Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V05/P158–V05/P160

وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه والمحاملي في التجريد : المعروف للشافعي في عامة كتبه أن فيها درعا وهو القميص ، قالا : وذكر المزني أن الشافعي رحمه الله كان يذهب إلى القديم ثم خط عليه ، قال المحاملي : ولا تعرف هذه الرواية إلا من المزنى فالمسألة على القولين أصحهما : أن فيها درعا ، هذا كلام المحاملي ، واتفق الأصحاب على أنه يستحب فيها الدرع ، وقطع به جماعة . وأما من قال أن هذا مما يفتى به على القديم فغير مقبول ، لأن هذا القديم يوافقه معظم الجديد ، كما ذكره الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما ، ومن قال : لا درع يحتاج إلى جواب عن الحديث ، ولعله يحمله على بيان الجواز ويكون اعتماده على القياس على الرجل ، فإنه لا يستحب فيه القميص بلا خلاف إذا كان ثلاثة والخمسة في المرأة كالثلاثة في الرجل . وإذا كفن الرجل والمرأة في ثلاث لفائف فوجهان أحدهما : يستحب كونها متفاوته ، فالسفلى تأخد سرته وركبته وما بينهما والثانية من عنقه إلى كعبه . والثالثة تستر جميع البدن والثاني : وهو الصحيح وقطع به إمام الحرمين والغزالي وجماعة تكون متساوية في الطول والعرض يستوعب كل واحدة منها جميع البدن قالوا : ولا فرق في التكفين في ثلاثة أثواب بين الرجل والمرأة وإنما يفترقان في الخمسة كما سبق وإذا كفنت المرأة في خمسة قال الشافعي يشد على صدرها ثوب ليضم أكفانها فلا تنتشر ، واتفق الأصحاب عليه واختلفوا في المراد به فقال أبو إسحق المروزي : هو ثوب سادس ويحل عنها إذا وضعت في القبر قال : والمراد بالثوب خرقة تربط لتجمع الأكفان وقال أبو العباس بن سريج : هو أحد الأثواب الخمسة وترك عليها في القبر كباقي الخمسة ، واتفق الأصحاب على أن قول أبي إسحاق هو الصحيح هكذا ذكروا صورة الوجهين وخلاف أبي العباس وأبي إسحاق ، وممن ذكره هكذا شيخ الأصحاب أبو حامد والبندنيجى والماوردي وأبو الطيب والمحاملي وابن الصباغ وإمام الحرمين والباقون . وعبارة المصنف ليست صريحة في هذا فتتأول عليه . قال أصحابنا رحمهم الله : وأما ترتيب الخمسة فإن قلنا بقول أبي إسحاق ، وقلنا بالقميص وهو الدرع شد عليها المئزر ثم القميص ثم الخمار ثم تلف في لفافتين ثم يشد الثوب السادس وينحى في القبر . وإن قلنا : لا قميص أزرت ثم خمرت ثم تلف في اللفائف الثلاث ثم يشد الثوب السادس . وأما على قول ابن سريج فإن قلنا بالقميص شد المئزر ثم الدرع ثم الخمار ثم يشد عليها الشداد ثم تلف في لفافة سابغة وهي الثوب الخامس فيكون الشداد مستورا وإن قلنا : لا قميص شد المئزر ثم الخمار ثم تلف في لفافة سابغة ثم يشد الشداد ثم تلف في الخامس وهو أسبغها . وهذا الترتيب هكذا على التفصيل الذي ذكرناه مستحب باتفاق الأصحاب ، فلو خولف أجزأ وفاتت الفضيلة والحديث الذي ذكرناه ظاهر في استحبابه ، ولو قال المصنف : أزرت ثم قمصت ثم خمرت ثم لفت في لفافتين بحرف ثم لكان أحسن كما جاء في الحديث وذكره الأصحاب قال أصحابنا : وإذا قلنا بقول أبي العباس ترك الثوب الذي هو الشداد في القبر ولكنه يحل لأنه لا يترك في القبر شيء معقود ، وقد نص الشافعي في الأم في باب الدفن على حل عقد الثياب والله أعلم .

Section V05/P160–V05/P161

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا مات محرم ولم يقرب الطيب ولم يلبس المخيط ولم يخمر رأسه ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تقربوه طيبا ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وإن ماتت معتدة عن وفاة ، ففيه وجهان أحدهما : لا تقرب الطيب لأنها ماتت والطيب يحرم عليها ، فلم يسقط تحريمه بالموت كالمحرمة والثاني : تقرب الطيب لأنه حرم عليها في العدة ، حتى لا يدعو ذلك إلى نكاحها ، وقد زال هذا المعنى بالموت . + الشرح : حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم رحمهما الله ، وسبق بيانه في أول الباب ، قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : إذا مات محرم والمحرمة حرم تطييبه ، وأخذ شيء من شعره أو ظفره وحرم ستر رأس الرجل والباسه مخيطا ، وعقد أكفانه ، وحرم ستر وجه المحرمة ، وكل هذا لا خلاف فيه ، ويجوز الباس المرأة القميص والمخيط ، كما في الحياة ، ولو قال المصنف : يجب تجنيبه ما يجب عليه اجتنابه في حياته لكان أحسن ، بل هو الصواب الذي لا بد منه . قال الشافعي رحمه الله في الأم : ولا يعقد على الرجل ثوب ، ولا يلبس قميصا ولذا قال الشيخ أبو حامد والمحاملي والجرجاني والأصحاب : لا يعقد عليه ثوب كما لا يلبس قميصا في الحياة ، وهذا لا خلاف فيه ، وهو جار على القاعدة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى في باب الإحرام ، أنه يحرم عليه عقد الرداء ولا يحرم عقد الإزار ، وهذا الذي ذكرناه من تحريم الطيب سواء فيه الرجل والمرأة ، كما ذكرنا ، وسواء الطيب في بدنه وأكفانه ، والماء الذي يغسل به ، وهو الكافور ، فكله حرام . ونقل القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد أن الشافعي نص في الجامع الكبير أنه لا يطرح الكافور في مائة ، واتفق الأصحاب عليه ، وأما التجمير وهو التبخير عند غسله فلا بأس به ، كما لا يمنع المحرم من الجلوس عند العطار ، قال أصحابنا : فإن طيبه إنسان أو ألبسه مخيطا عصى الفاعل ولا فدية عليه . كما لو قطع طرفا من أطراف الميت عصى ولا غرم عليه . وأما إذا ماتت معتدة محدة ، فهل يحرم تطييبها فيه وجهان ذكر المصنف دليلهما أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي : يحرم والثاني : وهو الصحيح باتفاق الأصحاب : لا يحرم ، قال المتولي : هو قول عامة أصحابنا إلا أبا إسحاق المروزي ، قال الماوردي والمحاملي في التجريد : وليست مسألة المعتدة منصوصة للشافعي رحمه الله ، وقول المصنف معتدة عن وفاة ، يحترز به عن وفاة ، يحترز به عن معتدة رجعية وغيرها ممن لا حداد عليها ، وأما البائن فإن قلنا بالضعيف من القولين إن عليها الإحداد فهي كالمتوفى عنها ، فيكون فيها الوجهان ، ولو قال المصنف : معتدة حادة أو محدة كما ذكرناه وقاله غيره ، لكان أحسن وأعم ، لتدخل البائن على القول الضعيف وكأنه ترك هذا القول لضعفه فلم يحترز عنه . فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : هل يبطل صوم الإنسان بالموت كما تبطل صلاته به أم لا تبطل كما لا يبطل حجة بل يبقى حكمه ويبعث يوم القيامة ملبيا فيه وجهان لأصحابنا ، والأصح بطلانه وهو ظاهر كلام الأصحاب . فرع في مذاهب العلماء في غسل المحرم وتكفينه قد ذكرنا أن مذهبنا تحريم تطييبه والباسه مخيطا وستر رأسه . وبه قال عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن عباس وعطاه والثوري وأحمد وإسحاق وداود وابن المنذر . وقالت عائشة وابن عمر وطاوس و الأوزاعي وأبو حنيفة ومالك : يطيب ويلبس المخيط كسائر الموتى . دليلنا الحديث المذكور .

Section V05/P161–V05/P163

فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : إذا نبش القبر وأخذ الكفن قال صاحب التتمة يجب تكفينه سواء كفن من ماله أو مال من عليه نفقته أو من بيت المال لأن العلة في المرة الأولى الحاجة وهي موجودة . وقال صاحب الحاوي : إذا كفن من ماله ثم اقتسم الورثة التركة . ثم نبش وسرق الكفن وترك عريانا استحب الورثة أن يكفنوه ثانيا ولا يلزمهم ذلك لأنه لو لزمهم ثانيا للزمهم إلى ما لا يتناهى ، ولو كفن ثم أكله سبع واستغنى عن كفنه فلمن يكون الكفن فيه تفصيل وخلاف يأتي إن شاء الله في باب السرقة حيث ذكره المصنف . الثانية : قال الصيمري وغيره : لا يستحب أن يعد الإنسان لنفسه كفنا لئلا يحاسب عليه وهذا الذي قاله صحيح إلا إذا كان من جهة يقطع بحلها أو من أثر بعض أهل الخير من العلماء ، أو العباد ، ونحو ذلك ، فإن إدخاره حينئذ حسن ، وقد ثبت في صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان عليه بردة فطلبها رجل منه فأعطاه إياها فقال له الصحابة : ما أحسنت سألته وعلمت أنه لا يرد ، قال : إني والله ما سألته لألبسه ، إنما سألته ليكون كفني ، قال سهل : فكانت كفنه . الثالثة : ذكرنا أن مذهبنا استحباب تكفين البالغ والصبي في ثلاثة أثواب وبه قال جمهور العلماء قال ابن المنذر : وكان سويد بن غفلة يكفن في ثوبين ، قال : وقال أبو حنيفة النعمان : يكفن في ثوبين ، وكان ابن عمر يكفن في خمسة . وأما : الصبي فقال ابن المنذر : قال ابن المسيب كفن في ثوب ، وقال أحمد وإسحاق في خرقة ، فإن كفن في ثلاثة فلا بأس ، وعن الحسن وأصحاب الرأي في ثوبين ، واختار ابن المنذر ثلاثة . وأما : امرأة فذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب تكفينها في خمسة أثواب ، قال ابن المنذر : وبه قال أكثر العلماء ، منهم الشعبي وابن سيرين والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ، وقال عطاء ثلاثة أثواب درع وثوب تحته ولفافة فوقهما وقال سليمان بن موسى : درع وخمار ولفافة . & باب الصلاة على الميت &

Section V05/P163–V05/P165

قال المصنف رحمه الله تعالى : الصلاة على الميت فرض على الكفاية ، لقوله صلى الله عليه وسلم : صلوا خلف من قال : لا إله إلا الله ، وعلى من قال لا إله إلا الله وفي أدنى ما يكفي قولان أحدهما : ثلاثة ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم صلوا خطاب جمع وأقل الجمع ثلاثة والثاني : يكفي واحد ، لأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة ، فلم يكن من شرطها العدد كسائر الصلوات ، ويجوز فعلها في جميع الأوقات ، لأنها صلاة لها سبب ، فجاز فعلها في كل وقت ، ويجوز فعلها في المسجد وغيره ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى على سهيل ابن بيضاء في المسجد والسنة أن يصلي في جماعة ، لما روى مالك بن هبيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا وجب وتجوز فرادى لأن النبي صلى الله عليه وسلم : مات فصلى عليه الناس فوجا فوجا وإن اجتمع نساء لا رجل معهن صلين عليه فرادى ، فإن النساء لا يسن لهن الجماعة في الصلاة على الميت ، وإن صلين جماعة فلا بأس . + الشرح : حديث : صلوا خلف من قال : لا إله إلا الله ، وعلى من قال لا إله إلا الله ضعيف . رواه الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور من رواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده ضعيف ، ورواه الدارقطني كذلك بأسانيد ضعيفة وقال لا يثبت منها شيء وتغني أحاديث كثير في الصحيح . كقوله صلى الله عليه وسلم : صلوا على صاحبكم وهذا أمر وهو للوجوب . وقد نقلوا الإجماع على وجوب الصلاة على الميت إلا ما حكي عن بعض المالكية أنه جعلها سنة وهذا متروك عليه لا يلتفت إليه . وأما : حديث عائشة فرواه مسلم في صحيحه وأما : حديث مالك بن هبيرة فحديث حسن رواه أبو داود والترمذي . قال الترمذي : حديث حسن . وقال الحاكم : هو صحيح على شرط مسلم . وأما : حديث صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم أفواجا ، فرواه البيهقي بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما صلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالا حتى فرغوا ثم أدخل النساء وصلين عليه ، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه ، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا لم يؤمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد . قال الشافعي في الأم ورواه عنه أيضا البيهقي : وذلك لعضم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي ، وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه وصلوا عليه مرة بعد مرة وقوله : أرسالا بفتح الهمزة أي متتابعين وقوله : أفواجا أي يدخل فوج يصلون فرادى ، ثم فوج كذلك قوله : ليس من شرطها الجماعة احتراز من الجمعة قوله : سهيل ابن بيضاء هي أمة واسمها دعد ، والبيضاء لقب ، واسم أبيه وهب بن ربيعة ، وكان سهيل من السابقين إلى الإسلام ، وهاجر إلى الحبشة والمدينة وشهد بدرا وما بعدها ، وتوفي سنة تسع من الهجرة ، وكا هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما أسن الصحابة رضي الله عنهم ، ومالك بن هبيرة صحابي مشهور كندي سكوبى مصري كان أميرا لمعاوية على الجيوش . وقوله : إلا وجب ، كذا هو في المهذب والذي في كتب الحديث أوجب بالألف ، وهو في رواية الحاكم والبيهقي : إلا غفر له ، وهو معنى أوجب ، وإن صح الذي في المهذب كان معناه وجب له الجنة وقوله : فإن النساء لا يسن لهن الجماعة في الصلاة على الميت ، هذا مما ينكر ، فيقال : هذا تعليل بنفس الحكم الذي ادعاه .

Section V05/P165–V05/P167

أما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : الصلاة على الميت فرض كفاية بلا خلاف عندنا وهو إجماع والمروي عن بعض المالكية مردود كما سبق وفي أقل ما يسقط به الفرض قولان للشافعي ووجهان للأصحاب أحد القولين ثلاثة وهو نصه في الأم وبه قطع الشيخ أبو حامد والمحاملي في المجموع والتجريد وصاحب الحاوي الثاني : يكفي واحد حكاه القاضي أبو الطيب والقاضي حسين وابن الصباغ والمتولي عن نص الشافعي في الجامع الكبير ( وأحد الوجهين ) يشترط اثنان . والثاني : يشترط أربعة حكاهما القاضي حسين والبغوي وآخرون من الخراسانيين وقاسوا الأربعة على حمل الجنازة وضعف إمام الحرمين هذا بأن الأفضل في حمل الجنازة الحمل بين العمودين وذلك يحصل بثلاثة ، ولأنه إذا قلنا يحمل الجنازة أربعة لا يقال إنه واجب . وكلامنا هنا في الواجب ، والأصح من الخلاف الاكتفاء بواحد لأنه يصدق عليه أنه صلى علي الميت ممن صححه الجرجاني والروياني والرافعي وغيرهم . وصحح البندنيجي والسرخسي اشتراط الثلاثة . فإن قلنا يشترط اثنان أو ثلاثة أو أربعة سقط الفرض بفعلهم جماعة أو فرادى بلا خلاف لكن الجماعة أفضل وتكثيرها أفضل . وهل يسقط هذا الفرض بصلاة النساء مع وجود الرجال فيه وجهان أصحهما : لا يسقط وبه قطع الفوراني وآخرون والثاني : يسقط ، وبه قطع المتولي والخنثى كالمرأة في هذا . وأما : إذا لم يحضره إلا النساء فإنه يجب عليهن الصلاة عليه بلا خلاف ، ويسقط الفرض بفعلهن حينئذ بلا خلاف ويصلين فرادى ، فإن صلين جماعة فلا بأس ، هذه عبارة الشافعي والأصحاب وسواء كان الميت رجلا أو امرأة ، وحكى الرافعي عن حكاية أبي المكارم صاحب العدة وجها ضعيفا أنه يستحب لهن الجماعة في جنازة المرأة وهو شاذ . وأما : إذا حضر النساء مع الرجال فلا خلاف أنه لا يتوجه الفرض إليهن ولا يدخلن فيه ، صرح به الشيخ أبو حامد والأصحاب ، ولو لم يحضر إلا رجل ونسوة وقلنا لا يسقط الفرض بواحد وجب عليهن التتميم . وأما الصبيان المميزون فمعلوم أنه لا يتوجه إليهم هذا الفرض ، وهل يسقط بصلاتهم فيه وجهان حكاهما البغوي والمتولي وآخرون أصحهما : يسقط ، قال البغوي ونص عليه الشافعي ، لأنه تصح إمامته ، فأشبه البالغ ، ولو صلى الإمام بجماعة على جنازة فبان حدث الإمام ، أو بعض المأمومين ، فإن بقى على الطهارة العدد المشروط أو واحد إن اكتفينا به سقط الفرض وإلا فلا ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب . قال أصحابنا رحمهم الله : وإذا صلى على الجنازة عدد زائد على المشروط وقعت صلاة الجميع فرض كفاية وكذا لو صلت طائفة بعد طائفة فصلاة الجميع فرض كفاية وسيأتي فيه زيادة شرح وتفريع في الفصل العاشر من هذا الباب إن شاء تعالى . المسألة الثانية : تجوز صلاة الجنازة في كل الأوقات ولا تكره في أوقات النهي لأنها ذات سبب قال أصحابنا : لكن يكره أن يتحرى صلاتها في هذه الأوقات ، بخلاف ما إذا حصل ذلك اتفاقا ، وقد سبقت المسألة بأدلتها في باب الساعات . المسألة الثالثة : الصلاة على الميت في المسجد صحيحة جائزة لا كراهة فيها بل هي مستحبة صرح باستحبابها في المسجد الشيخ أبو حامد الاسفرايني شيخ الأصحاب والبندنيجى وصاحب الحاوي والجرجاني وآخرون ، هذا مذهبنا وحكاه ابن المنذر وعن أبي بكر الصديق وعمر وهو مذهب عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من الصحابة رضي الله عنهم ، وأحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم من الفقهاء ، وبعض أصحاب مالك ، وقال مالك وأبو حنيفة وابن أبي ذئب يكره ترك الصلاة عليه في المسجد ، واحتجوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له رواه أبو داود وغيره . واحتج أصحابنا بحديث عائشة المذكور في الكتاب . وهو في صحيح مسلم كما ذكرناه .

Section V05/P167–V05/P168

وأما حديث أبي هريرة هذا فجوابه : من أوجه : أحدها : أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وممن نص على ضعفه الإمام أحمد ابن حنبل وأبو بكر بن المنذر والبيهقي وآخرون ، قال أحمد : هذا الحديث مما انفرد به صالح مولى التوأمة وهو مختلف في عدالته ، لكنه معظم ما عابوا عليه الاختلاط ، قالوا : وسماع ابن أبي ذئب ونحوه منه قبل الاختلاط ، وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه والله أعلم . الوجه الثاني : إن الذي ذكره أبو داود في روايته في جميع نسخ كتابه المعتمدة فلا شيء عليه وعلى هذا لا دلالة فيه لو صح وأما رواية ( فلا شيء له فهي مع ضعفها غريبة لو صحت لوجب حملها على ( فلا شي عليه ) للجمع بين الروايات وقد جاء مثله في القرآن ، كقوله تعالى : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها الإسراء : 7 أي فعليها . الثالث : أجاب به الخطابي وسائر أصحابنا في كتب المذهب أنه لو ثبت لكان محمولا على نقصان الأجر ، لأن المصلى عليها في المسجد ينصرف غالبا إلى أهله ، ومن صلى عليها في الصحراء حضر دفنها غالبا ، فنقص أجر الأول ، ويكون التقدير فلا أجر كامل له ، كقوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة بحضرة الطعام أي لا صلاة كاملة . فإن قيل : لا حجة في حديث عائشة لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى عليه في المسجد ، لعذر مطر أو غيره ، أو أنه وضعه خارج المسجد وصلى عليه هو في المسجد أو أن المراد بالمسجد مصلى الجنائز فالجواب : أن هذه الاحتمالات كلها باطلة ، لأن لفظ الحديث في صحيح مسلم عن عباد بن عبد الله بن الزبير : أن عائشة رضي الله عنها أمرت أن تمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه ، فأنكر الناس ذلك عليها ، فقالت : ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل ابن البيضاء إلا في المسجد . وفي رواية لمسلم عن عائشة أنها قالت : لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ، ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه ، أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقابر ، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك ، فقالت عائشة رضي الله عنها : ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به ، عابوا علينا أن نمر بجنازة في المسجد ، وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل ابن بيضاء إلا في جوف المسجد وفي رواية لمسلم أيضا قالت عائشة رضي الله عنها : لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن بيضاء في المسجد سهيل وأخيه . المسألة الرابعة : تجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف ، والسنة أن يصلي جماعات للحديث المذكور في الكتاب مع الأحاديث المشهورة في الصحيح في ذلك ، مع إجماع المسلمين ، وكلما كثر الجمع كان أفضل لحديث مالك ابن هبيرة المذكور في الكتاب . وحديث عائشة وأنس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه رواه مسلم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه رواه مسلم . ويستحب أن تكون صفوفهم ثلاثة فصاعدا ، لحديث مالك بن هبيرة . وفي تمام حديثه : وكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف وأما النساء فإن كن مع الرجال صلين مقتديات بإمام الرجال وإن تمحضن .

Section V05/P168

قال الشافعي والمصنف والأصحاب : أستحب أن يصلين منفردات . كل واحدة وحدها . فإن صلت بهن إحداهن جاز وكان خلاف الأفضل وفي هذا نظر وينبغي أن تسن لهن الجماعة كجماعتهن في غيرها . وقد قال به في جماعة من السلف منهم الحسن بن صالح وسفيان الثوري وأحمد وأصحاب أبي حنيفة وغيرهم وقال مالك : فرادى .

Section V05/P168–V05/P170

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره نعي الميت للناس والنداء عليه للصلاة . لما روى عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال : إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدا إني أخاف أن يكون نعيا وقال عبد الله : الإيذان بالميت من نعى الجاهلية . + الشرح : النعي بفتح النون وكسر العين وتشديد الياء ويقال بإسكان العين وتخفيف الياء لغتان والتشديد أشهر . والنداء بكسر النون وضمها لغتان الكسر أفصح . وروى الترمذي بإسناده عن حديفة رضي الله عنه قال : إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدا إني أخاف أن يكون نعيا . فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن النعي قال الترمذي : حديث حسن . أما حكم المسألة : فقال المصنف والبغوي وجماعة من أصحابنا : يكره نعي الميت والنداء عليه للصلاة وغيرها . وذكر الصيدلاني وجها أنه لا يكره . وقال صاحب الحاوي : اختلف أصحابنا هل يستحب الإيذان بالميت وإشاعة موته في الناس بالنداء عليه والإعلام فاستحبه بعضهم لكثرة المصلين والداعين له . وقال بعضهم : لا يستحب ذلك وقال بعضهن : يستحب ذلك للغريب . إذا لم يؤذن به لا يعلمه الناس . وقال صاحب التتمة : يكره ترثية الميت بذكر آبائه وخصائله وأفعاله ولكن الأولى الاستغفار له ، وقال غيره : يكره نعيه والنداء عليه للصلاة . فأما تعريف أهله وأصدقائه بموته فلا بأس به . وقال ابن الصباغ في آخر كتاب الجنائز : قال أصحابنا : يكره النداء عليه ولا بأس أن يعرف أصدقاؤه . وبه قال أحمد بن حنبل . وقال أبو حنيفة : لا بأس به . ونقل العبدري عن مالك وأبي حنيفة وداود أنه لا بأس بالنعي . هذا ما ذكره الأصحاب فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعى النجاشي لأصحابه في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى وصلى بهم عليه وأنه صلى الله عليه وسلم : نعى جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم . وأنه صلى الله عليه وسلم قال في إنسان كان يقم المسجد أي يكنسه فمات فدفن ليلا : أفلا كنتم آذنتموني به وفي رواية ما منعكم أن تعلموني فهذه النصوص في الإباحة . وجاء في الكراهة حديث حذيفة الذي ذكرناه . قال البيهقي : ويروى ذلك يعني النهي عن ابن مسعود وابن عمر وأبي سعيد . ثم علقمة وابن المسيب والربيع بن خيثم وإبراهيم النخعي رضي الله عنهم . ولمن قال بالكراهة أن يجيب عن نعى النجاشي وغيره ممن سبق أنه لم يكن نعيا وإنما كان مجرد إخبار بموته فسمي نعيا لشبهه به في كونه إعلاما . والجواب لمن قال بالإباحة أن النهي إنما هو عن نعي الجاهلية الذي أشار إليه صاحب التتمة . ولا يرد عليه قول حذيفة لأنه لم يقل أن الإعلام بمجرده نعي . وإنما قال أخاف أن يكون نعيا وكأنه خشي أن يتولد من الإعلام زيادة مؤدية إلى نعي الجاهلية . والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه ، بل أن قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر والتطواف بين الناس بذكره بهذه الأشياء . وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه ، فقد صحت الأحاديث بالإعلام فلا يجوز إلغاؤها وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه والحديث المحققين ، والله أعلم .

Section V05/P170–V05/P172

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأولى الناس بالصلاة عليه الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الاخ ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم على ترتيب العصبات ، لأن القصد من الصلاة الدعاء للميت ودعاء هؤلاء إرجاء للإجابة ، فإنهم أفجع بالميت من غيرهم فكانوا بالتقديم أحق ، فإن اجتمع أخ من أب وأم وأخ من أب . فالمنصوص أن الأخ من الأب والأم أولى . ومن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما : هذا والثاني : أنهما سواء لأن الأم لا مدخل لها في التقديم في الصلاة على الميت فكان في الترجيح بها قولان كما نقول في ولاية النكاح ومنهم من قال الأخ من الأب والأم أولى قولا واحدا ، لأن الأم وإن لم يكن لها مدخل في التقديم إلا أن لها مدخلا في الصلاة على الميت ، فرجح بها قولا واحدا . كما نقول في الميراث يقدم بها الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب حين كان لها مدخل في الميراث ، وإن لم يكن لها مدخل في التعصيب قال الشافعي رحمه الله : وإن اجتمع وليان في درجة قدم الأسن لأن دعاءه أرجى إجابة ، فإن لم ( يوجد ) الأسن قدم الأقرأ الأفقه لأنه أفضل وصلاته أكمل فإن استويا أقرع بينهما لأنهما تساويا في التقديم فأقرع بينهما ، وإن اجتمع حر وعبد هو أقرب إليه من الحر فالحر أولى لأن الحر من أهل الولاية والعبد ليس من أهل الولاية ، وإن اجتمع الوالي والولي المناسب ففيه قولان قال في القديم : الوالي أولى لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤم الرجل في سلطانه وقال في الجديد : الولي أولى لأنه ولاية تترتب فيها العصبات فقدم الولي على الوالى ، كولاية النكاح . + الشرح : قوله لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤم الرجل في سلطانه رواه مسلم وسبق بيانه في باب صفة الأئمة . وقوله قال الشافعي رحمه الله : فإن لم يحمد الأسن هو بياء مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة ثم ميم مفتوحة أي لم يكن محمود الطريقة ، بأن يكون فاسقا أو مبتدعا هكذا فسره الأصحاب ، زاد المحاملي في التجريد : أو جاهلا ، زاد المحاملي أيضا في المجموع : أو يهوديا أسلم ، وفي هذا إشارة إلى ما ذكره غيره أنه إنما يقدم بالسن في الإسلام كسائر الصلوات ، لكن في تسمية هذا غير محمود الحال نظر وقوله : لأنها ولاية تترتب فيها العصبات ، فقدم فيه الولي على الوالي ، كولاية النكاح احتراز من إقامة حدود الله تعالى . أما أحكام الفصل : ففيه مسائل : إحداها : إذا اجتمع الولي المناسب والوالي فقولان مشهوران القديم : أن الوالي أولى ، ثم إمام المسجد ثم الولي والجديد : الصحيح أن الولي مقدم على الوالي وإمام المسجد ، وممن صرح بتقديم إمام المسجد على الولي تفريعا على القديم صاحب التهذيب والرافعي ، واحتجوا للقديم بحديث لا يؤم الرجل في سلطانه وللجديد بأنها ولاية تترتب فيها العصبات ، فقدم الولي على الوالي كالنكاح ، وحملوا الحديث على غير صلاة الجنازة ، وممن قال بتقديم الوالي علقمة والأسود والحسن البصري وسويد بن غفلة ومالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق ، قال ابن المنذر : هو قول أكثر أهل العلم ، قال : وبه أقول ، قال : وروى عن علي ولا يثبت عنه ، وممن قال بتقديم الولي الضحاك وأبو يوسف . الثانية : قال أصحابنا : القريب الذي يقدم الذكر ، فلا يقدم غير الولي القريب عليه ، إلا أن يكون القريب أنثى فيقدم الرجل الأجنبي عليها ، إذ لا إمامة لها حتى يقدم الصبي المميز الأجنبي على المرأة القريبة ، وكذا الرجل أولى بإمامة النساء من المرأة في سائر الصلوات ، لأن إمامته أكمل .

Section V05/P172–V05/P173

الثالثة : أولى الأقارب الأب ، ثم الجد أب الأب وإن علا ، ثم الابن ، ثم ابن الابن وإن سفل ثم الأخ للأبوين وللأب ، وهل يقدم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب فيه طريقان حكاهما المصنف والأكثرون أصحهما : وبه قطع الشيخ أبو حامد وآخرون وهو المذهب والمنصوص تقديمه كما في الميراث ، لأن الأم لها مدخل في صلاة الجنازة قال الشيخ أبو حامد : نص الشافعي في القديم والجديد على تقديم الأخ من الأبوين . والطريق الثاني : فيه قولان أحدهما : يستويان والثاني : تقديمه كالقولين في ولاية النكاح ، لأن الأم لا مدخل لها في الإمامة ، فعلى المذهب المقدم بعدها ابن الأخ للأبوين ، ثم الأب ، ثم العم للأبوين ، ثم للأب ، ثم ابن العم للأبوين ثم للأب ، ثم عم الأب ، ثم بنوه ، ثم عم الجد ، ثم بنوه على ترتيب الإرث ، قال أصحابنا : ولو اجتمع عمان أو ابنا عم أحدهما لأبوين والآخر لأب ففيه الطريقان قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولى وغيرهم : ولو اجتمع ابنا عم أحدهما أخ لأم ففيه الطريقان المذهب : تقديمه فإن لم يكن عصبة من النسب قدم المعتق ثم عصبته . هكذا جزم به الشيخ أبو حامد والقاضي حسين وابن الصباغ والمتولي وآخرون وهو ظاهر ، ومفهوم من كلام المصنف ، ومعلوم من قوله على ترتيب العصبات والمولي من العصبات وله حكمهم في ولاية النكاح والإرث وغير ذلك ثم بعد العتق وعصباته تقدم ذوو الأرحام فيقدم أب للأم ثم الأخ للأم ثم الخال ثم العم للأم . قال القاضي حسين وغيره ولو اجتمع جد مملوك وأخ لأم حر فأيهما أولى فيه وجهان ولم يرجح واحدا منهما والأصح ترجيح الحر . الرابعة : إذا اجتمع اثنان في درجة كابنين أو أخوين أو عمين أو ابنى أخ ونحو ذلك وتنازعا في الإمامة فقد نص في المختصر أن الأسن أولى لأن دعاءه أرجى إجابة . وقال في سائر الصلوات الأفقه والأقرأ أولى من الأسن فقال المصنف والجمهور : المسألتان على ما نص عليه . وهذا هو المذهب . وفرقوا بأن المقصود هنا الدعاء ودعاء الأسن أقرب إلى الإجابة لأنه أخشع غالبا وأحضر قلبا والمراد في سائر الصلوات مراعاة ما يطرأ فيها مما يحتاج إلى فقه ومراعاة أقوالها وأفعالها وقيل : فيهما قولان بالنقل والتخريج . أحدهما : يقدم الأسن فيهما . والثاني : يقدم الأفقه والأقرأ فيهما . هكذا قاله إمام الحرمين والغزالي في البسيط . قال إمام الحرمين : وهذا الذي ذكرناه من طرد القولين في المسألتين ذكره العراقيون ولم يذكره المراوزة ، بل جزموا بتقديم الأفقه والأقرأ في غير الصلاة على الميت . وذكروا في صلاة الميت الطريقين . وتابعه على هذا النقل عن العراقيين الغزالي في البسيط والوسيط . وهذا الذي نقله عن العراقيين ليس في كتبهم المشهورة ، بل جمهورهم قرروا النص ، وطائفة يسيرة منهم ذكروا الطريقين في صلاة الجنازة مع ترجيحهم القول المنصوص فيها ، وهو تقديم الأسن ، وجزموا بتقديم الأفقه والأقرأ في غير الجنازة ، وممن قطع بتقرير النص منهم الشيخ أبو حامد شيخهم وإمامهم ، وأصحابه الثلاثة القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وصاحب الحاوي والمحاملي في التجريد والمقنع والجرجاني وآخرون ، وممن ذكر الطريقين في الجنازة منهم وجزم بتقديم الأفقه والأقرأ في غيرها المحاملي في المجموع وابن الصباغ ونصر المقدسي والشاشي ، فهؤلاء أئمة العراقيين ، ولم يذكر أحد منهم التخريج إلى غير صلاة الجنازة كما نقله عنهم إمام الحرمين والله أعلم . قال أصحابنا : وإنما يقدم بالسن الذي مضى في الإسلام ، فلا يقدم شيخ مضى معظم عمره في الكفر وأسلم من قريب على شاب نشأ في الإسلام ، كما سبق بيانه في باب صفة الأئمة ، قال أصحابنا رحمهم الله : ولا يشترط في هذا السن الشيخوخة بل يقدم أكبر الشابين على أصغرهما .

Section V05/P173–V05/P174

قال أصحابنا : وإذا قلنا بالمذهب وهو تقديم الأسن فاستويا في السن قدم الأفقه ثم الأقرأ ، كما في سائر الصلوات ، وسبق هناك وجه بتقديم الأورع ووجه بتقديم الأقرأ ، وكل ذلك يجيء هنا إذا استويا في السن ، قال الشافعي والمصنف والأصحاب : فإن كان هناك أسن ولكنه غير محمود الحال كما سبق شرحه قدم الأفقه والأقرأ ، وصار هذا كالمعدوم ، فإن استويا من كل وجه أقرع بينهما لأنه لا مزية لأحدهما فقدم بالقرعة . الخامسة : إذا استوى اثنان في درجة وأحدهما حر والآخر رقيق ، فالحر أولى بلا خلاف ، ولو اجتمع رقيق فقيه ، وحر غير فقيه ، فوجهان مشهوران . أصحهما : يقدم الحر والثاني : الرقيق . قال إمام الحرمين والغزالي : ولعل التسوية بينهما أولى لتعارض الفضيلتين ، ولو اجتمع حر بعيد وعبد قريب كأخ هو عبد وعم حر فثلاثة أوجه أصحها : وبه قطع المصنف وسائر العراقيين ، والمتولي وغيره من الخراسانيين الحر أولى ، لأنها ولاية والحر أهلها دون العبد والثاني : العبد أولى لقربه ، حكاه الفوراني وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون من الخراسانيين والثالث : هما سواء وأشار إلى اختياره إمام الحرمين والغزالي . قال أصحابنا : والمكاتب والعبد القريبان أولى من الحر الأجنبي ، والرجل الأجنبي وإن كان عبدا أولى من المرأة القريبة ، والصبيان أولى من النساء . قال إمام الحرمين رحمه الله والذي ذكر تصريحا وتلويحا أن الخال وكل متمسك بقرابة فهو مقدم على الأجانب وإن كان الخال عبدا مفضولا ، ولو اجتمع عبد بالغ وصبي حر فالعبد أولى بلا خلاف ، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي وغيرهم . قالوا : لأن العبد مكلف فهو أحرص على تكميل الصلاة ، ولأن الصلاة خلف العبد مجمع على جوازها ، واختلف العلماء في جوازها خلف الصبي . فرع : إذا اجتمع وليان في درجة أحدهما أفضل كان أولى كما سبق ، فإن أراد أن يستنيب أجنبيا ففي تمكينه منه وجهان حكاهما صاحب العدة الأقيس : أنه لا يمكن إلا برضاء الآخر . قال ولو غاب الولي الأقرب ووكل من يصلي فنائبه أحق من البعيد الحاضر ، خلافا لأبي حنيفة . فرع : قال أصحابنا : لا حق للزوج في الإمامة في صلاة الجنازة . هكذا صرح به الشيخ أبو حامد شيخ الأصحاب والشيخ نصر المقدسي وصاحب البيان وآخرون . وشذ عنهم صاحب العدة فقال : الزوج أولى بالإمامة عليها من المولى المعتق ، خلافا لأبي حنيفة في رواية دليلنا أنه أشد شفقة وأتم إرثا ، وهذا الذي قاله صاحب العدة شاذ مخالف لما قاله الأصحاب . فرع : لو أوصى الميت أن يصلي عليه أجنبي ، فهل يقدم الموصى على أقارب الميت فيه طريقان أصحهما : وبه قطع جمهور الأصحاب لا يقدم . ولا تصح هذه الوصية ، لأن الصلاة عليه حق للقريب وولاته فلا تنفذ وصيته بإسقاطها ، كما لو أوصى إلى أجنبي بتزويج بنته ولها عصبة فإنه لا تصح وصيته ، والطريق الثاني : فيه وجهان حكاهما الرافعي عن الشيخ أبي محمد الجويني أنه خرجه على الوجهين فيمن أوصى أجنبيا في أمور أولاده ولهم جد الصحيح : لا يصح والثاني : يصح فعلى هذا تصح وصيته إلى من يصلي عليه ويقدم على القريب . قال الرافعي : وبهذا أفتى محمد بن يحيى صاحب الغزالي ، والمشهور في المذهب بطلان هذه الوصية ، هذا مذهبنا . قال صاحب الحاوي : ويقدم الوصي على القريب ، يحكي عن عائشة وأم سلمة وأنس بن مالك وابن سيرين وأحمد قال : وهو قياس قول مالك ، قال : وقال الشافعي وسائر الفقهاء : الأولياء أولى من الموصى له ، قال : وهو نظير مسألة الوصية بتزويج بنته .

Section V05/P174–V05/P176

وحكى ابن المنذر تقديم الوصي عن سعيد بن زيد بن أرقم وأبي برزة وأم سلمة وابن سيرين وأحمد وإسحاق ، واحتج لهم بأن أبا بكر الصديق وصى أن يصلي عليه عمر فصلى ، ووصى عمر أن يصلي عليه صهيب فصلى ، ووصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة فصلى ، وكذلك غيرهم رضي الله عنهم . واحتج أصحابنا بأن الصلاة حق لقريب فلا تنفذ الوصية بإسقاطه كالإرث وغيره . والجواب عن وصايا الصحابة رضي الله عنهم أن أولياءهم أجازوا الوصية والله أعلم . فرع : إذا لم يحضر الميت عصبة له ، ولا ذوو رحم ، ولا معتق ، بل حضره أجانب قدم الحر على العبد في الصلاة عليه ، ويقدم البالغ ، وإن كان عبدا على الصبي ، وإن كان حرا كما سبق ، فإن اجتمع رجال أحرار قدم أحقهم بالإمام في سائر الصلوات على ما سبق تفصيله في بابه ، فإن استووا وتنازعوا أقرع بينهم ، وإن لم يحضر إلا عبد قدم من يقدم في سائر الصلوات ، فإن استووا وتنازعوا أقرع ، صرح به المتولي وغيره . فرع : قد ذكرنا أن أحق الأقارب بالصلاة عليه أبوه ، ثم جده ، ثم ابنه ، ثم ابن ابنه ، وإن سفل ، ثم الأخ على الترتيب السابق ، وأشار إمام الحرمين إلى وجه بعيد غريب أن الأخ مقدم على الابن ، مأخوذ من ولاية النكاح والمشهور الذي نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب في كل طرقهم ، يقدم الابن وبنيه على الأخ ، وقد نقل القاضي أبو الطيب في تعليقه الإجماع على تقديم الابن على الأخ ، وقال مالك رحمه الله : الابن أولى من الأب والأخ ، وابن الأخ أولى من الجد . دليلنا القياس على ولاية النكاح والله أعلم . فرع : إذا ماتت امرأة ولها ابن وزوج فحق الصلاة عليها للابن دون الزوج وبه قال مالك والليث ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : زوجها أولى من ابنها منه ، فإن كان ابنها من غيره فهو أحق من زوجها ، قال : وابن العم أحق من الزوج ، وقال الشعبي : الولي أحق من الزوج ، وقال ابن أبي ليلى : الزوج أحق ، دليلنا على أبي حنيفة أن الابن عصبة وأكمل شفقة فقدم ، واحتجوا بأن الابن يلزمه طاعة أبيه فلا يتقدم عليه ، والجواب أن هذا ينتقض بالجد مع الأب فإن الابن مقدم عليه مع أنه يلزمه طاعته .

Section V05/P176–V05/P177

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن شرط صحة صلاة الجنازة الطهارة ، وستر العورة ، لأنها صلاة فشرط فيها الطهارة وستر العورة كسائر الصلوات ، ومن شرطها القيام واستقبال القبلة ، لأنها صلاة مفروضة فوجب فيها القيام واستقبال القبلة مع القدرة كسائر الفرائض . + الشرح : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يشترط لصحة صلاة الجنازة طهارة الحدث ، وطهارة النجس في البدن والثوب والمكان وستر العورة واستقبال القبلة إلا في شدة الخوف ، وأما القيام فالصحيح : المشهور الذي نص عليه الشافعي ، وقطع به الجمهور أنه ركن لا تصح إلا به إلا في شدة الخوف ، وفيه وجهان آخران للخراسانيين : أحدهما : أنه يجوز القعود فيها مع القدرة على القيام كالنوافل لأنها ليست من فرائض الأعيان ، خرجوه من إباحة جنائز بتيمم واحد والثاني : أن تعينت عليه لم يصح إلا قائما ، وإلا صحت قاعدا ، وقد سبق بيان المسألة مبسوطة في باب التيمم ، قال أصحابنا : ويشترط لصحتها تقديم غسل الميت وهذا لا خلاف فيه . قال المتولي وغيره : حتى لو مات في بئر أو انهدم عليه معدن وتعذر إخراجه وغسله لم يصل عليه ، وتصح الصلاة بعد غسله قبل تكفينه ويكره . صرح به البغوي وآخرون . فرع : قول المصنف : ومن شرطها القيام قد ينكر عليه تسميته شرطا ، والصواب أنه ركن وفرض ، كما قال المصنف والأصحاب في سائر الصلوات وكأنه سماه شرطا مجازا لاشتراك الركن والشرط في أن الصلاة لا تصح إلا بهما وقد سمي أبو حامد قراءة القاتحة هنا شرطا وهو مجاز ، كما ذكرنا وقوله : لأنها صلاة مفروضة ، احترز من نافلة السفر وقوله : مع القدرة ، احتراز من فريضة شدة الخوف . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أن صلاة الجنازة لا تصح إلا بطهارة ومعناه إن تمكن من الوضوء لم تصح إلا به ، وإن عجز تيمم ، ولا يصح التيمم مع إمكان الماء وإن خاف فوت الوقت ، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر ، وقال أبو حنيفة : يجوز التيمم لها مع وجود الماء إذا خاف فوتها إن اشتغل بالوضوء وحكاه ابن المنذر عن عطاء وسالم والزهري وعكرمة والنخعي وسعد بن إبراهيم ويحيى الأنصاري وربيعة والليث والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وهي رواية عن أحمد . وقال الشعبي ومحمد بن جرير الطبري والشيعة : تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة مع إمكان الوضوء والتيمم ، لأنها دعاء ، قال صاحب الحاوي وغيره هذا الذي قاله الشعبي قول خرق به الإجماع ، فلا يلتفت إليه دليلنا على اشتراط الطهارة قول الله عز وجل : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا التوبة : 48 فسماه صلاة وفي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا على صاحبكم وقوله صلى الله عليه وسلم : من صلى على جنازة وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة في تسميتها صلاة وقد قال الله عز وجل : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم المائدة الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولأنها لما افتقرت إلى شروط الصلاة دل على أنها صلاة ، وكون معظم مقصودها الدعاء لا يخرجها عن كونها صلاة . ودليلنا على أبي حنيفة موافقيه قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم إلى قوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا عام في صلاة الجنازة وغيرها ، حتى يثبت تخصيص ، وقد سبقت المسألة في باب التيمم وبالله التوفيق .

Section V05/P177–V05/P179

قال المصنف رحمه الله تعالى : والسنة أن يقف الإمام فيها عند رأس الرجل ، وعند عجيزة المرأة ، وقال أبو علي الطبري السنة أن يقف عند صدر الرجل ، وعند عجيزة المرأة ، لما روي أن أنسا رضي الله عنه : صلى على رجل فقام عند رأسه ، وعلى امرأة فقام عند عجيزتها فقال له العلاء بن زياد : هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة عند عجيزتها وعلى الرجل عند رأسه قال : نعم فإن اجتمع جنائز قدم إلى الإمام أفضلهم ، فإن كان رجل وصبي وامرأة قدم الرجل إلى الإمام ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة ، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة وروى عمار بن أبي عمار أن زيد بن عمر بن الخطاب وأمه أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم ماتا فصلى عليهما سعيد بن العاص ، فجعل زيدا مما يليه ، وأمه مما تلي القبلة ، وفي القوم الحسن والحسين وأبو هريرة وابن عمر ، ونحو من ثمانين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والأفضل أن يفرد كل واحد منهم بصلاة ، فإن صلى عليهم صلاة واحدة جاز ، لأن القصد من الصلاة عليهم الدعاء وذلك يحصل بالجمع في صلاة واحدة . + الشرح : حديث أنس رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وآخرون قال الترمذي : هو حديث حسن ، وهذا الذي ذكره المصنف أنه وقف عند رأس الرجل هو الصواب الموجود في كتب الحديث وغيرها . وأما قول الصيدلاني في هذا الرجل : وقف عند صدره فغلط صريح وفي رواية أبي داود أن هذه المرأة كانت أنصارية ، وفي رواية الترمذي أنها قرشية ، وذكر البيهقي الروايتين ، فلعلها كانت من إحدى الطائفتين ولها خلف من الأخرى أو زوجها من الأخرى . وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى على تسع جنائز فرواه البيهقي بإسناد حسن . وأما : حديث عمار بن أبي عمار فرواه البيهقي كما هو في المهذب ورواه أبو داود والنسائي مختصرا ولفظهما : قال عمار : شهدت جنازة أم كلثوم وابنها فجعل الغلام مما يلي الإمام فأنكرت ذلك ، وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة فقالوا : هذه السنة وإسناده صحيح وعمار هذا تابعي مولى لبني هاشم واتفقوا على توثيقه وعجيزة المرأة ألياها بفتح العين وكسر الجيم . أما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : السنة أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة بلا خلاف للحديث ولأنه أبلغ في صيانتها عن الباقين وفي الرجل وجهان الصحيح : باتفاق المصنفين ، وقطع به كثيرون وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين أنه يقف عند رأسه والثاني : قاله أبو علي الطبري عند صدره وهذا اختيار إمام الحرمين والغزالي وقطع به السرخسي ، قال الصيدلاني : وهو اختيار أئمتنا ، وقال الماوردي : قال أصحابنا البصريون : عند رأسه ، والبغداديون عند صدره ، والصواب ما قدمته عن الجمهور ، وهو عند رأسه ونقله القاضي حسين عن الأصحاب قال أصحابنا : وليس للشافعي في هذه المسألة نص . ممن قال هذا المحاملي في المجموع والتجريد وصاحب الحاوي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم . وقد ذكر البغوي في كتابه شرح السنة عن الشافعي وأحمد وإسحق أنه يقف عند رأسه والخنثى كالمرأة فيقف عند عجيزته فلو خالف هذا فوقف عند عجيزة الرجل أو غيرها أو رأس المرأة والخنثى أو غيره صحت صلاته لكنه خلاف السنة ، هذا تفصيل مذهبنا .

Section V05/P179–V05/P180

وقال أبو حنيفة : يقف عند صدر الرجل والمرأة جميعا وقال أبو يوسف وأحمد في رواية : عند عجيزة المرأة وصدر الرجل وعن أحمد رواية عند رأس الرجل ، ولم يذكر ابن المنذر وغيره عنه غيرها وبه قال إسحاق وحكاه الترمذي عن أحمد وإسحاق ونقل العبدري عن مالك عند وسط الرجل ومنكبي المرأة قال ابن المنذر وقال الحسن البصري : يقف حيث شاء منهما . دليلنا على الجميع حديث أنس المذكور في الكتاب . وعن سمرة رضي الله عنه قال : صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها وسطها رواه البخاري ومسلم . المسألة الثانية : إذا حضرت جنائز ، جاز أن يصلي عليهم دفعة صلاة واحدة وجاز أن يصلي على كل واحد وحده ، ودليله في الكتاب واتفقوا على أن الأفضل أن يفرد كل واحد بصلاة إلا صاحب التتمة ، فجزم بأن الأفضل أن يصلي عليهم دفعة واحدة لأن فيه تعجيل الدفن ، وهو مأمور به ، والمذهب الأول ، لأنه أكثر عملا وأرجى للقبول وليس هو تأخيرا كثيرا ، وسواء فيما ذكرناه كانوا ذكورا أو إناثا ، فإن كانوا نوعا واحدا وأراد أن يصلي عليهم صلاة واحدة ففي كيفية وضعهم طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف وسائر العراقيين وكثيرون من الخراسانيين ، ونقله إمام الحرمين عن معظم الأئمة أنه يوضع الجميع بين يدي الإمام بعضها خلف بعض ليحاذي الإمام الجميع . والطريق الثاني : حكاه أكثر الخراسانيين فيه وجهان وبعضهم يقول قولان أصحهما : هذا والثاني : وبه قال أبو حنيفة يوضع الجميع صفا واحدا رأس كل واحد عند رجل الآخر ويجعل الإمام جميعهم عن يمينه ويقف في محاذاة الآخر منهم فإن كن نساء فعند عجيزتها وإن كانوا رجالا فعند رأسه أو صدره على الوجه الآخر وإن كانوا رجالا ونساء تعين الطريق الأول بلا خلاف ، وإذا وضعوا كذلك ، فمن يقدم إلى الإمام ينظر إن جاءوا دفعة واحدة نظر إن اختلف النوع قدم الرجل أو الرجال ثم الصبي أو الصبيان ثم الخناثى ثم النساء كما في صلاتهم وراء الإمام ، وإن حضرت جماعة خناثى قال القاضي حسين والبغوي والمتولي وغيرهم يوضعون صفا واحدا رأس كل واحد عند رجل الآخر حتى لا تقدم امرأة على رجل وإن اتحد النوع قدم إلى الأمام أفضلهم . قال إمام الحرمين وغيره : والمعتبر في الفضيلة هنا الورع والتقوى وسائر الخصال المرعية في الصلاة عليه والغلبة على الظن كونه أقرب من رحمة الله تعالى ، قال الإمام رحمه الله : ولا يليق بهذا الباب التقديم بغير ما ذكرناه ، قالوا ولا يقدم بمجرد الحرية ، فلا يقدم حر على عبد لمجرد الحرية ، بخلاف الإمامة وغيرها من الولاية فإن الحر مقدم فيها لأنها تصرف والحر أدخل في التصرفات من العبد ومطلق التصرف في كل شيء وإذا مات الحر والعبد استويا في انقطاع تصرفهما وحينئذ فالورع أقرب ما يعتبر فإن استووا في كل الخصال ورضي الورثة بتقديم بعضهم قدم وإن تنازعوا أقرع بينهم ، صرح به إمام الحرمين والأصحاب ، هذا كله إذا جاءت الجنائز دفعة واحدة فإن جاءت متعاقبة قدم إلى الأمام أسبقها وإن كان مفضولا . هذا إن اتحد النوع . أما إذا اختلف فيقدم الذكورة ، فلو حضرت امرأة أولا ثم حضر رجل أو صبي قدم عليها إلى الأمام ، لأن مرتبة الرجال التقدم ، فإن كانت قد وضعت بقرب الإمام نحيت وقدم إليه الرجل والصبي . وأما إذا سبق الصبي فوجهان والصحيح : الذي نص عليه الشافعي ، وقطع به معظم الأصحاب أن الصبي يقدم إلى الأمام ويكون الرجل وراءه بخلاف المرأة ، لأن الصبي له موقف في الصف بخلاف المرأة والوجه الثاني : حكاه إمام الحرمين وغيره وبه قطع المحاملي في المجموع أن الرجل يقدم فينحى الصبي ، ويقدم الرجل كما في المرأة ، والمذهب الأول ، والخنثى مؤخر عن الصبي مقدم على المرأة وإن كانت جنازته سابقة .

Section V05/P180–V05/P181

المسألة الثالثة : فيمن يصلي عليهم ، إذا صلى عليهم دفعة فإن كان الإمام فظاهر وإن كان بعض الأولياء ، فإن رضوا بصلاة واحدة قدم ولي السابقة ، رجلا كان ميتة أو امرأة . وإن حضرت الجنائز دفعة أقرع بينهم ، وإن لم يرضوا بصلاة واحدة صلى كل واحد على ميته . قال الشافعي في الأم والبندنيجى والبغوي وغيرهما من الأصحاب : لو افتتح الإمام الصلاة على الجنازة ثم حضرت أخرى وهم في الصلاة : تركت حتى يفرغ من صلاته على الأولى ثم يصلي على الثانية . قال الشافعي رحمه الله : ولا يعتد بالتكبير الذي كان قبل حضوره ، لأنه لم ينو هذه الثانية والله أعلم . فرع : لو تقدم المصلي على الجنازة عليها وهي حاضرة ، أو صلى على القبر وتقدم عليه ، ففيه وجهان مشهوران أصحهما : بطلان صلاته ، ونقل الرافعي الاتفاق على تصحيحه ، وقال المتولى وجماعة : إن جوزنا تقدم المأموم على الإمام جاز هذا وإلا فلا على الصحيح ، ولو صلى المأموم قدام الإمام وقدام الجنازة . فإن أبطلنا صلاة المنفرد إذا تقدم على الجنازة فهذا أولى ، وإلا ففيه القولان المشهوران في تقدم المأموم على الإمام الصحيح : بطلانها فحصل من هذا كله أنه متى تقدم على الجنازة أو القبر أو الإمام فالصحيح بطلان صلاته . فرع في مذاهب العلماء في كيفية وضع الجنائز إذا صلى عليها دفعة قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يقدم إلى الأمام الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ، قال ابن المنذر وممن قال يقدم الرجال مما يلي الإمام والنساء وراءهم : عثمان بن عفان وعلي وابن عمر وابن عباس والحسن والحسين وزيد بن ثابت وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وسعيد بن المسيب والشعبي وعطاء والنخعي والزهري ويحيى الأنصاري ومالك والثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق ، قال وبه أقول ، قال : وقال الحسن والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله : يجعل النساء مما يلي الإمام والرجال مما يلي القبلة . وعن أحمد رواية أن المرأة تقدم إلى الأمام على الصبي . والله أعلم . فرع : قول المصنف : فإن صلى عليهم صلاة واحدة جاز . هكذا مكرر لا حاجة إليه فإنه سبق في قوله : فإن اجتمع جنائز قدم إلى الإمام أفضلهم ، وكأنه أعاده ليذكر دليله من حيث المعنى ، وإن كان قد سبق دليله من حيث الرواية .

Section V05/P181–V05/P183

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أراد الصلاة نوى الصلاة على الميت ، وذلك فرض لأنها صلاة ، فوجب لها النية كسائر الصلوات ، ثم يكبر أربعا لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كبر على الميت أربعا وقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن والتكبيرات الأربع واجبة ، والدليل عليه أنها إذا فاتت لزم قضاؤها ولو لم تكن واجبة لم يجب قضاؤها ، كتكبيرات العيد ، والسنة أن يرفع يديه مع كل تكبيرة لما روي أن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه على الجنازة في كل تكبيرة . وعن عبد الله بن عمر والحسن بن علي رضي الله عنهما مثله . وعن زيد ابن ثابت ، وقد رأى رجلا فعل ذلك ، فقال : أصاب السنة ولأنها تكبيرة لا تتصل بسجود ولا قعود فسن لها رفع اليد كتكبيرة الإحرام في سائر الصلوات . + الشرح : أما حديث جابر فرواه هكذا الشافعي في الأم ومختصر المزني عن إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر ، ورواه الحاكم والبيهقي عن الشافعي بهذا الإسناد ، وإبراهيم هذا ضعيف عند أهل الحديث ، لا يصح الاحتجاح بحديثه ، لكن قدر الحاجة منه في هذه المسألة صحيح ففي صحيح البخاري ومسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى على النجاشي وكبر عليه أربعا . وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى على النجاشي فكبر عليه أربعا وروى التكبير أربعا عن ابن عباس وغيره في الصحيح وأما الأثر المذكور عن عمر فرواه والأثر عن ابن عمر رواه البيهقي بإسناده وقول المصنف لأنها تكبيرة لا تتصل بسجود ولا قعود احترز عن تكبيرات السجود والرفع منه ، ومن التشهد الأول فإن المشهور في المذاهب أنه لا يرفع في شيء من ذلك ، وفي هذا كله خلاف سبق في موضعه . وأما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : لا تصح الجنازة إلا بالنية لحديث : إنما الأعمال بالنيات وقياسا على غيرها . قال أصحابنا : وصفة النية أن ينوى مع التكبير أداء الصلاة على هذا الميت و هؤلاء الموتى إن كانوا جمعا ، سواء عرف عددهم أم لا ، ويجب نية الاقتداء إن كان مأموما ، وهل يفتقر إلى نية الفريضة فيه الوجهان السابقان في سائر الصلوات ، ذكره الصيدلاني والروياني والرافعي وآخرون ، وهل يشترط التعرض لكونها فرض كفاية ، أم يكفي مطلق نية الفرض فيه وجهان حكاهما الروياني والرافعي الصحيح : الاكتفاء بمطلق نية الفرض ولا يفتقر إلى تعيين الميت ، وأنه زيد أو عمرو أو امرأة أو رجل ، بل يكفيه نية الصلاة على هذا الميت وإن كان مأموما ونوى الصلاة على من يصلي عليه الإمام كفاه صرح به البغوي وغيره . ولو عين الميت وأخطأ بأن نوى زيدا فكان عمرا ، أو الرجل فكانت امرأة أو عكسه لم تصح صلاته بالاتفاق لأنه نوى غير الميت . وإن نوى الصلاة على هذا زيد فكان عمرا فوحهان لتعارض الإشارة والنية وقد سبق بيانهما في أوائل باب صلاة الجماعة أصحهما : الصحة . قال البغوي وغيره : ولا يضر اختلاف نية الإمام والمأموم ، فإذا نوى الصلاة على حاضر ، والمأموم على غائب وعكسه أو نوى غائبا ونوى المأموم آخر صحت صلاتهما كما لو صلى الظهر خلف مصلي العصر . الثانية : التكبيرات الأربع أركان لا تصح هذه الصلاة إلا بهن ، وهذا مجمع عليه وقد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أن التكبير المشروع خمس أو أربع أم غير ذلك ، ثم انقرض ذلك الخلاف ، وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات بلا زيادة ولا نقص .

Section V05/P183–V05/P185

قال أصحابنا : فإن كبر خمسا فإن كان ناسيا لم تبطل صلاته لأنه ليس بأكثر من كلام الآدمي ناسيا ولا يسجد للسهو ، كما لو كبر أو سبح في غير موضعه ، وإن كان عمدا فوجهان مشهوران أحدهما : تبطل صلاته ، وبه قطع القفال في شرحه التلخيص ، وصاحبه القاضي وصاحبه المتولي ، لأنه زاد ركنا فأشبه من زاد ركوعا . والثاني : لا تبطل وهو الصحيح وبه قطع الأكثرون وصححه البغوي والشاشي وصاحب البيان وآخرون ، ونقله الرافعي عن الأكثرين ، بل زاد ابن سريج فقال صحت الأحاديث بأربع تكبيرات وخمس ، وهو من الاختلاف المباح والجميع جائز . وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يكبر خمسا ولأنه ليس إخلال بصورة الصلاة فلم تبطل به ، كما زاد تكبيرا في غيرها من الصلوات ولو كان مأموما فكبر إمامه خمسا فإن قلنا بقول ابن سريج : أن الجميع جائز تابعه ، وإن قلنا : الخامسة تبطل فارقه ، فإن تابعه بعد ذلك بطلت صلاته ، وإن قلنا بالمذهب أنها لا تشرع ولا تبطل بها الصلاة لم يفارقه ولم يتابعه ، فيه طريقان المذهب : لا يتابعه ، وبه قطع كثيرون أو الأكثرون والثاني : فيه وجهان ، وبعضهم يقول قولان أصحهما : لا يتابعه والثاني : يتابعه لتأكد المتابعة . وممن حكى هذا الطريق إمام الحرمين وآخرون ، فإن قلنا : لا يتابعه فهل يسلم في الحال أن ينتظره ليسلم معه فيه وجهان حكاهما صاحب الحاوي وإمام الحرمين وغيرهما أحدهما : يفارقه ، كما لو قام الإمام إلى خامسة وأصحهما : ينتظره وبه قطع صاحب الشامل وغيره لتأكد متابعته ، ويخالف القيام إلى خامسة لأنه يجب متابعته في الأفعال ، ولا يمكن في الخامسة ولا يلزم متابعته في الأذكار التي ليست محسوبة للمأموم . المسألة الثانية : السنة أن يرفع يديه في كل تكبيرة من هذه الأربع حذو منكبيه ، وصفة الرفع وتفاريعه كما سبقت في باب صفة الصلاة ، قال أصحابنا : ويجمع يديه عقب كل تكبيرة من الأربع ويجعلهما تحت صدره ، واضعا اليمنى على اليسرى كما في سائر الصلوات ، وهذا لا خلاف فيه ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى على جنازة فوضع يده اليمنى على اليسرى رواه الترمذي بإسناد ضعيف وقال غريب . فرع : في مذاهب العلماء في عدد التكبير . قال ابن المنذر رحمه الله : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم : كبر أربعا وبه قال عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت والحسن بن علي وابن أبى أوفى والبراء بن عازب وأبو هريرة وابن عامر ومحمد ابن الحنفية وعطاء والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي . وقال ابن مسعود وزيد بن أرقم : يكبر خمسا ، وقال ابن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد ، يكبر ثلاثا ، وعن ابن سيرين نحوه ، وقال بكر بن عبد الله المزني : لا ينقص من ثلاث تكبيرات ولا يزاد على سبع . وقال أحمد : لا ينقص من أربع ولا يزاد على سبع ، وعن ابن مسعود : يكبر ما يكبر الإمام ، وقال علي رضي الله عنه : يكبر ستا قال : ولو كبر الإمام خمسا اختلف القائلون بأربع فقال الثوري ومالك وأبو حنيفة : لا يتابعه ، وقال أحمد وإسحاق : يتابعه ، وقال ابن المنذر : بالأربع أقول ، هذا نقل ابن المنذر . وقال العبدري : ممن قال بخمس تكبيرات زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان والشيعة ، وعن علي رضي الله عنه أنه كبر على أهل بدر ستا ، وعلى غيرهم من الصحابة خمسا ، وعلى سائر الناس أربعا ، وروي أنه كبر على أبي قتادة سبعا ، وكان بدريا .

Section V05/P185–V05/P186

وقال داود رحمه الله : إن شاء خمسا ، وإن شاء أربعا ، وعن أحمد رواية أنه لا يتابع الإمام في زيادة على الأربع ، وفي رواية : يتابعه إلى خمس ، والمشهور عنه يكبر أربعا ، فإن زاد إمامه يتابعه إلى سبع ، والله أعلم . فرع : في رفع الأيدي في تكبيرات الجنازة . قال ابن المنذر في كتابيه الإشراف والإجماع : أجمعوا على أنه يرفع في أول تكبيرة ، واختلفوا في سائرها ، فمن قال بالرفع في كل تكبيرة ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء وسالم والزهري وقيس بن أبي حازم والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وبه أقول ، قال : وقال الثوري وأصحاب الرأي لا يرفع إلا في الأولى ، واختلف فيه عن مالك ، هذا نقل ابن المنذر : وممن قال : يرفع في كل تكبيرة داود ، وممن قال : يختص بالأولى الحسن بن صالح ، واحتج لهم بحديثين عن ابن عباس ، وعن أبي هريرة رضي الله عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة رفع يديه في أول تكبيرة زاد ابن عباس ثم لا يعود رواهما الدارقطني ، واحتج أصحابنا رحمهم الله بما ذكره المصنف ، والجواب عن حديثي ابن عباس وأبي هريرة أنهما ضعيفان .

Section V05/P186–V05/P187

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويقرأ بعد التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب ، لما روى جابر ، وهي فرض من فروضها لأنها صلاة يجب فيها القيام ، فوجب فيها القراءة كسائر الصلوات وفي قراءة السورة وجهان . أحدهما : يقرأ سورة قصيرة لأن كل صلاة قرأ فيها الفاتحة قرأ فيها السورة كسائر الصلوات والثاني : لا يقرأ لأنها مبنية على الحذف والاختصار ، والسنة في قراءتها الأسرار لما روى أن ابن عباس صلى بهم على جنازة فكبر ثم قرأ بأم القرآن فجهر بها ، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما انصرف قال : إنما جهرت بها لتعلموا أنها هكذا ولا فرق بين أن يصلي بالليل أو النهار ، وقال أبو القاسم الداركي : إن كانت الصلاة بالليل جهر فيها لأن لها نظيرا بالنهار يسر فيها فجهر فيها كالعشاء . وهذا لا يصح لأن صلاة العشاء راتبة في وقت من الليل ولها نظير راتب في وقت من النهار يسن في نظيرها الإسرار فسن فيها الجهر وصلاة الجنازة صلاة واحدة ، ليس لها وقت تختص به من ليل أو نهار ، بل تفعل في الوقت الذي يوجد سببها ، وسننها الإسرار ، فلم يختلف فيها الليل والنهار ، وفي دعاء التوجه والتعوذ عند القراءة وجهان قال عامة أصحابنا لا يأتي به لأنها مبنية على الحذف والاختصار وقال شيخنا أبو الطيب : يأتي به لأن التوجه يراد لافتتاح الصلاة والتعوذ للقراءة وفي هذه الصلاة افتتاح وقراءة فوجب أن يأتي بذكرهما . + الشرح : حديث جابر سبق وذكرنا أنه ضعيف ويغني عنه في هذه المسألة حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه : صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال : لتعلموا أنها سنة رواه البخاري بهذا اللفظ ، وقوله : سنة هو كقول الصحابي رضي الله عنه : من السنة كذا ، فيكون مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المذهب الصحيح . الذي قاله جمهور العلماء من أصحابنا في الأصول ، وغيرهم من الأصوليين والمحدثين . وفي رواية الشافعي وغيره بإسناد حسن ، فجهر بالقراءة وقال : إنما جهرت لتعلموا أنها سنة يعني لتعلموا أن القراءة مأمور بها . وأما الرواية التي ذكرها المصنف عن ابن عباس بزيادة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرواها البيهقي بإسناده عن غير ابن عباس من الصحابة فرواها من عبادة بن الصامت ، وعن رجال من الصحابة رضي الله عنهم ، وعن أبي أمامة بن سهل رضي الله عنهما قال : السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ، ثم يكبر ثلاثا ، والتسليم عند الآخرة رواه النسائي بإسناد على شرط الصحيحين ، وأبو أمامة هذا صحابي . وقول المصنف لأنها صلاة يجب فيها القيام ، احتراز من الطواف وسجود التلاوة والشكر وقوله : كل صلاة قرأ فيها الفاتحة ، احتراز من الطواف والسجود أيضا . وقوله : الداركي ، هو بفتح الراء ، واسمه عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز تفقه على أبي إسحاق المروزي وتفقه عليه الشيخ أبو حامد الإسفراييني وعامة شيوخ بغداد وغيرهم قال الشيخ أبو حامد : ما رأيت أفقه من الداركي توفي ليلة الجمعة لثلاث عشرة من شوال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وهو ابن نيف وسبعين سنة .