Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
وقال إمام الحرمين : الذي أراه أن هذا جائز قال : وكذا المقضية التي على التراخي يجوز قطعها بغير عذر لأن الوقت موسع قبل الشروع فيها ، فكذا بعد الشروع كما لو أصبح المسافر صائما ثم أراد الفطر فإنه يجوز ، قال : والذي أراه أن من شرع في صلاة الجنازة فله قطعها إذا كانت لا تتعطل بقطعه قال : ومصداق ما ذكرته نص الشافعي رحمه الله : أن من تحرم بالصلاة منفردا ثم وجد جماعة فله الخروج منها ليدرك الجماعة قال : وهذه فصول رأيتها فأبديتها وعندي أن الأصحاب لا يسمحون بها ولا يجوزون للشارع في فائتة الخروج منها بغير عذر وإن كان القضاء على التراخي ، ولكن القياس ما ذكرته ، هذا كلام إمام الحرمين وجزم الغزالي في الوسيط بجواز قطع الفريضة في أول وقتها ، ولم يذكر فيها خلافا ، ولأن الأصحاب لا يسمحون به كما ذكره إمام الحرمين ، فأوهم الغزالي بعبارته أن هذا مذهب الشافعي والأصحاب ، وليس كذلك وإنما هو احتمال لإمام الحرمين كما ذكرته ، ولم يتابع الغزالي في البسيط الإمام بل حكى كلام الإمام ثم قال : وليس في الأصحاب من يسمح بذلك في القضاء وصلاة الوقت وإن كان في أول الوقت وهذا الذي ذكره في البسيط هو الصواب وليته قال في الوسيط مثله . واعلم أن الصواب أنه لا يجوز قطع المكتوبة من غير عذر وإن كان الوقت واسعا ولا المقضية . هذا نص الشافعي رحمه الله وهو متفق عليه عند الأصحاب ، قال الشافعي رحمه الله في الأم في أول باب تفريق الصوم والصلاة وهو آخر أبواب الصلاة : ( من دخل في صوم واجب عليه من شهر رمضان أو قضاء ، أو صوم نذر أو كفارة من وجه من الوجوه أو صلى مكتوبة في وقتها أو قضاها أو صلاة نذر لم يكن له أن يخرج من صوم أو صلاة ما كان مطيقا للصوم والصلاة على طهارة ، فإن خرج من واحد منهما بلا عذر عامدا كان مفسدا آثما عندنا ) هذا نصه في الأم بحروفه ومن الأم نقلته . وكذا نقله عن نصه في الأم جماعات . وأما اتفاق الأصحاب على تحريم قطعها بلا عذر ، فقد اعترف به إمام الحرمين كما سبق ونقله الغزالي في البسيط كما قدمته وقال صاحب التتمة في باب التيمم وباب صلاة الجماعة : من شرع في الصلاة منفردا ثم أراد قطعها لا يجوز له ذلك بلا خلاف يعني بلا عذر ، وكذا قاله جماعات غيره ومنهم المصنف هنا في المهذب . فقد صرح بذلك في قوله : لأن ما لا يبطل الصلاة لا يبيح الخروج منها ، وكذا صرح به الباقون وهو أشهر من أن أطنب في نقل كلامهم فيه وقد نقله من المتأخرين عن المذهب وعن الأصحاب الرافعي وأبو عمرو بن الصلاح وأنكرا على إمام الحرمين والغزالي إنفرادهما عن الأصحاب بتجويز قطعها . ودليل تحريم القطع قوله الله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم وهو على عمومه إلا ما خرج بدليل . وأما مسألتا الصوم والصلاة اللتان احتج بهما إمام الحرمين فالجواب عنهما أن العذر فيهما موجود والله أعلم . وقال الرافعي في أول باب صوم التطوع : لو شرع في صوم قضاء رمضان فإن كان القضاء على الفور لم يجز الخروج منه ، وإن كان على التراخي فوجهان ، أحدهما : يجوز ، قاله القفال وقطع به الغزالي والبغوي وطائفة وأصحهما : لا يجوز وهو المنصوص في الأم وبه قطع الروياني في الحلية وهو مقتضى كلام الأكثرين ، لأنه تلبس بالفرض ، ولا عذر قطعه فلزمه إتمامه ، كما لو شرع في الصلاة في أول الوقت قال : وأما صوم الكفارة فما لزم بسبب محرم فهو كالقضاء الذي على الفور وما لزم بسبب غير محرم كقتل الخطأ فكالقضاء الذي على التراخي ، وكذا النذر المطلق .
قال : وهذا كله مبني على المذهب وهو إنقسام القضاء إلى واجب على الفور وهو ما عصى بتأخيره وإلى واجب على التراخي وهو ما لم يعص بتأخيره ، ولنا وجه أن القضاء على التراخي مطلقا . هذا آخر كلام الرافعي . فرع : قال أصحابنا : قال الشافعي في الأم : لو تيمم ودخل في مكتوبة ثم رعف انصرف . فإن لم يجد من الماء إلا ما يغسل به الدم غسله واستأنف التيمم والصلاة لأنه لما لزمه طلب الماء بطل تيممه ، قالوا : وإن وجد الماء لزمه الوضوء واستئناف الصلاة بلا خلاف ، ولا يجىء فيه القول القديم فيمن سبقه الحدث أو رعف أنه يبني لأنه لا تجوز صلاة واحدة بتيمم ووضوء كما لا تجوز عدة واحدة بأقراء وأشهر ، ولا كفارة بعضها عتق وبعضها صوم والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء فيمن وجد الماء أثناء صلاة السفر . قد سبق أن مذهبنا المشهور أنه لا تبطل صلاته بل يتمها ولا إعادة عليه وبه قال مالك وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وداود وهو رواية عن أحمد وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة والمزني : تبطل وهو أصح الروايتين عن أحمد ونقله البغوي عن أكثر العلماء . قال أبو حنيفة : ألا أن يكون صلاة العيدين أو الجنازة أو كان الذي رآه سؤر حمار ، فلا تبطل . قال القاضي أبو الطيب والماوردي : قال ابن سريج : الذي أختاره هنا قول المزني ، واحتج من قال : يبطل بقوله تعالى : فلم تجدوا ماء وبقوله صلى الله عليه وسلم : فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك ولأن ما أبطل الطهارة خارج الصلاة أبطلها فيها كالحدث ، ولأنها طهارة ضرورة فبطلت بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة ، ولأن ما منع ابتداء الصلاة منع استدامتها كالحدث ، ولأنه مسح أقيم مقام غيره فبطل بظهور أصله في الصلاة وغيرها ، كماسح الخف إذا ظهرت رجله ، ولأنها صلاة جاز ترك الأصل فيها للعذر ، فإذا زال العذر فيها بالقدرة على الأصل وجب الرجوع إلى الأصل ، كالمريض إذا صلى قاعدا فبرأ في الصلاة والأمي إذا تعلم الفاتحة في أثناء الصلاة ، والعريان إذا وجد السترة ، ولأن الصبية إذا شرعت في العدة بالأشهر فحاضت في أثنائها انتقلت إلى الأقراء ، فكذا هنا . واحتج أصحابنا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم : لا تنصرف حتى تسمع صوتا أو تجد ريحا وهو حديث صحيح كما سبق ، وهذا الحديث وإن ورد على سبب فالتمسك بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على المختار عند أصحابنا وغيرهم من أهل الأصول ، ولأن رؤية الماء ليس حدثا لكن وجوده مانع من ابتداء التيمم ، وذكر أصحابنا أدلة كثيرة لا يظهر الاستدلال بأكثرها فحذفتها . وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية الكريمة والحديث فهو أنهما محمولان على واجد الماء قبل الدخول في الصلاة . والجواب عن القياس على الحدث أنه مناف للصلاة بكل حال بخلاف التيمم وعن المستحاضة بأن حدثها متجدد . ولأنها مستصحبة للنجاسة والمتيمم بخلافها ، وعن القياس الآخر على الحدث أنه مناف بكل حال ، ولأنه يحتمل في الدوام ما لا يحتمل في الابتداء ، كطرءآن العدة بالشبهة والإحرام على النكاح وعن الخف أنه ينسب إلى تفريط لعدم تعهده وإصلاحه أو لمضايقته المدة ، فنظير الماسح من نسي الماء في رحله وصلى بالتيمم فيعيد على الصحيح لتقصيره وعن القياس على المريض والأمي والعريان أن هذه أحوال تغير صفة الصلاة ولا تبطلها . وعن المعتدة أنها رأت الأصل قبل الفراغ من البدل ، والمتيمم رأى الماء بعد الفراغ من البدل وهو التيمم فليس نظيرها ، وإنما نظير المتيمم من العدة أن تحيض بعد أن تنقضي الأشهر وتتزوج ، وحينئذ لا أثر للحيض وعدتها صحيحة ، ونظير العدة من التيمم أن ترى الماء في أثناء التيمم والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن تيمم للمرض وصلى ثم برأ لم يلزمه الإعادة ، لأن المرض من الأعذار العامة فهو كعدم الماء في السفر . + الشرح : إذا تيمم للمرض حيث جوزناه وصلى ثم برأ لا يلزمه الإعادة بلا خلاف سواء كان في سفر أو حضر لأنه عذر عام ، فلو وجبت الإعادة حصل الرحج وقد قال الله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج : 78 ويقال برأ وبرىء وبرؤ ، ثلاث لغات سبق بيانهن قريبا والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن تيمم لشدة الرد وصلى ثم زال البرد ، فإن كان في الحضر لزمه الإعادة لأن ذلك من الأعذار النادرة ، وإن كان في السفر ففيه قولان أحدهما : لا يجب لأن عمرو بن العاص رضي الله عنه تيمم وصلى لشدة البرد ، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمره بالإعادة . والثاني : يجب لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك ، ولا يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل فهو كعدم الماء في الحضر . + الشرح : حديث عمرو وحاله تقدم بيانه في فصل تيمم المريض ، وقوله : عذر نادر ، احتراز من المرض وعدم الماء في السفر ، وقوله : غير متصل ، احتراز من الاستحاضة . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : إذا وجد الحدث أو الجنب الماء وخاف من استعماله لشدة البرد ، لا لمرض ونحوه وخوفا ، يجوز للمريض التيمم ، فإن قدر على أن يغسل عضوا فعضوا ويدثره ، أو قدر على تسخين الماء بأجرة مثلة أو على ماء مسخن بثمن مثله لزمه ذلك ولم يجز له التيمم لا في الحضر ولا في السفر ، لأنه واجد للماء قادر على استعماله ، فإن خالف وتيمم لم يصح تيممه ويلزمه إعادة ما صلى به ، وإن لم يقدر على شيء من ذلك وقدر على غسل بعض الأعضاء الظاهرة من غير ضرر لزمه ذلك ثم يتيمم للباقي ، وإن لم يقدر على شيء من ذلك تيمم وصلى لحديث عمرو بن العاص فإنه تيمم للبرد واستدل بالآية وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك كله ، وهل تجب إعادة هذه الصلاة قال أصحابنا : إن كان التيمم في السفر ففيه قولان مشهوران ، نص عليهما في البويطي ، رجح الشافعي رحمه الله منهما وجوب الإعادة ، وكذا رجحه جمهور الأصحاب ، وصحح المتولي والروياني في الحلية أنه لا إعادة لحديث عمرو . وأجاب الجمهور عن حديث عمرو بأن الإعادة على التراخي وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح ، ويحتمل أنه كان يعلم وجوب الإعادة أو أنه كان قد قضى ، وإن كان في الحضر فطريقان قطع الجمهور في كل الطرق بوجوب الإعادة لندوره . وحكى الدارمي في الإستذكار وغيره من الأصحاب عن أبي الحسين بن القطان من أصحابنا أنه قال : إن قلنا : يعيد المسافر فالحاضر أولى ، وإلا فقولان ، ونقل العبدري في الكفارة عن أبي حاتم القزويني أنه قال : فيهما ثلاثة أقوال أحدها : يعيد الحاضر والمسافر والثاني : لا يعيدان ، والثالث : يعيد الحاضر دون المسافر . والصحيح وجوب الإعادة عليهما ، هذا تفصيل مذهبنا . وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن الحسن البصري وعطاء أنه لا يجوز له التيمم ، بل يستعمل الماء وإن مات . وحكوا عن مالك وأبي حنيفة والثوري أنه يتيمم ويصلي ولا يعيد ، لا المسافر ولا الحاضر ، واختاره ابن المنذر . وقال أحمد : لا يعيد المسافر ، وفي المحاضر روايتان ، ودليل الجميع يعرف مما سبق ولو كان معه ثوب نجس فخاف الهلاك من شدة حر أو برد لو نزعه صلى فيه وأعاد ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب طهارة البدن والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن صلى بغير طهارة لعدم الماء والتراب لزمه الإعادة لأن ذلك عذر نادر غير متصل ، فصار كما لو نسي الطهارة وصلى مع القدرة على الطهارة . + الشرح : قد سبق بيان حكم من لم يجد ماء ولا ترابا ، وأن فيه أربعة أقوال أصحها تجب الصلاة في الحال وتجب الإعادة ، وبسطنا أدلته وفروعه . وقوله : عذر نادر غير متصل ، سبق الاحتراز منها قريبا ، وقاسه على ما لو نسي الطهارة لأنه مجمع عليه والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا كان على بعض أعضائه كسر يحتاج إلى وضع الجبائر وضع الجبائر على طهر ، فإن وضعها على طهر ثم أحدث وخاف من نزعها أو وضعها على غير طهر وخاف من نزعها مسح على الجبائر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه أن يمسح على الجبائر ، ولأنه تلحقه المشقة في نزعها فجاز المسح عليها كالخف ، وهل يلزمه مسح الجميع أم لا فيه وجهان أحدهما : يلزمه مسح الجميع ، لأنه ( مسح ) أجيز للضرورة فوجب فيه الاستيعاب كالمسح في التيمم . والثاني : يجزيه ما يقع عليه الإسم لأنه مسح على حائل منفصل فهو كمسح الخف . وهل يجب التيمم مع المسح ( فيه قولان ) قال في القديم : لا يتيمم ، كما لا يتيمم مع المسح على الخف . وقال في الأم : يتيمم ، لحديث جابر رضي الله عنه أن رجلا أصابه حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيه إن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة يمسح عليها ويغسل سائر جسده ولأنه يشبه الجريح لأنه يترك غسل العضو لخوف الضرر ، ويشبه لابس الخف لأنه لا يخاف الضرر من غسل العضو ، وإنما يخاف المشقة من نزع الحائل كلابس الخف ، فلما أشبههما وجب عليه الجمع بين المسح والتيمم ، فإن برأ وقدر على الغسل فإن كان قد وضع الجبائر على غير طهر لزمه إعادة الصلاة ، وإن كان وضعها على طهر ففيه قولان أحدهما : لا يلزم الإعادة ، كما لا يلزم ماسح الخف والثاني : يلزمه لأنه ترك غسل العضو لعذر نادر غير متصل فصار كما لو ترك غسل العضو ناسيا . + الشرح : قال الأزهري وأصحابنا : الجبائر هي الخشب التي تسوى فتوضع على موضع الكسر وتشد عليه حتى ينجبر على استوائها ، واحدتها جبارة بكسر الجيم ، وجبيرة بفتحها . قال صاحب الحاوي : الجبيرة ما كان على كسر ، واللصوق بفتح اللام ما كان على قرح ، وقد أنكر جماعة ممن صنف في ألفاظ المهذب على المصنف . قوله : وإن كان على عضوه كسر . وقالوا : هذا غلط وإنما يقال عضو مكسور ولا يقال عليه كسر ، وهذا الإنكار باطل ، بل يقال عضو مكسور وفيه كسر وعليه كسر ، كله بمعنى واحد . وأما حديث جابر فرواه أبو داود والبيهقي وضعفه البيهقي ، وأما حديث علي رضي الله عنه فضعيف رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما واتفقوا على ضعفه لأنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي واتفق الحفاظ على ضعفه ، قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وآخرون : هو كذاب ، قال البيهقي : هو معروف بوضع الحديث ، ونسبه إلى الوضع وكيع ، قال البيهقي : ولا يثبت في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء قال : وأقرب شيء فيه حديث جابر الذي سبق وليس بالقوي قال : وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم مع ما رويناه عن ابن عمر . فذكر بإسناده أن ابن عمر رضي الله عنهما توضأ وكفه معصوبة فمسح عليها وعلى العصابة وغسل ما سوى ذلك . قال : وهذا عن ابن عمر صحيح ثم روى البيهقي جواز المسح على الجبائر وعصائب الجراحات بأسانيده عن أئمة التابعين . وينكر على المصنف قوله : لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا فأتي بصيغة الجزم في حديث متفق على ضعفه وتوهينه ، وقد سبق التنبيه على هذه العبارة ، والقاعدة في الفصول المذكورة في مقدمة الكتاب . وقوله : لأنه مسح أجيز للضرورة ، احتراز من مسح الخف فإنه تخفيف ورخصة ، وقوله مسح على حائل منفصل فيه احتراز من مسح اللحية في التيمم .
أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : إذا احتاج إلى وضع الجبيرة وضمها ، فإن كان لا يخاف ضررا من نزعها وجب نزعها وغسل ما تحتها إن لم يخف ضررا من غسله قال العبدري : وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وداود : لا يلزمه نزعها وإن لم يخف ضررا ، قال أصحابنا : وإن خاف الضرر من نزعها لم يجب نزعها ، والخوف المعتبر ما سبق في المرض المجوز للتيمم على التفصيل السابق اتفاقا واختلافا ، هكذا قاله الأصحاب ، قال أصحابنا : ولا يجوز أن يضع الجبيرة على شيء من الصحيح إلا القدر الذي لا يتمكن من ستر الكسر إلا به ، قالوا : ويجب أن يضعها على طهر . وحكى إمام الحرمين وجها عن والده أنه لا يجب وضعها على طهر إذا لم نوجب الإعادة على من وضعها على غير طهر ، وهذا شاذ ، والصحيح المشهور أنه يجب وضعها على طهر مطلقا ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والروياني في الحلية وآخرون ، وهو مراد المصنف بقوله : وضع الجبائر على طهر أي يجب عليه الطهارة لوضع الجبيرة على عضوه ، وهو مراد الشافعي رحمه الله بقوله في المختصر : ( ولا يضعها إلا على وضوء ) فإن خالف ووضعها على غير طهر ، فإن لم يخف ضررا من نزعها وجب نزعها ثم يلبسها على طهارة ، وإن خاف لم يلزمه نزعها بل يصح مسحه ويكون آثما ، هكذا صرح به المحاملي والأصحاب ، وإذا أراد لابس الجبيرة الطهارة فليفعل ثلاثة أمور غسل الصحيح من باقي أعضائه والمسح على الجبيرة والتيمم ، أما غسل الصحيح ، فيجب غسل الأعضاء الصحيحة ، وكل ما يقدر عليه من أطراف الجبيرة على التفصيل المتقدم في فصل الجريح ، هذا هو الصواب المقطوع به في معظم طرق الأصحاب وحكى بعض الخراسانيين والرافعي طريقا آخر أن في غسل الصحيح القولين فيمن وجد بعض ما يكفيه من الماء ، وقد سبق مثل هذا الطريق في الجريح وعلى هذا الطريق يتعين التيمم ، والمذهب القطع بوجوب غسل الصحيح ، لأن كسر العضو لا يزيد على فقده ، ولو فقده وجب غسل الباقي قطعا . وأما مسح الجبيرة بالماء فواجب بإتفاق الأصحاب في كل الطرق ، وممن نقل اتفاقهم عليه إمام الحرمين وإلا قولا حكاه الرافعي عن حكاية الحناطي أنه يكفيه التيمم ولا يمسح الجبيرة بالماء ، ونقله صاحب العدة أيضا ، واختاره القاضي أبو الطيب والمذهب الأول ، وهل يجب استيعاب الجبيرة بالمسح كالوجه في التيمم أم يكفي مسح ما ينطلق عليه الاسم كالرأس والخف فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ، أصحهما عند الأصحاب يجب الاستيعاب صححه الشيخ أبو محمد في الفروق ، والبغوي والروياني في الحلية ، والرافعي وغيرهم ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد . وأما التيمم مع غسل الصحيح ومسح الجبيرة بالماء ، ففيه طريقان ، أصحهما وأشهرهما والتي قطع الجمهور بها أن فيه قولين أصحهما عند الجمهور وجوبه وهو نصه في الأم و البويطي و الكبير . والثاني : لا يجب وهو نصه في القديم ، وظاهر نصه في المختصر وصححه الشيخ أبو حامد والجرجاني والروياني في الحلية ، قال العبدري : وبهذا قال أحمد وسائر الفقهاء ، والطريق الثاني حكاه الخراسانيون وصححه المتولي منهم أنه إن كان ما تحت الجبيرة عليلا لا يمكن غسله لو كان ظاهرا وجب التيمم كالجريح وإن أمكن غسله لو ظهر لم يجب التيمم كلابس الخف ، وقد ذكر المصنف دليل القولين والمذهب الوجوب ، فإذا أوجبنا التيمم فلو كانت الجبيرة على موضع التيمم ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد وولده إمام الحرمين والغزالي وآخرون . أحدهما : يجب مسحها بالتراب كما يجب مسحها بالماء .
وأصحهما عند الأصحاب وبه قطع الماوردي والبغوي وآخرون : لا يجب مسحها بالتراب بل يمسح ما سواها لأن التراب ضعيف ، فلا يؤثر فوق حائل بخلاف المسح بالماء ، فإن تأثيره فوق الحائل معهود في الخف ، فعلى هذا يستحب قاله الدارمي وغيره لأن فيه خروجا من الخلاف . وأما وقت مسح الجبيرة بالماء فإن كان جنبا مسح متى شاء إذ لا ترتيب عليه . وإن كان محدثا مسح إذا وصل غسل عضوها ، وأما وقت التيمم فعلى ما سبق في تيمم الجريح سواء اتفاقا واختلافا وتفريعا ومختصره أنه إن كان جنبا فوجهان . أحدهما : يجب تقديم الغسل ثم يتيمم ، والصحيح : المشهور إن شاء قدم التيمم على الغسل وإن شاء أخره وإن شاء وسطه ، وإن كان محدثا فثلاثة أوجه مشهورة أحدها : يجب تقديم غسل جميع المقدور عليه . والثاني : يتخير كالجنب ، والثالث : وهو الصحيح عند جمهور الأصحاب لا ينتقل من عضو حتى يكمل طهارته ، هكذا صححه الأصحاب في طرقهم . ونقل الرافعي تصحيحه عنهم فعلى هذا يجيء التفصيل السابق في تيمم الجريح بين أن يكون عليه جبيرة في الوجه أو اليد أو الرجل أو جبيرتان أو جبائر . والحكم ما سبق هناك ، فعلى الثالث يتعدد التيمم بحسب الجبائر ، كما سبق هناك ، وعلى الوجهين الأولين يكفي تيمم واحد عن الجبائر كلها ، وهل يجب على صاحب الجبيرة إعادة الوضوء لكل فريضة وإن لم يحدث كما يجب إعادة التيمم أم يكفي غسل ما بعد الجبيرة أم لا يجب غسل شيء ما لم يحدث فيه ثلاثة أوجه كما سبق في الجريح والصحيح أنه لا يجب غسل شيء ، ونقل الاتفاق عليه هنا إمام الحرمين وآخرون ، وصرح به الماوردي والغزالي وغيرهما . وممن ذكر الخلاف فيه القاضي حسين والبغوي ، وقطع الشيخ أبو حامد بوجوب إعادة الوضوء كالمستحاضة ، والمذهب أنه لا يجب ، ويفارق المستحاضة فإن حدثها متجدد ، وحكم إعادة مسح الجبيرة حكم إعادة الغسل . وقطع الغزالي بأنه لا يجب ، وهو المذهب ، وإذا شفي صاحب الجبيرة لزمه غسل موضعها ، وحكم وجوب استئناف الوضوء أو الغسل إن كان جنبا وعدم وجوبه على ما سبق في الجريح . والله أعلم . هذا كله إذا كان الكسر محوجا إلى الجبيرة فوضعها أما إذا لم يحتج إلى وضعها لكن خاف من إيصال الماء إلى العضو فحكمه حكم الجريح ، فيجب غسل الصحيح بقدر الإمكان على التفصيل السابق هناك ويجب التيمم مع غسل الصحيح ولا يجب مسح موضع الكسر بالماء ، وإن لم يخف منه ضررا لأن المسح بالماء لا تأثير له من غير حائل كما قدمناه في الجريح بخلاف الجبيرة فإنه مسح على حائل كالخف ، كذا قطع به الأصحاب في الطرق ونقله الرافعي عن الأئمة ، ثم قال : وللشافعي سياق يقتضي وجوب المسح ووجوب التيمم في هذه الصورة متفق عليه ، بلا خلاف ، لئلا يبقى موضع الكسر بلا طهارة ، فإذا تيمم وكان الكسر في محل التيمم وجب مسحه بالتراب ، كما سبق في الجريح ، لأنه لا ضرر فيه ولا حائل دونه والله أعلم . وأما إعادة الصلاة التي يفعلها الكسير ، فإن لم يكن عليه ساتر من جبيرة أو لصوق فلا إعادة بالإتفاق لأن التيمم إذا تجرد للمرض والجراحة ونحوهما لا يجب معه إعادة فمع غسل بعض الأعضاء أولى أن لا يجب وإن كان عليه ساتر من جبيرة أو لصوق أو نحوهما فإن كان وضعه على طهر ففي وجوب الإعادة قولان ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح منهما عند جمهور الأصحاب لا يجب الإعادة وقطع به جماعات وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وانفرد البغوي بترجيح الوجوب .
وإن كان وضعه على غير طهر فطريقان ، أصحهما القطع بوجوب الإعادة لندوره وتقصيره ، وبهذا الطريق قطع المصنف والجمهور في الطرق كلها وصححه الباقون ، والثاني : أن في الإعادة قولين حكاه القاضي أبو الطيب والنبدنيجي والدارمي وصاحب الشامل والمتولي والروياني وآخرون من العراقيين والخراسانيين . قال المتولي : في المسئلة ثلاثة أقوال ، أصحها : إن وضع على طهر لم تجب الإعادة ، وإن وضع على غير طهر وجبت ، والثاني : يجب مطلقا ، والثالث : لا يجب مطلقا . وقال القاضي حسين وإمام الحرمين : إن وضع على طهر لم يعد في القديم وفي الجديد قولان ، وإن وضع على غير طهر أعاد في الجديد و القديم قولان ، ثم المشهور أنه لا فرق في الإعادة بين أن نوجب التيمم ويفعله أو لا نوجبه ، وقال أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا : الخلاف إذا لم نوجب التيمم أما إذا أوجبناه فتيمم فلا يعيد قولا واحدا والمذهب الأول ، وبه قطع الجمهور ، ثم الجمهور أطلقوا الخلاف في الإعادة . قال القاضي أبو الطيب وأصحاب الشامل و التتمة و البحر والرافعي : هذا الخلاف إذا كانت الجبيرة أو اللصوق على غير محل التيمم ، فإن كان عليه وقلنا : لا يجب التيمم فكذلك وإن قلنا : يجب وجبت الإعادة قولا واحدا لنقصان البدل والمبدل ولم أر للجمهور تصريحا بمخالفة هذه الجماعة ولا بموافقتها لكن إطلاقهم يقتضي أن لا فرق . هذا تفصيل مذهبنا ، وحكى ابن المنذر عن جمهور العلماء أنه لا إعادة عليه ، وحكى العبدري عن أحمد بن حنبل وسائر الفقهاء أنه لا يجب التيمم على صاحب الجبيرة والله أعلم . فرع : قطع الشيخ أبو حامد والمارودي والدارمي وابن الصباغ وسائر العراقيين وصاحب التتمة وغيره من الخراسانيين بأن المسح على الجبيرة غير مؤقت بل يمسح من غير نزع وإن تطاولت الأزمان إلى أن يبرأ ، وذكر الفوراني وإمام الحرمين والغزالي وآخرون من الخراسانيين وجها أنه مؤقت كالخف كذا أطلقوه . قال الرافعي : فعلى هذا الوجه يختلف بالحضر والسفر ، فينزع المقيم الجبيرة بعد يوم وليلة ، والمسافر بعد ثلاث ، وأنكره عليه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وقال : الصواب أنه يختص بيوم وليلة حضرا وسفرا . والأظهر ما ذكره الرافعي وهو مقتضي إطلاق من حكى هذا الوجه ، وهذا الوجه في أصله ضعيف والصواب أنه غير مؤقت لأن الرخصة وردت غير مقيدة بخلاف الخف ، ولأن الحاجة تدعو إلى استدامة الجبيرة . قال القاضي أبو الطيب : ولأن الخف ينزعه للجنابة بخلاف الجبيرة . قال إمام الحرمين : هذا الخلاف إنما يثبت إذا أمكن نزع الجبيرة ووضعها بغير ضرر العضو ، فإن أضر به لم يجب بلا خلاف . قال : وصورة الخلاف إذا لم يمكن النزع بغير خلل يعود إلى العضو إلا بعد كل يوم وليلة ، فإن أمكن في كل وقت لم يجز المسح عليها ، وهذا الذي قاله الإمام حاصله رفع الخلاف من أصله فإنا قدمنا اتفاق الأصحاب على أنه إذا لم يكن في النزع ضرر لا يجوز المسح بلا خلاف والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : حكم اللصوق وغيره من الجرح حكم الجبيرة في جميع ما سبق ، فإن قدر على حل عصابته وغسله من غير ضرر لزمه وإلا فهو كالجبيرة على ما سبق . قال القاضي حسين وغيره : وكذا لو وضع قشر الباقلا ونحوه على خدشه فهو كالجبيرة . قال صاحب التهذيب : وكذا لو طلي على خدشه شيئا ، قال : وكذا الشقوق على الرجل إذا احتاج فيها إلى تقطير شيء يجمد فيها . فرع : قال أصحابنا : إذا أجنب صاحب الجبيرة ونحوها لم يلزمه نزعها ، بل يغسل الصحيح ويمسح عليها ويتيمم كالمحدث ، بخلاف لابس الخف يلزمه النزع للجنابة لعدم المشقة هناك .
فرع : لو كان على عضويه جبيرتان فرفع إحداهما لا يلزمه رفع الأخرى ، بخلاف الخفين لأن لبسهما جميعا شرط بخلاف الجبيرتين ، ولو سقطت جبيرته عن عضوه في الصلاة بطلت صلاته ، سواء كان برأ أم لا ، كانخلاع الخف ، هذا مذهبنا . وحكى صاحب العدة عن أبي حنيفة أنه إن سقطت قبل البرء لم تبطل ، دليلنا القياس على الخف وعلى ما بعد البرء ، ولو اندمل ما تحت الجبيرة وبرأ وهو لا يعلم فصلى بعده صلوات وجب قضاؤهن بلا خلاف ، كذا نقل الاتفاق فيه صاحب التتمة وغيره ، ولو توهم اندماله بعد التيمم فبان أنه لم يندمل ، ففي بطلان تيممه الوجهان في تيمم الجريح أصحهما لا يبطل ، وقد سبقت المسألة هناك مستوفاة وبالله التوفيق .
فصل في مسائل تتعلق بباب التيمم إحداها : إذا تيمم وعليه خفان أو عمامة لبسهما على طهر ثم خلع ذلك لم يبطل تيممه عندنا وبه قال مالك وأبو حنيفة والجمهور وحكى العبدري عن أحمد أنه يبطل . الثانية : قال الروياني : قال والدي : لو عدم الجنب الماء فتيمم لقراءة القرآن فشرع فيها ثم رأى الماء فإن لم ينو عند الشروع في القراءة قراءة قدر معلوم لزمه قطع القراءة بمجرد رؤية الماء ، وإن نوى قدرا احتمل وجهين . أحدهما : له الإتمام كما لو نوى نافلة محصورة له إتمامها على المذهب . والثاني : يلزمه القطع لأن القراءة لا يرتبط بعضها ببعض . قال الروياني : وهذا الثاني أصح ولا وجه للأول . قال : ولو كان في وسط الآية لزمه قطعها . الثالثة : قال الروياني : قال والدي : لو تيمم عادم الماء قبل الاجتهاد في القبلة ففي صحة تيممه وجهان ، بناء على من تيمم وعليه نجاسة . الرابعة : إذا تيمم وعليه عمامة أو خفان لبسهما على طهارة ثم نزعهما لم يبطل تيممه عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وداود والعلماء كافة إلا رواية حكاها العبدري عن أحمد أنه يبطل . فرع : قال المحاملي في اللباب : التيمم يشتمل على فرض وسنة وأدب وكراهة وشرط ، فالفرض سبعة : طلب الماء ، والقصد إلى الصعيد ، والنية ، ومسح الوجه واليدين ، والترتيب ، والتتابع على قول . والسنة خمسة : التسمية ، والاقتصار على ضربتين ، ونفض الغبار الكثير ، وتقديم اليمنى . والأدب ثلاثة : إستقبال القبلة ، والابتداء بأعلى الوجه وبالكفين في اليدين . والكراهة إستعمال التراب الكثير ، والزيادة على الضربتين ، والشرط واحد وهو كون التراب مطلقا . قال : وينقض التيمم ما ينقض الوضوء ، وخمسة أشياء أيضا ، وجود الماء أو ثمنه وتوهمه ، وإرتفاع المرض ، والإقامة قال : ويفارق التيمم الوضوء في خمسة أشياء : كون التيمم في عضوين ، ولا يجب إيصال التراب إلى أصول الشعر مطلقا ، ولا يصلي فرضين بتيمم ولا يتيمم إلا لعذر ، وبعد دخول الوقت . وهذا آخر كلام المحاملي ، وقد ترك من الشروط العذر ودخول الوقت . وقد شذ عن ضبطه مسائل وتفاصيل ووجوه سبقت في مواضعها والله أعلم . فصل في حكم الصلوات المأمور بهن في الوقت مع خلل للضرورة
قال أصحابنا : العذر ضربان ، عام ونادر ، فالعام لا قضاء معه للمشقة ، ومن هذا الضرب المريض يصلي قاعدا أو موميا ، أو بالتيمم خوفا من استعمال الماء ، ومنه المصلي بالإيماء في شدة الخوف ، والمسافر يصلي بالتيمم لعجزه عما يجب عليه أن يستعمله . وأما النادر فقسمان ، قسم يدون غالبا وقسم لا يدوم ، فالأول كالمستحاضة وسلس البول والمذي ومن به جرح سائل أو رعاف دائم أو استرخت مقعدته فدام خروج الحدث منه ومن أشبههم ، فلكهم يصلون مع الحدث والنجس ولا يعيدون للمشقة والضرورة . وأما الذي لا يدوم غالبا فنوعان ، نوع يأتي معه ببدل للخلل ونوع لا يأتي ، فمن الثاني من لم يجد ماء ولا ترابا ، والمريض والزمن ونحوهما ممن لا يخاف من إستعمال الماء لكن لا يجد من يوضئه ومن لا يقدر على التحول إلى القبلة والأعمى وغيره ممن لا يقدر على معرفة القبلة ولا يجد من يعرفه إياها ، ومن على بدنه أو جرحه نجاسة ولا يعفي عنها ولا يقدر على إزالتها ، والمربوط على خشبة ومن شد وثاقه ، والغريق ومن حول عن القبلة أو أكره على الصلاة إلى غيرها أو على ترك القيام ، فكل هؤلاء يجب عليهم الصلاة على حسب الحال ، وتجب الإعادة لندور هذه الأعذار ، وفي بعض هؤلاء خلاف ضعيف تقدم في هذا الباب . وأما المصلي عريانا لعدم السترة ففي كيفية صلاته قولان ، أصحهما وأشهرهما : تجنب الصلاة قائما بإتمام الركوع والسجود . والثاني : يصلي قاعدا ، فعلى هذا هل يتم الركوع والسجود أم يقتصر على إدناء الجبهة من الأرض فيه قولان . وحكى إمام الحرمين والغزالي وجها أنه يتخير بين القيام والقعود ، ويجري هذا الخلاف في المحبوس في موضع نجس بحيث لو سجد لسجد على النجاسة ، هل يتم السجود أم يقتصر على الإيماء أم يتخير ويجري فيمن وجد ثوبا طاهرا لو فرشه بقي عريانا ، وإن لبسه صلى على النجاسة ، ويجري في العاري إذا لم يجد إلا ثوبا نجسا ، والأصح في هاتين الصورتين أنه يصلي عاريا . فإذا قلنا في العريان : لا يتم الركوع والسجود لزمه الإعادة على المذهب ، وفيه قول ضعيف لا يعيد ، وقد سبق نظيره فيمن صلى بغير ماء ولا تراب ونظائره . وإن قلنا : يتم الأركان ، فإن كان من قوم عادتهم العري لم تجب الإعادة بلا خلاف ، وإن كانوا لا يعتادونه فالمذهب الصحيح الذي قطع به العراقيون وجماعة من الخراسانيين أنه لا إعادة أيضا . وفيه وجه حكاه الخراسانيون أنها تجب وهو شاذ ضعيف . وقد قال الشيخ أبو حامد في تعليقه في باب ستر العورة : لا يجب عليه الإعادة ولا أعلم فيه خلافا يعني بين المسلمين فأشار إلى الإجماع عليه ، ثم لا فرق في سقوط الإعادة بين الحضر والسفر ، لأن الثور يعز في الحضر ولا يبذل بخلاف الماء . وأما الثاني وهو ما يأتي معه ببدل ففيه صور ، منها من يتيمم في الحضر لعدم الماء أو لشدة البرد في الحضر أو السفر ، أو لنسيان الماء في رحله ، ونحوه في السفر ، أو تيمم مع الجبيرة الموضوعة على غير طهر ، والصحيح عند الأصحاب أنه تجب الإعادة على جميعهم ، وتقدمت تفاصيل الخلاف فيهم ، ومنها المتيمم مع الجبيرة الموضوعة على طهر فلا إعادة عليه في أصح القولين ، ومن الأصحاب من جعل مسألة الجبيرة من العذر العام ، وهو حسن والله أعلم . ونقل إمام الحرمين والغزالي أن أبا حنيفة رحمه الله قال : كل صلاة تفتقر إلى القضاء لا يجب فعلها في الوقت ، وأن المزني رحمه الله قال : كل صلاة وجبت في الوقت وإن كانت مع خلل لم يجب قضاؤها ، قالا : وهما قولان منقولان عن الشافعي رحمه الله .
وهذا الذي قاله المزني هو المختار لأنه أدى وظيفة الوقت ، وإنما يجب القضاء بأمر جديد ، ولم يثبت فيه شيء بل ثبت خلافه والله أعلم . قال إمام الحرمين وغيره : ثم ما حكمنا من الأعذار بأنه دائم وأسقطنا الفرض به ، فلو اتفق زواله بسرعة فهو كالدائم المتمادي نظرا إلى جنسه ، وما حكمنا بأنه لا يدوم فاتفق دوامه لم يلحق بالدائم ، بل حكمه حكم ما ينقطع على قرب إلحاقا لما يشذ من الجنس بالجنس ، ثم كل صلاة أوجبناها في الحال مع خلل وأوجبنا قضاءها فقضاها ، ففي الفرض من صلاتيه أربعة أقوال مشهورة في الطريقتين ، وقد سبق بيانها ، أصحها عند الجمهور أن الفرض الثانية . والثاني الأولى ، والثالث إحداها لا بعينها ، والرابع كلاهما فرض ، واختاره القفال والفوراني وصاحب الشامل وهو قوي ، فإنه مكلف بهما . قال إمام الحرمين : وإذا أوجنبا الصلاة في الوقت وأوجبنا القضاء فالمذهب أن ما يأتي به في الوقت صلاة ، ولكن يجب قضاؤها للنقص ، قال : ومن أصحابنا من قال : ليست صلاة بل تشبه الصلاة كالإمساك في رمضان لمن أفطر عمدا ، قال : وهذا بعيد . قال فإن قيل : هلا قلتم الصلاة المفعولة في الوقت مع الخلل فاسدة كالحجة الفاسدة التي يجب المضي فيها قلنا : إيجاب الإقدام على الفاسد محال وأما التشبه فلا يبعد إيجابه ، والله أعلم بالصواب وله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة . = كتاب الحيض = قال الله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين البقرة : 222 . قال أهل اللغة : يقال حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا فهي حائض بحذف الهاء لأنه صفة للمؤنث خاصة فلا يحتاج إلى علامة تأنيث بخلاف قائمة ومسلمة ، هذه اللغة الفصحية المشهورة . وحكى الجوهري عن الفراء : أنه يقال أيضا : حائضة : وأنشد :
( كحائضة يزني بها غير طاهر ) قال الهروي : يقال حاضت وتحيضت ودرست بفتح الدال والراء والسين المهملة وعركت بفتح العين وكسر الراء وطمثت بفتح الطاء وكسر الميم وزاد غيره ونفست وأعصرت وأكبرت وضحكت ، كله بمعنى حاضت . قال : صاحب الحاوي : للحيض ستة أسماء وردت اللغة بها أشهرها الحيض ، والثاني الطمث والمرأة طامث . قال الفراء : الطمث الدم ولذلك قيل إذا افتض البكر طمثها أي أدماها قال الله تعالى : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان الرحمن : 74 . الثالث العراك والمرأة عارك والنساء عوارك . الرابع الضحك والمرأة ضاحك . قال الشاعر : ( وضحك الأرانب فوق الصفا كمثل دم الحريق يوم اللقا ) والخامس : الإكبار ، والمرأة مكبر ، قال الشاعر : ( يأتي النساء على أطهارهن ولا يأتي النساء إذ أكبرن إكبارا ) والسادس : الإعصار ، والمرأة معصر ، قال الشاعر :
( جارية قد أعصرت أو قد دنا إعصارها ) قال أهل اللغة : وأصل الحيض السيلان ، يقال حاض الوادي أي سال يسمى حيضا لسيلانه في أوقاته ، قال الأزهري : والحيض دم يرخيه رحم المرأة ، بعد بلوغها في أوقات معتادة والاستحاضة سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة ودم الحيض يخرج من قعر الرحم ويكون أسود محتدما ، أي حارا ، كأنه محترق قال : والإستحاضة دم يسيل من العاذل ، وهو عرق فمه الذي يسيل في أدنى الرحم ، دون قعره ، قال : وذكر ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما هذا كلام الأزهري والعاذل بالعين المهملة ، وكسر الذال المعجمة . قال الهروي في الغريبين وغيره من أهل اللغة : الحيض دم يخرج في أوقاته بعد بلوغها ، والاستحاضة دم يخرج في غير أوقاته ، قال صاحب الحاوي : أم المحيض في قول الله تعالى : ويسألونك عن المحيض فهو دم الحيض بإجماع العلماء . وأما المحيض في قوله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض فقيل إنه دم الحيض وقيل زمانه وقيل مكانه وهو الفرج ، قال : وهذا قول أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمهور المفسرين . وقال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي وآخرون : مذهبنا أن المحيض هو الدم وهو الحيض وقال قوم : هو الفرج وهو اسم للموضع كالمبيت والمقيل موضع البيتوتة والقيلولة . وقال قوم : زمان الحيض . قال : وهما قولان ضعيفان . قال صاحب الحاوي وسمي الحيض أذى لقبح لونه ورائحته ونجاسته وأضراره . قال الجاحظ في كتاب الحيوان : والذي يحيض من الحيوان أربع : المرأة والأرنب والضبع والخفاش وحيض الأرنب والضبع مشهور في أشعار العرب . فرع : ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض : هذا شيء كتبه الله على بنات آدم . قال البخاري في صحيحه قال بعضهم : أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل . قال البخاري : وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر ، يعني أنه عام في جميع بنات آدم . فرع : يجوز أن يقال : حاضت المرأة وطمثت ونفست بفتح النون وكسر الفاء وعركت ولا كراهة في شيء من ذلك . وروينا في حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني بإسناده عن محمد بن سيرين أنه كره أن يقال : طمثت ، دليلنا أن هذا شائع في اللغة والاستعمال فلا تثبت كراهته إلا بدليل صحيح . وأما ما رويناه في سنن البيهقي عن زيد بن باينوس قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : ما تقولين في العراك قالت الحيض تعنون قلنا : نعم قالت سموه كما سماه الله تعالى فمعناه والله أعلم أنهم قالوا : العراك ولم يقولوا الحيض تأدبا واستحياء من مخاطبتها باسمه الصريح الشائع وهو مما يستحيي النساء منه ومن ذكره ، فقالت : لا تتكلفوا معي هذا وخاطبوني باسمه الذي سماه الله تعالى والله أعلم . فرع : اعلم أن باب الحيض من عويص الأبواب ، ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله واعتنى به المحققون وأفردوه بالتصنيف في كتب مستقلة .
وأفرد أبو الفرج الدارمي من أئمة العراقيين مسألة المتحيرة في مجلد ضخم ليس فيه إلا مسألة المتحيرة وما يتعلق بها وأتى فيه بنفائس لم يسبق إليها وحقق أشياء مهمة من أحكامها وقد اختصرت أنا مقاصده في كراريس ، وسأذكر في هذا الشرح ما يليق به منها إن شاء الله تعالى وجمع إمام الحرمين في النهاية في باب الحيض نحو نص مجلد ، وقال بعد مسائل الصفرة والكدرة : لا ينبغي للناظر في أحكام الاستحاضة أن يضجر من تكرير الصور وإعادتها في الأبواب وبسط أصحابنا رحمهم الله مسائل الحيض أبلغ بسط ، وأوضحوه أكمل إيضاح ، واعتنوا بتفاريعه أشد اعتناء ، وبالغوا في تقريب مسائله بتكثير الأمثلة وتكرير الأحكام ، وكنت جمعت في الحيض في شرح المهذب مجلدا كبيرا مشتملا على نفائس ، ثم رأيت الآن اختصاره والإتيان بمقاصده ، ومقصودي بما نبهت عليه ألا يضجر مطالعه بإطالته فإني أحرص إن شاء الله تعالى على ألا أطيله إلا بمهمات ، وقواعد مطلوبات ، وما ينشرح به قلب من له طاب مليح ، وقصد صحيح ، ولا إلتفات إلى كراهة ذوي المهانة والبطالة فإن مسائل الحيض يكثر الإحتياج إليها لعموم وقوعها . وقد رأيت ما لا يحصى من المرات من يسأل من الرجال والنساء عن مسائل دقيقة وقعت فيه لا يهتدي إلى الجواب الصحيح فيها إلا أفراد من الحذاق المعتنين بباب الحيض ، ومعلوم أن الحيض من الأمور العامة المتكررة ، ويترتب عليه ما لا يحصى من الأحكام كالطهارة والصلاة والقراءة والصوم والإعتكاف والحج والبلوغ والوطء والطلاق والخلع والإيلاء وكفارة القتل وغيرها والعدة والإستبراء وغير ذلك من الأحكام فيجب الإعتناء بما هذه حاله . وقد قال الدارمي في كتاب المتحيرة : ( الحيض كتاب ضائع لم يصنف فيه تصنيف يقوم بحقه ويشفي القلب ) وأنا أرجو من فضل الله تعالى أن ما أجمعه في هذا الشرح يقوم بحقه أكمل قيام ، وأنه لا تقع مسألة إلا وتوجد فيه نصا أو إستناطا لكن قد يخفى موضعها على من لا تكمل مطالعته وبالله التوفيق . فرع : قال صاحب الحاوي : النساء أربعة أضرب : طاهر ، وحائض ، ومستحاضة ، وذات دم فاسد . فالطاهر ذات النقاء ، والحائض من ترى دم الحيض في زمنه بشرطه ، والمستحاضة من ترى الدم على أثر الحيض على صفة لا يكون حيضا ، وذات الفساد من يبتديها دم لا يكون حيضا . هذا كلام صاحب الحاوي وقال أيضا قبله : قال الشافعي : لو رأت الدم قبل استكمال تسع سنين فهو دم فاسد ، ولا يقال له استحاضة لأن الاستحاضة لا تكون إلا على أثر حيض ثم قال في فصل المميزة : لو رأت خمسة عشر يوما دما أسود ثم رأت أحمر ، فالأسود حيض وفي الأحمر وجهان ، قال أبو إسحاق : هو استحاضة . وقال ابن سريج : هو دم فساد لا استحاضة لأن الاستحاضة ما دخل على أثر الحيض في زمانه ثم جاوز خمسة عشر . فهذا كلام صاحب الحاوي ، وحاصله أن الاستحاضة لا تطلق إلا على دم متصل بالحيض وليس بحيض ، وأما ما لا يتصل بحيض فدم فساد ولا يسمى استحاضة ، وقد وافقه عليه جماعة . وقال الأكثرون : يسمى الجميع استحاضة ، قالوا : والإستحاضة نوعان نوع يتصل بدم الحيض وقد سبق بيانه ونوع لا يتصل به كصغيرة لم تبلغ تسع سنين رأت الدم وكبيرة رأته وانقطع لدون يوم وليلة فحكمه حكم الحدث ، هكذا صرح بهذين النوعين أبو عبد الله الزبيري والقاضي حسين والمتولي والبغوي والسرخسي في الأمالي وصاحب العدة وآخرون ، وهو الأصح الموافق لما سبق عن الأزهري وغيره من أهل اللغة : أن الاستحاضة دم يجري في غير أوانه ، وقد استعمل المصنف هذا في المهذب فقال في فصل النفاس : وإن رأت قبل الولادة خمسة أيام إلى قوله من أصحابنا من قال : هو استحاضة .
واستعمله في التنبيه في قوله : وفي الدم الذي تراه المحاملي قولان ، أصحهما : أنه حيض ، والثاني : استحاضة واستعمله أيضا الجرجاني وآخرون والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا حاضت المرأة حرم عليها الطهارة لأن الحيض يوجب الطهارة وما أوجب الطهارة منع صحتها كخروج البول . + الشرح : هذه المسألة عدها جماعات من مشكلات المهذب لكونه صرح بتحريم الطهارة ، والطهارة إفاضة الماء على الأعضاء وليس إفاضة الماء محرمة عليها مع أنها يستحب لها أنواع كثيرة من الطهارة كغسل الإحرام وغيره ، وقد وافق الشاشي المصنف في العبارة فقال في المعتمد : يحرم عليها الطهارة . والذي قاله جمهور الأصحاب : لا تصح طهارتها ، وذكر صاحب البيان في كتابه مشكلات المهذب : إن لكلام المصنف تأويلين ، أحدهما : ( قال ) وهو الأظهر : أن معنى حرم عليها الطهارة أي لم تصح طهارتها وتعليله يقتضيه ، والثاني : مراده إذا قصدت الطهارة تعبدا مع علمها بأنها لا تصح فتأثم بهذا لأنها متلاعبة بالعبادة ، فأما إمرار الماء عليها بغير قصد العبادة فلا تأثم به بلا خلاف . وهذا كما أن الحائض إذا أمسكت عن الطعام بقصد الصوم أثمت وإن أمسكت بلا قصد لم تأثم . وهذا التأويل الثاني هو الصحيح كما يحرم على المحدث فعل الصلاة وإن كانت لا تصح منه . قال إمام الحرمين وجماعة من الخراسانيين : لا يصح غسل الحائض إلا على قول بعيد : أن الحائض تقرأ القرآن ، فعلى هذا لو أجنبت ثم حاضت لم يجز لها القراءة ، فلو اغتسلت صح غسلها وقرأت ، وقد سبق بيان هذا في باب ما يوجب الغسل . فرع : هذا الذي ذكرناه من أنه لا تصح طهارة حائض ، هو في طهارة لرفع حدث سواء كانت وضوءا أو غسلا ، وأما الطهارة المسنونة للنظافة كالغسل للإحرام والوقوف ورمي الجمرة فمسنونة للحائض بلا خلاف . صرح بذلك أصحابنا وصرح به المصنف أيضا في أول باب الإحرام ويدل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت : اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي رواه البخاري ومسلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليها الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة ويسقط فرضها لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نقضي ( الصلاة ) ولا نؤمر بالقضاء ولأن الحيض يكثر فلو أوجبنا قضاء ما يفوتها شق وضاق . + الشرح : الحديثان المذكوران رواهما البخاري ومسلم من رواية عائشة رضي الله عنها فالأول روياه بلفظه وسبق بيانه وشرح الحيضة في باب ما يوجب الغسل وأما الثاني فروياه بمعناه ، ورواه أبو داود وغيره بلفظه هنا . وأما حكم المسألة : فأجمعت الأمة على أنه يحرم عليها الصلاة فرضها ونقلها وأجمعوا على أنه يسقط عنها فرض الصلاة فلا تقضي إذا طهرت . قال أبو جعفر بن جرير في كتابه إختلاف الفقهاء : أجمعوا على أن عليها اجتناب كل الصلوات فرضها ونقلها واجتناب جميع الصيام فرضه ونقله واجتناب الطواف فرضه ونقله ، وأنها إن صلت أو صامت أو طافت لم يجزها ذلك عن فرض كان عليها ونقل الترمذي وابن المنذر وابن جرير وآخرون الإجماع أنها لا تقضي الصلاة وتقضي الصوم . وفرق أصحابنا وغيرهم بين قضاء الصوم والصلاة بما ذكره المصنف أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم ، وبهذا الفرق فرقوا في حق المغمى عليه فإنه يلزمه قضاء الصوم ولا يلزمه قضاء الصلاة . وأطبق الأصحاب على هذا الفرق في الحائض وقال إمام الحرمين : المتبع في الفرق الشرع وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة وأراد إمام الحرمين أنه لا يمكن فرق من جهة المعنى ، وقد نقل البخاري في صحيحه في كتاب الصوم عن أبي الزناد نحو قول إمام الحرمين فقال : قال أبو الزناد : ( إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرا على خلاف الرأي فما يجد المسلمون بدا من اتباعها من ذلك : الحائض تقضي الصوم دون الصلاة ) وهذا الذي قالاه اعتراف بالعجز عن الفرق والذي ذكره أصحابنا فرق حسن فليعتمد . واستدل الشافعي رضي الله عنه على سقوط فرض الصلاة بدليل آخر ، فقال : وجدت كل مكلف مأمورا بفعل الصلاة على حسب حاله في المرض والمسايفة وغير ذلك ، والحائض مكلفة وهي غير مأمورة بها على حسب حالها ، فعلمت أنها غير واجبة عليها . فرع : قال أصحابنا : وفي معنى الصلاة سجود التلاوة والشكر فيحرمان على الحائض والنفساء كما تحرم صلاة الجنازة ، ولأن الطهارة شرط . فرع : قال أبو العباس ابن القاص في التلخيص و الجرجاني في المعاياة : كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلا صلاة واحدة وهي ركعتا الطواف فإنها لا تتكرر . وأنكر الشيخ أبو علي السنجي هذا وقال : هذا لا يسمى قضاء لأن الوجوب لم يكن في زمن الحيض ، ولو جاز أن يسمى هذا قضاء لجاز أن يسمى قضاء فائتة كانت قبل الحيض ، وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب ، لأن ركعتي الطواف لا يدخل وقتها إلا بالفراغ من الطواف فإن قدر أنها طافت ، ثم حاضت عقيب الفراغ من الطواف صح ما قاله أبو العباس إن سلم لهما ثبوت ركعتي الطواف في هذه الصورة والله أعلم .
فرع : مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من السلف والخلف أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح ولا ذكر في أوقات الصلوات ولا في غيرها ، وممن قال بهذا الأوزاعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور حكاه عنهم ابن جرير ، وعن الحسن البصري قال : تطهر وتسبح ، وعن أبي جعفر قال لنا : مر نساء الحيض أن يتوضأن في وقت الصلاة ، ويجلسن ويذكرن الله عز وجل ويسجن وهذا الذي قالاه محمول على الاستحباب عندهما فأما استحباب التسبيح فلا بأس به وإن كان لا أصل له على هذا الوجه المخصوص ، وأما الوضوء فلا يصح عندنا وعند الجمهور ، بل تأثم به إن قصدت العادة كما سبق ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم الصوم لما روى عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة فدل على أنهن كن يفطرن . ولا يسقط فرضه لحديث عائشة ، ولأن الصوم في السنة مرة فلا يشق قضاؤه + الشرح : حديث عائشة رضي الله عنها رواه مسلم وغيره ، وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي : كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمرنا بقضاء الصوم ولا يأمرنا بقضاء الصلاة فإن قيل ليس في الحديث دليل على تحريم الصوم ، وإنما فيه جواز الفطر ، وقد يكون الصوم جائزا لا واجبا كالمسافر ، قلنا : قد ثبت شدة اجتهاد الصحابيات رضي الله عنهن في البعادات وحرصهن على الممكن منها ، فلو جاز الصوم لفعله بعضهن ، كما في القصر وغيره ، ويدل أيضا على تحريم الصوم قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن ) ثم قال : ( وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين ) رواه البخاري ومسلم من رواية أبي سعيد الخدري ، وفي رواية للبخاري : أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم . أما حكم المسألة : فأجمعت الأمة على تحريم الصوم على الحائض والنفساء وعلى أنه لا يصح صومها ، كما قدمنا نقله عن ابن جرير ، وكذا نقل الإجماع غيره ، قال إمام الحرمين : وكون الصوم لا يصح منها لا يدرك معناه ، فإن الطهارة ليست مشروطة فيها ، وأجمعت الأمة أيضا على وجوب قضاء صوم رمضان عليها ، نقل الإجماع فيه الترمذي وابن المنذر وابن جرير وأصحابنا وغيرهم والمذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور أن القضاء يجب بأمر جديد وليست مخاطبة بالصوم في حال حيضها لأنه يحرم عليها الصوم ، فكيف تؤمر به وهي ممنوعة منه بسبب هي معذورة فيه ولا قدرة لها على إزالته . وحكى القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي في البسيط والمتولي والروياني وغيرهم وجها أنه يجب عليها الصوم في حال الحيض وتعذر في تأخيره لأنه لو لم يجب في الحال لم يجب القضاء كالصلاة . قال إمام الحرمين : المحققون يأبون هذا الوجه لأن الوجوب شرطه اقتران الإمكان به قال : ومن يطلب حقيقة الفقه لا يقيم لمثل هذا الخلاف وزنا قلت : وهذا الوجه يتخرج على قاعدة مذهبنا في الأصول والكلام أن تكليف ما لا يطاق جائز قال الغزالي في البسيط : ليس لهذا الخلاف فائدة فقهية قلت : تظهر فائدة هذا وشبهه في الأيمان وتعليق الطلاق والعتق ونحو ذلك بأن يقول : متى وجب عليك صوم فأنت طالق والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم ( عليها ) الطواف لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : اصنعي ما يصنع الحاج غير إن لا تطوفي ( بالبيت ) ولأنه يفتقر إلى الطهارة ولا تصح منها الطهارة . + الشرح : حديث عائشة رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة . وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض والنفساء ، وأجمعوا أنه لا يصح منها طواف مفروض ولا تطوع وأجمعوا أن الحائض والنفساء لا تمنع من شيء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه ، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره والله أعلم .