Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V03/P461–V03/P462

المسألة الخامسة : هل يستحب رفع مشهوران أحدهما : لا يستحب ، وهو اختيار المصنف والقفال والبغوي ، وحكاه إمام الحرمين عن كثير من الأصحاب ، وأشاروا إلى ترجيحه واحتجوا بأن الدعاء في الصلاة لا ترفع له اليد كدعاء السجود والتشهد والثاني : يستحب ، وهذا هو الصحيح عند الأصحاب وفي الدليل ، وهو اختيار أبي زيد المروزي إمام طريقة أصحابنا الخراسانيين والقاضي أبي الطيب في تعليقه وفي المنهاج ، والشيخ أبي محمد و ابن الصباغ والمتولي والغزالي والشيخ نصر المقدسي في كتبه الثلاثة : الانتخاب والتهذيب والكافي وآخرين . قال صاحب البيان : وهو قول أكثر أصحابنا ، واختاره من أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي ، واحتج له البيهقي بما رواه بإسناد له صحيح أو حسن عن أنس رضي الله عنه في قصة القراء الذين قتلوا رضي الله عنهم قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما صلى الغداة يرفع يديه يدعو عليهم ، يعني على الذين قتلوهم . قال البيهقي رحمه الله تعالى : ولأن عددا من الصحابة رضي الله عنهم رفعوا أيديهم في القنوت . ثم روي عن أبي رافع قال : صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء قال البيهقي : هذا عن عمر صحيح . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بإسناد فيه ضعيف . وروي عن ابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهما في قنوت الوتر . وأما مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء . فإن قلنا : لا يرفع اليدين لم يشرع المسح بلا خلاف ، وإن قلنا : يرفع فوجهان أشهرهما : أنه يستحب . وممن قطع به القاضي أبو الطيب والشيخ أبو محمد الجويني وابن الصباغ والمتولي والشيخ نصر في كتبه و الغزالي وصاحب البيان والثاني : لا يمسح وهذا هو الصحيح ، صححه البيهقي والرافعي وآخرون من المحققين . قال البيهقي : لست أحفظ في شيئا ، وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة ، فأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس . فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما نقله السلف عنهم من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة ، ثم روى بإسناده حديثا من سنن أبي داود عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سلوا الله ببطون كفوفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم قال أبو داود : روى هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية ، هذا متنها وهو ضعيف أيضا . ثم روى البيهقي عن علي الباشاني قال : سألت عبد الله يعني ابن المبارك عن الذي إذا دعا مسح وجهه قال : لم أجد له ثبتا . قال علي : ولم أره يفعل ذلك ، قال وكان عبد الله يقنت بعد الركوع في الوتر وكان يرفع يديه . هذا آخر كلام البيهقي في كتاب السنن ، وله رسالة مشهورة كتبها إلى الشيخ أبي محمد الجويني أنكر عليه فيها أشياء من جملتها مسحه وجهه بعد القنوت ، وبسط الكلام في ذلك . وأما حديث عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه رواه الترمذي وقال : حديث غريب ، انفرد به حماد بن عيسى وحماد هذا ضعيف ، وذكر الشيخ عبد الحق هذا الحديث في كتابه الاحكام وقال : قال الترمذي : وهو حديث صحيح وغلط في قوله : إن الترمذي قال هو حديث صحيح ، وإنما قال غريب ، والحاصل لأصحابنا ثلاثة أوجه الصحيح : يستحب رفع يديه دون مسح الوجه والثاني : لا يستحبان . والثالث : يستحبان .

Section V03/P462–V03/P464

وأما غير الوجه من الصدر وغيره فاتفق أصحابنا على أنه لا يستحب ، بل قال ابن الصباغ وغيره : هو مكروه ، والله أعلم . المسألة السادسة : إذا قنت الإمام في الصبح هل يجهر بالقنوت فيه وجهان مشهوران عند الخراسانيين ، وحكاهما جماعة من العراقيين ومنهم صاحب الحاوي . أحدهما : لا يجهر كالتشهد وكسائر وبه قطع أكثر العراقيين ، ويحتج له بالحديث الذي سنذكره إن شاء الله قريبا عن صحيح البخاري في قنوت النازلة ، وبالقياس على ما لو سأل الرحمة أو استعاذ من العذاب في أثناء القراءة ، فإن المأموم يوافقه في السؤال ولا يؤمن ، وبهذا استدل المتولي . وأما المنفرد فيسر به بلا خلاف ، صرح به الماوردي والبغوي وغيرهما . وأما المأموم فإن قلنا : لا يجهر الإمام قنت وأسر . وإن قلنا : يجهر الإمام فإن كان يسمع الإمام فوجهان مشهوران للخراسانيين أصحهما : يؤمن على دعاء الإمام ولا يقنت وبهذا قطع المصنف والأكثرون والثاني : يتخير بين التأمين والقنوت فإن قلنا يؤمن فوجهان أحدهما : يؤمن في الجميع وأصحهما : وبه قطع الأكثرون : يؤمن في الكلمات الخمس التي هي دعاء . وأما الثناء وهو قوله : فإنك تقضي ولا يقضى عليك إلى آخره فيشاركه في قوله أو يسكت ، والمشاركة أولى لأنه ثناء وذكر لا يليق فيه التأمين ، وإن كان لا يسمع الإمام لبعد أو غيره وقلنا لو سمع لأمن فهنا وجهان أصحهما : يقنت والثاني : يؤمن ، وهما كالوجهين في استحباب قراءة السورة إذا لم يسمع قراءة الإمام . هذا كله في الصبح وفيما إذا قنت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان . وأما إذا قنت في باقي المكتوبات حيث قلنا به فقال الرافعي كلام الغزالي يقتضي أنه يسر به في السريات ، وفي جهره به في الجهريات الوجهان ، قال وإطلاق غيره يقتضي طرد الخلاف في الجميع . قال وحديث قنوت النبي صلى الله عليه وسلم حين قتل القراء رضي الله عنهم يقتضي أنه كان يجهر به في جميع الصلوات ، هذا كلام الرافعي . والصحيح أو الصواب استحباب الجهر ، ففي البخاري في تفسير قول الله تعالى : ليس لك من الأمر شيء آل عمران : 821 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقنوت في قنوت النازلة وفي الجهر بالقنوت أحاديث كثيرة صحيحة سنذكرها إن شاء الله تعالى قريبا في فرع مذاهب العلماء في القنوت . واحتج المصنف والأصحاب في الإمام بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة ، إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سليم على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح . المسألة السابعة : في ألفاظ الفصل ، القنوت في اللغة له معان ، منها الدعاء ، ولهذا سمي هذا الدعاء قنوتا ، ويطلق على الدعاء بخير وشر ، يقال : قنت له وقنت عليه قوله قنت شهرا يدعو عليهم ثم تركه معناه قنت شهرا يدعو على الكفار الذين قتلوا أصحابه القراء ببئر معونة بفتح الميم وبالنون وقوله ثم تركه فيه قولان للشافعي رحمه الله حكاهما البيهقي أحدهما : ترك القنوت في غير الصبح والثاني : ترك الدعاء عليهم ولعنتهم ، وأما الدعاء في الصبح فلم يتركه . قوله لا يذل من واليت هو بفتح الياء وكسر الذال ، قوله ونخلع من يفجرك أي نترك من يعصيك ويلحد في صفاتك ، وهو بفتح الياء وضم الجيم ، قوله واليك نسعى ونحفد هو بفتح النون وكسر الفاء ، أي نسارع إلى طاعتك وأصل الحفد العمل والخدمة . قوله إن عذابك الجد هو بكسر الجيم ، أي الحق ، ولم تقع هذه اللفظة في المهذب .

Section V03/P464–V03/P465

قوله ملحق الأشهر فيه كسر الحاء ، رواه البيهقي عن أبي عمرو بن العلاء ، وهو قول الأصمعي وأبي عبيدة والأكثرين من أهل اللغة . وحكى ابن قتيبة وآخرون فيه الفتح ، فمن فتح فمعناه إن شاء الله ألحقه بهم ، ومن كسر معناه لحق ، كما يقال : أنبت الزرع بمعنى نبت قوله وأصلح ذات بينهم أي أمورهم ومواصلاتهم قوله وألف بين قلوبهم أي اجمعها على الخير . قوله الحكمة هي كل ما منع القبيح . قوله وأوزعهم أم ألهمهم ، قوله واجعلنا منهم أي ممن هذه صفته ، قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن : في الاستقساء والاستنصار وعشية عرفة والمراد بالاستنصار الدعاء بالنصر على الكفار . قوله لما روى الحسن بن علي أبي طالب سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته ، اختلف في وقت ولادته والأصح أنه في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وتوفي بالمدينة ودفن بالبقيع سنة تسع وأربعين . وقيل سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين ومناقبه كثيرة مشهورة في الصحيحين وغيرهما رضي الله تعالى عنه ( وأما أبو رافع ) الذي روي عنه في الكتاب قنوت عمر رضي الله تعالى عنه فهو أبو رافع الصائغ واسمع نفيع بضم النون من كبار التابعين وأخيارهم بكى حين أعتق وقال : كان لي أجران فذهب أحدهما . فرع : في مذاهب العلماء في مذهبنا أنه يستحب القنوت فيها قال أكثر السلف ومن بعدهم أو كثير منهم وممن قال به أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعثمان وعلي وابن عباس و البراء بن عازب رضي الله عنهم رواه البيهقي بأسانيد صحيحه ، وقال به من التابعين فمن بعدهم خلائق وهو مذهب ابن أبي ليلى والحسن بن صالح ومالك وداود ، وقال عبد الله بن مسعود وأصحابه و أبو حنيفة وأصحابه سفيان الثوري وأحمد : لا قنوت في الصبح قال أحمد : إلا الإمام فيقنت إذا بعث الجيوش ، وقال إسحاق : يقنت للنازلة خاصة . واحتج لهم بحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب ثم تركه رواه البخاري ومسلم ، وفي صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع في صلاته شهرا يدعو لفلان وفلان ثم ترك الدعاء لهم وعن سعد بن طارق قال : قلت لأبي يا أبي إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فكانوا يقنتون في الفجر فقال : أي بني فحدث راه النسائي والترمذي وقال : حديث حسن صحيح وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من صلاته وعن أبي مخلد قال : صليت مع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الصبح فلم يقنت فقلت له : ألا أراك تقنت فقال : ما أحفظه عن أحد من أصحابنا وعن ابن عباس رضي الله عنهما : القنوت في الصبح بدعة وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن القنوت في الصبح رواه البيهقي . واحتج أصحابنا بحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو عليهم ثم ترك فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا حديث صحيح رواه جماعة من الحفاظ وصححوه ، وممن نص على صحته الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي البلخي والحاكم أبو عبد الله في مواضع من كتبه والبيهقي ، ورواه الدارقطني من طرق بأسانيد صحيحة ، وعن العوام بن حمزة قال سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح قال : بعد الركوع قلت : عمن قال : عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم رواه البيهقي وقال : هذا إسناد حسن ورواه البيهقي عن عمر أيضا من طرق .

Section V03/P465–V03/P467

وعن عبد الله بن معقل بفتح الميم وإسكان العين المهملة وكسر القاف التابعي قال قنت علي رضي الله عنه في الفجر رواه البيهقي وقال : هذا عن علي صحيح مشهور ، وعن البراء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصبح والمغرب رواه مسلم ورواه أبو داود وليس في روايته ذكر المغرب ، ولا يضر ترك الناس القنوت في صلاة المغرب لأنه ليس بواجب أو دل الإجماع على نسخه فيها . وأما الجواب عن حديث أنس و أبي هريرة رضي الله عنهما في قوله : ثم تركه فالمراد ترك الدعاء على أولئك الكفار ولعنتهم فقط ، لا ترك جميع القنوت أو ترك القنوت في غير الصبح ، وهذا التأويل متعين لأن حديث أنس في قوله لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا صحيح صريح فيجب الجمع بينهما ، وهذا الذي ذكرناه متعين للجمع ، وقد روى البيهقي بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي الإمام أنه قال : إنما ترك اللعن ويوضح هذا التأويل رواية أبي هريرة السابقة ، وهي قوله ثم ترك الدعاء لهم . والجواب عن حديث سعد بن معهم زيادة علم وهم أكثر فوجب تقديمهم ، وعن حديث ابن مسعود أنه ضعيف جدا لأنه من رواية محمد بن جابر السحمي وهو شديد الضعف متروك ولأنه نفي وحديث أنس إثبات فقدم لزيادة العلم ، وعن حديث ابن عمر أنه لم يحفظه أو نسيه وقد حفظه أنس والبراء بن عازب وغيرهما فقدم من حفظ ، وعن حديث ابن عباس أنه ضعيف جدا وقد رواه البيهقي من رواية أبي ليلى الكوفي وقال : هذا لا يصح وأبو ليلى متروك . وقد روينا عن ابن عباس أنه قنت في الصبح وعن حديث أم سلمة أنه ضعيف لأنه من رواية محمد ابن يعلى عن عنبسة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن أم سلمة قال الدارقطني : هؤلاء الثلاثة ضعفاء ، ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة والله أعلم . فرع : في القنوت في غير الصبح مذهبنا أنها إن نزلت قنت في جميع الصلوات وقال الطحاوي لم يقل أحد من العلماء بالقنوت في غير الصبح من المكتوبات غير الشافعي قال الشيخ أبو حامد هذا غلط منه بل قد قنت علي رضي الله عنه بصفين ودليلنا على من خالفنا الأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا لقتل القراء رضي الله عنهم وقد سبقت جملة من هذه الأحاديث وباقيها مشهور في الصحيح . فرع : في مذهبهم في محل بعد رفع الرأس من الركوع ، وبهذا قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم حكاه ابن المنذر عنهم ورواه البيهقي عنهم وعن أنس قال ابن المنذر : وروينا القنوت قبل الركوع عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي موسى الأشعري والبراء وأنس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وعبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنهم ، وبهذا قال مالك وإسحاق . وحكى ابن المنذر التخيير قبل الركوع وبعده عن أنس وأيوب السختياني وأحمد وقد جاءت الأحاديث بالأمرين ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع وعن ابن سيرين قال قلت لأنس قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبح قال نعم بعد الركوع يسيرا رواه البخاري ومسلم .

Section V03/P467–V03/P469

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا بعد الركوع في الفجر يدعو على بني عصية رواه البخاري ومسلم وعن عاصم قال : سألت أنسا عن القنوت أكان قبل الركوع أو بعده قال : قبله قلت فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت : قبل الركوع : قال كذب إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري وعن سالم بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول : اللهم ألعن فلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله تعالى : ليس لك من الأمر شيء آل عمران : 821 رواه البخاري ، وعن خفاف بن إيماء رضي الله عنه قال : ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفع رأسه فقال : غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله وعصية الله ورسوله ، اللهم ألعن بني لحيان والعن رعلا وذكوان ثم خر ساجدا رواه مسلم . قال البيهقي : وروينا عن عاصم الأحول عن أنس أنه أفتى بالقنوت بعد الركوع ثم ذكرنا بإسناده عن عاصم عن أنس قال : إنما قنت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : كيف القنوت قال : بعد الركوع . قال البيهقي فقد أخبرنا أن القنوت المطلق المعتاد بعد الركوع قال : وقوله ( إنما قنت شهرا ) يريد به اللعن . قال البيهقي : ورواة القنوت بعد الركوع أكثر أوحفظ فهو أولى ، وعلى هذا درج الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في أشهر الروايات عنهم وأكثرها والله أعلم . فرع في مذاهبهم في رفع اليدين في القنوت قد سبق أن الصحيح في مذهبنا عند الأكثرين استحبابه وهو المختار ، قال ابن المنذر : وروينا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم قال : وبه قال أحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال : وكان يزيد بن أبي مريم و مالك والأوزاعي لا يرون ذلك . وقد سبق دليل الجميع والله أعلم . فرع في استحباب رفع اليدين في الأحاديث الواردة فيه أعلم أنه مستحب لما سنذكره إن شاء الله تعالى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى ورفع يديه وما في السماء قزعة فثار سحاب أمثال الجبال ، ثم لم ينزل من منبره حتى رأيت المطر يتحادر من لحيته رواه البخاري ومسلم ورويا بمعناه عن أنس من طرق كثيرة وفي رواية للبخاري فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا فما زلنا بمطر حتى كانت الجمعة الأخرى وذكر تمام الحديث . وثبت رفع اليدين في الاستسقاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة من الصحابة غير أنس وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وعن أبي عثمان النهدي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حي كريم سخي إذا رفع الرجل يديه إليه أن يردهما صفرا خائبتين رواه أبو داود وقال : حديث حسن ( والصفر ) بكسر الصاد الخالي . وعن أنس رضي الله عنه في قصة القراء الذين قتلوا قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم يعني على الذين قتلوهم رواه البيهقي بإسناد صحيح حسن ، وقد سبق . وعن عائشة رضي الله عنها في حديثها الطويل في خروج النبي صلى الله عليه وسلم في الليل إلى البقيع للدعاء لأهل البقيع والاستغفار لهم قالت : أتى البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف قال : إن جبريل عليه السلام أتاني فقال : إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع وتستغفر لهم رواه مسلم .

Section V03/P469–V03/P470

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه يقول : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ما وعدتني فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه رواه مسلم . ( قوله ) يهتف بفتح أوله وكسر رفع صوته بالدعاء وغيره . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرمي الجمرة سبع حصيات يكبر على أثر كل حصاة ، ثم يتقدم حتى يستقبل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه ، ثم يرمي الوسطى ، ثم يأخذ ذات الشمال فيستقبل ويقوم طويلا ، ويدعو ويرفع يديه ، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله رواه البخاري . وعن أنس رضي الله عنه قال : صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بكرة وقد خرجوا بالمساحي فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : الله أكبر خربت خيبر رواه البخاري في آخر علامات النبوة من صحيحه . وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس وذكر الحديث وأن أبا عامر رضي الله عنه استشهد فقال لأبي موسى : يابن أخي أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فقل له : استغفر لي ، ومات أبو عامر قال أبو موسى : فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال : اللهم اغفر لعبدك أبي عامر ورأيت بياض ابطيه ثم قال : اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك ومن الناس ، فقلت : ولي فاستغفر فقال : اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه ، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام فأني يستجاب لذلك رواه مسلم . وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال : أتصلي بالناس فاقيم فقال : نعم . قال : فصلى بهم أبو بكر رضي الله عنه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس ، وكان أبو بكر لا يلتفت فالتفت أبو بكر رضي الله عنه فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثبت مكانك فرفع أبو بكر يديه رضي الله عنه فحمد الله تعالى على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك رواه البخاري ومسلم وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو رافعا يديه يقول : إنما أنا بشر فلا تعاقبني ، أيما رجل من المؤمنين آذيته أو شتمته فلا تعاقبني فيه .

Section V03/P470–V03/P471

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة وتهيأ ورفع يديه وقال : اللهم اهد أوسا وأت بهم وعن جابر رضي الله عنه أن الطفيل بن عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم : هل لك في حصن حصين ومنعة وذكر الحديث في هجرته مع صاحب له ، وأن صاحبه مرض فجزع فجرح يديه فمات فرآه الطفيل في المنام فقال : ما فعل الله بك فقال : غفر لي بهجرتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما شأن يديك قال قيل لن يصلح منك ما أفسدت من نفسك فقصها الطفيل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم وليديه فاغفر رفع يديه وعن علي رضي الله عنه قال : جاءت إمرأة الوليد إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه زوجها أنه يضربها فقال : اذهبي إليه فقولي له كيت وكيت أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ، فذهبت ثم عادت فقال : إنه عاد يضربني فقال : اذهبي فقولي له كيت وكيت فقال : إنه يضربني فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : اللهم عليك الوليد . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا يديه حتى بدا ضبعاه يدعو لعود عثمان رضي الله عنه وعن محمد بن إبراهيم التيمي قال : أخبرني من رأى النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند أحجار الزيت باسطا كفيه وعن أبي عثمان قال : كان عمر رضي الله عنه يرفع يديه في القنوت وعن الأسود أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يرفع يديه في القنوت هذه الأحاديث من حديث عائشة إنما أنا بشر فلا تعاقبني إلى آخرها رواها البخاري في كتاب رفع اليدين بأسانيد صحيحة ، ثم قال في آخرها : هذه الأحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما ذكرته وفيما ذكرته كفاية والمقصود أن يعلم أن من ادعى حصر المواضع التي وردت الأحاديث بالرفع فيها فهو غالط غلطا فاحشا والله تعالى أعلم .

Section V03/P471–V03/P472

قال المصنف رحمه الله تعالى : والفرض مما ذكرنا أربعة عشر : النية وتكبيرة الإحرام والقيام وقراءة الفاتحة والركوع حتى يطمئن فيه ، والرفع من الركوع حتى يعتدل ، والسجود حتى يطمئن ، والجلوس بين السجدتين حتى يطمئن ، والجلوس في آخر الصلاة ، والتشهد فيه ، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، والتسليمة الأولى ، ونية الخروج ، وترتيب أفعالها على ما ذكرنا . والسنن خمس وثلاثون : رفع اليدين في تكبيرة الإحرام ، والركوع ، والرفع من الركوع ، ووضع اليمين على الشمال ، والنظر إلى موضع السجود ، ودعاء الاستفتاح ، والتعوذ ، والتأمين ، وقراءة السورة بعد الفاتحة ، والجهر والإسرار ، والتكبيرات سوى تكبيرة الإحرام ، والتسميع ، والتحميد في الرفع من الركوع ، والتسبيح في الركوع ، والتسبيح في السجود ، ووضع اليد على الركبة في الركوع ، ومد الظهر والعنق فيه ، والبداية بالركبة ثم باليد في السجود ، ووضع الأنف في السجود ، ومجافاة المرفق عن الجنب في الركوع والسجود ، وإقلال البطن عن الفخذ في السجود ، والدعاء في الجلوس بين السجدتين ، وجلسة الاستراحة ، ووضع اليد على الأرض عند القيام ، والتورك في آخر الصلاة ، والافتراش في سائر الجلسات ، ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة ، والإشارة بالمسبحة ، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة ، والتشهد الأول ، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، والصلاة على آله في التشهد الأخير والدعاء في آخر الصلاة ، والقنوت في الصبح ، والتسليمة الثانية ، ونية السلام على الحاضرين . + الشرح : أما الفروض فهي على ما فيها خلاف سبق ، وذكرنا هناك أن الأصح أنها سنة وليست بواجبة وضم ابن القاص والقفال إلى الفروض استقبال القبلة وهو ضعيف ، بل الصحيح الذي عليه الجمهور أن الاستقبال شرط لا فرض ، وذكر جماعة أن نية الصلاة شرط لا فرض ، والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها فرض ، وقد سبقت المسألة في موضعها مبسوطة . وذكر الغزالي في البسيط وجهين في أن السجدة الثانية ركن مستقل كالركوع أم ركن متكرر كالركوع في الركعة الثانية ، قال : والصحيح الأول لأنه يفصل بينها وبين السجدة الأولى ركن ، قال : وهذا الخلاف إنما هو في العبارة . وأما السنن فمنها هذه الخمس والثلاثون التي ذكرها وبقي منها سنن لم يذكرها المصنف هنا . وقد ذكر هو كثيرا في موضعه فكأنه استغنى بذاك عن ذكره هنا ، وكان ينبغي أن لا يستغني به كما لم يستغن في هذه الخمس والثلاثين ، وإن كانت قد سبقت في موضعها لأن مراده هنا حصرها وضبطها بالعدد ، فمما تركه تفريق أصابع يديه إذا رفعهاد وتفريقها على الركبة في الركوع ، وضمها إلى القبلة في السجود ، وتوجيه أصابع رجليه إلى القبلة في السجود ، وجعل يديه حذو منكبيه في السجود والاعتماد عليها في السجود ، والدعاء في السجود وجعل اليد اليمنى على اليسرى فوق السرة والجهر بالتأمين والالتفات من التسليمتين يمينا وشمالا وغيرها مما سبق ، وكثير من هذه المذكورات يقال استغنى لكونه وصفا لشيء ذكره هنا ، واستغنى بذكر الموصوف . والله أعلم . وقوله ( التسميع والتحميد في الرفع التسميع في الرفع والتحميد في الاعتدال منه . لأن التحميد لا يشرع في الرفع إنما يشرع إذا اعتدل ، وكأنه اختصر واستغنى بذكره على وجهه في موضعه .

Section V03/P472–V03/P473

فرع : قال أصحابنا : للصلاة أركان وأبعاض وهيئات وشروط ، فالأركان هي الفروض التي ذكرها المصنف وتكلمنا عليها ، والأبعاض ستة أحدها : القنوت في الصبح وفي الوتر في النصف الثاني من شهر رمضان والثاني : القيام للقنوت ، والثالث : التشهد الأول والرابع : الجلوس له والخامس : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول إذا قلنا هي سنة والسادس : الجلوس للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهدين إذا قلنا هي سنة فيهما ، وقد سبق بيان كل ذلك في موضعه . وأما الهيئات وهي السنة التي ليست أبعاضا فكل ما يشرع في الصلاة غير الأركان والأبعاض ، وأما الشروط فخمسة : الطهارة عن الحدث ، والطهارة عن النجس واستقبال القبلة وستر العورة ومعرفته الوقت يقينا أو ظنا بمستند ، وضم الفوراني والغزالي إلى الشروط ترك الأفعال في الصلاة وترك الكلام وترك الأكل . والصواب أن هذه ليست بشروط وإنما هي مبطلات الصلاة ، كقطع النية وغير ذلك ، ولا تسمى شروطا في اصطلاح أهل الأصول ولا في اصطلاح الفقهاء وإن أطلقوا عليها في موضع اسم الشرط كان مجازا لمشاركتها الشرط في عدم صحة الصلاة عند اختلاله ، والله أعلم . قال أصحابنا : من ترك ركنا أو شرطا لم تصح صلاته إلا في مواضع مخصوصة بعذر في بعض الشروط ، كفاقد السترة ، وإن ترك غيرهما صحت وفاته الفضيلة ، سواء تركه عمدا أو سهوا ، لكن إن كان المتروك من الأبعاض سجد للسهو وإلا فلا . هذا مختصر القول في هذا ، وهو مبسوط في مواضعه وبالله التوفيق .

Section V03/P473

فصل في مسائل تتعلق بصفة الصلاة وإقبال عليها وأن يتدبر القراءة والأذكار ويرتلهما وكذلك الدعاء

Section V03/P473–V03/P475

، ويراقب الله تعالى فيها ويمتنع من الفكر في غير هذا حتى يفرغ منها ويستحضر ما أمكنه من الخشوع والخضوع بظاهره وباطنه قال الله تعالى : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون المؤمنون : روى البيهقي بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفسير هذه الآية قال : الخشوع في القلب وأن تلين جانبك للمرء المسلم ، وأن لا تلتفت في صلاتك . وعن جماعة من السلف : الخشوع السكون فيها ، وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة رواه مسلم . الخيل الشمس ذات التوثب والنفار . وعن عقبة ابن عامر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة رواه مسلم ، وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الطويل ذكر فضل الوضوء ، وفي آخره أن أقام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل ، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئة يوم ولدته أمه رواه مسلم . وعن عثمان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله رواه مسلم . وعن أبي اليسر بفتح المثناة تحت والسين المهملة واسمه كعب بن عمرو وهو آخر من توفي من أهل بدر رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس حتى بلغ العشر رواه النسائي بإسناد صحيح . وروى النسائي أيضا نحوه أو مثله عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده أيضا صحيح . وقد ذكر البيهقي بإسناده الصحيح عن مجاهد قال : كان ابن الزبير رضي الله عنه إذا قام في الصلاة كأنه عود ، وحدث أن أبا بكر رضي الله عنه قال كذلك ، قال فكان يقال : ذلك الخشوع في الصلاة والأحاديث والآثار في المسألة كثيرة مشهورة والله أعلم . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله في الأم : أرى في كل حال للإمام أن يرتل التشهد والتسبيح والقراءة أو يزيد فيها شيئا بقدر ما يرى أن من وراءه ممن يثقل لسانه قد بلغ أن يؤدى ما عليه ، وكذلك أرى له في الخفض والرفع أن يتمكن ليدركه الكبير والضعيف والثقيل ، وإن لم يفعل وفعل بأخف الأشياء كرهت ذلك له ولا سجود للسهو عليه ، هذا نصه واتفق الأصحاب عليه ، وهذه المسألة بباب صلاة الجماعة أليق ، لكن لها تعلق بهذا الباب ، وهنا ذكرها الشافعي رحمه الله وسنعيدها مبسوطة بفروعها هناك إن شاء الله تعالى . الثالثة : قال صاحب التهذيب : : فرض ، ومعرفة أعمالها .

Section V03/P475–V03/P477

قال : فإن جهل فرضية أصل الصلاة أو علم أن بعض الصلاة فريضة ولم يعلم فريضة الصلاة التي شرع فيها لم تصح صلاته ، وكذا إذا لم يعرف فرضية الوضوء ، أما إذا علم فرضية الصلاة ولم يعلم أركانها فله ثلاثة أحوال أحدها : أن يعتقد جميع أفعالها سنة والثاني : أن يعتقد بعض أفعالها فرضا وبعضها سنة ولا يميز الفرض من السنة فلا تصح صلاته في هذين الحالين بلا خلاف ، هكذا صرح به القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي الثالث : أن يعتقد جميع أفعالها فرضا فوجهان حكاهما القاضي حسين والبغوي أحدهما : لا تصح صلاته لأنه ترك معرفة ذلك وهي واجبة وأصحهما : تصح وبه قطع المتولي لأنه ليس فيه أكثر من أنه أدى سنة باعتقاد الفرض وذلك لا يؤثر . قال البغوي : فإن لم نصحح صلاته ففي صحة وضوئه في هذه الحالة وجهان ، هكذا ذكر هؤلاء هذه المسائل ولم يفرقوا بين العامي وغيره وقال الغزالي في الفتاوى : العامي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها تصح صلاته بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض ، فإن نوى التنفل به لم يعتد به ، ولو غفل عن التفصيل فنية الجملة في الابتداء كافية . هذا كلام الغزالي وهو الصحيح الذي يقتضيه ظاهر أحوال الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم ، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ألزم الأعراب وغيرهم هذا التمييز ، ولا أمر بإعادة صلاة من لا يعلم هذا والله أعلم . قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : ويلزم المكلف أن يتعلم القراءة والتشهد وتكبيرة الإحرام وصفة الصلاة كلها ، فإن لم يتعلم فحكمه ما سبق فيمن لا يحسن تكبيرة الإحرام وسبق تفصيله ، ونص الشافعي في الأم على أصل هذه القاعدة . المسألة الرابعة : في التنبيه على حفظ أشياء سبقت مبسوطة ، منها أن رفع اليدين مستحب في ثلاثة مواضع بالاتفاق عندنا ، عند الإحرام والركوع والرفع منه ، وكذا في القيام من التشهد الأول على المختار ، وتكون الأصابع مفرقة فيها كلها وللأصابع أحوال في الصلاة سبق بيانها في فصل تكبيرة الإحرام ، وسبق أن في الصلاة الرباعية اثنتين وعشرين تكبيرة وفي الثلاثية سبع عشرة وفي الثنائية إحدى عشرة ، وأن في الصلاة التي تزيد على ركعتين أربع جلسات الجلسة بين سجدتين ، وللاستراحة وللتشهدين يتورك في الآخرة ويفترش في الباقي وأنه يتصور في المغرب أربع تشهدات في حق المسبوق . المسألة الخامسة : قال الشافعي بين الرجال والنساء في عمل الصلاة ، إلا أن المرأة يستحب لها أن تضم بعضها إلى بعض ، وأن تلصق بطنها بفخذيها في السجود كأستر ما يكون ، وأحب ذلك لها في الركوع وفي جميع الصلاة ، وأن تكثف جلبابها وتجافيه راكعة وساجدة لئلا تصفها ثيابها ، وأن تخفض صوتها . وإن نابها شيء في صلاتها صفقت ، هذا نصه . قال أصحابنا : المرأة كالرجل في أركان الصلاة وشروطها وأبعاضها وأما الهيئات المسنونات فهي كالرجل في معظمها وتخالفه فيما ذكره الشافعي ، ويخالف النساء الرجال في صلاة الجماعة في أشياء أحدها : لا تتأكد في حقهن كتأكدها في الرجال الثاني : تقف إمامتهن وسطهن الثالث : تقف واحدتهن خلف الرجل لا بجنبه بخلاف الرجل الرابع : إذا صلين صفوفا مع الرجال فآخر صفوفهن أفضل من أولها وستأتي هذه المسائل بدلائلها وفروعها مبسوطة في صلاة الجماعة وموقف الإمام والمأموم إن شاء الله تعالى . وأما صفة قعودها في صلاتها فكصفة قعود الرجل في جميع أحوالها وقال صاحب الحاوي : إذا صلت قاعدة جلست متربعة وهذا شاذ مخالف لنص الشافعي الذي ذكرناه ولما قاله الأصحاب أنها كالرجل إلا فيما استثناه الشافعي . وأعلم أن الشافعي رحمه الله نص هنا على خفض صوتها ، وقد سبق فيه تفصيل وخلاف في فصل القراءة وبالله التوفيق .

Section V03/P477–V04/P002

4 واحدا كفي وأتم الجمعة لأن هذا القول يكتفي باسم الجميع أو الجماعة وهي حاصلة بها وقال إمام الحرمين : الظاهر الاشتراط ، قال : ولصاحب التقريب احتمال أنه لا يشترط قال : وهذا مزيف لا يعتد به . والقول الرابع : المخرج لا تبطل وإن بقي وحده . والخامس : إن انفضوا في الركعة الأولى بطلت الجمعة ، وإن انفضوا بعدها لم تبطل الجمعة بل يتمها الإمام وحده ، وكذا من معه إن بقي معه أحد . هذا حكم الانفضاض في نفس صلاة الجمعة . واعلم أن الأربعين شرط لصحة الخطبتين ، فيشترط سماعهم الآن كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، فلو حضر العدد ثم انفضوا قبل افتتاح الخطبة لم يجز افتتاحها حتى يجتمع لها أربعون كاملون وإن انفضوا في أثناء الخطبة لم يعتد بالركن المفعول في غيبتهم بلا خلاف ، بخلاف الانفضاض في الصلاة ، فإن فيه الأقوال الخمسة . وفرق الأصحاب بأن كل واحد يصلي لنفسه فسومح بنقص العدد على قول ، والخطيب لا يخطب لنفسه ، إنما الغرض إسماعهم ، فما جرى ولا مستمع لم يحصل فيه الغرض فلم تصح ، ثم إن عادوا قبل طول الفصل بنى على خطبته ، وإن عادوا بعده فقولان مشهوران في كتب الخراسانيين ، قال : ويعبر عنهما بأن الموالاة في الخطبة واجبة أم لا الأصح أنها واجبة فيجب الاستئناف . والثاني : غير واجبة فيبني ، وبنى جماعة منهم القولين على أن الخطبتين بدل من الركعتين فيجب الاستئناف أم لا فلا يجب ، قالوا : ولا فرق بين فوات الموالاة لعذر وغيره فيما ذكرناه ولو لم يعد الأولون وجاء غيرهم وجب استئناف الخطبتين ، قصر الفصل أم طال بلا خلاف . أما إذا انفضوا بعد فراغ الخطبة فإن عادوا قبل طول الفصل صلى الجمعة بتلك الخطبة بلا خلاف ، وقد ذكره المصنف بعد هذا بقليل ، وإن عادوا بعد طول الفصل ففيه خلاف مبني على اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة ، وفيه قولان مشهوران أصحهما : وهو الجديد الاشتراط ، فعلى هذا لا تجوز صلاة الجمعة بتلك الخطبة والثاني : لا يشترط فعلى هذا يصلي بها ، وهل تجب إعادة الخطبة وصلاة الجمعة أم لا قال المزني في المختصر : قال الشافعي : أحببت أن يبتديء الخطبة ثم يصلي الجمعة فإن لم يفعل صلى بهم الظهر ، واختلف أصحابنا في معنى كلامه هذا على ثلاثة أوجه حكاها المصنف بعد هذا والأصحاب ، وهي مشهورة أصحها : وبه قال ابن سريج والقفال وأكثر أصحابنا : تجب إعادة الخطبة ثم يصلي بهم الجمعة لتمكنه من ذلك قالوا : ولفظ الشافعي إنما هو أوجبت ولكنه صحف . ومنهم من تأوله وقال : أراد بأحببت أوجبت ، قالوا : وقوله صلى بهم الظهر محمول على ما إذا ضاق الوقت والوجه الثاني : وبه قال أبو إسحاق المروزي : لا تجب إعادة الخطبة لكن تستحب وتجب صلاة الجمعة أما وجوب الجمعة فلقدرته عليها وإنما لم & باب صلاة التطوع & اختلف أصحابنا في حد التطوع أحدها : أن تطوع الصلاة هو ما لم يرد فيه نقل بخصوصيته بل يفعله الإنسان ابتداء ، والذاهبون إلى هذا قالوا : ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام ( سنن ) وهي التي واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ومستحبات ) وهي التي فعلها أحيانا ولم يواظب عليها ( وتطوعات ) وهي التي ذكرنا أولا . والوجه الثاني : أن النفل والتطوع لفظان مترادفان معناهما واحد ، وهما ما سوى الفرائض . والوجه الثالث : أن السنة والنفل والتطوع والمندوب والمرغب فيه والمستحب ألفاظ مترادفة وهي ما سوى الواجبات . قال العلماء : التطوع في الأصل فعل الطاعة ، وصار في الشرع مخصوصا بطاعة غير واجبة .

Section V04/P002–V04/P003

قال المصنف رحمه الله تعالى : عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : استقيموا وأعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ولأنها تجمع من القرب ما لا يجمع غيرها من الطهارة ، واستقبال القبلة والقراءة وذكر الله تعالى ، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنع فيها من كل ما يمنع منه في سائر العبادات وتزيد عليها بالإمتناع من الكلام والمشي وسائر الأفعال . وتطوعها أفضل التطوع . + الشرح : حديث عبد الله هذا رواه والبيهقي فيه وفي فضائل الصلوات قيل استقبال القبلة روياه من حديث عبد الله ، ومن حديث ثوبان بلفظه هنا ، وفيه زيادة قال : استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة الخ لكن في رواية ابن ماجه عن عبد الله إن من خير أعمالكم الصلاة وفي بعض روايات البيهقي إثبات ( من ) وفي بعضها حذفها وإسناد رواية عبد الله فيه ضعيف ، وإسناد رواية ثوبان جيد لكن من رواية سالم بن أبي الجعدي عن ثوبان وقال أحمد بن حنبل : لم يسمع سالم من ثوبان وذكره مالك في الموطأ مرسلا معضلا . فقال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن قال صاحب مطالع الأنوار : إلزموا طريق الاستقامة ، وقاربوا وسددوا فإنكم لا تطيقون جميع أعمال البر ولن تحصوا أن تطيقوا الاستقامة في جميع الأعمال ، وقيل : لن تحصوا ما لكم في الاستقامة من الثواب العظيم . أما حكم المسألة : فالمذهب من الصوم وسائر عبادات البدن ، وقال صاحب المستظهري في كتاب الصيام : اختلف في الصلاة والصوم أيهما أفضل فقال قوم : الصلاة أفضل ، وقال آخرون : الصلاة بمكة أفضل والصوم بالمدينة أفضل ، قال : والأول أصح ، ويحتج بترجيح الصوم بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، والصوم جنة وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح ( بفطره ) وإذا لقى ربه فرح بصومه رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ، قال الله تعالى : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وطعامه من أجلي وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل فيه الصائمون لا يدخل منه غيرهم رواه البخاري ومسلم .

Section V04/P003–V04/P005

وأما الدليل لترجيح الصلاة وهو المذهب فأحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة ( منها ) حديث بني الإسلام على خمس وقد سبق ، وموضع الدلالة منه تقديم الصلاة على الصوم ، والعرب تبدأ بالأهم ( وحديث ) ابن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أحب إلى الله وفي رواية أفضل فقال : الصلاة لوقتها رواه البخاري ومسلم ، وعنه : أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات هود : 411 فقال الرجل : ألي هذا يا رسول الله قال لجميع أمتي رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أرأيتم نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه ( شيء ) قالوا : لا يبقى من درنه شيء ، قال : فذلك مثل الصلوات الخمس ، يمحو الله بهن الخطايا رواه البخاري ومسلم ، وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر رواه مسلم . وعن أبي موسى رضي الله عنه أن البردين دخل الجنة رواه البخاري ومسلم البردان الصبح والعصر ، وعن عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، يعني الفجر والعصر رواه مسلم ، وعن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى الصبح والعصر فهو في ذمة الله ، فانظر يا ابن آدم لا يطالبنك الله من ذمته بشيء رواه مسلم والأحاديث في الباب كثيرة مشهورة . ويستدل أيضا لترجيح الصلاة بما العبادات وتزيد عليها لأنه يقتل بتركها بخلاف الصوم وغيره ولأن الصلاة لا تسقط في حال من الأحوال ما دام مكلفا إلا في حق الحائض بخلاف الصوم والله أعلم . ( فإن قيل ) قول المصنف : وتطوعها أفضل التطوع يرد عليه الاشتغال بالعلم فإنه أفضل من تطوع الصلاة كما نص عليه الشافعي وسائر الفقهاء ، وقد سبق بيانه في مقدمة هذا الشرح . فالجواب أن هذا الإيراد غلط فرض كفاية لا تطوع ، وكلامنا هنا في التطوع والله أعلم . فرع : قال أبو عاصم العبادي في زاد على الفاتحة من القرآن أفضل من صلاة التطوع لأن حفظه فرض كفاية . فرع : إعلم أنه ليس المراد صلاة ركعتين أفضل من صيام أيام أو يوم ، فإن الصوم أفضل من ركعتين بلا شك ، وإنما معناه أن من لم يمكنه الجمع بين الاستكثار من الصلاة والصوم وأراد أن يستكثر من أحدهما أو يكون غالبا عليه منسوبا إلى الإكثار منه ، ويقتصر من الآخر على المتأكد منه فهذا محل الخلاف والتفضيل ، والصحيح تفضيل الصلاة والله أعلم .

Section V04/P005–V04/P007

قال المصنف رحمه الله تعالى : وتطوعها ضربان ( ضرب ) تسن له الجماعة ( وضرب ) لا تسن له فما سن له الجماعة صلاة العيدين والكسوف والاستسقاء ، وهذا الضرب أفضل مما لا يسن له الجماعة لأنها تشبه الفرائض في سنة الجماعة ، وأوكد ذلك صلاة العيد لأنها راتبة بوقت كالفرائض ، ثم صلاة الكسوف لأن القرآن دل عليها ، قال الله تعالى : لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن فصلت : 73 وليس ههنا صلاة تتعلق بالشمس والقمر إلا صلاة الكسوف ثم صلاة الاستسقاء ولهذه الصلوات أبواب نذكر فيها أحكامها إن شاء الله تعالى وبه الثقة . + الشرح : قال أصحابنا تطوع الصلاة ( ضرب ) تسن فيه الجماعة وهو التراويح على الأصح ( وضرب ) لا تسن له الجماعة ، لكن لو فعل جماعة صح وهو ما سوى ذلك . قال أصحابنا : وأفضلها وآكدها صلاة العيد لأنها تشبه الفرائض ، ولأنها يختلف في كونها فرض كفاية ثم الكسوفين ثم الاستسقاء وهذا لا خلاف فيه . وأما التراويح فقال أصحابنا : إن قلنا الإنفراد بها أفضل فالنوافل الراتبة مع الفرائض كسنة الصبح والظهر وغيرهما أفضل منها بلا خلاف ، وإن قلنا بالأصح إن الجماعة فيها أفضل فوجهان مشهوران حكاهما المحاملي وإمام الحرمين وابن الصباغ وسائر الأصحاب أحدهما : أن التراويح أفضل من السنن الراتبة لأنها تسن لها الجماعة فأشبهت العيد ، وهذا اختيار القاضي أبي الطيب في تعليقه ، والثاني : وهو الصحيح باتفاق الأصحاب أن السنن الراتبة أفضل وهذا ظاهر نص الشافعي رحمه الله في المختصر لأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب على الراتبة دون التراويح وضعف إمام الحرمين وغيره الوجه الأول . قال أصحابنا : وسبب هذا الخلاف أن الشافعي رحمه الله ، قال في المختصر : وأما قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحب إلي منه . قال إمام الحرمين : فمن أصحابنا من قال : مراد الشافعي أن الإنفراد بالتراويح أفضل من إقامتها جماعة ، ومنهم من قال : أراد أن الراتبة التي لا تصلى جماعة أحب إلي من التراويح وإن شرعت لها الجماعة ، وهذا التأويل الثاني هو الصحيح عند الأصحاب ونقله المحاملي عن ابن سريج واستدل له بسياق كلام الشافعي ، ثم قال : هذا هو المذهب ، قال صاحب الشامل : هذا ظاهر نصه لأنه لم يقل صلاته منفردا أفضل ، بل قال : صلاة المنفرد أحب إلي منه والله أعلم . فرع : قال صاحب الحاوي : صلاة كسوف الشمس آكد من صلاة كسوف القمر ، ويستدل له بالأحاديث الصحيحة من طرق متكاثرات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الشمس والقمر آيتان الحديث فقدم الشمس في جميع الروايات مع كثرتها ولأن الانتفاع بالشمس أكثر من القمر . فرع : قد ذكرنا أن صلاة الكسوفين أفضل من صلاة الاستسقاء بلا خلاف واستدل أصحابنا بما ذكر المصنف ، ولأن صلاة الكسوف مجمع عليها ، وقال أبو حنيفة : صلاة الاستسقاء بدعة ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستسقي تارة بالصلاة وتارة بالدعاء بغير صلاة ، ولم يترك صلاة الكسوف عند وجودها ولأن الكسوف يخاف فوتها بالإنجلاء كما يخاف فوت الفريضة بخروج الوقت فتتأكد لشبهها بها بخلاف الاستسقاء . قال أصحابنا : ولأن الكسوف عبادة محضة والاستسقاء لطلب الرزق ، فإن قيل : لا نسلم أن الكسوف عبادة محضة بل فيها طلب ، ويدل عليها قوله صلى الله عليه وسلم : إن الشمس والقمر آيتان لا يكسفان لموت أحد فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم وفي رواية لا يكسفان لموت أحد ولكن يخوف الله بهما عباده وفي رواية فصلوا حتى يفرج الله عنكم وفي رواية يخوف الله بهما عباده فإذا رأيتم منها شيئا فصلوا وادعوا الله حتى يكشف ما بكم وهذه الألفاظ كلها في صحيحي البخاري ومسلم وبعضها فيهما . وبعضها في أحدهما وفيهما ألفاظ كثيرة نحوها .

Section V04/P007

فالجواب أن الكسوف غالبا لا يحصل منه ضرر بخلاف القحط فتمحض الكسوف عبادة والله أعلم .

Section V04/P007–V04/P009

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما بوقت وغير راتبة ، فأما الراتبة فمنها السنن الراتبة مع الفرائض وأدنى الكمال فيها عشر ركعات غير الوتر ، وهي ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الصبح ، والأصل فيه ما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين ، وبعدها سجدتين ، وبعد المغرب سجدتين وبعد العشاء سجدتين وحدثتني حفصة بنت عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يصلي سجدتين خفيفتين إذا طلع الفجر والأكمل أن يصلي ثماني عشرة ركعة غير الوتر : ركعتين قبل الفجر ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء ، لما ذكرناه من حديث ابن عمر ، وأربعا قبل الظهر ، وأربعا بعدها ( لما ) روت أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرم على النار وأربعا قبل العصر لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يصلي قبل العصر أربعا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة ( المقربين والنبيين ) ومن معهم من المؤمنين والسنة فيها وفي الأربع قبل الظهر وبعدها أن يسلم من كل ركعتين لما روياه من حديث علي رضي الله عنه ( أنه كان يفصل بين كل ركعتين بالتسليم ) . + الشرح : حديث ابن عمر رضي طرق ، والسجدتان ركعتان ، وحديث أم حبيبة رضي الله عنها صحيح رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ، وحديث علي رضي الله عنه رواه الترمذي وقال حديث حسن ، وقد سبق بيانه في فصل السلام من صفة الصلاة واسم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب ، وقيل : اسمها هند كنيت بابنتها حبيبة بنت عبيد الله بن جحش ، وكانت من السابقين إلى الإسلام تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ست ، وقيل سبع رضي الله عنها . وفي الفصل أحاديث صحيحة أيضا النبي صلى الله عليه وسلم : كان لا يدع أربعا قبل الظهر ، ثم يخرج ويصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين رواه مسلم وعنها كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها رواه الترمذي وقال حديث حسن . وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يصلي قبل العصر ركعتين رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن . وفي الباب أحاديث كثيرة غير ما ذكرته . أما حكم المسألة : فالأكمل في عشرة ركعة كما ذكر المصنف ، وأدنى الكمال عشر كما ذكره ، منهم من قال : ثمان فأسقط سنة العشاء قاله الخضري ونص عليه وقيل : اثنتي عشرة فزاد قبل الظهر ركعتين أخرتين ، وقيل بزيادة ركعتين قبل العصر ، وكل هذا سنة ، وإنما الخلاف في المؤكد منه .

Section V04/P009–V04/P011

فرع : في استحباب ركعتين قبل الخراسانيين الصحيح : منهما : الاستحباب لحديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلوا قبل صلاة المغرب قال في الثالثة : لمن شاء رواه البخاري في مواضع من صحيحه ، وعن أنس رضي الله عنه قال : رأيت كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري عند المغرب رواه البخاري ، وعنه قال : كنا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل المغرب ، فقلت : أكان النبي صلى الله عليه وسلم صلاها قال : كان يرانا نصليها فلم يأمرنا ولم ينهنا رواه مسلم ، وعنه قال : كنا بالمدينة وإذا أذن المؤذن بصلاة المغرب ابتدروا السواري فركعوا ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها رواه مسلم . وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري . فهذه الأحاديث صحيحة صريحة في استحبابها وممن قال به من أصحابنا : أبو إسحاق الطوسي وأبو زكريا السكري حكاه عنهما الرافعي ، وهذا الاستحباب إنما هو بعد دخول وقت المغرب وقبل شروع المؤذن في إقامة الصلاة ، وأما إذا شرع المؤذن في الإقامة فيكره أن يشرع في شيء من الصلوات غير المكتوبة للحديث الصحيح إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة رواه مسلم ، وأما الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر قال : ما رأيت أحدا يصلي الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإسناده حسن وأجاب البيهقي وآخرون عنه بأنه نفى ما لم يعلمه وأثبته غيره ممن علمه فوجب تقديم رواية الذين أثبتوا لكثرتهم ولما معهم من علم ما لا يعلمه ابن عمر . فرع : يستحب أن يصلى قبل العشاء الآخرة ركعتين فصاعدا لحديث عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة قال في الثالثة : لمن يشاء رواه البخاري ومسلم والمراد بالأذانين الأذان والإقامة باتفاق العلماء . فرع : في سنة الجمعة بعدها وقبلها : تسن قبلها وبعدها صلاة وأقلها ركعتان قبلها وركعتان بعدها والأكمل أربع قبلها وأربع بعدها هذا مختصر الكلام فيها . وأما تفصيله فقال أبو العباس ابن القاص في المفتاح في باب صلاة الجمعة : سنتها أن يصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا ، وقال صاحب التهذيب في باب صلاة التطوع بعد صلاة الجمعة كهي بعد صلاة الظهر ، وقال صاحب البيان في باب صلاة الجمعة قال الشيخ أبو نصر : لا نص للشافعي فيما يصلي بعد الجمعة والذي يجزئه على المذهب أنه يصلي بعدها ما يصلي بعد الظهر إن شاء ركعتين ، وإن شاء أربعا . قال صاحب البيان : وكذا يصلي قبلها ما يصلي قبل الظهر . قلت : وهذا الذي ادعاه أبو نصر الشافعي لا نص له في الصلاة بعد الجمعة غلط بل نص الشافعي رحمه الله على أنه يصلي بعدها أربع ركعات ، ذكر هذا النص في الأم في باب صلاة الجمعة والعيدين ، من كتاب اختلاف علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ، وهو من أواخر كتب الأم قبل كتاب سير الواقدي ، كذلك رأيته فيه . ونقل أبو عيسى الترمذي في كتابه عن الشافعي رحمه الله أنه يصلي بعد الجمعة ركعتان فهذا ما حضرني الآن من نص الشافعي وكلام الأصحاب رحمهم الله .

Section V04/P011–V04/P013

وأما دليله من الأحاديث فروى ابن كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته وفي رواية : كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا وفي رواية إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا بعدها أربعا ورواه مسلم بهذه الروايات الثلاث وفي رواية لأبي داود إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعا وأما السنة قبلها فالعمدة فيها حديث عبد الله بن مغفل المذكور في الفرع قبله بين كل أذانين صلاة والقياس على الظهر وأما حديث ابن عباس في سنن ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الجمعة أربعا لا يفصل في شيء منهن فلا يصح الاحتجاج به لأنه ضعيف جدا ليس بشيء وذكر أبو عيسى الترمذي أن عبد الله بن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا وإليه ذهب سفيان الثوري وابن المبارك . ( فرع ) السنة لمن صلى أربعا قبل الظهر أو بعدها أن يسلم من كل ركعتين لحديث علي رضي الله عنه الذي ذكره المصنف وحديث صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وسيأتي أدلة المسألة ومذهب أبي حنيفة رحمه الله وغيره إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف في آخر هذا الباب وبالله التوفيق . وأما الحديث المروي عن أبي أيوب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع قبل الظهر ليس فيها تسليم يفتح لهن أبواب السماء فضعيف رواه أبو داود وضعفه .