاء إلا بعد المسح بماء أو حجر ، وهكذا المستحب أن يستنجى بالحجر في موضع قضاء الحاجة ويؤخر الماء إلى أن ينتقل إلى موضع آخر والله أعلم . وقباء بضم القاف ، يذكر ويؤنث وفيه لغتان المد والقصر . قال الخليل : مقصور ، وقال الأكثرون : ممدود ، ويجوز فيها أيضا الصرف وتركه ، والأفصح الأشهر مده وتذكيره وصرفه وهو قرية على ثلاثة أميال من المدينة ، وقيل أصله اسم بئر هناك ، وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور قباء كل سبت راكبا وماشيا ويصلي فيه والله أعلم . وأما حكم المسألة : فقال أصحابنا : يجوز الإقتصار في الإستنجاء على الماء ويجوز الإقتصار على الأحجار والأفضل أن يجمع بينهما فيستعمل الأحجار ثم يستعمل الماء فتقديم الأحجار لتقل مباشرة النجاسة واستعمال الماء ثم يستعمل الماء ليطهر المحل طهارة كاملة فلو استنجى أولا بالماء لم يستعمل الأحجار بعده لأنه لا فائدة فيه ، صرح به الماوردي وآخرون وهو واضح ، وإن أراد الإقتصار على أحدهما فالماء أفضل لأنه يطهر المحل ، ولا فرق في جواز الإقتصار على الأحجار بين وجود الماء وعدمه ولا بين الحاضر والمسافر والصحيح والمريض هذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم . وحكى ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص وحذيفة وابن الزبير رضي الله عنهم أنهم كانوا لا يرون الإستنجاء بالماء ، وعن سعيد بن المسيب قال ما يفعل ذلك إلا النساء وقال عطاء : غسل الدبر محدث قال القاضي أبو الطيب وغيره قالت الزيدية والقاسمية من الشعية : لا يجوز الإستنجاء بالأحجار مع وجود الماء . فأما سعيد وموافقوه فكلامهم محمول على أن الإستنجاء بالماء لا يجب أو أن الأحجار عندهم أفضل وأما الشعية فلا يعتد بخلافهم ومع هذا فهم محجوجون بالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإستنجاء بالأحجار وأذن فيه وفعله ، وقد سبقت جملة من الأحاديث وسنذكر الباقي في مواضعها إن شاء الله تعالى . وأما الدليل على جوازه بالماء فأحاديث كثيرة صحيحة مشهورة منها حديث أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الخلاء فأتبعه أنا وغلام بإداوة من ماء فيستنجى بها رواه البخاري ومسلم . وعن عائشة أنها قالت لنسوة مرن أزواجكن أن يستنجوا بالماء فإني استحييهم وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله حديث صحيح رواه أحمد والترمذي والنسائي وآخرون ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وعن أبي هريرة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي ، ولم يضعفه أبو داود ولا غيره وإسناده صحيح إلا أن فيه شريك بن عبد الله القاضي وقد اختلفوا في الإحتجاج به وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما ذكرنا . قال الخطابي : وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم فلهذا كره الإستنجاء به سعد وموافقوه وهذا قول باطل منابذ للأحاديث الصحيحة والله أعلم .

Section V02/P120–V02/P122

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أراد الإقتصار على الحجر لزمه أمران : أحدهما : أن يزيل العين حتى لا يبقى إلا أثر لاصق لا يزيله إلا الماء والثاني : أن يستوفي ثلاث مسحات لما روى أن رجلا قال لسلمان رضي الله عنه أنه علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال : أجل نهانا أن نجتزىء بأقل من ثلاثة أحجار فإن استنجى بحجر له ثلاثة أحرف أجزأه لأن القصد عدد المسحات وقد وجد ذلك . + الشرح : حديث سلمان رواه مسلم في صحيحه ووقع في المهذب نهانا أن نجتزىء والذي في مسلم نستنجى بدل نجتزىء وفي رواية لمسلم قال : ولا يستنجى أحدكم بدون ثلاثة أحجار وقوله الخراءة هي بكسر الخاء وبالمد . قال الخطابي : هي أدب التخلي والقعود عند الحاجة وسلمان الراوي هو أبو عبد الله سلمان الفارسي الأصبهاني ، من فضلاء الصحابة وفقهائهم وزهادهم وعبادهم ومناقبه أكثر من أن نحصر وهو مولى النبي صلى الله عليه وسلم توفي بالمدائن سنة ست وثلاثين ، وقيل سبع وعمر عمرا طويلا جدا ، واتفقوا على أنه عاش مائتين وخمسين سنة ، واختلفوا في الزيادة عليها فقيل ثلثمائة وخمسين ، وقيل غير ذلك والله أعلم . وأما حكم المسألة : فمن اقتصر على الحجر لزمه أمران : أحدهما : أن يزيل العين حتى لا يبقى إلا أثر لاصق لا يزيله إلا الماء هكذا نص عليه الشافعي في الأم و مختصر المزني بهذا اللفظ ، وكذا قاله الأصحاب في كل الطرق إلا الصيمري وصاحبه صاحب الحاوي فقال : إذا بقى ما لا يزول بالحجر ويزول بصغار الخزف والخرق ففيه وجهان . أحدهما : وهو ظاهر مذهب الشافعي ، وقول أكثر الأصحاب تجب إزالته لأنها ممكنة بغير الماء . والثاني : وهو قول بعض المتقدمين لا يجب لأن الواجب الإزالة بالأحجار وقد أزال ما يزول بالأحجار ، ورجح الروياني هذا الثاني وهو الصواب ، لأن الشرع لم يكلفه غير الأحجار ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة المصرحة بإجزاء الأحجار . الثاني : أنه يلزمه ثلاث مسحات وإن حصل الإنقاء بمسحة واحدة ، نص عليه الشافعي في الأم ، واتفق عليه جماهير الأصحاب في كل الطرق . وحكى الحناطي بالحاء المهملة والنون وصاحب البيان والرافعي وجها أنه إذا حصل الإنقاء بحجر كفاه وهذا شاذ ضعيف ، والصواب وجوب ثلاث مسحات مطلقا ، ثم هو مخير بين المسح بثلاثة أحجار أو بحجر له ثلاثة أحرف ، هكذا نص عليه الشافعي في الأم وغيره ، واتفق عليه الأصحاب وفرقوا بينه وبين من رمى الجمار في الحج ، بحجر له ثلاثة أحرف فإنه لا يحسب له إلا حجر واحد لأن المقصود هناك عدد الرمي ، والمقصود هنا عدد المسحات . قال الشافعي والأصحاب : والمسح بثلاثة أحجار أفضل من أحرف حجر ، للحديث وليستنج بثلاثة أحجار . وقال المحاملي وغيره : ولو بال وتغوط فالمستحب أن يمسح بستة أحجار فإن مسحهما بحجر له ستة أحرف ست مسحات أجزأه لحصول المسحات . قال ابن الصباغ وغيره : وكذا الخرقة الغليظة التي إذا مسح بأحد وجهيها لا يصل البلل إلى الجانب الآخر يجوز أن يمسح بوجهيها ويحسب مسحتين . وحكى الدارمي في الإستذكار عن ابن جابر أنه لا يجزئه حجر له ثلاثة أحرف وأظنه أراد بابن جابر : إبراهيم بن جابر من أصحابنا ، وحينئذ يكون وجها شاذا في المذهب وهو رواية عن أحمد بن حنبل واختاره ابن المنذر للحديث . قال أصحابنا : وإذا حصل الإنقاء بثلاثة أحجار بلا زيادة ، فإن لم يحصل بثلاثة وجب رابع . فإن حصل به استحب خامس ولا يجب ، فإن لم يحصل وجب خامس . فإن حصل به فلا زيادة وإلا وجب سادس . فإن حصل به استحب سابع ولا يجب وإلا وجب ، وهكذا أبدا متى حصل بثلاثة فما فوقها لم تجب زيادة .

Section V02/P122–V02/P123

وأما الإستحباب فإن كان حصول الإنقاء بوتر لم يستحب الزيادة وإلا استحب الإيتار لقوله صلى الله عليه وسلم : من استجمر فليوتر رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة ، وحكى صاحب البيان وجها أن الإيتار بخامس واجب لعموم الأمر بالإيتار ، وهذا الوجه شاذ ، فإن الأمر بالإيتار بعد الثلاث للإستحباب والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في عدد الأحجار ، قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب ثلاث مسحات ، وإن حصل الإنقاء بدونها ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال مالك وداود : الواجب الإنقاء ، فإن حصل بحجر أجزأه ، وهو وجه لنا كما سبق ، وحكاه العبدري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وبه قال أبو حنيفة حيث أوجب الإستنجاء . واحتجوا بحديث أبي هريرة السابق من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج قالوا : ولأن المقصود الإنقاء لأنه لو استنجى بالماء لم يشترط عدد فكذا الحجر . واحتج أصحابنا بحديث سلمان ، وهو صريح في وجوب الثلاث ، وبحديث أبي هريرة : وليستنج بثلاثة أحجار وهما صحيحان ، سبق بيانهما ، وبحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن ، فإنها تجزىء عنه وهو صحيح سبق بيانه في مسألة وجوب الإستنجاء . وبحديث أبي هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بثلاثة أحجار وينهي عن الروث والرمة رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة ( الرمة ) بكسر الراء : العظم البالي وبحديث خزيمة سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإستطابة فقال : بثلاثة أحجار رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي ولم يضعفه أبو داود ولا غيره . وبحديث ابن مسعود أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط ، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار ، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد ، فأخذت روثة فأتيته بها ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال إنها ركس رواه البخاري هكذا ، ورواه أحمد والدارقطني والبيهقي ، في بعض رواياته زيادة فألقى الروثة وقال أئتني بحجر ، يعني ثالثا وفي بعضها ائتني بغيرها وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من استجمر فليوتر رواه مسلم ، وفي رواية لأحمد والبيهقي : وإذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا قال البيهقي : هذه الرواية تبين أن المراد بالإيتار في الرواية الأولى ما زاد على الواحد . واحتجوا من القياس بأشياء كثيرة ، منها قياس القاضيين أبي الطيب وحسين في تعليقيهما : عبادة تتعلق بالأحجار ، يستوي فيها الثيب والأبكار ، فكان للعدد فيها اعتبار ، قياسا على رمي الجمار . قال أبو الطيب : قولنا يستوي فيها الثيب والأبكار احتراز من الرجم ، ولا حاجة إلى الأقيسة مع هذه الأحاديث الصحيحة . قال الخطابي في حديث سلمان : أمرنا أن نستنجى بثلاثة أحجار . في هذا البيان الواضح أن الإقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز وإن حصل الإنقاء بدونها ، ولو كفى الإنقاء لم يكن لإشتراط العدد معنى ، فإنا نعلم أن الإنقاء قد يحصل بواحد ، وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى ، لأنه يزيل العين والأثر ، فدلالته قطعية ، فلم يحتج إلى الإستظهار بالعدد . وأما الحجر فلا يزيل الأثر ، وإنما يفيد الطهارة ظاهرا لا قطعا ، فاشترط فيه العدد كالعدة بالأقراء ، لما كانت دلالتها ظنا اشترط فيها العدد ، وإن كان قد تحصل براءة الرحم بقرء . ولهذا اكتفى بقرء في استبراء الأمة ولو كانت العدة بالولادة لم يشترط العدد ، لأن دلالتها قطعية . هذا مختصر كلام الخطابي .

Section V02/P123–V02/P124

فإن قيل : التقييد بثلاثة أحجار ، إنما كان لأن الإنقاء لا يحصل بدونها غالبا ، فخرج مخرج الغالب ، قلنا : لا يجوز حمل الحديث على هذا ، لأن الإنقاء شرط بالإتفاق ، فكيف يحل به ويذكر ما ليس بشرط مع كونه موهما للإشتراط . فإن قيل : فقد ترك ذكر الإنقاء ، قلنا ذلك من المعلوم الذي يستغني بظهوره عن ذكره بخلاف العدد ، فإنه لا يعرف إلا بتوقيف . فنص على ما يخفي وترك ما لا يخفي ولو حمل على ما قالوه لكان إخلالا بالشرطين معا ، وتعرضا لما لا فائدة فيه ، بل فيه إبهام . والجواب عن الحديث الذي احتجوا به أن الوتر الذي لا حرج في تركه هو الزائد على ثلاثة جمعا بين الأحاديث . والجواب عن الدليلين الآخرين سبق في كلام الخطابي والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لو مسح ذكره مرتين أو ثلاثا ثم خرجت منه قطرة ، وجب استئناف الثلاث .

Section V02/P124–V02/P125

قال المصنف رحمه الله تعالى : وفي كيفية الإستنجاء بالحجر وجهان . قال أبو علي بن أبي هريرة : يضع حجرا مقدم صفحته اليمنى ، ويمره إلى آخرها ، ثم يدير الحجر إلى الصفحة اليسرى ، فيمره عليها إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه ويأخذ الثاني فيمره على الصفحة اليسرى ، ويمره إلى آخرها ، ثم يديره إلى صفحته اليمنى فيمره عليها من أولها إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه ، ويأخذ الثالث فيمره على المسربة لقوله صلى الله عليه وسلم : يقبل بواحد ويدبر بآخر ويلحق بالثالث وقال أبو إسحاق : يمر حجرا على الصفحة اليمنى ، وحجرا على الصفحة اليسرى ، وحجرا على المسربة ، لقوله صلى الله عليه وسلم أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار ، حجران للصفحتين وحجر للمسربة والأول أصح لأنه يمر كل حجر على المواضع الثلاثة . + الشرح : أما الحديث الأول فضعيف منكر لا أصل له وينكر على المصنف قوله فيه : لقوله صلى الله عليه وسلم فعبر عنه بصيغة الجزم مع أنه حديث منكر . أما الثاني فحديث حسن ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإستطابة فقال أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار ، حجرين للصفحتين ، وحجر للمسربة رواه الدارقطني والبيهقي وقالا : إسناده حسن . وأما قول الرافعي : الحديثان ثابتان فغلط منه في الحديث الأول ووقع في الحديث حجرين وحجرا بالنصب . وفي المهذب حجران وحجر بالرفع ، وكلاهما صحيح ، فالأول على البدل من ثلاثة والثاني على الإبتداء . وقد جاء القرآن بالوجهين فالبدل في مواضع كثيرة كقوله تعالى : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى الأعلى : 18 وابتداء قوله تعالى : قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله آل عمران : 13 وقوله ويلحق هو بضم الياء وكسر اللام المشددة ، أي يديره كالحلقة ، والمسربة هنا مجرى الغائط وهي بضم الراء ، وقيل : يجوز فتحها ، وللمسربة معنى آخر في اللغة وهي الشعر المستدق من السرة إلى العانة ، وجاء ذكرها في الحديث وليست مرادة هنا . وأما حكم المسألة : ففي كيفية الإستنجاء ثلاثة أوجه : أحدها : يمر حجرا من مقدم الصفحة اليمنى ويديره عليها ثم على اليسرى حتى يصل الموضع الذي بدأ منه ، ثم بمر الحجر الثاني من أول الصفحة اليسرى إلى آخرها ، ثم على اليمنى حتى بصل موضع ابتدائه ، ثم يمر الثالث على المسربة ، وهذا قول ابن أبي هريرة . الثاني : أن يمسح بحجر الصفحة اليمنى وحدها ، ثم بحجر اليسرى وحدها ، وبالثالث المسربة . وهذا قول أبي إسحاق المروزي . والثالث : يضع حجرا على مقدم المسربة ويمره إلى آخرها ، ثم حجرا على مؤخرة المسربة ، ويمره إلى أولها ، ثم يحلق بالثالث ، حكاه البغوي وهو غريب . واتفق الأصحاب على أن الصحيح هو الوجه الأول ، لأنه يعم المحل بكل حجر . ونقل القاضي أبو الطيب وصاحبا الشامل و التتمة عن الأصحاب أنهم غلطوا أبا إسحاق المروزي في الوجه الثاني . ونقل القاضي حسين في تعليقه : أن الشافعي نص في الكبير على قول أبي إسحاق لكن الأصحاب تأولوه ، وعلى هذا الجواب عن الحديث الذي احتج به أن قوله صلى الله عليه وسلم حجرين للصفحتين معناه كل حجر للصفحتين . ثم اختلفوا في هذا الخلاف ، فالصحيح أنه خلاف في الأفضل وأن الجميع جائز .

Section V02/P125–V02/P126

وبهذا قطع العراقيون والبغوي وآخرون من الخراسانيين ، وحكاه الرافعي عن معظم الأصحاب وحكى الخراسانيون وجها أنه خلاف في الوجوب ، فصاحب الوجه الأول لا يجيز الكيفية الثانية وصاحب الثاني لا يجيز الأولى ، وهذا قول الشيخ أبي محمد الجويني وقال الغزالي في درسه : ينبغي أن يقال من قال بالأول لا يجيز الثاني ومن قال بالثاني لا يجيز الأول . قال المتولي : فإن احتاج إلى إستعمال حجر رابع وخامس فصفة استعماله كصفة الثالث لأنا أمرناه في الثالث بمسح الجميع لأن عين النجاسة زالت بالحجرين الأولين وليس في المحل إلا أثر فلا يخشى إنبساطه . فرع : قال أصحابنا الخراسانيون : ينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر بقرب النجاسة ، ولا يضعه على نفس النجاسة لأنه إذا وضعه عليها أبقى شيئا منها ونشرها وحينئذ يتعين الماء ، ثم إذا انتهى إلى النجاسة أدار الحجر قليلا قليلا حتى يرفع كل جزء من الحجر جزءا من النجاسة ، فلو أمر الحجر من غير إرادة ونقل النجاسة من موضع إلى موضع تعين الماء وإن أمر ولم ينقل فهل يحزئه فيه وجهان الصحيح يجزئه . هكذا ذكره إمام الحرمين والغزالي والرافعي وغيرهم ولم يشترط العراقيون شيئا من ذلك وهو الصحيح فإن اشتراط ذلك تضييق للرخصة غير ممكن إلا في نادر من الناس مع عسر شديد ، وليس لهذا الإشتراط أصل في السنة والله أعلم .

Section V02/P126–V02/P128

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز أن يستنجي بيمينه ، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهورة وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى فإن كان يستنجي بغير الماء أخذ ذكره بيساره ومسحه على ما يستنجي به من أرض أو حجر ، فإن كان الحجر صغيرا غمز عقبه عليه وأمسكه بين إبهامي رجليه ومسح ذكره عليه بيساره ، وإن كان يستنجى بالماء صب بيمينه ومسحه بيساره ، فإن خالف واستنجي بيمينه أجزأه لأن الإستنجاء يقع بما في اليد إلا باليد فلم تمنع صحته . + الشرح : حديث عائشة صحيح ، رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح ، وروى جماعة من الصحابة في النهي عن الإستنجاء باليمين فروى أبو قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أتى أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ، ولا يتمسح بيمينه رواه البخاري ومسلم . وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستنجي باليمين رواه مسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطيب بيمينه . وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهي عن الروث والرمة حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة ، وهذا لفظ أبي داود وقوله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا لكم بمنزلة الوالد فيه تفسيران ذكرهما صاحب الحاوي وآخرون ، أظهرهما ولم يذكر الخطابي وغيره أنه كلام بسط وتأنيس للمخاطبين ، لئلا يستحيوا عن مسألته فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم ، لاسيما ما يتعلق بالعورات ونحوها ، فقال : أنا كالوالد فلا تستحيوا مني في شيء من ذلك كما لا تستحيون من الوالد . والثاني : معناه يلزمني تأديبكم وتعليمكم أمر دينكم ، كما يلزم الوالد ذلك ويجوز أن يكون المراد كالوالد في الأمرين جميعا . وفي ثالث أيضا وهو الحرص على مصلحتكم والشفقة عليكم والله أعلم . وأما حكم المسألة : فقال الأصحاب : يكره الإستنجاء باليمين كراهة تنزيه ولا يحرم ، هكذا صرح به الجمهور ، قال الشيخ أبو حامد في تعليقه : يستحب أن يستنجى بيساره ، وهو منهي عن الإستنجاء بيمينه نهي تنزيه لا تحريم . وقال إمام الحرمين : الإستنجاء باليمين مكروه غير محرم ، قال : وحرمه أهل الظاهر وقال ابن الصباغ وآخرون : الإستنجاء باليسار أدب ، وليس اليمين معصية ، وقال القاضي أبو الطيب وآخرون : يستحب أن يستنجي بيساره ، وقال المحاملي والفوراني والغزالي في البسيط ، والبغوي والروياني وصاحب العدة وآخرون : يكره باليمين وقال أبو محمد الجويني في الفروق والبغوي في شرح السنة : النهي عن اليمين نهي تأديب ، وعبارات الجمهور ممن لم أذكرهم نحو هذه العبارات . وقال الخطابي : النهي عن الإستنجاء باليمين عند أكثر العلماء نهي تأديب وتنزيه ، وقال بعض أهل الظاهر : لا يجزئه . وأما قول المصنف لا يجوز الإستنجاء باليمين ، فكذا قاله سليم الرازي في الكفاية والمتولي والشيخ نصر في كتبه التهذيب و الإنتخاب و الكافي ، وكذا رأيته في موضع من تعليق أبي حامد ، وظاهر هذه العبارة تحريم الإستنجاء باليمين ، ولكن الذي عليه جمهور الأصحاب أنه مكروه كراهة تنزيه كما ذكرنا ، ويؤيده قول الشافعي في مختصر المزني : النهي عن اليمين أدب ، ويمكن أن يحمل كلام المصنف وموافقيه على أن قولهم : لا يجوز ، معناه ليس مباحا مستوي الطرفين في الفعل والترك بل هو مكروه راجح الترك ، وهذا أحد المذهبين المشهورين في أصول الفقه وقد استعمل المصنف لا يجوز في مواضع ليست محرمة وهي تتخرج على هذا الجواب .

Section V02/P128–V02/P129

فإن قيل : هذا غير معتاد في كتب المذهب ، قلنا هو موجود فيها وإن كان قليلا ، ولا يمتنع استعماله على اصطلاح الأصول ، وقد حكى أن المصنف ضرب في نسخة أصله بالمهذب على لفظة : يجوز أن ، وبقي وقوله لا يستنجي باليمين ، وهذا يصحح ما قلناه والله أعلم . قال أصحابنا : ويستحب أن لا يستعين بيمينه في شيء من أمور الإستنجاء إلا لعذر ، وقول المصنف : إن كان الحجر صغيرا غمز عقبه عليه أو أمسكه بين إبهامي رجليه ، كذا قاله أصحابنا ، لئلا يستنجي بيمينه ولا يمس ذكره بيمينه ، فإن لم يمكنه ذلك واحتاج إلى الإستعانة باليمين فالصحيح الذي قاله الجمهور أنه يأخذ الحجر بيمينه ، والذكر بيساره ، ويحرك اليسار دون اليمين ، فإن حرك اليمين أو حركهما كان مستنجيا باليمين مرتكبا لكراهة التنزيه . ومن أصحابنا من قال : يأخذ الذكر بيمينه والحجر بيساره ويحرك اليسار ، لئلا يستنجي باليمين ، حكاه صاحب الحاوي وغيره وهو غلط ، فإنه منهي عن مس الذكر بيمينه . وذكر الرافعي وجها أنه لا طريق إلى الإحتراز من هذه الكراهة إلا بالإمساك بين العقبين أو الإبهامين ، وكيف استعمل اليمين بإمساك الحجر أو غيره فمكروه ، وهذا الوجه غلط أيضا ، قال أصحابنا : فلو كان بيده اليسرى مانع كقطع وغيره فلا كراهة في اليمين للضرورة والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بالفصل إحداها : السنة أن يستنجي قبل الوضوء ليخرج من الخلاف وليأمن انتقاض طهره قال أصحابنا : ويستحب أن يبدأ في الإستنجاء بالماء بقبله . الثانية : إذا أراد الرجل الإستنجاء من البول مسح ذكره على ثلاثة مواضع من الحجر طاهرة فلو مسحه ثلاثا على موضع واحد لم يجزئه وتعين الماء . قال القاضي حسين : ولو وضع رأس الذكر على جدار ومسحه من أسفل إلى أعلى لم يجزئه ، وإن مسحه من أعلى إلى أسفل أجزأه وفي هذا التفصيل نظر . الثالثة : إذا أراد الإستنجاء في الدبر بالماء استحب أن يعتمد على أصبعه الوسطى لأنه أمكن ، ذكره الماوردي وغيره ويستعمل من الماء ما يظن زوال النجاسة به فإن فعل ذلك ثم شم من يده رائحة النجاسة فوجهان حكاهما الماوردي وغيره أحدهما : يدل ذلك على بقاء النجاسة فتجب إزالتها بزيادة الغسل وعلى هذا يستحب شم الأصبع ، قال الماوردي : وهذا مستعبد وإن كان مقولا والثاني : لا يدل على بقاء النجاسة في محل الإستنجاء ويدل على بقائها في الأصبع ، فعلى هذا لا يستحب شم الأصبع . وهذان الوجهان مأخوذان من القولين فيما إذا غسلت النجاسة وبقيت رائحتها هل يحكم بطهارة المحل وقد ذكرهما المصنف في باب إزالة النجاسة وهناك نشرحهما ونبسط الكلام فيه إن شاء الله تعالى . قال الغزالي في الإحياء : يدلك دبره مع الماء حتى لا يبقى أثر تدركه الكف بالمس قال : ولا يستقصى فيه بالتعرض للباطن فإن ذلك منبع الوسواس قال : وليعلم أن كل ما لا يصل الماء إليه فهو باطن ولا يثبت للفضلات الباطنة حكم النجاسة حتى تبرز وما ظهر ثبت له حكم النجاسة وحد ظهوره أن يصله الماء ، وقوله : لا يثبت للفضلات الباطنة حكم النجاسة ، يحتمل أنه أراد في وجوب إزالتها ، ويحتمل أنها لا يحكم بكونها نجاسة مطلقا ، وفي المسألة خلاف سبق مبسوطا في أول باب ما ينقض الوضوء . الرابعة : قال أصحابنا : الرجل والمرأة والخنثى المشكل في إستنجاء الدبر سواء ، وأما القبل فأمر الرجل فيه ظاهر ، وأما المرأة فنص الشافعي رحمه الله على أن البكر والثيب سواء ، فيجوز اقتصارهما على الحجر ، وبهذا قطع جماهير الأصحاب في الطريقتين وقطع الماوردي بأن الثيب لا يجزئها الحجر ، حكاه المتولي والشاشي وصاحب البيان وجها وهو شاذ والصواب الأول .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 19 · Qur'an & Sunnah