Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V03/P385–V03/P386

وأجاب أصحابنا عن حديث أنس أنه محمول على ثوب منفصل ، وأما حديث ابن عباس المذكور في مسند أحمد فضعيف في إسناده مجروح ولو صح لم يكن فيه دليل لستر الجبهة ، وأجاب البيهقي والأصحاب عن حديث الحسن أنه محمول على أن الرجل يسجد على العمامة مع بعض الجبهة ، ويدل على هذا أن العلماء مجمعون على أن المختار مباشرة الجبهة للأرض فلا يظن بالصحابة إهمال هذا ، وأما المروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على كور عمامته فليس بصحيح ، قال البيهقي فلا يثبت في هذا شيء ، وأما القياس على باقي الأعضاء أنه لا يختص وضعها على قول وإن وجب ففي كشفها مشقة بخلاف الجبهة .

Section V03/P386–V03/P387

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما ففيه قولان أشهرهما : أنه لا يجب لأنه لو وجب الإيماء بها إذا عجز كالجبهة والثاني يجب لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : أمر أن يسجد على سبعة أعضاء يديه وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته فإذا قلنا : بهذا لم يجب كشف القدمين والركبتين لأن كشف الركبة يفضي إلى كشف العورة فتبطل صلاته ، والقدم قد تكون في الخف فكشفها يبطل المسح والصلاة ، وأما اليد ففيها قولان : المنصوص في الكتب أنه لا يجب لأنها لا تكشف إلا لحاجة فهي كالقدم ، وقال في السبق والرمي : قد قيل فيه قول آخر : أنه يجب لحديث خباب بن الأرت رضي الله عنه . + الشرح : حديث ابن عباس رضي وقوله : قال في السبق والرمي ، يعني قال الشافعي في كتاب السبق والرمي ، وهو كتاب من كتب الأم . أما حكم المسألة : ففي وجوب وضع اليدين والركبتين والقدمين قولان مشهوران نص عليهما في الأم ، قال الشيخ أبو حامد : ونص في الإملاء أن وضعها مستحب لا واجب واختلف الأصحاب في الأصح من القولين فقال القاضي أبو الطيب : ظاهر حديث الشافعي أنه لا يجب وضعها ، وهو قول عامة الفقهاء . وقال المصنف والبغوي : هذا هو القول الأشهر وصححه الجرجاني في التحرير والروياني في الحلية والرافعي . وصحح جماعة قول الوجوب ، ومنهم البندنيجي وصاحب العدة و الشيخ نصر المقدسي ، وبه قطع الشيخ أبو حامد في التبصرة ، وهذا هو الأصح وهو الراجح في الدليل ، فإن الحديث صريح في الأمر بوضعها والأمر للوجوب على المختار ، وهو مذهب الفقهاء والقائل الأول يحمل الحديث على الاستحباب ، ولكن لا نسلم له لأن أصله الوجوب فلا يصرف عنه بغير دليل فالمختار : الصحيح الوجوب ، وقد أشار الشافعي رحمه الله في الأم إلى ترجيحه كما سأذكره قريبا إن شاء الله تعالى . ثم اختلف أصحابنا في موضع القولين فقال المصنف والجمهور : في اليدين والركبتين والقدمين قولان ، ولم يفرقوا بينها ، وقال القاضي حسين : في وجوب وضع اليدين قولان فإن قلنا : لا يجب لم يجب وضع الركبتين وإلا فقولان ( فإن قلنا ) لا تجب الركبتان فالقدمان أولى وإلا فقولان ، وذكر إمام الحرمين أن المذهب طرد القولين في الجميع ، وأن من الأصحاب من خصهما باليدين وقال : لا تجب الركبتان والقدمان ، وذكر القفال في شرح التلخيص قول ابن القاص : إن في الجميع قولين ثم قال القفال : قال أصحابنا : هذا غلط ، ولا يختلف المذهب أن وضع الركبتين وأطراف القدمين واجب وإنما اختلف قوله في وجوب وضع اليدين وهذا الذي نقله القفال عن الأصحاب عجيب غريب وهو غلط بلا شك ، لأن الشافعي نص على القولين في الأعضاء الستة في الأم وصرح الأصحاب المتقدمون والمتأخرون بجريان القولين في الجميع وها أنا أنقل نص الشافعي رحمه الله في الأم بحروفه . قال في الأم : كمال السجود أن يسجد على جبهته وأنفه وراحته وركبتيه وقدميه وإن سجد على جبهته دون أنفه كرهت ذلك له وأجزأه ، وإن سجد على بعض جبهته دون جميعها كرهت ذلك ، ولم يكن عليه إعادة ، قال : وأحب أن يباشر براحتيه الأرض في الحر والبرد ، ولا أحب هذا في ركبتيه ، بل أحب أن يكونا مستترين بالثياب وأحب إن لم يكن الرجل متخففا أن يفضي بقدميه إلى الأرض ولا يسجد متنعلا .

Section V03/P387–V03/P388

قال الشافعي : وفي هذا قولان أحدهما : أن ( يكون ) عليه أن يسجد على جميع أعضائه التي أمرته بالسجود عليها ( ويكون حكمها غير حكم الوجه في أن له أن يسجد عليها كلها متغطية فتجزيه لأن اسم السجود يقع عليها وإن كانت محولا دونها بشيء ) فمن قال بهذا قال : إن ترك عضوا منها لم يوقعه الأرض وهو يقدر على إيقاعه لم يكن ساجدا ، كما إذا ترك جبهته فلم يوقعها الأرض وهو يقدر ( على ذلك فلم يسجد ) ، وإن سجد على ظهر كفيه لم يجزه ( لأن السجود على بطونها ) وكذا إن سجد على حروفها ، وإن ماس الأرض ببعض يديه أصابعهما أو بعضهما أو راحتيه أو بعضهما أو سجد على ما عدا جبهته متغطية أجزأه وهكذا ( هذا ) في الركبتين والقدمين . ( قال الشافعي ) وهذا مذهب يوافق الحديث . والقول الثاني : أنه إذا سجد على جبهته أو على شيء منها دون ما سواها أجزأه . هذا نص الشافعي بحروفه نقلته من الأم من نسخة معتمدة مقابلة وفيه فوائد كثيرة فحصل للأصحاب أربع طرق في اليدين والركبتين والقدمين والصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور ونص عليه أن في وجوب وضع الجميع قولين وهذا الذي حكاه القفال ، وهذه الطرق الثلاثة سوى الأول غلط مخالف للحديث ونص الشافعي وجمهور الأصحاب ، وإنما أذكرها لبيان حالها لئلا يغتر بها . ثم اختلفوا في صورة المسألة إذا قلنا لا يجب وضع هذه الأعضاء الستة ، فقال جماعة من أصحابنا المتقدمين والمتأخرين ، منهم المحاملي في المجموع : إذا قلنا : لا يجب وضعها فمعناه يجوز ترك بعضها على البدل فتارة يترك اليدين أو إحداهما وتارة يترك القدمين أو إحداهما ، وكذلك الركبتان ولا يتصور ترك الجميع . وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي : إذا قلنا : لا يجب وضعها فأمكنه أن يسجد على جبهته دونها كلها أجزأه ، وقال صاحب العدة مثله ، قال الرافعي : إذا قلنا : لا يجب وضعها اعتمد ما شاء ورفع ما شاء ، ولا يمكنه أن يسجد مع رفع الجميع هذا هو الغالب والمقصود به ( قلت ) : ويتصور رفع الجميع فيما إذا صلى على حجرين بينهما حائط قصير فإذا سجد انبطح ببطنه على الحائط ورفع هذه الأعضاء أو اعتمد بوسط ساقه أو بظهر كفه فإن ذلك له حكم رفع الكف كما سبق في نص الشافعي والله أعلم . قال أصحابنا : فإذا قلنا يجب وضع من كل عضو منها كما قلنا في الجبهة ، والاعتبار في القدمين ببطون الأصابع ، فلو وضع غير ذلك لم يجزئه ، ونقل صاحب البيان عن صاحب الفروع أنه إن سجد على ظاهر قدمه أجزأه والأول أصح ، وبه قطع الرافعي وغيره ، والاعتبار في اليدين بباطن الكف سواء فيه باطن الأصابع وباطن الراحة ، فإن اقتصر على باطن بعض الراحة أو بعض باطن الأصابع أجزأه ، وإن اقتصر على ظاهر الكفين أو حرفهما لم يجزئه ، هكذا نص عليه الشافعي رحمه الله في الأم كما سبق بيانه ، وهكذا قطع به الجمهور ، منهم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب و المتولي . وخالفهم المحاملي في التجريد فقال : الذي يتعلق به السجود هو الراحتان والصحيح الأول ، وأنه يجزيه بطون الأصابع كما نص عليه الشافعي والجمهور ، لأنه يسمى ساجدا على يديه والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : وإذا كشف الركبتين والقدمين ، لكن يستحب كشف القدمين ويلزمه عدم كشف الركبتين ، وقد سبق دليل الجميع ، وفي وجوب كشف اليدين قولان الصحيح : أنه لا يجب وهو المنصوص في عامة كتب الشافعي كما ذكره المصنف والثاني : يجب كشف أدنى جزء من باطن كل كف والله أعلم .

Section V03/P388

فرع : لو تعذر وضع أحد الكفين أو أحد القدمين لقطع أو غيره فحكم المسألة كما سبق ولا فرض في المتعذرة ولا يجب وضع طرف الزند من المقطوعة لأن محل الفرض فات فلا يجب غيره ، كما لو قطعت من فوق المرفق لا يجب غسل العضد .

Section V03/P388–V03/P389

قال المصنف رحمه الله تعالى : لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا سجد جافى عضديه ( عن جنبيه ) ويستحب أن يقل بطنه عن فخذيه لما روى البراء بن عازب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جخ وروي جخي والجخ الخاوي ، وإن كانت امرأة ضمت بعضها إلى بعض لأن ذلك استر لها . + الشرح : حديث البراء رواه النسائي والبيهقي بإسناد صحيح ، وفي رواية النسائي ( جخي ) وفي رواية البيهقي ( جخ ) وقد ذكر المصنف الروايتين وهو بفتح الجيم وبعدها خاء معجمة مشددة قال الأزهري : معنى اللفظين واحد والتجخية التخوية ، وقال غيره : معناه جافى ركوعه وسجوده . قال الشافعي والأصحاب : يسن بطنه عن فخذيه ، وتضم المرأة بعضها إلى بعض ، وعن عبد الله بن بحينة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو وضح إبطيه من ورائه رواه مسلم والوضح البياض ، وعن أحمر بن جزء بالزاي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى نأدى له رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح ، قوله نأدى له بالهمزة . قال الخطابي معناه رق له ورثى له . وفي المسألة أحاديث كثيرة بنحو ما ذكرناه .

Section V03/P389–V03/P391

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويفرج بين رجليه لما روي أن أبا حميد وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إذا سجد فرج بين رجليه ويوجه أصابعه نحو القبلة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع أصابعه تجاه القبلة وروى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتخ أصابع رجليه والفتح تعويج الأصابع ويضم أصابع يديه ويضعها حذو منكبيه ، لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا سجد ضم أصابعه وجعل يديه حذو منكبيه ويرفع مرفقيه ويعتمد على راحتيه لما روى البراء بن عازب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سجدت فضم يديك وارفع مرفقيك . + الشرح : حديث أبي حميد رواه أبو داود والبيهقي من رواية بقية بن الوليد عن عتبة بن أبي حكيم وهما مختلف في توثيقهما وجرحهما ولفظه : إذا سجد فرج بين فخذيه وأما حديث عائشة فغريب ويغني عنه حديث أبي حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم : سجد واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة رواه البخاري ، وقد سبق الحديث بطوله في فصل الركوع ، وسبق في رواية أبي داود والترمذي قال وفتخ أصابع رجليه والفتخ بالخاء المعجمة ومعناه عطفها إلى القبلة . وأما حديث وائل فرواه البيهقي عن وائل قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع فرج أصابعه وإذا سجد ضم أصابعه وفي صحيح مسلم عن وائل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فلما سجد سجد بين كفيه . وأما حديث البراء فرواه مسلم في الله صلى الله عليه وسلم : إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك وروى البيهقي بإسناده عن البراء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد فوضع يديه بالأرض استقبل بكفيه وأصابعه القبلة وفي رواية له : وإذا سجد وجه أصابعه قبل القبلة فتفاج وبإسناده عن ابن عمر قال : يكره أن لا يميل بكفيه إلى القبلة إذا سجد وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب رواه البخاري ومسلم وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع رواه مسلم في جملة حديث طويل قال الشافعي والأصحاب : يستحب للساجد أن يفرج بين ركبتيه وبين قدميه . قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال أصحابنا : يكون بين قدميه قدر شبر ، والسنة أن ينصب قدميه وأن يكون أصابع رجليه موجهة إلى القبلة ، وإنما يحصل توجيهها بالتحامل عليها والاعتماد على بطونها . وقال إمام الحرمين : ظاهر النص أنه يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض في السجود ، ونقل المزني أنه يستقبل بها القبلة ، وهذا يتضمن أن يتحامل عليها ويوجه رؤوسها إلى القبلة . قال : والذي صححه الأئمة أنه لا يفعل ذلك ، بل يضع أصابع رجليه من غير تحامل عليها . هذا كلام إمام الحرمين وتابعه عليه الغزالي في البسيط ومحمد بن يحيى في المحيط ، وهو شاذ مردود مخالف للأحاديث الصحيحة السابقة ولنص الشافعي ولما قطع به الأصحاب أنه يستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة . والسنة أن يضم أصابع يديه ويبسطها إلى جهة القبلة ويضع كفيه حذو منكبيه ويعتمد على راحتيه ويرفع ذراعيه ، ويكره بسطهما وافتراشهما ، وقد سبق دليل ذلك كله .

Section V03/P391–V03/P392

فرع : قال صاحب التتمة : إذا كان يصلي وحده وطول السجود ولحقه مشقة بالاعتماد على كفيه وضع ساعديه على ركبتيه ، لحديث سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : شكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة السجود عليهم فقال : استعينوا بالركب رواه أبو داود والترمذي والبيهقي ، وروي مرسلا عن سمي عن النعمان بن أبي عياش تابعي قال : شكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره قال البيهقي ، قال البخاري : ارساله أصح من وصله وقال الترمذي : كأن رواية الإرسال أصح .

Section V03/P392

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب أن يطمئن في سجوده لما رويناه من حديث رفاعة ( بن مالك ) ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا . + الشرح : حديث رفاعة صحيح والطمأنينة واجبة في السجود عندنا وعند الجمهور ، وقد تقدم خلاف أبي حنيفة والدليل عليه في فصل الركوع ، وتقدم هناك بيان حد الطمأنينة وما يتعلق به .

Section V03/P392–V03/P393

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يقول : سبحان ربي الأعلى ثلاثا ، وذلك أدنى الكمال لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سجد أحدكم فقال في سجوده : سبحان ربي الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده ، وذلك أدناه والأفضل أن يضيف إليه ( اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ، تبارك الله أحسن الخالقين ) لما روى على كرم الله وجهه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد قال ذلك وإن قال في سجوده سبوح قدوس رب الملائكة والروح فهو حسن لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في سجوده قال الشافعي رحمه الله : ويجتهد في الدعاء رجاء الإجابة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ويكره أن يقرأ في الركوع والسجود ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أما إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا ، أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم . + الشرح : حديث ابن مسعود ضعيف فإنه تمام الحديث السابق في الركوع إذا قال أحدكم في ركوعه : سبحان ربي العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه وذلك أدناه ، وإذا قال أحدكم في سجوده : سبحان ربي الأعلى ثلاثا فقد تم ركوعه وذلك أدناه ، وإذا قال أحدكم في سجوده : سبحان ربي الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده وذلك أدناه رواه أبو داود والترمذي وآخرون واتفقوا على تضعيفه ، وسبق في فصل الركوع بيان تضعيفه وبيان معنى تم ركوعه وذلك أدناه وأما حديث علي وحديث عائشة وحديث أبي هريرة وحديث أما إني نهيت أن أقرأ راكعا إلى آخره فرواها كلها مسلم بلفظها هنا ، وحديث : أما إني نهيت من رواية ابن عباس رضي الله عنهما . وأما شرح ألفاظها فتقدم في فصل الركوع بيان حقيقة التسبيح . وقوله : وشق سمعه وبصره استدل به من يقول الأذن من الوجه ، وقد سبق الجواب عنه في صفة الوضوء ، ومعنى شق سمعه وبصره ، أي منفذهما ، وقوله : تبارك الله أحسن الخالقين أي تعالى ، والبركة النماء والعلو ، حكاه الأزهري عن ثعلب . وقال ابن الأنباري : تبرك العباد بتوحيده وذكر اسمه ، وقال ابن فارس : معناه ثبت الخير عنده ، وقيل تعظم وتمجد قاله الخليل ، وهو بمعنى تعظيم وقيل استحق التعظيم ، وقوله : ( أحسن الخالقين ) أي المصورين والمقدرين . وقوله : سبوح قدوس بضم أولهما وبفتح لغتان مشهورتان أفصحهما وأكثرهما الضم ، قال أهل اللغة : هما صفتان لله تعالى : وقال ابن فارس والترمذي : اسمان لله تعالى وتقديره ومعناه : مسبح مقدس رب الملائكة والروح عز وجل ، ومعناه المبرأ من كل نقص ومن الشريك ومن كل ما لا يليق بالإلهية ، والرواية هكذا : سبوح قدوس بالرفع . قال القاضي عياض : وقيل سبوحا قدوسا بالنصب أي أسبح سبوحا أو أعظم أو أذكر أو أعبد . وقوله : رب الملائكة والروح قيل الملائكة خلقا ، وقيل : أشرف الملائكة ، وقيل : خلق كالناس ليسوا بناس ، وقيل غير ذلك . وقوله صلى الله عليه وسلم : فقمن هو بفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان ، ويقال في اللغة أيضا قمين ومعناه حقيق ، وقد بسطت هذه الألفاظ أكمل بسط في تهذيب اللغات . أما حكم المسألة : فقال الشافعي التسبيح في السجود ، والاجتهاد في الدعاء أن يقول : اللهم لك سجدت وبك آمنت إلى آخر حديث علي رضي الله عنه ، وأدنى السنة التسبيح وما في حديث علي وسبوح قدوس والدعاء .

Section V03/P393–V03/P394

قال القاضي حسين وغيره : فإن أراد الاقتصار فعلى التسبيح أولى ، وقد سبق هذا وما يتعلق به في فصل الركوع ، وكل ذلك يعود هنا ، وسبق هناك أذكار الركوع والسجود جميعا . ومما لم يسبق حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده : اللهم اغفر لي ذنبي كله ، دقه وجله ، أوله وآخره وعلانيته وسره رواه مسلم . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتمسته فوقعت في يدي على بطن قدميه في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، ومعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك رواه مسلم . قال صاحب الحاوي وغيره : يستحب أن يجمع هذا كله ، قال أصحابنا : ولا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات إلا أن يرضى القوم المحصورون ، وفيه كلام ذكرته في ذكر الركوع عن نص الشافعي قال الشافعي في الأم : ويجتهد في الدعاء ما لم يكن إماما فيثقل على من خلفه ، أو مأموما فيخالف إمامه . قال : والرجل والمرأة في الذكر سواء . ونقل الشيخ أبو حامد هذا النص عن الأم ، ونقل عن نصه في الإملاء أنه لا يدعو لئلا يثقل على المأمومين . قال أبو حامد : النصان متقاربان في المعنى ، يعني أنه يدعو بحيث لا يطول عليهم ، واتفقوا على كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود وغير حالة القيام للحديث ، فلو قرأ غير الفاتحة لم تبطل وفي الفاتحة خلاف سبق في فصل الركوع وسنوضحه في باب سجود السهو إن شاء الله تعالى . وقد سبق في فصل الركوع بيان مذاهب العلماء في حكم التسبيح والله أعلم .

Section V03/P394–V03/P395

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن انقلب فأصابت جبهته الأرض ، فإن نوى السجود حال الانقلاب أجزأه كما لو اغتسل للتبرد ( والتنظيف ) ونوى رفع الحدث ، وإن لم ينوه لم يجزئه كما لو توضأ للتبرد ولم ينو رفع الحدث . + الشرح : قال أصحابنا : يشترط غيره ولو سقط إلى الأرض من الاعتدال قبل قصد الهوي لم يحسب ذلك السجود ، بل عليه أن يعود إلى الاعتدال ويسجد منه ، لأنه لا بد من نية أو فعل ولم يوجد واحد منهما ، ولو هوي ليسجد فسقط على الأرض بجبهته نظر إن وضع جبهته على الأرض بنية الاعتماد لم يحسب عن السجود ، وإن لم يحدث هذه النية حسب سواء قصد أم لم يقصد شيئا ، نص الشافعي في هذا التفصيل في الأم . واتفق الأصحاب عليه ، وممن نقل الاتفاق عليه إمام الحرمين . ولو هوي ليسجد فسقط على جنبه فانقلب وأتى بصورة السجود فإن قصد السجود اعتد به . نص عليه في الأم واتفق عليه الأصحاب ، وإن قصد الاستقامة وقصد أيضا صرفه عن السجود لم يحسب له بلا خلاف ، نص عليه في الأم واتفقوا عليه . قال إمام الحرمين وغيره : وتبطل صلاته لأنه زاد فعلا لا يزاد مثله في الصلاة . وإن قصد الاستقامة ولم يقصد صرفه عن السجود بل غفل عنه لم يجزئه على الصحيح المنصوص في الأم ، وبه قطع الأكثرون وفيه وجه حكاه إمام الحرمين فخرج من الخلاف في مسألة نية التبرد في الوضوء إذا عرضت في أثنائها الغفلة عن نية الحدث ، لكن لا تبطل صلاته ، بل يكفيه أن يعتدل جالسا ، ثم يسجد ولا يجوز أن يقوم ليسجد من قيام فلو قام كان زائدا قياما متعمدا ، فتبطل صلاته إن علم تحريمه ، ولكن لإمام الحرمين احتمال لنفسه يلزمه القيام ليسجد منه واستضعفه ، وقال : الأظهر أنه لا يقوم ، وإن لم يقصد السجود ولا الاستقامة أجزأه ذلك عن السجود بلا خلاف ، ونقل إمام الحرمين الاتفاق عليه . فرع في مسائل تتعلق بالسجود إحداها : قال أصحابنا الخراسانيون : قالوا : وللساجد ثلاثة أحوال إحداها : أن تكون أسافله أعلى من أعاليه فتكون عجزيته مرتفعة عن رأسه ومنكبيه . فهذه هيئة التنكس المطلوبة ، ومتى كان المكان مستويا فحصولها هين ، ولو كان موضع الرأس مرتفعا قليلا فقد رفع أسافله ، وتحصل هذه الهيئة أيضا وتصح صلاته بلا شك . الثانية : أن تكون أعاليه أرفع من فيصير رأسه اعلى من حقويه فلا يجزئه لعدم اسم السجود كما لو أكب على وجهه ومد رجليه ، فإنه لا يجزئه بلا شك . قال صاحب التتمة : إلا أن تكون به علة لا يمكنه السجود إلا هكذا فيجزئه . الثالثة : أن يستوي أعاليه وأسافله الأسافل أو لغير ذلك ففي صحة صلاته وجهان الصحيح : أنها لا تصح لفوات الهيئة المطلوبة وبهذا قطع الغزالي في الوجيز والبغوي . ودليل وجوب أصل التنكس أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان ينكس ، وعن أبي إسحاق السبيعي قال : وصف لنا البراء بن عازب رضي الله عنهما يعني السجود فوضع يديه واعتمد على ركبتيه ورفع عجزيته وقال : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وأبو حاتم بإسناد حسن ، وهذا مع قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي يقتضي وجوبه والله أعلم .

Section V03/P395–V03/P396

ولو تعذر التنكس لمرض أو لغيره فهل يجب وضع وسادة ونحوها ليضع الجبهة على شيء فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين والغزالي ومن تابعهما أظهرهما : عند الغزالي الوجوب لأنه يجب التنكس ووضع الجبهة على شيء ، فإذا تعذر أحدهما لزمه الآخر وأصحهما : عند غيره لا يجب ، بل يكفيه الخفض المذكور قال الرافعي : هذا أشبه بكلام الأكثرين لأن هيئة السجود متعذرة فيكفيه الخفض الممكن قال : ولا خلاف أنه لو عجز عن وضع الجبهة على الأرض وأمكنه وضعها على وسادة مع التنكيس لزمه ذلك .

Section V03/P396–V03/P397

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الركوع ثم يجلس مفترشا ، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ، لما يروى أن أبا حميد الساعدي وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ويكره الإقعاء في الجلوس ، وهو أن يضع اليتيه على عقبيه كأنه قاعد عليها ، وقيل : هو أن يجعل يديه في الأرض ويقعد على أطراف أصابعه ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإقعاء ( أي يقعى ) إقعاء القردة ويجب أن يطمئن في جلوسه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( للمسيىء صلاته ) ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ويستحب أن يقول في جلوسه . اللهم اغفر لي ( واجبرني ) وعافني وارزقني واهدني لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يقول بين السجدتين ذلك . + الشرح : حديث أبي هريرة في التكبير صحيح سبق بيانه في فصل الركوع وسبق هناك أحاديث كثيرة صحيحة فيه ، وحديث أبي حميد صحيح وسبق بيانه في فصل الركوع ، وهذا لفظ رواية أبي داود والترمذي . وأما حديث الإقعاء فرواه البيهقي بإسناد ضعيف ، وروى النهي عن الإقعاء جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب وأنس وسمرة بن جندب رواها كلها البيهقي بإسانيد ضعيفة ، وروى الترمذي حديث علي بإسناد ضعيف وضعفه ، والحاصل أنه ليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح وأما حديث ارفع حتى تطمئن جالسا فرواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة من رواية رفاعة بن رافع ، وقد سبق بيانه مرات . وأما حديث ابن عباس فرواه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد جيد ، ورواه الحاكم في المستدرك وقال : صحيح الإسناد ، ولفظ أبي داود اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني ولفظ الترمذي مثله لكنه ذكر وأجرني وعافني وفي رواية ابن ماجه ( وارفعني ) بدل ( واهدني ) وفي رواية البيهقي رب اغفر لي وارحمني وأجرني وارفعني وارزقني واهدني فالاحتياط والاختيار أن يجمع بين الروايات ويأتي بجميع ألفاظها وهي سبعة اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وأجرني وارفعني واهدني وارزقني وقوله : يفرش هو بفتح الياء وضم الراء على المشهور ، وحكي كسر الراء . أما أحكام الفصل : فالجلوس بين للحديث وقد سبق بيان حد الطمأنينة في فصل الركوع ، ويشترط أن لا يقصد بالرفع شيئا آخر كما ذكرنا في الرفع من الركوع ، وينبغي أن لا يطوله طولا فاحشا فإن طوله ففي بطلان صلاته خلاف ، وتفصيل يأتي في باب سجود السهو إن شاء الله تعالى ، والسنة أن يكبر لجلوسه ويبتدىء التكبير من حين يبتدىء رفع الرأس ويمده إلى أن يستوي جالسا فيكون مدة أقل من مدة تكبيرة الهوي من الاعتدال إلى السجود لأن الفصل هنا قليل ، وقد سبق حكاية قول أنه لا يمد شيئا من التكبيرات أوضحته في فصل الركوع . والسنة أن يجلس مفترشا يفرش رجله اليسرى ويجلس على كعبها وينصب اليمنى هذا هو المشهور ، وحكى صاحب الشامل وآخرون قولا أنه يضجع قدميه ويجلس على صدرهما ، وسنذكر إن شاء الله تعالى نص الشافعي في البويطي والإملاء على صفة هذا الجلوس عند تفسير الإقعاء ، ويستحب أن يضع يديه على فخذيه قريبا من ركبتيه منشورتي الأصابع وموجهة إلى القبلة ، ولو انقطعت أطراف أعلى الركبتين فلا بأس . كذا قاله إمام الحرمين وغيره .

Section V03/P397–V03/P399

قال إمام الحرمين وغيره : ولو تركهما على الأرض من جانبي فخذيه كان كإرسالهما في القيام يعني يكون تاركا للسنة ، وهل يستحب أن تكون أصابعه مضمومة كما في السجود أو مفرقة فيه وجهان أصحهما : مضمومة لتتوجه إلى القبلة ، وسنوضحها في فصل التشهد إن شاء الله تعالى . ويستحب الدعاء المذكور ، والمختار الأحوط أن يأتي بالكلمات السبع كما سبق بيانه ، قال صاحب التتمة : ولا يتعين هذا الدعاء بل أي دعاء دعا به حصلت السنة ، ولكن هذا الذي في الحديث أفضل . واعلم : أن هذا الدعاء مستحب باتفاق الأصحاب . قال الشيخ أبو حامد : لم يذكره الشافعي في هذا الموضع في شيء من كتبه ، ولم ينفه قال وهو سنة للحديث المذكور . فرع في الاقعاء النهي عنه مع كثرتها ليس فيها شيء ثابت وبينا رواتها ، وثبت عن طاوس قال : قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين قال : هي السنة فقلنا : إنا لنراه جفاء بالرجل قال : بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم رواه مسلم في صحيحه . وفي رواية للبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من سنة الصلاة أن تمس إليتاك عقبيك بين السجدتين . وذكر البيهقي حديث ابن عباس هذا ثم روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول : إنه من السنة ثم روى عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما كانا يقعيان ثم روى عن طاوس أنه كان يقعي وقال : رأيت العبادلة يفعلون ذلك : عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم . قال البيهقي : فهذا الإقعاء المرضي فيه والمسنون على ما روينا عن ابن عباس وابن عمر هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض ويضع إليتيه على عقبيه ويضع ركبتيه على الأرض ، ثم روى الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء بأسانيدها عن الصحابة الذين ذكرناهم . ثم ضعفها كلها وبين ضعفها وقال : حديث ابن عباس وابن عمر صحيح ، ثم روى عن أبي عبيد أنه حكى عن شيخه أبي عبيدة أنه قال : الإقعاء أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه بالأرض قال : وقال في موضع آخر : الإقعاء جلوس الإنسان على إليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع ، قال البيهقي : وهذا النوع من الإقعاء غير ما رويناه عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ، فهذا منهي عنه ، وما رويناه عن ابن عباس وابن عمر مسنون قال : وأما حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهى عن عقب الشيطان فيحتمل أن يكون واردا في الجلوس للتشهد الأخير فلا يكون منافيا لما رواه ابن عباس وابن عمر في الجلوس في السجدتين . هذا آخر كلام البيهقي رحمه الله وأوضح إيضاحا شافيا وحرر تحريرا وافيا رحمه الله وأجزل مثوبته ، وقد تابعه على هذا الإمام المحقق أبو عمرو بن الصلاح فقال بعد أن ذكر حديث النهي عن الإقعاء : هذا الإقعاء محمول على أن يضع إليتيه على الأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض ، وهذا الإقعاء غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة ، فذلك الإقعاء أن يضع إليتيه على عقبيه قاعدا عليها وعلى أطراف أصابع رجليه ، وقد استحبه الشافعي في الجلوس بين السجدتين في الإملاء والبويطي . قال : وقد خبط في الإقعاء من المصنفين من يعلم أنه نوعان كما ذكرنا . قال : وفيه في المهذب تخليط : هذا آخر كلام أبي عمرو رحمه الله ، وهذا الذي حكاه عن البويطي والإملاء من نص الشافعي قد حكاه عنهما البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار .

Section V03/P399–V03/P401

وأما كلام الخطابي فلم يحصل له ما حصل للبيهقي ، وخالف في هذا الحديث عادته في حل المشكلات ، والجمع بين الأحاديث المختلفة ، بل ذكر حديث ابن عباس ثم قال : وأكثر الأحاديث على النهي عن الإقعاء وأنه عقب الشيطان . وقد ثبت من حديث أبي حميد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى . قال : ورويت كراهة الإقعاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وكرهه النخعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الرأي وعامة أهل العلم . قال : والإقعاء أن يضع إليتيه على عقبيه ويقعد مستوفزا غير مطمئن إلى الأرض ، وهذا إقعاء الكلاب والسباع . قال أحمد بن حنبل : وأهل مكة يستعملون الإقعاء . قال الخطابي : ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخا والعمل على الأحاديث الثابتة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم . هذا آخر كلام الخطابي ، وهو فاسد من أوجه ، منها أنه اعتمد على أحاديث النهي فيه ، وادعى أيضا نسخ حديث ابن عباس ، والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ ، ولم يتعذر هنا الجمع بل أمكن كما ذكره البيهقي ، ولم يعلم أيضا التاريخ ، وجعل أيضا الإقعاء نوعا واحدا وإنما هو نوعان . فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الإقعاء نوعان كما ذكره البيهقي وأبو عمرو أحدهما : مكروه والثاني : جائز أو سنة . وأما الجمع بين حديثي ابن عباس وغيرهما في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفهم الافتراش على قدمه اليسرى فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له في الصلاة أحوال ، حال يفعل فيها هذا وحال يفعل فيها ذاك ، كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها وغير ذلك من أنواعها ، وكما توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا ، وكما طاف راكبا وطاف ماشيا ، وكما أوتر أول الليل وآخره وأوسطه وانتهى وتره إلى السحر ، وغير ذلك كما هو معلوم من أحواله صلى الله عليه وسلم وكان يفعل العبادة على نوعين أو أنواع ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة ، ويواظب على الأفضل بينهما على أنه المختار والأولى . فالحاصل أن الإقعاء الذي رواه ابن التفسير المختار الذي ذكره البيهقي ، وفعل صلى الله عليه وسلم ما رواه أبو حميد وموافقوه من جهة الافتراش ، وكلاهما سنة لكن إحدى السنتين أكثر وأشهر ، وهي رواية أبي حميد لأنه رواها وصدقه عشرة من الصحابة كما سبق ، ورواها وائل بن حجر وغيره ، وهذا يدل على مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها وشهرتها عندهم ، فهي أفضل وأرجح ، مع أن الإقعاء سنة أيضا ، فهذا ما يسر الله الكريم من تحقيق أمر الإقعاء وهو من المهمات لتكرر الحاجة إليه في كل يوم من تكرره في كتب الحديث والفقه واستشكال أكثر الناس له من كل الطوائف ، وقد من الله الكريم باتقانه ولله الحمد على جميع نعمه . فرع : في مذاهب العلماء في مذهبنا أنهما واجبان لا تصح الصلاة إلا بهما ، وبه قال جمهور العلماء ، وقال أبو حنيفة : لا تجب الطمأنينة ولا الجلوس ، بل يكفي أن يرفع رأسه عن الأرض أدنى رفع ولو كحد السيف وعنه وعن مالك أنهما قالا : يجب أن يرتفع بحيث يكون إلى القعود أقرب منه ، وليس لهما دليل يصح التمسك به . ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : ثم ارفع حتى تطمئن جالسا رواه البخاري من رواية أبي هريرة ورواه أبو داود والترمذي من حديث رفاعة بن رافع ، وقد سبق بيان هذا وغيره من الأدلة في مسألة وجوب الاعتدال عن الركوع .

Section V03/P401

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ثم يسجد سجدة أخرى مثل الأولى ) . + الشرح : قال القاضي الطيب : أجمع المسلمون على وجوب السجدة الثانية ودليله الأحاديث الصحيحة المشهورة والإجماع . قال أصحابنا : وصفة السجدة الثانية صفة الأولى في كل شيء ، والله أعلم .

Section V03/P401–V03/P402

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يرفع رأسه مكبرا لما ذكرناه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الركوع . قال الشافعي : فإذا استوى قاعدا نهض . وقال في الأم : يقوم من السجدة فمن أصحابنا من قال : المسألة على قولين أحدهما : لا يجلس لما روى وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا رفع رأسه من السجدة استوى قائما بتكبيرة والثاني : يجلس لما روى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا كان في الركعة الأولى والثالثة لم ينهض حتى يستوي قاعدا وقال أبو إسحاق : إن كان ضعيفا جلس لأنه يحتاج إلى الاستراحة ، وإن كان قويا لم يجلس لأنه لا يحتاج إلى الاستراحة ، وحمل القولين على هذين الحالين فإن قلنا : يجلس جلس مفترشا لما روى أبو حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم : ثنى رجله فقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم نهض ويستحب أن يعتمد على يديه في القيام لما روى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم : استوى قاعدا ثم قام واعتمد ( على ) الأرض بيديه قال الشافعي : لأن هذا أشبه بالتواضع وأعون للمصلي ويمد التكبير إلى أن يقوم حتى لا يخلو ( فعل ) من ذكر . + الشرح : حديث أبي هريرة صحيح وحديث مالك بن الحويرث رواه البخاري في مواضع من صحيحه ، وحديث أبي حميد صحيح رواه أبو داود والترمذي ، وسبق بيانه بطوله في فصل الركوع . وحديث مالك بن الحويرث الأخير صحيح أيضا رواه البخاري بمعناه ، وسأذكره بلفظه في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى ، وكل هؤلاء الرواة سبق ذكرهم وبيان أحوالهم إلا مالك بن الحويرث ، وهو أبو سليمان مالك بن الحويرث ، ويقال : ابن الحارث الليثي رضي الله عنه ، توفي بالبصرة سنة أربع وتسعين فيما قيل . وقوله : قال الشافعي : فإذا استوى قاعدا نهض يعني قال هذا في مختصر المزني . أما حكم الفصل : فيسن التكبير إذا كانت السجدة يعقبها تشهد مدة حتى يجلس ، وإن كانت لا يعقبها تشهد فهل تسن جلسة الاستراحة فيها النصان اللذان ذكرهما المصنف عن الشافعي ، وللأصحاب فيها ثلاثة طرق . أحدها : وهو قول أبي إسحاق المروزي : هما محمولان على حالين فإن كان المصلي ضعيفا لمرض أو كبر أو غيرهما استحب وإلا فلا . الطريق الثاني : القطع بأنها تستحب لكل أحد ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي و المحاملي في المقنع والفوراني في الإبانة وإمام الحرمين والغزالي في كتبه وصاحب العدة وآخرون . ونقل الشيخ أبو حامد اتفاق الأصحاب عليه . الطريق الثالث : فيه قولان أحدهما يستحب والثاني : لا يستحب ، وهذا الطريق أشهر ، واتفق القائلون به على أن الصحيح من القولين استحبابها ، فحصل من هذا أن الصحيح في المذهب استحبابها .

Section V03/P402–V03/P403

وهذا هو الصواب الذي ثبتت فيه الأحاديث الصحيحة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء ، فإذا قلنا لا تسن جلسة الاستراحة ابتدأ التكبير مع ابتداء الرفع وفرغ منه مع استوائه قائما ، وإذا قلنا بالمذهب وهو أنها مستحبة ، قال أصحابنا : هي جلسة لطيفة جدا ، وفي التكبير ثلاثة أوجه حكاها البغوي والمتولي وصاحب البيان وآخرون أصحها : عند الجمهور وبه قطع المصنف هنا وفي التنبيه ، ونقله أبو حامد عن نص الشافعي أنه يرفع مكبرا ويمده إلى أن يستوي قائما ويخفف الجلسة ، ودليله ما ذكره المصنف والأصحاب أن لا يخلو جزء من الصلاة عن ذكر الثاني : يرفع غير مكبر ويبدأ بالتكبير جالسا ويمده إلى أن يقوم والثالث : يرفع مكبرا فإذا جلس قطعه ثم يقوم بلا تكبير ، نقله أبو حامد عن أبي إسحاق المروزي ، وقطع به القاضي أبو الطيب قال أصحابنا : ولا خلاف أنه لا يأتي بتكبيرتين ، ممن صرح بذلك القاضي حسين والبغوي ، والسنة فيها أن يجلس مفترشا لحديث أبي حميد ، هذا هو المذهب وبه قطع المصنف والجمهور ، وحكى صاحب الحاوي وجها أنه يجلس على صدور قدميه وهو شاذ ، وتسن هذه الجلسة عقب السجدتين في كل ركعة يعقبها قيام سواء الأولى والثالثة والفرائض والنوافل ، لحديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا رواه البخاري . ولو سجد المصلي للتلاوة لم تشرع به القاضي حسين والبغوي وغيرهما . قال أصحابنا : ولو لم يجلس الإمام جلسة الاستراحة فجلسها المأموم جاز ولا يضر هذا التخلف لأنه يسير ، وبهذا فرق أصحابنا بينه وبين ما لو ترك التشهد الأول . واختلف أصحابنا في جلسة الاستراحة هل هي من الركعة الثانية أم جلوس مستقل على وجهين أحدهما : أنها من الثانية ، حكاه في البيان عن الشيخ أبي حامد الثاني : وهو الصحيح المشهور أنها جلوس فاصل بين الركعتين ، وليس من واحدة منهما كالتشهد الأول وجلوسه ، وبهذا قطع ابن الصباغ والمتولي ، وتظهر فائدة الخلاف في تعليق اليمين على شيء في الركعة الثانية ونحو ذلك . واعلم أنه ينبغي لكل أحد أن يواظب على هذه الجلسة لصحة الأحاديث فيها وعدم المعارض الصحيح لها ، ولا تغتر بكثرة المتساهلين بتركها ، فقد قال الله تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم آل عمران : 13 ، وقال تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه الحشر : 7 قال أصحابنا : وسواء قام من الجلسة أو من السجدة يسن أن يقوم معتمدا بيديه على الأرض ، وكذا إذا قام من التشهد الأول يعتمد بيديه على الأرض ، سواء في هذا القوي والضعيف ، والرجل والمرأة ، ونص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب لحديث مالك بن الحويرث وليس له معارض صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم . وإذا اعتمد بيديه جعل بطن راحتيه خلاف . وأما الحديث المذكور في الوسيط وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن فهو حديث ضعيف أو باطل لا أصل له ، وهو بالنون ، ولو صح كان معناه : قائما معتمدا ببطن يديه كما يعتمد العاجز ، وهو الشيخ الكبير ، وليس المراد عاجن العجين .

Section V03/P403–V03/P405

فرع في مذاهب العلماء في استحباب جلسة الاستراحة مذهبنا الصحيح المشهور أنها مستحبة كما سبق ، وبه قال مالك بن الحويرث وأبو حميد وأبو قتادة وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وأبو قلابة وغيره من التابعين ، قال الترمذي : وبه قال أصحابنا وهو مذهب داود ورواية عن أحمد وقال كثيرون أو الأكثرون : لا يستحب بل إذا رفع رأسه من السجود نهض ، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي الزناد ومالك والثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق ، قال : قال النعمان بن أبي عياش : أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا وقال أحمد بن حنبل : أكثر الأحاديث على هذا ، واحتج لهم بحديث المسيىء صلاته ولا ذكر لها فيه ، وبحديث وائل بن حجر المذكور في الكتاب ، وقال الطحاوي : ولأنه لا دلالة في حديث أبي حميد قال : ولأنها لو كانت مشروعة لسن لها ذكر كغيرها . واحتج أصحابنا بحديث مالك بن فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا رواه البخاري بهذا اللفظ ، ورواه أيضا من طرق كثيرة بمعناه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث المسيىء صلاته اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا رواه البخاري في صحيحه بهذا اللفظ في كتاب السلام . وعن أبي حميد وغيره من الصحابة رضي الله عنهم أنه وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ثم هوى ساجدا ثم ثنى رجله وقعد حتى رجع كل عظم موضعه ثم نهض ، وذكر الحديث فقالوا : صدقت ، رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح وإسناد أبي داود إسناد صحيح على شرط مسلم ، وقد سبق بيان الحديث بطوله في الركوع . والجواب عن حديث المسيىء صلاته أن النبي إنما علمه الواجبات دون المسنونات ، وهذا معلوم سبق ذكره مرات ، وأما حديث وائل فلو صح وجب حمله على موافقة غيره في إثبات جلسة الاستراحة لأنه ليس فيه تصريح بتركها ، ولو كان صريحا لكان حديث مالك بن الحويرث وأبي حميد وأصحابه مقدما عليه لوجهين . أحدهما : صحة أسانيدها والثاني : كثرة رواتها ، ويحتمل حديث وائل أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت أو أوقات تبينا للجواز ، وواظب على ما رواه الأكثرون ، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث بعد أن قام يصلي معه ويتحفظ العلم منه عشرين يوما ، وأراد الانصراف من عنده إلى أهله اذهبوا إلى أهليكم ومروهم وكلموهم وصلوا كما رأيتموني أصلي وهذا كله ثابت في صحيح البخاري من طرق فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هذا وقد رآه يجلس الاستراحة فلو لم يكن هذا هو المسنون لكل أحد لما أطلق صلى الله عليه وسلم قوله : صلوا كما رأيتموني أصلي وبهذا يحصل الجواب عن فرق أبي إسحاق المروزي من القوى والضعيف ، ويجاب به أيضا عن قول من لا معرفة له : ليس تأويل حديث وائل وغيره بأولى من عكسه . وأما قول الإمام أحمد بن حنبل : إن أكثر الأحاديث على هذا ، ومعناه أن أكثر الأحاديث ليس فيها ذكر الجلسة إثباتا ولا نفيا ، ولا يجوز أن يحمل كلامه على أن مراده أن أكثر الأحاديث تنفيها لأن الموجود في كتب الحديث ليس كذلك ، وهو أجل من أن يقول شيئا على سبيل الإخبار عن الأحاديث ونجد فيها خلافه ، وإذا تقرر أن مراده أن أكثر الروايات ليس فيها إثباتها ولا نفيها لم يلزم رد سنة ثابتة من جهات عن جماعات من الصحابة .

Section V03/P405–V03/P407

وأما قول الطحاوي : أنها ليست في حديث أبي حميد فمن العجب الغريب فإنها مشهورة فيه في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما من كتب السنن والمسانيد للمتقدمين ، وأما قوله : لو شرعت لكان لها ذكر ، فجوابه أن ذكرها التكبير فإن الصحيح أنه يمد حتى يستوعبها ويصل إلى القيام كما سبق ، ولو لم يكن فيها ذكر لم يجز رد السنن الثابتة بهذا الاعتراض والله أعلم . فرع : في مذاهبهم في كيفية الركعات : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أن يقوم معتمدا على يديه . وحكى ابن المنذر هذا عن ابن عمر ومكحول وعمر بن عبد العزيز وابن أبي زكريا والقاسم بن عبد الرحمن ومالك وأحمد . وقال أبو حنيفة وداود : يقوم غير معتمد بيديه على الأرض ، بل يعتمد صدور قدميه ، وهذا مذهب ابن مسعود وحكاه ابن المنذر عن علي رضي الله عنه والنخعي والثوري ، واحتج لهم بحديث أبي شيبة عن قتادة عن أبي جحيفة عن علي رضي الله عنه قال : من السنة إذا نهض الرجل في الصلاة المكتوبة من الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع رواه البيهقي ، وعن خالد بن الياس ، ويقال ابن ياس عن صالح مولى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهض في الصلاة على صدور قدميه رواه الترمذي والبيهقي . وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة رواه أبو داود . وعن وائل بن حجر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال : وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه رواه أبو داود . وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى ابن مسعود يقوم على قدميه في الصلاة رواه البيهقي وقال : هذا صحيح عن ابن مسعود وعن عطية العوفي قال : رأيت ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبا سعيد الخدري رضي الله عنهم يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة رواه البيهقي . واحتج الشافعي والأصحاب بحديث أيوب السختياني عن أبي قلابة قال : جاءنا مالك بن الحويرث فصلى بنا فقال : إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة ، أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قال أيوب : فقلت لأبي قلابة كيف كانت صلاته فقال مثل شيخنا هذا يعني عمرو بن سلمة قال أيوب : وكان ذلك الشيخ يتم التكبير ، فإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام رواه البخاري في صحيحه بهذا اللفظ . قال الشافعي : ولأن ذلك أبلغ في الخشوع والتواضع وأعون للمصلي وأحرى أن لا ينقلب ، والجواب عن أحاديثهم أنها كلها ليس فيها شيء صحيح إلا الأثر الموقوف على ابن مسعود وترك السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول غيره . فأما حديث علي رضي الله عنه أبي شيبة : ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما ، وأما حديث أبي هريرة فضعيف ، ضعفه الترمذي والبيهقي وغيرهما لأن رواية خالد بن الياس وصالح ضعيفتان ، وأما حديث ابن عمر فضعيف من وجهين أحدهما : أنه رواية محمد بن عبد الملك الغزالي وهو مجهول والثاني : أنه مخالف لرواية الثقات ، لأن أحمد بن حنبل رفيق الغزالي في الرواية لهذا الحديث عن عبد الرزاق وقال فيه : نهى أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يديه ورواه آخران عن عبد الرزاق خلاف ما رواه الغزالي ، وقد ذكر أبو داود ذلك كله وقد علم من قاعدة المحدثين وغيرهم أن ما خالف الثقات كان حديثه شاذا مردودا .