Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن رأت يوما دما ويوما نقاء ، ولم يعبر الخمسة عشر ( يوما ) ففيه قولان أحدهما : لا يلفق ( الدم ) بل يجعل الجميع حيضا لأنه لو كان ما رأته من النقاء طهرا لانقضت العدة بثلاثة منها والثاني : يلفق الطهر إلى الطهر ، والدم إلى الدم فيكون أيام النقاء طهرا وأيام الدم حيضا لأنه لو جاز أن يجعل أيام النقاء حيضا لجاز أن يجعل أيام الدم طهرا ، ولما لم يجز أن تجعل أيام الدم طهرا لم يجز أن تجعل أيام النقاء حيضا ، فوجب أن يجري كل واحد منهما على حكمه . + الشرح : النقاء بالمد ، وقوله : يوما دما ويوما نقاء أحسن من قوله في التنبيه يوما طهرا ويوما دما ، فكيف يسمى طهرا مع أنه حيض في أحد القولين بل هو الأصح ، وقوله يوما أراد بليلته ليكون أقل الحيض تفريعا على المذهب كذا صرح به أصحابنا ، ولو رأت يوما بلا ليلة أو نصف يوم ففيه خلاف مرتب يأتي بيانه في آخر الباب في فصل التلفيق إن شاء الله تعالى ، والأصح من هذين القولين عند جمهور الأصحاب أن الجميع حيض ، وهو نص الشافعي رحمه الله في عامة كتبه ، وقد فرق المصنف مسألة التلفيق هذه فذكرها هنا مختصرة وذكر فروعها في آخر الباب ، وكان ينبغي أن يؤخرها كلها أو يجمع كل ما يتعلق بالتلفيق في موضع واحد كما فعله الأصحاب ، وقد رأيت أن أؤخر شرح هذه المسألة إلى هناك وبالله التوفيق .
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا رأت المرأة الدم لسن يجوز أن تحيض فيه أمسكت عما تمسك عنه الحائض ، فإن انقطع لدون اليوم والليلة كان ذلك دم فساد فتتوضأ وتصلي ، وإن انقطع ليوم وليلة أو لخمسة عشر يوما أو لما بينهما فهو حيض ، فتغتسل عند إنقطاعه سواء كان الدم على صفة دم الحيض أو على غير صفته ، وسواء كان لها عادة ، فخالف عادتها أو لم تكن . وقال أبو سعيد الأصطخري : إن رأت الصفرة أو الكدرة في غير وقت العادة لم يكن حيضا ، لما روى عن أم عطية رضي الله عنها قالت : كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغسل شيئا ولأنه ليس فيه أمارة الحيض فلم يكن حيضا ، والمذهب أنه حيض ، لأنه دم صادف زمان الإمكان ولم يجاوزه ، فأشبه إذا رأت الصفرة أو الكدرة في أيام عادتها . وحديث أم عطية يعارضه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كنا نعد الصفرة والكدرة حيضا وقوله : أنه ليس فيه إمارة غير مسلم ، بل وجوده في أيام الحيض أمارة ، لأن الظاهر من حالها الصحة والسلامة ، وإن ذلك دم الجبلة دون العلة . + الشرح : حديث أم عطية صحيح ، رواه البخاري والدارمي وأبو داود والنسائي وغيرهم ، وهذا المذكور في المهذب هو لفظ رواية الدارمي ، وفي رواية البخاري كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا وفي رواية أبي داود كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا وإسنادها إسناد صحيح على شرط البخاري ، ومما ينكر على المصنف قوله : روى عن أم عطية بصيغة التمريض مع أنه حديث صحيح قد سبق التنبيه على أمثال هذا وروى البيهقي بإسناد ضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما كنا نعد الصفرة والكدرة شيئا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما حديث عائشة رضي الله عنها المذكور في الكتاب فلا أعلم من رواه بهذا اللفظ لكن صح عن عائشة رضي عنها قريب من معناه فروى مالك في الموضأ عن عقبة بن أبي عقبة عن أمه مولاة عائشة قالت : كانت النساء يبعثن إلى عائشة رضي الله عنها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة هذا لفظ في الموطأ وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة جزم فصح هذا اللفظ عن عائشة رضي الله عنها والدرجة بضم الدال وإسكان الراء وبالجيم وروى بكسر الدال وفتح الراء وهي خرقة أو قطنة أو نحو ذلك تدخله المرأة فرجها ثم تجرجه لتنظر هل بقي شيء من أثر الحيض أم لا وقولها القصة الصافية بالجص فهذا موقوف على عائشة . وأما حديث أم عطية فهل هو موقوف ، أم مرفوع فيه خلاف قدمناه في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب فيما إذا قال الصحابي : كنا نفعل كذا وأوضحنا المذاهب فيه . واسم أم عطية : نسيبة بضم النون وفتح السين وإسكان الياء وقيل بفتح النون وكسر السين وهي نسيبة بنت الحارث أنصارية بصرية كانت تغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت غاسلة للميتات وذكرت جملة من أحوالها في تهذيب الأسماء . وأما أبو سعيد الإصطخري فبكسر الهمزة وقيل يجوز بفتحها وهي همزة قطع ، ويجوز تخفيفها كهمزة الأرض ونحوها ، منسوب إلى اصطخر المدينة المعروفة ، واسمه الحسن بن أحمد ولد سنة أربع وأربعين ومائتين وتوفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وكان من كبار أصحابنا وأئمتهم وعبادهم وأخيارهم وله أحوال جميلة وكتب نفيسه وذكرت جملة من أحواله في التهذيب و الطبقات . وقوله : دم الجبلة بكسر الجيم وتشديد اللام أي الخلقة ومعناه دم الحيض المعتاد الذي يكون في حال السلامة ، وليس هو دم العلة الذي هو دم الاستحاضة ، وأما الصفرة والكدرة فقال الشيخ أبو حامد في تعليقته : هما ماء أصفر وماء كدر وليسا بدم .
وقال إمام الحرمين : هما شيء كالصديد يعلوه صفرة وكدرة ليسا على لون شيء من الدماء القوية ولا الضعيفة . أما الأحكام : فقال أصحابنا رحمهم الله : إذا رأت المرأة الدم لزمان يصح أن يكون حيضا بأن يكون لها تسع سنين فأكثر ولم يكن عليها بقية طهر ولا هي حامل أو حائل وقلنا بالصحيح : إنها تحيض أمسكت عن الصوم والصلاة والقرآن والمسجد والوطء وغير ذلك مما تمسك عنه الحائض ، لأن الظاهر أنه حيض ، وهذا الإمساك واجب على الصحيح المشهور وبه قطع الأصحاب في كل الطرق إلا صاحبي الحاوي و التهذيب فحكيا وجها شاذا . قال صاحب الحاوي : هو قول ابن سريج أنه لا يجوز للمبتدأة أن تمسك بل يجب عليها أن تصلي مع رؤية الدم ، فإن انقطع لدون يوم وليلة ، كانت الصلاة واجبة عليها وأجزأها ما صلت وإن استدام يوما وليلة تركت الصلاة حينئذ لأن الدم الذي رأته يجوز أن يكون حيضا ويجوز أن يكون دم فساد ، فلا يجوز ترك الصلاة بالشك . قال صاحب الحاوي : وهذا الوجه فاسد من وجهين أحدهما : أن المعتادة إذا فاتحها الدم تمسك والثاني : المعتادة إذا جاوز الدم عادتها تمسك وإن كان هذا الاحتمال موجودا ، وإنما أمرناها بالإمساك لأن الظاهر أنه حيض وهذا المعنى موجود في المبتدأة قال : فبطل قول ابن سريج ، والتفريع بعد هذا على المذهب وهو وجوب الإمساك . قال أصحابنا : فإذا أمسكت فانقطع الدم لدون يوم وليلة تبينا أنه دم فساد ، فتقضي الصلاة بالوضوء ولا غسل . فإن كانت صامت في ذلك اليوم فصومها صحيح ، وإن انقطع ليوم وليلة أو خمسة عشر أو لما بينهما فهو حيض سواء كان أسود أو أحمر وسواء كانت مبتدأة أو معتادة وافق عادتها أو خالفها بزيادة أو نقص أو تقدم أو تأخر ، وسواء كان الدم كله بلون واحد أو بعضه أسود وبعضه أحمر ، وسواء تقدم الأسود أو الأحمر ، ولا خلاف في شيء من هذا إلا وجهين شاذين ضعيفين . أحدهما : حكاه صاحب الحاوي أنها كانت مبتدأة ورأت دما أحمر لا يكون حيضا لضعفه بل هو فساد ، ووافق هذا القائل على أنها لو رأت الأحمر وهي معتادة كان حيضا . والوجه الآخر : حكاه البغوي وغيره : أنها إذا رأت أحمر وأسود وتقدم الأحمر كان الحيض هو الأسود وحده إن أمكن جعله حيضا ، قال هذا القائل : ولو رأت خمسة حمرة ثم خمسة سوادا ثم خمسة حمرة كان الأحمر الأول دم فساد والأحمر والأسود بعده حيضا . وسنوضح هذه المسألة في فصل المميزة إن شاء الله تعالى ، أما إذا كان الذي رأته صفرة أو كدرة فقد قال الشافعي في مختصر المزني رحمه الله : الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض . واختلف الأصحاب في ذلك على ستة أوجه الصحيح المشهور الذي قاله أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي وجماهير أصحابنا المتقدمين والمتأخرين أن الصفرة والكدرة في زمن الإمكان ، وهو خمسة عشر يكونان حيضا ، سواء كانت مبتدأة أو معتادة خالف عادتها أو وافقها ، كما لو كان أسود أو أحمر وانقطع لخمسة عشر . والوجه الثاني : قول أبي سعيد الإصطخري وأبي العباس بن القاص إن الصفرة والكدرة في أيام العادة حيض وليست في غير أيام العادة حيضا فإن رأت الصفرة والكدرة مبتدأة أو معتادة في غير أيام العادة فليست بحيض ، وإن رأتها معتادة فهي في أيام العادة حيض . والوجه الثالث : قول أبي علي الطبري وغيره من أصحابنا أنه إن تقدم الصفرة والكدرة دم قوي أسود أو أحمر ولو بعض يوم ، كانت حيضا في الخمسة عشر ، وإن لم يتقدمها شيء لم يكن حيضا على إنفرادها .
وحكى صاحب الشامل وغيره هذا عن حكاية أبي علي ابن أبي هريرة عن بعض أصحابنا والرابع : حكاه السرخسي في الأمالي والمتولي والبغوي وآخرون من الخراسانيين أنه إن تقدم على الصفرة دم قوي يوما وليلة كان حيضا تبعا للقوي . وإن تقدمها دون يوم وليلة فليست حيضا والخامس : حكاه ابن كج والسرخسي إن تقدمها دم قوي ولحقها دم قوي كانت حيضا وإلا كانت كالنقاء والسادس : حكاه السرخسي إن تقدمها دم قوي يوما وليلة ولحقها دم قوي يوما وليلة كانت حيضا وإلا فلا . وقد نقل الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي وإمام الحرمين والبغوي والرافعي وآخرون إتفاق الأصحاب على أن الصفرة والكدرة في أيام العادة تكون حيضا ، وهذا الذي نقلوه مخالف لما قدمناه من الخلاف في اشتراط تقدم الأسود فإنه جار في أيام العادة ، وقد صرح به صاحب التتمة وغيره : قال أصحابنا المصنفون : ومأخذ الخلاف بين الإصطخري والجمهور اختلافهم في مراد الشافعي بقوله : الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض . فالإصطخري يقول : معناه في أيام العادة ، والجمهور يقولون : في أيام الإمكان . قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وآخرون : قال أبو إسحاق المروزي : كنت أقول مراد الشافعي في أيام العادة حتى رأيته قال في كتاب العدة : ( والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض ، والمبتدأة والمعتادة في ذلك سواء ) فلما قال : هما سواء علمت أنه لم يعتبر أيام العادة . ثم قال الجمهور من أصحابنا في الطرق كلها لا فرق في جريان الخلاف المذكور بين المبتدأة والمعتادة ، وذكر إمام الحرمين والغزالي وجهين أصحهما هذا والعبارة عنه أن حكم مرد المبتدأة وهو يوم وليلة أو ست أو سبع حكم ما وراء العادة ، والوجه الثاني حكم مردها حكم أيام العادة . قال إمام الحرمين : هذا الوجه غير مرضي والله أعلم . فرع : اعلم أن مسائل الصفرة مما يعم وقوعه وتكثر الحاجة إليه ، ويعظم الانتفاع به فنوضح أصلحها مختصرة . قال أصحابنا رحمهم الله : إذا رأت المبتدأة خمسة عشر يوما أو يوما وليلة ، أو ما بينهما صفرة أو كدرة ، فعلى المذهب وقول الجمهور الجميع حيض ، وعلى الأوجه الخمسة الباقية ليس بحيض فتتوضأ وتصلي ولها حكم الطاهرات ولو رأت أياما سوادا ثم صفرة ، ولم يجاوز الخمسة عشر ، فعلى المذهب الجميع حيض وعند الإصطخري الأسود حيض ، والباقي طهر ولا يخفى قياس الباقين . ولو رأت نصف يوم سودا ثم أياما صفرة فعلى المذهب الجميع حيض وعند الإصطخري كله دم فساد . ولو رأت خمسة صفرة ثم خمسة سودا ثم انقطع فعند الإصطخري حيضها السواد وعلى المذهب حكمها حكم من رأت خمسة حمرة ثم خمسة سوادا ، وفيها ثلاثة أوجه يأتي بيانها إن شاء الله تعالى ، أصحها الجميع حيض ، والثاني الأسود حيض والصفرة دم فساد ولو رأت خمسة صفرة ثم خمسة عشر سوادا ، فعند الإصطخري : حيضها السواد وعلى المذهب فيه ثلاثة أوجه أحدها : حيضها حيض المبتدأة من أول الأصفر يوم وليلة أو ست أو سبع والثاني : حيضها السواد والثالث : حيضها الصفرة لسبقها وتعذر الجمع وهذا ضعيف ، وسيأتي إيضاح هذه الأوجه في فصل المميزة إن شاء الله تعالى . ولو رأت خمسة صفرة ثم ستة عشر سوادا فعند الإصطخري حيضها حيض المبتدأة من أول الأسود وعلى المذهب : حيضها حيض المبتدأة من أول الصفرة إلا على الوجه الثالث في المسألة قبلها ، فإن حيضها الصفرة .
ولو رأت خمسة سوادا ثم خمسة حمرة ثم خمسة صفرة ، فعند الإصطخري حيضها عشرة السواد والحمرة ، وعلى المذهب : حيضها الخمسة عشر ، ولو رأت خمسة حمرة ثم خمسة صفرة ثم خمسة سوادا ، فعلى المذهب لها حكم من رأت عشرة حمرة ثم خمسة سوادا ، وفيها الأوجه الثلاثة الأصح الجميع حيض والثاني الحيض الأسود ، والثالث فاقدة التمييز وعند الأصطخري الحمرة والسواد حيض وفي الصفرة بينهما القولان في النقاء المتخلل بين الدمين هكذا ذكره البغوي وغيره هذا كله في المبتدأة . أما المعتادة فإذا كانت عادتها خمسة أيام من كل شهر فرأت خمسة سوادا ثم خمسة صفرة ، فعلى المذهب الجميع حيض ، وعند الإصطخري حيضها الأسود ، ولو رأت خمسة سوادا ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت خمسة صفرة فعلى المذهب الصفرة حيض ثان وبينه وبين السواد طهر كامل ، وعند الإصطخري الصفرة دم فساد ، لأنها ليست في أيام العادة ، ولو كان عادتها عشرة من أول الشهر ، فرأت خمسة سوادا ثم عشرة صفرة وانقطع ، فعلى المذهب الجميع حيض لأنه في مدة الإمكان ، وعند الإصطخري ، قال صاحب الحاوي حيضها عشرة ، خمسة السواد مع خمسة من أول الصفرة ، وهذا ظاهر ، ولو كان عادتها خمسة فرأت خمسة سوادا ثم خمسة صفرة ، ثم خمسة حمرة أو سوادا وانقطع ، فعند الإصطخري السواد والحمرة حيض ، وفي الصفرة بينهما القولان في النقاء بين الدمين ، وأما على المذهب فاختلفوا فيه ، فقال الشيخ أو حامد والمحاملي في المجموع و التجريد : قال ابن سريج : السواد والحمرة حيض ، وفي الصفرة القولان في النقاء كما قال الإصطخري قالا : قال أبو العباس والفرق بين هذه المسألة وباقي المسائل حيث حكمنا بأن الصفرة في مدة الإمكان حيض إذا تأخرت عن السواد أن العادة في الحيض أن يكون في أوله قويا أسود ثخينا ثم يرق فيحمر ثم يصفر ثم ينقطع فتكون الصفرة من بقايا الحيض فحكم بأنها حيض . وأما هنا فهذه الصفرة يعقبها حمرة ، فعلمنا أنه ليست بقية حيض لأنه لا يضعف ثم يقوى ، وإنما أصفر لأنه انقطع فكان نقاء بين حيضتين . هكذا نقل أبو حامد والمحاملي عن ابن سريج ولم يخالفاه بل قرراه . وحكى صاحب الشامل هذا عن أبي حامد ، وأنكره وقال : هذا لا يجىء على مذهب الشافعي ولا مذهب ابن سريج ، لأن عندهما الصفرة في زمن الإمكان حيض ، وإنما يجىء على قول الإصطخري ، وذكر صاحب البحر نحو قول صاحب الشامل وقال صاحب الحاوي والقاضي أبو الطيب وصاحب التتمة : المذهب أن الجميع حيض . وهذا هو الصواب والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الصفرة والكدرة . قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أنهما في زمن الإمكان حيض ولا تتقيد بالعادة ، ونقله صاحب الشامل عن ربيعة ومالك وسفيان والأوزاعي وأبي حنيفة ومحمد وأحمد وإسحاق . وقال أبو يوسف : الصفرة حيض والكدرة ليست بحيض إلا أن يتقدمها دم . وقال أبو ثور : إن تقدمها دم فهما حيض وإلا فلا ، قال : واختاره ابن المنذر وحكى العبدري عن أكثر الفقهاء أنهما حيض في مدة الإمكان ، وخالفه البغوي فقال : قال ابن المسيب وعطاء والثوري والأوزاعي وأحمد وأكثر الفقهاء : لا تكون الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض حيضا ، ومدار أدلة الجميع على الحديثين المذكورين في الكتاب ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن عبر الدم الخمسة عشر فقد اختلط حيضها بالإستحاضة ، فلا يخلو أما أن تكون مبتدأة غير مميزة ، أو مبتدأة مميزة ، أو معتادة غير مميزة ، أو معتادة مميزة أو ناسية غير مميزة ، أو ناسية مميزة ، فإن كانت مبتدأة غير مميزة وهي التي بدأ بها الدم وعبر الخمسة عشر والدم على صفة واحدة ففيها قولان أحدهما : تحيض أقل الحيض لأنه يقين وما زاد مكشوك فيه فلا يحكم بكونه حيضا ، والثاني : ترد إلى غالب عادة النساء وهو ست أو سبع ، وهو الأصح لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش : تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام كما تحيض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن . ولأنه لو كان لها عادة ردت إليها لأن ( الظاهر أن ) حيضها في هذا الشهر كحيضها فيما تقدم فإذا لم يكن لها عادة فالظاهر أن حيضها كحيض نسائها ولداتها فردت إليها ، وإلى أي عادة ترد فيه وجهان أحدهما : إلى غالب عادة النساء لحديث حمنة والثاني : إلى عادة نساء بلدها وقومها لأنها أقرب إليهن ، فإن استمر بها الدم في الشهر الثاني اغتسلت عند إنقضاء اليوم والليلة في أحد القولين وعند إنقضاء الست أو السبع الآخر ، لأنا قد علمنا بالشهر الأول أنها مستحاضة ، وأن حكمها ما ذكرناه فتصلي وتصوم ولا تقضي الصلاة وأما الصوم ، فلا تقضي ما يأتي به بعد الخمسة عشر ، وفيما تأتي به قبل الخمسة عشر وجهان أحدهما : تقضيه لجواز أن يكون صادف زمان الحيض فلزمها قضاؤه كالناسية والثاني : لا تقضي وهو الأصح لأنها صامت في زمان حكمنا بالطهر فيه بخلاف الناسية فإنه لم يحكم لها بحيض ولا طهر . + الشرح : حديث حمنة صحيح سبق بيانه مع بيان اسمها ، وبيان الاختلاف في أنها كانت مبتدأة أو معتادة ، والمبتدأ بهمزة مفتوحة بعد الدال ، وهي التي ابتدأها الدم ولم تكن رأته ، والمميزة بكسر الياء فاعلة من التمييز ، وقوله : كحيض نسائها ولداتها ، هو بكسر اللام وتخفيف الدال المهملة وبالتاء المثناة فوق ، ومعناه أقرانها . وأما حكم المسألة : فلما فرغ المصنف من حكم الحائض إذا لم يجاوز دمها أكثر الحيض انتقل إلى بيان حكم المستحاضات ، وهن من جاوز دمهن أكثر الحيض ، واختلط الحيض والطهر ، وهن منقسمات إلى هذه الأقسام التي ذكرها إحداهن : المبتدأة وهي التي ابتدأها الدم لزمان الإمكان وجاوز خمسة عشر ، وهو على لون أو على لونين ، ولكن فقد شرط من شروط التمييز التي يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى ، ففيها قولان مشهوران نص عليهما الشافعي رحمه الله في الأم في باب المستحاضة . أحدهما : حيضها يوم وليلة من أول الدم ، والثاني : ست أو سبع ، ودليلهما في الكتاب . واختلفوا في أصحهما فصحح المصنف والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في كتابه المستخلص ، وسليم الرازي في رؤوس المسائل والروياني في الحلية والشاشي وصاحب البيان قول الست أو السبع ، وصحح الجمهور في الطريقين قول اليوم والليلة ، وممن صححه القاضي أبو حامد في جامعه والشيخ أبو محمد الجويني والغزالي في الخلاصة والشيخ نصر المقدسي والبغوي والرافعي وآخرون . وقطع به جماعات من أصحاب المختصرات منهم ابن القاص في المفتاح و التلخيص ، وأبو عبد الله الزبيري في الكافي وباب الحيض في آخر كتابه ، وله اصطلاح غريب في ترتيب كتابه ، وأبو الحسن ابن خيران في كتابه اللطيف ، وسليم الرازي في الكفاية ، والمحاملي في المقنع والشيخ نصر في الكافي وآخرون ، وهو نص الشافعي في البويطي و مختصر المزني ، واختاره ابن سريج وعلى القولين ابتداء حيضها من أول رؤية الدم .
قال أصحابنا : فإذا قلنا حيضها ست أو سبع فباقي الشهر طهر وهو تمام الدور وهو ثلاثون يوما ، وهكاذ يكون دورها أبدا ثلاثين ، منها ستة أو سبعة حيض والباقي طهر ، وإن قلنا حيضها يوم وليلة ، ففي طهرها ثلاثة أوجه ، هكذا حكاها إمام الحرمين والغزالي وجماعات من الخراسانيين أوجها ، وحكاها الشيخ أبو محمد في الفروق أقوالا أصحها وأشهرها أنه تسعة وعشرون يوما تمام الشهر ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والعراقيون وجماعات من الخراسانيين ، وصححه شيخهم القفال لأن الغالب أن الدور ثلاثون . فإذا ثبت للحيض يوم وليلة تعين الباقي للطهر ، ولأن الرد إلى يوم وليلة في الحيض إنما كان للاحتياط . فالإحتياط في الطهر أن يكون باقي الشهر ، والوجه الثاني : أن الطهر خمسة عشر يوما فيكون دورها ستة عشر يوما أبدا منها يوم وليلة حيض وخمسة عشر طهر لأنها ردت إلى أقل الحيض وترد إلى أقل الطهر ، وهذا الوجه مشهور عند الخراسانيين ، ونقله القاضي حسين والمتولي والبغوي وآخرون عن نصه في البويطي ، وكذا رأيته أنا في البويطي نصا صريحا لا يحتمل التأويل ، وهذا في غاية الضعف . قال إمام الحرمين : هذا الوجه إتباع لفظ وإعراض عن المعنى ، لأن الرد إلى أقل الحيض إنما كان لتكثر صلاتها ، فإذا ردت إلى أقل الطهر عاجلها الحيض فقلت صلاتها . والوجه الثالث : ترد إلى غالب الطهر واختاره الشيخ أبو محمد الجويني وقال إنه المشهور من نص الشافعي ، ودليله أن مقتضى الدليل الرد إلى الغالب ، خالفنا في الحيض للإحتياط وليس في أقل الطهر إحتياط فبقيناه على مقتضي الدليل ، فعلى هذا يرد إلى الغالب من غالب الطهر وهو ثلاثة وعشرون أو أربعة وعشرون ولا يتعين أحدهما ، هكذا صرح به الشيخ أبو محمد في كتابه الفروق ، وإمام الحرمين والغزالي في البسيط والرافعي وآخرون وقال الغزالي في الوسيط : على هذا ترد إلى أربعة وعشرين لأنه أحوط . ونقله إمام الحرمين عن والده أبي محمد ، والأول أصح والله أعلم . قال أصحابنا العراقيون والمتولي : وإذا قلنا ترد إلى ست أو سبع فهل ذلك على سبيل التخيير فيه وجهان مشهوران عندهم ، وحكاهما القاضي أبو الطيب والمحاملي والشيخ نصر في الانتخاب وغيرهم عن ابن سريج ، أحدهما : أنه للتخيير بين الست والسبع ، فإن شاءت جعلت حيضها ستا ، وإن شاءت سبعا لأن كل واحد منهما عادة وبهذا قطع الجرجاني في البلغة ، واختاره ابن الصباغ ونقله القاضي أبو الطيب وغيره عن أبي إسحاق المروزي قال الرافعي : وزعم الحناطي أنه الأصح لظاهر الحديث ، والوجه الثاني : أنه ليس للتخيير بل للتقسيم ، فإن كانت عادة النساء ستا فحيضها ست وإن كانت سبعا فسبع ، وهذا هو الصحيح وبه قطع جمهور الخراسانيين وصححه العراقيون والمتولي . قال إمام الحرمين : تخيل التخيير محال فعلى هذا في النساء المعتبرات أربعة أوجه أحدها : نساء زمانها في الدنيا كلها لظاهر حديث حمنة حكاه المصنف وآخرون . والثاني : نساء بلدها وناحيتها . والثالث : نساء عصبتها خاصة ، حكاه الروياني والرافعي كالمهر والرابع : وهو الأصح باتفاق الأصحاب : نساء قراباتها من جهة الأب والأم جميعا ، هكذا صرح به الصيدلاني وإمام الحرمين والبغوي ، وبهذا الوجه قطع البغوي وجماعات . ونقله إمام الحرمين عن الأكثرين ، فعلى هذا إن لم يكن لها نساء عشيرة اعتبر نساء بلدها لأنها أقرب إليهن ، كذا صرح به البغوي والمتولي ، ثم إن كان عادة النساء المعتبرات ستا فحيض هذه ست ، وإن كانت سبعا فسبع ، وإن كانت دون ست أو فوق سبع فوجهان حكاهما البغوي وغيره أصحهما ترد إلى الست إن كانت عادتهن دونها وإلى السبع إن كانت فوقها ، لأنه أقرب إلى الحديث وبهذا قطع الفوراني وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم .
وادعى الغزالي في البسيط اتفاق الأصحاب عليه ، والثاني : ترد إلى عادتهن زادت أو نقصت . قال البغوي : وهذا أقيس لأن الإعتبار بالنساء . ولو كان بعضهن يحضن ستا وبعضهن يحضن سبعا فقال إمام الحرمين وآخرون : ترد إلى الست ، وقال البغوي والرافعي : إن استوى البعضان فإلى الست ، وإلا فالإعتبار بغالب النسوة ، ولو حاض بعضهن فوق سبع وبعضهن دون ست فحيضها الست هذا بيان مرد المبتدأة . ثم ما حكم بأنه حيض من يوم وليلة أو ست أو سبع فلها فيه حكم الحائض في كل شيء . وما فوق الخمسة عشر لها فيه حكم الطاهرات في كل شيء . وأما ما بين المرد والخمسة عشر ففيه قولان مشهوران في جميع كتب الأصحاب من العراقيين والخراسانيين وحكاهما صاحب الحاوي عن الأم ونقله المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب وجهين وأنكر ذلك عليهما ، أصحهما باتفاق الأصحاب أن لها فيه حكم الطاهرات في كل شيء فيصح صومها وصلاتها وطوافها ، وتحل لها القراءة ومس المصحف والجماع ، ولا يلزمها قضاء الصوم والصلاة وغيرهما مما تفعله فيه ، ويصح قضاء ما تقضيه فيه من صلاة وصوم وطواف وغيرها ، لأن هذه فائدة الحكم بأن اليوم والليلة أو الست أو السبع حيض ليكون الباقي طهرا ، وقياسا على المميزة والمعتادة ، فإن ما سوى أيام تمييزها وعادتها يكون طهرا بلا خلاف ، فكذا المبتدأة . والثاني : أنها تؤمر في هذه المدة بالاحتياط الذي تؤمر به المتحيرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، فتغتسل لكل صلاة وتصلي وتصوم ولا تقرأ القرآن ولا توطأ ، ويلزمها قضاء الصوم الذي أدته في هذه الأيام ولا تقضي الصلوات المؤديات فيها بلا خلاف ، كذا صرح به الأصحاب . ونقل الاتفاق عليه الرافعي وغيره ، قالوا : ولا يجىء فيه الخلاف في قضاء صلاة المتحيرة ، ودليل هذا القول أن هذا الزمان يحتمل أنه طهر وأنه حيض ، فأشبهت المتحيرة ، والمذهب الأول . ثم ظاهر كلام الجمهور أنها إذا ردت إلى ست أو سبع كان ذلك حيضا بيقين وفيما وراءه القولان . وقال المتولي : يوم وليلة من أول الست والسبع حيض بيقين ، وفيما بعده إلى تمام ست أو سبع القولان أحدهما : أنه حيض بيقين ، والثاني : أنه حيض مشكوك فيه فيحتاط فيه فتغتسل وتقضي صلواته والصواب الأول . قال أصحابنا : فإذا رددنا المبتدأة إلى يوم وليلة فلها ثلاثة أحوال ، حال طهر بيقين وهو ما بعد الخمسة عشر إلى آخر الشهر ، وحال حيض بيقين ، وهو اليوم والليلة ، وحال طهر مشكوك فيه ، وهو ما بعد يوم وليلة إلى آخر خمسة عشر ، وإن رددناها إلى ست أو سبع فلها أربعة أحوال ، حال طهر بيقين ، وهو ما بعد الخمسة عشر إلى آخر الشهر ، وحال حيض بيقين وهو اليوم والليلة ، وحال حيض مشكوك فيه وهو ما بعد يوم وليلة إلى آخر ست أو سبع وحال طهر مشكوك فيه وهو ما بعد ست أو سبع إلى آخر الخمسة عشر والله أعلم . فرع : قال أصحابنا رحمهم الله : إذا رأت المبتدأة الدم في أول أمرها أمسكت عن الصوم والصلاة وغيرهما مما تمسك عنه الحائض رجاء أن ينقطع على خمسة عشر يوما فما دونها فيكون كله حيضا . فإذا استمر وجاوز الخمسة عشر علمنا أنها مستحاضة وفي مردها القولان ، فإذا استمر بها الدم في الشهر الثاني وجب عليها الغسل عند إنقضاء المرد ، وهو يوم وليلة أو ست أو سبع ، ولا تمسك إلى آخر الخمسة عشر لأنا علمنا بالشهر الأول أنها مستحاضة ، فالظاهر أن حالها في هذا الشهر كحالها في الأول ، وهكذا حكم الشهر الثالث وما بعده .
ومتى انقطع الدم في بعض الشهور لخمسة عشر فما دونها تبينا أن جميع الدم في ذلك الشهر حيض ، فيتدارك ما ينبغي تداركه من صوم وغيره مما فعلته بعد المرد وتبينا أن غسلها بعد المرد لم يصح لوقوعه في الحيض ولا أثم عليها فيما فعلته بعد المرد من صوم وصلاة وغيرهما لأنها معذورة . قال أصحابنا : وتثبت الاستحاضة بمرة واحدة بلا خلاف ، ولا يجىء فيها الخلاف المعروف في ثبوت العادة في قدر الحيض بمرة واحدة ، ونقل إمام الحرمين والغزالي وغيرهما العادة في باب الحيض أربعة أقسام : أحدها : ما يثبت فيه بمرة واحدة بلا خلاف وهو الإستحاضة لأنها علة مزمنة فإذا وقعت فالظاهر دوامها ويبعد زوالها ، وسواء في هذا المبتدأة والمعتادة والمميزة . الثاني : ما تثبت فيه العادة بمرتين ، وفي ثبوته بمرة واحدة وجهان الأصح الثبوت وهو قدر الحيض . الثالث : لا تثبت بمرة ولا مرات على الأصح وهو التوقف بسبب تقطع الدم إذا كانت ترى يوما دما ويوما نقاء ، كما سيأتي إيضاحه في موضعه إن شاء الله تعالى . الرابع : لا تثبت العادة فيه بمرة ولا مرات متكررات بلا خلاف ، وهي المستحاضة إذا انقطع دمها فرأت يوما دما ويوما نقاء ، واستمرت لها أدوار هكذا ثم أطبق الدم على لون واحد ، فإنه لا يلتقط لها قدر أيام الدم بلا خلاف وإن قلنا باللقط لو لم يطبق الدم ، قالوا : وكذا لو ولدت مرات ولم تر نفاسا أصلا ، ثم ولدت وأطبق الدم وجاوز ستين يوما لم يصر عدم النفاس عادة بلا خلاف ، بل هذه مبتدأة في النفاس والله أعلم . فرع : إذا لم تعرف المبتدأة وقت إبتداء دمها ، فحكمها حكم المتحيرة ذكره الرافعي وهو ظاهر . فرع : في مذاهب العلماء في المبتدأة ، حكم العبدري عن زفر : ترد إلى يوم وليلة وهي رواية عن أحمد ، وقال عطاء والأوزاعي والثوري وإسحاق : إلى ست أو سبع وهي رواية عن أحمد ، وعن أبي حنيفة : إلى أكثر الحيض عنده وهو عشرة أيام ، وعن أبي يوسف : ترد في إعادة الصلاة إلى ثلاثة أيام ، وهو أقل الحيض عنده ، وفي الوطء إلى أكثره إحتياطا للأمرين ، وعن مالك رواية خمسة عشر يوما ، ورواية كأقرانها ، وعن داود إلى خمسة عشر ، ودلائلها تعرف مما سبق والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت مبتدأة مميزة وهي التي بدأ بها الدم وعبر الخمسة عشر ودمها في بعض الأيام بصفة دم الحيض وهو المحتدم القانىء الذي يضرب إلى السواد ، وفي بعضها أحمر مشرق أو أصفر ، فإن حيضها أيام السواد بشرطين : أحدهما : ألا ينقص الأسود عن يوم وليلة . والثاني : ألا يزيد على أكثره ، والدليل عليه ما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أستحاض أفأدع الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم إن دم الحيض أسود يعرف ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلى فإنما هو عرق ولأنه خارج يوجب الغسل فجاز أن يرجع إلى صفته عند الإشكال كالمني ، وإن رأت في الشهر الأول يوما وليلة دما أسود ثم أحمر أو أصفر أمسكت عن الصوم والصلاة ، لجواز أن لا تجاوز الخمسة عشر ، فيكون الجميع حيضا ، وفي الشهر الثاني يلزمها أن تغتسل عند تغير الدم وتصلي وتصوم لأنا علمنا بالشهر الأول أنها مستحاضة ، فإن رأت في الشهر الثالث السواد في ثلاثة أيام ثم أحمر أو أصفر ، وفي الشهر الرابع رأت السواد في أربعة أيام ثم أحمر أو أصفر كان حيضها في كل شهر الأسود . + الشرح : حديث فاطمة رضي الله عنها صحيح رواه أحمد بن حنبل وأبو داود والنسائي وغيرهم بلفظه هنا بأسانيد صحيحة من رواية فاطمة وأصله في البخاري ومسلم بغير هذا اللفظ من رواية عائشة رضي الله عنها ، وقوله صلى الله عليه وسلم إنما هو عرق هو بكسر العين وإسكان الراء أي دم عرق وهذا العرق يسمى العاذل كما سبق في أول الباب . وقول إمام الحرمين والغزالي : عرق انقطع ، منكر فلا يعرف لفظة انقطع في الحديث ، وقوله : المحتدم هو بالحاء والدال المهملتين وهو اللذاع للبشرة بحدته ، مأخوذ من احتدام النهار وهو اشتداد حره ، وهكذا فسره أصحابنا في كتب الفقه ، والمشهور في كتب اللغة أن المحتدم الذي اشتدت حمرته حتى أسود والفعل منه احتدم ، وأما القانىء فبالقاف وآخره همزة على وزن القارىء ، قال أصحابنا : وهو الذي اشتدت حمرته فصار يضرب إلى السواد ، وقال أهل اللغة : هو الذي اشتدت حمرته ، والفعل منه قنأ يقنأ كقرأ يقرأ ، والمصدر القنوء كالرجوع ولا خلاف بين أهل اللغة في أن آخره مهموز ، ونبهت على هذا لأني رأيت من يغلط فيه ، قال إمام الحرمين وغيره : وليس المراد بالأسود في الحديث وفي كلام أصحابنا الأسود الحالك بل المراد ما تعلوه حمرة مجسده كأنها سواد بسبب تراكم الحمرة وقد أشار المصنف في وصفه إلى هذا . أما أحكام الفصل : فمذهبنا أن المبتدأة المميزة ترد إلى التمييز بلا خلاف عندنا ودليله ما ذكره المصنف ، قال أصحابنا : والمميزة هي التي ترى الدم على نوعين أو أنواع بعضها قوي ، وبعضها ضعيف ، أو بعضها أقوى من بعض فالقوي أو الأقوى حيض والباقي طهر ، وبماذا يعرف تغير القوة والضعف فيه وجهان : أحدهما : أن الاعتبار باللون وحده فالأسود قوي بالنسبة إلى الأحمر ، والأحمر قوي بالنسبة إلى الأشقر ، والأشقر أقوى من الأصفر والأكدر إذا جعلناهما حيضا . وبهذا الوجه قطع إمام الحرمين والغزالي وادعى الإمام أنه متفق عليه ، وقال : لو رأت خمسة سوادا مع الرائحة ، وخمسة سوادا بلا رائحة ، فهما دم واحد بالإتفاق ، والوجه الثاني : أن القوة تحصل بثلاث خصال وهي اللون والرائحة الكريهة والثخانة ، فاللون معتبر كما سبق وماله رائحة كريهة أقوى مما لا رائحة له ، والثخين أقوى من الرقيق .
قال الرافعي : هذا الوجه هو الذي قطع به العراقيون وغيرهم قال : وهو الأصح ألا ترى أن الشافعي رحمه الله قال في صفة دم الحيض : إنه محتدم ثخين له رائحة ، وورد في الحديث التعرض لغير اللون كما ورد التعرض للون ، فعلى هذا إن كان بعض دمها بإحدى الصفات الثلاث والبعض خاليا من جميعها فالقوي هو الموصوف بها ، وإن كان للبعض صفة وللبعض صفتان فالقوي ماله صفتان ، وإن كان للبعض صفتان وللبعض ثلاث فالقوي ما له ثلاث ، وإن كان للبعض صفة وللبعض صفة أخرى فالقوي السابق . هكذا ذكر هذا التفصيل صاحب التتمة قال الرافعي : وهو موضع تأمر وهذه صفة التمييز قال أصحابنا : وإنما يحكم بالتمييز بثلاثة شروط ألا ينقص القوي عن يوم وليلة ولا يزيد على خمسة عشر ولا ينقص الضعيف عن خمسة عشر ليمكن جعل القوي حيضا والضعيف طهرا . وأخل المصنف وأكثر العراقيين بهذا الشرط الثالث ولا بد منه ، فلو رأت نصف يوم أسود ثم أطبقت الحمرة فات الشرط الأول ، ولو رأت ستة عشر أسود ثم أحمر فات الشرط الثاني ، ولو رأت يوما وليلة أسود ثم أربعة عشر أحمر ثم عاد الأسود فات الشرط الثالث ، وتكون في هذه الصور الثلاث غير مميزة . قال الرافعي : وقول الأصحاب بشرط أن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر متصلة وإلا فلو رأت يوما أسود ويومين أحمر ، وهكذا أبدا فجملة الضعيف في الشهر لم ينقص عن خمسة عشر لكن لما لم تكن متصلة لم يكن ذلك تمييزا وهذا الذي ذكرناه من أن شروط التمييز ثلاثة فقط هو الصحيح المشهور ، وبه قطع الجمهور . وذكر المتولي شرطا رابعا ، وهو أن لا يزيد مجموع الدمين القوي والضعيف على ثلاثين يوما فإن زاد سقط حكم التمييز لأن الثلاثين لا تخلو غالبا من حيض وطهر ، وذكر إمام الحرمين وغيره وجها أن الضعيف إن كان مع القوي الذي قبله تسعين يوما فما دونها عملنا بالتمييز وجعلنا دورها أبدا تسعين يوما ، وهذا الذي ذكره الإمام والمتولي شاذان ضعيفان والمذهب أنه لا فرق بين قصر الزمان وطوله قال الرافعي : المذهب أنه لا فرق ، والله أعلم . قال أصحابنا : فإذا رأت الأسود يوما وليلة أو أكثر ثم اتصل به أحمر قبل الخمسة عشر وجب عليها أن تمسك في مدة الأحمر عما تمسك عنه الحائض ، لإحتمال أن ينقطع الأحمر قبل مجاوزة المجموع خمسة عشر ، فيكون الجميع حيضا . فإن جاوز خمسة عشر عرفنا حينئذ أنها مستحاضة مميزة فيكون حيضها الأسود ، ويكون الأحمر طهرا بالشروط السابقة ، فعليها الغسل عقب الخمسة عشر وتصلي ، وتصوم وتقضي صلوات أيام الأحمر ، وقولهم : الأسود والأحمر ، تمثيل وإلا فالإعتبار بالقوي والضعيف كيف كان على ما سبق من صفاتهما . هذا حكم الشهر الأول فأما الشهر الثاني وما بعده فإذا انقلب الدم القوي إلى الضعيف لزمها أن تغتسل عند انقلابه ، وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها ولا ينتظر الخمسة عشر . قال أصحابنا : وهذا لا خلاف فيه قالوا : ولا يخرج على الخلاف في ثبوت العادة في قدر الحيض بمرة لأن الاستحاضة علة مزمنة فالظاهر دوامها ، وقد سبق بيان هذا في الفرع السابق ، فإن انقطع الضعيف في بعض الأدوار قبل مجاوزة الخمسة عشر يوما تبينا أن الضعيف مع القوي في هذا الدور كان حيضا فيلزمها قضاء الصوم والطواف والإعتكاف في الواجبات المفعولات في أيام الضعيف وهذا لا خلاف فيه . ولو رأت في الشهر الثالث الدم القوي ثلاثة أيام ثم ضعف وفي الشهر الرابع خمسة ثم ضعف وفي الخامس ستة ثم ضعف وكذا ما بعده فحيضها في كل شهر القوي ، ويكون الضعيف طهرا بشروطها وتغتسل وتصلي وتصوم أبدا عند انقلاب الدم إلى الضعيف ويأتيها زوجها ، ومتى انقطع الضعيف في شهر قبل مجاوزة خمسة عشر فالجميع حيض .
قال صاحب التتمة والأصحاب : وسواء في هذا كله كان القوي في الشهر الثاني وما بعده بقدر القوي في الشهر الأول أو دونه أو أكثر منه في ذلك الزمان أو قبله أو بعده ، لأن الحكم بكونه حيضا ليس بسبب العادة بل المعتمد صفة الدم فمتى وجدت تعلق الحكم بها .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن رأت خمسة أيام دما أحمر أو أصفر ، ثم رأت خمسة أيام دما أسود ثم أحمر إلى آخر الشهر ، فالحيض هو الأسود وما قبل الأسود وبعده استحاضة وخرج أبو العباس وجهين ضعيفين أحدهما : أنه لا تمييز لها لأن الخمسة الأولة ( حيض لأنه ) دم بدأ في وقت يصلح أن يكون حيضا والخمسة الثانية أولى أن تكون حيضا لأنها في وقت يصلح للحيض وقد انضم إليه علامة الحيض وما بعدهما بمنزلتهما ، فيصير كان الدم كله مبهم فيكون على القولين في المبتدأة غير المميزة والوجه الثاني : أن حيضها العشر الأول لأن الخمسة الأولة حيض بحكم البداية في وقت يصلح أن يكون حيضا والخمسة الثانية حيض باللون . وإن رأت خمسة أيام دما أحمر ، ثم رأت دما أسود إلى آخر الشهر فهي غير مميزة لأن السواد زاد على الخمسة عشر فبطل دلالته ، فيكون على القولين في المبتدأة غير المميزة . وخرج أبو العباس وجها أن إبتداء حيضها من أول الأسود إما يوم وليلة وإما ست أو سبع لأنه بصفة دم الحيض ، وهذا لا يصح لأن هذا اللون لا حكم له إذا عبر الخمسة عشر ، وإن رأت خمسة عشر يوما دما أحمر وخمسة عشر يوما أسود وانقطع فحيضها الأسود ، وإن استمر الأسود ولم ينقطع لم تكن مميزة فيكون حيضها من ابتداء الدم يوما وليلة في أحد القولين أو ستا أو سبعا في القول الآخر ، وعلى الوجه الذي خرجه أبو العباس يكون حيضا من أول الدم الأسود يوما وليلة أو ستا أو سبعا . + الشرح : قوله : الأولة هذه لغة قليلة واللغة الفصيحة المشهورة الأولى وقوله : كأن الدم كله مبهم أي على لون واحد . وقوله : بحكم البداية هكذا يوجد في المهذب وغيره من كتب الفقه وهو لحن عند أهل العربية وصوابه البدءة والبدءة أو البداءة ثلاث لغات مشهورات حكاهن الجوهري وغيره الأولى : بفتح الباء وإسكان الدال وبعدها همزة مفتوحة ، والثانية كذلك إلا أن الباء مضمومة والثالثة بضم الباء وفتح الدال وزيادة الألف ممدودة ومعناهن الإبتداء قبل غيره . وقوله : دلالته هي بكسر الدال وفتحها والفتح أجود وفيها لغة ثالثة حكاها الجوهري دلولة بضم الدال . أما حكم الفصل : فإذا رأت المميزة دما قويا وضعيفا ، فلها ثلاثة أحوال ، حال يتقدم القوي ، وحال يتقدم الضعيف وحال يتوسط الضعيف بين قويين . الحال الأول : أن يتقدم قوي ويستمر بعده ضعيف واحد بأن رأت خمسة سوادا ثم أطبقت الحمرة فالحيض هو السواد سواء انقطعت الحمرة بعد مجاوزة الخمسة عشر بيوم أو شهر أو أكثر وإن طال زمانها طولا كثيرا . هذا هو المذهب وفيه الوجهان السابقان عن المتولي وإمام الحرمين في اشتراط انقطاع الأحمر قبل مجاوزة ثلاثين أو تسعين وهما شاذان ضعيفان ، وظاهر نص الشافعي رحمه الله يبطلهما لإطلاقه أن الضعيف طهر ولو تعقب القوي ضعيف ثم أضعف فإن أمكن الجمع بين القوي والضعيف المتوسط بأن رأت خمسة سوادا ثم خمسة حمرة ثم أطبقت الصفرة ففيه طريقان حكاهما إمام الحرمين وجماعة ، أصحهما : إلحاق الحمرة بالسواد فيكونان حيضا والصفرة طهرا لأنهما قويان بالنسبة إلى الصفرة وهما في زمن الإمكان وبهذا قطع أبو علي السنجي في شرح التلخيص والبغوي والثاني : على وجهين أحدهما : هذا والثاني إلحاف الحمرة بالصفرة للإحتياط فيكون حيضها الأسود فقط ، وأما إذا لم يمكن الجمع بينهما بأن رأت خمسة سوادا ثم أحد عشر حمرة ثم أطبقت الصفرة ، فطريقان حكاهما إمام الحرمين وغيره ، أصحهما وأشهرهما القطع بأن السواد حيض وما بعده من الحمرة والصفرة كلاهما طهر لقوة السواد باللون والأولية .
والثاني : على وجهين أصحهما هذا ، والثاني : أنها فاقدة للتمييز لأن الحمرة كالسواد لقوتها بالنسبة إلى ما بعدها فيصير كأن السواد استمر ستة عشر ، أما إذا تعقب القوي ضعيفان توسط أضعفهما بأن رأت سوادا ثم صفرة ثم حمرة فهذه الصورة تبنى على التي قبلها وهو توسط الحمرة ، فإن ألحقنا هناك الحمرة المتوسطة بالصفرة بعدها فهنا أولى بأن نلحق الصفرة بالحمرة بعدها ، فيكون حيضها الأسود والباقي طهرا ، وإن ألحقناها بالسواد قبلها فالحكم هنا ، كما إذا رأت سوادا ثم حمرة ثم عاد السواد وسنذكره إن شاء الله تعالى . الحال الثاني : أن يتقدم الضعيف وهي مسائل الكتاب ولها صور إحداها : أن يتوسط قوي بين ضعيفين بأن ترى خمسة حمرة ثم خمسة سوادا ثم تطبق الحمرة أو ترى خمسة حمرة ثم عشرة سوادا ثم تطبق الحمرة ، ففيها الأوجه الثلاثة التي حكاها المصنف ، وهي مشهورة حكوها عن ابن سريج ، أصحها باتفاقهم أن حيضها السواد المتوسط ، ويكون ما قبله وبعده طهرا للحديث : دم الحيض أسود وهو حديث صحيح كما بيناه ، ولأن اللون علامة بنفسه فقدم ولهذا قدمنا التمييز على العادة على المذهب . والثاني : أنها فاقدة للتمييز لما ذكره المصنف من التعليل ، ولأن الجمع بين الدمين خلاف مقتضى العمل بالتمييز ، والعدول عن الأولية مع إمكان العمل بها بعيد ، فيكون على القولين في المبتدأة فتحيض من أول الحمرة يوما وليلة في قول ، وستا وسبعا في قول . والثالث : يجمع بين الأولية واللون فيكون حيضها الحمرة الأولى مع السواد ، هذا إذا أمكن الجمع بينهما ، فإن لم يمكن بأن رأت خمسة حمرة ثم أحد عشر سوادا فإن قلنا في المسألة الأولى يقدم اللون أو قلنا فاقدة للتمييز فكذا هنا ، وإن قلنا بالجمع فهو متعذر هنا فتكون فاقدة للتمييز ، وفيه وجه مشهور أن حيضها الحمرة الأولى تغلبيا للأولية لتعذر الجمع . قال إمام الحرمين : هذا الوجه هفوة لا أعده من المذهب . هذا الذي ذكرناه من التفصيل والخلاف هو المشهور ، وبه قطع الجمهور . وقال صاحب الحاوي : إن كانت مبتدأة فحيضها السواد بلا خلاف ، وإن كانت معتادة فوجهان ، قال أبو العباس وأبو علي : حيضها الحمرة ، وقال أبو إسحاق وجمهور المتأخرين : حيضها السواد وحده . الصورة الثانية : رأت خمسة حمرة ثم أطبق السواد فجاوز الخمسة عشر فثلاثة أوجه ، الصحيح المشهور أنها فاقدة للتمييز فتحيض من أول الحمرة يوما وليلة في قول وستا أو سبعا في قول : وبهذا الوجه قطع البغوي وادعى الإتفاق عليه . والثاني : الحيض من أول السواد يوما وليلة في قول وستا أو سبعا في قول : وهذان الوجهان ذكرهما المصنف بدليلهما . والثالث حكاه الخراسانيون : حيضها الحمرة لقوة الأولة وهو ضعيف جدا كما قدمناه . الثالثة : رأت خمسة عشر حمرة ثم خمسة عشر سوادا وانقطع فالمذهب أن حيضها السواد . وعلى تخريج ابن سريج هي فاقدة للتمييز . ولم يذكر المصنف تخريج ابن سريج هنا كما لم يذكره شيخه القاضي أبو الطيب ولا بد من ذكره هنا كما سبق فيما إذا رأت خمسة حمرة ثم خمسة سوادا ، وقد ذكره هنا الشيخ أبو محمد والمحاملي والبغوي وآخرون .
الرابعة : رأت خمسة عشر حمرة ثم خمسة عشر سوادا ثم استمر فهي فاقدة للتمييز ، فحيضها يوم وليلة في قول ، وست أو سبع في قول ، ويكون ذلك من أول الأحمر على المذهب ، وعلى تخريج ابن سريج من أول الأسود ، وعلى الوجه الشاذ الناظر إلى الأول يكون حيضها الحمرة في الخمسة عشر ، فعلى المذهب وهو أنها فاقدة للتمييز تؤمر بترك الصوم والصلاة وغيرهما مما تمسك عنه الحائض أحدا وثلاثين يوما في قول وستة وثلاثين أو سبعة وثلاثين يوما في قول ، فإنها إذا رأت الحمرة تؤمر بالإمساك عن الصلاة وغيرها لإحتمال الإنقطاع قبل تجاوز خمسة عشر فيكون هو الحيض ، فإذا جاوز الأسود الخمسة عشر علمنا أنها فاقدة للتمييز فيكون حيضها يوما وليلة في قول وستا أو سبعا في قول ، وقد انقضى الآن دورها فتبتدىء الآن حيضا ثانيا يوما وليلة ، أو ستا أو سبعا فتمسك أيضا ذلك القدر ، فصار إمساكها أحدا وثلاثين يوما في قول ، وستة وثلاثين أو سبعة وثلاثين في قول . قال أصحابنا : ولا يعرف إمرأة تؤمر بترك الصلاة أحدا وثلاثين يوما إلا هذه وأما قول الغزالي وجماعة : لا يعرف من تترك الصلاة شهرا إلا هذه ففيه نقص ، وتمامه ما ذكرناه . الحال الثالث : أن يتوسط دم ضعيف بين قويين بأن رأت سوادين بينهما حمرة أو صفرة ففيه أقسام كثيرة ، رتبها صاحب الحاوي ترتيبا حسنا فجعله ثمانية أقسام ، وبعضها ليس من صور التمييز لكن اقتضاه التقسيم ، أحدها : أن يبلع كل واحد من الدماء الثلاثة يوما وليلة ولا يجاوز الجميع خمسة عشر ، بأن ترى خمسة سوادا ثم خمسة حمرة أو صفرة ، ثم خمسة سوادا ، فالمذهب أن الجميع حيض ، وبه قطع الجمهور . وقال أبو إسحاق : الضعيف المتوسط ، كالنقاء المتخلل بين دمي الحيض ، ففيه القولان ، أحدهما : أنه حيض مع السوادين ، والثاني : طهر . وقطع السرخسي في الأمالي بقول أبي إسحاق . القسم الثاني : أن يجاوز المجموع خمسة عشر بأن رأت سبعة سوادا ثم سبعة حمرة ثم سبعة سوادا ، قال ابن سريج : حيضها السواد الأول مع الحمرة ، وأما السواد الثاني فطهر . وقال أبو إسحاق : حيضها السوادان وتكون الحمرة بينهما طهرا ولا يجىء قولا التلفيق لمجاوزة خمسة عشر ، وهذا الذي حكاه عن أبي إسحاق ضعيف جدا ، بل غلط ، لأن الدم جاوز خمسة عشر ، ولو رأت ثمانية سوادا ثم ثمانية حمرة ثم ثمانية سوادا فحيضها السواد الأول بالإتفاق . الثالث : أن ينقص الجميع عن يوم وليلة بأن ترى ساعة أسود ثم ساعة أحمر ثم ساعة أسود وينقطع ، فالجميع دم فساد . الرابع : أن ينقص كل دم عن أقل الحيض ويبلغه المجموع بأن ترى ثلث يوم وليلة سوادا ، ثم ثلثهما حمرة ثم ثلثهما سوادا ، فعلى قول ابن سريج وهو المذهب : الجميع حيض ، وعلى قول أبي إسحاق : لا حيض والجميع دم فساد لأنه يخرج الحمرة فلا يبقي يوم وليلة ، فلو رأت نصف يوم وليلة من كل واحد من الثلاثة كان الجميع حيضا عند ابن سريج ، وعلى قول أبي إسحاق : الأسوادان حيض ، وفي الحمرة قولا التلفيق . الخامس : أن يبلغ كل واحد من السوادين يوما وليلة وتنقص الحمرة ، فعند ابن سريج الجميع حيض وعند أبي سحاق حيضها السوادان ، وفي الحمرة قولا التلفيق ، ولو رأت ثمانية أيام سوادا ثم نصف يوم حمرة ثم سبعة سوادا ، فعلى قول ابن سريج حيضها السواد الأول مع الحمرة ، وعلى قول أبي إسحاق حيضها الخمسة عشر السواد دون الحمرة بينهما ، قلت : هذا الذي نقله عن أبي إسحاق ضعيف أو غلط .
السادس : أن ينقص كل سواد عن يوم وليلة وتبلغ الحمرة يوما وليلة ، بأن ترى نصف يوم وليلة سوادا ، ثم خمسة حمرة ثم نصف يوم وليلة سوادا ، فعند ابن سريج الجميع حيض وعند أبي إسحاق حيضها الأسودان وفيما بينهما قولا التلفيق . السابع : أن يبلغ السواد الأول أقل الحيض وكذا الأحمر ، وينقص السواد الأخير عن ذلك بأن رأت خمسة سوادا ثم خمسة حمرة ثم نصف يوم سوادا فالجميع حيض بالإتفاق . الثامن : أن ينقص الأولان دون الأخير بأن ترى نصف يوم سوادا ثم نصفه حمرة ثم خمسة سوادا ، فعلى قول ابن سريج الجميع حيض ، وعلى قول أبي إسحاق حيضها السواد الثاني . ولو رأت نصف يوم سوادا ثم نصفه حمرة ، ثم خمسة عشر سوادا فالسواد الثاني هو الحيض بالإتفاق . هذا آخر كلام صاحب الحاوي والله أعلم . فرع : الصفرة والكدرة مع السواد كالحمرة مع السواد إذا قلنا بالمذهب : أنهما في أيام الحيض حيض ولا يخفي تفريع أبي سعيد الإصطخري فيهما ، وسبق في مسائل الصفرة تفريعات لها تعلق بهذا الفصل . فرع : رأت خمسة عشر حمرة ثم نصف يوم سوادا : فحيضها الحمرة ، وأما الأسود فطهر ، ولو رأت يوما حمرة ثم ليلة سوادا فالجميع حيض على المذهب ، وفيه الوجه الذي سبق عن صاحب الحاوي في المبتدأة والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن رأت ستة عشر يوما دما أحمر ثم رأت دما أسود وانفصل لم يكن لها تمييز ، فيكون حيضها يوما وليلة في أول الدم الأحمر في أحد القولين ، وستا أو سبعا في الآخر . وقال أبو العباس : يكون حيضها يوما وليلة من أول الأحمر وخمسة عشر طهرا ، وتبتدىء من أول الدم الأسود حيضها آخر في أحد القولين يوما وليلة ، وفي القول الثاني يجعل حيضها ستا أو سبعا والباقي استحاضة ، ألا أن يكون الأسود في الثالث والعشرين . + الشرح : هكذا توجد هذه المسألة في نسخ المهذب ، وحكى بعض المتأخرين أنه رأى أصل المصنف ، وقد ضرب المصنف بخطه على قوله : إلا أن يكون الأسود في الثالث والعشرين ، فهذه المسألة معدودة من مشكلات المهذب ولا أراها من المشكلات فأما على المذهب ، وهو أنه لا تمييز لها وأن حيضها من أول الأحمر يوم وليلة ، أو ست أو سبع وباقي الشهر طهر فظاهر لا إشكال فيه ، وأما على قول أبي العباس فيحتمل أمرين : أظهرهما : أن معناه أنا إن قلنا المبتدأة ترد إلى يوم وليلة فحيض هذه يوم وليلة من أول الأحمر ، وباقي الأحمر وهو خمسة عشر طهر ثم تبتدىء حيضا آخر من أول الأسود يوما وليلة هذا كله إذا قلنا المبتدأة ترد إلى يوم وليلة ، فإن قلنا ترد إلى ست أو سبع فحيضها من أول الأحمر ست أو سبع وباقي الشهر طهر ، لأن الباقي من الأحمر تسعة أيام أو عشرة فلا يمكن أن يجعل طهرا فاصلا بين الحيضتين ، فتعين أن يكون ما بعد الست أو السبع إلى آخر الشهر طهرا ، إلا أن تكون رأت اثنين وعشرين يوما دما أحمر واتصل الأسود من الثالث والعشرين فيكون حيضها من أول الأحمر ستا أو سبعا والباقي من الأحمر وهو خمسة عشر أو ستة عشر طهرا وتبتدي حيضا آخر من أول الثالث والعشرين ستا أو سبعا وتقدير كلام المصنف : وقال أبو العباس : يكون حيضها يوما وليلة من أول الأحمر وخمسة عشر طهر هذا أحد القولين : والقول الثاني حيضها ست أو سبع وباقي الشهر طهر إلا أن يكون الأحمر قد امتد وبدأ السواد في الثالث والعشرين فيكون باقي الأحمر طهرا وتبتدىء من الأسود حيضا آخر ستا أو سبعا . هذا هو الاحتمال الظاهر المختار لكلام أبي العباس ، والاحتمال الثاني وهو الذي ذكره صاحب البيان في مشكلات المهذب ونقله صاحب البحر عن أبي العباس أنه أراد أنا نحيضها من أول الأحمر يوما وليلة قولا واحدا ، ولا يجىء قول الست أو السبع ويكون باقي الأحمر طهرا ثم تبتدىء حيضا آخر من أول السواد ، وفي قدره القولان في المبتدأة . أحدهما : يوم وليلة والثاني : ست أو سبع إلا أن يكون الأحمر اثنين وعشرين والأسود في الثالث والعشرين ، فإن في القدر الذي ترد إليه من أول الأحمر القولين . أحدهما : يوم وليلة ، والثاني : ست أو سبع ، وباقي الأحمر طهر ، ثم تبتدىء من أول الأسود حيضا آخر . وهذان الاحتمالان ذكرهما صاحب البيان وجهين عن أبي العباس ، والأول منهما هو الصحيح ، والثاني ضعيف لأنه مخالف للقواعد من وجهين . أحدهما : الجزم برد المبتدأة إلى يوم وليلة ، والقاعدة أنها على قولين ، والثاني : أنه جعل لها حيض من أول الأحمر وطهر بعده ، ثم جعلت في السواد مبتدأة ، وينبغي أن تجعل معتادة إذا قلنا بالمذهب : إن العادة تثبت بمرة ، فإنه سبق لها دور وهو ستة عشر يوما منها يوم وليلة حيض وخمسة عشر طهر .
وذكر القاضي أبو الطيب هذه المسألة في تعليقه فقال : قال أبو العباس : إن قلنا : ترد المبتدأة إلى يوم وليلة رددنا هذه إلى يوم وليلة من أول الأحمر ويكون بعده خمسة عشر طهرا ثم تبتدىء حيضا آخر من أول الأسود . وإن قلنا : ترد إلى ست أو سبع ردت هنا إلى ذلك من أول الأسود لأنا لو جعلنا ذلك من أول الأحمر لم يبق بينه وبين الأسود طهر صحيح إلا أن يكون استمر الأسود إلى آخر الثاني والعشرين فإنها ترد إلى أول الأحمر لأنه يجعل بعده طهر صحيح ، هذا كلام القاضي ، ويمكن حمل حكاية المصنف عليه والله أعلم . فرع : رأت خمسة حمرة ثم خمسة سوادا ثم خمسة حمرة وانقطع فالجميع حيض وليست مستحاضة ، هذا هو المذهب وبه قطع الأصحاب وفيه وجه حكاه البغوي أن الحمرة السابقة طهر والباقي حيض ، وقد سبقت المسألة ، ولو رأت خمسة حمرة ثم نصف يوم سوادا ثم نصفه حمرة ، ثم اليوم الثاني والثالث والرابع والخامس كذلك ثم رأت السادس سوادا كله ثم أطبقت حمرة وجاوز خمسة عشر ، فما بعد السادس طهر والسادس حيض وما قبله من السواد حيض أيضا وفي الحمرة المتخللة طريقان حكاهما المحاملي في المجموع وصاحب البيان أحدهما : حيض وهو قول ابن سريج . والثاني : أنها على القولين في النقاء المتخلل بين الدماء ولو رأت يوما وليلة سوادا ثم خمسة أو عشرة أو ثلاثة عشر حمرة ثم يوما سوادا ثم أطبقت الحمرة ، فحكمه ما ذكرناه وهو أن السوادين حيض ، وفي الحمرة المتخللة الطريقان ، وما بعد السواد الثاني طهر . فرع : قال إمام الحرمين في آخر باب الحيض : لو رأت دما قويا يوما وليلة فصاعدا ولم يتجاوز خمسة عشر ثم اتصل به الضعيف وتمادى ستة مثلا ، ولم يعد الدم القوي أصلا ، فالذي يقتضيه قياس التمييز أنها طاهر وإن استمر الضعيف سنين قال : وقد يختلج في النفس إستبعاد الحكم بطهارتها ، وهي ترى الدم دائما ، ولكن ليس لأكثر الطهر مرد يتعلق به فلم يبق ضبط إلا بالتمييز فظاهر القياس أنها طاهر وإن بلغ الدم الضعيف ما بلغ ، وهذا الذي قاله الإمام متعين وهو مقتضي كلام الأصحاب . فرع : قال الرافعي : المفهوم من كلام الأصحاب في انقلاب الدم القوي إلى الضعيف أن يتمحض ضعيفا حتى لو بقيت خطوط من السواد ، وظهرت خطوط من الحمرة لا ينقطع حكم الحيض ، وإنما ينقطع إذا لم يبق شيء من السواد أصلا ، وقد صرح بهذا المفهوم إمام الحرمين رحمه الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت معتادة غير مميزة ، وهي التي كانت تحيض من كل شهر أياما ثم عبر الدم عادتها وعبر الخمسة عشر ولا تمييز لها ، فإنها لا تغتسل بمجاوزة الدم عادتها لجواز أن ينقطع الدم الخمسة عشر فإذا عبر الخمسة عشر ردت إلى عادتها فتغتسل بعد الخمسة عشر وتقضي صلاة ما زاد على عادتها ، لما روى أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتت لها أم سلمة رضي الله عنها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع للصلاة قدر ذلك . + الشرح : حديث أم سلمة صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد في مسنديهما وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم بأسانيد صحيحة على شرط البخاري ومسلم ، وقولها تهراق الدم بضم التاء وفتح الهاء أي تصب الدم والدم منصوب على التشبيه بالمفعول به أو على التمييز على مذهب الكوفيين وقوله صلى الله عليه وسلم : فلتدع يجوز في هذه اللام وشبهها من لامات الأمر التي يتقدمها فاء أو واو ثلاثة أوجه كسرها وإسكانها وفتحها والفتح غريب . أما أحكام المسألة : فإذا كان لها عادة دون خمسة عشر ، فرأت الدم وجاوز عادتها وجب عليها الإمساك كما تمسك عنه الحائض لاحتمال الانقطاع قبل مجاوزة خمسة عشر فيكون الجميع حيضا ولا خلاف في وجوب هذا الامساك وقد سبق في المبتدأة وجه شاذ أنه لا يجب الامساك ، واتفقوا أنه لا يجىء هنا لأن الأصل استمرار الحيض هنا ، ثم انقطع على خمسة عشر يوما فما دونها فالجميع حيض . وإن جاوز خمسة عشر علمنا أنها مستحاضة فيجب عليها أن تغتسل . ثم إن كانت غير مميزة ردت إلى عادتها فيكون حيضها أيام العادة في القدر والوقت وما عدا ذلك فهو طهر تقضي صلاته . قال أصحابنا : وسواء كانت العادة أقل الحيض والطهر ، أو غالبهما أو أقل الطهر وأكثر الحيض أو غير ذلك وسواء قصرت مدة الطهر ، أو طالت قولا متباعدا ، فترد في ذلك إلى ما اعتادته من الحيض والطهر ويكون ذلك دورها أي قدر كان ، فإن كان عادتها أن تحيض يوما وليلة وتطهر خمسة عشر ثم يعود الحيض في السابع عشر والطهر في الثامن عشر وهكذا فدورها ستة عشر يوما . وإن كانت تحيض خمسة وتطهر خمسة عشر فدورها عشرون . وإن كانت تحيض خمسة عشر وتطهر خمسة عشر فدورها ثلاثون وإن كانت تحيض يوما وتطهر تسعة وثمانين فدورها تسعون يوما ، وإن كانت تحيض يوما أو خمسة أو خمسة عشر وتطهر تمام سنة فدورها سنة . وكذا إن كانت تطهر تمام سنتين فدورها سنتان ، وكذا إن كانت تطهر تمام خمس سنين فدورها خمس سنين ، وكذا إن زاد . وهذا الذي ذكرناه من أن الدور قد يكون سنة أو سنتين أو خمس سنين أو أكثر وترد إليه هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور ، وممن صرح به الشيخ أبو حامد في تعليقه والمحاملي في المجموع وصاحب التتمة وآخرون . وقال القفال : لا يجوز عندي أن يجعل الدور سنة ونحوها ، إذ يبعد الحكم بالطهر سنة أو نحوها مع جريان الدم . قال : فالوجه أن يجعل غاية الدور تسعين يوما الحيض منها ما يتفق والباقي طهر ، لأن الشرع جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر . هذا قول القفال وتابعه عليه إمام الحرمين والغزالي وصاحب العدة وآخرون من متأخري الخراسانيين ، فالمذهب ما قدمته عن الجمهور . وقال الرافعي : ظاهر المذهب أنه لا فرق بين أن تكون عادتها أن تحيض أياما من كل شهر أو من كل سنة وأكثر . قال : وهو الموافق لإطلاق الأكثرين .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن استمر بها الدم في الشهر الثاني وجاوز العادة اغتسلت عند مجاوزة العادة لأنا علمنا بالشهر الأول أنها مستحاضة ، فتغتسل في كل شهر عند مجاوزة العادة بمرة وتصلي وتصوم . + الشرح : هذا الذي ذكره متفق عليه ولم يذكروا فيه الخلاف في ثبوت العادة بمرة ، وقد سبق في الفصل الماضي دليله ، وهو أن الاستحاضة علة مزمنة ، فالظاهر دوامها . وقوله : علمنا بالشهر الأول أنها مستحاضة ، يعني والظاهر بقاء الاستحاضة ، وقوله : وتصلي وتصوم يعني تصير طاهرا في كل شيء من الصوم والصلاة والوطء والقراءة وغيرها . وإنما اقتصر المصنف على ذكر الصوم والصلاة تنبيها بهما على ما سواهما . وقوله : تغتسل وتصلي وتصوم يعني يجب عليها ذلك ، وهكذا تفعل في كل شهر ، فإن انقطع دمها في بعض الشهور على خمسة عشر فما دونها علمنا أنها ليست مستحاضة في هذا الشهر . وأن جميع ما رأته فيه حيض فتتدارك ما يجب تداركه من الصوم وغيره وكذا إن كانت قضت في هذه الأيام صلوات أو طافت أو اعتكفت تبينا بطلان جميع ذلك ، لمصادفته الحيض . قال أصحابنا : وإذا صامت بعد أيام العادة في الشهر الثاني ، وما بعده وطافت وفعلت غير ذلك مما تفعله الطاهر المستحاضة صح ذلك ولا قضاء عليها بلا خلاف قالوا : ولا يجىء فيه القول الضعيف الذي سبق في المبتدأة فإنها تؤمر بالاحتياط إلى خمسة عشر وفرقوا بأن العادة قوية والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وتثبت العادة بمرة واحدة فإذا حاضت في شهر خمسة أيام ثم استحيضت في شهر بعده ردت إلى الخمسة ومن أصحابنا من قال : لا تثبت إلا بمرتين فإن لم تحض الخمس مرتين لم تكن معتادة بل هي مبتدأة ، لأن العادة لا تستعمل في مرة والمذهب الأول ، لحديث المرأة التي استفتت لها أم سلمة رضي الله عنها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ردها إلى الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة ولأن ذلك أقرب إليها فوجب ردها إليه . + الشرح : قد سبق في آخر فصل المبتدأة أن ما يثبت بالعادة وما لا يثبت وما ثبت وما يثبت بالتكرار أربعة أقسام ، وأوضحناها هناك . والمراد هنا بيان ما تثبت به العادة في قدر المحيض والطهر وفيه أربعة أوجه ، أصحها باتفاق الأصحاب أنها تثبت بمرة واحدة مطلقا ، قال صاحب الحاوي : هذا ظاهر مذهب الشافعي ونص عليه في الأم وقال صاحب الشامل و العدة : هو نص الشافعي في البويطي ، وكذا رأيته أنا في البويطي ، قال القاضي أبو الطيب والمحاملي : هو قول ابن سريج وأبي إسحاق المروزي وعامة أصحابنا وبه قطع البغوي وغيره . والثاني : لا تثبت إلا بمرتين وهو مشهور في الطرق كلها حكاه المتولي وغيره عن أبي علي بن خيران واتفقوا على تضعيفه . والثالث : لا تثبت إلا بثلاث مرات حكاها الرافعي عن حكاية أبي الحسن العبادي وهو شاذ متروك ، وقد نقل القاضي أبو الطيب والمحاملي والماوردي وإمام الحرمين وابن الصباغ والمتولي والروياني وآخرون اتفاق الأصحاب على ثبوتها بمرتين ، وأنهم إنما اختلفوا في المرة وأن اعتبار المرتين ضعيف . والرابع : تثبت في حق المبتدأة بمرة ولا تثبت في حق المعتادة إلا بمرتين ، حكاه السرخسي في الأمالي عن ابن سريج ونقله المتولي وغيره وقال الماوردي والدارمي في آخر كتاب المتحيرة : اتفقوا على ثبوتها بمرة للمبتدأة واختلفوا في المعتادة ، لأنه ليس للمبتدأة أصل ترد إليه ، فكان ما رأته أولى بالإعتبار من جعلها مبتدأة ، وأن الظاهر أنها في الشهر الثاني كالأول ، وأما الانتقال من عادة تقررت وتكررت مرات فلا تجعل بمرة ، وهذا الوجه وإن فخمه الماوردي والدارمي فهو غريب ، وقد صرح الجمهور بأن الخلاف جار في المبتدأة . فأما دليل الأوجه فقد ذكرنا دليل الرابع ، واحتجوا للثاني والثالث بأن العدة مشتقة من العود ، وذلك لا يستعمل إلا في متكرر ، وحجة الأول وهو المذهب ما احتج به المصنف والأصحاب من الحديث ، ولأن الظاهر أنها في هذا الشهر كالذي يليه ، فإنه أقرب إليها فهو أولى مما انقضى وأولى من رد المبتدأة إلى أقل الحيض أو غالبه ، فإنها لم تعهده بل عهدت خلافه ، وأما احتجاج الآخرين بأن العادة من العود فحجة باطلة لأن لفظ العادة لم يرد به نص فيتعلق به بل ورد النص بخلافه في حديث أم سلمة ، هذا تفصيل مذهبنا . وقال أبو حنيفة : لا تثبت العادة إلا بمرتين ، وعن أحمد رواية كذلك ، ورواية لا تثبت إلا بثلاث مرات ، وقالمالك في أشهر الروايتين عنه : لا اعتبار بالعادة والله أعلم . فرع : رأت مبتدأة في أول الشهر عشرة أيام دما وباقيه طهرا ، وفي الشهر الثاني خمسة ، وفي الثالث أربعة ثم استحيضت في الرابع ، قال أصحابنا : ترد إلى الأربعة بلا خلاف لتكررها في العشرة والخمسة ، ولو انعكس فرأت في الأول أربعة ، وفي الثاني خمسة واستحيضت في الثالث فإن أثبتنا العادة بمرة ردت إلى الخمسة ، وإن لم تثبتها إلا بمرتين ردت إلى الأربعة لتكررها ، هذا هو الأصح ، وفيه وجه أنها ليست معتادة وصححه إمام الحرمين .